← Прочие науки

Прочие науки · id 10008

ديكارت مبادئ الفلسفة

عثمان أمين

Полный текст (95 стр.). Показаны 71–95 · переход к 76.

стр. 71

٥١- في ماهية الجوهر، وفي أنه اسم لا يمكن نسبته إلى الله وإلى المخلوقات بمعنى واحد: أما الأشياء التي نرى لها شيئا من الوجود فنحتاج إلى بحثها ههنا واحدا بعد الآخر؛ لكي نميز ما هو غامض مما هو بديهي في الفكرة التي لدينا عن كل منها. إننا حين نتصور الجوهر إنما نتصوره موجودا غير مفتقر إلا إلى ذاته في وجوده، وقد يكون في تفسير قولنا: "غير مفتقر إلا إلى ذاته" بعض الغموض؛ لأن الأصح أن يقال: إنه لا أحد سوى الله يكون هذا شأنه، وما من شيء مخلوق يستطيع أن يوجد لحظة واحدة إلا وقدرة الله تسنده وتحفظه١. ولذلك صح للمدرسيين أن يقولوا: إن لفظ "الجوهر" لا يدل على معنى واحد إلى الله وإلى المخلوقات، أي: إن اللفظ ليس له معنى يمكن تصوره تصورا متميزا, ويكون دالا عليه وعليها دلالة واحدة, ولكن من حيث إن بعض الأشياء المخلوقة لا يمكن بطبيعتها أن توجد إلا بواسطة البعض الآخر، فإننا نميزها من الأشياء التي لا تحتاج إلا إلى عون عادي من الله٢، فنسمي هذه جواهر، ونسمي تلك "صفات" أو "خواص" لهذه الجواهر. ٥٢- في أن لفظ الجوهر يمكن نسبته إلى النفس وإلى الجسم بمعنى واحد، وكيف يعرف الجوهر نفسه:؟ والفكرة التي تكون لدينا عن الجوهر المخلوق تنطبق على الجواهر اللامادية انطباقها على الجواهر المادية أو الجسمانية؛ لأنه لا يلزمنا لكي نفهم أنها جواهر إلا أن ندرك أنها يمكن أن توجد دون اعتماد على أي شيء مخلوق. ولكن حين

стр. 72

نكون بسبيل أن نعرف هل أحد هذه الجواهر موجود حقا؟ أعني: هل هو موجود؟ المتقوم بذاته لا تنكشف معرفته لنا، بل إن من الميسور لنا أن نهتدي إلى الجوهر ذاته من أية صفة من صفاته نستطيع أن نلحظها فيه، وما من صفة منها إلا وتكون كافية لتحقيق الإدراك إذ إن من المعاني الشائعة لدى الناس جميعا أن العدم لا يمكن أن تكون له محمولات ولا خواص أو صفات؛ ولذلك نكون محقين إذا أدركنا صفة من الصفات قائمة، فاستنتجنا أنها صفة لجوهر ما وأن هذا الجوهر موجود. ٥٣- في أن كل جوهر له صفة أولى، وأن صفة النفس هي الفكر, كما أن الامتداد صفة الجسم: ولكن مع أن كل صفة تكفي لتعريفنا بالجوهر, إلا أن في كل جوهر صفة تقوم طبيعته وماهيته وتعتمد عليها جميع الصفات الأخرى، وأعني بذلك: أن الامتداد في الطول والعرض والعمق هو المقوم لطبيعة الجوهر الجسماني، وأن الفكر هو المقوم لطبيعة الجوهر الذي يفكر؛ لأن كل ما يستطاع نسبته إلى الجسم يفترض وجود الامتداد من قبل، ولا يعدو أن يكون اعتمادا على ما هو ممتد١ وكذلك جميع الخواص التي نجدها في الشيء الذي يفكر ليست إلا أنحاء مختلفة من الفكر. وعلى ذلك فنحن مثلا لا نستطيع أن نتصور شكلا ما لم يكن في شيء ممتد، ولا حركة إلا في فضاء هو ممتد. وكذلك الخيال والشعور والإرادة تعتمد على الشيء المفكر بحيث لا نستطيع أن نتصورها بدونه، ولكننا بالعكس نستطيع أن نتصور الامتداد دون شكل أو دون حركة، ونتصور الشيء الذي يفكر دون خيال أو شعور.

стр. 73

٥٤- كيف نستطيع الحصول على أفكار متميزة عن الجوهر المفكر، وعن الجوهر الجسماني، وعن الله:؟ في استطاعتنا إذن أن نحصل على معنيين أو فكرتين واضحتين ومتميزتين، إحداهما: فكرة جوهر مخلوق يفكر، والأخرى: فكرة جوهر ممتد، على شرط أن نحرص كل الحرص على أن نفصل بين جميع صفات الفكر وبين صفات الامتداد, فنستطيع أن نحصل أيضا على فكرة واضحة متميزة عن جوهر غير مخلوق يفكر ومستقل عما عداه، أعني: عن الله، على شرط أن لا يظن أن هذه الفكرة تمثل لنا كل ما هو فيه١، وأن لا نخلط شيئا بوهم من أوهام أذهاننا, بل أن ننتبه إلى ما هو مفهوم حقا في المعنى المتميز الذي نعرف أنه يخص طبيعة موجود كامل كمالا مطلقا؛ لأنه ما من واحد يستطيع أن ينكر أن هذه الفكرة عن الله موجودة فينا، إذا لم يرد أن يعتقد بلا مسوغ أن الذهن الإنساني لا يستطيع الحصول على أي معرفة لله. ٥٥- كيف نستطيع أيضا أن نحصل على أفكار متميزة عن المدة والترتيب والعدد:؟ ويمكن أن يكون لدينا تصورات متميزة جدا عن المدة والترتيب والعدد إذا كنا لا نخلط في فكرتنا عنها ما هو خاص بفكرة الجوهر، ونقتصر على أن نرى أن مدة كل شيء إنما هي حال أو نحو من الأنحاء ننظر منه إلى ذلك الشيء من حيث إنه مستمر في الوجود، وكذلك الترتيب والعدد لا يختلفان في الواقع عن الأشياء المرتبة والمعدودة, وإنما هما وجهان مختلفان لاعتبارنا هذه الأشياء. ٥٦- ما هي الكيفيات والصفات والوجوه والأحوال:؟ حين أتحدث هنا عن الوجوه أو الأحوال، لا أعني شيئا سوى ما سميته في موضع آخر بالصفات أو الكيفيات. ولكني حين أجعل في الاعتبار أن الجوهر

