الفلسفة الماركسية فهي "المفهوم الكلي للطبيعة بما هي كذلك"١.
هناك مناهج خاصة للعلوم المادية التي تبحث في المدركات بالحواس, وذلك بحكم الأهداف المحددة لدراستها, أما الفلسفة التي تختلف عن تلك العلوم, فإنها تستنبط المنهج العام للإدراك وهو المادية الجدلية. وتشكل القوانين العامة لتطور العالم المادي الأساس الموضوعي لتلك المادية, ولا يحل ذلك المنهج محل مناهج العلوم الأخرى, وإن كان يشكل أساسها الفلسفي العام وأداة الإدراك ليس فقط لمجالات الواقع المتفرقة, وإنما لكل ما يتعلق بالطبيعة والمجتمع والفكر دون استثناء أي أداة لفهم العالم ككل٢. ويعتبر الجدل منهجا لتغيير العالم كما أن المنهج الجدلي يتناقض مع منهج ما وراء الطبيعة كما سيأتي ذكره.
من جهة أخرى، تعتبر المادية التاريخية تطبيقا لمبادئ المادية الجدلية على تطور المجتمع الإنساني. فهي نظرية علمية للتطور الاجتماعي, ومنهج للإدراك والتحول الثوري للمجتمع. وتكون كل من المادية الجدلية والمادية التاريخية الأساس النظري للاشتراكية العلمية؛ ومن ثم يعرف الماركسيون فلسفتهم بأنها علم قوانين تطور الطبيعة والمجتمع٣.
стр. 282
المبحث الثاني: المنهج الميتافيزيقي
الميتافيزيقا: كلمة مشتقة من اللغة اليونانية meta ta-Physika, معنى ميتا "ما وراء" وفيزيقا "علم الطبيعة" أي: ما بعد, أو ما وراء الطبيعة. وموضوع الميتافيزيقا حسب مفهوم أرسطو هو دراسة الوجود الذي يوجد وراء الطبيعة, والوجود وراء الطبيعة -أي: الوجود فوق الطبيعي- وجود أبدي لا يتغير
стр. 283
بينما الطبيعة حركة١.
أطلق هيجل على المنهج القديم للفكر والبحث اسم "المنهج الميتافيزيقي". وقد التمست الماركسية العذر لتخلف ذلك المنهج بسبب تخلف العلوم, والظروف الاجتماعية في ذلك الوقت.
فعلم الطبيعة في فجر العلوم كان لا بد أولا أن يتعرف على الأنواع الحية, وأن يصنفها, فالنبات ليس حيوانا والحيوان ليس نباتا، كذلك الفصل جيدا بين الحرارة والضوء ... إلخ؛ خشية الخلط بينها. هكذا ظل العلم فترة طويلة عاجزا عن تحليل الحركة؛ ومن ثم أعطى الأهمية الكبرى للسكون.
وعندما نجحت الدراسة العملية للحركة على يد جاليلو وديكارت, كان ذلك إيذانا بتحولات تدريجية كبيرة في العلوم الطبيعية وفي الإدراك؛ مما أدى إلى تهاوي الإطارات الميتافيزيقية. في ذلك يقول إنجلز:
"عندما تقدمت "دراسة الطبيعة" إلى حيث أصبح التقدم الحاسم ممكنا، وهو الانتقال إلى الدراسة المنسقة للتحولات التي تطرأ على الأشياء في الطبيعة نفسها، أذن التاريخ في هذه اللحظة بنهاية الميتافيزيقا القديمة في مجال الفلسفة"٢.
هكذا لم تكن العلوم لتستطيع في بدايتها إلا أن تستخدم منهجا ميتافيزيقيا, وهو المنهج الذي عممه الفلاسفة اليونان -وخاصة أرسطو- بأن وضعوا عددا معينا من القواعد الكلية, يجب على الفكر أن يتبعها في كل الظروف؛ ليأمن الخطأ، وأطلقوا اسم المنطق على مجموع هذه القواعد.
فموضوع المنطق -كما سبقت الإشارة- هو دراسة المبادئ والقواعد التي يجب أن يتبعها الفكر في بحثه عن الحقيقة. هذه الأسس والقواعد ليست
стр. 284
من نسج الخيال, وإنما مستخلصة من الاحتكاك المتكرر للإنسان بالطبيعة. فالطبيعة هي التي جعلت الإنسان منطقيا, وعلّمته أنه لا يستطيع أن يفعل ما يشاء.
يتناقض المنهج الميتافيزيقي مع المنهج الجدلي، ويمكن تلخيص أهم أوجه التناقض من وجهة النظر الماركسية فيما يلي:
- المنهج الميتافيزيقي يجهل أو ينكر واقع الحركة والتغير، وإنكار الحركة -كما يقول إنجلز- يولد عادة سيئة هي النظر إلى الأشياء الطبيعية والعمليات الحادثة بشكل منفصل لا يلاحظ ارتباطاتها مع الكل الكبير، وكذلك النظر إليها في سكونها وموتها وليس في حركتها وحياتها. أما الجهل بالتغير فمعناه ثبوت الذات، ومنهما تنبثق الأكذوبة الشائعة: "لا جديد تحت الشمس".
كتطبيق مبسط، يرى الميتافيزيقي مثلا أن الرأسمالية نظام أبدي تماما كما كان الفلاسفة الميتافيزيقيون في العصور الوسطى يبشرون بأبدية الرق, واستغلال الأقنان في ظل النظام الإقطاعي.
وثبوت الذات الذي أشرنا إليه هو الذي كان المنطق التقليدي، والمسمى بالمنطق الصوري، يعبر عنه بمبدأ الذاتية أي: الشيء هو نفسه؛ فالنبات هو النبات والحيوان هو الحيوان والحياة هي الحياة والموت هو الموت, ويضع المناطقة هذا المبدأ في صيغة"أ" هي "أ"١.
- المنهج الميتافيزيقي يفصل فصلا تعسفيا بين ما لا ينفصل في مجال الواقع. فالشيء إما أن يكون هذا أو ذاك, ولا يمكن أن يكون هذا وذاك في نفس
стр. 285
الوقت. مثلا: إن الديمقراطية ليست هي الديكتاتورية والديكتاتورية ليست هي الديمقراطية, أي: إن الدولة إما أن تكون ديمقراطية أو ديكتاتورية.
أما الواقع الحي فيختلف عن ذلك اختلافا كليا, حيث نجد أن الدولة في ظل النظام الرأسمالي تكفل الديمقراطية لأقلية من كبار الملاك, ولا تمانع في تمتع الأغلبية من الفئات العاملة والمثقفين ببعض مظاهر تلك الديمقراطية بشرط ممارستها داخل حدود معينة. فإذا لاح شبح تهديد حق الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الرئيسية, وتعرض حكم الرأسمالية للخطر مارست أقسى أشكال الديكتاتورية ضد الطبقات الأخرى. أي: إنه في هذه الحالة يمكن أن تكون الدولة ديمقراطية وديكتاتورية في نفس الوقت.
بالمثل، ينطبق نفس الوضع على الدولة في النظام الاشتراكي الذي يوفر الديمقراطية للأغلبية من العاملين والمثقفين, بينما يمارس الديكتاتورية ضد أقلية من الطبقات المالكة الكبيرة التي نحيت عن السلطة.
يعبر المنطق التقليدي عن ذلك بمبدأ عدم التناقض, بمعنى أنه لا يمكن لشيء أن يكون هو نفسه وضد نفسه في الوقت ذاته. فالنبات ليس هو الحيوان والحيوان ليس هو النبات, والحياة ليست هي الموت والموت ليس هو الحياة, أي: يرى المناطقة أن "أ" ليست "لا أ".
- يؤدي موقف الميتافيزيقي بالفصل بين ما لا ينفصل إلى وضع الأشياء والظواهر متعارضة مع بعضها البعض. ومن ثم الظن بأن الضدين لا يمكن أن يجتمعا في وقت واحد.
