← Прочие науки

Прочие науки · id 10009

مناهج البحث في العلوم السياسية

محمد محمود ربيع

Полный текст (328 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفهارس: المحتوى: الصفحة الموضوعات ١١ مقدمة الطبعة الثانية ١٣ تمهيد الباب الأول: نبذة عن أهم المدارس والتيارات الفلسفية وعلاقتها بمناهج البحث الفصل الأول: مفهوم الفلسفة في العصور القديمة ٢٩ المبحث الأول: النشأة ٣٤ المبحث الثاني: التعريف ٣٦ المبحث الثالث: الموضوع الفصل الثاني: مفهوم الفلسفة في العصر الوسيط ٤١ المبحث الأول: مفهومها لدى فلاسفة الغرب المسيحيين وفلاسفة العرب المسلمين

стр. 2

٤٧ المبحث الثاني: منهج البحث الإسلامي ٥٥ المبحث الثالث: منهج ابن خلدون الفصل الثالث: مفهوم الفلسفة في العصر الحديث ٨٧ المبحث الأول: المذاهب والتيارات الجديدة ٨٩ المبحث الثاني: المنهج في كتابات بيكون وديكارت الفصل الرابع: مفهوم الفلسفة لدى مدارس الفكر المعاصر ٩٧ المبحث الأول: التيار التقليدي المعاصر ٩٨ المبحث الثاني: الوضعية الكلاسيكية ١١٠ المبحث الثالث: الوضعية المنطقية ١٢١ المبحث الرابع: الماركسية ١٢٩ المبحث الخامس: البراجماتية ١٣٧ المبحث السادس: الوجودية الفصل الخامس: كلمة ختامية حول المادية والمثالية في الفلسفة ١٥٠ المبحث الأول: المذهب المادي ١٥٣ المبحث الثاني: المذهب الروحي

стр. 3

الباب الثاني: المفهوم الليبرالي لمداخل ومناهج البحث الفصل السادس: العلوم الأكاديمية ١٦٦ المبحث الأول: المدخل التاريخي ١٦٩ المبحث الثاني: المدخل الاقتصادي ١٧١ المبحث الثالث: المدخل الاجتماعي ١٧٦ المبحث الرابع: المدخل الجغرافي ١٧٨ المبحث الخامس: المدخل الفلسفي الفصل السابع: الظواهر والقوى السياسية ١٨١ المبحث الأول: المؤسسات ١٨٨ المبحث الثاني: القانون ١٩٠ المبحث الثالث: السلطة ١٩٤ المبحث الرابع: التأثير والقيم ١٩٦ المبحث الخامس: عملية صنع القرار ٢١٦ المبحث السادس: الأهداف والوسائل الفصل الثامن: الفروض والنظريات ٢٢٥ المبحث الأول: مداخل بحث تركز على التأثيرات البيئية

стр. 4

٢٣١ المبحث الثاني: مداخل بحث تركز على الاعتبارات الأيديولوجية ٢٤٠ المبحث الثالث: المدخل السلوكي الفصل التاسع: المفهوم الليبرالي لمناهج البحث ٢٤٦ المبحث الأول: منهج التحليل ٢٤٩ المبحث الثاني: المناهج الكمية والكيفية ٢٥٣ المبحث الثالث: المناهج الاستقرائية والاستنباطية ٢٥٥ المبحث الرابع: المنهج المقارن الباب الثالث: المفهوم الماركسي لمناهج البحث الفصل العاشر: الميتافيزيقية والجدلية ٢٦٣ المبحث الأول: أسباب الخلاف المنهجي بين الليبرالية والماركسية ٢٦٦ المبحث الثاني: المنهج الميتافيزيقي الفصل الحادي عشر: تطور المنهج الجدلي ٢٧٣ المبحث الأول: المنهج الجدلي المثالي ٢٧٨ المبحث الثاني: المنهج الجدلي المادي

стр. 5

الباب الرابع: البحث العلمي في السياسة الفصل الثاني عشر: العلم والمنهج ٢٨٨ المبحث الأول: شروط ارتقاء المعرفة إلى مرتبة العلم ٢٩١ المبحث الثاني: خطوات المنهج العلمي ٢٩٣ المبحث الثالث: أساليب حديثة لزيادة فعالية خطوات المنهج العلمي ٢٩٧ المصادر ٣٠٧ فهرس الأعلام

стр. 6

المقدمات: مقدمة الطبعة الثانية: يتوخى الإنسان من إرساء العلوم الجديدة, ومناهج وطرق البحث زيادة قدرته على تفسير الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية المحيطة به، ثم الانطلاق من هذا التفسير إلى محاولة التنبؤ بما قد يحدث, ثم التحكم في الظواهر والأحداث المتوقعة بقدر الإمكان. ولا تقتصر محاولة الاستفادة من هذه الأساليب العلمية على العالم أو المفكر، وإنما تلتزم بها بالدرجة الأولى الأجهزة المتخصصة في الدول المتقدمة, ممثلة في مجموعات البحوث في وزارات الخارجية والاقتصاد والدفاع والإعلام، وكذلك في أجهزة البحوث والرصد بالصحف الكبرى والأحزاب الجماهيرية. ويجب التحذير سلفا من مغبَّة المبالغة وسوء التقدير؛ إذ إن جميع مناهج وطرق البحث دون استثناء -ورغم أهميتها القصوى علميا وحياتيا- ليست عصا سحرية, وإنما تأتي في الواقع في المرتبة الثانية بالنسبة للقدرات العقلية الخلاقة للإنسان الذي تتوقف عليه أولا, وأخيرا إمكانيات نجاح البحث, أو الكتابة السياسية. معنى ذلك أن كل ما نهدف إليه من تدريب على تلك المناهج والطرق إنما ينحصر في ترتيب الذهن، وتعلم أساليب التفكير العلمي المنطقي، والتزوّد بالأدوات الضرورية التي قد تساعد على زيادة فرص التوفيق في طرح الأسئلة الملائمة للموضوع المطروح، والاختيار الرشيد بين المناهج والطرق المناسبة. ونريد التشديد على أن التركيز في الإطار التالي سيكون على المناهج

стр. 7

والطرق العلمية المعروفة. أما التقسيم الأيديولوجي لتلك المناهج والطرق, فينطلق من أن تطبيق أي منهج أو طريقة نادرا ما يخلو من ارتباط بقيم, أو توجهات أيديولوجية معينة صريحة أو ضمنية, خاصة وأن المناهج والطرق التي نحن بصدد دراستها تتعلق بالعلوم السياسية. تشتمل هذه الطبعة على العرض التحليلي لمنهج المفكر العربي الكبير عبد الرحمن بن خلدون. وهي تتناول بعض الجوانب الهامة المتعلقة بمنهج البحث الإسلامي, بصفته نقطة الانطلاق بالنسبة لابن خلدون ولغيره من المفكرين والعلماء المسلمين؛ ذلك أن ابن خلدون لم ينطلق من فراغ, وإنما استفاد من الجهود الخلاقة لمن سبقوه من هؤلاء الفقهاء والمفكرين الذين تخلوا قبله عن المنهج القياسي لأرسطو. وأخيرا هناك استقصاء لمدى امتداد التأثير الإغريقي إلى الفكر الإسلامي بصفة عامة، وما إذا كان منهج أرسطو قد أثر بدوره على البحوث الطبيعية, والاجتماعية للمفكرين المسلمين. وفيما عدا ذلك, فإن بقية تحليل وشرح المداخل والمناهج يظل كما ورد بالطبعة الأولى. والله ولي التوفيق. د. محمد محمود ربيع الكويت ١٩٨٦

стр. 8

تمهيد: نود -بادئ ذي بدء- أن نوضح ثلاث نقاط: ١- لا يوجد هناك ما يسمى بالحياد إزاء القيم, سواء في الفلسفة أو المنطق أو المجتمع بشكل عام. ٢- أن إيماننا بالله "سبحانه" لا يجب أن يدفعنا إلى تعاطف غير مستنير مع الفلسفات المثالية التي تتستر وراء الإيمان, سواء بشكل صريح أو ضمني. ٣- ضرورة الاهتمام بدراسة وتطوير طرق, ومناهج البحث كوسائل في علاج عدم التوازن الضار بين الإنجازات التكنولوجية الضخمة التي حققتها البشرية, وبين الفوضى الفكرية السائدة في عالمنا المعاصر. ١- ترتبط مناهج البحث ارتباطا وثيقا بالفلسفة, وتتبادل معها التأثير من حيث النشأة والتطور وتحديد المفاهيم. الفرض الهام الآخر الذي نود التأكيد عليه منذ البداية, هو أنه لا يوجد هناك ما يسمى بالحياد أو اتخاذ موقف سلبي إزاء القيم, سواء في الفلسفة أو المنطق أو المجتمع بشكل عام. وقد ظل الخلاف طويلا حول هذا الموضوع, حتى بين المفكرين الليبراليين أنفسهم الذين ادعى عدد منهم في أوائل القرن الحالي -وعلى رأسهم ماكس فيبر- بإمكان الفصل التام بين الحقائق والقيم، وتجرد العالم أو الباحث تماما من أي اعتبارات بيئية, أو مؤثرات ذاتية عند إصدار حكمه على موضوع ما. لكن كثيرين من هؤلاء المفكرين اضطروا أخيرا إلى الاعتراف بالواقع, واستحالة الفصل التحكمي بين حقلي التجريب والقيم, وباستحالة وقوف العلوم الاجتماعية بالذات موقف الحياد من الأحداث والصراعات والقوى في أي