стр. 74

متأثر ومتغير بها أستعمل لفظ "الأحوال" أو "الوجوه" وحين يكون هذا التأثير أو التغير داعيا إلى تسمية الجوهر جوهرا، أطلق اسم الكيفيات على الوجوه المختلفة التي تجعله خليقا بهذا الاسم. وأخيرا حين أرى بوجه عام أن هذه الأحوال أو الكيفيات قائمة في الجوهر، دون أن أنظر إليها إلا باعتبارها متعلقات لذلك الجوهر، حينئذ نسميها صفات. ومن حيث إنه لا ينبغي أن أتصور في الله أي اختلاف أو تغير, فإني لا أقول بأن فيه أحوالا أو كيفيات بل فيه صفات وحتى في الأشياء المخلوقة أطلق لفظ الصفات للأحوال أو الكيفيات على ما يكون فيها دائما على نحو بعينه، مثل الوجود والمدة في الشيء الموجود والذي يبقى في الزمان. ٥٧- في أن بعض الصفات موجود في الأشياء التي توصف بها، وفي أن بعضها موجود في الفكر فقط: وهذه الكيفيات أو الصفات منها ما هي موجودة في الأشياء ذاتها, ومنها ما لا وجود له إلا في فكرنا. فمثلا الزمان الذي نميزه عن المدة بالمعنى العام -ذلك الزمان الذي نقول عنه: إنه عدد الحركة- ليس إلا نحوا من الأنحاء التي نتعقل المدة عليها؛ لأننا لا نتصور أن مدة الأشياء المتحركة هي شيء آخر غير مدة الأشياء غير المتحركة، وذلك واضح من أنه إذا تحرك جسمان ساعة من الزمان وتحرك أحدهما حركة سريعة والآخر بطيئة, فإننا لا نحسب في أحدهما زمانا أكثر مما في الآخر وإن كنا نفترض في أحد الجسمين حركة أكثر مما في الآخر, ولكن لكي نفهم مدة جميع الأشياء بمقياس واحد، نستعمل عادة مدة بعض الحركات المطردة التي هي الأيام والأعوام، ونسميها بالزمان، بعد أن نكون قد قارناها بعضها ببعض، وإن يكن ما نسميه زمانا ليس في الواقع شيئا خارج المدة الحقيقية للأشياء، سوى وجه من وجوه الفكر.

стр. 75

٥٨- في أن الأعداد و"الكليات" إنما وجودها في فكرنا: وكذلك العدد الذي ننظر فيه بوجه عام، دون تفكير في أي شيء آخر مخلوق ليس له وجود خارج فكرنا، كما لا وجود في الخارج لجميع تلك الأفكار العامة الأخرى التي يسميها "المدرسيون" باسم الأمور الكلية أو "الكماليات"١. ٥٩- ما هي الكليات:؟ الكليات هي الأفكار التي تقوم في أذهاننا حين نستعمل فكرة واحدة نعقل بها أشياء كثيرة جزئية بينها علاقة معينة. وحين نحيط بجميع الأشياء التي تمثلها لنا هذه الفكرة تحت اسم واحد، يكون هذا الاسم كليا كذلك، فمثلا حين نرى حجرين، ونلاحظ فقط أن هنالك حجرين دون تفكير منا في طبيعتهما، حينئذ نكون في أنفسنا فكرة عدد معين أسميه عدد الاثنين. فإذا رأينا بعد ذلك عصفورين أو شجرتين, ولاحظنا -دون تفكير في طبيعتهما- أن هنالك اثنين, عدنا إلى نفس الفكرة التي ذكرناها من قبل وجعلناها كلية, وكذلك نعطي هذا العدد نفس الاسم الكلي وهو العدد اثنين. وكذلك حين نلاحظ شكلا ذا ثلاثة أضلاع نكون قد تمثلنا فكرة معينة نسميها فكرة المثلث ونستخدمها بعد ذلك على العموم لجميع الأشكال التي ليس لها إلا ثلاثة أضلاع. ولكنا حين نلاحظ بوجه أخص أن الأشكال ذات الأضلاع الثلاثة منها ما هو قائم الزاوية, ومنها ما ليس كذلك، نكون في أنفسنا فكرة كلية عن المثلث القائم الزاوية, فإذا ارتبطت بالفكرة السابقة التي هي أعم وأشمل وأمكن أن تسمى "نوعا" وتكون الزاوية القائمة هي "الفصل" الكلي الذي يميز المثلثات القائمة الزوايا من غيرها من المثلثات

стр. 76

الأخرى, ثم إذا لاحظنا أن المربع المنشأ على وتر المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين, وأن هذه الخاصية إنما تلائم هذا النوع من المثلثات، استطعنا أن نسميها الخاصة الكلية للمثلثات القائمة الزوايا. وأخيرا إذا فرضنا أن هذه المثلثات القائمة الزاوية منها ما يتحرك, ومنها ما لا يتحرك اعتبرنا ذلك "عرضا" كليا في هذه المثلثات. وهكذا جرت العادة بأن تقسم الكليات خمسة أقسام: الجنس والنوع، والفصل والخاصة، والعرض١. ٦٠- في التمييز الواقعي: أما العود الذي نلاحظه في الأشياء ذاتها, فيأتي من التمييز الواقع بينها. غير أن التمييز على ثلاثة ضروب: الأول: التمييز الواقعي، والثاني: من حيث الحال, والثالث: التمييز العقلي، أي: الذي يكون من عمل الذهن. والتمييز الواقعي يوجد في الحقيقة بين جوهرين أو أكثر؛ لأننا نستطيع أن نستنتج تميز جوهرين, أحدهما عن الآخر؛ لأننا مستوثقون بمقتضى ما نعرفه عن الله من أنه قادر على أن يحقق كل ما لدينا عنه فكرة واضحة ومتميزة؛ لذلك نستطيع أن نستخلص من أن لدينا الآن مثلا فكرة جوهر ممتد أو جسماني، وإن كنا لا نعرف بعد على وجه اليقين إذا كان شيء كهذا موجودا الآن في العالم، غير أنه ما دامت لدينا فكرة عنه، فإننا نستطيع أن نستخلص أن من الممكن وجوده، وأنه متى كان موجودا فإن جزءا معينا منه نستطيع أن نحدده بالفكر يجب أن يكون متميزا بالفعل عن أجزائه. وكذلك لأن كل واحد منا يدرك في ذاته أنه يفكر، وأنه يستطيع وهو يفكر أن يبعد عن ذاته أو عن نفسه كل جوهر مفكر أو ممتد. نستطيع أن نستخلص أيضا أن كل واحد منا إذا نظر إليه من هذه