فالكائن مثلا إما أن يكون حيا أو ميتا مع عدم تصور أن يكون الكائن حيا وميتا في نفس الوقت, كما هو الحال في الجسم البشري الذي يحمل خلايا جديدة تحل في كل لحظة محل الخلايا التي تموت, أي: صراع مستمر بين قوى متضادة داخل جسم الإنسان.
стр. 286
يسمى المنطق التقليدي ذلك بمبدأ الثالث المرفوع, أو استبعاد الحالة الثالثة, إذ يرى المناطقة أنه ليس هناك وجود لإمكان ثالث بين إمكانين متناقضين. فالكائن إما حيوان أو نبات، وليس هناك إمكان ثالث. كذلك يجب الاختيار بين الحياة والموت، وليس هناك حالة ثالثة. فإذا كانت "أ" و"لا أ" متناقضتين, فإن أي شيء من الأشياء يكون إما "أ" أو "لا أ"١.
رغم ذلك يعتبر المنطق التقليدي مقبولا؛ لأنه يعكس الخبرة المتجمعة خلال قرون عديدة, إلا أنه يصبح غير كافٍ إذا استلزم الأمر التعمق في البحث. فمثلا، يكشف الواقع عن وجود كائنات حية لا يمكن تصنيفها بدقة في باب الحيوانات, ولا في باب النباتات كالإسفنج مثلا فهو نبات وحيوان معا. كذلك ليست هناك حياة مطلقة ولا موت مطلق؛ لأن كل كائن حي يتجدد في صراع ضد الموت في كل لحظة.
معنى ذلك أنه إذا كان المنطق التقليدي مقبولا في حدود معينة, فهو عاجز عن النفاذ إلى أعماق الواقع. فهو ليس كاذبا في حد ذاته, ولكن محاولة تطبيقه بشكل مفتعل خارج حدود إمكانياته يولد الخطأ.
صحيح أن الحيوان ليس نباتا، وسوف يظل ذلك صحيحا؛ لأنه وفقا لمبدأ عدم التناقض يجب أن نحذر الخلط بينهما. فالجدل ليس خلطا ولكن الجدل يقول: إنه صحيح أيضا أن الحيوان والنبات وجهان لا ينفصلان من وجوه الواقع بحيث إن بعض الكائنات حيوانات ونباتات معا, وهو ما يسميه الجدل وحدة الأضداد.
كان المنطق التقليدي إبان وضعه في فجر العلوم يكفي للاستعمال اليومي, فيسمح بتصنيف الأشياء وتمييزها, لكنه يصبح قاصرا إذا تعمقنا في التحليل؛ لأن الوجود الواقعي حركة. ومنطق الذاتية "أهي أ" لا يتيح للأفكار أن تعكس
стр. 287
الوجود الواقعي في حركته، وكذلك لأن هذه الحركة نتاج للتناقضات الباطنة, بينما منطق الذاتية لا يسمح بتصور وحدة الأضداد وانتقالها بعضها إلى بعض.
فالمنطق التقليدي, أو الصوري لا يصل إذًا إلا إلى أقرب الوجوه المباشرة للواقع. أما المنهج الجدلي فيستهدف الوصول إلى كل وجوه الواقع, وتطبيق المنهج الجدلي على قوانين الفكر في المعرفة يسمى المنطق الجدلي. وسنناقش في الفصل التالي المنهج الجدلي المثالي, والتطور المذهبي الذي طرأ عليه على يد ماركس فحوله إلى منهج جدلي مادي.
стр. 288
الفصل الحادي عشر: تطور المنهج الجدلي
المبحث الأول: المنهج الجدلي المثالي
يعود الفضل لفلاسفة اليونان في وضع الخطوط الأولى للجدل؛ فقد كانوا يستخدمون هذه الكلمة لتدل على فن المناقشة واستخلاص الحقيقة بكشف التناقضات في حجج الخصم وإيجاد الحلول لها, ثم استخدم الاصطلاح فيما بعد ليدل على منهج إدراك الحقيقة. وفي الواقع كان الإغريق ينظرون إلى الطبيعة ككل, وكان هرقليطس يعلم الناس أن هذا الكل يتغير, وذلك بقوله: نحن لا ننزل في نفس النهر أبدا.
كذلك يحتل صراع الأضداد مركزا ممتازا لدى فلاسفة اليونان, وخاصة أفلاطون الذي ركز الاهتمام على خصوبة ذلك الصراع, فالأضداد في رأيهم تتوالد بعضها عن بعض. حتى كلمة ديالكتيك "جدل" نفسها مشتقة مباشرة من الكلمة اليونانية ديالجين أي: يجادل، فهي إذًا تعبر عن الصراع بين الأفكار المتعارضة. بالمثل هناك أمثلة أخرى للاستدلال الجدلي لدى أعظم الفلاسفة نفوذا في العصر الحديث, وخاصة ديكارت وسبينوزا١.
стр. 289
أما هيجل, فقد كانت له اليد الطولى في صياغة المنهج الجدلي بشكل متكامل, ولأول مرة في الفترة التالية للثورة الفرنسية التي كان معجبا بها؛ لقضائها على النظام الإقطاعي, مما حفزه إلى القيام بثورة مماثلة في الفكر. ولفهم المنهج الجدلي المثالي، سنشير فيما يلي بإيجاز إلى آراء كل من هيجل وفويرباخ وماركس، مع محاولة حصر تداخل تلك الآراء مع موضوع المبحث التالي في أضيق نطاق ممكن.
تتعدى أهمية أفكار هيجل مجرد التأثير في الفلسفة الألمانية. فما أن أشرف القرن التاسع عشر على نهايته, إلا وكان كبار الفلاسفة الأكاديميين حتى في بريطانيا والولايات المتحدة من الهيجليين على حد قول الفيلسوف البريطاني برتراند راسل١, بل لقد أثرت أفكاره الأخرى غير الفلسفية في رجال الدين البروتستانت الذين تبنوا بعض جوانب مذهبه، كما أثرت فلسفته للتاريخ تأثيرا عميقا في دراسات النظرية السياسية.
غني عن البيان أن كارل ماركس كان في شبابه من أتباع هيجل. ورغم اختلافه معه فيما بعد حول النظرة المثالية للوجود والعالم, فإنه ظل ينظر إليه باحترام كبير هو وزميله إنجلز لإسهامه في تأصيل المنهج الجدلي, الذي كانا يعتبرانه الصورة الأساسية لجميع أنواع الجدل، ويلخص لينين وجهة نظرهما في جدل هيجل بقوله: إنه "أوسع منهج من مناهج التطور وأوفرها مضمونا وأكثرها عمقا، وأثمن اكتساب حققته الفلسفة الكلاسيكية الألمانية.... وكانت كل صيغة أخرى لمبدأ التطور تتراءى لهما وحيدة الجانب، فقيرة المضمون،
стр. 290
تشوه وتفسد السير الواقعي للتطور ... في الطبيعة والمجتمع"١.
لتفصيل ذلك نقول: إن هيجل يعود إليه الفضل الأكبر في صياغة قوانين الجدل الثلاثة الأساسية, وهي الانتقال من التغيرات الكمية إلى التحولات الكيفية، والتناقض وصراع الأضداد، ونفي النفي. ويمثل ذلك الإنجاز الكبير خطوة واسعة على طريق الفكر الفلسفي, أدت إلى تصدع المنهج الميتافيزيقي السائد آنذاك.
