الاستعانة بآراء أرسطو للدفاع عن المسيحية, إلى أن صارت حجر الزاوية في الفلسفة الرومانية الكاثوليكية.
يرجع الفضل في ذلك التحول إلى توماس الأكويني, وغيره من الرهبان الفلاسفة الذين أقاموا الجسور بين فلسفة أرسطو وبين المسيحية. فقد ذهب توماس إلى أن كل المعرفة الإنسانية تكون وحدة كما يختص كل علم بموضوع معين, ولكن فوقها جميعا علم الفلسفة الذي اعتبره نظاما عقليا يسعى لوضع مبادئ عامة مستخلصة من جميع العلوم.
أما علم اللاهوت المسيحي فيعلو على العقل, ويعتمد على الوحي الإلهي ومن ثم يحتل قمة هذا النظام. لكن رغم أن الوحي يعلو على العقل, فإنه لا يتعارض معه بأي حال, واللاهوت مكمل للنظام الذي يضع العلم والعقل بدايته, كما أن الإيمان أيضا متمم للعقل وهما مصدر العلم والمعرفة, ولا يمكن أن يتناقضا.
وفي غمرة ذلك الصراع بين السلطتين وانشغال المفكرين بمدى أحقية كل منهما في الهيمنة على الأخرى, تخلف الفكر السياسي وتأخر نموه لافتقاره إلى منهج علمي نتيجة لازدهار اللاهوت والغيبيات, وهي مرحلة ستستمر حتى نهاية العصر الوسيط وبدء تقدم العلوم, وانبلاج فجر عصر النهضة ثم العصر الحديث.
стр. 37
٢- مفهوم الفلسفة لدى فلاسفة العرب والمسلمين:
تأثر بعض مفكري العرب والإسلام من أمثال: الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد بالفكر اليوناني القديم, وانعكس ذلك في كتاباتهم. لكن هل امتدَّ ذلك التأثير إلى الفكر الإسلامي بصفة عامة؟ وهل أثر في مفهومهم للفلسفة؟ ثم هل أدى التأثير اليوناني بهؤلاء المفكرين إلى اتباع منهج أرسطو في بحوثهم الطبيعية والاجتماعية؟ نحاول الإجابة على السؤال الأول في الأسطر التالية، ثم نجيب على السؤال الآخر في المبحث الثاني. وفي المبحث الثالث، نتناول منهج ابن خلدون١ بصفته أبرز عالم سياسة عربي, وذلك بهدف استقصاء مدى تأثره بالطابع التجريبي, والمعالجة الدقيقة الشاملة للماديات والروحانيات التي تميز بها منهج البحث الإسلامي.
بالنسبة للسؤال الأول، نلاحظ أن الفلسفة اليونانية لم تكن الوحيدة التي أثرت في الفكر الإسلامي, وإنما تعرض أيضا لمؤثرات قوية من جانب الفلسفات الغنوصية القديمة التي عرفتها مدنيات الشرق, وكذلك من جانب التصوف الفلسفي. وفي إطار دراستنا لمناهج البحث سنقصر اهتمامنا على تأثير الفلسفة اليونانية؛ لارتباطها بمنهج أرسطو أساسا, مع مراعاة أن ذلك التأثير نفسه كان محدودا وقاصرا على مجموعة منتقاة من الفلاسفة العرب والمسلمين الذين ذكرنا أشهرهم في مستهل كلامنا.
تردد إذًا صدى المفهوم اليوناني القديم للفلسفة في بعض اتجاهات الفكر العربي والإسلامي؛ فقد أطلق الكندي على بحوث ما بعد الطبيعة اصطلاح الفلسفة الأولى وعلم الربوبية، وعرف الفارابي الفلسفة بأنها العلم بالموجودات بما هي موجودة وفرّعها إلى حكمة إلهية وطبيعية ومنطقية ورياضية. وكان يرى أنه ليس بين موجودات العالم شيء إلا وللفلسفة فيه مدخل, وعليه عزي, ومنه علم بمقدار الطاقة البشرية.
أما تلميذه ابن سينا فقد تعرض في رسائله التسع في الحكمة, والطبيعيات إلى تعريف الفلسفة بأنها استكمال النفس البشرية لمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليه, على قدر الطاقة البشرية، أي: التماس العلم بطبيعة الموجودات بما هي كذلك عن طريق النظر العقلي.
стр. 38
ثم فرع ابن سينا الفلسفة إلى حكمة نظرية وحكمة عملية, وقسم الحكمة النظرية إلى ثلاث: طبيعية تتعلق بما في الحركة والتغير بما هو كذلك, وحكمة رياضية تتعلق بما من شأنه أن يجرده الذهن من التغير وإن كان وجوده مخالطا للتغير، وحكمة تنصب على ما وجوده مستغنٍ عن مخالطة التغير. هذه هي الفلسفة الأولى أي: ما بعد الطبيعة, والفلسفة الإلهية جزء منها ويراد بها معرفة الربوبية, ومبادئ الحكمة النظرية بأقسامها الثلاثة مستفادة من أرباب الملة الإلهية على سبيل التنبيه، وإن كان تحصيلها بالكمال إنما يكون بالنظر العقلي على سبيل الحجة.
بالمثل، قسَّم ابن سينا الحكمة العملية إلى ثلاث: مدنية تتناول ما ينبغي أن يكون عليه التعاون بين الناس على مصالح الأبدان وبقاء النوع الإنساني, وحكمة منزلية تتناول ما ينبغي أن يكون عليه التشارك بين أفراد المنزل لتنتظم به المصلحة المنزلية، وحكمة خلقية تهدف إلى معرفة الفضائل وكيفية اكتسابها والرذائل وكيفية تجنبها. هذه الحكمة العملية بأقسامها الثلاثة تستفاد من الشريعة الإلهية، وإن كانت قوانينها وتطبيقها على الجزئيات تعرف بالنظر العقلي. كما أن العلوم الحكمية في رأي ابن سينا لا تتغير بتغير الزمان والمكان, ولا تختلف باختلاف الأمم والأديان.
في معرض المقارنة بين الاثنين، نجد أن الحكمة في رأي الفارابي هي معرفة الوجود الحق، والوجود الحق هو واجب الوجود بذاته. بينما ذهب ابن سينا إلى أن العلم الإلهي هو أشرف العلوم الفلسفية؛ لأنه الحكمة بالحقيقة والفلسفة الأولى والحكمة المطلقة. فهو العلم بأول الأمور في الوجود, وهو العلة الأولى وأول الأمور على العموم, وهو أيضا المعرفة بالله.
وكما اعتبر بعض مؤرخي الغرب المعاصرين أن الفلسفة والعلم بمعناهما النظري هما من إبداع اليونان, مشككين بذلك في مدى إسهام الحضارات الشرقية القديمة في هذين المجالين, فإنهم بالمثل استندوا إلى التأثيرات اليونانية في بعض
стр. 39
اتجاهات الفكر العربي والإسلامي؛ ليشككوا أيضا, وبشكل غير موضوعي, في مدى أصالة الفلسفة الإسلامية.
إن الرأي الغالب لدى مفكري الإسلام المعاصرين هو أن التأثير اليوناني كان قاصرا على مدرسة الفارابي التي اعتبروها امتدادا للفلسفة اليونانية باللغة العربية. وقد ذهبوا أيضا إلى القول بأن ذلك التأثير لم يمتد إلى الفكر الفلسفي الإسلامي بصفة عامة, الذي تتمثل بدايته الحقيقية في نظرهم في كتابات المتكلمين والفقهاء, وخاصة الإمام الشافعي, يضاف إلى هذا أن مفهوم هؤلاء للفلسفة اختلف عن مفهوم اليونان, وخاصة في الميتافيزيقا١.
فمن جهة، يعتبر الإسلام أن العقل البشري عاجز عن إدراك "الشيء في ذاته" أو "الماهية". وقد حدد القرآن الكريم موضوعات ما بعد الطبيعة تحديدا تاما, ونهى عن الخوض فيما خلفها على أساس أنها من "المسائل التوقيفية" التي لم يشأ الوحي أن يكشف عنها حتى للرسول نفسه. يستطيع الإنسان أن يبحث في الكون وآفاقه, ولكن حرم عليه البحث في "الجوهر" إذ إنه لن يستطيع الوصول إلى حقيقته, أي: للإنسان أن يبحث فقط عن "الخصائص" ولكن ليس عن "الماهية".
من جهة أخرى، هاجم الفقهاء المسلمون الفلسفة اليونانية بصفتها تصويرا خاصا ذاتيا للكون. فالميتافيزيقا نتاج العبقرية الذاتية في تأملها للوجود ومحاولة التوصل إلى ما يقوم عليه من علل ومبادئ, بينما الإسلام دين اجتماعي ينكر التوحد. أنزل القرآن للمسلمين "ميتافيزيقاهم" وحدد لهم الغيبيات وآفاق العقل الإنساني في جني المعرفة كما أسلفنا, وبالتالي حرم عليهم الخوض في علل الوجود. فهم لم ينشغلوا كما فعل اليونان بالجوهر أو الماهية أو الكنه، وإنما تحولوا إلى ما دعا إليه الدين الجديد من دراسة الحياة الإنسانية ومتطلباتها, وقياس جزئياتها بنظر عقلي في أحكام العبادات مع الاعتماد على الملاحظة والتجريب.
