← Прочие науки

Прочие науки · id 10009

مناهج البحث في العلوم السياسية

محمد محمود ربيع

Полный текст (328 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحضارية, بمعنى أن تلك الجماعات البشرية التي تحولت إلى حضرية تصبح حياتها أكثر تعقيدا وتكتسب صفات جديدة منها الذكاء والكيس, وإن كانت أكثر اعتمادا على حماية الدولة القائمة. وتتقدم العلوم وترتقي الفنون بالقياس إلى مستواهما في ظل الحياة الساذجة لمجتمع البداوة. ويحدث هذا على حساب بعض القيم حيث تعاني المبادئ الدينية والأخلاقية كثيرا من هذا التحول. ويمكن أن نستشف من مناقشات ابن خلدون في هذا الموضوع نوعا من التناسب العكسي بين تطور القوى الاقتصادية, وبين تدهور بعض عناصر العمران مثل المبادئ الأخلاقية والدينية. ومن ناحية أخرى هناك تناسب طردي بين نفس ظاهرة تطور القوى الاقتصادية, وبين بعض عناصر العمران الأخرى مثل: العلوم والفنون والحياة السياسية المستقرة١. والخلاصة: أن مناقشة هذا الفرض المنهجي الثاني تظهر أن العوامل الاقتصادية ليست وحدها المؤثرة في دراسات ابن خلدون, وإنما أثر فيها أيضا بعض عناصر العمران وخاصة الدين الذي رغم كونه أكبر مؤثر بينها, فإن الحقيقة الواضحة هي أن ابن خلدون تناول كل عناصر العمران هذه على ضوء معياره المادي في التمييز بين البداوة والحضارة. وبالمثل, فقد أظهرت المناقشة مدى اهتمامه بتتبع أثر التغير من الشكل الأول إلى الشكل الثاني على عمل, وتطور عناصر العمران.

стр. 72

الفرض الثالث: العلاقة الديناميكية بين الأسباب, والنتائج يلاحظ الدارس للمقدمة أن ابن خلدون لم يقدم تفسيراته الاقتصادية بشكل جامد. ولإثبات ذلك سنستشهد بتحليله للظواهر إلى أسباب, ونتائج كواحد من أساليبه الجديدة التي طبقها في دراسة العمران البشري والحياة السياسية.

стр. 73

ورغم أن تحليله كان رائدا في هذا المجال, فإنه لم ينظر إلى الأسباب والنتائج نظرة إستاتيكية كأن يظن مثلا بأن الأسباب تظل دائما أسبابا والنتائج دائما نتائج. إن المغزى الحقيقي لمنهج ابن خلدون لا يمكن فهمه تماما ما لم يتم الكشف عن علاقة عامل إضافي وديناميكي بموضوع البحث. ولا نعني بهذا العامل مجرد الاعتراف بفضل ابن خلدون في اكتشاف أسلوب التحليل إلى أسباب ونتائج. إن ما يجتذب الاهتمام حقيقة إلى المقدمة هو أننا لا يمكن أن نجد فيها الأسباب في جانب والنتائج في جانب آخر. فمثل هذا الاستقطاب غريب على فكر ابن خلدون الذي لا يعرف هذا التجريد الأجوف. وبالعكس, فقد بدت له العلاقة بين الخلفية الاقتصادية وتأثيرات عناصر العمران كعملية مرتبطة تمام الارتباط تتحرك باستمرار على شكل سلسلة من ردود الفعل المتبادل. بالإضافة إلى ذلك, فإنه لم يعامل عناصر العمران كقوى ذات فعل متساوٍ لها نفس الأثر في سير الأحداث, وهو ما يمكن ملاحظته على وجه الخصوص بالنسبة لآرائه في الدين التي تشغل في بعض الأحيان قلب المناقشة. وفي الواقع, فإن الميزة الكبيرة لمنهجه هي طابعه العلمي الذي يستبعد إمكان تمتع أي عامل بمفرده بطبيعة, أو صفة مطلقة, ويفترض بدلا من ذلك وجود تأثير نسبي, وردود فعل متبادلة. ومن الأمثلة المتعددة التي يمكن أن تشرح مثل هذا التفاعل هو العلاقات المتشابكة التي تربط بين طريقة المعيشة وأسلوب الفكر وانتشار العلوم. فكل تطور مادي يأتي برد فعل مماثل في العلاقات الاجتماعية، ومناهج سلوك متباينة تجاه المسائل الزمنية والدينية. وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا التطور المادي سيؤدي إلى زيادة في المهن وفي تقسيم العمل، وكل مهنة تؤثر في النفس والذهن وتفتح آفاق العقل. ويشجع هذا على زيادة انتشار العلوم وازدهارها الذي يزيد الإنسان بالتالي "ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس". ولا نستطيع أن نعثر في هذا التحليل الديناميكي على أي فصل تعسفي بين السبب والنتيجة. فإذا كان تقدم العلوم, والمعرفة هو نتيجة لسبب مادي، فإن نفس

