أشياء كثيرة كانت مجهولة من قبل؛ وبذلك وطأت سبيلا للاعتقاد بأن من الممكن اكتشاف أشياء أخرى غيرها. وقصدي من ذلك أن أستحث بهذا جميع الناس على البحث عن الحقيقة١. ومنذ ذلك الحين، وقد تنبأت بما قد يجده كثيرون من صعوبة في تصور أسس الميتافيزيقا، حاولت أن أشرح أهم مباحثها في كتاب تأملات٢ ليس في الأصل كبيرا، ولكن زاد حجمه واتضحت مادته كثيرا بما أضيف إليه من اعتراضات أرسلها إلي بصدده أشخاص كثيرون من المتجرين جدا في العالم، ومن ردود قيدتها على تلك الاعتراضات. وأخيرا لما بدا لي أن تلك الرسائل السابقة قد مهدت أذهان القراء لتلقي مبادئ الفلسفة رأيت أيضا أن أنشر هذه المبادئ.
وقد قسمت الكتاب أربعة أجزاء, يحتوي الأول منها على مبادئ المعرفة، وهو ما يمكن أن يسمى الفلسفة الأولى أو الميتافيزيقا. ولكي يفهم جيدا يجعل أولا أن يقرأ كتاب "التأملات" الذي كتبته في هذا الموضوع٣ والأقسام الثلاثة الأخرى أعم ما في الفيزيقا، أعني: تفسير القوانين الأولى أو مبادئ الطبيعة، وعلى أي نحو خلقت السموات والنجوم والثوابت والكواكب والشهب والكون كله على العموم, وعلى الخصوص طبيعة هذه الأرض وهذا الهواء والماء والنار والمغناطيس، وهي الأجسام التي يمكن أن نراها عموما محيطة بها، والطبيعة جميع الصفات التي نلحظها في الأجسام، كالنور والحرارة والثقل وما شابه ذلك. وبهذا أحسب أني بدأت أفسر الفلسفة كلها بترتيب، دون أن أغفل شيئا مما يجب تقديمه على الأشياء الأخيرة التي كتبت عنها.
стр. 37
ولكن لكي أنهض بهذا المشروع, وأمضي فيه حتى غايته ينبغي فيما يلي أن أفسر كذلك طبيعة كل واحد من الأجسام الأخرى الأخص والموجودة على الأرض، أعني: طبيعة المعادن والنبات والحيوان وخصوصا الإنسان، ثم يجب أن أبحث بحثا دقيقا في الطب والأخلاق والميكانيكا، هذا ما ينبغي أن أعمل لكي أعطي الناس بناء للفلسفة تاما. ولا يخامرني بعد شعور بأني بلغت من كبر السن، ولا من عدم الاطمئنان إلى قواي، ولا من البعد عن معرفة ما يتبقى، مبلغا يحول دون الإقدام على إتمام المشروع إذا توافرت لدي إمكانية القيام بجميع التجارب التي أحتاج إليها تأييدا لاستدلالاتي وتبريرا لها١، ولكن لما رأيت أن ذلك يقتضي نفقات لا قبل لفرد مثلي على تحللها ما لم يجد لدى الجمهور عونا له، ولما رأيت أنه لا ينبغي لي أن أنتظر هذا العون، فقد بدا لي أن الأولى أن أقنع بالدرس ابتغاء تثقيف نفسي، وأن خلفائي سيلتمسون لي العذر إذا ما تقاعدت عن العمل من أجلهم في المستقبل.
стр. 38
بيد أنه لكي يستطيع الجمهور أن يرى مبلغ ما قدمت له من قبل من خدمات، سأقول ههنا: ما هي الثمرات التي أظن أن في الإمكان استخلاصها من مبادئ؟ الأولى هي الرضا الذي يناله المرء حين يجد فيها حقائق كثيرة كانت مجهولة من قبل؛ فلئن تكن الحقيقة في أكثر الأحيان أقل إثارة لخيالنا من الأكاذيب والأوهام, بالنظر إلى أنها تبدو أقبل بهاء وأكثر بساطة، فإن الرضا الذي تعطيه أبقى وأمتن. والثمرة الثانية هي أن المرء بدراسته هذه المبادئ يتدرج على إجازة الحكم على جميع الأشياء التي تعرض له، فيكتسب بذلك عادات الحكماء، ومن هذا الوجه ستكون لمبادئي نتيجة مختلفة كل الاختلاف عن نتيجة الفلسفة الشائعة؛ لأن من الميسور أن نلاحظ فيمن يسميهم الناس متحذلقين بأنها تجعلهم أقل قدرة على التعقل بما لو كانوا يجهلونها. والثمرة الثالثة أن الحقائق التي تتضمنها لما كانت واضحة جدا, ويقينية جدا فإنها تبعد كل مثار للنزاع، فتهيئ النفوس للوداعة والوئام، وبخلاف ذلك مجادلات المدرسيين، فإنها إذ تجعل من حفظوها -دون شعور منهم- أشد لجاجة وعنادا، ربما كانت العلة الأولى فيما يشتجر الآن بين الناس من شقاق خصام. والثمرة الأخيرة الكبرى لهذه المبادئ أن في الإمكان لمن يرعاها أن يتكشف حقائق كثيرة لم أفسرها. فإذا انتقل المرء شيئا فشيئا من بعض هذه الحقائق إلى بعضها الآخر, استطاع أن يحصل مع الأيام معرفة كاملة بالفلسفة كلها، وأن يرقى إلى أعلى درجة من درجات الحكمة.
والأمر ههنا كما نرى في جميع الفنون: فإنها وإن تكن في البداية شاقة وناقصة، إلا أنها من حيث اشتمالها على شيء من الحق تؤيد التجربة نتيجته, فهي تكمل شيئا فشيئا بالاستعمال، كذلك حين يملك المرء مبادئ حقيقية في الفلسفة واتبعها لم يمكن أن يخلو من أن يجد في بعض الأحيان حقائق أخرى.
стр. 39
وما من دليل على فساد مبادئ أرسطو أقوى من أن نقول بأن الناس قد اتبعوها منذ قرون عديدة, دون أن يحرزوا أي تقدم عن طريقها١.
وأنا أعلم جيدا أن من الناس من يتعجلون تعجيلا شديدا في أحكامهم، ويقصرون عن اتخاذ أسباب الحيطة والتبصر في أعمالهم، فلا يستطيعون -وإن ملكوا أسسا متينة- أن يبنوا بناء قويما. ولما كان هؤلاء في العادة أسرع الناس إلى تأليف الكتب, فإنهم يستطيعون في وقت قصير أن يفسدوا كل ما صنعت، وأن يدخلوا الاضطراب والشك في طريقتي في التفلسف، مع أنني حرصت على أن أبعدها عنهما، إذا تلقى الناس مؤلفاتهم فحسبوها مؤلفاتي أو أنها مليئة بآرائي. ولقد رأيت منذ عهد قريب هذه التجربة في واحد ممن كان أكبر الظن فيه أنه حريص على أن يكون من أنصاري٢، بل إنه رجل قلت عنه في بعض ما كتبت: إنني مطمئن إلى فهمه اطمئنانا يجعلني أعتقد أنه لا يمكن أن يدلي برأي إلا ويحلو لي أن أتبناه, فقد نشر في العام الماضي كتابا عنوانه "أسس الفيزيقا" يبدو أنه لم يكتب فيه شيئا عن الفيزيقا والطب إلا وقد اقتبسه من مؤلفاتي! إما من المؤلفات التي نشرتها أو من مؤلفات آخر ناقص عن طبيعة الحيوان وقع بين يديه. بيد أنه حرف مواضع القول وغير ترتيب التفكير، وأنكر بعض حقائق الميتافيزيقا التي يلزم أن تستند إليها الفيزيقا كلها٣، ولذلك أراني مضطرا إلى أن أبرأ منه براءة تامة, وأن أرجو القراء ههنا أن لا ينسبوا إلي
стр. 40
قط رأيا ما لم يجدوه مصرحا به في كتبي، وأن لا يقبلوا شيئا على أنه حق، لا في مؤلفاتي ولا في غيرها، ما لم يروه -في وضوح- مستنتجا من المبادئ الحقة.
وأنا أعلم أيضا أنه قد تمضي قرون عديدة قبل أن يتاح للناس أن يستخلصوا من هذه المبادئ جميع الحقائق التي يستطاع استخلاصها منها١، إما لأن أغلب الحقائق التي لم يهتد إليها بعد تعتمد على بعض التجارب الخاصة التي لا تتحقق قط بطريق المصادفة, بل يلزم أن ينقطع لها رجال شديدو الذكاء يبذلون الجهد والمال في سبيل البحث عنها، وإما لأن من العسير أن يجتمع لأشخاص بعينهم أن يبرعوا في حسن استخدامها, وأن تكون لهم القدرة على إجرائها، وكذلك لأن أغلب أصحاب الأذهان الفائقة قد بلغ من سوء رأيهم في الفلسفة السائدة حتى اليوم من عيوب, أنهم لن يستطيعوا قط أن يقعدوا عزمهم على الاشتغال بالبحث عن فلسفة أفضل منها.