стр. 9

مجتمع، كما اعترفوا بأن الموضوعية نسبية١. فعلماء السياسة -على سبيل المثال- عندما يقومون باختيار وتنظيم المادة التي يستعملونها في بحوثهم, أو محاضراتهم يحتاجون إلى إجراء عمليات انتقاء حقيقة

стр. 10

ما دون حقيقة أخرى، أو شكل تنظيمي معين دون شكل آخر، أو منهج بحث دون منهج آخر. قد تكون عملية الانتقاء عشوائية, ولكنها في الأغلب الأعم ليست كذلك, وإنما تحكمها معايير وقيم يأخذ بها كل عالم, أو باحث١. هكذا تتضح أهمية تزويد المثقف بمعرفة أوثق بمناهج البحث؛ ليتسنى له اختيار أنسبها لدراسته, ومساعدته على التحلي بأكبر قدر ممكن من الموضوعية في تحديد موقفه من الفلسفات, والأيديولوجيات المتصارعة في عالم اليوم. إلا أنه, وإن كان التقيد بالحياد واجبا في عرض تلك المناهج, فإن الأمانة والالتزام العلمي بالبحث عن الحقيقة يحتمان عدم الوقوف موقفا سلبيا من التيارات الفلسفية والمنطقية, قديمها وحديثها التي يتراوح قصورها بين العجز عن اللحاق بتطورات العصر العلمية والاجتماعية, وبين التضليل الجزئي أو الكامل للباحث؛ لحرفه عن الإدراك السليم لحقيقة المشكلة الأساسية في الفلسفة, وهي علاقة الفكر بالواقع وعن فهم طبيعة الاتجاهات المتصارعة سواء في مجال العلم, أو المجتمع. فمثلا، يزداد باستمرار تبلور الخلافات بين الأيديولوجية الماركسية, والليبرالية كتعبير عن الصراع المحتدم بين النظامين الرئيسيين في عصرنا, وهما الاشتراكية والرأسمالية مما دفع كافة التيارات الفلسفية والمنطقية إلى تحديد مواقفها من ذلك الصراع بشكل صريح, أو ملتوٍ. ليس معنى ذلك أن الفلسفة والمنطق كانا محايدين قبل ظهور هاتين الأيديولوجيتين, بل على العكس من ذلك تماما كانا يعبران بوجه عام عن قوى اجتماعية رجعية أو صاعدة. مثال ذلك: أنه رغم التراث الكبير الذي خلّفه كل من أفلاطون وأرسطو, فإن كتاباتهما كانت تعبيرا عن حقبة تاريخية معينة

стр. 11

وعلاقات اجتماعية محددة. أكثر من ذلك، فقد دافعا عن النظام الاجتماعي, والسياسي القائم آنئذ من حيث انقسامه إلى سادة أحرار وعبيد, واعتبرا أن العبودية ظاهرة طبيعية. يتضح الطابع الاجتماعي, والطبقي للفلسفة بشكل حاسم في الرأي الذي أبداه أرسطو ونقله إلينا التاريخ. فقد روى المؤرخ الإغريقي بلوتارك أن الإسكندر المقدوني علم أثناء إحدى غزواته بأن أستاذه أرسطو نشر بعض أعماله الفلسفية؛ فغضب لذلك وأرسل يعاتب أستاذه بقوله: لقد ارتكبت خطأ بنشرك الأجزاء الباطنة من العلم, وإلا فكيف يبقى اختلافنا عن الناس إذا جعلت المعرفة العليا التي اكتسبناها منك مشاعة في العالم أجمع؟ وقد رد أرسطو عليه قائلا: "لقد نشرناها ولم ننشرها ... ولن يصل إلى فهمها إلا من درس علينا مثلك"١. بناء عليه، لا يمكن اليوم قبول بعض الفروض الزائفة على علاتها, والتي ذهبت إلى أن الفلسفة ما هي إلا حب الحكمة كما ادعت الفلسفة الإغريقية, أو الادعاء باللامبالاة الفلسفية وحتى إنكار الفلسفة أصلا كما حاولت الوضعية, أو اعتبار الفلسفة التحليل اللغوي المنطقي كما ظنت الوضعية المنطقية. بالمثل، لا يملك المثقف الملتزم أن يقف موقف المتفرج, أو المحايد إزاء التيارات الفلسفية التي تكرس الرجعية والتشاؤم والاستغلال والأنانية، وإنما واجبه أن يكشف إفلاسها وتهربها من تقديم مفهوم عام للطبيعة والإنسان يفسر ماضيه, ويخدم حاضره ومستقبله. لا يستطيع هذا المثقف أو حتى المواطن العادي أن يكون محايدا إزاء فلسفات نيتشه وهايدجر وكامي, أو الفلسفة الصهيونية على سبيل المثال وليس الحصر. فنيتشه هو القائل: إنني أحلم بقيام جماعة من الرجال تامين مطلقين

стр. 12

أشداء لا يتهاونون ولا يتساهلون، يطلقون على أنفسهم اسم الهدامين ... لا يحفلون بالحياة ولا بالطمأنينة والسلام، وإنما يجدون النعيم في الانتصار والقوة والتحطيم، ويشعرون بسرور عميق وهم يعذبون الآخرين....١. يكمل تلك النغمة العدوانية أن فلسفة نيتشه عن الإنسان الأعلى كانت أحد المناهل التي استفادت منها النازية في صياغة مفاهيمها, وخاصة تحويرها لفكرة تفوق الإنسان الأعلى كشخص إلى تفوق العرق الأعلى كعنصر أي: الجنس الآري، وهو جوهر الفلسفة النازية في محاولتها إثبات سمو الجنس الآري "الخالق للثقافة" وحقه في فرض سيطرته على العروق الإنسانية الأخرى الأدنى مرتبة كالأنجلوساكسون "كجنس حامل للثقافة" أو الأجناس المنحطة "المدمرة للثقافة" وقصدت بها الشعوب الملونة غير الأوروبية وخاصة اليهود٢. يتعذر أيضا اتخاذ موقف الحياد إزاء فلسفات مثل: البراجماتية والوجودية. فهذا هايدجر مثلا أحد أعلام الوجودية المعاصرة لم يعينه هتلر عبثا كمدير لجامعة فرايبورج, بل أكثر من ذلك يأخذ على عاتقه مهمة نشر الدعاية النازية بين الطلبة الألمان. ثم لنقرأ سطورا من كتابات كامي؛ لنفهم الطابع التشاؤمي الذي يميز فلسفته الوجودية, إذ يقول في روايته أسطورة سيسيفوس: "إنه ليس ثمة

стр. 13

سوى مشكلة فلسفية واحدة, يمكن أن تعد جدية بحق، وتلك هي مشكلة الانتحار. ولو استطعنا أن نحكم ما إذا كانت الحياة جديرة بأن تعاش أم لا, فقد أجبنا على المشكلة الرئيسية في الفلسفة"١. ٢- إن إيماننا بالله "سبحانه" لا يجب أن يدفعنا إلى تعاطف غير مستنير مع الفلسفات التي تتستر وراء الإيمان والدين, سواء بشكل صريح أو ضمني. وتدل الشواهد منذ أحقاب سحيقة على أن الأقلية من ملاك العبيد أصحاب المصالح الأنانية الضيقة, التي ظهرت بعد انقسام المجتمعات البدائية إلى طبقات, كانوا يلجئون إلى الكهنة ليس إيمانا بالآلهة الشائعة آنئذ, بقدر ما كان لاستغلال نفوذهم في تهدئة العبيد؛ ليتحملوا مزيدا من السخرة، وعدم الثورة ضد الظلم. ثم دخل بعض الفلاسفة كطرف في هذه اللعبة كما تشهد بذلك أقوال شيشرون الفيلسوف التوفيقي الروماني الذي ذهب إلى القول قبل مولد المسيح: "إن الإيمان بالآلهة أمر لا بد منه للعبيد". كان الشغل الشاغل لهؤلاء المسئولين, والفلاسفة هو الدفاع عن حكم الأقليات, وعن استغلالها للإنسان متسترين في ذلك بالدفاع عن الدين والإيمان. من الأمثلة الصريحة على هؤلاء المؤرخ ورجل الدولة الفرنسي تيير الذي عبر في شكواه عام ١٨٤٨ عن مخاوف النظام الرأسمالي من انتشار الفلسفة, والآراء الاشتراكية, إذ يقول: "آه, لو كانت الأمور تسير كما كانت تسير في الماضي. فلو أن المدارس ظلت في أيدي القساوسة وخدم الكنيسة، لكان من الصعب أن أعارض في ترقية المدارس لأبناء الشعب. إنني أطالب بصراحة بشيء آخر غير أولئك