стр. 77

الجهة كان متميزا تميزا واقعيا من كل جوهر آخر مفكر، ومن كل جوهر جسماني. ومع أننا نفترض أن الله قد جمع بين جسم ونفس جميعا يستحيل معه أن يتحدا اتحادا أوثق, فجعل من ذلك كلا مؤلفا، فالجوهران يظلان متميزين تميزا حقيقيا على الرغم من هذا الاتحاد؛ لأنه مهما جعل بينهما من وشائج لم يكن في وسعه أن يخلي ذاته مما يملك من قوة الفصل بينهما أو حفظ أحدهما بمعزل عن الآخر، والأشياء التي يقدر الله على الفصل بينها أو حفظها منفصلة هي متميزة في الواقع. ٦١- في التمييز من حيث الحال: التمييز من حيث الحال على ضربين: أحدهما: بين التي سميناها وجها والجوهر الذي تعتمد الحال عليه وتجعله متنوعا، والثاني: بين وجهين لجوهر واحد. والأول يمكن ملاحظته من حيث إننا نستطيع أن ندرك الجوهر إدراكا واضحا بدون الوجه الذي يختلف عنه على ذلك النحو. ولكن بالعكس لا نستطيع أن نحصل على فكرة متميزة عن وجه بعينه دون أن نفكر في جوهر بعينه، فمثلا هناك تمييز في الحال بين التأكيد أو التذكر وبين الشيء الذي يفكر. أما النوع الآخر من التمييز القائم بين وجهين مختلفين لجوهر واحد، فيلاحظ من أننا نستطيع أن نعرف أحد هذين الوجهين بدون الآخر، كالشكل بدون الحركة والحركة بدون الشكل، ولكننا لا نستطيع أن نفكر بتمييز لا في أحدهما ولا في الآخر إلا ونعرف أنهما يعتمدان جميعا على جوهر واحد. فمثلا إذا تحرك حجر وكان مربعا، نستطيع أن نعرف شكله المربع دون أن نعرف أنه تحرك؛ وبالعكس نستطيع أن نعرف أنه متحرك دون أن نعرف إذا ما كان مربعا، ولكنا لا نستطيع أن نحصل على معرفة متميزة عن هذه الحركة وعن هذا الشكل إذا لم

стр. 78

نعرف أنهما جميعا في شيء واحد، أعني: في جوهر ذلك الحجر. أما التمييز الذي يختلف فيه وجه من وجوه الجوهر عن جوهر آخر أو عن وجه من وجوه جوهر آخر، كما تكون حركة جسم مختلفة عن جسم آخر أو عن شيء يفكر، أو كما تكون الحركة مختلفة عن الشك, فيبدو لي أن الأحرى أن نسميه تمييزا واقعيا من أن نسميه تمييزا من حيث الحال. ٦٢- في التمييز المنطقي "التمييز بالفكر": التمييز بالفكر عبارة عن أننا نميز أحيانا الجوهر من صفة من صفاته, بدونها لا يكون من الممكن أن يكون لنا به معرفة متميزة، أو أن نحاول الفصل بين صفتين من صفات جوهر واحد، حين نفكر في أحدهما دون أن نفكر في الآخر. وهذا الفصل بيّن بسبب أننا لا نستطيع الحصول على فكرة واضحة متميزة عن ذلك الجوهر إذا جردناه من تلك الصفة، أو بسبب أننا لا نستطيع الحصول على فكرة واضحة متميزة عن صفة أو أكثر من تلك الصفات إذا فصلناها عن الصفات الأخرى. فمثلا من حيث إنه لا يوجد جوهر ينقطع عن الدوام دون أن ينقطع عن الوجود، فالدوام لا يتميز عن الجوهر إلا بالفكر، وعلى العموم جميع الصفات التي تجعلنا حاصلين على أفكار مختلفة عن شيء واحد، مثل امتداد الجسم وخاصيته في أن يكون منقسما إلى أجزاء كثيرة، لا تختلف إحداها عن الأخرى إلا بسبب أننا نفكر أحيانا في إحداها دون أن نفكر في الأخرى على صورة مبهمة, وإني لأذكر أني قد خلطت بين التمييز من حيث الحال، في آخر ردودي على الاعتراضات الأولى التي أوردت على "تأملات" ميتافيزيقاي. ولكن ذلك لا يتنافى مع ما أكتبه هنا؛ لأني لم أكن أقصد هنالك أن أخوض في ذلك الموضوع, فاكتفيت بالتفرقة بينها وبين التمييز الواقعي.

стр. 79

٦٣- كيف نحصل على أفكار متميزة عن الامتداد وعن الفكر، من حيث إن أحدهما هو طبيعة الجسم, وإن الثاني هو طبيعة النفس:؟ نستطيع كذلك أن نعتبر أن الفكر والامتداد هما الشيئان الأساسيان اللذان يقوّمان طبيعة الجوهر العاقل والجوهر الجسماني؛ ولذلك لا ينبغي أن نتصورهما إلا باعتبار أنهما الجوهر نفسه الذي يفكر والذي هو ممتد، أي: إنهما هما النفس والجسم؛ لأننا نعرفهما على هذا النحو معرفة متميزة جدا، بل إن معرفة جوهر يفكر أو جوهر ممتد أسهل من معرفة الجوهر فقط بمعزل عن أنه مفكر أو ممتد؛ لأن من الصعب أن نفصل معنى الجوهر لدينا عن معنى الفكر أو معنى الامتداد, إذ إنهما لا يفترقان عن الجوهر إلا من جهة أننا قد نعتبر الفكر أو الامتداد دون أن نفكر في الشيء نفسه الذي يفكر, أو الذي هو ممتد. وليس تصورنا أكثر تميزا لأنه يتضمن أشياء قليلة، بل لأننا نتبين ما يتضمنه، ولأننا نحرص على أن لا نخلط بينه وبين معانٍ أخرى قد تحيله أشد غموضا. ٦٤- كيف نستطيع أيضا أن نتصور الفكر والامتداد تصورا متميزا, على أنهما حالان أو صفتان لذينك الجوهرين:؟ نستطيع أيضا أن نعتبر الفكر والامتداد حالين أو وجهين مختلفين قائمين في الجوهر، أعني: أننا متى اعتبرنا أن الذهن الواحد يمكن أن يكون له أفكار مختلفة وأن الجسم الواحد يمكن دون أن يتغير حجمه أن يمتد على أنحاء عديدة، تارة يكون أكثر طولا وأقل عرضا, وتارة أخرى يكون أكثر عرضا وأقل طولا، وأننا لا نميز الفكر والامتداد عما هو مفكر وما هو ممتد إلا من حيث إنهما عرضان تابعان لجوهرين، فإننا نعرفهما بوضوح وتميز يعادل معرفتنا

