← Прочие науки

Прочие науки · id 10009

مناهج البحث في العلوم السياسية

محمد محمود ربيع

Полный текст (328 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

على أنه لا بد من كلمة حق تقال في هذا المجال, وهي أن تلك المشكلة الأخيرة يعاني منها الباحثون بشكل نسبي, وبدرجات متفاوتة. بمعنى أنه يندر أن يتجرد هؤلاء في اختيارهم للمشاكل أو في أبحاثهم عموما من تأثير ولاءاتهم أو انتماءاتهم السياسية والدينية والاجتماعية, وإن ادعى كثيرون بغير ذلك، فالموضوعية في البحث العلمي -كما هو معروف- شيء نسبي١.

стр. 247

المبحث الثاني: مداخل بحث تركز على الاعتبارات الايديولوجية مدخل ... المبحث الثاني: مداخل بحث تركز على الاعتبارات الأيديولوجية قبل أن يتبنى الباحث المدخل الأيديولوجي لا بد وأن يكون على دراية تامة, وبالتالي أن يحدد موقفه من الصراع المستعر بين اتجاهين ينادي أولهما "ممثلا أساسا في الفلسفتين الوضعية, والوضعية المنطقية" باستقلال العلم عن القيم وعدم الاعتراف بما يعجز المنهج العلمي عن إثبات صحته أو وجوده, بينما ينادي الثاني بدرجات متفاوتة بصعوبة الفصل بين الاثنين. ويندرج تحت هذا الاتجاه الماركسيون وبعض الليبراليين الذين اكتشفوا عقم الاتجاه الأول. لقد تعرضت الفلسفة السياسية لأشكال كثيرة من الهجوم والنقد, وخاصة في أوائل القرن الحالي على أيدي المطالبين بالتحرر من سطوة القيم في الدراسات العلمية من أمثال ماكس فيير الذي وجدت كتاباته صدى كبيرا لدى عدد من علماء السياسة كأرنولد بريشت٢ الذي يعد من أبرز من عبر عن اتجاه

стр. 248

فيير القائم على ضرورة استقلال العلم عن القيم, أي: التمييز بين عمليات التفسير والتقييم في العلوم الاجتماعية, وما يترتب عليه من الدعوة للحياد إزاء القيم. كان من أهم أوجه النقد أن الفلسفة السياسية ما هي إلا سلسلة من التفسيرات للأيديولوجيات، وأنها تحمل تبريرات لأفكار مسبقة تمثل في الغالب طبقة معينة, أو أية مصالح أخرى. أي: إن الفلسفة السياسية لا تقوم على الأسس العلمية للمشاهدة والوصف والقياس والتحليل, وإنما هي معيارية تشتمل في رأيهم على قيم ومعايير مستهلكة. إلا أنه ليس هناك اتفاق على هذا الموقف حتى بين المفكرين الليبراليين أنفسهم. فكارل يواكيم فريدريش مثلا -رغم تسليمه بأخطاء بعض الفروض التي وردت في كتب أفلاطون الثلاثة: الجمهورية, والسياسة, والقوانين- يتساءل متعجبا: هل كان أفلاطون مخطئا في إصراره على أن القانون والحق هما المشكلتان اللتان تواجهان كل مجتمع سياسي؟ يطرح ذلك موضوع العدالة وبالتالي يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل: ما هي الفضيلة؟ وما هو المعيار؟ ثم يرفض فريدريش ما ذهب إليه هارولد لا سويل -متأثرا في ذلك بديوي ونور ثروب- من أن دراسة "المشاكل" نفسها كمدخل هي السمة المميزة لعلم السياسة, بمعنى استبعاد أية قيم معيارية من الدراسة. ويتساءل فريدريش ثانية: هل تنكر أي عالم مدقق في أي وقت لأولوية دراسة "المشاكل"؟ ١.

стр. 249

يستند تحد آخر لاتجاه الحياد ذلك -عبر عنه تشارلس تيلور- إلى التفرقة بين القواعد التي يقوم عليها الخير, وتلك التي تقوم عليها الميول. يحتاج الخير إلى تفسير, وليست كذلك الميول أخذا في الاعتبار بأن التفسير والبحث عن الأسباب إنما يستمدان من حقل التجربة١. ويمكن القول: إنه بعد تجارب طويلة في حقول دراساتهم الأكاديمية، فإن أعدادا متزايدة من هؤلاء المفكرين يبتعدون أكثر فأكثر عن الاتجاه المتطرف الذي ساد الأحقاب الأولى من القرن الحالي, وبدءوا يسلمون باستحالة الفصل التحكمي بين حقلي التجريب والقيم.

стр. 250

يحفل الأدب السياسي بالكثير من المرادفات في هذا الشأن. فقد جرت العادة على التمييز بين النظريات التي تقوم على التجريب وتلك التي تعتمد على القيم، أو بين السلوكية -وهو التعبير الذي يستخدمه البعض في الولايات المتحدة للأسلوب التجريبي- وبين الفلسفة السياسية. ويحلو للبعض أحيانا أن يميزوا بين ما هو كائن، وبين ما يجب أن يكون وهو شكل آخر لنفس الخلاف. يسلم بعض المفكرين بأن طوفان الكتابات حول هذا الخلاف المستعر بين المثقفين إنما يعكس تمييزا مصطنعا بين وسائل المعرفة المختلفة؛ لأن القرارات السياسية هي بطبيعتها تتأثر بقيم صانعيها. لهذا, فإنه لا داعي لافتراض وجود انقسام أو تعارض بين النظريات التجريبية, وتلك المستمدة من القيم حيث إنها متكاملة وتعتمد كل منها على الأخرى. إن التفرقة بين مجالات التفسير والتقييم ليست بالوضع الذي يتصوره البعض, كما وأن الفصل بينهما ليس في صالح أي منهما١. توضح كتابات أخرى نفس التمرد على المغالاة في اتجاه النسبية حول هذا الموضوع, وترى ضرورة الاستفادة من الأسلوبين والدمج التام بينهما في عملية تطوير نظريات تجريبية تسترشد بالقيم. يضيفون إلى ذلك مزية أخرى, وهي أنه بتطوير تلك النماذج التجريبية ذات القيم يساعد كل أسلوب منهما على كشف قصور الأسلوب الآخر, ومن ثم يلفت الانتباه إلى ضرورة تعديله وتحسينه٢.

стр. 251

ثم يصل النقد أقصاه بتعرية الادعاء بإمكان وجود موضوعية كاملة في البحث العلمي, وعدم تأثر الباحث بأية اعتبارات بيئية أو قيم ذاتية. ففي الواقع العملي يقوم علماء السياسة باختيار وتنظيم المادة التي يستعملونها في بحوثهم أو محاضراتهم. وهم يحتاجون من أجل ذلك إلى إجراء عمليات انتقاء حقيقة ما دون حقيقة أخرى, أو شكل تنظيمي معين دون شكل آخر, أو خطة بحث دون أخرى وهكذا. قد تكون عملية الانتقاء عشوائية, ولكنها في الأغلب الأعم ليست كذلك, وإنما تحكمها معايير يأخذ بها كل باحث١. وقد عبر عالم آخر عن ذلك بقوله: إنه رغم المطالبة ببحوث محايدة, أو خالية من القيم فإن عدم وجود معيار متفق عليه لاختيار الموضوعات الهامة للدراسة يدفع العلماء إلى اختيار موضوعات أخرى تتفق مع مصالحهم الخاصة، واختيار المتغيرات التي يدرسونها من تلك الموضوعات. "وإذا كنا عاجزين عن تنحية قيمنا جانبا بشكل كامل في اختيار ما ندرس, فإن ذلك يبرز نقدا هاما هو أن التفرقة بين الحقائق والقيم تتناقض مع تجربتنا الذاتية"٢. إذا انتقلنا لكلمة أيديولوجية نفسها، فقد نستطيع فهم معانيها إذا تذكرنا أن للناس معتقدات حول ما يمكن اعتباره حقائق وقيما. فهم يعتقدون أن بعض التعبيرات, أو الفروض تمثل أوصافا صادقة للواقع الحي، كما يعتقدون أن هناك تعبيرات وفروضا أخرى تشير إلى ما هو حسن وحقيقي وعادل. أي: إنهم يحتفظون بمعتقدات حول ما هو قائم فعلا، وحول ما يجب أن يكون. فمن ناحية، لا يمكن تسمية المعتقدات التي تقتصر على الواقع بالأيديولوجية, وهو ما يعني أن تلك الأخيرة لا يمكن أن تكون وصفية خالصة. من ناحية