стр. 14

المعلمين العلمانيين الذين أمقت أغلبهم. إنني أريد إخوانا مسيحيين رغم أنني أسأت الظن بهم من قبل, وأريد أيضا أن يسترد تأثير الكنيسة كامل سلطانه. إنني أطالب بأن يكون تأثير القسيس قويا؛ لأنني أعتمد عليه اعتمادا كبيرا في نشر هذه الفلسفة الطيبة, التي تعلم الإنسان أنه هنا في الدنيا ليشقى، لا تلك الفلسفة الأخرى التي تقول للإنسان عكس ذلك: تمتع.... لأنك في الحياة الدنيا لتصنع "سعادتك الصغيرة". وإذا لم تجدها في موقعك الحاضر, فاضرب الغني بلا خوف؛ لأن أنانيته هي التي تحرمك من هذا القسط من السعادة. إنك تستطيع أن تضمن رغد العيش لنفسك, ولكل من هم في نفس وضعك إذا انتزعت من الغني ما هو في غنى عنه"١. في عالمنا المعاصر، تتخذ الفلسفة البراجماتية السائدة في الولايات المتحدة موقفا أصرح. فرغم اعتبارها القضايا الميتافيزيقية غير ذات معنى, تبدي الاستعداد لقبول المعاني الميتافيزيقية دون بحثها عقليا إذا ترتبت على قبولها منفعة, أو فائدة عملية. لا تؤمن البراجماتية -على الأقل بالنسبة لوليام جيمس- بوجود الله من الناحية المبدئية, وإنما تعبر عن استعدادها للاعتراف بصدق العقيدة الدينية إذا أدت إلى فوائد نفعية في الحياة, أي: تعلق البراجماتية اعترافها على ظهور النتائج العملية للدين والتأكد مما تسميه بقيمته المنصرفة. يقول الفيلسوف البراجماتي ويليام جيمس: "أخشى أن تكون محاضراتي السابقة ... قد تركت لدى الكثير منكم انطباعا بأن البراجماتية تعني من الناحية المنهجية الابتعاد عما هو فوق البشر

стр. 15

"الخالق". لقد أظهرت في الواقع احتراما قليلا إزاء المطلق ... ومن وجهة نظر المبادئ البراجماتية, فإنه إذا كان فرض وجود الله يلعب دورا مرضيا بأوسع معاني الكلمة, فإنه يكون فرضا صحيحا"١. تتجسد في الصهيونية صورة أخرى من صور الفلسفات المثالية التي لا تكتفي بالتستر خلف الدين والإيمان, وإنما سبقت البراجماتية المعاصرة في النظر إلى الدين من زاوية قيمته المنصرفة, أو مجرد دفعه وتسخيره في خدمة الأهداف التوسعية والعنصرية الصهيونية. ونستطرد هنا قليلا في مناقشة علاقة تلك الفلسفة المثالية بالدين؛ لعلاقة ذلك بمستقبل الصراع الدائر ضدها في الوطن العربي. تستغل الصهيونية مشاعر الإيمان؛ لاستثارة الحمية الدينية لتحقيق عدة أهداف. فبالنسبة ليهود الشتات "الدياسبورا" تسعى الصهيونية إلى دفعهم للهجرة إلى إسرائيل, أو على الأقل ضمان التمويل المنتظم والمتصاعد لميزانية التسليح والتوسع عن طريق مساهمتهم المالية. ثم هي تستغل مشاعر الإيمان أيضا لدى المسيحيين البروتستانت, وخاصة الأنجلوساكسون في بريطانيا والولايات المتحدة. وينطلق استثمار الجذور الدينية المشتركة من التحريفات التي لحقت بالعهد القديم كمصدر إلهام رئيسي لدى البروتستانت, وإيمان هؤلاء بأن إنشاء إسرائيل تحقيق لنبوءة مقدسة وإيذان بقرب عصر الخلاص وجمع شمل بني إسرائيل, ومن بينهم الأنجلوساكسون الذين ينحدرون -وفقا لبعض الخيالات الدينية- من سلالة الأسباط العشرة المفقودة منذ اجتياح الآشوريين لمملكة إسرائيل عام ٧٢١ قبل الميلاد. على صعيد العقيدة، تستثمر الصهيونية الدين اليهودي كبديل عند

стр. 16

الضرورة للخرافات المثالية التي تروّج لتصورات غامضة عن الشخصية اليهودية, وتعتبر هذه الأخيرة من أعوص المشاكل وأقلها وضوحا بالنسبة للزعماء, والأفراد اليهود على حد سواء. لهذا يدعو المفكرون الصهيونيون إلى التشدد في مسألة الانتماء إلى الدين اليهودي بصفته العامل الوحيد المضمون, والواضح الذي يمكن التعويل عليه في ترويج ادعائهم بصدور وعد من الرب لبني إسرائيل, خاصة بمنحهم أرض الميعاد "صهيون". بعبارة أخرى، فإن ادعاء وجود حق تاريخي لليهود في فلسطين ستنكشف هويته الحقيقية كغزو, واستعمار استيطاني ما لم يغطي بذلك الستار الديني. تبدو "القيمة المنصرفة" للصهيونية أيضا من استغلال قيودها المتزمتة لمقاومة انتشار الحياة العلمانية في إسرائيل, ومحاولة احتواء التحولات الفكرية التي يتعرض لها الجيل اليهودي الشاب في بحثه عن شخصية قومية في ظل ظروف متغيرة. من جهة أخرى، هناك منفعة لتلك القيود المتزمتة خارج إسرائيل حيث تخشى الصهيونية من وصول عدوى العلمانية إلى يهود الشتات, مما قد يدفعهم إلى التهاون في التعليمات الحاخامية المتشددة التي ترفض الزواج المختلط, وبذلك يذوبون تدريجيا في مجتمعات الغرب حيث تشجع الحياة الأسهل نسبيا على الاستقرار هناك. فالقيود المتزمتة للدين هي التي تستطيع منع الاستيعاب الذي يعتبر كارثة من وجهة النظر الصهيونية؛ نظرا لتهديده لمفاهيمها المثالية عن النقاء العنصري لليهود, وخرافة إنشاء إسرائيل الكبرى. إلا أن ذلك الستار الديني الشفاف لا يستطيع إخفاء حقيقة أن نسبة عالية من يهود الشتات غير متدينين, كما يتناقض مع نتائج إحدى الدراسات الميدانية الهامة التي تثبت أن نصف عدد الإسرائيليين "٤٦%" يطيعون التعاليم الدينية طاعة جزئية, أي: غير متدينين, طبقا للمعايير اليهودية. أما الدلالة الأخرى ذات المغزى, فهي ظاهرة الإلحاد وعدم الاكتراث الروحي الذي تكشفه كتابات عدد من كبار الزعماء والمفكرين الصهيونيين الذين لعبوا أدوارا هامة, ومعترفا بها في الحركة

стр. 17

الصهيونية. فهذا ياكوب كلاتزكين مثلا يذهب إلى حد القول بأن "الثورة اليهودية الحقيقية" لم تنتج عن تحرير اليهود سياسيا -والذي كان عاملا ثانويا- وإنما كانت نتيجة لفقد الإيمان١. يجمع بين هذه الفلسفات المثالية التي استشهدنا ببعضها صفة هامة, ألا وهي دفاعها غالبا عن نظم اقتصادية استغلالية. وليس المقصود بكلمة مثالية -كما سنوضح فيما بعد- مفهومها الأخلاقي بمعنى المثل الأعلى, أو الحث على التضحية والفداء أو القدوة الحسنة. إنما المقصود هو مفهومها الفلسفي الذي ورد في كتابات أفلاطون ومن جاءوا بعده, والمشتق من اصطلاح المثال الذي ابتكره أفلاطون وفسره بأنه الصورة الفكرية التي توجد على نمطها الأشياء المادية. لهذا فإنه لإخفاء المغزى الحقيقي لتلك الفلسفات تغطي حججها بستار من الروحانية الكاذبة والدفاع عن الإيمان, وهو ما يكذبه الواقع العملي للنظم السياسية التي دافعت عنها قديما, وحديثا. ٣- نتناول في هذه النقطة الأخيرة من المقدمة الدور السياسي لمناهج البحث. من المعلوم أنه رغم استمرار الصراع الأيديولوجي بين المذاهب المختلفة، فإن الحقائق الجديدة التي فرضها التقدم التكنولوجي الضخم على العلاقات الدولية -وخاصة من حيث تعذر الحرب النووية- قد دفعت النظم السياسية إلى وضع ضوابط على سياسات القوة التقليدية؛ تفاديا لخروج أي صراع عن الحسابات المتفق عليها.