стр. 80

بالجوهرين ما دمنا لا نعتبرهما جوهرين متقومين بذاتهما, بل إن كلا منهما حال من أحوال الجوهر أو وجه من وجوهه. ذلك أننا متى اعتبرناهما خاصتين للجوهرين اللذين عليهما اعتمادهما تيسر لنا أن نميزهما من الجوهرين، وأن نأخذهما على ما هما عليه في الحقيقة, في حين أننا إذا أردنا أن نعتبرهما بدون الجوهر فربما كان ذلك سببا في أن نأخذهما على أنهما شيئان متقومان بذاتهما، وترتب على ذلك أن نخلط بين الفكرة التي ينبغي أن تكون لدينا عن الجوهر وبين الفكرة التي ينبغي أن تكون لدينا عن خواصه وأحواله. ٦٥- كيف نتصور أيضا خواص الفكر والامتداد, أو صفاتهما المختلفة:؟ على هذا النحو نستطيع أن ندرك بغاية الوضوح أنحاء كثيرة مختلفة للفكر، كالفهم والإرادة والتخيل وما إلى ذلك, وندرك أنحاء كثيرة مختلفة للامتداد أو ما يتعلق بالامتداد كالأشكال جميعا بوجه عام، ووضع الأجزاء وحركاتها، على شرط أن ننظر إليها فقط على أنها أحوال قائمة في الجوهر هي تابعة له، وكالحركة من حيث هي، بشرط أن نقتصر على النظر في الحركة من مكان إلى مكان دون أن نبحث عن القوة التي تحدثها, وهي القوة التي سأحاول مع ذلك أن أبينها في موضعها. ٦٦- كيف أن أحاسيسنا وانفعالاتنا وشهواتنا يمكن معرفتها بوضوح, مع أننا كثيرا ما نخطئ في أحكامنا عليها:؟ لم يبق إلا أحاسيسنا وانفعالاتنا وشهواتنا، ونستطيع أن نعرفها أيضا معرفة واضحة متميزة, إذا ما حرصنا على أن لا ندخل في الأحكام التي نطلقها عليها إلا ما يتيح لنا وضوح إدراكنا أن نعرف معرفة محددة وما تعدنا أذهاننا

стр. 81

لأن نكون على ثقة منه. ولكن في مراعاة ذلك مشقة كبيرة, وعلى الأخص فيما يتعلق بالأحاسيس، ومرجع ذلك إلى أننا منذ بداية حياتنا قد أدخلنا في اعتقادنا أن جميع الأشياء التي كنا نحسها موجودة خارج فكرنا وأنها مشابهة تمام المشابهة لما كان لدينا عنها من أحاسيس وأفكار. فإذا رأينا مثلا لونا معينا خلنا أننا رأينا شيئا له وجود خارج أذهاننا وظنناه شبيها بالفكرة التي كانت في أذهاننا عنه. وعلى هذا النحو كانت تجري أحكامنا على الأشياء في مواطن كثيرة, وكان يبدو لنا أننا نرى ذلك بغاية الوضوح والتميز بسبب أننا قد تعودنا إطلاق الأحكام على هذا النحو تعودا طويلا؛ فلا عجب بعد ذلك أن نجد من الناس من يظل متشبثا بهذه الأوهام تشبثا لا يخطر بباله معه أن يشك فيها. ٦٧- في أن كثيرا ما نخطئ, إذ نحكم بأننا نحس ألما في بعض أجزاء جسمنا: ويقع هذا الوهم نفسه في سائر أحاسيسنا، حتى في إحساس الدغدغة والألم, إذ إننا وإن لم نعتقد أن في الأعيان خارج أذهاننا أشياء مشابهة لما جعلنا نحسه من دغدغة أو ألم، إلا أننا لم نعتبر هذه الأحاسيس أفكارا قد انحصر وجودها في أذهاننا، بل اعتقدنا كذلك أنها في أيدينا وفي أقدامنا وفي سائر أجزاء بدننا دون أن يكون هنالك سبب يحملنا على أن نعتقد أن الألم الذي نحسه في القدم مثلا هو شيء موجود خارج فكرنا ومكانه في قدمنا, ولأن الضوء الذي نظن أننا نراه في الشمس هو موجود في الشمس كما هو موجود فينا. وإذا كان من الناس من لا يزالون مقتنعين بهذا الرأي الخاطئ فما ذلك إلا لشدة تشبثهم بما أطلقوا من أحكام على الأشياء في مقتبل حياتهم، فلم يستطيعوا أن يتخلوا عنها إلى أحكام أمتن منها، كما سيتضح لنا مما يلي.

стр. 82

٦٨- في ضرورة وجوب التمييز في هذه الأشياء بين ما يمكن أن نخطئ فيه, وبين ما نعرفه في وضوح: ولكن لكي يتيسر لنا أن نميز في أحاسيسنا بين ما هو واضح, وما هو غامض نستطيع أن نلاحظ أولا أن في إمكاننا أن نعرف الألم واللون والأحاسيس الأخرى معرفة واضحة متميزة إذا ما التزمنا اعتبارها أفكارا فحسب، ولكن إذا أردنا أن نحكم بأن اللون أو الألم شيء قائم خارج فكرنا لم نستطع أن نتصور أي شيء يكون هذا اللون أو هذا الألم. فلو أن قائلا قال: إنه يرى لونا في جسم أو إنه يحس ألما في عضو من أعضاء بدنه، فكأنه قال: إنه رأى أو أحس شيئا ولكنه يجهل طبيعته جهلا تاما، أو إنه لم يعرف ما رأى أو ما أحس. فمع أن الشخص الذي لم ينظر في أفكاره نظر الفاحص قد يوهم نفسه بأنه على إلمام بها، ما دام يفترض أن اللون الذي يظن أنه يراه في شيء من الأشياء يشابه الإحساس الذي يحسه في نفسه، إلا أنه إذا ما تدبر ما يمثله له اللون أو الألم من حيث إنهما موجودان في جسم ملون أو في موضع مجروح، وجد أنه ليس له معرفة به على الإطلاق. ٦٩- في أن معرفتنا للعظام والأشكال وما إليها مختلفة عن معرفتنا للألوان والآلام وغيرها: إذا ما اعتبرنا العظم في الجسم الذي نشاهده أو الشكل أو الحركة "الحركة المكانية على الأقل؛ لأن الفلاسفة حين تخيلوا أنواعا أخرى من الحركة دلوا على أنهم لا يعرفون طبيعتها الحقيقية"١ أو وضع الأجزاء أو الدوام أو العدد