إن المقصود بالقول بأن هيجل وضع قوانين الجدل الثلاثة بأسلوب مثالي, هو أنه كفيلسوف كانت له نظرة معينة إلى الكون تقوم على أساس مثالي. وجوهر تلك النظرة أو المذهب الهيجلي هو ما أسماه "الفكرة المطلقة" بمعنى وحدة الفكرة النظرية والعملية التي تجمع في جوفها فكرة الحياة, وفكرة المعرفة. فهي إذًا الصورة الخالصة للفكرة والخالصة للعقل، وهي حين تتأمل مضمونها فإنها لا تتأمل في الوقت نفسه إلا ذاتها فحسب، ويفسر برتراند راسل تلك الفكرة المطلقة بأنها "الفكر المجرد الذي يفكر في ذاته, أي: في الفكر المجرد". هذه الوحدة بين الاثنين يراها هيجل على أنها "المطلق وكل الحقيقة، والفكرة التي تعقل ذاتها"٢.
أما الماركسيون فيرون أن نقطة الانطلاق في فلسفة هيجل هي "الفكرة المطلقة" التي وجدت قبل الطبيعة ومستقلة عنها. وقد وجهوا نقدهم إلى تلك المقولة على أساس أنها ليست سوى تأليه للوعي الإنساني الذي فصله هيجل عن المادة والطبيعة, وجعله مواجها لهما كقوة مبدعة عليا لكل ما هو موجود. إلا أن هيجل وضع تلك الفكرة في إطار جدلي, فاعتبر أنها تؤدي من خلال تطورها
стр. 291
وتبدلها الدائمين إلى خلق الطبيعة والإنسان والمجتمع الإنساني. ويلعب هذا الأخير في رأيه دور "الوجود الخارجي" لهذه "الفكرة المطلقة" المؤلهة.
هذا الغلاف المثالي, أو المذهب المثالي كما يسميه البعض لم يمنع القوانين الثلاثة للجدل التي وضعها هيجل من أن تلعب دورها كاملا في تطوير الفكر الفلسفي, وإرساء أساس قوي للمنهج الجدلي. يقول ماركس في ذلك: "إن الإطار المثالي الذي غلف الجدل الهيجلي لم يمنع هذا الرجل مطلقا من أن يكون أول من عرض الصورة العامة للجدل بطريقة واعية, وشاملة"١.
ونظرا للعلاقة الوثيقة لهذا الأسلوب الفكري بمثيله لدى ماركس, سنشير إلى أوجه التشابه والاختلاف بينهما دون انتظار لدراسة المنهج الجدلي المادي في المبحث التالي. لقد كان هيجل يوحد بين المنهج الجدلي ومذهبه المثالي, ويربط بينهما برباط وثيق يعبر عنه بقوله: "إن المنهج لا ينفصل عن موضوعه، إنه المضمون في ذاته وما يكمن في هذا المضمون من جدل هو الذي يحركه"٢.
على العكس من ذلك, نجد أن ماركس نزع الغلاف المثالي ثم وحّد بين المنهج الجدلي, ومذهبه المادي معتبرا أنهما يشكلان معا وحدة عضوية لا تنفصم. وقد تأثر مذهبه من الناحية الفلسفية بكتابات أحد أتباع هيجل الآخرين, وهو لودقيج فويرباخ الذي انتقد فلسفة هيجل المثالية, وتبنى موقفا ماديا يدافع عن أولوية المادة وثانوية الوعي.
أما فويرباخ٣, فإنه خلافا لمثالية مذهب هيجل، احتل الإنسان
стр. 292
مركز الصدارة في فلسفته. والمقصود هنا هو الإنسان، كوجود مادي فسيولوجي له مشاعر وتفكير يتعرف على الطبيعة الموجودة وجودا موضوعيا. أي: إنه لم يكن يعتقد بوجود شيء آخر أعلى من الطبيعة. وإذا كان هيجل قد قلل من دور الحس كأداة من أدوات المعرفة, فإن فويرباخ أكد على الأهمية الكبرى للحس كأداة تعكس بصدق الواقع الطبيعي المحسوس في الفكر الإنساني. رغم ذلك يظل فويرباخ متخلفا عن هيجل من حيث المنهج, حيث إنه لم يفهم على الإطلاق الجانب الخلاق في جدلية أستاذه, وبهذا استمر في المواقع الميتافيزيقية من حيث تفسير الطبيعة.
والخلاصة هي: أن فويرباخ بينما كان متخلفا بالنسبة للمنهج الجدلي لهيجل, فإنه كان أكثر تقدمية منه في مجال الفكر الاجتماعي, إذ أصبح المعبر الأيديولوجي عن البرجوازية الديمقراطية في ألمانيا خلال فترة الإعداد لثورة عام ١٨٤٨.
وإزاء منهج هيجل الجدلي المثالي, يختلف موقف فويرباخ الذي أوضحناه عن موقف ماركس. فقد أعجب ماركس بذلك المنهج واستوعبه جيدا, ولكن بعد أن نزع عنه غلافه المثالي كما ذكرنا ثم استعان به وطبقه في تحليلاته المتعددة, بدءا بكتابه الأم "رأس المال". أي: إن هناك نقطة اتفاق أساسية تربط بين هيجل وماركس, كما تفرق بينهما نقطة خلاف أساسية أيضا.
يتفق ماركس مع هيجل تماما في رفض المنهج الميتافيزيقي الذي شرحناه في الفصل العاشر أعلاه, وهو منهج الاستقرار والسكون والهوية المجردة، منهج النظرة المحدودة الضيقة, وحيدة الجانب, فقيرة المضمون. كما يتفق معه أيضا على أن المنهج الجدلي لهيجل هو الوحيد القادر على كشف الحقيقة, وهو المنهج الأمثل لدراسة العالم دراسة دقيقة توصل إلى المعرفة اليقينية.
ولكن ماركس يختلف مع هيجل تماما أيضا بسبب مذهبه المثالي, ونظرته الفلسفية للكون التي اقترنت بمنهجه. هيجل المثالي يبدأ من الفكر، بينما يبدأ ماركس من المادة وهو مظهر جديد من مظاهر الخلاف الأزلي بين مدارس
стр. 293
الفكر المادي والمثالي منذ مئات القرون١. يقول إنجلز في ذلك: "نحن لا ندافع أبدا عن وجهة النظر الهيجلية التي تتخذ من الروح أو العقل أو الفكرة نقطة بدء، وتعتبر العالم الواقعي نسخة من هذه الفكرة، ولقد سبقنا فويرباخ إلى ذلك ورفضها ... ولكن بعد ذلك كله يبقى الجدل الهيجلي".
الخلاصة هي: أنه بينما يتفق ماركس مع هيجل على المنهج الجدلي, فإنهما يختلفان حول طبيعته. ويشرح ماركس ذلك في إحدى مراسلاته, قائلا: "إن دورينج يعرف تماما أن منهجي ليس هو المنهج الهيجلي طالما أني مادي وهيجل مثالي. إن الجدل الهيجلي هو الصورة الأساسية لجميع أنواع الجدل، ولكن بعد أن ننزع عنه غلافه المثالي، وهذا بالضبط هو ما يميز منهجي عن منهجه"٢.
стр. 294
المبحث الثاني: المنهج الجدلي المادي
يقول هيجل: إن الحقيقة ليست مجموعة من المبادئ المقررة, إنما هي عملية تاريخية وانتقال من درجات دنيا إلى درجات عليا في المعرفة, وحركتها هي حركة العلم نفسه. أما العلم, فإنه لا يمكن أن يتقدم إلا بنقد نتائجه هو باستمرار والقدرة على تخطيها. أي: إن محرك كل تغير عند هيجل هو صراع الأضداد.