стр. 18

مهدت تلك التطورات لظهور مفاهيم جديدة عن التعايش بين النظم, تدرجت من تعايش إكراهي إلى تنافسي ثم إلى الانفراج. وبغض النظر عن النجاح الجزئي الذي حققته تلك السياسات, يظل البديل الوحيد للدمار النووي على الأرض هو سلام قائم على العدل حقيقة, وإلا تحول الانفراج إلى محافظة على السلام بأي ثمن, أو على حساب العالم الثالث. من ناحية أخرى، توافرت خلال السنوات القليلة الماضية مقومات مادية لتقارب طبيعي بين الشعوب عامة, وبعبارة أدق: بين الجنس البشري ككل؛ نذكر منها ثورة وسائل الاتصال, بحوث غزو الفضاء، السيطرة على الطاقة النووية وتسخيرها لخدمة الإنسان، تفاقم مشكلة التخلف وتهديدها للاستقرار العالمي، مشكلة حماية البيئة. إن نظرة موضوعية إلى خريطة الصراع الأيديولوجي في عالمنا اليوم، ستكشف حقيقة أن أيا من المذاهب أو العقائد السائدة لن يتمكن -بالطرق السلمية على الأقل, وخلال المستقبل المرئي- من فرض مفاهيمه وأساليبه في الحياة على شعوب الأرض كافة. وإذا وضعنا جانبا المقولات السطحية التي تنادي, أو تحلم بنزع السلاح الأيديولوجي وبانتهاء عصر الأيديولوجيات، فإننا نميل إلى الاعتقاد بوجود ترابط جدلي بين ثلاث ظواهر معاصرة, هي: استمرار الصراع الأيديولوجي، واستمرار التعايش المحكوم بميزان الرعب النووي, وازدياد التقارب بين شعوب الجنس البشري بفعل المقومات المادية المشار إليها. هي إذًا ظواهر متلازمة, وإن كانت غير متكافئة بفعل عوامل الشد والجذب بين القوى التي تفرز تلك الظواهر. ورغم استحالة وضع تصور دقيق لمستقبل الأيديولوجيات الراهنة، وذلك بسبب سرعة معدل التغير الذي أصبح سمة مميزة للعصر, وخاصة على صعيد المقومات المادية الخمسة التي ذكرناها، فإن هذه المقومات نفسها مع أنها تؤثر سلبا وإيجابا في تلك الأيديولوجيات, إلا أنها قد تؤدي في نهاية هذا القرن وربما في أوائل القرن

стр. 19

القادم إلى ظهور براعم مفهوم عالمي جديد١ لا يحل بالضرورة محل النظريات والمذاهب القائمة, وإنما يقلل من احتمالات الصدام بين نظم الحكم الممثلة لها من جانب، ويكون من جانب آخر أكثر تحديدا في تعبيره عن تلك المعطيات الجديدة. مثل هذا المفهوم الجديد لن يستطيع الانتشار, أو الاستمرار إذا تمخض عن مجرد محاولة توفيقية بين المذاهب السائدة, بمعنى أن الأمل معقود على ظاهرة التقارب التي ذكرناها والقوى المادية المتطورة التي تساندها في تنقية المناخ الأيديولوجي, بحيث لا تنتقل البشرية بأوزارها إلى القرن الحادي والعشرين, وإنما تتخلص من الفكر الهابط الذي تعبر عنه بعض الأيديولوجيات الليبرالية والعنصرية المتحالة اليوم, والتي تصنف الإنسان ليس طبقا لقدراته وإنجازاته, وإنما حسب لون بشرته ودينه وجذوره العرقية؛ وبالتالي تقف كعقبات كأداء في وجه تقارب الجنس البشري, وتمنع تحقيق الحرية والاشتراكية والسلام العادل. قد لا يكون التحالف الذي سيضطلع بتلك المهام الجسام قد تبلور بعد, وخاصة بسبب الدور المتنامي للطلائع المتقدمة من شعوب ودول العالم الثالث في إطار ذلك

стр. 20

التحالف، واحتمال انسلاخ قوى لها وزنها في غرب أوروبا من القلعة الإمبريالية، وعدم اتضاح مستقبل الخلاف بين الاتحاد السوفيتي, والصين الشعبية. إلا أن العين لا تستطيع أن تخطئ اتجاه مجرى التاريخ, وإن البشرية تسير بخطا ثابتة نحو تقليم أظفار العدوان الإمبريالي واستئناس ما تبقى من النظم الرأسمالية, واستئصال بؤر التعصب العنصري في إسرائيل وجنوب إفريقيا مما سيجعل من الممكن الانتقال إلى حضارة إنسانية أرقى, تقوي جانب الخير في البشر ومشاعر الانتماء إلى كوكب واحد في مواجهة كواكب وأجرام سماوية أخرى بدأ الإنسان يتطلع إليها في ذلك الكون الواسع لخير البشرية جمعاء. يستلزم كل ذلك كما ذكرنا في البداية عبور الفجوة التي تفصل بين التقدم العلمي والتكنولوجي الكبير, وبين الفوضى الفكرية ومحاولات التضليل التي تهدد كل تلك المنجزات, وإن كان هذا يحتاج -ضمن ما يحتاج- إلى الاستفادة القصوى من المكتشفات والعلوم الحديثة من أجل ابتكار, وتطوير مداخل ومناهج للبحث العلمي؛ لتقوم بدورها الهام في تحقيق مزيد من الوضوح الفكري, وترتيب الأولويات, وتحديد الأهداف. تنطلق دراستنا من الحقيقة المعروفة عن الارتباط الوثيق بين مناهج البحث, وكثير من العلوم الاجتماعية والطبيعية والرياضية, لكن على ضوء ما سبق، ونظرا للطبيعة المميزة للعلوم الاجتماعية بشكل عام, وللعلوم السياسية بشكل خاص من حيث تأثرها بقيم وأيديولوجيات ونظم اقتصادية وسياسية، فإن دراسة مناهجها تحتاج إلى إشارة ولو عابرة إلى الفلسفات والأساليب المنطقية التي تبادلت التأثير والتفاعل مع تلك المناهج، آخذين في الاعتبار أن الفلسفة والمنطق لم يتطورا في فراغ, وإنما عكسا مراحل التطور الثقافي والحضاري للمجتمعات البشرية. لهذا، وتوفيرا لفهم أعمق للمناهج والمداخل -موضوع البحث- سنتناول في الباب الأول بإيجاز أهم المدارس والتيارات الفلسفية, وفي الباب الثاني نعالج المفهوم الليبرالي لمداخل ومناهج البحث، ثم نتناول في الباب الثالث المفهوم الماركسي لمناهج البحث، وفي الباب الرابع نبحث العلاقة بين العلم والمنهج.

стр. 21

الباب الأول: نبذة عن أهم المدارس والتيارات الفلسفية وعلاقتها بمناهج البحث الفصل الأول: مفهوم الفلسفة في العصور القديمة المبحث الأول: النشأة ... الباب الأول: نبذة عن أهم المدارس والتيارات الفلسفية وعلاقتها بمناهج البحث الفصل الأول: ما مفهوم الفلسفة في العصور القديمة؟ نتناول مفهوم الفلسفة في العصور القديمة من حيث النشأة, والتعريف, والموضوع. المبحث الأول: النشأة تعددت وجهات النظر حول نشأة الفلسفة كحقل هام من حقول المعرفة الإنسانية, كما اختلفت الآراء حول نشوئها, وهل كان ذلك بين شعوب الشرق القديم أم في الغرب لدى اليونان؟ والواقع أن مناقشة نشأة الفلسفة ذات أهمية كبيرة ليس من الناحية التاريخية كما قد يتبادر إلى الذهن, وإنما لأن مفهومها في العصور القديمة تأثر -طبقا لتفسير مؤرخي الحضارة والفلسفة- من حيث تضييق مجالها, ليقتصر على جوانب النشاط العقلي فقط, دون الروحي كما ستأتي الإشارة. عرفت الحضارات القديمة في الشرق الحكمة والعلوم الطبيعية والرياضية, وهو ما تشهد به آثارها وتراثها اللذان نهلت منهما الحضارات الأخرى في الغرب. وهناك اختلاف بين الفلاسفة اليونانيين أنفسهم حول تلك النشأة, فقد اعتقد أرسطو "٣٨٤-٣٢٢ ق. م" أن الفلسفة نشأت على يد اليونان, وأنها ترجع إلى طاليس الذي عاش في النصف الأول من القرن السادس ق. م. بينما نجد أن ديوجينس وضع كتابا في القرن الثالث قبل الميلاد ضمنه حياة ونظريات الفلاسفة المشهورين آنئذ, ومنهم فلاسفة من الشرق وبذلك أرجع نشأة الفلسفة إلى تراث الشرق القديم.