ولكن أقول في الختام: إنه إذا كان الاختلاف الذي سيرونه بين هذه المبادئ, وبين مبادئ أي مذهب آخر، والمركب الكبير من الحقائق التي يمكن أن تستخلص منها يجعلهم يعرفون أهمية الاستمرار في بحث هذه الحقائق, ومدى ما يستطيع أن يوصلنا إليه من درجات الحكمة وكمال الحياة وغبطتها، فإني مقتنع بأنه لن يوجد واحد لا يحاول أن يشغل نفسه بهذا البحث المفيد, أو على الأقل لا يؤيد ولا يعاون بكل قواه أولئك الذين يهبون أنفسهم للمضي في هذا السبيل موفقين.
إن أمنيتي أن يأتي يوم يشهد فيه خلفاؤنا هذه العقبى السعيدة ... إلخ٢.
стр. 41
في مبادئ المعرفة البشرية:
١- "في أنه للفحص عن الحقيقة يحتاج الإنسان مرة في حياته إلى أن يضع الأشياء جميعا موضع الشك بقدر ما في الإمكان":
من حيث إننا كنا أطفالا قبل أن نكون رجلا، وإننا قد أصبنا حينا وأخطأنا حينا آخر في الحكم على الأشياء التي عرضت لحواسنا حينما لم نكن قد استكملنا بعد استعمال عقولنا، فإن أحكاما كثيرة قد تعجلنا في إطلاقها تمنعنا من الوصول إلى معرفة الحقيقة، وتتشبث بنفوسنا تشبثا يلوح لنا معه أن من المحال أن نتخلص منها ما لم نشرع مرة في الشك في جميع الأشياء, التي قد نجد فيها أدنى شبهة من قلة اليقين.
٢- "في أن من النافع أيضا أن نعد جميع الأشياء التي يمكن الشك فيها غير صحيحة":
قد يكون من النافع جدا أن نعد الأشياء التي قد تتخيل فيها أقل شك غير صحيحة، حتى إذا وجدنا أن بعضها رغم هذا الاحتياط، يبدو لنا بجلاء أنه صحيح، واعتبرناه يقينيا جدا, وعددناه أسهل ما يمكن معرفته١.
٣- "في أنه لا ينبغي أن نستعمل هذا الشك في تدبير أفعالنا":
على أن بودي أن نلاحظ أني لا أقصد أن نستعمل الشك على هذا النحو إلا حين نشرع في العكوف على تأمل الحقيقة؛ لأن من المحقق أننا فيما يختص بسلوك حياتنا مضطرون في معظم الأحيان إلى متابعة آراء ليست إلا احتمالية؛
стр. 42
ذلك لأن فرص العمل في شئون حياتنا تكاد دائما أن تنقضي قبل أن يتيسر لنا أن نتخلص من جميع شكوكنا، فإذا صادفنا منها آراء كثيرة كهذه في موضوع واحد، ولم نكن نستطيع ترجيح بعضها على البعض الآخر، وكان العمل لا يحتمل أي تأخير، فإن العقل يقضي بأن نختار منا رأيا، وبعد اختياره أن نثابر على اتباعه كما لو كنا قد حكمنا عليه بأنه يقيني جدا١.
٤- "لِمَ يمكن الشك في حقيقة الأشياء الحسية؟ ":
لكن لما كان غرضنا الآن مقصورًا على الانصراف إلى البحث عن الحقيقة، فبوسعنا أن نشك أولا بصدد الأشياء التي وقعت تحت حواسنا, أو التي تخيلناها إطلاقا فنتساءل: هل منها ما هو موجود حقا في العالم؟ وذلك لأن التجربة قد دلتنا على أن حواسنا قد خدعتنا في مواطن كثيرة، وأنه يكون من قلة التبصر أن نطمئن كل الاطمئنان على من خدعونا ولو مرة واحدة، وكذلك لأننا نكاد نحلم دائما ونحن نائمون.
ويبدو لنا حينذاك أننا نحس بشدة, ونتخيل بوضوح عددا لا يحصى من الأشياء التي ليس لها وجود في الخارج، ومتى صمم الإنسان على أن يشك في كل شيء لم يعد يجد علامة للتمييز بين الخواطر التي ترد علينا في حال النوم, وتلك التي ترد علينا في حال اليقظة٢.
٥- "لِمَ يمكن الشك أيضا في براهين الرياضة؟ ":
وبوسعنا أن نشك أيضا في جميع الأشياء التي بدت لنا من قبل يقينية جدا. بل نشك في براهين الرياضة وفي مبادئها وإن تكن في ذاتها جلية جلاء كافيا.
стр. 43
لأن من الناس من أخطئوا وهم يفكرون في مثل هذه الأمور، وعلى الخصوص لأننا علمنا أن الله الذي خلقنا يستطيع أن يفعل ما يشاء, وما ندري بعد فربما كانت مشيئته أن يجعلنا بحيث نكون دائما على ضلال، حتى في الأشياء التي نظن أننا على بينة منها، فإنه ما دام قد سمح بأن نضل في بعض الأحيان, كما علمنا من ملاحظة الواقع, فلم لا يستطيع أن يسمح بأن نضل على الدوام؟ وإذا افترضنا أن إلها واسع القدرة ليس هو بارئ وجودنا، فبقدر ما نفترض هذا الخالق أقل قدرة يكون لدينا أسباب أدعى إلى الاعتقاد بأننا لم نبلغ من الكمال ما يحول دون تعرضنا للضلال باستمرار.
٦- في أن لنا حرية اختيار تجعلنا نستطيع أن نمسك عن التصديق بالأشياء المشكوك فيها؛ ومن ثم نصون أنفسنا من الوقوع في الضلال:
لكن على فرض أن الذي خلقنا واسع القدرة, وعلى فرض أنه يرضيه إضلالنا، فنحن لا نخلو من أن نجد في أنفسنا حرية نستطيع بها إذا شئنا أن نمتنع عن التصديق بالأشياء التي لا نعرفها حق المعرفة، وبهذا نمنع أنفسنا من الضلال١.
٧- في أننا لا نستطيع أن نشك دون أن نكون موجودين, وأن هذا أول معرفة يقينية يستطاع الحصول عليها:
ونحن حين نرفض على هذا النحو كل ما يمكننا أن نشك فيه, بل وحين نخاله باطلا، يكون من الميسور لنا أن نفترض أنه لا يوجد إله ولا سماء ولا أرض،
стр. 44
وأنه ليس لنا أبدان، لكننا لا نستطيع أن نفترض أننا غير موجودين حين نشك في حقيقة هذه الأشياء جميعا؛ لأن مما تأباه عقولنا أن نتصور أن ما يفكر لا يكون موجودًا حقا حينما يفكر. وعلى الرغم من أشد الافتراضات شططا, فإننا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الاعتقاد بأن هذه النتيجة: أنا أفكر، وإذن فأنا موجود١ صحيحة، وبالتالي أنها أهم وأوثق معرفة تعرض لمن يدير أفكاره بترتيب٢.
٨- في أننا نعرف أيضا بعد ذلك التمييز القائم بين النفس والبدن:
ويبدو لي أيضا أن هذا المسلك هو خير المسالك التي نستطيع أن نختارها لكي نعرف طبيعة النفس, وأنها جوهر متميز كل التميز عن البدن؛ لأننا حين نفحص عن ماهيتنا نحن الذين نفكر الآن في أنه ليس خارج فكرنا شيء هو موجود حقا، نعرف جليا أننا لا نحتاج لكي نكون موجودين إلى أي شيء آخر يمكن أن يعزى إلى الجسم، وإنما وجودنا بفكرنا وحده. وإذن ففكرتنا عن نفسنا أو عن فكرنا سابقة على فكرتنا عن الجسم، وهذه الفكرة أكثر يقينا. بالنظر إلى أننا لا نزال نشك في وجود أي جسم, في حين أننا نعرف على وجه اليقين أننا نفكر.
٩- ما هو الفكر؟:
أقصد بلفظ الفكر كل ما يختلج فينا بحيث ندركه بأنفسنا إدراكًا مباشرًا. ومن أجل هذا لا يقتصر مجال الفكر على التعقل والإرادة والتخيل، بل يتناول الإحساس أيضا؛ لأني حين أقول: أنا أرى وأمشي، وإذن فأنا موجود، وحين
стр. 45
أقصد من الكلام على الرؤية أو المشي عمل عيني أو ساقي، لا يكون استنتاجي استنتاجا يقينيا ينتفي معه كل شك. فقد أظن أني أرى أو أمشي دون أن أفتح عيني أو أبرح مكاني، كما يحدث لي أحيانا وأنا نائم، بل ربما يقع لي هذا الظن نفسه لو لم يكن لي جسم على الإطلاق. ولكن حين أريد أن أتحدث فقط عن عمل فكري أو وجداني, أي: عن المعرفة التي أجدها في نفسي, والتي تخيل لي أني أرى أو أمشي، تكون هذه النتيجة صحيحة لا أستطيع أن أشك فيها؛ لأنها ترجع إلى النفس، التي لها وحدها ملكة الوعي أو التفكير على أي نحو آخر١.