رغم ذلك يعتبر الماركسيون هيجل مفكرا مثاليا؛ لاعتقاده بأن الطبيعة والتاريخ البشري هما مظهران للفكرة المطلقة, أي: إن الوجود المادي نتاج للفكرة. يعلق إنجلز على ذلك بقوله:
стр. 295
"إن التطور الجدلي الذي يظهر في الطبيعة والتاريخ، أي: التسلسل العلمي للتقدم في سيره الحتمي من الأدنى إلى الأعلى خلال كل الحركات الملتوية, والتراجعات المؤقتة. هذا التطور الجدلي عند هيجل ليس ... إلا انعكاسا للحركة الكامنة الذاتية للفكرة ... وهذا الوضع الفكري المقلوب هو الذي كان يهمنا استبعاده. فقد اعتبرنا.... أفكار مخنا، من وجهة النظر المادية، انعكاسات للأشياء بدلا من أن نعتبر الأشياء الواقعية انعكاسات لهذه المرحلة أو تلك من مراحل الفكرة المطلقة. ومن هنا تحول الجدل إلى علم القوانين الكلية للحركة في العالم الخارجي, وفي الفكر البشري على السوء ... "١.
يعلق ماركس أيضا: "إن منهجي الجدلي لا يختلف في أساسه عن المنهج الهيجلي فحسب, بل هو نقيضه تماما. فحركة الفكر التي يجعلها هيجل ذاتا يسميها الفكرة، هي عنده صانعة الواقع، وليس هذا الواقع إلا الصورة الظاهرية للفكرة. أما عندي, فحركة الفكر ليست على العكس إلا انعكاسا للحركة الواقعية منقولة, ومحولة إلى المخ البشري"٢.
يعزو الماركسيون هذا الانقلاب في موقف ماركس وإنجلز من فلسفة هيجل إلى التقدم الكبير الذي أحرزته العلوم الطبيعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر, وأوائل القرن التاسع عشر مما حدا بهما إلى التفكير في أن الجدل يقوم على أساس موضوعي. ومن هذه الاكتشافات العلمية الحاسمة:
- اكتشاف الخلية الحية التي تترقى منها أشد العضويات تركيبا.
- اكتشاف تحول الطاقة. فالحرارة والكهرباء والمغناطيسية والطاقة الكيماوية
стр. 296
وغيرها هي صور مختلفة كيفيا لواقع مادي واحد.
اكتشاف داروين في كتابه أصل الأنواع أن كل الكائنات الحية نتاج تطور طبيعي اعتمادا على بحوثه في علم الحفريات, وعلى الحيوانات المختلفة١.
هذا بالإضافة إلى تقدم العلوم الأخرى مثل نظرية كانت ولابلاس التي تفسر المجموعة الشمسية بإرجاعها إلى سديمية من السديميات، ومولد علم الجيولوجيا التي ساعدت كلها مجتمعة على فهم الطابع الجدلي للطبيعة بوصفها وحدة لكل هائل في صيرورة, أي: في حالة تحول مستمر وفقا لقوانين حتمية وتولد باستمرار وجوها جديدة، وإدراك أن النوع البشري والمجتمعات البشرية هي لحظة في هذه الصيرورة الكونية٢.
يضيف الماركسيون أن تأصيل المنهج الجدلي, وزيادة خصوبته كانتا تسيران جنبا إلى جنب مع تقدم العلوم الطبيعية. فمثلا لم يستطع المفكرون الماديون قبل ماركس -ديدرو، هيلقيشيوس في القرن الثامن عشر- اكتشاف المنهج الجدلي؛ لأن علوم المادة الحية كانت لا تزال في مهدها. فالمادية الجدلية نفسها لم تظهر إلا بعد التقدم العلمي الذي أثبت فكرة التطور وتغير نوع إلى آخر, وهي الفكرة الجدلية الأولى.
ولا يجب أن ننسى أنه في القرن الثامن عشر أيضا كانت الميكانيكا العقلية لنيوتن هي السائدة, وهي التي لم تكن تعرف سوى أبسط أشكال الحركة أي: التغير المكاني وإنكار التحولات الكيفية في الطبيعة. ولعل هذا هو السبب في تسمية مادية القرنين السابع عشر والثامن عشر بالمادية الميكانيكية٣ التي
стр. 297
يعتبرها الماركسيون ميتافيزيقية؛ لعدم فهمها لحقيقة التغير وتجاهلها لصراع الأضداد بصفة خاصة.
ما هو الجدل إذًا؟ وما هو دوره؟ وما هي علاقته بالميتافيزيقا؟ يقول إنجلز: "ينظر الجدل إلى الأشياء والتصورات في تسلسلها, وفي علاقاتها المتبادلة وفعلها المتبادل والتحول الذي ينتج عن ذلك, وفي نشأتها وتطورها وانهيارها".
هكذا يتعارض الجدل من جميع النواحي مع الميتافيزيقا ليس لأنه لا يعترف بالسكون, ولا بالفصل بين مختلف وجوه العالم الواقعي, بل لأنه يرى في السكون وجها نسبيا من وجوه الواقع بينما الحركة مطلقة، كما يرى أن كل فصل بين الأشياء هو فصل نسبي؛ لأنها تترابط بطريقة أو بأخرى وتتفاعل كلها مع بعضها١.
يهتم الجدل بالحركة في كل عصورها سواء كانت تغيرا مكانيا, أو تغيرا من حالة كمية إلى أخرى كيفية, ويفسرها على أساس قانون صراع الأضداد الذي يعتبر أهم قوانين الجدل. فكل الأشياء والظواهر تحتوي على جوانب متعارضة, وإن كانت مرتبطة عضويا؛ ومن ثم تشكل الوحدة التي لا تنفصم بين الأضداد.
نشاهد ذلك في التناقضات بين السالب والموجب داخل الذرة، وفي التفاعلات الكيميائية، وفي الخصائص المتعارضة للكائن العضوي بين المحافظة على الصفات الوراثية وبين القدرة على تطوير صفات جديدة بهدف التكيف مع الوسط والبيئة، وفي النشاط الذهني للإنسان بين الانفعال والكبت، وفي عمليات المعرفة بين الاستقراء والاستنباط والتحليل والتركيب وفي المجتمع الواحد بين أمراء الإقطاع والأقنان أو بين الرأسمالية والعمال. وبينما يعزل الميتافيزيقي بين الأضداد, يرى الجدلي استحالة وجود بعضها دون البعض الآخر, وإن كل حركة أو تغير أو تحول لا يفسره إلا صراع الأضداد٢.
стр. 298
يقول إنجلز: "كل كائن عضوي يكون في كل لحظة هو نفسه وليس هو نفسه؛ لأنه في كل لحظة يتمثل مواد غريبة ويستبعد أخرى. وبعد زمن طويل أو قصير تكون مادة هذا الجسم قد تجددت تماما, وحلت محلها ذرات أخرى من المادة.
وإذا نظرنا إلى الأشياء عن كثب, لوجدنا أيضا أن قطبي تناقض ما، كالموجب والسالب مثلا، لا ينفصلان بقدر ما هما متنافران. فبالرغم من أن لكل منهما قيمة النقيض antithesis فهما متداخلان تداخلا مشتركا. وشبيه بذلك العلة والمعلول "أو السبب والنتيجة" فهما تصوران لا قيمة لهما إلا عند تطبيقهما على حالة جزئية.
إلا أنه بمجرد النظر إلى هذه الحالة الجزئية في ارتباطها الكلي بمجموع العالم، يذوب هذان التصوران وينحلان بالنسبة إلى الفعل المتبادل الشامل الذي تستبدل فيه العلل والمعلولات بعضها بعضا باستمرار. فما كان الآن أو ههنا معلولا يصبح علة هناك أو فيما بعد, والعكس بالعكس"١.
يسير الأمر على نفس الوتيرة في المجتمع, حيث توجد وحدة وصراع الأضداد في صورة صراع الطبقات، كما أن صراع الأضداد هنا كما هو محرك للتطور هو أيضا محرك للفكر٢.
تتضح من ذلك الأهمية الكبيرة التي يحتلها الجدل في هذا المنهج المادي؛ ولهذا نشير إلى أهم معانيه طبقا للمفهوم الماركسي. فالجدل قد يعني واحدة أو أكثر من النقاط التالية، فهو:
- فن البحث في حقيقة الآراء, واختبار مدى صحة المناقشة.