стр. 252

أخرى يجب أن يشتمل البناء الفكري على معتقدات تدور حول قيم حتى يمكن القول بوجود أيديولوجية، وهو ما يعني في هذه الحالة الثانية أن الأيديولوجيات معيارية دائما -على الأقل في جانب منها- أي: إنها تعكس أو توحي بمفاهيم حول "ما يجب أن يكون"١. يطلق اصطلاح أيديولوجية أحيانا على أية مجموعة من المعتقدات تدور حول "ما يجب أن يكون" بشرط أن تكون تلك المعتقدات متماسكة ومترابطة منطقيا، وبالتالي فإنه يمكن إطلاق هذا الاصطلاح على أي بناء فكري ذي صفة معيارية، هذا ويرتبط الإيمان بمجموعة من القيم عادة بالاستعداد لتقبل بعض فروض وصفية ذات طابع نسبي. فهؤلاء الذين يؤمنون بالأيديولوجية الليبرالية مثلا يؤكدون -من منطلق أنها قيمة من القيم- أن شخصية الإنسان جديرة بالتبجيل, وأن كرامته يجب أن تصان وتحترم. في نفس الوقت يعتقدون أن البشر قادرون من الناحية الواقعية على حكم أنفسهم ديمقراطيا, وأن الحكومة الديمقراطية غالبا ما تحترم الفرد وتحافظ على كرامته. بمعنى آخر, فإن قبول الناس للخضوع لنظام ديمقراطي مشروط بتحقيق قيمة من القيم. أما الماركسيون فينتقدون القيم الرأسمالية للحكم، على أساس أن العبرة بالأفعال وليس بالأقوال, إذ ما فائدة النصوص الدستورية أو الشعارات التي تتحدث كثيرا عن احترم الفرد, وصون كرامته إذا لم تكفل حرية التعبير عن الرأي, وفقا للمفهوم الليبرالي؟ إن الاغتيالات التي يتعرض لها زعماء حركة الحقوق المدنية, والمعاملة التي لقيها المعارضون لحرب فيتنام لا يمكن بحال أن تنهض كأدلة على احترام النظم السياسية الليبرالية للفرد أو صيانة كرامته. تلك هي بعض التفسيرات التي يسوقها الماركسيون لأسباب الفشل في تحقيق القيم

стр. 253

الليبرالية في مجال الواقع, ويطرحون من جانبهم قيما أخرى, شارحين وسائل تحقيقها. ثم أدخل كارل مانهايم تعديلات على المفهوم السابق للأيديولوجية, وأضاف إليه أن المعتقدات ترتبط بوضع المشاهد الذي يعيش في بيئة ما. فخبرة الناس التي يكتسبونها من المعيشة في المجتمع هي التي تصوغ مفهومهم لطبيعة مصالحهم، وبالتالي فإنهم ينظرون إلى المشاكل الاجتماعية على ضوء مصالحهم. فمعتقداتهم إذًا -أي: أيديولوجياتهم- هي انعكاسات لمصالحهم, ولا يصح تناولها كشيء واقعي١. إن الجدير بالملاحظة أن النتيجة التي انتهى إليها مانهايم من أن كل المعتقدات تتأثر بمصالح معتنقيها وبوضعهم الاجتماعي تتفق مع رأي ماركس القائل بأن الأفكار هي من خلق ظروف الحياة المادية المتغيرة. ويقر مانهايم أن المعيار الاسمي للخطأ والصواب يكمن في اختبار الشيء ذاته وإن كان يستدرك بأن ذلك الاختبار ليس عملا منعزلا, بل يتم في وضع يتأثر بالقيم والدوافع الإرادية٢. وبغض النظر عن المفهوم الذي سيؤخذ به لاصطلاح أيديولوجية، فإن ما يمكن أن يسمى بمعتقدات أيديولوجية تزود معتنقيها بدوافع ومبررات للعمل مع ما يصحبها من قواعد وتعاليم. وعندما تشتمل تلك المعتقدات على أيديولوجية فإنها -أي: المعتقدات- لا تكون عشوائية فجة, وإنما ترتبط ببعضها في بناء فكري متماسك.

стр. 254

تحفظات على استخدام المدخل الأيديولوجي: يعتمد هذا المدخل على الفرض القائل بأن العقائد هي دليل العمل, وإن كان هذا لا يعني أن جميع المشاكل قد انتهت؛ إذ الواقع أنه تظل هناك بعض التحفظات التي تستلزم توخي الحرص والحذر في الدراسة, نذكر منها ما يلي: - تتسم المعتقدات التي تتكون منها الأيديولوجية بأنها ليست دقيقة دائما, وإنما على العكس من ذلك فإنها غالبا ما تكون مبهمة وقابلة للتشكيل بطرق مختلفة حسب اختلاف العصر, والأشخاص المؤمنين بها. - قد يكون مفهوم شخص ما للأيديولوجية التي يعتنقها في طريقه إلى التغير. هنا يتعين معرفة وقياس مدى التغير وسببه, والاتجاه الذي يسير فيه. - قد يفسر الأفراد الأيديولوجية التي يؤمنون بها تفسيرات متعددة قد تنتهي بالاتفاق أو قد تنحرف عن مفهومها ومسارها. وتبدو أهمية ذلك عندما تكون الأيديولوجية دليلا تسترشد به حركة سياسية ما حيث يصبح للاتفاق, أو الاختلاف في التفسير مغزى خاص. ويعتبر تاريخ الأديان, والأيديولوجيات السياسية مجالا خصبا لمثل تلك الدراسات, حيث يدعي كل حزب أو تكتل أو فريق أن مفهومه للدين أو المذهب هو المفهوم الوحيد الصحيح, وما عداه مروق عن تعاليم السماء أو انحراف عن الخط السليم للمذهب السياسي, مع ما يتبع ذلك من انقسامات وظهور فرق جديدة, وحجج مضادة قد يصل الصراع بينها إلى حد القطيعة, أو اللجوء إلى العنف. - لا يقتصر الغموض فقط على الأيديولوجيات نفسها وقابليتها للتفسير بطرق متعددة, وإنما ينسحب أيضا على الأوضاع التي تطبق فيها من حيث ما قد يشوبها من ارتباك وخلط. مثال ذلك وجهة النظر الماركسية التي ترى أن الأحداث التاريخية تتعرض لحركات مد, وجزر ثوري.

стр. 255

لمواجهة ذلك يخطط الماركسيون بوضع إستراتيجيات معينة لمواجهة الأوضاع التي تسودها حالة من المد الثوري, كما يضعون إستراتيجيات أخرى لمواجهة أوضاع الجزر الثوري. لكن يثور الخلاف حول المعايير التي استخدمت للحكم على أوضاع ما بأنها تمثل حالة من المد أو الجزر الثوري، ومدى إمكانية الاعتماد على تلك المعايير، وهو ما تعكسه الآراء المتباينة للماركسيين أنفسهم حول الموضوع. لهذا يتحتم على غير الماركسيين الذين يحاولون استخدام الأيديولوجية كمدخل للتفسير, أو التنبؤ أن يهتموا ليس فقط بالطريقة التي يفسر بها الماركسيون -باتجاهاتهم المتعددة- المذهب الماركسي, وإنما أن يهتموا أيضا بطريقة تعريفهم للوضع والخلفية اللذين يتم فيهما تطبيق ذلك المذهب. - قد تظهر مشكلة أخرى نتيجة انتماء الشخص لأيديولوجيات متعارضة, مثلا الليبرالية أو الماركسية من جانب علاوة على القومية. ورغم أن تلك الأيديولوجيات قد تتفق من عدة أوجه, إلا أنه من المؤكد أن تظهر بعض المتناقضات خلال الممارسة اليومية مما يدفع الفرد بشكل ما إلى الاختيار بينها. في تلك الحالة، يجب أن يشمل تفسير سلوك ما, أو التنبؤ به تفسيرا -أو تنبؤا أيضا- بالاختيارات التي تمت بين الأيديولوجيات التي تتنافس على ولاء الفرد. - قد يكون من المستحسن تجنب الافتراض الذي يرى أن الاعتبارات الأيديولوجية تؤثر وتتحكم في كل الأفعال. فمشاعر الطموح, والرغبات الشخصية مثلا ليست لها طبيعة أيديولوجية ومع ذلك فهي تحل أحيانا محل الأيديولوجية في التأثير على سلوك الفرد لدرجة أن الدوافع الشخصية للأشخاص الذين يحتلون مراكز سياسية حساسة قد تكون لها أهمية كبيرة في تشكيل سير الأحداث. أي: إنه مع الاعتراف بأن معرفة الأيديولوجية, أو الأيديولوجيات