١٠- في أن من المعاني ما تكون واضحة كل الوضوح بذاتها، وتصير غامضة متى أريد تعريفها على طريقة المدرسيين, وأنها لا تكتسب بالدرس بل تولد معنا:
لا أفسر هنا ألفاظا أخرى كثيرة قد استعملتها من قبل وسوف أستعملها من بعد؛ لأني لا أظن أن ممن يقرءون كتاباتي من بلغ به الغباء درجة تحول بينه وبين أن يفهم من نفسه معنى هذه الألفاظ. ثم إني لاحظت أن الفلاسفة أرادوا أن يفسروا, وفقا لقواعد منطقهم، أشياء هي في ذاتها جلية واضحة، فلم يستطيعوا إلا أن يجعلوها أشد غموضا. وأنا حين قلت: إن هذه القضية: "أفكر, وإذن فأنا موجود" هي أول وأوثق قضية تعرض لمن يتفلسف على نهج مرتب، لم أنكر أنه يلزمنا أن نعرف أولا: ما هو الفكر؟ وما هو اليقين؟ وما هو الوجود؟ وأنه لكي نفكر يجب أن نكون موجودين وما شبه ذلك، لكن لما كانت هذه معاني
стр. 46
بسيطة كل البساطة, ولا تعطينا في ذاتها معرفة لأي شيء موجود، لم أَرَ ضرورة لإحصائها هنا١.
١١- كيف نستطيع أن نعرف نفوسنا معرفة أوضح من معرفتنا لأجسامنا ٢؟:
ولكن لكي نعرف كيف أن معرفتنا لفكرنا سابقة على معرفتنا لجسمنا, وأنها أشد منها بداهة، بحيث إنه لو انعدم الجسم لكنا محقين في أن نذهب إلى أن ماهية الفكر لا تخلو من أن تكون موجودة بتمامها، ويجمل بنا أن نلاحظ أنه قد ظهر لنا بنور فطري مودع في نفوسنا أن العدم ليست له صفات ولا خواص, وأنه حيث ندرك بعض هذه الصفات هناك فلا بد من جوهر تعتمد عليه. وكذلك يظهرنا هذا النور عينه على أن معرفتنا للشيء أو للجوهر تكون أشمل بمقدار ما نستكشف فيه من صفات أوفر. ولكننا نقطع بأننا نلاحظ من الخواص في فكرنا ما يزيد بكثير على ما نلاحظ في أي شيء آخر مهما يكن، إذ ما من شيء يثيرنا إلى المعرفة من أي نوع إلا ويكون دفعه لنا على معرفة فكرنا أعظم وأوثق. مثال ذلك: أنني لو أقنعت نفسي بأن هنالك أرضا لأنني ألمسها وأراها، فيلزمني من باب أولى أن أكون مقتنعا بأن فكري كائن أو موجود، إذ إنني ربما ظننت أنني ألمس الأرض مع أنه قد لا يكون هنالك أرض على الإطلاق، ولأنه ليس من الممكن أن تكون إني، أي: نفسي، غير موجودة، بينما يكون لديها هذا الظن.
نستطيع أن نخلص إلى النتيجة عينها في جميع الأشياء الأخرى التي تعرض
стр. 47
لفكرنا، أعني بذلك: أننا -نحن الذين نفكر فيها- موجودون حتى ولو كانت هذه الأشياء باطلة أو لم يكن لها وجود على الإطلاق.
١٢- لِمَ كان الناس جميعا لا يعرفون النفس على هذا النحو؟:
إن من لم يسلكوا سبيل التفلسف المرتب قد أدلوا بآراء أخرى في هذا الموضوع؛ لأنهم يبذلون القدر اللازم من العناية للتمييز بين النفس أو الجوهر المفكر, وبين الجسم أو الجوهر الممتد طولا وعرضا وعمقا. إنهم لم يجدوا غضاضة في الاعتقاد بأنهم هم أنفسهم موجودون، وأن وثوقهم من هذا الوجود أشد من وثوقهم من أي شيء آخر. لكنهم لم يلتفتوا إلى أننا ما دمنا بسبيل اليقين الميتافيزيقي قد كان يتعين عليهم حين استعملوا لفظ "أنفسهم" أن يفهموا منه ههنا فكرهم أو روحهم فقط، ومن حيث إنهم قد آثروا الظن بأن المقصود هو أجسامهم التي يرونها بعيونهم ويلمسونها بأيديهم، وينسبون إليها خطأ ملكة الحس، فقد ترتب على ذلك أنهم لم يعرفوا طبيعة النفس معرفة متميزة.
١٣- على أي معنى يمكن القول بأن من جهل الله, فلن يستطيع أن يعرف شيئا آخر معرفة يقينية؟:
ولكن الفكر، الذي يعرف ذاته على هذا النحو, وإن يكن بعد مقيما على شكله في الأشياء الأخرى، إذا استبصر فيما حوله بغية المضي في توسيع نطاق معارفه, يجد في ذاته أولا أفكارا "أو صورا ذهنية لأشياء عديدة؛ فإذا اقتصر عمله على تأملها دون أن يثبت, أو أن ينفي وجود شيء في الخارج يطابق هذه الأفكار, كان في مأمن من خطر الوقوع في الضلال, والفكر يهدي أيضا إلى بعض المعاني المشتركة، فيؤلف منها براهين يبلغ من قوة إقناعها أنه لا يستطيع الشك في
стр. 48
حقيقتها متى تدبرها وأطال النظر فيها. ذلك أنه يجد في ذاته أفكارا عن الأعداد والأشكال، وهو يملك أيضا من المعاني المشتركة ما نعبر عنه بالمبدأ القائل: "إذا أضفنا كميات متساوية إلى كميات أخرى متساوية, كانت حواصل الجمع متساوية" وكثيرا غيرها لا تقل بداهة عنها، يتيسر بها البرهنة على أن زوايا المثلث متساوية لقائمتين ... إلخ.
وما دام الفكر يدرك هذه المعاني, ويدرك المقدمات التي استخلص منها هذه النتيجة أو نتائج أخرى مماثلة لها، فهو واثق كل الثقة من صحتها. ولكن لما لم يكن في وسع الفكر دائما أن يتعقلها بما ينبغي من انتباه، فإنه حين يتذكر نتيجة دون انتباه إلى الترتيب الذي أدى إلى استخلاصها، ويرى مع ذلك أن بارئ وجوده كان في مقدوره أن يخلقه من طبيعة تجعله عرضة للخطأ في كل ما يبدو له في البداهة، يتبين أنه محق في عدم الاطمئنان إلى حقيقة كل ما لا يدركه إدراكا متميزا، وأنه لن يصل إلى علم يقيني ما لم يعرف خالقه.
١٤- في إمكان إثبات وجود الله من أن ضرورة الكينونة, أو الوجود متضمنة في تصورنا له:
وإذا عاد الفكر بعد ذلك واستعرض الأفكار المختلفة القائمة فيه، فاكتشف منها فكرة موجود محيط العلم والقدرة، كامل غاية الكمال، تيسر له أن يحكم بما يراه في هذه الفكرة من أن الله، وهو ذلك الموجود الكامل على الإطلاق، كائن أو موجود؛ لأنه وإن يكن لديه أفكار متميزة عن أشياء أخرى كثيرة، لكنه لا يلحظ فيها شيئا يؤكد له وجود موضوعاتها، في حين أنه يدرك في هذه الفكرة أنها لا تتضمن الوجود الممكن فحسب، كما هو الشأن في أفكاره عن الأشياء الأخرى، بل الوجود الضروري الأبدي على الإطلاق.
стр. 49
ومن حيث إن الفكر يرى أنه من الضروري أن يكون متضمنا في الفكرة التي لديه عن المثلث أن زواياه الثلاث مساوية لقائمتين, فهو راسخ الاقتناع بأن للمثلث الزوايا الثلاث المساوية لقائمتين، كذلك متى تصور الوجود الضروري الأبدي متضمنا في فكرته عن الوجود الكامل إطلاقا، لزم أن يستنتج أن هذا الموجود الكامل بإطلاق موجود حقا.
١٥- في أن ضرورة الوجود ليست متضمنة في فكرتنا عن الأشياء الأخرى، بل إن كان الوجود فحسب.
ويستطيع الفكر أن يزداد وثوقا من صحة هذه النتيجة إذا انتبه, لا يجد في ذاته فكرة شيء آخر يتبين فيها وجودا ضرورته على هذا النحو من الإطلاق, وهو يتحقق من ذلك أن فكرة موجود كامل وهما من نسيج الخيال, بل أودعتها فيه طبيعة ثابتة حقيقة موجودة بالضرورة؛ لأنها لا تتصور إلا مصاحبة لوجود ضروري١.
стр. 50
١٦- في أن الأوهام تمنع الكثيرين من أن يتبينوا ما يتميز الله به من ضرورة الوجود:
والنفس أو الفكر لا يجد عناء في الاقتناع بهذه الحقيقة لو أنه تحرر من أوهامه. لكن لما كنا قد ألفنا أن نفرق في جميع الأشياء الأخرى بين الماهية والوجود١, وكنا قادرين على أن نتخيل ما طاب لنا من صور ذهنية لأشياء ربما لم توجد قط, وربما لا توجد أبدا، فقد يحدث لنا، حين لا نسمو بأذهاننا كما ينبغي إلى تأمل ذلك الموجود الكامل بإطلاق, أن يساورنا الشك في أن تكون فكرتنا عن الله من قبيل تلك الأفكار التي نتخيلها كما يحلو لنا، أو من تلك الأفكار الممكنة، وإن لم يكن الوجود داخلا بالضرورة في طبيعتها.