стр. 40
وليس هناك من شك في أن التحديات الداخلية, والخارجية التي تعرض لها المجتمع الإسلامي كان لها هي الأخرى تأثير كبير في نشأة التفكير الفلسفي الإسلامي وصياغة مفاهيمه. فمثلا, لا يمكن استبعاد الآثار البعيدة المدى الناجمة عن انتقال العرب من حياة البداوة إلى حياة الحضارة على حد قول العلامة عبد الرحمن بن خلدون. كذلك لا بد أن نأخذ بنظر الاعتبار الأحداث السياسية والاجتماعية السابقة على الفتنة الكبرى واللاحقة لها, وخاصة ظهور الفرق الإسلامية. أما التحديات الخارجية فقد ترتبت -في جانب منها- على محاولة تلك الفرق التصدي لآراء وحجج علماء العقائد الأخرى السائدة آنئذ كاليهودية, والمسيحية, والفلسفة اليونانية, وبقايا المذاهب الغنوصية القديمة في الشرق١.
стр. 41
المبحث الثاني: منهج البحث الإسلامي
...
وليس هناك من شك في أن التحديات الداخلية, والخارجية التي تعرض لها المجتمع الإسلامي كان لها هي الأخرى تأثير كبير في نشأة التفكير الفلسفي الإسلامي وصياغة مفاهيمه. فمثلا, لا يمكن استبعاد الآثار البعيدة المدى الناجمة عن انتقال العرب من حياة البداوة إلى حياة الحضارة على حد قول العلامة عبد الرحمن بن خلدون. كذلك لا بد أن نأخذ بنظر الاعتبار الأحداث السياسية والاجتماعية السابقة على الفتنة الكبرى واللاحقة لها, وخاصة ظهور الفرق الإسلامية. أما التحديات الخارجية فقد ترتبت -في جانب منها- على محاولة تلك الفرق التصدي لآراء وحجج علماء العقائد الأخرى السائدة آنئذ كاليهودية, والمسيحية, والفلسفة اليونانية, وبقايا المذاهب الغنوصية القديمة في الشرق١.
стр. 42
كمبدعين في مجال ابتكار المنهج العلمي الذي استفادت منه أوروبا ابتداء من عصر النهضة.
لتوضيح ذلك نقول: إن المنهج القديم الذي ارتبط باسم أرسطو, كان قائما على الاستنباط المستمد من القياس المنطقي, والحكم الذهني حيث كان الباحث يستخرج النتائج من مقدماتها القائمة. فالعلم لدى اليونان يبدأ بالكل, أما الجزئي فليس علما.
وقد رفض أغلبية مفكري الإسلام ذلك المنهج, وتحولوا إلى منهج جديد يقوم على الاستقراء أي: الاعتماد على الممارسة العملية والتجربة. وخلافا للفكر اليوناني سعى هؤلاء للتوصل إلى الحقيقة بالانتقال من الجزئي للوصول إلى الكلي, مع كشف الروابط بين الأشياء.
كانت هناك دوافع قوية متعددة لدى المفكرين المسلمين لنبذ منطق أرسطو ومنهجه, وهو ما اتضح في كتابات علماء أصول الفقه وعلماء أصول الدين "المتكلمين" والفقهاء. فالإمام الشافعي مثلا وهو واضع أسس علم أصول الفقه انتقد منطق أرسطو؛ لأنه يقوم على خصائص اللغة اليونانية التي تختلف عن اللغة العربية, مما أدى إلى حدوث تناقضات عند تطبيقه على البحوث الإسلامية. وقد أيد علماء اللغة والفقهاء فكرة ارتباط المنطق الأرسططاليسي باللغة اليونانية وخصائصها, ومخالفته للمنطق الإسلامي.
نبذ علماء أصول الدين "المتكلمون" ذلك المنطق أيضا انطلاقا من رفضهم للميتافيزيقا الأرسططاليسية التي تتعارض مع إلهيات المسلمين. وحيث إن ذلك المنطق وثيق الصلة بتلك الميتافيزيقا وترتبط أصوله بأصولها كان لا بد لهم من نبذه. وأخيرا رفضه الفقهاء بدورهم على لسان ابن تيمية أشهر ممثليهم, الذي انتقده لعدة أسباب أهمها: قصوره عن مسايرة اتجاه الإسلام لتلبية الحاجات الإنسانية المتغيرة بينما قواعده كلية وثابتة، كذلك بسبب عدم اشتغال الصحابة والأئمة بهذا المنطق مع توصلهم إلى نواحي العلم, وبالتالي الخوف من الخروج على ذلك التقليد.
стр. 43
ويدلل أحد مفكري الإسلام المعاصرين١ على أن هذه الأسباب على وجاهتها ليست الوحيدة لنبذ علماء المسلمين للمنطق الأرسطي؛ لأنها -على أي حال- لا تعدو كونها الجوانب السلبية التي اكتشفوها فيه فاستندوا إليها في هدمه. أما العلة الحقيقية لتركهم إياه فتتجلى في رأيه في الجانب الإنشائي لنقدهم الذي تمثل في المنهج التجريبي أو الاستقرائي السابق الإشارة إليه أي: الذي يقوم على التجربة وتنظمه قوانين الاستقراء. مثل هذا المنهج التجريبي هو المعبر عن روح الإسلام ليس كمذهب وجودي أو فلسفي, وإنما كوضع من أوضاع الحياة العملية التي تنكر النظر, والفكر المجردين.
من هذا يتضح خطأ من ظنوا أن مفكري المسلمين عامة اعتمدوا على منطق أرسطو. فمن المعلوم أن هذا الأخير كان يقوم على المنهج القياسي المعبر عن روح الحضارة اليونانية التي تستند إلى النظر الفلسفي والفكري, والتي لم تعترف بالتجربة, وهي بذلك تختلف عن روح الحضارة الإسلامية.
ويمكن القول: إن توصل مفكري الإسلام إلى منهج الاستقراء جاء نتيجة معاناة وتجربة, اكتشفوا على أثرهما -وبشكل علمي- عقم المنهج اليوناني القائم على القياس الصوري "أي: الشكلي". لقد كان هذا القياس -كما ذكرنا- قرين مرحلة مبكرة من التطور البشري, وبالتالي كان محدود الفائدة فيما أعقب ذلك من عصور؛ إذ كان يبدأ بمقدمات عامة, وينتهي إلى نتائج جزئية. كان هدفه إذًا إقامة البرهان على حقيقة معلومة وليس الكشف عن حقيقة جديدة.
وتجدر الإشارة إلى أن كلا من الطرفين استخدم كلمة قياس بأسلوب مغاير؛ فالقياس لدى أرسطو يشير إلى حركة فكرية ينتقل فيها العقل من حكم كلي إلى أحكام جزئية, أو من حكم عام إلى حكم خاص بواسطة الحد الثالث, على
стр. 44
العكس من ذلك, ينتقل قياس المسلمين من حالة جزئية إلى حالة جزئية أخرى؛ لوجود جامع بينهما.
هناك احتمال حدوث لبس آخر بين القياس الأصولي "أي: القياس في رأي علماء أصول الفقه" وبين التمثيل الأرسططاليسي "وهو الطريق الاستدلالي الثالث في منطق أرسطو". أما مبعث اللبس فقد يحدث من أنهما يبدوان وكأنهما من طبيعة واحدة حيث ينتقل الفكر من جزئي إلى جزئي. وفي الواقع، هناك اختلاف كبير بين هذين الأسلوبين في القياس يتبين من النقطتين التاليتين:
- اعتبر المتكلمون وكثير من الأصوليين -قبل عصر الغزالي- القياس الأصولي, أو قياس الغائب على الشاهد موصلا إلى اليقين١، بينما التمثيل الأرسطي يوصل إلى الظن فقط.
- أرجع الأصوليون القياس إلى نوع من الاستقراء العلمي القائم على فكرتين, أو قانونين هما:
أ- قانون العلية أي: إن لكل معلول علة, بمعنى "أن الحكم ثبت في الأصل لعلة كذا"٢. فحكم التحريم في الخمر معلول بالإسكار.
ب- قانون الاطراد في وقوع الأحداث أي: إن العلة الواردة إذا وجدت تحت ظروف مشابهة؛ أنتجت معلولا متشابها "أي القطع بأن العلة "علة الأصل" موجودة في الفرع" فإذا وجدت أنتجت نفس المعلول. فإذا كان الإسكار في الخمر يؤدي إلى التحريم، ثم وجدنا الإسكار
стр. 45
في أي شراب آخر, جزمنا بوجود التحريم فيه١. هناك إذًا نظام في الأشياء, واطراد في وقوع الأحداث.
أقام المسلمون القياس الأصولي على القانونين اللذين أقام عليهما جون ستيوارت ميل استقراءه العلي العلمي في القرن التاسع عشر، فإذا كان الاستقراء يستطيع أن يصل إلى العلاقات الثابتة الكلية؛ فذلك لأنه يستند إلى أن حوادث الطبيعة متناسقة أو مطردة. والاستقراء عند ميل هو أن تستنتج من عدة حالات معينة لظاهرة من الظواهر أن هذه الظاهرة تحدث في كل حالة تشبه هذه الحالة, أو الحالات المعينة في ناحية من النواحي. فهو يقوم على الجزم بوجود النظام في العالم, ويعبر عن هذا بأن "هناك أشياء في الطبيعة إذا ما حدثت مرة, فلا بد من أن تحدث ثانية إذا ما تحققت لها درجة كافية من المشابهة في الظواهر"٢.