стр. 74

هذه النتيجة تلعب دور السبب في مرحلة أعلى هي تغيير وتهذيب أسلوب التفكير. ولا تتوقف سلسلة ردود الفعل المتبادلة عند هذا الحد؛ لأن الفكر المتطور الذي جاء نتيجة لتفاعل سابق يلعب الآن دور السبب, فيصير حافزا على إشباع حاجات مادية جديدة, وحياة مرفهة تتناسب مع ما وصل إليه صاحب هذا الفكر من تطور١. وهناك مثل آخر يمكن أن يعزز هذا الفرض المنهجي, وهو وضع العصبية في كل من مجتمعي البداوة والحضارة. ففي مجتمع البداوة نلاحظ أن طبيعة الحياة الخشنة, وشظف العيش يطبع العصبية بعدة صفات أهمها أنها قوة موحدة كلها نشاط وحيوية, قادرة على الدفاع عن الجماعة والسعي من أجل تحقيق أهدافها ضد العصبيات الأخرى والقضاء على الخلافات الداخلية بين أفرادها، والعمل كأداة من أجل دفع عجلة التطور نحو شكل أرقى من أشكال الحياة المادية. وبينما تعتبر العصبية بهيكلها القوي وخصائصها التي تتسم بالحيوية ودورها الكبير في إحداث التغييرات نتيجة مترتبة على هذا النوع من الحياة الصعبة في ظل البداوة, فإن العصبية نفسها وعندما تتهيأ الظروف المادية تلعب دور السبب وتصبح أداة للتغيير, وذلك بالقضاء على نفس هذه الظروف التي خلقتها عندما تقوم الجماعة بفضل عصبيتها بالقضاء على دولة مجاورة وإقامة ملك جديد محلها يتخلى عن الحياة البدوية, وينتقل إلى الحياة الحضرية. وفي ظل الحضارة تبدأ مرحلة جديدة من التأثيرات المتبادلة -وإن كانت أقل حدة- بين ظروف المعيشة الحضرية ومكونات العصبية, وخاصة دورها الذي يفقد كثيرا من مبررات وجوده. ففي الدفاع تؤدي الحياة الجديدة للجماعة في المدن التي تحميها الأسوار والحراس -بدلا من المعيشة في العراء- إلى تولد مشاعر جديدة غير مألوفة لديها, هي مشاعر الأمن والطمأنينة والاعتماد على الدولة

стр. 75

في الحماية, وتحل النظم والإجراءات الجديدة للبيئة الحاكمة المستقرة محل سلطة رئيس القبيلة في حل المشاكل الداخلية, ومعاقبة الخارجين على النظام. وعلاوة على ذلك, فإن التشبه بالمدنيات السابقة, وانتحال مهن وطرق سهلة للحصول على الرزق يحل محل وسائل السلب والنهب والغزو التي كانت الجماعات البدائية تلجأ إليها للحصول على ضرورات الحياة. وبذلك تقوم سلطة الملك بعد استتباب الحياة الحضرية بالمهام التي كانت تضطلع بها العصبية كما يتأثر هيكلها, وتنحل الروابط التي كانت تجمع بين أفرادها, وتفقد خصائصها المميزه مثل النشاط والحيوية وحب النزال١. ورغم أن الاضمحلال الكبير الذي يعتري هيكل وخصائص ودور العصبية هو أيضا نتيجة لأسلوب الحياة السائدة -في هذه الحياة الحضرية- فإن رد فعل العصبية الضعيف لهذه التأثيرات لا يقارن برد الفعل الديناميكي للعصبية في الحياة البدوية. وبغض النظر عن دورها في نقل السلطة السياسية بين فروع مختلفة من نفس الجماعة -وهي تغيرات غير ذات بال- فإن العصبية التي ضعفت شوكتها تصبح عمليا غير قادرة على إحداث تغيير سياسي أساسي على النمط الذي قامت به من نقل حياة الجماعة من البداوة إلى الحضارة. فإذا طبقنا ما ذكر في بداية هذا الفرض المنهجي عن الطبيعة الديناميكية لمناقشات ابن خلدون, فإننا لن نجد أيضا استقطابا جامدا للأسباب والنتائج في دراسته لظاهرة العصبية في كل من مجتمعي البداوة والحضارة. إن العصبية في طورها البدائي النشط, وبخصائصها التي سبق شرحها هي نتيجة لأسلوب الحياة الخشن في ظل البداوة. وعندما تتهيأ الظروف المادية نلاحظ أنها تصبح السبب في تغيير هذا اللون من الحياة الاجتماعية إلى لون آخر تماما في ظل الحضارة, ويستمر التفاعل وتبادل المراكز بين الأسباب والنتائج في ظل نعومة ورفاهية الحياة الحضرية التي تكون سببا هذه المرة في ممارسة العديد من التأثيرات الضارة