стр. 256

التي يؤمن بها الفرد مفيدة غالبا في تفسير سلوكه أو التنبؤ به، فإن تلك المعرفة ليست دائما سهلة عند التطبيق١. رغم كل تلك التحفظات, يجب عدم المغالاة في الصعوبات التي قد تعترض الباحث عند استعماله لهذا المدخل الذي أثبت فائدة كبيرة في تفسير الأسباب, والخلفيات وراء قيام نظم الحكم في الدول الرأسمالية والفاشية والاشتراكية، وكذلك شرح أسباب ونتائج الحركة القومية التي اجتاحت أوروبا ثم بقية أنحاء العالم بعد ذلك. ولا شك أنه سيكون من دواعي الاستغراب أن يقوم باحث بوصف التطورات السياسية الهامة التي حدثت في العالم خلال الأحقاب القليلة الماضية دون أن يشير إلى واحدة, أو أكثر من تلك الأيديولوجيات. ليس هذا فقط، بل إن مهمة الباحث عند محاولته تفسير أو التنبؤ بسلوك شخص ما في بريطانيا أو الولايات المتحدة مثلا ستكون أسهل بكثير لو توفرت لديه معلومات صحيحة يعتمد عليها حول انتماءات ذلك الشخص, وما إذا كان رجعيا أو محافظا أو تقدميا. ولو أننا اتخذنا من اتساع المكان المخصص لدراسة مداخل البحث مقياسا لمدى فائدتها لتعين إفساح مكان أكبر لتلك الفروض التي تركز على الاعتبارات الأيديولوجية.

стр. 257

المبحث الثالث: المدخل السلوكي انتشرت في السنين الأخيرة مصطلحات تتحدث عن العلوم السلوكية والسلوك السياسي، والمدخل السلوكي. وينسحب اصطلاح "العلوم السلوكية" على كل العلوم التي توجه اهتماما خاصا لسلوك الحيوانات, وخاصة الإنسان. بهذا المفهوم, فإن كل العلوم الاجتماعية بما فيها التاريخ وعلم النفس تعتبر علوما سلوكية. كذلك, فإن اصطلاح "السلوك السياسي" يعني كل أنواع

стр. 258

النشاط السياسي الإنساني، كما أن دراسة السلوك السياسي هي بعينها دراسة السياسة، وليست فقط فرعا أو مجالا واحدا منها. يمكن تمييز المدخل السلوكي عن طريق معرفة طبيعة الهدف الذي يخدمه. فإذا أخذنا في الاعتبار أنه هدف علمي لكان للفظ هدف في هذا السياق عدة معانٍ منها: تطوير التعميمات أو الأحكام العامة حول السلوك السياسي, بمعنى وضع فروض للعلاقات السياسية، واكتشاف أوجه التماثل والاتساق أو اكتشاف القوانين، واقتراح النظريات. وكلما كان مستوى التعميم رفيعا, زادت قيمة العمل العلمي. تعني عملية الهدف أيضا, وفي نفس الوقت الإصرار بلا كلل على تمحيص التعميمات, وأن تكون تلك بدورها قابلة للتمحيص للتأكد من صحتها. هذا مع تجنب الفروض المعيارية حيث إن الهدف هو الوصف بما في ذلك تفسير السلوك المعياري. وتعني المطالبة بالتحقق من التعميمات اللجوء إلى التجريب والاعتماد على الملاحظة, وليس على الحقائق البديهية، والدقة في تعريف المفاهيم، والوضوح في صياغة الفروض وإطلاق اصطلاح فروض على التعميمات حتى تثبت صحتها. بالإضافة إلى العمومية والقابلية للتمحيص، فإن مفهوم الهدف العلمي يفيد المنهج ضمنا, أي: إن الهدف هو تطوير مجموعة من التعميمات أو الأحكام العامة التي ثبتت صحتها, والتي يمكن أن تكون معا بناء متماسكا لتعطي وصفا شاملا, وتفسيرا لمجال السلوك قيد البحث١. من ناحية أخرى، يمكن تمييز المدخل السلوكي بواسطة الأساليب المستعملة في البحث, بحيث تكون تلك قادرة على التوصل إلى نتائج يعتد بها

стр. 259

وفي نفس الوقت تسمح بتكرار اللجوء إليها, أي: إنه إذا قام شخص آخر بالدراسة, فسيصل إلى نفس النتائج. يرتبط المدخل السلوكي أيضا, علاوة على الهدف والأسلوب بنوع السؤال المطروح, أو نوع البحث المطلوب. وقد سبق القول: إنه في مجال الوصف تتحدد الأسئلة بتلك التي يمكن تقديم إجابات يعول عليها, اعتمادا على الأساليب المتاحة. فإذا حدث تناقض بين الرغبة في الوصول إلى مستوى عالٍ من التعميم, وبين الرغبة في تحقيق درجة عالية من الثقة, فإن تلك الأخيرة يجب أن تسود. إن الدارس الذي يتبنى المدخل السلوكي لا يطرح أسئلة عامة نتيجة لتأثره بالمفاهيم الوضعية. فهو لا يسأل مثلا عن سبب تحلل وانهيار الإمبراطورية الرومانية، وما إذا كانت القوة العسكرية المتاحة للدول الاشتراكية أكبر من مثيلتها في الغرب، أو ما إذا كانت الليبرالية ستنتصر في إفريقيا. كما أنه لن يركز على الأيديولوجيات أو الدساتير أو القوانين أو الهيكل التنظيمي للمؤسسات. بدلا من ذلك, فإنه يقتصر على طرح أسئلة تحتاج إلى دليل ومنطق محدودي النطاق نسبيا، ويركز على سلوك أفراد أو جماعات صغيرة نسبيا. إن الدراسات حول الدوافع النفسية وصفات وخصائص صانعي القرار, والعوامل التي تؤثر في صنعه سواء من جانب الناخبين أو المسئولين أو غيرهم تعتبر دراسات سلوكية، وكذلك الدراسات حول توزيع الآراء والمواقف المختلفة١. من هذا يتضح أن المدخل السلوكي ليس منفصلا بالضرورة عن بعض المداخل الأخرى, أي: إنه يمكن اللجوء في دراسة ما إلى كل من المدخل السلوكي, ومدخل صنع القرار مثلا. هناك ملاحظة عامة على تصنيف المداخل الموضحة أعلاه, وهي أنها كلها تقريبا تقع داخل تقسيم معين من التقسيمات السابق بيانها، باستثناء بعض المحاولات الحديثة لإضافة نماذج أخرى من مداخل البحث, أو تنقيح المداخل

стр. 260

المتبعة واستعمالها كمعايير في علم السياسة. والنماذج المقترحة هي: أسلوب الإقناع الفلسفي، أسلوب بناء نماذج جديدة، أسلوب المعادلات الرياضية. وتسعى تلك المحاولات إلى تحقيق هدفين هما: تدعيم الطابع العلمي لعلم السياسة، والقضاء على الخلافات والانقسام بين علمائها حول المنهج والأساليب المتبعة١. وليس هناك من قيد على كل المداخل المذكورة, أو المقترحة سوى أن دارسي السياسة كثيرا ما يلجئون إلى التوفيق بينها مع مزج أنواع مختلفة من المعلومات مع بعضها البعض, وهو أسلوب قد يكون مرغوبا فيه في كثير من الحالات. كذلك لا يمكن اعتبار أن أي مدخل منها هو الأحسن دائما, إذ يعود الأمر إلى الباحثين أنفسهم في حرية الاختيار بينها على أساس عدد من الاعتبارات, منها مثلا مهاراتهم وخبراتهم الذاتية التي تملي عليهم اختيار مدخل دون آخر، وطبيعة المشكلة التي يواجهونها، ونوعية القارئ أو المستمع الذي يتوجهون إليه بالدراسة. في نفس الوقت, يجب أن يكون الهدف هو تطوير النظريات السببية التي يمكن تطبيقها في الموضوعات المتعلقة بتفسير الأحداث والتنبؤ بها, وإمكانية السيطرة عليها.