стр. 22

وتكاد تجمع آراء المؤرخين للحضارة والفلسفة والعلم من أمثال سانت هيلير, وديورانت, وسارتون على أن الشرق القديم قد سبق اليونان إلى ابتداع حضارات زاهرة ترتكز على علوم عملية ناضجة, ودراسات نظرية متقدمة, وخاصة في مجال الدين والعقائد. ففي العلوم العملية، أشاروا إلى سبق المصريين في ابتكار الرياضة والكيمياء والميكانيكا وإنشاء علم الطب والكتابة وتأليف الكتب. كما أشاروا إلى سبق البابليين والكلدانيين في مجال بناء المكتبات وفي مجال الفلك, إذ لاحظوا أجرام السماء وقالوا بوجود نظام كوني, فوضعوا تقويما دقيقا يقسم السنة إلى اثني عشر شهرا والشهر إلى أسابيع والأسبوع إلى أيام والأيام إلى ساعات, كما تنبئوا بظواهر الكسوف والخسوف، واهتدوا إلى تقسيم الدائرة إلى ٣٦٠ درجة. في التفكير النظري الديني، أحرز الشرق قصب السبق على الغرب في النظر العقلي في موضوع الألوهية والبعث, والخير والشر, والمبدأ والمصير, وتوصلوا في كل ذلك إلى آراء تردد صداها فيما بعد لدى فلاسفة اليونان القدامى مثل طاليس الذي رد الموجودات إلى الماء, متأثرا في ذلك بالبابليين. ويرى الفيلسوف الإنجليزي المعاصر برتراند راسل "١٨٧٢-١٩٧١" أن عشتار معبودة حضارات ما بين النهرين, والتي سموها ربة الأرض هي التي تأثر اليونانيون بعبادتها, وظهرت في تفكيرهم الديني باسم الإلهة ديانا، وهي نفسها في رأيه التي تداعت عبادتها فيما بعد لدى المسيحيين وسموها السيدة العذراء. كذلك فإن نظرية الجوهر الفرد Atomism عند الطبيعيين من اليونان، وتناسخ الأرواح عند الفيثاغورثيين، ما هما إلا ترديد للمعتقدات المعروفة لدى الهنود. بالمثل تعكس الفلسفتان الرواقية والأبيقورية تراث الشرق فيما ذهبتا إليه من التماس الخلاص, والسعادة عن طريق المعرفة. عرف الشرق أيضا أكثر من عقيدة. فمنذ ثلاثة وثلاثين قرنا توصل إخناتون في مصر القديمة إلى شكل من أشكال عقيدة التوحيد, رغم انتشار الوثنية في عهده.

стр. 23

وعرفت حضارات ما بين النهرين عقيدة القضاء والقدر باعتباره قدرا كونيا, واعتبروا السماء السقف الأعلى للعالم, وتحدثوا عن أسطورة الخليقة. في فارس توصلت الزرادشتية إلى الثنائية Dualism أي: الإيمان بإله للخير وإله للشر، بينما نجد أن الهنود اعتقدوا منذ أقدم العصور بحلول الله في مخلوقاته. هذا مع ملاحظة اتفاق المؤرخين على أن كبار الفلاسفة اليونان القدامى الذين تعزى إليهم الفلسفة، من أمثال طاليس وفيثاغورث وديمقريطس قد زاروا بلاد الشرق القديم, واستفادوا كثيرا من ثقافاته, ويضربون لذلك مثلا بفيثاغورث الذي أقام في المعابد المصرية اثنين وعشرين عاما على حد قول جامبليك١. رغم ذلك، يرى عدد من مؤرخي الفلسفة الغربيين، أنه رغم اعترافهم بسبق الشرق إلى ابتداع الحضارات وتأثر اليونان بتراث حكمائه, فإن الفلسفة اليونانية خلق عبقري أصيل. يبرر هؤلاء رأيهم بأن أهم ما يميز الفكر الفلسفي اليوناني هو التماس المعرفة لذاتها أي: سعي العقل إلى كشف الحقيقة بباعث من اللذة العقلية, وليس لإشباع أغراض عملية أو غايات دينية. لقد بحثوا في الوجود لمعرفة أصله ومصيره بدافع

стр. 24

من الرغبة المجردة في طلب المعرفة. على العكس من ذلك، فإن حكماء الشرق القديم في رأيهم يسعون إلى المعرفة كضرورة لسد حاجة عملية, أو إشباع عقيدة دينية. فالمصريون في رأي هؤلاء المؤرخين استخدموا الرياضيات في مسح الأرض وشق الترع, واستعانوا بالرياضيات والميكانيكا على إقامة الأهرامات لحفظ جثث الموتى؛ اعتقادا منهم في خلود النفس وحساب الآخرة. كما سخروا الكيمياء لاستخراج العطور والأصباغ والألوان لأغراض تسجيلية ودينية. أما اليونان فهم الذين أنشئوا في رأيهم هذه العلوم في صورتها النظرية الخالصة, فتجاوزوا مرحلة الأمثلة الفردية المحسوسة في الرياضيات إلى مرحلة التعاريف والبراهين, وبذلك توصلوا إلى القوانين والنظريات التي تستند إلى البرهان العقلي. ثم فسر المؤرخون سبق البابليين والكلدانيين في رصد الكواكب وإنشاء علم الفلك العملي بأنهم كانوا بدورهم مدفوعين بأغراض عملية كمعرفة فصول الزراعة, ومواسم التجارة. أما اليونان فهم الذين أقاموا علم الفلك النظري, ورصدوا الكواكب لمعرفة القوانين ووضع النظريات التي تعلل ظهورها, واختفاءها. كانت تلك إذًا هي العوامل التي تكمن خلف ازدهار العلوم التجريبية, ومناهجها من وجهة نظر مؤرخي الفلسفة الغربية الذين عزوا التفكير النظري المجرد أيضا إلى أسباب مشابهة. فحكماء الشرق القديم أرادوا بذلك التفكير إصلاح الدين والنجاة من الشرور بمعنى أن النظر العقلي بدوره كان وسيلة, وليس غاية في حد ذاته كما امتزج في مناهج بحثهم الاستدلال العقلي بالخيال والبداهة, واختلط في تفكيرهم الدين بالفلسفة، فهم لم يجردوا الفلسفة من الدين, ويعالجوا موضوعاتها لذاتها مما أدى في نظر هؤلاء المؤرخين إلى عجزهم عن وضع مذاهب تجمل الحقائق التي يتوصلون إليها بالبرهان العقلي. خلاصة رأيهم هي أن الشرق كان له فضل إنشاء الحضارات الإنسانية الأولى, بينما كان كل من العلم والفلسفة بمعناهما النظري من إبداع اليونان. يقول برتراند راسل في ذلك: إن اليونان وليس قدماء الشرقيين هم الذين أنشئوا

стр. 25

الرياضة, وابتدعوا العلم الطبيعي, وابتكروا الفلسفة رغم اعترافه بأنه ليس هناك أكثر مدعاة للدهشة أو صعوبة في التفسير من الصعود المفاجئ للحضارة اليونانية١. هكذا قالوا: إن اليونانيين أفادوا من تراث الشرق القديم في الفنون والعلوم العملية, فأعانهم ذلك على التفرغ للبحث النظري المجرد في حقيقة الموجودات وماهيتها بحثا قوامه التحليل المنطقي, والترابط العلي, والبرهان العقلي. سهل مهمتهم أيضا اعترافهم بنظام الرق, واعتقادهم بأن الأعمال اليدوية مخصصة للعبيد, وأن للسادة الأحرار حق التمتع بما أسموه الفراغ المفيد, الذي خصصوا جانبا منه لذلك البحث النظري المجرد. لا جدال في أن تضييق معنى ومجال الفلسفة حتى يمكن إرجاع نشأتها إلى حضارة معينة دون حضارات أخرى هو الذي حال دون إطلاقها على حكمة الشرق القديم, وإن كان ذلك يلقي ظلالا كثيفة من الشك على ادعائهم الموضوعية. ولو اتسع مدلول الفلسفة ليشمل كلا من الحياة العقلية, والروحية لأصبح واضحا أن الفلسفة نشأت بين شعوب الشرق القديم وهو ما ذهب إليه العالم الفرنسي المعاصر ماسون أورسيل الذي اختلف مع أولئك المؤرخين. يرى أورسيل أنه ليس ثمة اليوم إنسان يعتقد بأن اليونان والرومان وشعوب أوروبا في عصورها الوسطى والحديثة هم وحدهم أهل التفكير الفلسفي. ففي مناطق أخرى من العالم سطعت أنوار الفكر المجرد ولا يطعن في هذا أن الحياة العقلية عند الشرقيين كانت أوثق اتصالا بحياتهم الدينية منها بالتفكير الفلسفي الخالص, إذ امتزج التفكير الفلسفي بالتفكير الديني في شتى عصور الإنسانية حتى ليمكن القول

стр. 26

بأن كل محاولة تهدف إلى الفصل التام بينهما تنتهي لا محالة إلى العجز عن فهم كليهما، ويضيف إلى ذلك بأن البحث الفلسفي بوجه عام نشأ على أثر الإيمان بالدين. ويعلق الفيلسوف الفرنسي إميل برييه على ذلك في تقديمه لكتاب ماسون أورسيل فيقول: إن استبعاد تراث الشعوب الشرقية في المعرفة والفكر سيؤدي إلى عدم فهم الفلسفة, ويشبه هذا الوضع بمن يعجز عن تقييم نهاية لحن ما, بسبب فصله عن بدايته. ويدلل برييه على رأيه بتفجر الروح الشرقية عند الفلاسفة السابقين على سقراط وعند أفلاطون نفسه، وكذلك الجذور السامية لأفكار المدرسة الرواقية, والجواليني الذي نمت فيه الأفلاطونية المحدثة وغزو المذهب المانوي الإيراني الأصل، ثم يستخلص من ذلك أنه سيكون من السذاجة الظن بأن كل هذا يرجع إلى التقدم المنطقي, والحتمي للعبقرية اليونانية١.