стр. 76

على كافة أوجه العصبية بالشكل الذي شرحناه آنفا. ولكن بعد أن يخرج الترف عن الحد ويسود الفساد والظلم, فإن فرعا من فروع العصبية الذي لا يزال يحتفظ بالصفات الأولى من صلابة, وحيوية قد يلعب دور السبب مرة أخرى في إحداث صراع صغير على السلطة بين الأجنحة المتنازعة للعصبية, ويولي حاكما جديدا مكان الحاكم الضعيف١. يتضح من هذا استحالة اتخاذ موقف جامد من العلاقة بين العصبية والعمران البشري -سواء كان يدويا أو حضريا- بمعنى أن أيا منهما لا يمكن اعتباره سببا مطلقا, أو نتيجة مطلقة. وأخيرا نستنتج أن ابن خلدون كان يعتقد بوجود علاقة ديناميكية بين الأسباب, والنتائج لا تترك أيا منها في مكانها بشكل جامد. فالأسباب لا تظل دائما أسبابا وكذلك الحال بالنسبة للنتائج, وإنما هناك حركة وتغير دائمان وحلول للأسباب محل النتائج وبالعكس وذلك في سلسلة متصلة من ردود الفعل المتبادل.

стр. 77

الفرض الرابع: القيود المفروضة على التعليل المثنوي, والميتافيزيقي أ- القيود المفروضة على التعليل المثنوي, أو الثنائي: حتى نستطيع إثبات النصف الأول من هذا الفرض المنهجي نشير بداءة ذي بدء إلى ظاهرتين يمكن ملاحظتهما من خلال مناقشاتنا السابقة. الأولى: أنه يبدو أن ابن خلدون في تناوله للمسائل الإيمانية ودور الدين في العمران كان يلجأ إلى القرآن الكريم, والسنة النبوية؛ ليستلهم منهما الإجابة على ما يعترضه من موضوعات. والثانية: أنه فيما خلا هذا الميدان كان يطبق الأسلوب العقلاني ليفسر كافة الظواهر ذات الطبيعة الزمنية. ولكن الأهم في نظرنا هو أنه لم يطبق هاتين الظاهرتين من طرق المعالجة بشكل جامد, أو في عزلة تامة عن بعضهما

стр. 78

وإنما استعان أحيانا بهما معا وفي نفس الوقت؛ لإثبات ظاهرة واحدة من الظاهرتين اللتين أشرنا إليهما الآن. وفي المقدمة أمثلة كثيرة على ذلك, منها مثلا رأيه حول عودة المسيح أو المهدي وهو رأي لا يمكن إدراجه تحت أي من الطريقتين المشار إليهما. فمن ناحية يسلم ابن خلدون بوجهة نظر الدين بشأن عودة المسيح ويعتبرها حقيقة غير قابلة للمناقشة. ومن ناحية أخرى فهو لا يكتفي بمجرد التحليل الديني للموضوع, بل يعبر عن عدم رضائه على الخرافات التي يلصقها البعض به, ويطبق نتائج دراساته فيضع ثلاثة شروط مادية يرى أنه لا بد من توافرها لعودة المسيح, وهي: ضرورة ظهوره بين جماعة قوية تلم شملها قوة العصبية لتشد أزره، وأن يكون متمتعا بصفات الزعيم حتى يستطيع تحقيق أهدافه، وأن يولد في ظروف تؤدي إلى بناء دولة قوية١. وهناك مثال آخر في هذا الشأن هو وجهة نظره في قيمة, ودور العمل الإنساني. وقد سبق الاستشهاد برأيه في نهاية مناقشتنا للفرض الأول أعلاه, إذ يقول: "فالكل من عند الله. فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول ... ". ب- القيود المفروضة على التعليل الميتافيزيقي: لإثبات النصف الثاني من الفرض المنهجي قد يكفي أن نسترجع بعض الأساليب الهامة التي ابتكرها ابن خلدون, وناقشناها في فروضنا السابقة؛ وذلك لتبيان مدى الاختلاف بين منهجه والمنهج الميتافيزيقي. وفي الواقع تكمن الخلافات الأساسية بين الاثنين في عدة نقاط أهمها: - إيمانه بحتمية التغيير الاجتماعي الدائم. - العلاقة الديناميكية بين الأسباب, والنتائج. - الاهتمام الكبير الذي أولاه لدور المتناقضات في حياة الجماعة. وحتى نتلافى تكرار ما سبق إثباته, سنناقش بإيجاز بعض الأمثلة الهامة لتلك