يتبين من هذا أن الرأي المتقدم الذي عبر عنه المسلمون -قبل ميل- من إقامة الاستقراء على قانوني التعليل والاطراد في وقوع الأحداث، ثم استناد قياسهم الأصولي على هذين القانونين يجعله مناقضا للتمثيل الأرسطي، ومن ثَمَّ مناقضا للمنطق الأرسطي نفسه.
تزخر كتابات مفكري الإسلام في العلوم الطبيعية والاجتماعية بأدلة عديدة على تقدم منهج البحث الإسلامي. ففي مجال العلوم الطبيعية والرياضية شرح الحسن بن الهيثم مفهومه للاستقراء في رسالته عن الضوء بقوله: "ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات, وتمييز خواصّ الجزئيات"٣.
стр. 46
واهتم جابر بن حيان في بحوثه الكيميائية العديدة "في رسائله ومصنفاته" بمبدأ قياس الغائب على الشاهد. فهو يحاول استخراج علة الشيء ثم البحث عنه فيما يشبهه من الأشياء المجهولة, حتى إذا استيقن من اشتراك المعلوم والمجهول في علة واحدة، قاس الثاني على الأول في حكمه المنبثق من تأثير تلك العلة، مع بناء قياسه على قانوني العلية والتناسق والنظام في الكون. وقد أولى ابن حيان أهمية فائقة للتجربة العلمية, وفي هذا يقول: "إن واجب المشتغل في الطبيعيات والكيمياء هو العمل وإجراء التجارب، وإن المعرفة الحقيقية لا تحصل إلا بها"١.
وفي مجال الطب، أبدع أبو بكر الرازي، وابن سينا "في مؤلفيهما: الحاوي في الطب، والقانون في الطب" في وصف, وتشخيص الأمراض مع بيان الروابط بين العلل المتشابهة عن طريق التفسير الناتج من المشاهدة الفعلية التي يتبعها وضع فرض يتحقق منه الطبيب عن طريق التجربة. مثال ذلك: القرد الذي سقاه الرازي زئبقا ليتحقق من صحة فروضه عن خواص الزئبق العلاجية. ولا يزال العلماء يجرون تجاربهم حتى اليوم على القردة قبل تعميم استعمال الدواء للإنسان.
وفي مجال الصيدلة، توصل ابن سينا "في القانون" إلى معرفة قوى الأدوية بطريقتين هما: التجربة والقياس مع تقديم التجربة لاختبار تلك الأدوية ومعرفة قوتها من حيث الطعم والرائحة واللون وسرعة الاستجابة, وقد وضع ابن سينا لذلك شروطا سبعة تتضح أهميتها من أن جون ستيوارت ميل لجأ إلى مثيلاتها "في القرن التاسع عشر" للتحقق من صحة الفروض, وهي القواعد الثلاث التي وضعها ميل للتحقق من الفروض, وهي قواعد: الاتفاق والاختلاف والتغير النسبي٢.
стр. 47
لم يكن كل هذا يعني الاقتصار على التجربة على حساب العقل, وإنما اهتم منهج البحث الإسلامي بأية أداة يمكن أن توصل إلى المعرفة الحقة مع تحري العدل والبعد عن الهوى. ونظرا للمكانة الخاصة التي يحتلها العقل في المفهوم الإسلامي, أحاطه العلماء بضمانات حتى لا يأخذ كل شيء على عواهنه, وقد برز في هذا المجال الفيلسوف العربي الغزالي الذي سبق الفيلسوف الفرنسي ديكارت في اعتماد الشك كوسيلة للتوصل إلى الحقيقة. يقول الغزالي: "فمن لم يشكّ لم ينظر, ومن لم ينظر لم يبصر, ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال"١.
أما في مجال العلوم الاجتماعية, فتكفي الإشارة إلى إنجازات ابن حزم والغزالي وابن تيمية والبيروني وابن خلدون. وسندرس في المبحث الثالث منهج ابن خلدون كمثال على تأثر مفكري العلوم الاجتماعية المسلمين بمنهج البحث الإسلامي، وإن كان ابن خلدون قد أثرى ذلك المنهج وخاصة في اكتشافه للعلاقة الديناميكية بين الأسباب والنتائج عند ملاحظته للصراع بين القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونظرا للمغزى الهام الذي تمثله كتاباته في المقدمة بالنسبة لمناهج البحث في السياسة -وهي موضوع دراستنا- خصصنا له ذلك المبحث المستقل.
وأخيرا يمكن القول بأن منهج البحث الإسلامي لم يهتم فقط بالتركيز على بعض الخطوات المنهجية الرئيسية مثل: جمع المعلومات الحسية لمشاهدتها تمهيدا لدراستها، واعتماد الشك كأسلوب يوصل إلى اليقين، والحكم القائم على الدليل والبرهان, وإنما تعدى ذلك إلى إرساء قواعد ما يمكن أن يسمى بآداب البحث العلمي التي تعد مكملة لنظرة الإسلام الشاملة لمتطلبات الإنسان المادية
стр. 48
والروحية والأخلاقية١.
وآداب البحث العلمي كما استنبطها مفكرو الإسلام هي:
- عدم إصدار أحكام جازمة قبل التروي.
- امتناع الباحث عن إصدار أحكام إلا في حدود اختصاصه.
- عدم المكابرة.
- قول الحق والدعوة إليه والدفاع عنه.
هذا, وقد حظي منهج البحث الإسلامي ببعض الأصوات الموضوعية القليلة في أوروبا, والتي اعترفت بفضله على تقدم الدراسات العلمية والمنهجية فيها. من ذلك قول بعض العلماء: "لم يكن روجر بيكون في الحقيقة إلا واحدًا من رسل العلم، والمنهج الإسلامي إلى أوروبا المسيحية. ولم يكف بيكون عن القول لمعاصريه بأن معرفة العرب وعلمهم هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة" ... "إن ما ندعوه بالعلم ظهر في أوروبا كنتيجة لروح جديدة في البحث, ولطرق جديدة في الاستقصاء طريق التجربة والملاحظة والقياس, ولتطور الرياضيات في صورة لم يعرفها اليونان. وهذه الروح وتلك المناهج أدخلها العرب إلى العالم الأوروبي"٢.
стр. 49
المبحث الثالث: منهج ابن خلدون
مدخل
...
المبحث الثالث: منهج ابن خلدون ١
يعتبر منهج ابن خلدون٢ ظاهرة جديرة بالاهتمام بين المناهج العلمية لكبار المفكرين الذين عرفتهم البشرية ابتداء من أرسطو حتى ديكارت. ولا تخلو دراسة المنهج الخلدوني من الصعوبة, فمن ناحية تناول كثير من العلماء المحدثين منذ بداية القرن التاسع عشر فكره ومنهجه بالبحث والتحليل, وتوصلوا إلى آراء ونتائج متناقضة. ومن ناحية أخرى, فإن ابن خلدون نفسه كان تحت تأثيرات متباينة بسبب دراسته المبكرة٣ في صباه والتي جمعت بين العلوم الدينية والرياضيات والفلسفة والمنطق, علاوة على الخبرة الواسعة التي اكتسبها في المهن المتعددة التي مارسها والدول الكثيرة التي عاش بها. ونستطيع أن نلمس باستعراض سريع لآراء العلماء في ابن خلدون الاختلافات الجذرية في النتائج التي توصلوا إليها. فعالم الاجتماع الأمريكي الأستاذ بيتريم سوروكين يرى أنه مفكر مثالي، وزميله الدكتور هاري بارنز يضعه مع المفكرين الذين يسلمون بدور المتناقضات في العلاقات الاجتماعية. ويلفت الأستاذ جاستون بوتول عالم الاجتماع الفرنسي النظر إلى أسلوب المعالجة المادية الذي لجأ إليه ابن خلدون, الذي يعتبره ظاهرة فريدة بين علماء العرب. ويرى المستشرق الإيطالي الأستاذ فرانسسكو جابرييلي أن اعتراف ابن خلدون بالقيم الروحية والاجتماعية للدين يصحح الجانب المادي في نظريته عن العصبية. أما المؤرخ البريطاني الأستاذ أرنولد توينبي, وعالم الاجتماع الألماني الأستاذ ناتانيل شميت فيثنيان عليه لأسلوبه الجديد في كتابه التاريخ والدراسات الاجتماعية، وقد تناول بعض العلماء العرب نفس
стр. 50
الموضوع بالتعليق, نذكر منهم على سبيل المثال الدكتور علي عبد الواحد وافي الذي يرى في ابن خلدون عالما تجريبيا, بينما يؤكد الدكتور حسن الساعاتي فضل عاملي الشك والموضوعية على منهجه.