стр. 27

المبحث الثاني: التعريف لم يستعمل حكماء الشرق القديم لفظ فلسفة "فيليوسوفيا" وإنما ابتكره اليونان فيما بعد. وهذا الاصطلاح كما هو واضح مكون من كلمتين: فيليو أي: حب, وسوفيا بمعنى: الحكمة, أي: حب الحكمة١. تباينت الآراء حول من استعمله. فذهب البعض إلى أن تلاميذ سقراط -وخاصة أفلاطون وأرسطو- كانوا أول من استخدم هذا اللفظ, إذ قارن أفلاطون بين الفيلسوف والسوفسطائي، يتلمس الأول المعرفة لذاتها وينشد العلم لغيرما غاية أو منفعة, بينما يتنقل السوفسطائي من مكان إلى مكان؛ ليعلم الشباب مقابل أجر

стр. 28

يتقاضاه. اعتقد آخرون أن فيثاغورث "الذي توفي قبلهم عام ٤٩٧ ق. م" هو أول من استخدم لفظ الفلسفة بمعنى البحث عن طبيعة الأشياء. ويميل الباحثون اليوم إلى اعتبار هيرودوت أول من استعمل الفعل يتفلسف بمعنى: طلب العلم, والتماس المعرفة دون غرض أو منفعة. تطور معنى الفلسفة في الفكر الإغريقي بتتابع المدارس الفكرية, وتغير الظروف السياسية. فقد نظر طاليس والطبيعيون الأوائل إلى الفلسفة على أنها تفسير الوجود, والوقوف على طبيعته, ووضع منهج عقلي يقوم على التعليل المنطقي والبرهان العقلي. بهذا سموهم حكماء أي: باحثين عن طبائع الأشياء وحقائق الموجودات, وبذلك صار تعريف الفلسفة بأنها البحث في طبيعة الموجودات. أما أرسطو فقد عرف الفلسفة بأنها البحث عن الوجود بما هو وجود بإطلاق أو هي البحث في طبائع الأشياء وحقائق الموجودات. وسماها الفلسفة الأولى تمييزا لها عن الفلسفة الثانية أي: العلم الطبيعي, وأطلق عليها كذلك الحكمة؛ لأنها تبحث في العلل الأولى إطلاقا, كما سماها بالعلم الإلهي؛ لأن أهم مباحثها هو الله "س" الموجود الأول, والعلة الأولى للوجود. وقد أطلق أرسطو اصطلاح فلسفة على العلم بأعم معانيه. فالعلم النظري يبحث في الطبيعيات والرياضيات والإلهيات, والعملي يتناول الأخلاق والسياسة بعللها الأولى, أو علم الوجود بما هو كذلك, مجردا من كل تحديد أو تعيين. كان العمل بالفلسفة آنئذ يعني بذل جهد عقلي للكشف عن حقيقة جديدة, أو نزوعا عقليا يدفع إليه الشعور بالجهل وتبعث عليه اللذة العقلية المجردة دون غاية عملية أو حاجة دينية، أي: إنها باختصار كانت تهدف إلى معرفة العلل البعيدة والمبادئ الأولى. وقد سمي هذا قديما بالعلم وظل ممتزجا بالفلسفة حتى مطلع العصر الحديث. انتهى العصر الهيليني بموت أرسطو عام ٣٢٢ قبل الميلاد, وبدأ العصر الهيلينستي الذي تميز بالتحول عن التفكير في الوجود إلى البحث في سلوك الإنسان والتطلع

стр. 29

إلى السعادة الفردية. وقد عبرت عن تلك الاتجاهات الجديدة عدة مدارس, أشهرها الرواقية والأبيقورية والشكاك. جاء تعريف تلك المدارس للفلسفة متفقا مع تلك التحولات؛ فالمدرسة الرواقية عرفت الفلسفة بأنها فن الفضيلة ومحاولة اكتسابها في الحياة العملية، بينما فسرت الأبيقورية اصطلاح الفلسفة بأنها تسعى إلى حياة السعادة باستعمال العقل, إلى آخر تلك الآراء التي اتسمت بالربط بين الفكر, والحياة العملية. ثم غلبت الروح الصوفية على الفكر الفلسفي, وتجلى ذلك في مذهب الأفلاطونية المحدثة New Platonism التي كان من أشهر مفكريها فيلو الإسكندري الذي حاول التوفيق بين اليهودية والهيلينية, ثم أفلوطين "٢٠٥-٢٧٠" الذي نقل المذهب الأفلاطوني واستعان بالتصوف للاتصال بالله؛ فاختلط العلم بالميثولوجيا, واتسمت تلك الفترة في رأي المؤرخين بامتزاج فلسفة الغرب بروحانية الشرق أي: الجمع بين منطق العقل الغربي, وتصوف الشرق الديني.

стр. 30

المبحث الثالث: موضوع الفلسفة يشتمل المفهوم التقليدي لموضوع الفلسفة على ثلاث نقاط, أو نظريات هي: الوجود والمعرفة والقيم. مبحث الوجود Ontology: كان وولف هو أول من أدخله كمصطلح فلسفي مشتق من الكلمة اليونانية١ nO وهو ما أسماه القدماء ما بعد الطبيعة, أي: إن اصطلاح وجود مرادف للاصطلاح الذي استعمل فيما بعد وهو ميتافيزيقا.

стр. 31

وبينما يهتم هذا المبحث بالنظر في طبيعة الوجود على الإطلاق, فإن العلوم الجزئية على العكس من ذلك تبحث في الوجود من بعض نواحيه؛ فمثلا تبحث العلوم الطبيعية في الوجود من حيث هو جسم متغير، وتبحث العلوم الرياضية في الوجود من حيث هو كم أو مقدار، أي: تركز تلك العلوم على ظواهر الوجود, في حين يهتم مبحث الوجود بالخصائص العامة للوجود، بمعنى: أنه يبحث في الموجود في ذاته, مستقلا عن أحواله وظواهره. وقد ظهرت مذاهب متعددة حاولت الرد على التساؤلات التي شغلت بال الإنسان منذ الأزل كالأحداث الكونية, وما إذا كانت تطرأ على أساس قانون ثابت أو تقع مصادفة، وفيما إذا كانت هذه الأحداث تظهر من تلقاء نفسها, أم تصدر عن علل ضرورية تجري وفق قوانين المادة والحركة، وما إذا كانت تلك الأحداث تهدف إلى غايات أم تجري عفوا دون قصد، وبالتالي ما إذا كان هناك إله وراء عالم الظواهر المتغير، وفي صفات الله "س" وعلاقته بمخلوقاته، وهل الوجود مادي صرف أم روحي خالص أم مزيج بينهما؟ مبحث المعرفة Epistemology: يعتبر فيريير هو أول من استعمل هذا المصطلح المشتق من الكلمة اليونانية١ episteme, وهي تعني إمكان العلم بالوجود أو العجز عن معرفته. فمثلا، هل في وسع الإنسان أن يدرك الحقائق ويطمئن إلى صدق إدراكه, وصحة معلوماته أم أن قدرته قاصرة عن معرفة الأشياء؟ وإذا كانت المعرفة البشرية ممكنة, فما هي حدودها؟ هل المعرفة البشرية احتمالية ترجيحية, أم أنها قادرة على تجاوز مرتبة الاحتمال إلى درجة اليقين؟ ما هي منابع هذه المعرفة وأدواتها؟ هل هو العقل أم الحس أم الحدس؟ ما هي

стр. 32

طبيعة هذه المعرفة وحقيقتها؟ وما هي علاقة الأشياء المدركة بالقوى التي تدركها؟ ويلاحظ أن المؤرخين يطلقون على مبحثي الوجود والمعرفة اصطلاح ميتافيزيقا أي: ما بعد الطبيعة. وبينما كانت الفلسفة عند القدماء تنصب أصلا على مباحث الوجود, فإنها عند المحدثين تبحث الوجود من خلال نظرية المعرفة, كما سنوضح فيما بعد. مبحث القيم Axiology: كان باول لابي هو أول من استخدم هذا المصطلح المشتق من الكلمة اليونانية١ axios وتبحث فلسفة القيم في المثل العليا, أو القيم المطلقة وهي: الحق والخير والجمال truth, goodncss, Beauty من حيث ذاتها لا باعتبارها وسائل لتحقيق غايات. فهل هذه القيم مجرد معانٍ في العقل تستخدم في تقييم الأشياء؟ أم أن لها وجودا مستقلا عن العقل الذي يدركها؟ تبحث في تلك القيم علوم المنطق والأخلاق والجمال بمعناها التقليدي أي: من حيث هي علوم معيارية normative تبحث فيما ينبغي أن يكون, وليست علوما وضعية تقصر دراستها على ما هو كائن. يتناول علم المنطق القواعد التي تعصم العقل من الزلل أي: يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه التفكير السليم. ويضع علم الأخلاق المثل العليا التي ينبغي على الإنسان مراعاتها أي: يبحث فيما ينبغي أن تكون عليه تصرفات الإنسان. أما علم الجمال Aesthetics فيضع المستويات التي يقاس بها الشيء الجميل أي: يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه الشيء الجميل. وتؤلف هذه العلوم المعيارية الثلاثة ما يسمى بالأكسيولوجي أو فلسفة القيم.