- المناقشة المنطقية.
стр. 299
- نقد التناقضات الميتافيزيقية, والحلول التي تقدم وفقا لها.
- دراسة التناقض في جوهر الأشياء.
- دراسة القوانين التي تفسر تطور المجتمع.
وأخيرا، ودون الدخول في تفصيلات جديدة, تجدر الإشارة إلى القوانين الثلاثة الأساسية التي تبنتها المادية الجدلية, وهي: وحدة وصراع الأضداد كمحرك للتطور، الانتقال من التغيرات الكمية البطيئة إلى التحولات الكيفية العنيفة والمفاجئة، نفي النفي أي: انتقال الفعل أو الإدراك أو المعرفة بعد سلسلة من العمليات إلى مرحة أعلى وأرقى.
стр. 300
الباب الرابع: البحث العلمي في السياسة
الفصل الثاني عشر: العلم والمنهج
مدخل
...
الباب الرابع: البحث العلمي في السياسة
الفصل الثاني عشر: العلم والمنهج
استكمالا للدراسة، نشرح بإيجاز المقصود من كلمة العلم والعلاقة بينه وبين المنهج مؤكدين على الملاحظة الهامة السابقة, وهي أن المنهج العلمي ليس نهجا ميكانيكيا تقليديا يجمع البيانات بلا تمييز, ولا يلقي بالا إلى الجهد الخلاق أو عبقرية علماء السياسة.
إن العكس هو الصحيح, إذ إن مجرد اختيار الموضوع أو المشكلة هو ضرب من العمل الخلاق للباحث الذي يؤرقه الفضول والخيال المبدع للتوصل إلى الحقيقة. أي: إن أكثر المناهج تقدما وعلمية ما هي إلا أدوات مساعدة في يد الباحث, لا تستطيع أن تعوضه عن كفاءاته الذاتية إذا انخفض مستواها.
إن المناهج التقليدية, وكذلك المناهج الحديثة ليست بديلا عن توفر مستوى معقول من الذكاء ونفاذ البصيرة وصدق الحدس, بل حتى ومس من العبقرية التي تساعد الباحث مجتمعة على طرح الأسئلة الملائمة وإدراك كنه علاقة ما لم يفطن إليها عالم من قبل, أو لم يقدرها أحد حق قدرها١.
стр. 301
المبحث الأول: شروط ارتقاء المعرفة إلى مرتبة العلم
التحقيق من صحة المعرفة
...
المبحث الأول: شروط ارتقاء المعرفة إلى مرتبة العلم
يشتمل العلم على معرفة منهجية ذات صبغة عامة, ويمكن التأكد من صحتها. من هنا تنبع أهمية دراسات المنهج التي تزود الباحث بالوسائل الفنية التي تمكنه من التأكد من سلامة الأسس التي تقوم عليها المعرفة. بعبارة أخرى: يجب توفر شروط ثلاثة قبل أن نضفي على المعرفة شرف التسمية بأنها علم. تلك الشروط هي: إمكانية التحقق من صحة المعرفة, وأن تتوفر لها المنهجية, وكذلك أكبر قدر ممكن من الشمول والعمومية.
١- التحقق من صحة المعرفة:
يقال: إن فرضا ما قد تحققت صحته إذا كان قد تمت مراجعته واختباره من قبل الباحثين المتخصصين في ذلك الحقل من المعرفة, وأجمعوا على إجازة الأخذ والعمل به على أساس الأدلة التي تدعمه أو نتيجة إثبات التجربة بشكل منتظم بصحة التنبؤات التي بنيت على أساس ذلك الفرض.
لكن إذا كانت المعرفة لكي تسمى علمية لا بد من التثبت من صحتها، فإنه ينبني على ذلك أن العلم نفسه يجب أن يكون تجريبيا, أي: أن تكون البيانات والتعبيرات العلمية تصويرا لعالم الواقع. وترتبط كلمة علم بنوع واحد من المعرفة المعتمدة على الملاحظة والتجريب, وإمكانية نقلها من شخص لآخر وليس على النظريات أو المعرفة المعيارية.
فالعلم حسب هذا الاتجاه المتطرف -الذي يلقى معارضة داخل دوائر الفكر الليبرالي نفسه- يتعلق بما كان موجودا فعلا أو ما هو كائن أو ما سيكون, بغض النظر عما يجب أن يكون أو بمعرفة ما وراء الطبيعة.
وتختلف معتقدات العلماء كثيرا كما سبقت الإشارة حول القيم والمعايير وموضوعات ما وراء الطبيعة. لكن العالم حسب الاتجاه الذي نعرضه الآن لا يؤيد, أو يدحض تلك المعتقدات؛ لأنها لا تقوم على العلم الذي لا يهتم إلا
стр. 302
بوصف الواقع. ومن ثم تحده إمكانيات المشاهدة, فلا يتعرض لشيء خارج نطاقها, وما عدا ذلك فليس علما١.
كذلك إذا كانت المعرفة العلمية يجب التثبت من صحتها, فإن الوسائل المستخدمة في الحصول عليها يجب أن تكون موضع ثقة ويعول عليها. فإذا أدى تطبيق باحثين أكفاء مختلفين لوسيلة أو منهج ما إلى إعطاء نتائج مختلفة, فإن تلك الوسيلة لن يمكن التعويل عليها. لقد كانت الرغبة في الحصول على وسائل يمكن الاطمئنان إليها، ومحاولة التحقق من صحة المعرفة هما العاملان الرئيسيان وراء تبني الباحثين للمناهج الكمية.
стр. 303
٢- المنهجية:
يقال عن المعرفة: إنها منهجية, إذا كانت منظومة في هيكل واضح، ورتبت العلاقات الهامة التي تشتملها بشكل مفهوم. ولتوفير المنهجية يبحث العلماء عن أوجه التشابه والاختلاف والعلاقات المتبادلة والعلاقات السببية، ومحاولة الانتقال من الحقائق الفردية إلى الحقائق العامة، ومن المعرفة المبنية على حقائق متفرقة إلى معرفة أرقى للارتباطات القائمة بينها. إن المثل الأعلى للعلم هو تحقيق الترابط المنهجي للحقائق١.
стр. 304
٣- الشمول والعمومية:
تنطوي المفاهيم على تعميمات أو أحكام عامة من نوع ما. أي: إنها تشير إلى وجود قدر كافٍ من التشابه بين أشياء معينة يبرر تصنيفها مع بعضها البعض وإعطاءها نفس الاسم. هذا ويمكن الانتقال إلى مستويات أعلى من التعميم كلما أمكن استخدام مفاهيم, ووضع تعبيرات تنطبق على عدد من الأشياء والأحداث في أية مجموعة واحدة, أو تصنيف واحد.
تكمن أهمية التعميم في أن التفسير والتنبؤ هما -من الأهداف الكبرى للبحث العلمي- اللذان يستلزمان الاستخدام الضمني أو الصريح لتعميمات أو أحكام عامة مثل القواعد, والقوانين, والنظريات.
إذا أخذنا حادثا مثل اعتداء اليابان على قاعدة بيرل هاربر خلال الحرب العالمية الثانية, فإنه يصلح كأساس لتفسير إعلان الولايات المتحدة للحرب على اليابان. ومن ثم نستخلص حكما عاما بأنه عندما تحدث مثل تلك الاعتداءات, فإن هناك احتمالا كبيرا أو توقعا لحدوث رد فعل كإعلان الحرب.
فالهدف من العلم إذًا هو تطوير وسيلة إطلاق الأحكام العامة حتى يتيسر للباحث القيام بعمليتي التفسير والتنبؤ بأقصى درجة ممكنة من الدقة، ومن ثم إتاحة الفرصة للمتخصصين للسيطرة على الظاهرة, أو توجيه الأحداث لخدمة هدف ما١.