стр. 261

الفصل التاسع: المفهوم الليبرالي لمناهج البحث مدخل ... الفصل التاسع: المفهوم الليبرالي لمناهج البحث دراسة المناهج هي دراسة حية لارتباطها بالواقع العملي والفكري، كما أنها مقياس لدرجة تطور البشرية وخاصة في العلوم الطبيعية. وقد اهتم كثير من الفلاسفة والمفكرين بدراسة مشاكل المنهج منذ ظهرت الحياة المدنية المنظمة, منهم أرسطو وابن خلدون وبيكون وديكارت وسبينوزا وجون ستيوارت ميل وهيجل وماركس. وتوخيا للسهولة والوضوح سنشير بإيجاز -كلما اقتضت الضرورة- إلى بعض الاختلافات الجوهرية حول المنهج بين المفهومين الليبرالي والماركسي دون انتظار للعرض المستقل للمفهوم الماركسي للمنهج في الباب التالي. اصطلاح منهج Method مشتق من الكلمة اليونانية Methodes, وله عدة معانٍ: - فقد يشير إلى الوسائل الفنية التي تستخدم في عملية الحصول على, ومعالجة البيانات المتعلقة بموضوع البحث. - وقد يعني بشكل أكثر بساطة الأسلوب المستعمل للتوصل إلى هدف ما. - كما قد يعني أيضا الفروض التي يقوم عليها البحث عن المعرفة. سنتناول باختصار فيما يلي المفهوم الأول لاصطلاح منهج؛ لارتباطه بتلك الدراسة. في إطار ذلك المفهوم، يمكن الاستفادة من منهج التحليل، المنهج الكمي، المنهج الكيفي، منهج الاستقراء، منهج الاستنباط، المنهج المقارن. وأخيرا هناك أساليب حديثة تعتمد على التجارب المعملية سنشير إلى بعضها في الباب الرابع بعد استعراض خطوات المنهج العلمي.

стр. 262

المبحث الأول: منهج التحليل Analysis نهدف فيما يلي إلى تبسيط معنى هذا الاصطلاح بقدر الإمكان, دون الدخول في التفصيلات والتطورات التاريخية التي طرأت عليه منذ أشار إليه أرسطو في دراسته للمنطق, ومرورا بإيمانويل كانت حتى هوسيرل. التحليل بإيجاز هو عملية تعريف وتقييم للأجزاء التي يتكون منها الكل. وبمعنى آخر هو تعريف وتقييم للأجزاء المكونة للموضوع قيد البحث كوسيلة للحصول على معرفة غنية وجديدة. هذا مع ملاحظة أن التحليل يتخذ أشكالا ومستويات مختلفة تبعا لطبيعة ذلك الموضوع، وأن تعدد عمليات التحليل يعتبر شرطا لتوفير إدراك أعم وأشمل له. إن تحليل الظاهرة المعقدة إلى عناصر بسيطة, أو تقسيم الشيء إلى مكوناته أو وحداته يمكن أن يعود بفوائد جمة, نذكر منها: - كشف جوهر الظاهرة, أو هيكل الشيء. - تحديد علاقة العناصر أو الأجزاء بعضها ببعض, وكيفية تآلفها فيما بينها داخل الإطار العام للكل. - تحديد وظيفة كل منها وما يمثله من ثقل ومساهمة في الدور العام الذي يقوم به الكل، وبالتالي تمكين الباحث من التمييز بين ما هو أساسي أو غير أساسي من تلك العناصر أو الأجزاء. - كشف المراحل المتعددة التي تمر بها الظاهرة في حركتها وتطورها, ومعرفة ما قد يكون هناك من اتجاهات متعارضة. - تمكين الباحث من تصنيف الظواهر والأشياء بطرق كثيرة؛ لتخدم أغراضا متعددة١.

стр. 263

إلا أنه من الصعب ذكر كلمة التحليل دون ذكر كلمة التركيب Synthesis؛ وذلك للعلاقة الوثيقة التي تربطهما. فكما يعني التحليل عملية تفتيت الكل إلى أجزاء سواء كان تفتيتا واقعيا "كما يحدث في العلوم الطبيعية كالطبيعة والكيمياء", أو تفتيتا ذهنيا "كما هو الحال في العلوم الاجتماعية"، فإن التركيب يعني إعادة تجميع وبناء الأجزاء لتكوين الكل. ويلعب كل من التحليل والتركيب دورا هاما في عملية الإدراك, ويحدثان بشكل مستمر في كل مرحلة من مراحله، كما يرتبطان ارتباطا وثيقا بعمليات ذهنية أخرى كالتجريد والتعميم. في حالة التحليل، نلاحظ أن الذهن ينتقل من المركب إلى البسيط، ومن الكل الذي قد يحدث صدفة إلى الواحد الذي لا يمكن تجنبه أو تجاهله، ومن تعدد الأشكال إلى التحدد والذاتية. إن هدف التحليل -كما قلنا- هو إدراك الأجزاء أو العناصر كمكونات لكل مركب مع معرفة الضوابط التي تربط علاقاتها من جهة, والقوانين التي تحكم حركة وتطور الكل المركب من جهة أخرى. أما التركيب فهو -كما أسلفنا- توحيد الأجزاء المبعثرة, أو العلاقات المفككة في كل واحد. إن التركيب في انتقاله من المتماثل والأساسي الواحد إلى المختلف والمتعدد إنما يربط الخاص بالعام, والوحدة بالتعدد في كل جديد حي. وبينما يرى الفكر الماركسي أن التركيب يكمل التحليل, ويرتبط به في وحدة لا تنفصم, فإن الفكر الليبرالي يفصل بينهما ويجعلهما متعارضين معتبرا أنهما مجرد

стр. 264

مناهج فكرية لا ترتبط بالعالم الحي, أو بتجربة الإنسان١. على أنه من الأهمية بمكان إدراك الموقع الذي يحتله التحليل في السلسلة الطويلة من الخطوات التي يستلزمها المنهج العلمي, والتي سنشير إليها في نهاية عرضنا للمناهج. بعض المفكرين الأمريكيين كجون ديوي مثلا يرى أن البحث لا يبدأ بالحقائق أو وضع الفروض, وإنما بالاعتراف بوجود وضع شائك أو مشكلة تحتاج إلى حل. بالمثل يرى نور ثروب أن التحليل -أي: تحليل المشكلة- هو الخطوة الهامة الثانية وليست الأولى, ثم تأتي بعدها مرحلة صياغة الفرض العلمي, بينما يضيف أرنولد بريشت أن الاعتراف بوضع ما على أنه شائك ثم الانهماك في تحليله هما خطوتان يجب أن تسبقهما فكرة ما يكونها الباحث, أو فرض تجريبي "فرض عمل" بأن الوضع القائم يخفي مشكلة هامة قد يكون تحليلها ذا علاقة بالمعرفة الإنسانية بشكل عام٢. لا يمنع هذا من الاعتراف بما لمنهج التحليل من العمومية والشمول بحيث يستخدم أحيانا في تسمية المناهج الأخرى, كالقول مثلا: التحليل الكمي، التحليل الكيفي، التحليل المقارن, بدلا من المنهج الكمي أو الكيفي أو المقارن.

стр. 265

المبحث الثاني: المناهج الكمية والكيفية Quantitative & Qualitative Methods الكم والكيف من الناحية الفلسفية مقولتان تعكسان الجوانب الهامة للحقيقة الموضوعية. ويمتلئ الكون من حولنا بأعداد لا تحصى من الأشياء والظواهر الدائمة التغير والحركة, والتي يختلف كل منها عن الأخرى أو عن الآخر بصفات وخصائص معينة. كل شيء في الوجود له كم وكيف, لا يجب الخلط بينهما. فالكم يدل على درجة تطور الشيء والمرحلة التي وصل إليها أو درجة كثافة خصائصه الجوهرية، وكذلك حجمه وكتلته ... إلخ. ويعبر عن الكم عادة بواسطة الأرقام كما يحدث عند الكلام عن حجم ووزن وكتلة ومدى كثافة أو شدة لونه، ودرجة الصوت المنبعث منه. للظواهر الاجتماعية أيضا خصائص كمية. فكل نظام اقتصادي اجتماعي مثلا له مستوى معين في الإنتاج والتطور يميزه عن غيره, كما أن لكل دولة طاقتها الإنتاجية المحددة وكمية معروفة أو تقديرية لما لديها من موارد طبيعية, ومصادر طاقة, وقوة عاملة. لهذا, فإن المناهج الكمية هي تلك التي تشتمل على قياس أو عمليات حسابية أو علاقات عددية. ولا ينسحب ذلك فقط على الوحدات الخاصة بقياس الزمن, وإنما يمكن أيضا عد وقياس مفردات أخرى مثل: الكلمات، المقالات، الموضوعات، الناس، أصوات الناخبين، العملات، وحدات الإنتاج ... إلخ. يميل المحبذون للمناهج الكمية إلى الاهتمام بكل التفاصيل الصغيرة عند التطبيق, فيصرون على تقديم تعريف دقيق لما يتم عده أو قياسه, وفي نفس الوقت يكون قابلا للتعريف بشكل موضوعي، وأن تتم عملية العد والقياس بعناية مع مراعاة أن تسمح الوسائل المستخدمة بتكرار عملية القياس بنجاح،