стр. 83

والخواص الأخرى التي ندركها بوضوح في جميع الأجسام كما بينّا من قبل، اتضح أننا نعرفها على نحو يختلف كل الاختلاف عن النحو الذي نعرف عليه ما هو اللون في الجسم نفسه أو الألم أو الرائحة أو الطعم أو أيا من الخواص التي قلت بوجوب نسبتها إلى الحواس. فمع أن تأكدنا من وجود الجسم حين نرى شكله ليس أقل من تأكدنا من وجوده حين نرى لونه، إلا أن معرفتنا لخاصية الشكل فيه معرفة أكثر وضوحا من معرفتنا للخاصية التي بها يبدو لنا ملونا١. ٧٠- في أننا نستطيع أن نحكم بوجهين على الأشياء المحسوسة، بأحدهما نقع في خطأ وبالآخر نتجنبه: واضح إذن أننا إذا قلنا لشخص: إننا ندرك ألوانا في الأجسام, فكأننا قلنا له: إننا ندرك في هذه الأجسام شيئا نجهل طبيعته، ولكنه يحدث فينا إحساسا واضحا جليا يسمى بإحساس الألوان. ولكن هنالك اختلافا كبيرا في أحكامنا؛ لأننا ما دمنا نكتفي بالحكم بأن هنالك شيئا لا ندري ما هو في الأجسام "أي: في الأشياء كما هي" يحدث فينا هذه الأفكار المبهمة التي تسمى أحاسيس, فإننا نباعد بين أنفسنا وبين مواطن الخطأ ونجعلها بمأمن من المزالق التي قد توقعنا في الضلال، من حيث إننا لا نتعجل في الحكم على شيء لا نأنس في أنفسنا أننا نعرفه معرفة تامة، ولكن حين نظن أننا نرى لونا معينا في جسم ما، وإن كنا غير عارفين حق المعرفة بما نسميه بهذا الاسم، وكنا عاجزين عن تصور أي مشابهة بين اللون الذي نفترض وجوده في الأشياء وبين اللون الذي هو في فكرنا، إلا أننا لما كنا لا نلتفت إلى هذا الأمر وكنا نلاحظ في تلك الأجسام عينها

стр. 84

خواص عديدة، كالجسم والشكل والعدد وما إليه، وهي موجودة فيها على نحو ما تتيح لنا حواسنا أو بالأحرى أذهاننا أن ندركها، فمن الميسور أن نتوهم أن ما يسمى باللون في جسم ما، هو شيء موجود في ذلك الجسم ومشابه تمام المشابهة للون الذي هو في فكرنا، ونظن بعد ذلك أن لدينا إدراكا واضحا لأمر لم ندرك طبيعته على الإطلاق. ٧١- في أن العلة الأولى الكبرى لأخطائنا هي الأحكام المبتسرة التي اتخذناها في مقتبل عمرنا: نستطيع أن نلاحظ هنا علة أخطائنا؛ ففي مقتبل عمرنا كانت النفس مرتبطة بالجسم ارتباطا يجعلها لا تهتم بشيء إلا ما يثير فيها انطباعات حسية؛ لأنها لم تكن تفكر بعد فيما إذا كانت تلك الانطباعات حادثة من أشياء موجودة في شيء نافع للجسم, أو عندما يتأثر الجسم تأثرا رقيقا بحيث لا يصيبه منفعة أو مضرة، وتشعر النفس بالأحاسيس التي نسميها طعوما وروائح وأصواتا وحرارة وبرودة وضوءا وألوانا وما شابهها، وهي في الحقيق لا تمثل شيئا موجودا خارج النفس، ولكنها تتنوع بحسب تنوع المواضع والأحوال التي يتأثر الجسم فيها، فيصل تأثره إلى موضع المخ الذي اتصلت به اتصالا وثيقا، وكذلك كانت النفس تدرك العظام والأشكال والحركات التي لم تكن تعرض لها على أنها أحاسيس بل على أنها أشياء أو خواص أشياء تبدو لنا موجودة أو على الأقل ممكنة الوجود خارج الذات، وإن لم تكن قد التفتت بعد إلى هذا الفرق ولكن حين يتقدم بنا العمر قليلا، وتدور آلة البدن في كل اتجاه بما في قوى أعضائه من استعداد طبيعي للدوران يصادف أشياء نافعة ويتجنب أخرى مؤذية، فإن النفس التي كانت شديدة الارتباط به تلحظ أولا حين تتأمل هذه الأشياء التي تصادفها أو التي تتجنبها أنها موجودة في الخارج, ولا تقتصر على أن تنسب إليها العظام والأشكال والحركات وسائر الخواص التي تخص الجسم وحده والتي تتصورها

стр. 85

إما على أنها أشياء أو لواحق لأشياء، بل تنسب إليها كذلك الألوان والروائح وسائر أشباهها من أفكار أدركتها في حينها. ولما كانت تغشاها غاشية الجسم ولا تنظر إلى الأشياء الأخرى إلا من حيث منفعتها له, فقد تفاوت تقديرها لوجود الحقائق في الموضوعات تبعا للتفاوت في قوة ما تحدثه فيها من انطباعات؛ ومن ثم اعتقدت بأن للحجر أو المعادن نصيبا من الجوهرية أو الجسمانية أوفر من نصيب الهواء أو الماء؛ لأنها أحست في الحجر والمعادن زيادة في الصلابة والثقل, ولم تكن ترى في الهواء ما يزيد على العدم إذا لم يتحرك بالريح أو لم يبد لها حارا أو باردا. ولما كانت النجوم لا تجعلها تحس من الضوء أكثر مما يكون من الشمعة المضيئة، فإنها لم تتصور أن كل نجمة أكبر من الشعلة التي تبدو في طرف الشمعة المحترقة. ولما كانت النفس لم تدرك بعد أن الأرض يمكن أن تدور حول محورها وأن سطحها منحنٍ كسطح الكرة فقد حكمت أول الأمر بأنها ثابتة وأن سطحها منبسط. وقد وصلنا من هذا الطريق إلى آلاف أخرى من الأحكام المبتسرة, وجعلناها معتقدات لنا حتى حين أصبحنا قادرين على استعمال عقولنا. وبدلا من أن نسلم بأن هذه الأحكام قد انعقدت في أذهاننا حين كنا عاجزين عن الإصابة في الحكم، وأنها تبعا لذلك يمكن أن تكون أدنى إلى الزيف منها إلى الحق، تلقيناها على أنها يقينية وكأننا عرفناها معرفة متميزة عن طريق حواسنا، كما أننا بعدنا عن الشك فيها بعدنا عن الشك في المعاني الشائعة. ٧٢- في أن العلة الثانية لأخطائنا هي أننا لا نستطيع نسيان هذه الأحكام المبتسرة: فإذا بلغنا أخيرا مرحلة نستعمل فيها عقولنا استعمالا تاما وحاولت نفوسنا، بعد أن زال عنها خضوعها للبدن، أن تحكم على الأشياء حكما سديدا, وأن تعرف حقائقها معتبرة في ذاتها، فإننا على الرغم من ملاحظتنا أن الأحكام