١٧- في أنه بقدر ما تتصور من الكمال في شيء، ينبغي أن نعتقد أن علته لا بد أن تكون أوفر منه كمالا ٢
أضف إلى ذلك أن التأمل في مختلف الأفكار القائمة فينا يعيننا على أن ندرك أن ليس بينها اختلاف كبير, من حيث إننا إنما نعتبرها توابع لنفوسنا أو لفكرنا، ولكن الاختلاف بينها كبير من حيث إن الواحدة منها تمثل شيئا والأخرى شيئا آخر، وهو يعيننا كذلك على أن ندرك أن علة الأفكار لا بد أن تكون أوفر حظا من الكمال، بقدر ما يكون الكمال فيما تمثل من موضوعها. وحالنا هنا
стр. 51
شبيه بحالنا حين نسمع أن شخصا لديه فكرة آلة فيها من الحذق والصنعة قسط كبير، فيجوز لنا حينئذ أن نتساءل عن وسيلته في الوصول إلى تلك الفكرة, ترى أجاءته الفكرة لأنه شاهد في مكان ما آلة مثلها صنعها شخص آخر، أم لأنه كان قد تعلم الميكانيكا، أم لأنه قد رُزق من نفاذ الذهن حظا مكنه من أن يبتدعها دون أن يكون قد رأى آلة مثلها في أي مكان آخر؟ وذلك لأن كل الصنعة المتمثلة في فكرة ذلك الشخص، كما تتمثل في لوحة أو صورة فنية، يلزم أن تتحقق في علتها الأولى الأساسية، لا على سبيل التمثيل أو المحاكاة فحسب، بل بالفعل, وعلى ذلك النحو عينه أو على نحو يفوق في الشرف١ ما تمثله الفكرة.
١٨- في إمكاننا مرة أخرى إقامة الدليل على وجود الله، استنادا على ما تقدم:
وكذلك ما دمنا نجد في أنفسنا فكرة إله أو موجود كامل على الإطلاق، فيجوز لنا أن نبحث عن العلة التي أوجدت تلك الفكرة فينا، ولكن بعد التفاتنا إلى ما تمثله لنا من عظيم الكمالات نجد أنفسنا مضطرين إلى الإقرار بأنها إنما جاءت إلينا من موجود كامل جدا, أي: من إله هو موجود حقا؛ لأنه ليس من البين فقط بالنور الفطري أن العدم لا يمكن أن يكون موجدا لشيء مهما يكن، وأن الأكمل لا يمكن أن يكون ناتجا عن الأقل كمالا أو تابعا له٢, بل لأننا نرى أيضا بهذا النور نفسه أن من المحال أن يكون لدينا فكرة أو صورة لأي شيء ما لم يكن في أنفسنا أو خارج أنفسنا أصل يحوي بالفعل جميع ما نتمثله بتلك الفكرة من
стр. 52
كمالات، ولكن من حيث إننا نعلم أننا عرضة لكثير من النقص، وأننا لا نملك هذه الكمالات المطلقة التي نتمثله، فيلزمنا أن نستنتج أنها موجودة في طبيعة مختلفة عن طبيعتنا، بالغة غاية الكمال، أي: هي الله، أو على الأقل أنها كانت في الله من قبل، وبما أنها لامتناهية فلا بد أنها لا تزال قائمة فيه.
١٩- في أننا وإن كنا لا نحيط علما بذات الله وصفاته, فما من شيء نعلمه أوضح مما نعلم كمالاته:
إني لا أرى هذا الأمر عسيرا على من راضوا أذهانهم على أن تتفكر في الله، ومن ألقوا بالهم إلى كمالاته اللامتناهية؛ فإننا وإن لم نحط بها خبرا -لأن من طبيعة اللامتناهي أن تعجز الأفكار المتناهية عن الإحاطة به- فإننا نتصورها مع ذلك تصورا أوضح وأشد تميزا من تصورنا للأشياء المادية؛ وذلك لأنها كانت أبسط منها ولا يحدّها حد، فإن ما نتصوره منها يكون أقل اختلاطا. ولذلك لم يكن هنالك تفكر هو أشد عونا لنا على تكميل أذهاننا, وأعظم قدرا من التفكر في الله من حيث إن النظر في موضوع لا حدود لكمالاته يمتلأ نفوسنا رضى واطمئنانا.
٢٠- في أننا لسنا علة أنفسنا، وإنما الله علتنا، ويترتب على ذلك أن الله موجود:
لكن الناس جميعا لا يلتفتون إلى هذا الأمر الالتفات الواجب، وبما أننا نعلم بما فيه الكفاية كيف حصلنا عن فكرة آلة فيها كثير من الصنعة دون أن نتذكر متى وردت إلينا من الله الفكرة التي لدينا عن الله -لقيام هذه الفكرة فينا على الدوام١- فيتعين علينا أن نستعرض الأمر مرة أخرى، فنتساءل: من هو إذن
стр. 53
خالق النفس أو الفكر، ذلك الذي يملك في ذاته فكرة الكمالات اللامتناهية الموجودة في الله. فجلي أن من عرف شيئا أكمل من ذاته لم يهب الوجود لذاته؛ إذ إنه لو كان يستطيع ذلك لكان يهب من ذاته كل كمال وصل إلى علمه. ويترتب على ذلك أنه لا يستطيع البقاء في الوجود إلا معتمدا على الموجود الحائز بالفعل على جميع هذه الكمالات، وهو الله١.
٢١- في أن آجالنا في حياتنا كافية وحدها لإثبات وجود الله:
ما أظن أن أحد يساوره الشك في حقيقة هذا التدليل إذا التفت إلى طبيعة الزمان أو أجل الإنسان في الحياة؛ ذلك لأنه لما كان من طبيعة الزمان أن لا تعتمد أجزاؤه بعضها على بعض ولا يجتمع بعضها مع بعض أبدا، فليس يلزم من وجودنا الآن أن نكون في الزمان الذي يليه، وما لم تكن العلة نفسها التي أوجدتنا مستمرة في إيجادنا, أي: حافظة لبقائنا٢. ومن الميسور أن نعلم أننا لا
стр. 54
نملك قوة تكفل لنا الاستقرار في الوجود أو حفظه علينا لحظة واحدة، وأن القادر على إبقائنا وحفظ وجودنا خارج ذاته لا بد أنه قادر على حفظ بقائه هو ذاته، وهو خليق أن لا يفتقر إلى من يحفظه ويبقيه، ذلكم هو الله.
٢٢- في أننا حين نعرف وجود الله على نحو ما أوضحنا ههنا، نعرف أيضا جميع صفاته بقدر ما تستطاع معرفتها بنور الفطرة وحده ١:
ومن فضل هذه الطريق في إثبات وجود الله أننا نعرف بها ماهيته، بقدر ما سمح ما عليه طبيعتنا البشرية من ضعف؛ لأننا متى تدبرنا الفكرة التي لدينا بالفطرة عنه، رأينا أنه سرمدي، وأنه عالم بكل شيء، وقادر على كل شيء، ومنبع كل خير وحق، وخالق الأشياء جميعا، وأنه آخر الأمر مالك في ذاته كل ما يمكن أن نتبين فيه قسطا من الكمال اللامتناهي، وبعبارة أخرى: لا تشوبه أدنى شائبة من نقص.
٢٣- في أن الله غير جسماني، وأنه لا يعرف الأشياء بالحواس، على نحو ما نعرفها، وأنه ليس مريدا لحصول الخطيئة والإثم:
ذلك لأن في العالم أشياء هي محدودة وناقصة إلى حد ما، وإن يكن فيها أيضا قدر من الكمال, ومن الميسور أن ندرك أن من المحال أن يكون في الله شيء من تلك, فإنه لما كان الامتداد مقوما لطبيعة الجسم، وكان الممتد ممكن الانقسام إلى أجزاء عديدة -وفي هذا دلالة على النقص- فقد لزم أن الله ليس مجسما، ولئن يكن من فضل البشر على الخلق أنهم قادرون على إدراك الأشياء بحواسهم،
стр. 55
إلا أنه لما كانت أحاسيسنا متأثرة بانطباعات تأتي من خارج -وهو أمر ينبئ عن اعتمادنا على غيرنا- فقد لزم أن نستنتج أيضا أن الله منزه عن الحواس، ولكنه إنما يعلم ويريد، لا كما نعلم نحن ونريد بأفعال مختلفة متميزة١، بل على الدوام بفعل واحد بسيط يعلم ويريد ويعمل كل شيء، أعني: كل الأشياء الموجودة في الواقع، فإنه لا يريد إثم الخطيئة على الإطلاق، من حيث إنها ليست إلا سلبا للوجود٢.
٢٤- في أنه بعد معرفتنا بوجود الله ينبغي -للانتقال إلى معرفة المخلوقات- أن نتذكر أن أذهاننا متناهية, وأن قدرة الله لامتناهية:
وبعد أن عرفنا على هذا النحو أن الله موجود، وأنه خالق كل ما هو كائن وما يمكن أن يكون، سنتبع قطعا أفضل منهج يستطاع اصطناعه للكشف عن الحقيقة إذا ما انتقلنا من المعرفة التي لدينا عن طبيعته إلى تفسير الأشياء التي خلقها، وإذا ما حاولنا أن نستنبط هذا التفسير من المعاني المفطورة في نفوسنا بحيث يتيسر لنا علم كامل، أعني: بحيث نعرف المعلولات عن طريق عليتها، ولكن لكي يتيسر لنا أن ننهض بهذه المهمة, ونحن أوفر اطمئنانا، يجمل بنا أن نتذكر، كلما أردنا أن نفحص عن طبيعة شيء، أن الله الذي هو خالقه لامتناهٍ، وأننا متناهون تناهيا تماما.