стр. 266

وأن يكون ممكنا إثبات صحة المعرفة المكتسبة١. غير أن استخدام المناهج الكمية لا يعني اختفاء الاختيارات الذاتية. فالباحث هو الذي يختار السؤال المطروح, أو الفرض المطلوب اختبار صحته متأثرا في ذلك بخياله وحدسه, ومدى نفاذ بصيرته التي تلعب كلها دورا هاما في هذا الاختبار. إن مدى رجاحة حكم الباحث, وما قد يتمتع به من صفات أخرى تلعب دورها إذا لزم الأمر تعريف المفردات المختلفة موضع العد والقياس أو تصنيفها بهدف التبسيط، أو إذا أريد أخذ عينات أو عمل استفهامات. لهذا, فإن العوامل الذاتية -لا شك- تؤثر في جدوى, وربما في صحة النتائج التي يتم الحصول عليها بتطبيق المناهج الكمية. أي: إن المنهج يسمى منهجا كميا إذا احتاج بعد حد معين إلى العد, أو القياس وفقا لقواعد واضحة ومحددة٢. على العكس من ذلك يتجلى الكيف في مجموعة من الخصائص والصفات التي يميز كل منها أحد جوانب الشيء أو الموضوع, كما يعطي الكيف الفكرة العامة عن الموضوع ككل. بهذا يستطيع الكيف تحديد نوعية الشيء وتمييزه عما عداه من الأشياء الأخرى التي لا تحصى ويزخر بها عالمنا. أي: إن لكل الأشياء والظواهر كيفا أو نوعا خاصا يمكننا من تعريفها, والتمييز بينها. يمكن إثبات ذلك عند ملاحظة, أو دراسة الظواهر الطبيعية للفلك والمعادن والسوائل والغازات, أو عند التفرقة بين جسم حي وجسم ميت. بالمثل تختلف الظواهر الاجتماعية من الناحية الكيفية, فحيازة بعض الأمراء لأراضٍ واسعة

стр. 267

وانتشار نظام الأقنان وارتباطهم بالأرض وعدم السماح لهم بالانتقال منها وسيادة نظام الطوائف الحرفي تعتبر كلها خصائص مميزة للنظام الإقطاعي. يختلف النظام الرأسمالي عما سبق اختلافا كيفيا, وذلك من حيث انتشار الصناعات الثقيلة والخفيفة وإلغاء نظام الطوائف الحرفي والسماح بانتقال الفلاحين والحرفيين إلى المدن للعمل في الصناعة، والملكية الفردية لوسائل الإنتاج الرئيسية، وسيادة نظام الإنتاج السلعي واقتصاديات السوق والتوسع في استخدام العمل المأجور. تختلف هذه الظواهر كيفا أيضا عن مثيلاتها في النظام الاشتراكي في كل ما يتعلق بمكونات, وفلسفة الهيكلين الفوقي والتحتي للمجتمع ... وهكذا. خلاصة القول: إن المناهج الكيفية لا تشتمل على عد أو قياس, وإنما تأخذ في الاعتبار بتلك الخصائص, والفروق الكيفية بين الأشياء التي رغم وضوحها تتعرض للتأثر بالاعتبارات الخاصة للمشاهد, أو الباحث. لهذا يرى البعض١ أنها تعتمد على الصفات الخاصة للباحث كرجاحة حكمه أو منطقه أو مدى نفاذ بصيرته أو خياله أو بديهته أو قدرته على تكوين انطباعات دقيقة ورؤية طبيعة ونوع العلاقات المتبادلة. بناء عليه, تعتبر المناهج كيفية في الحالات التالية: - إذا غلب عليها الشكل الانطباعي, أو استلزمت تقييمات عامة وليس عدا دقيقا حتى ولو تخللتها تعبيرات شبه كمية مثل: عادة، غالبا، نادرا، عامة. ويمكن أن يقال نفس الشيء بالنسبة لأنواع أخرى من التعبيرات كالقول بأن اعتبارا معينا نال قدرا من الاهتمام والتركيز "أكثر" من غيره, أو أن هناك "ميلا متزايدا" إلى اعتبار أن مهمة المنشآت العسكرية مثلا هي الردع وليس الحرب، فكل هذه التعبيرات تعكس عادة انطباعات أو تقييمات وتقديرات شديدة العمومية, وليس قياسا أو عدا فعليا.

стр. 268

- إذا اعتمدت على ذكاء الباحث في ملاحظة وجود, أو غياب دليل ما مع عدم ارتباط ذلك بمعدل تكراره النسبي. فقد تزودنا الدراسة الذكية التي يقوم بها الباحث لتصريح واحد من تصريحات رئيس الدولة بالأساس الذي يقوم عليه التنبؤ بإجراء حكومي ما, أو تفسيره. - إذا كانت الاستنتاجات قد تم التوصل إليها عن طريق دراسة واحدة، أو إذا لم يتوفر اطمئنان كافٍ للصفة التمثيلية للعينات القليلة المأخوذة، بمعنى عدم وجود ضمان لصحة تمثيل الحالات القليلة التي خضعت للدراسة لمجموع تلك الحالات. فهي مناهج كيفية إذًا بسبب الاعتماد الكبير على حكم, وتقدير الباحث في اختيار الحالات التي درسها. - إذا كانت الموضوعات المعروضة للدراسة ذات طابع فريد, أو مميز "أحداث أو مؤسسات أو ممارسات أو ظروف اجتماعية" يصعب معه إجراء عملية عد مفيدة. - إذا كانت الموضوعات المعروضة للدراسة ذات صلة بمعنى الكلمات, أو مغزى الأحداث. هناك إذًا تباين بين نوعي المناهج الكمية والكيفية, إذ يختلفان في مدى ملاءمة كل منهما للتطبيق حسب نوع المشاكل أو المواقف. ومن الملاحظ أن هناك ميلا إلى استخدام المناهج الكيفية في معالجة المشاكل المعقدة حيث تقوم صعوبات عملية, أو حيث يستحيل تماما تجزئة تلك المشاكل والموضوعات أو عادة تقسيمها إلى وحدات أصغر تسمح بالعد والقياس١.

стр. 269

يقودنا هذا إلى الاستنتاج بأن المناهج الكيفية تستخدم في معالجة معظم الموضوعات التي يتعرض لها علماء السياسة بالبحث. بينما يلجئون إلى المناهج الكمية في المسائل المتعلقة أساسا بالوحدات النمطية الكبيرة العدد كالناخبين. من ناحية أخرى, يرجح الاعتماد على النتائج المتحصلة من استخدام المناهج الكمية وليس الكيفية, لكن يتحتم إدراك أن المنهج -أيا كان ومهما بلغت دقته- ليس عصا سحرية، وأن أفضل المناهج لن تعطي الثمار المرجوة ما لم يكن استعمالها معتمدا على باحث يعرف طريقه إلى هدفه المحدد, معتمدا على سعة أفقه وقدرته الإبداعية. لهذا قد تساعد الأسئلة المطروحة أكثر من المناهج المستعملة على كشف مدى نفوذ وأصالة العلماء الباحثين, إذ إن مشكلة البحث العلمي ليست دراسة أية حقائق مهما كان مستواها أو تجميع معلومات عامة متفرقة، وإنما هي دراسة حقائق ومعلومات تخدم هدفا محددا طموحا وذا مغزى في نفس الوقت. إذا توفرت تلك العوامل فقد يتوصل هؤلاء الأذكياء إلى استعمال, أو تطوير مناهج -ربما تكون كمية- بدت حتى ذلك الحين غير ضرورية, أو لا علاقة لها بالموضوع.