стр. 33

تؤلف هذه المباحث الثلاثة: الوجود والمعرفة والقيم بمختلف فروعها الموضوع الرئيسي للفلسفة بمفهومها التقليدي, وإن كانت الفلسفات المعاصرة ترفض ذلك التصور كما سيأتي ذكره. هذا, وقد تأثرت مناهج البحث والتفكير قديما, وكذلك في العصر الوسيط بالظروف التي صاغت مفهوم الفلسفة نشأة وتعريفا وموضوعا, وخاصة من حيث الطابع العام وسيادة البحث النظري المجرد في حقيقة الموجودات وماهيتها. فأرسطو مثلا, وهو أحد قمم تلك المرحلة الحضارية, كانت دراسته لما بعد الطبيعة وللعلوم الطبيعية على السواء دراسة عقلية. لقد كان جل اهتمام أرسطو هو البحث عن الصفات العامة الجوهرية التي تشبه المعاني الرياضية في ثباتها. تلك المعاني وإن لم تكن منفصلة عن الأشياء, فهي وحدها التي تصلح لأن تكون موضوعا للعلم. فإذا أمكن التوصل إلى المعنى الكلي الذي يتميز به نوع من الأنواع, أمكن استنباط جميع المعاني الجزئية الأخرى منه بطريقة قياسية منطقية. هكذا, احتفظت كتابات أرسطو بطابع عقلي مثالي ظنت معه الأجيال التالية أنه وضع النظريات النهائية في الفلسفة والمنطق, كما ظل المنطق الشكلي "أي: الصوري" والذي توصل إليه نتيجة جهود سابقيه وخاصة سقراط وأفلاطون، ظل مهيمنا على مناهج البحث لدى مفكري العصور الوسطى أيضا الذين تطلعوا إلى أرسطو بصفته الفيلسوف الكامل الذي عرض العلم عرضا عقليا بحتا. اعتمد الفلاسفة اليونانيون إذًا, وكذلك فلاسفة العصر الوسيط على المنطق الصوري الذي كان يتلاءم مع مستوى التطور العلمي في تلك العصور, ووضع فلاسفة اليونان وخاصة أرسطو أسس المنهج الصوري الذي تمثل في عدد من القواعد الكلية التي يجب على المفكر مراعاتها في كل الظروف أثناء بحثه عن الحقيقة حتى يتجنب الزلل, هذه القواعد هي التي أطلق عليها اسم المنطق. ملاحظة أخيرة هي أن تلك القواعد الكلية, أو المنهج كان ملائما للمرحلة المبكرة من تطور البشرية وفجر العلوم, وهو وإن لم يكن كاذبا في ذاته, إلا أنه يؤدي إلى الخطأ إذا طبق في مراحل أخرى أكثر تطورا.

стр. 34

الفصل الثاني: مفهوم الفلسفة في العصر الوسيط المبحث الأول: مفهومها لدى فلاسفة الغرب المسيحيين, وفلاسفة العرب المسلمين ١- مفهوم الفلسفة لدى فلاسفة الغرب المسيحيين: استمر المفهوم اليوناني القديم للفلسفة كرغبة في التماس الحقيقة لذاتها لدى بعض مفكري العصور الوسطى, الذين فرقوا بين العلم الذي يهتدي إليه العقل بالنظر، وبين المعرفة التي ينزل بها الوحي الإلهي. وصار الطابع المميز للفلسفة آنئذ هو محاولة التوفيق بين العقل والدين الجديد١، وإثبات أن الحقائق الموحى بها من الله ليست إلا تعبيرا عن العقل. أثرت العلاقات بين الدولة والكنيسة على مفهوم الفلسفة في تلك المرحلة. ومن النظريات الهامة التي كانت سائدة, تلك التي وضعها البابا جلاسيوس الأول في أواخر القرن الخامس, والتي عرفت بنظرية السيفين أو السلطتين, وظلت تتمتع بالقبول خلال العصور الوسطى وخاصة بدايتها. فحوى هذه النظرية هو القول بوجود ازدواج في تنظيم الجماعة الإنسانية, فشئون الروح والخلاص الأبدي من اختصاصات الكنيسة ويقوم بها القسس، بينما تقوم الحكومة المدنية عن طريق موظفيها بتسيير الشئون الدنيوية كالمحافظة

стр. 35

على السلام والنظام والعدالة. افترضت النظرية قيام علاقة تعاون بين السلطتين, وإن كان قد اكتنفها بعض الغموض حول حدود كل منهما. عبرت نظرية السيفين عن تعاليم عصر آباء الكنيسة الذي شغل حوالي خمسة قرون من العصر الوسيط. ويدور جوهر تلك التعاليم -كما أوضحنا- حول التمييز بين الشئون الروحية, والشئون الدنيوية أي: بين متطلبات كل من الروح والجسد. فالإرادة الإلهية هي التي قضت -وفقا لتلك النظرية- على المجتمع الإنساني بأن يخضع لسلطتين روحية وزمنية، يدير الأولى رجال الدين والثانية رجال الدنيا, على أن تخضع إدارة كل منهما للقانون السماوي والقانون الطبيعي. غير أنه لم يكن هناك في البداية فصل تام بين الكنيسة والدولة بالمعنى الحديث لهذين المصطلحين وإنما مجتمع مسيحي واحد بالصورة التي أشار إليها القديس أوجستين في كتابه مدينة الله. لهذا فإنه عندما شبَّ النزاع بين السلطتين اتسم في مراحله الأولى بكونه خلافا بين فئتين من الرسميين, لكل منهما سلطة أصلية تزعم أنها تعمل في حدودها. وقد تناول الصراع بينهما مجالات اختصاص متعددة مثل قسم الملك لليمين وتنصيب الحكام وخلعهم أحيانا، ثم مدى سلطة الحكام الزمنيين في تنصيب الأساقفة وكبار رجال الدين, ومحاكمة هؤلاء عند الإخلال بواجباتهم الروحية. تحتل كتابات توماس أكويناس "١٢٢٥-١٢٧٤" وهو راهب من الرهبان الدومينيكان, مركزا هاما من ذلك الصراع؛ نظرا لانحيازه إلى البابوية كما بحث في العلاقة بين الفلسفة والمسيحية. كانت الكنيسة الكاثوليكية تميل في البداية إلى تحريم مؤلفات أرسطو على أساس أنها بدعة, وقد وجدت تلك المؤلفات طريقها إلى أوروبا عن طريق المصادر العربية والمترجمين اليهود من الأندلس. وفعلا حرمت الكنيسة قراءة تلك المؤلفات في جامعة باريس عام ١٢١٠, ثم تراجعت تدريجيا عن ذلك وبدأت

стр. 36

الاستعانة بآراء أرسطو للدفاع عن المسيحية, إلى أن صارت حجر الزاوية في الفلسفة الرومانية الكاثوليكية. يرجع الفضل في ذلك التحول إلى توماس الأكويني, وغيره من الرهبان الفلاسفة الذين أقاموا الجسور بين فلسفة أرسطو وبين المسيحية. فقد ذهب توماس إلى أن كل المعرفة الإنسانية تكون وحدة كما يختص كل علم بموضوع معين, ولكن فوقها جميعا علم الفلسفة الذي اعتبره نظاما عقليا يسعى لوضع مبادئ عامة مستخلصة من جميع العلوم. أما علم اللاهوت المسيحي فيعلو على العقل, ويعتمد على الوحي الإلهي ومن ثم يحتل قمة هذا النظام. لكن رغم أن الوحي يعلو على العقل, فإنه لا يتعارض معه بأي حال, واللاهوت مكمل للنظام الذي يضع العلم والعقل بدايته, كما أن الإيمان أيضا متمم للعقل وهما مصدر العلم والمعرفة, ولا يمكن أن يتناقضا. وفي غمرة ذلك الصراع بين السلطتين وانشغال المفكرين بمدى أحقية كل منهما في الهيمنة على الأخرى, تخلف الفكر السياسي وتأخر نموه لافتقاره إلى منهج علمي نتيجة لازدهار اللاهوت والغيبيات, وهي مرحلة ستستمر حتى نهاية العصر الوسيط وبدء تقدم العلوم, وانبلاج فجر عصر النهضة ثم العصر الحديث.