стр. 86

التي أطلقناها في طفولتنا مملوءة بالخطأ، فإننا مع ذلك نجد بعض المشقة في التخلص منها تخلصا تاما، ولكن مما لا ريب فيه أننا إذا لم نتخلص منها ولم نعدها باطلة ومزعزعة, فإننا نكون على الدوام في خطر الوقوع في أحكام فاسدة. وهذا صحيح إلى حد كبير: نجد مثلا أننا لا نستطيع التخلص من تخيلنا النجوم صغيرة جدا، بسبب ما ألفناه من تخيل لها إبان طفولتنا، مع أننا نعرف بأدلة علم الفلك أنها كبيرة جدا، فما أعظم ما للفكرة الأولى من سلطان علينا! ٧٣- في أن العلة الثالثة هي أن ذهننا يعتريه التعب من إطالة الانتباه إلى جميع الأشياء التي نحكم عليها: وأيضا لما كانت نفوسنا لا تستطيع أن تطيل النظر إلى شيء واحد بانتباه دون أن يعتريها التعب والألم، فإنه ما من شيء يشق عليها أكثر مما تشق عليها الأشياء العقلية المحضة التي لا تكون حاضرة أمام الحواس ولا أمام الخيال، إما لأنها قد خلقت على هذا النحو بطبيعتها بسبب اتحادها بالبدن, وإما لأننا في السنوات الأولى من حياتنا قد رسخت فينا عادة الإحساس والتخيل رسوخا يسر لنا أن نفكر على ذلك النحو؛ ومن ثم وجدنا كثيرين من الناس لا يستطيعون الاعتقاد بوجود جواهر ما لم تكن متخيلة أو جسمانية بل محسوسة. ذلك أن الإنسان لا يلتفت عادة إلى أن الأشياء التي هي عبارة عن امتداد وحركة وشكل هي وحدها التي يمكن تخيلها, وأن هنالك أشياء أخرى كثيرة متعقلة، ومن هنا أيضا كان أغلب الناس مقتنعين بأنه لا تقوم لشيء بدون جسم وأنه لا يوجد جسم لا يكون محسوسا. ومن حيث إن حواسنا ليست هي التي تكشف لنا طبيعة أي شيء, بل عقلنا وحده عند إعماله في الأشياء المحسوسة, فلا غرابة في أن معظم الناس لا يدركون الأشياء إلا مشوشة تشويشا شديدا؛ نظرا لأن قليلين منهم يعرفون السبيل إلى قيادة العقل قيادة صحيحة.

стр. 87

٧٤- في أن العلة الرابعة لأخطائنا هي أننا نربط أفكارنا بألفاظ لا تعبر عنها تعبيرا دقيقا: وأخيرا لأننا نربط جميع تصوراتنا لكي نعبر عنها باللسان، ولأننا نتذكر الكلام أكثر مما نتذكر الأشياء التي يدل عليها بالألفاظ, فمن العسير علينا أن نتصور أي شيء تصورا متميزا من شأنه أن يفصل فصلا تاما بين ما نتصوره عن الكلمات التي اختيرت للتعبير عنه. ومن هنا كان أكثر الناس يوجهون نظرهم إلى الألفاظ أكثر من الأشياء، وهذا يؤدي بهم غالبا إلى الموافقة على ألفاظ لا يفهمونها ولا يشغلون أنفسهم بفهمها، إما لاعتقادهم بأنهم قد فهموها، أو لأنه قد بدا لهم أن من لقنوهم إياها يعرفون معناها، وأنهم قد تعلموها بالطريقة نفسها. ومع أننا لسنا هنا بصدد البحث في هذه المسألة؛ لأنني لم أثبت بعد وجود أي جسم في العالم، فيبدو لي مع ذلك أن ما ذكرته عن هذا الأمر يمكن أن يفيدنا في التمييز بين تصوراتنا الواضحة المتميزة, وبين تصوراتنا الملتبسة علينا وغير المعروفة لنا. ٧٥- موجز لكل ما ينبغي مراعاته في التفلسف الصحيح: لذلك إذا أردنا أن نفرغ لدراسة الفلسفة دراسة جدية, وللبحث عن جميع الحقائق التي في مقدورنا معرفتها وجب علينا أن نتخلص أولا من أحكامنا السابقة, وأن نحرص على اطّراح جميع الآراء التي سلمنا بها من قبل، وذلك ريثما تنكشف لنا صحتها بعد إعادة النظر فيها. وينبغي أيضا أن نراجع ما بأذهاننا من تصورات، وأن لا نصدق منها إلا التصورات التي ندركها في وضوح وتميز, وبهذه الطريقة نعرف أولا أننا موجودون باعتبار أن طبيعتنا هي التفكير, ونعرف في الوقت نفسه وجود إله نعتمد عليه. وبعد أن ننظر في صفاته

стр. 88

نستطيع أن نبحث عن حقيقة الأشياء الأخرى جميعا نظرا إلى أنه هو عليها. وبالإضافة إلى المعاني التي لدينا عن الله وعن فكرنا، نجد أيضا في أنفسنا معرفة بقضايا كثيرة هي صحيحة على الدوام، مثل القضية التي تذهب إلى أن العدم لا يمكن أن يكون علة لأي شيء ... إلخ. وسنكتشف أيضا فكرة طبيعية جسمانية أو ممتدة يمكن أن تتحرك وأن تنقسم ... إلخ, ونجد أحاسيس تؤثر فينا مثل الألم والألوان ... إلخ. فإذا قارنا بين ما تعلمناه حين فحصنا عن هذه الأشياء بترتيب وبين أفكارنا عنها قبل أن نقوم بذلك الفحص اكتسبنا عادة تحصيل تصورات واضحة ومتميزة عن كل ما نحن قادرون على معرفته. ويبدو لي أن هذه القواعد القليلة تشتمل على أعم مبادئ المعرفة الإنسانية وأهمها. ٧٦- في أننا ينبغي أن نفضل الأحكام الإلهية على استدلالاتنا, ولكن فيما عدا الأشياء المنزلة ينبغي أن لا نعتقد شيئا لم ندركه إدراكا واضحا جدا: ينبغي قبل كل شيء أن نستمسك بقاعدة تعصمنا من الزلل، وهي أن ما أنزله الله هو اليقين الذي لا يعدله يقين أي شيء آخر. فإذا بدا أن ومضة من ومضات العقل تشير إلينا بشيء يخالف ذلك, وجب أن نخضع حكمنا لما يجيء من عند الله. أما الحقائق التي لم يرد عنها شيء في التنزيل فليس مما يتفق مع طبع الفيلسوف أن يسلم بصحة شيء لم يتحقق منه، ولا أن يركن إلى الثقة بالحواس، أي: أن يكون اطمئنانه إلى ما تلقاه في طفولته من أحكام هو جاء أكثر من اطمئنانه لما يقتضي به العقل الناضج.