стр. 79

الخلافات, وخاصة ما يتعلق منها بدور المتناقضات في النتائج التي توصل إليها. ١- اختلف ابن خلدون مع المنهج الميتافيزيقي في شرحه لظواهر مثل العمران, البداوة، الحضارة والعصبية. فقد كشفت كتاباته أنه يعتبر كلا منها ظاهرة مركبة قابلة للتغيير والانتقال من شكل إلى آخر. فالعمران مثلا قد يكون يدويا أو حضريا. والعمران البدوي "أو البدائي" نفسه ليس له شكل محدد؛ لأن نوع الحياة المتخلفة التي يعبر عنها قد توجد في الصحراء أو الجبال أو القرى الصغيرة. وبالمثل, فإن ظواهر مثل العمران الحضري والعصبية ليس لها شكل مفرد أو محدد. هذا علاوة على أنه بتغيير أسلوب الحياة المادية, فإن الملامح المميزة لهذه الظواهر ووظائفها -كما في حالة العصبية- تتغير بالتبعية١. فالتغيير من شكل إلى آخر, أو من مرحلة إلى أخرى كثير الحدوث, ويخضع للتغيرات البيئية المحيطة التي تحدث في العمران البشري. ٢- اختلف ابن خلدون مع المنهج الميتافيزيقي أيضا في تحليله لجوهر كل ظاهرة على حدة, وكشف أن كلا منها قد تحتوي على صفات الخير والشر في نفس الوقت٢, أي: إن الشيء الواحد, أو الظاهرة الواحدة يمكن أن تتضمن صفات وعناصر متناقضة. فمثلا يتميز الناس الذين يعيشون في ظل البداوة بالشجاعة والفضيلة وعدم الالتواء, ولكنهم في نفس الوقت أجلاف متخلفون وينقصهم الأخذ بأسباب الحياة المنظمة. وبالإضافة إلى تحليل جوهر كل ظاهرة, تعرض ابن خلدون لأشكال هامة أخرى من التناقض تتولد من العلاقات المتشابكة للقوى الاجتماعية. من ذلك النظريات التي وضعها عن نمو واضمحلال الإمبراطوريات،

стр. 80

وعن أسباب دورات هذا النمو والاضمحلال١. ويمكن ملاحظة فكرة التناقض في خلفية كثير من آرائه. مثال ذلك التناقض الرئيسي بين أسلوب الحياة البدائية وأسلوب الحياة الحضرية, وهو التناقض الذي ينبع منه تناقضات كثيرة فرعية. فالجماعات البدائية تتصارع حتى تستطيع الجماعة التي تعيش أكثر أنواع الحياة خشونة -وبالتالي تتمتع بأقوى مشاعر العصبية- التغلب على الجماعات الأخرى, وفرض سيطرتها عليها. وينشأ التناقض التالي بين هذه الجماعة الموحدة القوية الشكيمة, وبين دولة حضرية مجاورة آيلة للتحلل ويتمخض الصراع بينهما إن آجلا أو عاجلا عن انتصار الجماعة البدوية الموحدة واستيلائها على الدولة الضعيفة. إلا أن الأطماع الشخصية والظروف السياسية الجديدة التي لم يألفوها تمثل خطرا بالنسبة لنظام حكمهم الجديد, ويتولد عن ذلك صراع قوي داخل الجماعة التي كانت يوما ما موحدة وذات عصبية قوية. ويتزايد العداء بين أعضاء الجماعة, وبين قائدهم الذي استولى على سلطة الملك؛ وذلك بسبب محاولته الاستئثار بالحكم دونهم. ولتدعيم سلطته وتقويتها في وجه أبناء عصبيته يستورد الحاكم مرتزقة لمساندته, ويؤدي الموقف الجديد إلى تناقض آخر بين العصبية التي أقصيت عن الحكم وبين المرتزقة الجدد, وهو تناقض ينذر بالخطر ليس فقط لأن أهل العصبية يتخلون عن قائدهم, وعن مساندة الهدف المشترك الذي جاء بهم إلى الحكم, وإنما أيضا لاشتراكهم في مؤامرات من أجل أحداث تغيير قد يكون في صالحهم. ويزيد تدهور الموقف بسبب الفوضى الاقتصادية والاضطرابات السياسية, وهي ظروف مناسبة تعطي