стр. 56
٢٥- في أنه يجب علينا أن نؤمن بكل ما أنزله الله، وإن يكن فوق متناول مداركنا:
فإذا أنعم الله علينا بما كشفه لنا أو لغيرنا من أشياء تجاوز طاقة عقولنا في مستواها العادي، كأسرار التجسد والتثليث، لم يستعص علينا الإيمان بها مع أننا قد لا نفهمها فهما واضحا؛ ذلك لأنه لا ينبغي أن يقع لدينا موقع الغرابة أن يكون في طبيعة الله, وفي أعماله أشياء كثيرة تجاوز متناول أذهاننا١.
٢٦- في أننا لا ينبغي أن نحاول أن نفهم "اللامتناهي" بل حسبنا أن نسلم بأن كل ما لا نجد فيه حدودا فهو عندنا "لامحدود":
بذلك ننأى بأنفسنا دائما عن الخوض في المجالات التي تدور حول اللامتناهي. إن مما لا يقبله العقل أن نتصدى ونحن متناهون، لتحديد شيء عنه، وكأننا بهذا نفترضه متناهيا, إذ نحاول أن نفهمه؛ ولذلك لا نبالي بالرد على من يسألون عما إذا كان نصف الخط اللامتناهي متناهيا كذلك, وعما إذا كان العدد اللامتناهي زوجيا أو غير زوجي وما شابه ذلك. فإن الذين يتوهمون أن عقولهم لامتناهية هم وحدهم فيما يبدو الخليقون بأن يفصحوا عن مثل هذه الصعوبات.
أما نحن, فإذا رأينا أشياء ولم نلحظ فيها حدودا على نحو من الأنحاء، فإننا لا نقطع لذلك بأنها لامتناهية، بل نراها محدودة فحسب٢؛ لذلك لما كنا لا
стр. 57
نستطيع أن نتخيل امتدادا بالغ العظم إلا ونتصور في الوقت نفسه إمكان وجود امتداد أعظم منه، فإننا نقول: إن امتداد الأشياء الممكنة لامحدود, ومن حيث إنه ليس من المستطاع تقسيم جسم إلى أجزاء بالغة الصغر إلا ويستطاع تقسيم كل واحد من أجزائه إلى أجزاء أخرى أصغر، فإننا نرى أن الكم يمكن أن ينقسم إلى أجزاء عددها غير محدود.
ومن حيث إننا لا نستطيع أن نتخيل كثرة من النجوم إلا ويستطيع الله أن يخلق أكثر منها، فإننا نفترض أن عددها لامحدود وكذلك في سائر الأشياء.
٢٧- ما الفرق بين اللامحدود واللامتناهي؟:
ولسنا نقول عن هذه الأشياء: إنها "لامتناهية" بل هي عندنا أجدر باسم "اللامحدودة"، تخصيصا لله وحده باسم اللامتناهي؛ لأننا لا نلحظ حدودا في كمالاته، ولأننا موقنون جدا بأنه من غير الممكن أن يكون لها حدود.
أما الأشياء الأخرى, فنحن نعلم أنها ليست في هذه المرتبة من الكمال المطلق؛ لأننا وإن نكن نلحظ فيها أحيانا خصائص قد تبدو لنا غير ذات حدود، فلا يخلو الأمر من أن نعلم أن ذلك راجع إلى نقص عقولنا لا إلى طبيعتها.
٢٨- في أنه لا ينبغي أن نفحص عن الغاية التي من أجلها صنع الله كل شيء، بل حسبنا أن نفحص عن الوسيلة التي أراد أن يكون حدوث الشيء بها:
وكذلك لا ينبغي أن نبحث عن الغايات التي أرادها الله من خلقه للعالم، وكل بحث عن العلل الغائية سننبذه نبذا تاما من فلسفتنا؛ لأننا لا ينبغي أن يبلغ بنا الاعتداد بأنفسنا مبلغا يجعلنا نعتقد أن الله أراد أن يطلعنا على قراراته. ولكن لما كنا نعده خالق جميع الأشياء، فإن قصارانا أن نحاول أن نجد، بملكة
стр. 58
الاستدلال التي أودعها فينا، كيف أن الأشياء التي ندركها بحواسنا قد أمكن إيجادها؛ وعن طريق صفاته التي أراد أن يكون لنا بها شيء من المعرفة نستوثق من أن كل ما يتهيأ لنا أن ندركه مرة في وضوح وتميز منتميا إلى طبيعة هذه الأشياء, حائز على كمال كونه حقا١.
٢٩ - في أن الله ليس علة لأفكارنا ٢:
وأول صفاته التي يبدو من المستحسن النظر فيها ههنا هي أنه حق جدا وأنه منبع كل نور، بحيث إنه من غير الممكن أن يضلنا، أي: إنه يكون علة مباشرة للأخطاء التي نكون عرضة لها والتي نبلوه في أنفسنا. ذلك أنه وإن تكن البراعة في القدرة على التضليل تبدو علامة من علامات الذكاء بين الناس, إلا أن إرادة التضليل لا تصدر أبدا إلا عن خبث أو خوف أو ضعف، ومن ثم لا يمكن نسبتها إلى الله.
٣٠- ويترتب على ذلك كل ما نعرفه في وضوح على أنه حق فهو حق، وهو أمر يخلصنا من الشكوك التي أثرناها فيما تقدم:
وينتج عن ذلك أن ملكة المعرفة التي وهبنا الله إياها, والتي نسميها بالنور الفطري لا تدرك قط موضوعا لا يكون حقا من حيث هي مدركة له، أعني: من حيث تعرفه في وضوح وتميز٣؛ لأنه كان يحق لنا حينئذ أن نصف الله بالتضليل لو كان وهبنا هذه الملكة منحرفة, وعلى نحو يؤدي بنا إلى أن نأخذ
стр. 59
الخطأ بدلا من الصواب، حين استعملناها استعمالا حسنا١. ولهذا الاعتبار وحده قلصنا من ذلك الشك المسرف الذي كنا فيه حين كنا لا نعلم بعد إن كان خالقنا لا يرضيه أن يخلقنا بحيث نضل في جميع الأشياء التي تبدو لنا واضحة جدا. وهذا الاعتبار يجب أن ينفعنا كذلك في دفع جميع الأسباب الأخرى التي كانت تدعونا إلى الشك والتي ذكرناها فيما تقدم؛ وحتى الحقائق الرياضية لن تكون موضع شبهة عندنا؛ لأنها بديهية جدا. وإذا أدركنا شيئا بحواسنا في يقظتنا أو في منامنا٢, فمن الميسور لنا أن نكشف عن الحق، على شريطة أن نفرق بين ما يكون واضحا ومتميزا في المعرفة التي لدينا عن ذلك الشيء، وبين ما يكون غامضا ومبهما٣. ولا حاجة إلى التوسع في هذا الموضوع هنا؛ لأنني قد تناولته بإفاضة في تأملاتي الميتافيزيقية، وما سأورده قريبا سيكون فيه زيادة إيضاح.
٣١- في أن أخطاءنا بالنسبة إلى الله ليست إلا أسلوبا, ولكنها بالنسبة إلينا حرمان وعيب ٤
стр. 60
ولكن من حيث إنه يحدث كثيرا أننا نخطئ أحيانا، وإن لم يكن الله مضلا١, فإننا إذا أردنا أن نبحث عن علة أخطائنا وأن نكشف عن مصدرها لكي نصححها، وجب أن ننتبه إلى أنها لا تعتمد على أذهاننا بقدر اعتمادها على إرادتنا، وأنها ليست أشياء أو جواهر تحتاج إلى تدخل الله بفعله لإحداثها, فهي بالقياس إليه ليست إلا أسلوبا٢، أي: إنه لم يعطنا كل ما كان يمكن أن يعطينا، وأننا نرى بذلك أنه لم يكن مضطرا إلى أن يعطينا إياه، في حين أن هذه الأخطاء بالقياس إلينا هي عيوب ونقائص.
٣٢- في أنه ليس فينا إلا نوعان من الفكر، وهما: إدراك الذهن, وفعل الإرادة:
ذلك أن جميع أنماط التفكير التي نلحظها في أنفسنا يمكن إرجاعها إلى نمطين عامين: أحدهما: الإدراك بالذهن، والآخر: التصرف بالإرادة. وعلى ذلك, فالإحساس والتخيل بل تصور الأشياء العقلية المحضة ليست إلا أنماطا مختلفة للإدراك، ولكن الرغبة والنفور والإثبات والإنكار والشك هي أنماط مختلفة من الإرادة.
٣٣- في أننا لا نخطئ إلا حين نحكم على شيء لم يعرف لنا معرفة كافية:
стр. 61
حين ندرك شيئا ما، دون أن نحكم عليه بأي صورة من الصور، لا يكون هنالك خطر من وقوعنا في الضلال، بل إننا حتى لو حكمنا عليه فلن نقع في الخطأ كذلك، ما دمنا لا نمنح تصديقنا إلا لما نعرف في وضوح وتميز أنه مفهوم, أو متضمن فيما نحكم عليه؛ ولكن الذي يجعلنا نخطئ عادة هو أننا نحكم غالبا دون أن تتوافر لدينا معرفة دقيقة بما نحكم عليه.