стр. 89

فهرس الكتاب: الصفحة الموضوع ٧ إهداء المترجم. ٩ تقديم بقلم مترجم الكتاب إلى العربية. ٩ ١- دواعي نشر كتاب المبادئ. ١٢ ٢- ماهية الفلسفة ومقصدها عند ديكارت. ١٨ ٣- الجزء الأول من "مبادئ الفلسفة". ٢٥ إهداء المؤلف. ٣١ رسالة من المؤلف إلى مترجم الكتاب إلى الفرنسية. ٥١ القسم الأول: في مبادئ المعرفة البشرية. ٥٣ ١- "في أنه للفحص عن الحقيقة يحتاج الإنسان مرة في حياته إلى أن يضع الأشياء جميعا موضع الشك بقدر ما في الإمكان". ٥٣ ٢- "في أن من النافع أيضا أن نعد جميع الأشياء التي يمكن الشك فيها غير صحيحة". ٥٣ ٣- "في أنه لا ينبغي أن نستعمل هذا الشك في تدبير أفعالنا". ٥٤ ٤- "لم يمكن الشك في حقيقة الأشياء الحسية؟ ". ٥٤ ٥- "لم يمكن الشك أيضا في براهين الرياضة؟ ". ٥٥ ٦- "في أن لنا حرية اختيار تجعلنا نستطيع أن نمسك عن التصديق بالأشياء المشكوك فيها، ومن ثم نصون أنفسنا من الوقوع في الضلال". ٥٥ ٧- "في أننا لا نستطيع أن نشك دون أن نكون موجودين, وأن هذا أول معرفة يقينية يستطاع الحصول عليها".

стр. 90

٥٦ ٨- "في أننا نعرف أيضا بعد ذلك التمييز القائم بين النفس والبدن". ٥٦ ٩- "ما هو الفكر؟ ". ٥٧ ١٠- "في أن من المعاني ما تكون واضحة كل الوضوح بذاتها، وتصير غامضة متى أريد تعريفها على طريقة المدرسيين, وأنها لا تكتسب بالدرس بل تولد معنا". ٥٨ ١١- "كيف نستطيع أن نعرف نفوسنا معرفة أوضح من معرفة أجسامنا؟ ". ٥٩ ١٢- "لم كان الناس جميعا لا يعرفون النفس على هذا النحو؟ ". ٥٩ ١٣- "على أي معنى يمكن القول بأن من جهل الله, فلن يستطيع أن يعرف شيئا آخر معرفة يقينية؟ ". ٦٠ ١٤- "في إمكان إثبات وجود الله من أن ضرورة الكينونة, أو الوجود متضمنة في تصورنا له". ٦١ ١٥- "في أن ضرورة الوجود ليست متضمنة في فكرتنا عن الأشياء الأخرى، بل إمكان الوجود فحسب". ٦٢ ١٦- "في أن الأوهام تمنع الكثيرين من أن يتبينوا ما يتميز الله به من ضرورة الوجود". ٦٢ ١٧- "في أنه بقدر ما نتصور من الكمال في شيء ينبغي أن نعتقد أن علته لا بد أن تكون أوفر منه كمالا". ٦٣ ١٨- "في إمكاننا مرة أخرى إقامة الدليل على وجود الله, استنادا على ما تقدم". ٦٤ ١٩- "في أننا وإن كنا لا نحيط علما بذات الله وصفاته, فما من شيء نعلمه بأوضح مما نعلم كمالاته".

стр. 91

٦٤ ٢٠- "في أننا لسنا علة أنفسنا، وإنما الله علتنا، ويترتب على ذلك أننا موجودون". ٦٥ ٢١- "في أن آجالنا في حياتنا كافية وحدها لإثبات وجود الله". ٦٦ ٢٢- "في أننا حين نعرف وجود الله على نحو ما أوضحناه هنا, نعرف أيضا جميع صفاته بقدر ما يستطاع معرفتها بنور الفطرة وحده". ٦٦ ٢٣- "في أن الله غير جسماني، وأنه لا يعرف الأشياء بالحواس على نحو ما نعرفها، وأنه ليس مريدا لحصول الخطيئة والإثم". ٦٧ ٢٤- "في أنه بعد معرفتنا لوجود الله ينبغي، للانتقال إلى معرفة المخلوقات، أن نتذكر أن أذهاننا متناهية, وأن قدرة الله لامتناهية". ٦٨ ٢٥- "في أنه يجب علينا أن نؤمن بكل ما أنزله الله، وإن يكن فوق متناول مداركنا". ٦٨ ٢٦- "في أننا لا ينبغي أن نحاول أن نفهم "اللامتناهي", بل حسبنا أن نسلم بأن كل ما لا نجد فيه حدودا فهو عندنا "لامحدود"". ٦٩ ٢٧- "ما الفرق بين اللامحدود واللامتناهي؟ ". ٦٩ ٢٨- "في أنه لا ينبغي أن نفحص عن الغاية التي من أجلها صنع الله كل شيء، بل حسبنا أن نفحص عن الوسيلة التي أراد أن يكون حدوث الشيء بها". ٧٠ ٢٩- "في أن الله ليس علة لأفكارنا". ٧٠ ٣٠- "ويترتب على ذلك أن كل ما نعرفه في وضوح على أنه حق فهو حق، وهو أمر يخلصنا من الشكوك التي أثرناها فيما تقدم".