стр. 270

المبحث الثالث: المناهج الاستقرائية والاستنباطية lnductive, Deductive Methods الاستقراء نوع من التفكير وأسلوب للدراسة يتتبع الجزئيات للتوصل منها إلى حكم كلي. ويعود الاستقراء تاريخيا إلى بعض كتابات أرسطو وإن كان الاهتمام به قد زاد في القرنين السابع عشر والثامن عشر نتيجة للتطور الكبير في العلوم الطبيعية. والاستقراء كمنهج للبحث يعني اتباع أسلوب تجريبي في دراسة الظواهر ننتقل فيه من الحقائق الفردية إلى الفروض العامة. أي: تقودنا الأولى وهي

стр. 271

الحقائق إلى الثانية, وهي الفروض أو تكوين المفاهيم١. أما الاستنباط "أو الاستنتاج" فهو استخدام قوانين المنطق في إثبات, أو الاستدلال على نتيجة ما من فرض أو أكثر. هذه النتيجة عبارة عن سلسلة من الفروض كل منها إما مقدمة, أو فرض ينتقل مباشرة من فروض أسبق في تلك السلسلة. وتجب ملاحظة أنه في النتيجة التي أمكن الاستدلال عليها تختفي الحقائق في الفروض, مما يدعو إلى استنتاجها بالتحليل المنطقي. هذا, وقد أدت الدراسات التي جرت في القرنين التاسع عشر والعشرين حول مشاكل المنطق الرياضي, إلى إكساب الأفكار الغامضة المرتبطة بالاستنباط مزيدا من الدقة، كما أظهرت أن المفهوم الشائع عن الاستنباط كانتقال من العام إلى الخاص هو مفهوم ناقص٢. وفي الواقع، كانت وجهة النظر القديمة -التي تعرضت لنقد شديد- ترى أن الاثنين متناقضان, وأنه في حالة الاستقراء ينتقل التفكير من الخاص إلى العام بينما في الاستنباط يحدث العكس. وتعتبر مثل هذه المناقشة سقيمة حيث إنه لا غنى عن الاثنين في البحث العلمي. ولعل الأدق هو التمييز بينهما على أساس أن منهج الاستقراء يسعى إلى إثبات حقيقة ما عن طريق ملاحظة الواقع الحي, بينما ينصرف الاهتمام في منهج الاستنباط في المرتبة الأولى إلى المعاني المتضمنة في فروض معينة٣.

стр. 272

إن القول بأن المناهج الاستقرائية تجريبية ومنطقية, بينما المناهج الاستنباطية منطقية بحتة قد يعني أن التفكير الاستنباطي يستبعد التجربة ويعتمد على الاستنتاج فقط, وهذا غير صحيح. فالمنهج الاستنباطي هو منهج للاستدلال العلمي يعتمد تماما على الوسائل الفنية للاستنباط التي أشرنا إليها مع ملاحظة أن الاستنتاج نفسه ما هو إلا محصلة الجهود العلمية والفكرية للإنسان على مدى قرون متعددة. ويعتبر المنهج الاستنباطي من المناهج الصحيحة المعتمدة في الاستدلال العلمي, وهو يستخدم كقاعدة عامة في منهجة المعلومات التي تم جمعها وتفسيرها نظريا, من أجل الاستدلال على كافة النتائج المتعلقة بالموضوع بشكل دقيق, ومترابط من شأنه أن يضيف معرفة جديدة تحوي العديد من التفسيرات المحتملة للنظرية التي تمت صياغتها بالاستنتاج. لهذا, فإنه لا محيص للباحثين في العلوم الاجتماعية من استعمال كل من المناهج الاستقرائية والاستنباطية, وإن كان من الواضح أنها تستخدم كمناهج مساعدة وليس بمعزل عن المناهج الأخرى الكمية والكيفية ومنهج التحليل.

стр. 273

المبحث الرابع: المنهج المقارن Comparative Method المقارنة هي التمييز بين أو وصف الخصائص والصفات المشتركة أو المختلفة لشيئين أو أكثر, أي: هي تقصي نقاط التشابه والاختلاف. وتحل المقارنة أحيانا محل التعريف أو تكمله. وقد تعني المقارنة أيضا النتيجة التي قد تتمخض عن أي من تلك الدراسات. يخطئ من يظن بسهولة هذا المنهج, إذ إنه في الواقع منهج صعب يلقي تبعات كثيرة على من يتبناه في البحث؛ لأنه يتعين عليه أن يتغلب على عدة مشاكل نظرية تتضمن حسن اختيار الموضوعات التي سيقارن بينها, والمعايير الملائمة لذلك. هذا علاوة على ضرورة تغطية العناصر الهامة المميزة للنظام السياسي كالمؤسسات الاقتصادية, والخلفية الثقافية, والأوضاع النفسية, وحتى الاعتبارات

стр. 274

اللغوية مع ضرورة الحذر من إجراء مقارنات اصطناعية تعتمد على الخلل الذي قد يشوب العناصر موضوع المقارنة١. انطلاقا من ذلك, يعتبر المنهج المقارن وسيلة لبحث وتعليل الظواهر المختلفة وتقصي الجذور التاريخية عن طريق التحقق من التماثل, أو الاختلاف في النمط والأسلوب, وإن كان هذا لا يمنع من التعرض للمشاكل الحديثة بمنهج مقارن كما هو الحال بالنسبة لمعظم الدراسات المعاصرة التي تكاد تنتمي بما تحويه من مادة ومشاكل إلى حقل العلاقات الدولية. وعند تطبيق المنهج المقارن، يمكن تجميع الظواهر التي يتوافر بينها قدر كافٍ من التماثل ثم وضعها تحت عنوان ما، وهو ما يعطي لهذا المنهج دورا في عملية تكوين المفاهيم. فوق ذلك، فإن الكشف عن التباين بين الأشياء والظواهر وعقد المقارنات يعتبر أساسا لعملية التصنيف, أي: إن أهمية المنهج المقارن بالنسبة لعمليتي الفكر والتعبير عنه تنبع من الدور الذي يلعبه في التصنيف, وتكوين المفاهيم. هذا, ويعتبر من قبيل المقارنة التمييز بين أحداث معينة أو ممارسات أو وظائف أو مؤسسات. كذلك فإنه عند القيام بعملية تنبؤ -سواء على أساس قانون أو نظرية- ثم مراجعتها على الحقيقة للتثبت من صحتها, فنحن في الحقيقة نقارن التوقع بالحدث. وغني عن البيان أن الكشف عن أوجه التماثل والاختلاف

стр. 275

عن طريق عقد المقارنات, يزود الباحث بفكرة أوضح للأشياء والظواهر موضوع الدراسة, وفهم أدق لمعنى الرموز المستخدمة١. ومن الأهمية بمكان ملاحظة الاعتماد المتبادل, والارتباط الوثيق بين كل تلك المناهج. فالمنهج المقارن يتشابه مع المنهجين السابقين للاستقراء والاستنباط من حيث إنه منهج مساعد ومكمل للمناهج الأخرى. فمثلا، كثيرا ما يكون التحليل مقارنا، كما تشمل المناهج الكمية والكيفية عقد مقارنات, كذلك تلجأ المناهج الاستقرائية والاستنباطية إلى الاستفادة من المنهج المقارن. إلا أن هناك بعض أوجه القصور التي تظهر عند تطبيق هذا المنهج, يمكن إجمالها في النقاط التالية: - جنوح البعض إلى التركيز على المظاهر الخارجية للأيديولوجيات, والأنماط الثقافية مع إهمال العلاقات الاجتماعية الواقعية التي دفعت بتلك المظاهر إلى السطح. - الافتقار إلى الدقة في المسميات بحيث يطلق اسم المنهج ككل على أحد فروع علم السياسة, وهو النظم السياسية. - انتشار فكرة خاطئة لدى البعض بأن استعمال هذا المنهج قاصر على دراسة الحكومات الأجنبية فقط. - الاستعمال الفضفاض لاسم المنهج لإخفاء ضعف الدراسة. فما لم تتوافر مقتضيات المنهج المقارن بالشكل المشار إليه آنفا، فإن مجرد إضافة

стр. 276

لفظ مقارن إلى مجموعة من المعلومات المتناثرة عن حكومة واحدة, أو أكثر ليس كافيا لتصنيف تلك الدراسة تحت هذا المنهج. تحدث أوجه القصور تلك في بعض الكتب والمناهج الدراسية التي تتناول الحكومات المقارنة, فتشمل وصفا ركيكا غير هادف لمؤسساتها من حيث الهيكل التنظيمي أو الوضع الدستوري أو الاقتصادي. ربما تكون حصيلة تلك الكتابات التي تسمى تجاوزا دراسات مقارنة كافية للقارئ العادي, أما بالنسبة للقارئ المتخصص, أو عالم السياسة فلن تكون إلا باعثة على الملل لخلوها من المتطلبات, والضوابط المنهجية التي تجيز إطلاق تلك التسمية عليها١. علاوة على المناهج أو الأساليب الفنية التي ذكرناها، تجدر الإشارة إلى أنه يمكن الاستفادة في مجال العلوم الاجتماعية بمناهج أخرى للبحث والتفكير من وجهة النظر الليبرالية, وإن كان يغلب عليها الطابع الفلسفي٢. فانطلاقا من الوضعية المنطقية مثلا ظهرت في الثلاثينات من هذا القرن مناهج تركز على دلالات الألفاظ, وعلى تحليل اللغة ورموزها Semiotic Methods مع الاستعانة بالتقدم العلمي, وخاصة في ميدان الطبيعة. هناك أيضا المنهج الظاهراتي, أو منهج الظواهر Phenomenological Method الذي ينبثق من فلسفة هوسيرل, ويعتمد على الحدس كوسيلة للحصول على المعرفة. فبالحدس -وفقا لهذا المنهج- يدرك الإنسان الشيء الذي يمكن أن