٣٤- في أن الإرادة لازمة للحكم لزوم الذهن:
إني أقر بأننا لا نستطيع أن نحكم على شيء ما لم يتدخل ذهننا فيه؛ لأنه لا محل للافتراض أن إرادتنا تتصرف فيما لا يدركه ذهننا على أي نحو من الأنحاء. ولكن من حيث إن الإرادة ضرورية إطلاقا؛ لكي نمنح تصديقنا لما أدركنا في أي درجة من الإدراك، ومن حيث إنه ليس من الضروري لتكوين أي حجم من الأحكام أن يكون لدينا معرفة تامة كاملة. فمن هنا يتأتى لنا أننا في كثير من الأحيان نمنح تصديقنا لأشياء لم تكن معرفتنا بها إلا معرفة مبهمة جدا١.
٣٥- في أن الإرادة أوسع نطاقا من الذهن، وأنها لذلك مصدر لأخطائنا:
يضاف إلى ذلك أن إدراك الذهن إنما يتناول القليلة المعروضة له، فمعرفته دائما محدودة جدا؛ بينما الإرادة على نحو ما، تبدو لامتناهية؛ لأننا لا ندرك شيئا يمكن أن يكون موضوعا لإرادة أخرى, حتى ولو كانت هي إرادة الله الضافية، إلا وتستطيع إرادتنا أن تمتد إليه, وهذا هو السبب في أننا نحملها
стр. 62
عادة إلى نطاق يجاوز الموضوعات التي نعرفها بوضوح وتميز، فإذا تمادينا بها إلى هذا الحد لم يكن عجيبا أن نقع في ضلال١.
٣٦- في أن أخطاءنا لا يصح نسبتها إلى الله:
ولكن مع أن الله لم يهبنا ذهنا محيطا بكل شيء، فلا ينبغي لنا من أجل ذلك أن نعده مسئولا عن أخطائنا؛ لأن كل ذهن مخلوق متناهٍ، ومن طبيعة الذهن المتناهي أن لا يكون تام المعرفة.
٣٧- في أن أعلى مراتب الكمال عند الإنسان هو أنه حر الاختيار، وهو الأمر الذي يجعله خليقا بالمدح والذم:
أما الإرادة فلما كانت بطبيعتها رحيبة جدا٢، فقد فزنا عن طريقها بميزة عظيمة, وهي أن نتصرف بحرية بحيث نكون مستقلين بأفعالنا استقلالا يجعلنا
стр. 63
جديرين بالثناء إذا أحسنا التصرف، فكما أن المرء حين يرى الماكينات تتحرك على صور كثيرة مختلفة وتدور على أفضل ما يمكن من الدوران، لا يوجه إليها الثناء؛ لأنها إنما تقوم بهذه الحركات عن طريق ما وضع فيها من لوالب، في حين يوجه الثناء إلى الصانع الذي صنع هذه الماكينات لما لديه من قدرة وإرادة استطاع بهما أن يبرع في تركيبها، كذلك شأننا إذا اخترنا ما هو حق بعد تمييزه من الباطل بفعل إرادتنا نكون أكثر استحقاقا للثناء مما لو كنا مجبرين ومرغمين على التصرف، ومتأثرين بمبدأ غريب عنا.
٣٨- في أن أخطاءنا هي عيوب في تصرفنا لا في طبيعتنا، وأن أخطاء الناس يمكن في أكثر الأحيان أن تنسب إلى الفاعلين الآخرين لا إلى الله:
إن من أحق الأمور أننا كلما أخطأنا يكون هناك عيب في تصرفنا أو في استعمال حريتنا. ولكن هذا لا يعني أن هناك عيبا في طبيعتنا؛ لأنها هي بعينها دائما سواء كانت أحكامنا صحيحة أو فاسدة١. وإذا كان في مقدور
стр. 64
الله أن يهبنا معرفة واسعة تبعد بنا عن الوقوع في الخطأ، إلا أنه لا حق لنا أن نشكو منه لذلك؛ لأنه سبحانه ذو سلطان على الكون مطلق حر، فلا يسأل عما يفعل، بخلاف البشر إذ جعل لبعضهم سلطانا على من دونهم لمنعوهم من فعل الشر، فمن استطاع منهم أن يعرف الشر ولم يمنعه كان ملوما ومشاركا في الإثم؛ ولذلك ينبغي أن نحمد الله على ما أنعم به علينا، وينبغي أن لا نشكو من أنه لم يعطنا ما ينقصنا، وكان في قدرته أن يهبه لنا.
٣٩- في أن حرية إرادتنا لا تعرف بالدليل، وإنما تعرف بتجربتنا لها:
وبديهي أن لنا إرادة حرة توافق أو لا توافق كما يحلو لها، وهذا يمكن أن يعد من أكثر المعاني المفطورة شيوعا. وقد رأينا فيما تقدم دليلا على ذلك واضحا جدا؛ لأننا حين كنا نشك في كل شيء بل حين ذهبنا إلى افتراض أن خالقنا استعمل قدرته لإضلالنا من جميع الوجوه، أدركنا في أنفسنا من حرية بلغ في عظمها أن استطعنا أن نمنع أنفسنا من الاعتقاد بما لم نكن نعرفه بعد معرفة كاملة١. غير أن ما أدركناه إدراكا متميزا ولم نكن نستطيع أن نشك فيه إبان تعليقنا للحكم حينذاك، كان يقينه مساويا ليقين أي شيء آخر تيسر لنا أن نعرفه من قبل.
٤٠- في أننا نعلم أيضا بعلم يقيني جدا أن الله قدّر الأشياء جميعا تقديرا سابقا على حصولها:
ولكن بما أن ما قد علمناه عن الله من قبل يؤكد لنا أن قدرته قد بلغت من العظمة مبلغا يجعلنا من الآثمين لو خطر لنا أنه كان بمقدورنا أن نعمل شيئا لم
стр. 65
يقدره من قبل. فمن الميسور أن نتورط في صعوبات عويصة جدا لو أردنا أن نوفق بين حرية إرادتنا وبين أوامر الله، وحاولنا أن نفهم هاتين الحقيقتين، وكأن عقولنا تستطيع أن تتناول حرية اختيارنا وتقدير العناية الأزلية فتحيط بهما إحاطة١.
٤١- كيف يمكن التوفيق بين الحرية الإنسانية, وبين سبق التقدير الإلهي:؟
في حين أننا لن نجد عناء في التخلص من تلك الصعوبات إذا التفتنا إلى أن فكرنا متناهٍ، أن قدرة الله الشاملة -تلك القدرة التي علم بها كل ما هو كائن أو ما يمكن أن يكون, بل أراده منذ الأزل- هي قدرة لامتناهية. والحاصل أننا نملك من العقل ما يكفي لأن نعرف بوضوح وتميز أن تلك القدرة في الله؛ وليس لدينا منه ما يكفي لأن نفهم مدى تلك القدرة إلى الحد الذي نعلم معه كيف تأذن بأن تكون أفعالنا بتمامها حرة غير مقيدة, وإننا من جهة أخرى لواثقون من الحرية وعدم التقيد القائمين فينا بحيث لا نعرف شيئا بوضوح أكثر مما نعرفهما؛ ولذلك لا ينبغي أن تكون قدرة الله الكاملة مانعة لنا من هذا الاعتقاد, فإن من الخطأ أن نشك فيما ندركه "جوانب" ونعلم بالتجربة وجوده في أنفسنا؛ لأننا لا نفهم شيئا آخر نعلم أنه ممتنع على الفهم بطبيعته.
٤٢- كيف أننا, وإن لم نكن نريد قط أن نخطئ, إنما نخطئ مع ذلك بإرادتنا:؟!
ولكن بما أننا نعلم أن الخطأ متوقف على إرادتنا, وأن أحدا لا يريد أن يخطئ فقد يعجب المرء لوقوع الخطأ في أحكامنا، ولكن يحسن أن نلاحظ أن
стр. 66
هنالك فرقا بين أن يريد المرء أن يخطئ, وبين أن يريد التصديق على آراء هي العلة في أننا نخطئ أحيانا. ذلك أنه وإن لم يكن يوجد أحد يريد أن يخطئ عمدا، فإنه ربما لا يوجد واحد إلا ويريد أن يصدق على أشياء لا يعرفها معرفة متميزة، بل كثيرا ما يحدث أن الرغبة في معرفة الحقيقة هي التي تفوت على من لا يعلمون الترتيب الواجب التزامه للبحث عنها أن يهتدوا إليها، وتجعلهم يخطئون لأنها تدفعهم إلى التعجل في أحكامهم، وإلى أخذ الأشياء التي ليس لديه عنها معرفة كافية ظانين أنها حقائق١.
٤٣- في أننا لن نخطئ إذا ما التزمنا أن لا نحكم إلا على أشياء ندركها إدراكا واضحا متميزا:
ولكن الأمر المستيقن أننا لن نأخذ الخطأ بدلا من الصواب قط، ما دمنا لا نحكم إلا على ما ندركه في وضوح وتميز. فمن حيث إن الله ليس مضلا، فملكة المعرفة التي وهبنا الله لا يمكن أن تخطئ، وكذلك ملكة الإرادة، حين لا تتعدى بها مجال الأشياء التي نعرفها. وهذه الحقيقة وإن لم يتيسر إقامة الدليل عليها، فإن نفوسنا ميالة بالفطرة إلى التصديق على الأشياء التي ندركها إدراكا جليا إلى الشعور باستحالة الشك في حقيقتها.