لكن العلم ليس مجرد مجموعة من المعارف التي تم التحقق من صحتها, والتي تتمتع بالمنهجية والشمول. علاوة على ذلك، هنالك عامل هام وحيوي, وهو أن العلم لا يعرف السكون, وإنما هو حركة دائمة للبحث في المجهول لاستكشافه. أي: إنه إذا توقف السعي من أجل الحصول على معرفة جديدة, فقد العلم جوهره.
стр. 305
المبحث الثاني: خطوات المنهج العلمي
هناك خطوات معينة يتبع بعضها أو كلها عند تناول موضوع أو ظاهرة ما بالبحث, وذلك سواء في العلوم الاجتماعية أو العلوم الطبيعية. والخطوات الموضحة أدناه هي مجرد سرد موجز لما أورده أرنولد بريشت مع تعليقات لكارل فريدريش وموريس ديفرجيه ودافيد شفارتز ومادلين جرافيتز١.
لمزيد من التفاصيل, أو التقييم يتحتم الرجوع إلى المؤلفات المذكورة ولغيرها من المؤلفات التي وردت بدراستنا. وخطوات المنهج العلمي هي:
١- الملاحظة أو المشاهدة Observation:
هي ملاحظة الأشياء والظواهر التي يمكن ملاحظتها, وقبول أو عدم قبول صحة ما تمت ملاحظته.
٢- الوصف Description:
هو وصف ما تمت ملاحظته، ثم قبول أو عدم قبول صحة وملاءمة ذلك الوصف.
٣- القياس Measurement:
هو قياس ما يكون بطبيعته قابلا لذلك. ويمكن اعتبار القياس نوعا خاصا من الملاحظة والوصف, وإن كان لأهميته يصنف في بند مستقل.
٤- القبول أو الرفض:
"مؤقتا" لنتائج الخطوات الثلاث السابقة: الملاحظة والوصف والقياس كحقائق أو وقائع.
стр. 306
٥- تعميم استقرائي "مؤقت" lnductive generalisation:
وذلك للحقائق الفردية المقبولة في الخطوة السابقة على شكل فرض واقعي Factual Hypothesis.
٦- تفسير "مؤقت" Explantion:
للحقائق الفردية المقبولة في ٤، أو الأحكام العامة الواقعية بالاستقراء "في ٥" وصياغة التفسير كعلاقة سببية على شكل فرض نظري Theoretical hypothesis.
٧- الاستنباط المنطقي Logical deductive reasoning:
من الأحكام العامة الاستقرائية "في ٥" أو الفروض التفسيرية "في ٦" لتوضيح ما تتضمنه بالنسبة لملاحظات أخرى محتملة "في ١"، أو فيما يتعلق بحقائق سبق التسليم بها "في ٤"، أو أحكام عامة واقعية "في ٥" أو تفسيرات نظرية "في ٦".
٨- الاختبار Testing:
بواسطة مزيد من عمليات الملاحظة "من ١-٤" لما تم قبوله مؤقتا من مشاهدات وتقارير وقياس كما سبقت الإشارة "من ١-٣" واختبار نتائجها, وهل هي حقائق فعلا "في ٤", أو توقعات مؤقتة؟ وما إذا كان هناك ما يسوغ وضعها بالشكل الذي انتهت إليه "في ٧".
٩- التصحيح Correcting:
تصحيح ما سبق قبوله مؤقتا من ملاحظات, وتصحيح نتائجها "من ١-٤"، والأحكام العامة الاستقرائية "٥"، والفروض التفسيرية "٦" حيثما تعارضت مع ملاحظات أخرى مقبولة، وأحكام عامة، وتفسيرات، أو تصحيح تلك الأخيرة.
١٠- التنبؤ Predicting:
بالأحداث أو الظروف المتوقعة كنتيجة لأحداث أو ظروف ماضية أو
стр. 307
حالية أو مستقبلية، أو نتيجة لأية مجموعة محتملة من الأحداث والظروف:
أ- إما لاختبار الفروض الواقعية والنظرية "في ٥، ٦" وهذا يماثل الخطوتين ٧، ٨.
ب- أو للإسهام العملي في عملية الاختيار بين خطط العمل البديلة.
١١- الرفض Nonacceptance:
رفض كل البيانات التي لم يتم الحصول عليها أو التأكد منها عن طريق المنهج السابق، وخاصة رفض الفروض البديهية aprioripropositions إلا إذا قدمت كفروض مؤقتة Tentetive assumptions, أو فروض عمل working hypotheses.
стр. 308
المبحث الثالث: أساليب حديثة لزيادة فعالية خطوات المنهج العلمي
نضيف إلى تلك الخطوات السابقة بعض الأساليب الحديثة التي اقترحها شفارتز لزيادة فعالية الوسائل المستخدمة في عمليات المشاهدة والوصف والقياس, وتحسين أدوات البحث تدعيما لقدرة الدارس على اختبار صحة الفروض, وتفسير الظواهر والأحداث السياسية.
وأهم اقتراحاته هي:
- دراسة أنواع السلوك غير الكلامي باستخدام الوسائل الفنية الحديثة للتسجيل التليفزيوني والسينمائي.
- دراسة الخصائص الصوتية, والتغيرات التي تطرأ عليها خلال الأحاديث السياسية باستخدام شرائط التسجيل الصوتية.
- الاستفادة بالتجارب المعملية في مجال السياسة بقدر الإمكان, ومتابعة أحداث الجماهير في حقل تجمعها.
يعلل شفارتز اقتراحاته لتطوير وسائل المشاهدة والوصف والقياس بالقصور الذي أسفرت عنه الوسائل التقليدية, إذ تحدث أحيانا أخطاء كثيرة عند أخذ
стр. 309
العينات, أو إجراء الاستفهامات والمقابلات التي كثيرا ما تجري في زمان ومكان مختلفين عما تمت فيهما الحادثة, أو الظاهرة مما يترتب عليه تلك الأخطاء المشار إليها.
وترجع الأخطاء إلى عدة أسباب, منها احتمال عدم اهتمام الشخص الذي توجه إليه الاستفهامات بالظاهرة موضوع الدراسة, أو عدم دقته في وصفها، أو عدم إتقانه فن الحديث, أو نسيانه لجوانب هامة منها.
يندرج تحت الوسائل الحديثة أيضا الاهتمام بالتغييرات التي تطرأ على أسلوب الكلام, وعلى الأصوات من حيث درجة قوتها أو ضعفها, ومدى الانطلاق أو التعثر في الحديث أو الخطابة كمؤشرات لقياس الحالة النفسية للأفراد، أو الزعماء خلال المواقف السياسية المختلفة.
ملاحظات هامة على خطوات المنهج العلمي:
- لا يعني الترقيم السابق أن المنهج العلمي يلتزم به بنفس الترتيب١، إذ يحدث العكس في الحياة العملية حيث يبدأ الباحث بالمخاطرة بوضع فرض عمل مؤقت, قد يقوم على مجرد معلومات سطحية عن الحقائق بهدف استخدامه كبالون اختبار يؤدي إلى بحث أكثر منهجية.
- لضمان عملية البحث يجب أن يحدد الدارس لنفسه مجموعة من الأفكار المؤقتة حول:
الهدف من دراسته, أي: ماهية السؤال الذي يبحث عن إجابة له.
مدى قوة صلة ذلك السؤال أو الموضوع بالمعرفة الإنسانية بشكل عام؛ تمييزا له عما قد يكون ذا أهمية خاصة للباحث.
مدى صلة الخطوات العلمية التي سيتخذها الدارس بالإجابة التي يبحث
стр. 310
عنها. أي: مدى التوفيق في اختيار المداخل والوسائل المناسبة وأدوات البحث.