стр. 277

يخضع, أو يكون قابلا للمشاهدة. هذا الشيء الذي يمكن مشاهدته هو ما يسميه هوسيرل بالظاهرة. وأخيرا هناك نوعان آخران من تلك المناهج هي: البدهي أو الأولي Axiomatic Method, ثم ما يسمى بالمناهج المصغرة Reductive Methods. على العموم، لا بد هنا من إعادة تأكيد الحقيقة التي سبقت الإشارة إليها من أن المنهج ليس عصا سحرية. فالقاعدة هي أن استخدام منهج ما يمكن أن يعطي نتائج هامة ومفيدة في حالة واحدة، تلك هي الاستفادة منه وتطبيقه بشكل هادف وذكي. معنى ذلك أنه لا يمكن تجنب الفشل حتى مع استعمال أفضل المناهج العلمية وأحدثها إذا فشل الباحث في طرح الأسئلة الملائمة للموضوع. ففي حالة المنهج المقارن -على سبيل المثال- نجد أنه إذا اقتصر الباحث على مجرد عقد مقارنات بين حكومتين, أو أية وحدات أخرى فلن تكون النتيجة سوى مقارنات باردة وتافهة. بالمثل، قد لا يوفق المشرع في سنّ القوانين اللازمة لعلاج بعض الظواهر كانحراف الأحداث أو الانفجار السكاني في دولة محدودة الموارد أو زيادة حالات الطلاق ... إلخ، إذا جانبه الصواب في طرح الأسئلة لكل حالة، والاهتداء إلى مداخل ومناهج بحث تناسب ظروف كل منها. على العكس من ذلك، إذا طرحت الأسئلة الملائمة ووضعت الفروض الصحيحة ردا عليها, صار للمنهج مغزى وأهمية. ومن ثم, فإن المنهج يأتي دائما في المرتبة الثانية بعد توضيح المشكلة أو موضوع البحث, وتحديد الأسئلة الواجب طرحها تمهيدا لبدء الدراسة.

стр. 278

الباب الثالث: المفهوم الماركسي لمناهج البحث الفصل العاشر: الميتافيزيقية والجدلية المبحث الأول: أسباب الخلاف المنهجي بين الليبرالية والماركسية ... الباب الثالث: المفهوم الماركسي لمناهج البحث الفصل العاشر: الميتافيزيقية والجدلية لا تعترض الماركسية على استخدام مدخل أو آخر, أو حتى عدة مداخل لبحث شيء أو ظاهرة ما بالشكل الذي عرضناه أعلاه. كما أنها لا تعترض أيضا على تبني أحد المناهج العلمية المذكورة أعلاه كالتحليل أو المنهج الكمي، الكيفي، الاستقرائي، الاستنباطي، المقارن. المبحث الأول: أسباب الخلاف المنهجي بين الليبرالية والماركسية إن الخلاف بين الفلسفتين الماركسية والليبرالية ليس خلافا سطحيا حول انتقاء مدخل أو أكثر, أو اختيار منهج دون آخر بقدر ما هو خلاف جوهري حول موقف كل منهما من العالم والوجود وشكل الطبيعة ومغزى قوى وعلاقات الإنتاج في المجتمع. سنوجز فيما يلي أهم نقاط هذا الخلاف, آخذين في الاعتبار أن الماركسية لا تعترف بوجود منهج ما إذا اقتصر على مجرد عدة طرق آلية مختلفة للدراسة, يختارها الباحث بالصدفة دون أن تكون للمنهج علاقة بالظواهر المختبرة. ترى الماركسية على العكس من ذلك أن المنهج يتحدد إلى درجة كبيرة بطبيعة تلك الظواهر, وقوانينها الجوهرية. سبقت الإشارة إلى أن المفكرين, والفلاسفة اهتموا بدراسات المنهج منذ ظهرت الحياة المدنية المنظمة على الأرض بهدف اكتشاف أفضل الطرق العلمية للتوصل إلى حقيقة الكون والوجود والإنسان.

стр. 279

كان طبيعيا أن تتأثر تلك الدراسات بظروف الحياة, ومستوى التقدم العلمي والفني والإنتاجي في كل عصر وهو ما ظهر على شكل ارتقاء مستمر في أساليب التفكير, والتأصيل المنهجي كلما حققت البشرية خطوات إلى الأمام. لهذا ينطلق الماركسيون من فرض يقول بأن معرفة الواقع -أي: الطبيعة والمجتمع- هي ضرورة لإمكان تغييره. ولما كان الإنسان يعرف الواقع من خلال مختلف العلوم, فإن الحصول على معرفة يعتد بها لا يكون إلا عن طريق مفهوم علمي للعالم الذي هو الفلسفة الماركسية أي: المادية الجدلية. وكما ظهرت فلسفات ومناهج بحث تعكس وتتلاءم مع أسلوب الملكية الفردية لوسائل الإنتاج, ظهرت أيضا فلسفات وتعديلات أساسية على مناهج البحث التقليدية تحاول تفسير الاتجاه المقابل نحو الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج الرئيسية, والاشتراكية بتطبيقاتها المتعددة. لكن لم يكن المنهج المادي الجدلي أول المناهج, أو الكتابات التي دافعت عن ذلك الاتجاه المقابل. فقد سبقته كتابات كثيرة تعتبر ذات اتجاه مادي -ونواة مثالية في أغلب الأحوال١- وإن كان المنهج المادي الجدلي يعتبر أكثرها تطورا وتعبيرا عن الأساليب الجديدة للإنتاج والملكية الجماعية والفكر المصاحب لها. ليس المقصود من كلمة مادية معناها الدارج المبتذل, وهو الرغبة العارمة في التمتع باللذات وحصر الفكر في الحاجات المادية للحياة فحسب. وقد رفض فردريك إنجلز زميل ماركس ذلك المفهوم, وعزاه إلى التحيز القديم ضد المادية أيام محاكم التفتيش, إذ يقول:

стр. 280

"فالمتعصب الأعمى هو الذي يفهم المادية بمعنى الشراهة والسكر والملذات الحسية والحياة المترفة والشهوة والبخل والطمع والجري وراء الربح والمضاربة في البورصة، أي باختصار: كل الرذائل الدنيئة التي ينغمس فيها "البرجوازي" هو نفسه سرا"١. أما الفكر الماركسي فيتناول كلمة مادية من حيث هي مفهوم فلسفي يتضمن طريقة معينة في فهم ظواهر الطبيعة -كما هي في الواقع- وتفسيرها على أساس مبادئ محددة, وبالتالي فهم وتفسير مظاهر الحياة الاجتماعية. فالمادية هي النظر إلى العالم ومواجهته ووضع مفهوم له يعمل كأساس لمختلف العلوم, أي: إن ذلك المفهوم هو التفسير العام والأساس المتين لكافة أنواع الإنتاج العلمي. على عكس ذلك المثالية التي تعتبرها الماركسية فلسفة للهروب من الواقع, ومن ثم يصبح معنى المادية الجدلية النظر إلى العالم في تطوره الواقعي؛ لأن الجدل يدرس القوانين التي تفسر تطور المجتمع. إن الشرط الجوهري للتطوير الناجح للمعرفة يتركز في التطبيق الواعي للمنهج العلمي. وتعتبر القوانين الموضوعية للواقع أساس كل مناهج المعرفة، ولعل هذا هو سبب العلاقة القوية بين المنهج والنظرية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن موضوعية الواقع تعني أنه غير ذاتي, أي: إنه موجود في الخارج, ومستقل في وجوده عن تفكير الإنسان ووجوده. إن المادية الماركسية ليست هي والعلوم شيئا واحدا؛ لأنها لا تتناول وجها واحدا محددا من وجوه العالم الواقعي كما يفعل كل علم من تلك العلوم، وإنما هي مفهوم للعالم في مجموعه, أي: المفهوم الذي تعترف به العلوم ضمنا. معنى ذلك: أنه كل علم يدرس وجها من وجوه "الطبيعة بما هي كذلك", أما