وقبل تحليل منهج ابن خلدون نتعرض بإيجاز للمحاولات السابقة وللدراسات التي تناولت المقدمة من زوايا متعددة: سياسية وتاريخية واجتماعية وفلسفية ومنطقية. ويمكن تمييز أربعة اتجاهات رئيسية في هذا الشأن ظهر أولها في الكتابات المبكرة لكل من الدكتور كامل عياد وأروين روزنتال. ويعيب هذه المحاولة أنها غالت في تقدير الجانب العلماني في منهجه. فكامل عياد مثلا كان يرى أن موقف ابن خلدون من إنكار ضرورة النبوة كشرط لقيام العمران البشري "موجه ضد الفقهاء المسلمين الذين يقولون باستحالة حياة البشر دون هداية النبوة"١. ويصف موقفه من الدين بشكل عام بأنه يراه "مجرد ظاهرة حضارية لها وزنها, وعامل اجتماعي نفسي هام على مدار التاريخ". بل يذهب أبعد من ذلك في قوله: إن ابن خلدون كان يحاول "إخضاع الدين لنظرياته العلمية"٢. وبالمثل نجد موقف أروين روزنتال الذي اعتبر رأي ابن خلدون الذي يقول فيه بإمكان تأسيس الملك والمحافظة عليه دون شرع سماوي "كدليل على فكره المستقل المتحرر من أي قيد ديني"٣.
أما الاتجاه الثاني والذي يمثله المستشرق الأمريكي الأستاذ هاملتون جب فقد حاول التقليل من جدة, وأصالة المنهج الخلدوني. ورغم أنه كان على حق
стр. 51
في تبيان أن نظريته السياسية تجد جذورها العميقة في تعاليم الإسلام, إلا أنه أخطأ في افتراضه بأن "المبادئ التي بنى عليها ابن خلدون دراسته هي نفس مبادئ سابقيه من فقهاء السنة والفلاسفة الاجتماعيين". وإثباتًا لافتراضه اقتبس جب بعض فقرات من كتابات ابن تيمية حول ضرورة الاجتماع الإنساني, وعلق عليها بقوله: إن ابن خلدون لم يفعل أكثر من إعادة ترديد تلك الآراء بإسهاب, وبقدر أكبر من الدقة بواسطة استعمال نظريته في العصبية. ثم ادعى جب أن الموجة التشاؤمية في كتاباته, والتي كثيرا ما يشير إليها بعض الكتاب "ذات أساس أخلاقي وديني وليس اجتماعيا"١ وسنرى فيما بعد من خلال دراستنا لمنهج ابن خلدون كيف أدت هذه التعميمات المخلة إلى عدم إدراك الاختلاف الكبير بينه, وبين غيره من المفكرين بصفة عامة, والفقهاء المسلمين بصفة خاصة.
ومن أبرز ممثلي الاتجاه الثالث الدكتور محسن مهدي, الذي اعتقد خطأ أن ابن خلدون سار على نهج القدماء -أي: الإغريق- وتابعيهم من فلاسفة الإسلام وخاصة ابن رشد. كما رأى فيه المفكر الوحيد الذي "حاول وضع علم للمجتمع في إطار الفلسفة التقليدية وعلى أساس مبادئها" ويتجلى الخطأ في قوله: إن ابن خلدون لم يفكر -أثناء وضعه العلم الجديد- في "إدخال تغييرات كبيرة على المبادئ الموضوعة للبحث العلمي, أو يعترض على شرعية المعايير التي وضعتها فلسفة السياسة. بل على العكس وجد أنه بالاعتراف بصلاحية هذه المبادئ والمعايير كما وضعها القدماء يمكن بناء العلم الجديد"٢.
стр. 52
وظهر الاتجاه الرابع في الكتابات الجديدة للدكتورين أروين روزنتال وعلي الوردي, وهو اتجاه يمثل خطوة إلى الأمام نحو فهم أفضل لمنهج ابن خلدون وأسلوب تفكيره. ويعلق روزنتال بحق على أسلوب فكر ابن خلدون بأنه لا يمكن وضعه بسهولة في الإطار المعروف للعصور الوسطى١. كما أنه من الصعوبة بمكان اعتباره بشكل حاسم كمفكر مثالي أو مفكر مادي. وفي بحث آخر يعزو الدكتور روزنتال موقف ابن خلدون من المؤسسات والجماعات وغيرها إلى أسلوبه التجريبي من ناحية وإلى غيرته على الإسلام من ناحية أخرى "إن الإسلام كنظام للحياة والفكر هو النموذج الأمثل للخير الأسمى الذي يقدم الإجابة الكاملة لبحثه التجريبي في قوانين ومجال عمل الاجتماع الإنساني". ومع أنه يلاحظ أن الشريعة الإسلامية هي المعيار الذي أرجع إليه نتائج دراساته, فإن روزنتال كان على حق في التحذير من محاولة اعتبار آرائه ممثلة لاتجاه واحد يشمل مقدمته من البداية إلى النهاية. وبسبب أسلوبه العلمي المبتكر وثروة الأفكار السياسية التي خلفها ابن خلدون وراءه, اعتبره روزنتال أبا علم السياسة الحديث٢. وبالنسبة للدكتور علي الوردي, فقد نقد النتائج التي توصل إليها الدكتور محسن
стр. 53
مهدي وشرح كيف كان ابن خلدون متأثرا -في خلافه مع الفلسفة التقليدية بشكل عام ومنطق أرسطو بشكل خاص- بكتابات الغزالي وابن تيمية. وعزز الوردي وجهة نظره بالاستشهاد بحجج ابن خلدون ضد تلك الفلسفة والمنطق؛ لإفراطهما في الاعتماد على القياس العقلي الذي يؤدي إلى عدم تطابق استنتاجاتهما مع واقع الحياة. ومن الملامح المميزة أيضا لهذا الاتجاه الرابع مناقشة دور "المادة" في كتابات ابن خلدون. وقد بحث الوردي هذا الموضوع بالتفصيل, وانتقد العلماء المحدثين لإهمالهم له, ثم أورد عدة أمثلة من المقدمة ليدلل على معارضته لمنهج المناطقة القدماء١.
هذه باختصار هي الاتجاهات الأربعة الرئيسية التي ناقشت فكر ومنهج ابن خلدون. ويتضح من بحثنا كيف أن الاتجاهات الثلاثة الأولى قدمت تفسيرات مبتسرة بشكل يجعل من غير المأمون الاعتماد عليها في تكوين فكرة شاملة عن هذا المنهج. أما الاتجاه الرابع فنرى أنه أقربها إلى التحليل السليم, وإن كنا نختلف معه حول مغزى كلمة المادة في المقدمة. ورغم استحالة الحكم بشكل جامد على منهجه بأنه مادي, فإننا نختلف مع الدكتور الوردي حول موقفه من مغزى كلمة المادة, إذ افترض أن مفهوم ابن خلدون لهذا المصطلح يتفق مع مفاهيم الفلاسفة المعاصرين له لنفس المصطلح٢. وإذا درسنا المقدمة ككل ولم نقتصر فقط على الفصول التي تتناول الفلسفة والمنطق, فإننا سنجد أدلة كافية على أن مفهوم ابن خلدون لاصطلاح "المادة" لا يعكس نفس المضامين التي تصورها الفلاسفة المعاصرون له, وهي حقيقة قد تعزى جزئيا إلى أنه لم يقيد نفسه بنفس الموضوعات أو أساليب الاستقراء السائدة قبله. ويكفي أن نذكر باختصار بعض الأمثلة على ذلك, ومنها دراسته التفصيلية العميقة لموضوعات مثل العلاقة المتبادلة بين العمران
стр. 54
البشرى والإنتاج والعمل والكسب وتراكم المال١، وكلها موضوعات لم تكن معروفة ليس فقط لمعاصريه, وإنما لم تكن معروفة أيضا لمن جاءوا بعده حتى في أوروبا, إلى أن كتب آدم سميث كتابه المشهور "ثروة الأمم" في عام ١٧٧٦ أي: بعد كتابة المقدمة بحوالي أربعة قرون. ولهذا فإنه من الصعب أن نسلم بأن مفهومه، وطريقة استعماله للفظ المادة يماثل تلك التي قصدها الفلاسفة الذين عاصروه, وهو ما سنشرحه بشيء من التفصيل فيما بعد.
إلا أنه تجدر الإشارة إلى ملاحظتين هامتين, هما:
١- دون أن نقلل بأي شكل من الأشكال من غيرة ابن خلدون على الإسلام, وميله إلى ربط مثله العليا ومبادئه باستدلالاته الدنيوية, فإن إعادة دراسة المقدمة تكشف أن التجاءه إلى الأساليب المادية في معالجة الحياة الواقعية ليس أقل أهمية من أسلوب معالجته التقليدي للجوانب الروحية للحياة والوجود.
٢- رغم اختلاف العلماء في الحكم على أسلوب فكره ومنهجه, فإنهم أجمعوا
стр. 55
على بعض النقاط التي تميز علم العمران الجديد. وهذه النقاط التي لم يختلف عليها أحد من العلماء المتزنين هي: عمق وأصالة الأسلوب الذي انتهجه في دراسة المعلومات الاجتماعية والتاريخية, والتي كانت ميدانا خصبا لدراسات سابقة متعددة تنقصها المعالجة المنهجية١، اتجاهه العلمي الواضح والتزامه بالموضوعية وعدم التحيز، وأخيرا الطبيعة العلمية للاستنتاجات التي توصل إليها. فإذا كان معظم العلماء قد أثنى كل بطريقته -ومن زاوية اهتمامه- على علم العمران الجديد الذي ألفه ابن خلدون، لماذا إذًا نجد صعوبة في العثور على حد أدنى من الاتفاق على الصفات العامة التي تميز فكره, كما هو الحال في تصنيف المفكرين وتعريفهم طبقا للطابع الغالب, والمميز في كتاباتهم؟ هل يعني ذلك أن أسلوب تفكيره ومنهج العلم الجديد يفتقران إلى خط واضح, وطابع مميز؟ هذا هو السؤال الذي لا يزال يحتاج إلى إجابة.