стр. 37

٢- مفهوم الفلسفة لدى فلاسفة العرب والمسلمين: تأثر بعض مفكري العرب والإسلام من أمثال: الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد بالفكر اليوناني القديم, وانعكس ذلك في كتاباتهم. لكن هل امتدَّ ذلك التأثير إلى الفكر الإسلامي بصفة عامة؟ وهل أثر في مفهومهم للفلسفة؟ ثم هل أدى التأثير اليوناني بهؤلاء المفكرين إلى اتباع منهج أرسطو في بحوثهم الطبيعية والاجتماعية؟ نحاول الإجابة على السؤال الأول في الأسطر التالية، ثم نجيب على السؤال الآخر في المبحث الثاني. وفي المبحث الثالث، نتناول منهج ابن خلدون١ بصفته أبرز عالم سياسة عربي, وذلك بهدف استقصاء مدى تأثره بالطابع التجريبي, والمعالجة الدقيقة الشاملة للماديات والروحانيات التي تميز بها منهج البحث الإسلامي. بالنسبة للسؤال الأول، نلاحظ أن الفلسفة اليونانية لم تكن الوحيدة التي أثرت في الفكر الإسلامي, وإنما تعرض أيضا لمؤثرات قوية من جانب الفلسفات الغنوصية القديمة التي عرفتها مدنيات الشرق, وكذلك من جانب التصوف الفلسفي. وفي إطار دراستنا لمناهج البحث سنقصر اهتمامنا على تأثير الفلسفة اليونانية؛ لارتباطها بمنهج أرسطو أساسا, مع مراعاة أن ذلك التأثير نفسه كان محدودا وقاصرا على مجموعة منتقاة من الفلاسفة العرب والمسلمين الذين ذكرنا أشهرهم في مستهل كلامنا. تردد إذًا صدى المفهوم اليوناني القديم للفلسفة في بعض اتجاهات الفكر العربي والإسلامي؛ فقد أطلق الكندي على بحوث ما بعد الطبيعة اصطلاح الفلسفة الأولى وعلم الربوبية، وعرف الفارابي الفلسفة بأنها العلم بالموجودات بما هي موجودة وفرّعها إلى حكمة إلهية وطبيعية ومنطقية ورياضية. وكان يرى أنه ليس بين موجودات العالم شيء إلا وللفلسفة فيه مدخل, وعليه عزي, ومنه علم بمقدار الطاقة البشرية. أما تلميذه ابن سينا فقد تعرض في رسائله التسع في الحكمة, والطبيعيات إلى تعريف الفلسفة بأنها استكمال النفس البشرية لمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليه, على قدر الطاقة البشرية، أي: التماس العلم بطبيعة الموجودات بما هي كذلك عن طريق النظر العقلي.

стр. 38

ثم فرع ابن سينا الفلسفة إلى حكمة نظرية وحكمة عملية, وقسم الحكمة النظرية إلى ثلاث: طبيعية تتعلق بما في الحركة والتغير بما هو كذلك, وحكمة رياضية تتعلق بما من شأنه أن يجرده الذهن من التغير وإن كان وجوده مخالطا للتغير، وحكمة تنصب على ما وجوده مستغنٍ عن مخالطة التغير. هذه هي الفلسفة الأولى أي: ما بعد الطبيعة, والفلسفة الإلهية جزء منها ويراد بها معرفة الربوبية, ومبادئ الحكمة النظرية بأقسامها الثلاثة مستفادة من أرباب الملة الإلهية على سبيل التنبيه، وإن كان تحصيلها بالكمال إنما يكون بالنظر العقلي على سبيل الحجة. بالمثل، قسَّم ابن سينا الحكمة العملية إلى ثلاث: مدنية تتناول ما ينبغي أن يكون عليه التعاون بين الناس على مصالح الأبدان وبقاء النوع الإنساني, وحكمة منزلية تتناول ما ينبغي أن يكون عليه التشارك بين أفراد المنزل لتنتظم به المصلحة المنزلية، وحكمة خلقية تهدف إلى معرفة الفضائل وكيفية اكتسابها والرذائل وكيفية تجنبها. هذه الحكمة العملية بأقسامها الثلاثة تستفاد من الشريعة الإلهية، وإن كانت قوانينها وتطبيقها على الجزئيات تعرف بالنظر العقلي. كما أن العلوم الحكمية في رأي ابن سينا لا تتغير بتغير الزمان والمكان, ولا تختلف باختلاف الأمم والأديان. في معرض المقارنة بين الاثنين، نجد أن الحكمة في رأي الفارابي هي معرفة الوجود الحق، والوجود الحق هو واجب الوجود بذاته. بينما ذهب ابن سينا إلى أن العلم الإلهي هو أشرف العلوم الفلسفية؛ لأنه الحكمة بالحقيقة والفلسفة الأولى والحكمة المطلقة. فهو العلم بأول الأمور في الوجود, وهو العلة الأولى وأول الأمور على العموم, وهو أيضا المعرفة بالله. وكما اعتبر بعض مؤرخي الغرب المعاصرين أن الفلسفة والعلم بمعناهما النظري هما من إبداع اليونان, مشككين بذلك في مدى إسهام الحضارات الشرقية القديمة في هذين المجالين, فإنهم بالمثل استندوا إلى التأثيرات اليونانية في بعض

стр. 39

اتجاهات الفكر العربي والإسلامي؛ ليشككوا أيضا, وبشكل غير موضوعي, في مدى أصالة الفلسفة الإسلامية. إن الرأي الغالب لدى مفكري الإسلام المعاصرين هو أن التأثير اليوناني كان قاصرا على مدرسة الفارابي التي اعتبروها امتدادا للفلسفة اليونانية باللغة العربية. وقد ذهبوا أيضا إلى القول بأن ذلك التأثير لم يمتد إلى الفكر الفلسفي الإسلامي بصفة عامة, الذي تتمثل بدايته الحقيقية في نظرهم في كتابات المتكلمين والفقهاء, وخاصة الإمام الشافعي, يضاف إلى هذا أن مفهوم هؤلاء للفلسفة اختلف عن مفهوم اليونان, وخاصة في الميتافيزيقا١. فمن جهة، يعتبر الإسلام أن العقل البشري عاجز عن إدراك "الشيء في ذاته" أو "الماهية". وقد حدد القرآن الكريم موضوعات ما بعد الطبيعة تحديدا تاما, ونهى عن الخوض فيما خلفها على أساس أنها من "المسائل التوقيفية" التي لم يشأ الوحي أن يكشف عنها حتى للرسول نفسه. يستطيع الإنسان أن يبحث في الكون وآفاقه, ولكن حرم عليه البحث في "الجوهر" إذ إنه لن يستطيع الوصول إلى حقيقته, أي: للإنسان أن يبحث فقط عن "الخصائص" ولكن ليس عن "الماهية". من جهة أخرى، هاجم الفقهاء المسلمون الفلسفة اليونانية بصفتها تصويرا خاصا ذاتيا للكون. فالميتافيزيقا نتاج العبقرية الذاتية في تأملها للوجود ومحاولة التوصل إلى ما يقوم عليه من علل ومبادئ, بينما الإسلام دين اجتماعي ينكر التوحد. أنزل القرآن للمسلمين "ميتافيزيقاهم" وحدد لهم الغيبيات وآفاق العقل الإنساني في جني المعرفة كما أسلفنا, وبالتالي حرم عليهم الخوض في علل الوجود. فهم لم ينشغلوا كما فعل اليونان بالجوهر أو الماهية أو الكنه، وإنما تحولوا إلى ما دعا إليه الدين الجديد من دراسة الحياة الإنسانية ومتطلباتها, وقياس جزئياتها بنظر عقلي في أحكام العبادات مع الاعتماد على الملاحظة والتجريب.

стр. 40

وليس هناك من شك في أن التحديات الداخلية, والخارجية التي تعرض لها المجتمع الإسلامي كان لها هي الأخرى تأثير كبير في نشأة التفكير الفلسفي الإسلامي وصياغة مفاهيمه. فمثلا, لا يمكن استبعاد الآثار البعيدة المدى الناجمة عن انتقال العرب من حياة البداوة إلى حياة الحضارة على حد قول العلامة عبد الرحمن بن خلدون. كذلك لا بد أن نأخذ بنظر الاعتبار الأحداث السياسية والاجتماعية السابقة على الفتنة الكبرى واللاحقة لها, وخاصة ظهور الفرق الإسلامية. أما التحديات الخارجية فقد ترتبت -في جانب منها- على محاولة تلك الفرق التصدي لآراء وحجج علماء العقائد الأخرى السائدة آنئذ كاليهودية, والمسيحية, والفلسفة اليونانية, وبقايا المذاهب الغنوصية القديمة في الشرق١.
следующие страницы →