- لا يجب أن يتطرق إلى الذهن أن خطوات المنهج العلمي التي ذكرناها تظل كل منها بمنأى عن الأخرى بالشكل الوارد بالترقيم, إذ غالبا ما يحدث في البحث العلمي التطبيقي أن يتم وضع الفرض ثم اختباره عن طريق الملاحظة بسرعة قد يبدو معها أنهما خطوة واحدة, وليسا سلسلة خطوات. يحدث ذلك مثلا عندما تتتابع بسرعة عمليات التفكير الاستقرائي والاستنباطي.
ولا يخلّ هذا بالضرورة العلمية من ناحية التحليل, حيث لا بد من التمييز بين كل خطوة من تلك الخطوات على حدة.
ثم بحمد الله
стр. 311
المراجع:
المراجع العربية:
أحمد أمين وزكي نجيب محمود, قصة الفلسفة الحديثة، القاهرة ١٩٣٦.
إمام عبد الفتاح إمام, المنهج الجدلي عند هيجل، القاهرة ١٩٦٩.
أنور الجندي, مقدمات المناهج "العودة إلى منابع الفكر الإسلامي الأصيل"، القاهرة ١٩٧٧.
توفيق الطويل, أسس الفلسفة، الطبعة السادسة، القاهرة ١٩٧٦.
جلال محمد موسى, منهج البحث العلمي عند العرب "في مجال العلوم الطبيعية والكونية"، بيروت ١٩٧٢.
جماعة من العلماء السوفيت, المادية الديالكتيكية، تعريب بدر الدين السباعي، فؤاد مرعي، عدنان جاموس، الطبعة الثالثة، دمشق ١٩٧٣.
جميل صليبا, المعجم الفلسفي، بيروت ١٩٧١.
جورج بوليتزير, جي بيس, موريس كافين, المبادئ الأساسية للفلسفة، تعريب إسماعيل المهدوي، القاهرة ١٩٥٧.
جورج بوليتزير, المادية والمثالية في الفلسفة، تعريب إسماعيل المهدوي، القاهرة ١٩٥٧.
حسن صعب, علم السياسة، الطبعة الرابعة، بيروت ١٩٧٦.
ريجيس جوليفيه, المذاهب الوجودية "من كير كجارد إلى جان بول سارتر"، تعريب فؤاد كامل، القاهرة ١٩٦٦.
زكريا إبراهيم, مشكلة الفلسفة، القاهرة ١٩٧١.
زكي نجيب محمود, نحو فلسفة علمية، القاهرة ١٩٥٨.
стр. 312
سيد أبو المجد, "الملكات العقلية في القرآن الكريم"، محاضرات الموسم الثقافي الثاني لجامعة الأزهر، القاهرة، نوفمبر ١٩٥٩.
عبد الرحمن بدوي, مناهج البحث العلمي، القاهرة ١٩٦٨.
نيتشه، الطبعة الثانية، القاهرة ١٩٥٤.
عبد الرحمن بن خلدون, المقدمة "لكتاب العبر ... ", تونس ١٣٧٤، طبعة الدكتور علي عبد الواحد وافي، القاهرة ١٩٥٧.
عبد الرضا حسين الطعان, علم السياسة "المحاولات السلبية لتحديد موضوعه"، بغداد ١٩٧٠.
علي سامي النشار, مناهج البحث عند مفكري الإسلام "ونقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي"، القاهرة ١٩٤٧.
نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الطبعة السادسة، القاهرة ١٩٧٥.
علي الوردي, منطق ابن خلدون، القاهرة ١٩٦٢.
فاضل زكي محمد, الفكر السياسي العربي الإسلامي، بغداد ١٩٧٦.
ف كيلي، م. كوفالزون, المادية التاريخية، تعريب أحمد داود، دمشق ١٩٧٠.
محمد محمود ربيع, النظرية السياسية لابن خلدون "بالإنجليزية"، لايدن ١٩٦٧.
"منهج ابن خلدون في علم العمران"، مجلة مصر المعاصرة، العدد ٣٤٠، القاهرة, إبريل ١٩٧٠.
"هل تتحكم القومية أو الدين في تطور التاريخ؟ "، دراسة أيديولوجية مقارنة، مجلة العلوم السياسية والقانونية، بغداد, حزيران ١٩٧٦.
стр. 313
محمود قاسم, المنطق الحديث ومناهج البحث، الطبعة الخامسة، القاهرة ١٩٦٧.
نجيب بلدي, ديكارت، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، القاهرة ١٩٥٩.
ياسين خليل, منطق المعرفة العلمية "تحليل منطقي للأفكار والقضايا والأنظمة في المعرفة التجريبية والبرهانية, الجزء الأول من نظرية العلم", بنغازي ١٩٧١.
منطق البحث العلمي "تحليل منطقي لأصول الفكر العلمي والطرق العلمية في ضوء النظريات المعاصرة, الجزء الثاني من نظرية العلم"، بغداد ١٩٧٤.
стр. 314
المراجع الإنجليزية:
Afanasyev, V.— Marxist Philosophy "A Popular Outline", Moscow.
Aiken, Henry D. The Age of Ideology "The ١٩th Century Philosophers", New York ١٩٥٦.
Apter, David.- "A Comparative Method for the Study of Politics", in: The American Journal of Sociology, Vol. LXIV, No. ٣, Nov. ١٩٥٨; reprinted in: Harry Eckstein and D. Apter, Comparative Politics "A Reader", New York, London ١٩٦٣.
Aron, Raymond. "Political Science in France", in: Contemporary Political Science, UNESCO, Publication No. ٤٢٦, Paris ١٩٥٠.
Barents, Jan. Political Science in Western Europe "A Trend Report", London ١٩٦١.
Barnes, Harry E., ed.. An Introduction to the History of Sociology, abridged edition, Chicago, London ١٩٦٦.
— "Sociology Before Comte", J in: American Journal of Sociology, XXIII, ١٩١٧.
Becker, H. and Barnes, H.. Social Thought from Lore to Science, New York ١٩٦١.
Biswas, Ajit K.. "Some Observations on Methodological Issues In Economic Research", in: A. K. Dasgupta,
стр. 315
Methodology of Economic Research, London ١٩٦٨.
Bochenski, J. M. The Methods of Contemporary Thought, New York and Evanston ١٩٦٨. Brecht, Arnold. Political Theory "The Foundations of Twentieth Century Political Thought", Princeton, New Jersey ١٩٥٩.
Butler, D. E.. The Study of Political Behaviour, London ١٩٥٨.
Carnap, Rudolf___ The Logical Syntax of Language, London ١٩٥٩.
Crick, Bernard. In Defence of Politics, Middlesex England ١٩٧٣.
Day, Richard R.. "Dialectical Method in the Political Writings of Lenin and Bukharin", in: Canadian Journal of Political Science, X, ٢, June ١٩٧٦.
Dewey, John. "Development of American Pragmation", in: Contemporary American Philosophy, Vol. II
____ Logic "The Theory of Inquiry", New York ١٩٣٨.
Easton, David. The Political System, New York ١٩٥٣.
Eisenmann, Charles. "On the Matter and Methods of the Political Sciences", in: Contemporary Political Science "A Survey of Methods, Research and Teaching", UNESCO, Publication No. ٤٢٦, Paris ١٩٥٠.
Engels, Friedrich.Anti - Diihring "Herr Eugen Diihring's Revolution in Science", Moscow ١٩٥٤.
____ "Ludwig Feuerbach and The End of Classical German Philosophy", in: Marx Engels, Selected Works, Vol. II, Moscow ١٩٥٥.
____ "Dialectics of Nature" , in: H. Selsam, H. Martel, Reader in Marxist Philosophy, New York ١٩٦٣.
Fischel, W. J. __ "Ibn Khaldun on the Bible, Judaism and the Jews", in: Goldziher Memorial Volume, Part ٢, Jerusalem ١٩٥٨.