في رأينا، هناك أربعة فروض أساسية يستند إليها منهج ابن خلدون:
الأول: التعليل الاقتصادي الاجتماعي.
الثاني: التفسير المادي لبعض عناصر العمران.
الثالث: العلاقة الديناميكية بين الأسلوب والنتائج.
الرابع: القيود المفروضة على التعليل المثنوي, والميتافيزيقي.
стр. 56
الفرض الأول: التعليل الاقتصادي الاجتماعي
سنناقش هنا ثلاث نقاط لاختبار مدى صحة هذا الفرض، وهذه النقاط هي: تقييم ابن خلدون للدور الذي يلعبه أسلوب المعيشة، وتقسيم العمل والتخصص، وأخيرا دور العمل في العلاقات الاجتماعية.
стр. 57
١- استخدام ابن خلدون أسلوب المعيشة كمعيار أساسي في التفرقة بين شكلي المجتمعين الأساسيين اللذين لاحظهما في جولاته الواسعة, وهما مجتمع البداوة١ ومجتمع الحضارة، والأول مجتمع يستنفد أفراده طاقتهم في إشباع حاجات الحياة الضرورية من طعام ومأوى عن طريق الصيد أو تربية الماشية أو الزراعة, وبمجرد انتقال أفراد مثل هذا المجتمع البدائي من حياتهم البدوية "أي: البدائية" الصعبة إلى حياة المدينة السهلة, وتغير أسلوب معيشتهم فإن كل صفاتهم وطبائعهم تتغير بالتالي. ونظرا لأهمية هذا الفرض المنهجي نسجل رأي ابن خلدون بالتفصيل:
"اعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش. إن أهل البدو هم المنتحلون للمعاش الطبيعي من الفلح والقيام على الأنعام، وإنهم مقتصرون على الضروري من الأقوات والملابس والمساكن وسائر الأحوال والعوائد, ومقصرون عما فوق ذلك من حاجي أو كمالي. وهؤلاء سكان المدن والقرى والجبال.. الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان. ومن هؤلاء من ينتحل في معاشه الصنائع, ومنهم من ينتحل التجارة. وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدو؛ لأن أحوالهم زائدة على الضروري ومعاشهم على نسبة وجدهم.. فيتخذون القصور والمنازل، ويجرون فيها المياه ... فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها، وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها. ومتى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف وعوائده عاج إلى الدعة, وأمكن نفسه إلى قياد المدينة"٢.
стр. 58
يتبين من هذا أن وسائل المعيشة التي يستخدمها الإنسان تلعب دورا هاما في تمييز ابن خلدون بين مجتمعي البداوة والحضارة. فالوسائل البدائية البسيطة التي يلجأ إليها الإنسان في الصحراء أو التلال تؤدي إلى شكل بدائي بسيط من أشكال الحياة, بينما تؤدي الوسائل المتطورة إلى شكل معقد ومتقدم من أشكال الحياة, ووجود الناس البدائيين في الصحارى والتلال سابق على وجود القرى والمدن. وبالمثل, فإن العادات تتولد نتيجة لشيوع الرفاهية تالية زمنيا لانتشار العادات التي تنتج عادة من مجتمع يعاني من شظف العيش, أو لا يعرف سوى إشباع ضروريات الحياة. وموضوع دراسة ابن خلدون هنا هم الناس في ارتباطهم بشكل معين من أشكال الإنتاج في حياتهم الواقعية التي يمكن ملاحظتها, وقياس درجة تطورها وليس في عزلة تصورية من وحي الخيال. فدرجة تطورهم إذًا تتوقف على الطريقة التي يحصلون بها على معاشهم. وفي الواقع لم يكن ابن خلدون ليقنع بمقارنة عادية بين أسلوب وأسلوب آخر متطور لحياة البشر, ولكن كان مهتما بتتبع آثار الانتقال من أسلوب إلى آخر على الأشكال الحضارية المختلفة, والطابع المميز للجماعات البشرية.
٢- وقبل أن نتكلم عن رأي ابن خلدون في الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان لمواجهة عجزه كفرد عن إشباع حاجاته اليومية -أو ما اصطلح على تسميته فيما بعد بظاهرة تقسيم العمل-نلاحظ أنه كان يتمتع بمعرفة عميقة للحياة الاقتصادية التي عاصرها, وبدور القوى المؤثرة في التطور الاجتماعي, وهي حقيقة تتجلى في النقاط الثلاث التي نتعرض لمناقشتها الآن. ومما يدعو إلى الدهشة بالنسبة إلى مستوى التطور في القرن الرابع عشر أنه أظهر فهما تاما لهذه القوى المؤثرة التي تعبر عن نفسها في القوى المنتجة في المجتمع "سواء البدوي, أو الحضري" والعلاقات التي تنمو بين الناس من أجل الحصول على الضروريات, أو كماليات الحياة. ففي الباب الأول من المقدمة "في العمران البشري على الجملة" شرح ابن خلدون
стр. 59
بعض السمات الأساسية لظاهرة تقسيم العمل, والأسباب الاقتصادية التي تجعلها ظاهرة لا يمكن الاستغناء عنها.
"إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء, وغير موفية له بمادة حياته منه.. فلا بد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف. وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه"١.
حقيقة: إن ابن خلدون -بسبب ظروف البيئة التي عاش فيها- لم يكن دقيقا تماما في اعتباره أن القبيلة هي الشكل الأول من أشكال الجماعات البشرية وفاتته الأشكال المتعددة التي سبقت تشكيل القبيلة, ولكنه كان واعيا بمغزى تقسيم العمل كظاهرة متغيرة مرتبطة بالنواحي المادية للحياة الاجتماعية. فهو لم يعتبرها ظاهرة ساكنة بلا حراك, تتحكم فقط في الأشكال المبكرة من التنظيم الاجتماعي البشري, بل لاحظ أيضا تأثير تطور العوامل الاقتصادية على سمات هذه الظاهرة. أي: إنه كلما ارتفع مستوى المعيشة كلما زادت الحاجة إلى تقسيم العمل لمواجهة نمو الطلب, ليس فقط على الضروريات, وإنما أيضا على الكماليات؛ لإشباع التطلعات المتطورة.
"فإذا كثرت الأعمال كثرت قيمها بينهم, فكثرت مكاسبهم ضرورة، ودعتهم أحوال الرفه والغنى إلى الترف وحاجته من التأنق في المساكن والملابس، ...
стр. 60
ومتى زاد العمران زادت الأعمال ثانية، ثم زاد الترف تابعا للكسب وزادت عوائده وحاجاته، واستنبطت الصنائع لتحصيلها، فزادت قيمها وتضاعف الكسب في المدينة لذلك ثانية.. وكذا في الزيادة الثانية والثالثة؛ لأن الأعمال الزائدة كلها تختص بالترف والغنى بخلاف الأعمال الأصلية التي تختص بالمعاش١.
ولا يجب أن ننسي أن هذه النتائج التي توصل إليها ابن خلدون, والتي قد تبدو بديهية وواضحة الآن كتبت في القرن الرابع عشر أي: قبل أن يعيد آدم سميث دراسة ظاهرة تقسيم العمل بأربعة قرون. بل أكثر من ذلك, فقد بحث ابن خلدون ظاهرة التخصص, وأوضحت كتاباته أنه كان يفرق بين نوعين: تخصص فردي وتخصص إقليمي, وإن كان المجال يضيق هنا عن الإفاضة في هذا الموضوع إلا أننا سنشير بإيجاز إلى آرائه. فقد خصص فصلا في الباب الرابع في مقدمته تكلم عن اختصاص بعض الأمصار ببعض الصنائع دون بعض, شرح فيه كيف أن الصنائع تستجاد كلما كثر الطلب عليها. ولا يكثر الطلب عليها إلا إذا كانت تسد حاجة مباشرة وهامة بالنسبة لسكان المصر أي: تشبع حاجاتهم لاستهلاك سلعة معينة أو الاستفادة من خدمة لازمة لهم في معاشهم, وكل هذا مرتبط بالعمران المستبحر أي: المزدهر الذي تتفاوت صوره من بلد إلى آخر, وبالتالي تتفاوت حاجاته مما ينعكس على نوع الصنائع التي تختص بذلك البلد أو المصر. ويبدو فهم ابن خلدون لظاهرة التخصص الإقليمي هذه في قوله: "وبقدر ما تزيد عوائد الحضارة, وتستدعي أحوال الترف تحدث صنائع لذلك النوع, فتوجد بذلك المصر دون غيره. كذلك يظهر فهمه لظاهرة التخصص
стр. 61
الفردي فيما كتبه في الباب الخامس من المقدمة, حيث بيّن أن من حصلت له ملكة في صناعة فقل أن يجيد بعدها ملكة أخرى. فإذا أجاد الخياط مثلا ملكة الخياطة رسخت في نفسه, فلا يجيد من بعدها ملكة النجارة, أو البناء إلا إذا كانت المهنة الأولى لم ترسخ في نفسه بعد. والسبب الذي يقدمه ابن خلدون هو "أن الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم دفعة ... حتى أهل العلم الذين ملكتهم فكرية فهم بهذه المثابة.. إلا في الأقل النادر من الأحوال"١.