٤٤- في أننا لا نستطيع إلا أن نحكم حكما فاسدا على ما لا ندركه إدراكا واضحا، وإن تصادف أن كان حكمنا صحيحا، وكثيرا ما تكون ذاكرتنا سببا في ضلالنا:
ومن الأمور اليقينية جدا أننا كلما صدقنا على رأي لا نعرفه معرفة دقيقة, فإما أننا نخطئ، وإما أننا نهتدي إلى الحقيقة بمحض المصادفة فلا نكون مستوثقين
стр. 67
منها ولا نعلم عن يقين أننا غير مخطئين. وإني أقر أنه يندر أن نحكم على شيء ونحن نلاحظ أننا نعرفه معرفة متميزة بالقدر الكافي؛ لأن العقل يملي علينا أننا لا ينبغي أن نحكم أبدا إلا على ما نعرفه معرفة متميزة قبل حكمنا عليه، ولكننا كثيرا ما نخطئ لأننا نفترض أننا قد عرفنا من قبل أشياء كثيرة, وأننا ما نكاد نتذكرها حتى نمنحها تصديقنا وكأننا اختبرناها اختبارا كافيا مع أنه لم يكن لدينا عنها في الواقع معرفة صحيحة.
٤٥- ما هو الإدراك الواضح المتميز؟:
بل إن من الناس من لم يدركوا في حياتهم كلها شيئا كما ينبغي أن يدركوه ليحكموا عليه حكما يقينيا صحيحا؛ لأن المعرفة لا بد أن تكون واضحة ومتميزة معا. والمعرفة الواضحة عندي هي المعرفة الحاضرة الجالية أمام ذهن منتبه؛ وعلى ذلك نقول: إننا نرى الموضوعات بوضوح حين تكون ماثلة أمام أبصارنا، فتؤثر عليها تأثيرا قويا وتجعلها مستعدة لرؤيتها. والمعرفة المتميزة هي المعرفة التي بلغ من دقتها واختلافها عن كل ما عداها أنها لا تحتوي في ذاتها إلا على ما يبدو بجلاء لمن ينظر فيها كما ينبغي١.
٤٦- في أن الإدراك يمكن أن يكون واضحا، دون أن يكون متميزا، ولكن العكس ليس صحيحا:
ولنضرب لذلك مثل الشخص الذي يحس ألما شديدا:
إن معرفته هذا الألم معرفة واضحة بالقياس إليه، وليست من أجل ذلك متميزة دائما؛ لأنه يخلط بينها عادة وبين الحكم الخاطئ الذي يطلقه على
стр. 68
طبيعة ما يظنه موضع الألم الذي يحسبه شبيها بالألم الذي هو في فكره، مع أنه في الواقع لا يدرك بوضوح إلا الشعور أو الفكر المبهم الموجود في نفسه١. فالمعرفة يمكن أن تكون أحيانا واضحة دون أن تكون متميزة, ولكنها لا يمكن إطلاقا أن تكون متميزة دون أن تكون بهذا واضحة.
٤٧- في أننا لكي نطرح الأوهام والأحكام المبتسرة التي كسبناها في طفولتنا يجب أن ننظر في كل فكرة من أفكارنا الأولى؛ لنتبين ما هو واضح منها:
في أيام طفولتنا رانت على عقولنا من الجسم غشاوة، فلم تكن تعرف شيئا معرفة متميزة وإن كانت تدرك أشياء كثيرة إدراكا فيه بعض الوضوح، ولكن من حيث إننا حتى في ذلك الحين لم نكن نخلو من أن نفكر في الأمور التي كانت تعرض لنا ونحكم عليها أحكاما يشوبها التهور، فقد ملأنا ذاكرتنا بأوهام وأحكام مبتسرة كثيرة ربما لم نحاول أبدا أن نتخلص منها، وإن يكن من المستيقن جدا أننا لا نستطيع أن نمحصها بغير العقل تمحيصا دقيقا. ولكن لكي يتيسر لنا الآن أن نتخلص منها دون عناء كبير، سأعدد هنا جميع المعاني البسيطة التي تتألف منها خواطرنا، وسأميز كل ما هو واضح واحد منها, وما هو غامض أو ما يمكن أن نخطئ فيه.
٤٨- في أن كل موضوعات معرفتنا ننظر إليها إما على أنها أشياء أو حقائق؛ إحصاء الأشياء:
أميز في كل ما تتناوله معرفتنا ضربين: الأول يحتوي على جميع الأشياء التي ليست شيئا خارج فكرنا، أما الضرب الأول فيتناول المعاني العامة التي تنطبق على جميع أنواع الأشياء كالمعاني التي لدينا عن الجوهر، والمدة
стр. 69
والترتيب، والعدد، وربما أيضا بعض معانٍ أخرى. ثم لدينا أيضا معانٍ أخص تصلح للتمييز بينها، والتمييز الأكبر الذي ألحظه بين جميع الأشياء المخلوقة هو أن بعضها عقلية، أي: جواهر عاقلة، أو خواص لهذه الجواهر، والأخرى جسمانية أي: هي أجسام أو خواص للجسم. ولذلك فالذهن والإرادة هي من شأن الجوهر المفكر، والعظم أو الامتداد طولا وعرضا وعمقا، والشكل والحركة ووضع الأجزاء وما لها من استعداد للانقسام وغير هذه الخواص متعلقة بالجسم. وفضلا عن ذلك هناك أشياء نبلوها في أنفسنا ولا يمكن أن تنسب إلى النفس وحدها ولا إلى الجسم وحده, بل إلى الاتحاد الوثيق بينهما على نحو ما سأشرحه بعد قليل. ومن قبيل هذه الأشياء شبهة الشرب والأكل ... إلخ، وكذلك انفعالات النفس وخوالجها التي لا تعتمد على الفكر وحده، مثل الانفعال عند الغضب والابتهاج والحزن والحب ... إلخ، وكذلك المشاعر كالألم والدغدغة والضوء والألوان والأصوات والروائح والطعوم والحرارة والصلابة وجميع الصفات التي لا تقع تحت حاسة اللمس.
٤٩- في أن الحقائق لا يمكن تعدادها، وأنه لا حاجة إلى ذلك:
لقد أحصيت كل ما نعرفه من قبيل الأشياء، وقد بقي علي أن أتحدث عما نعرفه من قبيل الحقائق. فمثلا حين نرى أنه لا يمكن إيجاد شيء من العدم لا نعتقد أن هذه القضية شيء له وجود في الخارج أو خاصية لشيء، ولكننا نأخذها حقيقة أبدية قائمة في فكرنا، ونسميها معنى شائعا بين الناس أو مبدأ بديهيا.
وإذا قلنا: إن من المحال أن يكون الشيء ولا يكون في وقت واحد، وأن ما كان لا يمكن ألا يكون قد كان، وأن من يفكر لا يمكن أن يخلو من الوجود حين يفكر، وقضايا أخرى كثيرة من هذا القبيل، وكانت هذه حقائق فحسب وليست أشياء موجودة خارج فكرنا، وقد بلغت هذه الحقائق حدا جعل من العسير تعدادها,
стр. 70
ولكن هذا التعداد ليس بضروري؛ لأننا نخلو من أن نعرفها حين تعرض الفرصة للتفكير فيها, وحين لا يكون لدينا من الأوهام ما يعمي أبصارنا عنها١.
٥٠- في أن هذه الحقائق جميعا يمكن أن تدرك بوضوح, لكن إدراكها ليس ميسورا لجميع الناس بسبب ما يغشى عقولهم من أوهام شائعة, وأحكام مبتسرة:
أما الحقائق التي تسمى معاني شائعة, فمن المستيقن أنها يمكن معرفتها لدى الكثيرين بغاية الوضوح المتميز؛ لأنها إن لم تكن كذلك لما استحقت أن تسمى بهذا الاسم، ولكن من الحق أيضا أن منها ما يستحق هذا الاسم في نظر البعض الآخر؛ لأنها ليست لديهم بديهية بداهة كافية. وليس معنى هذا أني أعتقد أن ملكة المعرفة الموجودة عند بعض الناس هي أبعد مدى مما هي عليه عند جميعهم، ولكني أريد أن أقول بأن هنالك أشخاصا قد طبعوا في معتقداتهم منذ زمن طويل آراء مخالفة لبعض هذه الحقائق، فكانت مانعا لهم من أن يدركوها وإن تكن جلية جدا لدى من لم يشغلوا أنفسهم على ذلك النحو٢.
стр. 71
٥١- في ماهية الجوهر، وفي أنه اسم لا يمكن نسبته إلى الله وإلى المخلوقات بمعنى واحد:
أما الأشياء التي نرى لها شيئا من الوجود فنحتاج إلى بحثها ههنا واحدا بعد الآخر؛ لكي نميز ما هو غامض مما هو بديهي في الفكرة التي لدينا عن كل منها. إننا حين نتصور الجوهر إنما نتصوره موجودا غير مفتقر إلا إلى ذاته في وجوده، وقد يكون في تفسير قولنا: "غير مفتقر إلا إلى ذاته" بعض الغموض؛ لأن الأصح أن يقال: إنه لا أحد سوى الله يكون هذا شأنه، وما من شيء مخلوق يستطيع أن يوجد لحظة واحدة إلا وقدرة الله تسنده وتحفظه١. ولذلك صح للمدرسيين أن يقولوا: إن لفظ "الجوهر" لا يدل على معنى واحد إلى الله وإلى المخلوقات، أي: إن اللفظ ليس له معنى يمكن تصوره تصورا متميزا, ويكون دالا عليه وعليها دلالة واحدة, ولكن من حيث إن بعض الأشياء المخلوقة لا يمكن بطبيعتها أن توجد إلا بواسطة البعض الآخر، فإننا نميزها من الأشياء التي لا تحتاج إلا إلى عون عادي من الله٢، فنسمي هذه جواهر، ونسمي تلك "صفات" أو "خواص" لهذه الجواهر.