стр. 281

الفلسفة الماركسية فهي "المفهوم الكلي للطبيعة بما هي كذلك"١. هناك مناهج خاصة للعلوم المادية التي تبحث في المدركات بالحواس, وذلك بحكم الأهداف المحددة لدراستها, أما الفلسفة التي تختلف عن تلك العلوم, فإنها تستنبط المنهج العام للإدراك وهو المادية الجدلية. وتشكل القوانين العامة لتطور العالم المادي الأساس الموضوعي لتلك المادية, ولا يحل ذلك المنهج محل مناهج العلوم الأخرى, وإن كان يشكل أساسها الفلسفي العام وأداة الإدراك ليس فقط لمجالات الواقع المتفرقة, وإنما لكل ما يتعلق بالطبيعة والمجتمع والفكر دون استثناء أي أداة لفهم العالم ككل٢. ويعتبر الجدل منهجا لتغيير العالم كما أن المنهج الجدلي يتناقض مع منهج ما وراء الطبيعة كما سيأتي ذكره. من جهة أخرى، تعتبر المادية التاريخية تطبيقا لمبادئ المادية الجدلية على تطور المجتمع الإنساني. فهي نظرية علمية للتطور الاجتماعي, ومنهج للإدراك والتحول الثوري للمجتمع. وتكون كل من المادية الجدلية والمادية التاريخية الأساس النظري للاشتراكية العلمية؛ ومن ثم يعرف الماركسيون فلسفتهم بأنها علم قوانين تطور الطبيعة والمجتمع٣.

стр. 282

المبحث الثاني: المنهج الميتافيزيقي الميتافيزيقا: كلمة مشتقة من اللغة اليونانية meta ta-Physika, معنى ميتا "ما وراء" وفيزيقا "علم الطبيعة" أي: ما بعد, أو ما وراء الطبيعة. وموضوع الميتافيزيقا حسب مفهوم أرسطو هو دراسة الوجود الذي يوجد وراء الطبيعة, والوجود وراء الطبيعة -أي: الوجود فوق الطبيعي- وجود أبدي لا يتغير

стр. 283

بينما الطبيعة حركة١. أطلق هيجل على المنهج القديم للفكر والبحث اسم "المنهج الميتافيزيقي". وقد التمست الماركسية العذر لتخلف ذلك المنهج بسبب تخلف العلوم, والظروف الاجتماعية في ذلك الوقت. فعلم الطبيعة في فجر العلوم كان لا بد أولا أن يتعرف على الأنواع الحية, وأن يصنفها, فالنبات ليس حيوانا والحيوان ليس نباتا، كذلك الفصل جيدا بين الحرارة والضوء ... إلخ؛ خشية الخلط بينها. هكذا ظل العلم فترة طويلة عاجزا عن تحليل الحركة؛ ومن ثم أعطى الأهمية الكبرى للسكون. وعندما نجحت الدراسة العملية للحركة على يد جاليلو وديكارت, كان ذلك إيذانا بتحولات تدريجية كبيرة في العلوم الطبيعية وفي الإدراك؛ مما أدى إلى تهاوي الإطارات الميتافيزيقية. في ذلك يقول إنجلز: "عندما تقدمت "دراسة الطبيعة" إلى حيث أصبح التقدم الحاسم ممكنا، وهو الانتقال إلى الدراسة المنسقة للتحولات التي تطرأ على الأشياء في الطبيعة نفسها، أذن التاريخ في هذه اللحظة بنهاية الميتافيزيقا القديمة في مجال الفلسفة"٢. هكذا لم تكن العلوم لتستطيع في بدايتها إلا أن تستخدم منهجا ميتافيزيقيا, وهو المنهج الذي عممه الفلاسفة اليونان -وخاصة أرسطو- بأن وضعوا عددا معينا من القواعد الكلية, يجب على الفكر أن يتبعها في كل الظروف؛ ليأمن الخطأ، وأطلقوا اسم المنطق على مجموع هذه القواعد. فموضوع المنطق -كما سبقت الإشارة- هو دراسة المبادئ والقواعد التي يجب أن يتبعها الفكر في بحثه عن الحقيقة. هذه الأسس والقواعد ليست

стр. 284

من نسج الخيال, وإنما مستخلصة من الاحتكاك المتكرر للإنسان بالطبيعة. فالطبيعة هي التي جعلت الإنسان منطقيا, وعلّمته أنه لا يستطيع أن يفعل ما يشاء. يتناقض المنهج الميتافيزيقي مع المنهج الجدلي، ويمكن تلخيص أهم أوجه التناقض من وجهة النظر الماركسية فيما يلي: - المنهج الميتافيزيقي يجهل أو ينكر واقع الحركة والتغير، وإنكار الحركة -كما يقول إنجلز- يولد عادة سيئة هي النظر إلى الأشياء الطبيعية والعمليات الحادثة بشكل منفصل لا يلاحظ ارتباطاتها مع الكل الكبير، وكذلك النظر إليها في سكونها وموتها وليس في حركتها وحياتها. أما الجهل بالتغير فمعناه ثبوت الذات، ومنهما تنبثق الأكذوبة الشائعة: "لا جديد تحت الشمس". كتطبيق مبسط، يرى الميتافيزيقي مثلا أن الرأسمالية نظام أبدي تماما كما كان الفلاسفة الميتافيزيقيون في العصور الوسطى يبشرون بأبدية الرق, واستغلال الأقنان في ظل النظام الإقطاعي. وثبوت الذات الذي أشرنا إليه هو الذي كان المنطق التقليدي، والمسمى بالمنطق الصوري، يعبر عنه بمبدأ الذاتية أي: الشيء هو نفسه؛ فالنبات هو النبات والحيوان هو الحيوان والحياة هي الحياة والموت هو الموت, ويضع المناطقة هذا المبدأ في صيغة"أ" هي "أ"١. - المنهج الميتافيزيقي يفصل فصلا تعسفيا بين ما لا ينفصل في مجال الواقع. فالشيء إما أن يكون هذا أو ذاك, ولا يمكن أن يكون هذا وذاك في نفس

стр. 285

الوقت. مثلا: إن الديمقراطية ليست هي الديكتاتورية والديكتاتورية ليست هي الديمقراطية, أي: إن الدولة إما أن تكون ديمقراطية أو ديكتاتورية. أما الواقع الحي فيختلف عن ذلك اختلافا كليا, حيث نجد أن الدولة في ظل النظام الرأسمالي تكفل الديمقراطية لأقلية من كبار الملاك, ولا تمانع في تمتع الأغلبية من الفئات العاملة والمثقفين ببعض مظاهر تلك الديمقراطية بشرط ممارستها داخل حدود معينة. فإذا لاح شبح تهديد حق الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الرئيسية, وتعرض حكم الرأسمالية للخطر مارست أقسى أشكال الديكتاتورية ضد الطبقات الأخرى. أي: إنه في هذه الحالة يمكن أن تكون الدولة ديمقراطية وديكتاتورية في نفس الوقت. بالمثل، ينطبق نفس الوضع على الدولة في النظام الاشتراكي الذي يوفر الديمقراطية للأغلبية من العاملين والمثقفين, بينما يمارس الديكتاتورية ضد أقلية من الطبقات المالكة الكبيرة التي نحيت عن السلطة. يعبر المنطق التقليدي عن ذلك بمبدأ عدم التناقض, بمعنى أنه لا يمكن لشيء أن يكون هو نفسه وضد نفسه في الوقت ذاته. فالنبات ليس هو الحيوان والحيوان ليس هو النبات, والحياة ليست هي الموت والموت ليس هو الحياة, أي: يرى المناطقة أن "أ" ليست "لا أ". - يؤدي موقف الميتافيزيقي بالفصل بين ما لا ينفصل إلى وضع الأشياء والظواهر متعارضة مع بعضها البعض. ومن ثم الظن بأن الضدين لا يمكن أن يجتمعا في وقت واحد. فالكائن مثلا إما أن يكون حيا أو ميتا مع عدم تصور أن يكون الكائن حيا وميتا في نفس الوقت, كما هو الحال في الجسم البشري الذي يحمل خلايا جديدة تحل في كل لحظة محل الخلايا التي تموت, أي: صراع مستمر بين قوى متضادة داخل جسم الإنسان.
следующие страницы →