٣- وجه ابن خلدون عناية كبيرة إلى دراسة دور العمل في العلاقات الاجتماعية, فلم يلجأ إلى أسباب دخيلة لتفسير الظوهر الاجتماعية الحية. فمثلا, إذا كانت بلد من البلاد تتمتع بمستوى عالٍ من المعيشة, فإن البحث عن أسباب ذلك يجب ألا يتجه إلى الخرافات، أو ترديد روايات العامة التي تفسره بالعثور على كنوز مدفونة. أو ما شاكل ذلك من الأوهام. إن السبب الوحيد في رأيه الذي يمكن أن يعزى إليه مثل هذه الرفاهية هو مجهود وعمل أبناء هذا البلد لبناء وازدهار عمرانهم, وبذلك يجنون ثمار عملهم الذي يتمثل في تحسن ظروف معيشتهم. ولعل من دواعي الفخر لمفكرنا العربي أنه عزز هذا الاتجاه الواقعي برأي آخر سبق به مدرسة الاقتصاديين الكلاسيك بزمن طويل, ونعني به قياسه قيمة المنتجات, والخدمات بكمية العمل المبذول فيها.
"فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول؛ لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر، وإن كان مقتنى من الحيوان والنبات والمعدن, فلا بد فيه من العمل الإنساني كما تراه، وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع. وإذا تقرر هذا كله, فاعلم أن ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع, فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله وهو القصد بالقنية، إذ ليس هناك إلا العمل وليس بمقصود بنفسه للقنية. وإن كان من غير الصنائع, فلا بد في قيمة ذلك المفاد
стр. 62
والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به، إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها"١.
نستخلص من دراسة هذا الفرض المنهجي الأول حول أسلوب المعيشة، تقسيم العمل والتخصص، ودور العمل في تحديد قيمة المنتجات أنه يمثل الأساس الذي ارتكزت عليه آراؤه في المسائل الزمنية, وفي نفس الوقت يشير إلى بداية ظهور اتجاه واقعي جديد في الفكر السياسي لم يسبقه إليه أحد وهو اتجاه يدخل في اعتباره التأثيرات المتبادلة للعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. أي: إن الطريقة التي تتبعها الجماعة في التكسب والعلاقات الاجتماعية المتشابكة التي تترتب على ذلك هي التي تكون في نظره هيكل العمران البشري٢.
стр. 63
الفرض الثاني: التفسير المادي لبعض عناصر العمران
يتضح لنا من مناقشة الفرض الأول أن العوامل الاقتصادية كما عولجت في المقدمة, أثرت تأثيرا كبيرا على حجج ابن خلدون. وسنوضح في هذا الفرض المنهجي الثاني كيف أن هذه الحجج والتفسيرات تأثرت أيضا ببعض عناصر العمران الأخرى مثل: الدين والعقل والعلم والأخلاق، كما سنبين طريقة معالجته لهذه العناصر.
١- رغم أنه يمكن الاستشهاد بكثير من الحالات التي تظهر التأثير الكبير للدين على حجج ابن خلدون, والطريقة التي عالج بها المسائل الدينية, فإننا سنناقش ثلاثة أمثلة فقط.
المثال الأول: يصور كيف أن التأثير القوي للدين عليه، دفعه إلى وضع نظرية كاملة تماما, وجديدة يعيد فيها تفسير أحداث الفتنة الكبرى بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان, وذلك على أساس زمني يختلف عن اجتهادات كافة فقهاء ومفكري الإسلام الذين سبقوه. كما يصور هذا المثال أيضا الطريقة العقلانية التي اتبعها في شرح كيفية انتقال السلطة في المراحل الأولى للحكم الإسلامي للخليفة الشرعي, الذي تم اختياره بواسطة الشورى إلى سلطة العصبية. ونكتفي بهذه الإشارة المقتضبة دون استطراد١.
المثال الثاني: يتناول موقفه من النزاع الخاص بعودة المسيح أو المهدي٢.
فمن ناحية اعترف ابن خلدون بمفهوم الدين عن عودة المسيح. ومن ناحية أخرى فإنه رفض الأساطير المرتبطة بهذا الموضوع, ودحضها على أساس علمي باستخدام نتائج أبحاثه. وقد خصص فصلا طويلا في مقدمته لمناقشة الآراء المتعارضة حول
стр. 64
احتمال عودة المسيح. وعكس المعتقدات الفلسفية التي تقصر الشروط الواجب توافرها لعودته إلى انتسابه إلى الرسول ﷺ أو تربطها بدورة النجوم, فإن ابن خلدون أعاد تأكيد موقفه المبدئي من أن أي دعوة سياسية, أو دينية لا يمكن أن تنجح إلا بقوة العصبية, وهو واضح من قوله: "إنه لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره, وتدافع عنه من يدفعه". كذلك أوضح أن المسيح لن يظهر طبقا لنظرية الدورات التي يعتنقها الشيعة الذين يفسرون مجرى التاريخ بدورة ثلاثية دائمة. تبدأ بالنبوة ثم الخلافة ثم الملك الذي يسوده الظلم. وفي رأيه, فإن ظهور المسيح يتوقف على توافر ظروف مساعدة في البيئة التي سيظهر فيها, على أن تدعمه وتسنده عصبية وشوكة قومه مما سيؤدي إلى إنشاء دولة قوية١.
المثال الثالث: يمكن أن نجده في طريقة معالجته للعلاقة بين العقل البشري والله . فابن خلدون يثق في العقل البشري, ورغم تسليمه أن الإدراك الإلهي يستوعب بداهة الكثير مما لا يستطيع إدراكه الإنسان, فإنه لا يعتبر ذلك نقصا في قدرة العقل والتأمل العقلي، وإذا أبعدنا العقل عن الحكم على صحة عقائد مقدسة مثل: وحدانية الله والآخرة وحقيقة النبوة وهي أمور فوق طاقته, فإننا نستطيع استعماله في قياس الظواهر الزمنية الأخرى؛ لأن العقل في نظر ابن خلدون ميزان صحيح, وأحكامه يقينية يمكن الاعتماد على صحتها.
"وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح, فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة
стр. 65
وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية, وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال"١.
ويلفت النظر في هذا الموضوع أن غيرة ابن خلدون على الدين لم تمنعه من الاعتراف بالنتائج التي يتوصل إليها عقله وملاحظاته العلمية, حتى وإن كانت ذات صبغة مادية. ومن الأمثلة على ذلك ما سبق أن استشهدنا به من كلامه في نهاية بحثنا للفرض الأول, حيث يقول: "فالكل من عند الله، فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب, ومتمول".
٢- يمكن ملاحظة تأثير العنصر العقلاني في كتاباته من التجائه إلى الاستقصاء العقلي بشكل واقعي, وليس بأسلوب أفلاطوني للتحقق من صحة المعلومات التاريخية. وتشتمل المقدمة على عدة أبحاث في هذا الموضوع, سنذكر منها أربعة:
استخدم ابن خلدون في بحث من بحوثه معيارا ديموغرافيا ليدحض رواية المؤرخ الإسلامي المسعودي الذي نقل دون تحقيق قصة جيش بني إسرائيل. فقد قال المسعودي: إن موسى ﵇ قام بعدّ جيشه في الصحراء فوجده يتألف من ستمائة ألف جندي مع استبعاد الأطفال والشيوخ. وأبدى ابن خلدون دهشة كبيرة, إذ إنه إذا كانت كل الروايات التاريخية والدينية تقدر عدد اليهود الذين دخلوا مصر بسبعين, فكيف يمكن أن يتضاعف عددهم بهذا الشكل غير المعقول خلال إقامتهم في مصر فترة, لا تتعدى مائتين وعشرين سنة؟
لجأ ابن خلدون في بحث ثانٍ إلى معرفته السابقة بالحملات العسكرية؛ ليعلن شكه في إمكان قيام جيش قوي كبير مثل جيش التبابعة ملوك اليمن بعبور المساحات الشاسعة التي تمتد من اليمن إلى شمال غرب إفريقيا دون أن يتقابل, أو يلتحم في طريقه بقوى معادية على الأقل للحصول على المؤن اللازمة.
وفي بحث ثالث استعمل ابن خلدون أسلوب البحث الجغرافي؛ ليفند الأساطير الشائعة عن وجود ما يسمى بوادي الرمل في المغرب, يعجز الإنسان عن اختراقه
стр. 66
أو الأسطورة الأخرى عن وجود مدينة في صحراء عدن تشبه الجنة تسمى إرم, نقلت الروايات أنها بُنيت في ثلاثمائة عام, وأنها مدينة عظيمة قصورها من الذهب وأعمدتها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف عديدة من الأشجار والأنهار. وبعد أن يستقصي ابن خلدون أخبارها ومكانها يدلل على كذب هذه الأساطير بالاستشهاد بأقوال بعض الرواة أنفسهم من أن مدينة إرم غائبة ولا يعثر عليها غير أهل السحر. ولهذا يسمي كل هذه الأساطير مزاعم أشبه بالخرافات.