стр. 316
Frey, Frederick W. — "Cross- Cultural Survey Reaserch in Political Science", in: Robert T. Holt and John E. Turner, eds., The Methodology of Comparative Research, New York ١٩٧٠.
Friedrich, Carl J. — Man and His Government "An Empirical Theory of Politics", New York ١٩٦٣. Frohock, Fred M. — "Notes on the Concept of Politics: Weber, Easton, Strauss", in: The Journal of Politics, Vol. ٣٦, No. ٢, Gainesville Florida, May ١٩٧٤.
Gibb, Hamilton A. R. — "The Background of Ibn Khaldun's Political Theory", in: S.J. Shaw and W. R. Polk, eds., Studies on the Civilization of Islam, Boston ١٩٦٢.
Golembiewski, Robert T., et. al. — A Methodological Primer for Political Scientists, Chicago ١٩٦٩.
Gould, Julius; Kolb, William, eds. — A Dictionary of the Social Sciences, UNESCO, New York ١٩٦٤.
Greaves, H. R. G. — The Foundations of Political Theory, Second ed., London ١٩٦٦.
Hertzberg, Arthur, ed. — The Zionist Idea "A Historical Analysis and Reader", New York ١٩٦٦.
Holt, Robert T.; Turner, John E., eds. — The Methodology of Comparative Research, New York ١٩٧٠.
Hudson, W. D., ed. — The Is - Ought Question, New York ١٩٦٩. Iovchuk, M. — Philosophical Traditions Today, Moscow ١٩٧٣.
James, William — Pragmatism "and four essays from the Meaning of Truth", Cleveland and New York ١٩٦٣.
Kaplan, A. — The Conduct of Inquiry "Methodology for Behavioural Sciences", San Francisco ١٩٦٤.
Key Jr., V. O. — Politics, Parties & Pressure Groups, New York ١٩٦٤.
Mac CIosky, Herbert — Political Inquiry: The Nature and
стр. 317
Uses of Survey Research, London ١٩٦٩.
MacCormick, Thomas C; Francis, Roy G. — Methods of Research in the Behavioral Sciences, New York ١٩٥٨.
Macridis, Roy C. — The Study of Comparative Government, Garden City, N. Y. ١٩٥٥.
Mahdi, Muhsin — Ibn Khaldun's Philosophy of History, London ١٩٥٧.
Mannheim, Karl — Ideology and Utopia "An Introduction to the Sociology of Knowledge", London i٩٦٠.
Marshal, T.H. — Sociology at the Crossroads, London ١٩٦٣.
Martindale, Don — Community Character and Civilization, London ١٩٦٣.
Marx, Karl — Capital "A Critical Analysis of Capitalist Production", Vol. ١, Moscow ١٩٦٥.
Marx Engels — Selected Works, Vol. ١, Moscow ١٩٥٥.
Mathews, Donald R. — The Social Background of political Decision - Makers, Garden City, N. Y. ١٩٥٤.
Mathisen, Trygve — Methodology in The Study of International Relations, Oslo ١٩٥٩.
Morgenthau, Hans J. — Politics Among' Nations, New York ١٩٥٤. Myrdal, Gunar — Economic Theory and Underdeveloped Regions, London ١٩٥٧.
Nachmias, David and Chava — Research Methods in the Social Sciences, London ١٩٧٦.
Nellis, John R. — A Theory of Ideology "The Tanzanian Example", Nairobi ١٩٧٢.
Northrop, F.S.C. — The Logic of the Sciences and the Humanities, New York ١٩٤٧.
Oizerman, Theodor — Problems of The History of Philosophy, Moscow ١٩٧٣.
стр. 318
Park, B.E.; Burgess E. W. — Introduction to The Science of Sociology, reprinted in: Lewis A. Coser, Bernard Rosenberg, Sociological Theory, New York, London ١٩٦٦.
Parsons, Talcott — The Structure of Social Action, New York ١٩٣٧.
Pennock, J. Roland; Smith, David G. — Political Science "An Introduction.," New York and London ١٩٦٤.
Plato — The Republic, The Penguin Classics, London ١٩٦٣-Plekhanov, Georgi — Selected Philosophical Works, Vol. ١, Moscow ١٩٧٤.
Rabie, Muhammad M. — The Political Theory of Ibn Khaldun, Lyden ١٩٦٧.
____ "Regionalism and Universalism in Political Thought" in: L'Egypte Contemporaine, No. ٣٣٨, Oct. ١٩٦٩.
Rosenthal, Erwin — Political Thought in Medieva.l Islam, Cambridge ١٩٥٨.
____ "Ebn Khaldun: A North African Muslim Thinker of the Fourteenth Century" , in: Bulletin of the John Rylands Library, Vol. ٢٤, ٢, ١٩٤٠.
____ "Ebn Khaldun's attitude to the Falasifa", in: Al-Andalus, Vol. ٢٠, ١, ١٩٥٥.
____ The Listener, London, April ١٧, ١٩٥٨.
Rosenthal M.; Yudin P., eds. — A Dictionary of Philosophy, Moscow ١٩٦٧.
Runes, Dagobert D., ed. — Dictionary of Philosophy, ١٥th revised ed., Totowa, New Jersey ١٩٦٥.
Russel, Bertrand — History of Western Philosophy "and its Connection with Political and Social Circumstances from the Earliest Times to the Present Day", London ١٩٤٨.
Sabine , George H. — A History of Political Theory, third ed., London ١٩٦٣.
стр. 319
Sanger, Richard A. — Insurgent Era, Washington D. C. ١٩٦٧.
Sarton, George — A History of Ancient Science "Through The Golden Age of Greece", Cambridge, Massachusetts ١٩٥٩.
Schelling, Thomas C. — "The Strategy of Conflict:
Prospectus for a Reorientation of Game Theory", in: Journal of Conflict Resolution, ٢, Sep. ١٩٥٨.
Schwartz, David C. — "Toward a More Relevant and Rigorous Political Science", in: The Journal of Politics, Vol. ٣٦, No. ١, Feb. ١٩٧٤.
____ "The Ecology of Political Violence", in: Amerian Behavioural Scientist, ٢, July-Aug. ١٩٦٨.
Sharif, M.M., ed. — A History of Muslim Philosophy, Vol. II, Wiesbaden ١٩٦٦.
Sorokin, Pitirim — Society, Culture and Personality, New York ١٩٦٢.
____ Social and Cultural Dynamics, Vol. ٢, New York ١٩٣٧.
Tumanov, V.A. — Contemporary Bourgeois Legal Thought "A Marxist Evaluation of the Basic Concepts", Moscow ١٩٧٤. Van Dyke, Vernon — Political Science "A Philosophical Analysis", London ١٩٦٠.
Wasby, Stephen L. — Political Science "The Discipline and its Dimensions, An Introduction", New York ١٩٧٠.
Weber, Max — "Class, Status, Party", in: H.H. Gerth, C. Wright Mills, eds., From Max Weber "Essays in Sociology", London ١٩٦١.
____ Max Weber on The Methodology of the Social, Sciences, trans, and ed. by E. A. Shils, H. A. Finch New York ١٩٤٩.
Wensinck, R. A.J. — The Muslim Creed, Cambridge ١٩٣٢.
стр. 320
White, Morton — The Age of Analysis "The ٢٠th Century Philosophers", Eighth printing, New York ١٩٦٣.
Wirt, Morey, Brakeman — Introductory Problems in Political Research, Englewood Cliffs, N. J. ١٩٧٠.
Young, Roland, ed. — Approaches to the Study of Politics, Evans ton ١٩٥٨.
Znaniecki, Florian — The Social Role of the Man of Knowledge, partly reprinted in: Lewis A. Coser, B. Rosenberg, Sociological Theory, New York, London ١٩٦٦.