٥٢- في أن لفظ الجوهر يمكن نسبته إلى النفس وإلى الجسم بمعنى واحد، وكيف يعرف الجوهر نفسه:؟
والفكرة التي تكون لدينا عن الجوهر المخلوق تنطبق على الجواهر اللامادية انطباقها على الجواهر المادية أو الجسمانية؛ لأنه لا يلزمنا لكي نفهم أنها جواهر إلا أن ندرك أنها يمكن أن توجد دون اعتماد على أي شيء مخلوق. ولكن حين
стр. 72
نكون بسبيل أن نعرف هل أحد هذه الجواهر موجود حقا؟ أعني: هل هو موجود؟ المتقوم بذاته لا تنكشف معرفته لنا، بل إن من الميسور لنا أن نهتدي إلى الجوهر ذاته من أية صفة من صفاته نستطيع أن نلحظها فيه، وما من صفة منها إلا وتكون كافية لتحقيق الإدراك إذ إن من المعاني الشائعة لدى الناس جميعا أن العدم لا يمكن أن تكون له محمولات ولا خواص أو صفات؛ ولذلك نكون محقين إذا أدركنا صفة من الصفات قائمة، فاستنتجنا أنها صفة لجوهر ما وأن هذا الجوهر موجود.
٥٣- في أن كل جوهر له صفة أولى، وأن صفة النفس هي الفكر, كما أن الامتداد صفة الجسم:
ولكن مع أن كل صفة تكفي لتعريفنا بالجوهر, إلا أن في كل جوهر صفة تقوم طبيعته وماهيته وتعتمد عليها جميع الصفات الأخرى، وأعني بذلك: أن الامتداد في الطول والعرض والعمق هو المقوم لطبيعة الجوهر الجسماني، وأن الفكر هو المقوم لطبيعة الجوهر الذي يفكر؛ لأن كل ما يستطاع نسبته إلى الجسم يفترض وجود الامتداد من قبل، ولا يعدو أن يكون اعتمادا على ما هو ممتد١ وكذلك جميع الخواص التي نجدها في الشيء الذي يفكر ليست إلا أنحاء مختلفة من الفكر. وعلى ذلك فنحن مثلا لا نستطيع أن نتصور شكلا ما لم يكن في شيء ممتد، ولا حركة إلا في فضاء هو ممتد. وكذلك الخيال والشعور والإرادة تعتمد على الشيء المفكر بحيث لا نستطيع أن نتصورها بدونه، ولكننا بالعكس نستطيع أن نتصور الامتداد دون شكل أو دون حركة، ونتصور الشيء الذي يفكر دون خيال أو شعور.
стр. 73
٥٤- كيف نستطيع الحصول على أفكار متميزة عن الجوهر المفكر، وعن الجوهر الجسماني، وعن الله:؟
في استطاعتنا إذن أن نحصل على معنيين أو فكرتين واضحتين ومتميزتين، إحداهما: فكرة جوهر مخلوق يفكر، والأخرى: فكرة جوهر ممتد، على شرط أن نحرص كل الحرص على أن نفصل بين جميع صفات الفكر وبين صفات الامتداد, فنستطيع أن نحصل أيضا على فكرة واضحة متميزة عن جوهر غير مخلوق يفكر ومستقل عما عداه، أعني: عن الله، على شرط أن لا يظن أن هذه الفكرة تمثل لنا كل ما هو فيه١، وأن لا نخلط شيئا بوهم من أوهام أذهاننا, بل أن ننتبه إلى ما هو مفهوم حقا في المعنى المتميز الذي نعرف أنه يخص طبيعة موجود كامل كمالا مطلقا؛ لأنه ما من واحد يستطيع أن ينكر أن هذه الفكرة عن الله موجودة فينا، إذا لم يرد أن يعتقد بلا مسوغ أن الذهن الإنساني لا يستطيع الحصول على أي معرفة لله.
٥٥- كيف نستطيع أيضا أن نحصل على أفكار متميزة عن المدة والترتيب والعدد:؟
ويمكن أن يكون لدينا تصورات متميزة جدا عن المدة والترتيب والعدد إذا كنا لا نخلط في فكرتنا عنها ما هو خاص بفكرة الجوهر، ونقتصر على أن نرى أن مدة كل شيء إنما هي حال أو نحو من الأنحاء ننظر منه إلى ذلك الشيء من حيث إنه مستمر في الوجود، وكذلك الترتيب والعدد لا يختلفان في الواقع عن الأشياء المرتبة والمعدودة, وإنما هما وجهان مختلفان لاعتبارنا هذه الأشياء.
٥٦- ما هي الكيفيات والصفات والوجوه والأحوال:؟
حين أتحدث هنا عن الوجوه أو الأحوال، لا أعني شيئا سوى ما سميته في موضع آخر بالصفات أو الكيفيات. ولكني حين أجعل في الاعتبار أن الجوهر
стр. 74
متأثر ومتغير بها أستعمل لفظ "الأحوال" أو "الوجوه" وحين يكون هذا التأثير أو التغير داعيا إلى تسمية الجوهر جوهرا، أطلق اسم الكيفيات على الوجوه المختلفة التي تجعله خليقا بهذا الاسم. وأخيرا حين أرى بوجه عام أن هذه الأحوال أو الكيفيات قائمة في الجوهر، دون أن أنظر إليها إلا باعتبارها متعلقات لذلك الجوهر، حينئذ نسميها صفات. ومن حيث إنه لا ينبغي أن أتصور في الله أي اختلاف أو تغير, فإني لا أقول بأن فيه أحوالا أو كيفيات بل فيه صفات وحتى في الأشياء المخلوقة أطلق لفظ الصفات للأحوال أو الكيفيات على ما يكون فيها دائما على نحو بعينه، مثل الوجود والمدة في الشيء الموجود والذي يبقى في الزمان.
٥٧- في أن بعض الصفات موجود في الأشياء التي توصف بها، وفي أن بعضها موجود في الفكر فقط:
وهذه الكيفيات أو الصفات منها ما هي موجودة في الأشياء ذاتها, ومنها ما لا وجود له إلا في فكرنا. فمثلا الزمان الذي نميزه عن المدة بالمعنى العام -ذلك الزمان الذي نقول عنه: إنه عدد الحركة- ليس إلا نحوا من الأنحاء التي نتعقل المدة عليها؛ لأننا لا نتصور أن مدة الأشياء المتحركة هي شيء آخر غير مدة الأشياء غير المتحركة، وذلك واضح من أنه إذا تحرك جسمان ساعة من الزمان وتحرك أحدهما حركة سريعة والآخر بطيئة, فإننا لا نحسب في أحدهما زمانا أكثر مما في الآخر وإن كنا نفترض في أحد الجسمين حركة أكثر مما في الآخر, ولكن لكي نفهم مدة جميع الأشياء بمقياس واحد، نستعمل عادة مدة بعض الحركات المطردة التي هي الأيام والأعوام، ونسميها بالزمان، بعد أن نكون قد قارناها بعضها ببعض، وإن يكن ما نسميه زمانا ليس في الواقع شيئا خارج المدة الحقيقية للأشياء، سوى وجه من وجوه الفكر.
стр. 75
٥٨- في أن الأعداد و"الكليات" إنما وجودها في فكرنا:
وكذلك العدد الذي ننظر فيه بوجه عام، دون تفكير في أي شيء آخر مخلوق ليس له وجود خارج فكرنا، كما لا وجود في الخارج لجميع تلك الأفكار العامة الأخرى التي يسميها "المدرسيون" باسم الأمور الكلية أو "الكماليات"١.
٥٩- ما هي الكليات:؟
الكليات هي الأفكار التي تقوم في أذهاننا حين نستعمل فكرة واحدة نعقل بها أشياء كثيرة جزئية بينها علاقة معينة. وحين نحيط بجميع الأشياء التي تمثلها لنا هذه الفكرة تحت اسم واحد، يكون هذا الاسم كليا كذلك، فمثلا حين نرى حجرين، ونلاحظ فقط أن هنالك حجرين دون تفكير منا في طبيعتهما، حينئذ نكون في أنفسنا فكرة عدد معين أسميه عدد الاثنين. فإذا رأينا بعد ذلك عصفورين أو شجرتين, ولاحظنا -دون تفكير في طبيعتهما- أن هنالك اثنين, عدنا إلى نفس الفكرة التي ذكرناها من قبل وجعلناها كلية, وكذلك نعطي هذا العدد نفس الاسم الكلي وهو العدد اثنين. وكذلك حين نلاحظ شكلا ذا ثلاثة أضلاع نكون قد تمثلنا فكرة معينة نسميها فكرة المثلث ونستخدمها بعد ذلك على العموم لجميع الأشكال التي ليس لها إلا ثلاثة أضلاع. ولكنا حين نلاحظ بوجه أخص أن الأشكال ذات الأضلاع الثلاثة منها ما هو قائم الزاوية, ومنها ما ليس كذلك، نكون في أنفسنا فكرة كلية عن المثلث القائم الزاوية, فإذا ارتبطت بالفكرة السابقة التي هي أعم وأشمل وأمكن أن تسمى "نوعا" وتكون الزاوية القائمة هي "الفصل" الكلي الذي يميز المثلثات القائمة الزوايا من غيرها من المثلثات