وفي بحث رابع استند ابن خلدون إلى أسلوب البحث التاريخي, وخاصة في شرحه لسبب نكبة البرامكة موالي الدولة العباسية, فكذب المؤرخين الذين ذهبوا إلى أن الرشيد أوقع بهم بسبب سلوك أخته العباسة مع مولاه جعفر بن يحيى بن خالد واكتشاف علاقة آثمة بينهما، ويعلق بأن ذلك من قبيل الروايات المثيرة غير المعقولة, وأن الأسباب الأكثر منطقية لنكبة البرامكة تكمن في خوف هارون الرشيد من تزايد قوتهم التي ظهرت في محاولة فرض سيطرتهم على الدولة العباسية, واستئثارهم بالمناصب الرفيعة بعد إبعاد العرب عنها, واستيلائهم على أموال الجباية وامتلاك الضياع في سائر الممالك, مما أثار حفيظة منافسيهم, فوشوا بهم عند الرشيد. ولعل خير ما يلخص آراء ابن خلدون في هذه البحوث الأربعة قوله: "فلا تثقن بما يلقى إليك من ذلك, وتأمل الأخبار, واعرضها على القوانين الصحيحة يقع لك تمحيصها بأحسن وجه"١.
تصور هذه البحوث الأربعة مدى تأثير العنصر العقلاني في كتاباته, ويؤكد ذلك النتيجة التي توصل إليها من أن العقل البشري يمكنه التمييز بين طبيعة ما هو ممكن وبين المستحيل, وبذلك يتقبل الأشياء أو الأحداث التي تقع في حيز الممكن والمعقول, ويرفض ما عداها.
стр. 67
"فليرجع الإنسان إلى أصوله، وليكن مهيمنا على نفسه, ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته. فما دخل في نطاق الإمكان قبله وما خرج عنه رفضه. وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق, وإنما مرادنا الإمكان بحسب المادة التي للشيء. فإنا إذا نظرنا أصل الشيء وجنسه وصنفه ومقدار عظمه وقوته أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله, وحكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه"١.
ويمكن توضيح الطريقة التي تناول بها ابن خلدون هذا العنصر بالرأي المتطور الذي أبداه عن السبب في اختلاف القوة الذهنية بين الأمم البدوية, والأمم الحضرية. ففي رأيه أن القدرات الذهنية العالية, والمنخفضة لا ترجع إلى أي أسباب عنصرية, وإنما إلى أسلوب الحياة المادي الذي يسلكه الناس في الحصول على معاشهم. وانتقد في ذلك أقرانه من أهل المغرب الذين زاروا المشرق العربي, وبهرهم تقدمه فعادوا ليروجوا رأيا لا يستند إلى أي أساس صحيح, مؤداه أن أهل المشرق بشكل عام متفوقون عقليا. ويرد على ذلك بأنه ليس هناك أي فرق بين عرب المشرق, وعرب المغرب بالنسبة للقدرات الذهنية أو بالنسبة لطبيعتهم الإنسانية. والتفوق الذي قد يلاحظه الإنسان في هذه الحالة يكمن في الذكاء الذي يضيء بتأثير أسلوب الحياة الحضرية. أما الأسباب التي يعطيها الأولوية في إكساب مثل هذا التفوق العقلي فهو الواقع المادي للحياة الحضرية وانتشار الصنائع والتعليم. وإذا عقدت مقارنة بين أمم حضرية وأمم بدوية فإن الإنسان يلاحظ بسهولة مدى ما يتمتع به الحضريون من ذكاء ونفاذ بصيرة.
"حتى إنه ليظن كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل المغرب, وأنهم أشد نباهة.. وليس كذلك
стр. 68
. وإنما الذي فضل به أهل المشرق أهل المغرب هو ما يحصل في النفوس من آثار الحضارة من العقل المزيد كما تقدم في الصنائع.. وذلك أن الحضر لهم آداب في أحوالهم في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا.. ولا شك أن كل صناعة مرتبة يرجع منها إلى النفس أثر يكسبها عقلا جديدا تستعد به لقبول صناعة أخرى, ويتهيأ بها العقل لسرعة الإدراك للمعارف.. وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس"١.
ومعنى هذا أنه إذا استبعدنا سكان المناطق المتطرفة المناخ كما ذكرنا في فقرة أخرى، فإن النظريات المبنية على التصورات الخاطئة عن احتمال تفوق أمة من الأمم في الاستعداد الطبيعي, أو القدرات الذهنية هي فروض لا يمكن إثباتها علميا.
٣- إن تأثير الأسلوب العلمي على كتابات ابن خلدون يمكن العثور عليه في الأمثلة التي ذكرناها حتى الآن, وفي كل فروضه الأساسية سواء تلك التي تتناول أساليبه المنهجية الجديدة, أو ميادين البحث التي اكتشفها وخاصة في مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع.
ولا تختلف الطريقة التي تناول بها العلم عن مثيلاتها بالنسبة لعناصر العمران الأخرى, ونعني بها تفرقته الأساسية بين البداوة والحضارة. وحيث إنه أثبت أن التعليم من المهن التي تتقدم في المدن فقط, فإنه يتبع ذلك أن العلوم لا تزدهر إلا في ظل عمران مستبحر, وحضارة متطورة. فمثلا إذا كانت أمة تعيش عيشة بدائية حيث ينشغل الناس بالكد من أجل إشباع حاجاتهم الأولية من الغذاء والمأوى, فإن العلوم في مثل هذه البيئة والظروف ستكون متخلفة بالتبعية. وبالعكس, فإن الارتفاع المادي لمستوى المعيشة والاستمتاع بالرفاهية يسمح لهذه الأمة بتحويل جانب من الاهتمام والجهد نحو العمل على تقدم العلوم بهدف مواجهة الحاجات المتزايدة للعمران.
стр. 69
"والسبب في ذلك أن تعليم العلوم -كما قدمناه- من جملة الصنائع. وقد كنا قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة؛ لأنه أمر زائد على المعاش. فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان, وهي العلوم والصنائع"١.
٤- تأثرت كتابات ابن خلدون بمفهومه عن الأخلاق, وخاصة تلك التي تناول فيها الشروط اللازمة لتحقيق تماسك العصبية, واستقرار نظام الحكم. فرغم أنه شرح كيف أن نظام الملك يمكن أن ينشأ على أساس زمني وبتدعيم قوة العصبية فقط, فإنه أكد أن مثل هذا الملك لا يمكن استمراره إذا تخلى عن الفضائل السياسية والقيم الأخلاقية. وتمشيا مع تفسيره المادي لعناصر العمران الأخرى, فإنه لاحظ أن التغير الذي حدث في مجتمع بدائي بالتحول من حياة البساطة إلى نوع آخر من الحياة الحضرية المرفهة لا يقل تأثيرا على أخلاقيات الجماعة. فالانتقال إلى المدن والمعيشة في أمان وراء الأسوار التي تحرسها الحامية يضعف الصفات الطبيعية للجماعة مثل: الشجاعة والخشونة والاعتماد على النفس, وتخليهم عن حياتهم البسيطة الأولى يميل بهم إلى التخلق بعادات وطباع جديدة تتلاءم مع ظروف الحياة السهلة, والإفراط في الرفاهية التي تولد الرذيلة.
"وبالعكس من ذلك إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة, حملهم على ارتكاب المذمومات.. فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة, ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم". و"أهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف.. فقد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر.. وأهل البدو, وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم, إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في
стр. 70
شيء من أسباب الشهوات.. فهم أقرب إلى الفطرة الأولى"١.
ويجدر بالذكر أن حقل ملاحظات ابن خلدون -الذي استقى منه افتراضه بأن نمط الحياة المادية يشكل عادات وقوانين العمران- لم يكن قاصرا على مسرح بيئته العربية, وإنما استشهد بالتجارب التاريخية والدينية للأمم الأخرى ليدعم فرضه. من ذلك ما توصل إليه من دراسته العلمية لتاريخ اليهود, والصفات الذميمة التي يشتهرون بها والعداء الذي يثيرونه حولهم أينما حلوا حيث كشف بطريقة موضوعية أن كل ذلك غير مرتبط بهم كجماعة بشرية تتبع دينا معينا بقدر ما هو نتاج الظروف السياسية, وأسلوب الحياة التي يحيونها. وأعطى أمثلة لذلك بالاضطهاد الذي تعرضوا له, وفترات الأسر الطويلة التي عانوا منها٢.
وباختصار، لقد نجح ابن خلدون في عقد مقارنة علمية واضحة بين البداوة والحضارة كشكلين مختلفين من أشكال الحياة الاقتصادية, والاجتماعية. فعلاوة على ما سبق ذكره في هذا الموضوع في فرضنا المنهجي الأول, نلاحظ أن الجماعات البشرية التي تعيش عيشة بدائية تتميز بالبساطة والأمانة والشجاعة والاستقلال, وإن كانت في نفس الوقت تتصف بالخشونة وتعاني من سوء النظام والتخلف. فإذا تغير الأسلوب الاقتصادي لحياتهم تغيرت بالتالي مميزاتهم
стр. 71
الحضارية, بمعنى أن تلك الجماعات البشرية التي تحولت إلى حضرية تصبح حياتها أكثر تعقيدا وتكتسب صفات جديدة منها الذكاء والكيس, وإن كانت أكثر اعتمادا على حماية الدولة القائمة. وتتقدم العلوم وترتقي الفنون بالقياس إلى مستواهما في ظل الحياة الساذجة لمجتمع البداوة. ويحدث هذا على حساب بعض القيم حيث تعاني المبادئ الدينية والأخلاقية كثيرا من هذا التحول. ويمكن أن نستشف من مناقشات ابن خلدون في هذا الموضوع نوعا من التناسب العكسي بين تطور القوى الاقتصادية, وبين تدهور بعض عناصر العمران مثل المبادئ الأخلاقية والدينية. ومن ناحية أخرى هناك تناسب طردي بين نفس ظاهرة تطور القوى الاقتصادية, وبين بعض عناصر العمران الأخرى مثل: العلوم والفنون والحياة السياسية المستقرة١.