стр. 92

٧١ ٣١- "في أن أخطاءنا بالنسبة إلى الله ليست إلا أسلوبا، ولكنها بالنسبة إلينا حرمان وعيب". ٧٢ ٣٢- "في أنه ليس فينا إلا نوعان من الفكر، وهما: إدراك الذهن, وفعل الإرادة". ٧٢ ٣٣- "في أننا لا نخطئ إلا حين نحكم على شيء لم يعرف لنا معرفة كافية". ٧٣ ٣٤- "في أن الإرادة لازمة للحكم لزوم الذهن". ٧٣ ٣٥- "في أن الإرادة أوسع نطاقا من الذهن، وأنها لذلك مصدر لأخطائنا". ٧٤ ٣٦- "في أن أخطاءنا لا يصح نسبتها إلى الله". ٧٤ ٣٧- "في أن أعلى مراتب الكمال عند الإنسان هو أنه حر بالاختيار, وهو الأمر الذي يجعله خليقا بالمدح والذم". ٧٥ ٣٨- "في أن أخطاءنا هي عيوب في تصرفنا لا في طبيعتنا، وأن أخطاء الناس يمكن في أكثر الأحيان أن تنسب إلى الفاعلين الآخرين, لا إلى الله". ٧٦ ٣٩- "في أن حرية إرادتنا لا تعرف بالدليل، وإنما بتجربتنا لها". ٧٦ ٤٠- "في أننا نعلم أيضا بعلم يقيني جدا أن الله قدر الأشياء جميعا تقديرا سابقا على حصولها". ٧٧ ٤١- كيف يمكن التوفيق بين الحرية الإنسانية, وبين سبق التقدير الإلهي؟ ". ٧٧ ٤٢- "كيف أننا, وإن لم نكن نريد قط أن نخطئ, إنما نخطئ مع ذلك بإرادتنا؟! ".

стр. 93

٧٨ ٤٣- " في أننا لن نخطئ إذا ما التزمنا أن لا نحكم إلا على أشياء ندركها إدراكا واضحا متميزا". ٧٨ ٤٤- "في أننا لا نستطيع إلا أن نحكم حكما فاسدا على ما لا ندركه إدراكا واضحا، وإن تصادف أن كان حكمنا صحيحا، وكثيرا ما تكون ذاكرتنا سببا في ضلالنا". ٧٩ ٤٥- "ما هو الإدراك الواضح المتميز؟ ". ٧٩ ٤٦- "في أن الإدراك يمكن أن يكون واضحا دون أن يكون متميزا, ولكن العكس ليس صحيحا". ٨٠ ٤٧- "في أننا لكي نطرح الأوهام, والأحكام المبتسرة التي كسبناها في طفولتنا يجب أن ننظر في كل فكرة من أفكارنا الأولى؛ لنتبين ما هو واضح منها". ٨٠ ٤٨- "في أن كل موضوعات معرفتنا ننظر إليها إما على أنها أشياء أو حقائق, إحصاء الأشياء". ٨١ ٤٩- "في أن الحقائق لا يمكن تعدادها, وأنه لا حاجة إلى ذلك". ٨٢ ٥٠- "في أن هذه الحقائق جميعا يمكن أن تدرك بوضوح, ولكن إدراكها ليس ميسورا لجميع الناس، بسبب ما يغشى عقولهم من أوهام شائعة وأحكام مبتسرة". ٨٣ ٥١- "في ماهية الجوهر، وفي أنه اسم لا يمكن نسبته إلى الله وإلى المخلوقات بمعنى واحد". ٨٣ ٥٢- "في أن لفظ الجوهر يمكن نسبته إلى النفس وإلى الجسم بمعنى واحد، وكيف يعرف الجوهر نفسه؟ ". ٥٣- "في أن لكل جوهر صفة أولى، وأن صفة النفس هي الفكر كما

стр. 94

٨٤ أن الامتداد صفة الجسم". ٨٥ ٥٤- "كيف نستطيع الحصول على أفكار متميزة عن الجوهر المفكر, وعن الجوهر الإنساني، وعن الله؟ ". ٨٥ ٥٥- "كيف نستطيع أيضا أن نحصل على أفكار متميزة عن المدة والترتيب والعدد؟ ". ٨٥ ٥٦- "ما هي الكيفيات والصفات والوجوه والأحوال؟ ". ٨٦ ٥٧- "في أن بعض الصفات موجودة في الأشياء التي توصف بها، وفي أن بعضها موجود في الفكر فقط". ٨٧ ٥٨- "في أن الأعداد والكليات إنما وجودها في فكرنا". ٨٧ ٥٩- "ما هي الكليات؟ ". ٨٨ ٦٠- "في التمييز الواقعي". ٨٩ ٦١- "في التمييز من حيث الحال". ٩٠ ٦٢- "في التمييز المنطقي "التمييز بالفكر"". ٩١ ٦٣- "كيف نحصل على أفكار متميزة عن الامتداد, وعن الفكر من حيث إن أحدهما هو طبيعة الجسم، وإن الثاني هو طبيعة النفس؟ ". ٩١ ٦٤-" كيف نستطيع أيضا أن نتصور الفكر والامتداد تصورا متميزا على أنهما حالان, أو صفتان لذينك الجوهرين؟ ". ٩٢ ٦٥- "كيف نتصور أيضا خواصهما أو صفاتهما المختلفة؟ ". ٩٢ ٦٦- "كيف أن أحاسيسنا وانفعالاتنا وشهواتنا يمكن أن تعرف بوضوح، مع أننا كثيرا ما نخطئ في أحكامنا؟ ". ٩٣ ٦٧- "في أننا كثيرا ما نخطئ, إذ نحكم بأننا نحس ألما في بعض أجزاء جسمنا".

стр. 95

٩٤ ٦٨- "في وجوب التمييز في هذه الأشياء بين ما يمكن أن نخطئ فيه, وبين ما نعرفه بوضوح". ٩٤ ٦٩- "في أن معرفتنا للعظام والأشكال وما إليها مختلفة عن معرفتنا للألوان والآلام وغيرها". ٩٥ ٧٠- "في أننا نستطيع أن نحكم بوجهين على الأشياء المحسوسة, بأحدهما نقع في الخطأ وبالآخر نتجنبه". ٩٦ ٧١- "في أن العلة الأولى الكبرى لأخطائنا هي الأحكام المبتسرة التي اتخذناها في مقتبل عمرنا". ٩٧ ٧٢- "في أن العلة الثانية لأخطائنا هي أننا لا نستطيع نسيان هذه الأحكام المبتسرة". ٩٨ ٧٣- "في أن العلة الثالثة هي أن ذهننا يعتريه التعب من إطالة الانتباه إلى جميع الأشياء التي نحكم عليها". ٩٩ ٧٤- "في أن العلة الرابعة لأخطائنا أننا نربط أفكارنا بألفاظ لا تعبر عنها تعبيرا دقيقا". ٩٩ ٧٥- "موجز لكل ما ينبغي مراعاته في التفلسف الصحيح". ١٠٠ ٧٦- "في أننا ينبغي أن نفضل الأحكام الإلهية على استدلالاتنا, ولكن فيما عدا الأشياء المنزلة ينبغي أن لا نعتقد شيئا لم ندركه إدراكا واضحا".