والخلاصة: أن مناقشة هذا الفرض المنهجي الثاني تظهر أن العوامل الاقتصادية ليست وحدها المؤثرة في دراسات ابن خلدون, وإنما أثر فيها أيضا بعض عناصر العمران وخاصة الدين الذي رغم كونه أكبر مؤثر بينها, فإن الحقيقة الواضحة هي أن ابن خلدون تناول كل عناصر العمران هذه على ضوء معياره المادي في التمييز بين البداوة والحضارة. وبالمثل, فقد أظهرت المناقشة مدى اهتمامه بتتبع أثر التغير من الشكل الأول إلى الشكل الثاني على عمل, وتطور عناصر العمران.
стр. 72
الفرض الثالث: العلاقة الديناميكية بين الأسباب, والنتائج
يلاحظ الدارس للمقدمة أن ابن خلدون لم يقدم تفسيراته الاقتصادية بشكل جامد. ولإثبات ذلك سنستشهد بتحليله للظواهر إلى أسباب, ونتائج كواحد من أساليبه الجديدة التي طبقها في دراسة العمران البشري والحياة السياسية.
стр. 73
ورغم أن تحليله كان رائدا في هذا المجال, فإنه لم ينظر إلى الأسباب والنتائج نظرة إستاتيكية كأن يظن مثلا بأن الأسباب تظل دائما أسبابا والنتائج دائما نتائج. إن المغزى الحقيقي لمنهج ابن خلدون لا يمكن فهمه تماما ما لم يتم الكشف عن علاقة عامل إضافي وديناميكي بموضوع البحث. ولا نعني بهذا العامل مجرد الاعتراف بفضل ابن خلدون في اكتشاف أسلوب التحليل إلى أسباب ونتائج. إن ما يجتذب الاهتمام حقيقة إلى المقدمة هو أننا لا يمكن أن نجد فيها الأسباب في جانب والنتائج في جانب آخر. فمثل هذا الاستقطاب غريب على فكر ابن خلدون الذي لا يعرف هذا التجريد الأجوف. وبالعكس, فقد بدت له العلاقة بين الخلفية الاقتصادية وتأثيرات عناصر العمران كعملية مرتبطة تمام الارتباط تتحرك باستمرار على شكل سلسلة من ردود الفعل المتبادل. بالإضافة إلى ذلك, فإنه لم يعامل عناصر العمران كقوى ذات فعل متساوٍ لها نفس الأثر في سير الأحداث, وهو ما يمكن ملاحظته على وجه الخصوص بالنسبة لآرائه في الدين التي تشغل في بعض الأحيان قلب المناقشة. وفي الواقع, فإن الميزة الكبيرة لمنهجه هي طابعه العلمي الذي يستبعد إمكان تمتع أي عامل بمفرده بطبيعة, أو صفة مطلقة, ويفترض بدلا من ذلك وجود تأثير نسبي, وردود فعل متبادلة.
ومن الأمثلة المتعددة التي يمكن أن تشرح مثل هذا التفاعل هو العلاقات المتشابكة التي تربط بين طريقة المعيشة وأسلوب الفكر وانتشار العلوم. فكل تطور مادي يأتي برد فعل مماثل في العلاقات الاجتماعية، ومناهج سلوك متباينة تجاه المسائل الزمنية والدينية. وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا التطور المادي سيؤدي إلى زيادة في المهن وفي تقسيم العمل، وكل مهنة تؤثر في النفس والذهن وتفتح آفاق العقل. ويشجع هذا على زيادة انتشار العلوم وازدهارها الذي يزيد الإنسان بالتالي "ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس". ولا نستطيع أن نعثر في هذا التحليل الديناميكي على أي فصل تعسفي بين السبب والنتيجة. فإذا كان تقدم العلوم, والمعرفة هو نتيجة لسبب مادي، فإن نفس
стр. 74
هذه النتيجة تلعب دور السبب في مرحلة أعلى هي تغيير وتهذيب أسلوب التفكير. ولا تتوقف سلسلة ردود الفعل المتبادلة عند هذا الحد؛ لأن الفكر المتطور الذي جاء نتيجة لتفاعل سابق يلعب الآن دور السبب, فيصير حافزا على إشباع حاجات مادية جديدة, وحياة مرفهة تتناسب مع ما وصل إليه صاحب هذا الفكر من تطور١.
وهناك مثل آخر يمكن أن يعزز هذا الفرض المنهجي, وهو وضع العصبية في كل من مجتمعي البداوة والحضارة. ففي مجتمع البداوة نلاحظ أن طبيعة الحياة الخشنة, وشظف العيش يطبع العصبية بعدة صفات أهمها أنها قوة موحدة كلها نشاط وحيوية, قادرة على الدفاع عن الجماعة والسعي من أجل تحقيق أهدافها ضد العصبيات الأخرى والقضاء على الخلافات الداخلية بين أفرادها، والعمل كأداة من أجل دفع عجلة التطور نحو شكل أرقى من أشكال الحياة المادية. وبينما تعتبر العصبية بهيكلها القوي وخصائصها التي تتسم بالحيوية ودورها الكبير في إحداث التغييرات نتيجة مترتبة على هذا النوع من الحياة الصعبة في ظل البداوة, فإن العصبية نفسها وعندما تتهيأ الظروف المادية تلعب دور السبب وتصبح أداة للتغيير, وذلك بالقضاء على نفس هذه الظروف التي خلقتها عندما تقوم الجماعة بفضل عصبيتها بالقضاء على دولة مجاورة وإقامة ملك جديد محلها يتخلى عن الحياة البدوية, وينتقل إلى الحياة الحضرية.
وفي ظل الحضارة تبدأ مرحلة جديدة من التأثيرات المتبادلة -وإن كانت أقل حدة- بين ظروف المعيشة الحضرية ومكونات العصبية, وخاصة دورها الذي يفقد كثيرا من مبررات وجوده. ففي الدفاع تؤدي الحياة الجديدة للجماعة في المدن التي تحميها الأسوار والحراس -بدلا من المعيشة في العراء- إلى تولد مشاعر جديدة غير مألوفة لديها, هي مشاعر الأمن والطمأنينة والاعتماد على الدولة
стр. 75
في الحماية, وتحل النظم والإجراءات الجديدة للبيئة الحاكمة المستقرة محل سلطة رئيس القبيلة في حل المشاكل الداخلية, ومعاقبة الخارجين على النظام. وعلاوة على ذلك, فإن التشبه بالمدنيات السابقة, وانتحال مهن وطرق سهلة للحصول على الرزق يحل محل وسائل السلب والنهب والغزو التي كانت الجماعات البدائية تلجأ إليها للحصول على ضرورات الحياة. وبذلك تقوم سلطة الملك بعد استتباب الحياة الحضرية بالمهام التي كانت تضطلع بها العصبية كما يتأثر هيكلها, وتنحل الروابط التي كانت تجمع بين أفرادها, وتفقد خصائصها المميزه مثل النشاط والحيوية وحب النزال١. ورغم أن الاضمحلال الكبير الذي يعتري هيكل وخصائص ودور العصبية هو أيضا نتيجة لأسلوب الحياة السائدة -في هذه الحياة الحضرية- فإن رد فعل العصبية الضعيف لهذه التأثيرات لا يقارن برد الفعل الديناميكي للعصبية في الحياة البدوية. وبغض النظر عن دورها في نقل السلطة السياسية بين فروع مختلفة من نفس الجماعة -وهي تغيرات غير ذات بال- فإن العصبية التي ضعفت شوكتها تصبح عمليا غير قادرة على إحداث تغيير سياسي أساسي على النمط الذي قامت به من نقل حياة الجماعة من البداوة إلى الحضارة.
فإذا طبقنا ما ذكر في بداية هذا الفرض المنهجي عن الطبيعة الديناميكية لمناقشات ابن خلدون, فإننا لن نجد أيضا استقطابا جامدا للأسباب والنتائج في دراسته لظاهرة العصبية في كل من مجتمعي البداوة والحضارة. إن العصبية في طورها البدائي النشط, وبخصائصها التي سبق شرحها هي نتيجة لأسلوب الحياة الخشن في ظل البداوة. وعندما تتهيأ الظروف المادية نلاحظ أنها تصبح السبب في تغيير هذا اللون من الحياة الاجتماعية إلى لون آخر تماما في ظل الحضارة, ويستمر التفاعل وتبادل المراكز بين الأسباب والنتائج في ظل نعومة ورفاهية الحياة الحضرية التي تكون سببا هذه المرة في ممارسة العديد من التأثيرات الضارة