стр. 81

الفرصة لجماعة بدوية جديدة تبحث عن حياة الراحة والرفاهية في المدن. ويصل التناقض إلى مرحلة الصدام, وتسقط الدولة بتكتلاتها المتصارعة, وينشأ نظام حكم جديد, وتبدأ دورة أخرى من حلقات العمران بتناقضات جديدة. ٣- والنقطة الهامة الأخيرة في الخلاف بين المنهج الخلدوني, والمنهج الميتافيزيقي هي العلاقة التي يمكن تتبعها في مناقشاته بين عاملي الصراع والتغيير، وقد تساعدنا آراء ابن خلدون في تطور العصبية على توضيح ذلك. إذا تتبعنا تسلسل دراساته نجد أن العصبية في العمران البدوي تلعب دورا حاسما وتقوم بمهمة القوة الموحدة للجماعة. ولكن بعد الانتقال إلى العمران الحضري يحدث صراع بين القوى المكونة للعصبية بسبب ما سبقت الإشارة إليه من محاولة زعيمها -الذي أصبح ملكا- الاستئثار بأبهة الحكم لنفسه, واستبعاد قوة العصبية التي جاءت به إلى السلطة. ويتضافر الاضطهاد الذي يتعرض له أفرادها مع التأثيرات الضارة الناجمة عن انغماسهم في النعيم والملذات على كسر شوكة العصبية, وانحلال عقدها تدريجيا. ولكن حيث إن هدف العصبية كما يشرح ابن خلدون هو بناء نظام حكم ملكي والانتقال من شقاء البداوة إلى نعيم الحضارة, فإننا نستخلص من ذلك النتائج الآتية: - تساعد العصبية على خلق الظروف التي تؤدي إلى الصراع ثم إلى إحداث التغيير. - العصبية تجسيد للعناصر الكامنة التي تعمل على إحداث مثل هذا الصراع. - تؤدي العصبية بذلك إلى تدمير نفسها بنفسها١. ملاحظة أخيرة حول مغزى المنهج الخلدوني للعلوم الإنسانية: شرحنا في مقدمة هذا البحث كيف أدت التفسيرات الجزئية للمنهج الخلدوني -والتي استعرضناها في مستهل بحثنا- إلى صعوبة التوصل إلى حد أدنى من الاتفاق على الملامح الأساسية لهذا المنهج, والأسس التي ينبني عليها رغم الكتابات القيمة التي تعرضت للموضوع وخاصة في السنين الأخيرة.

стр. 82

وبعد مناقشتنا للفروض المنهجية الأربعة لعلم العمران نستطيع التقدم بإجابات متوازنة عن الأسئلة التي سبق أن وجهناها في بداية البحث١. فقد كان مما يدعو إلى القلق أن يؤدي التعارض الشديد في الآراء حول منهجه أن يظن قارئ المقدمة أن هذا المنهج يفتقر إلى التماسك, وإلى خط واضح مميز. وفي الواقع كان من الممكن أن نصل إلى هذه النتيجة -كما أوضحنا- لو أجرى البحث بشكل جامد وعلى أساس التفرقة بين الظواهر بأسلوب الأبيض والأسود. ولكن مثل هذه الطرق والأساليب غير العملية في البحث مضللة, علاوة على أن ابن خلدون نفسه عارض التفسيرات الجامدة للأحداث والظواهر كما عارض أيضا التفسير الجامد لبعض المبادئ التي كانت مطبقة في الخلافة الإسلامية٢، وفضل على ذلك التفسيرات والمفاهيم النسبية. فمثلا إذا قصرنا دراستنا لكتابات ابن خلدون على العلاقة المتبادلة بين الدين والمجتمع, فإن النتيجة التي سنخرج بها هي أنه مفكر مثالي. وبالمثل إذا قصرناها على تفسيراته الاقتصادية, أو حججه المادية الكثيرة التي استعان بها, فإننا سنعتقد أنه مفكر مادي. وحيث إننا لا نستطيع أن نلجأ إلى مثل هذا التكنيك في تحليلنا؛ لأن المفكر الذي نتعرض لمنهجه بالدراسة هو نفسه الذي طبق كلا من الأسلوبين المشار إليهما, فإنه يصبح من غير المأمون دمغ منهجه بأي من هذين التعميمين المتطرفين المشتقين كل على حدة من أسلوب معالجة يبدو ثنائيا في الظاهر. لهذا فإننا لا نستطيع القول: إن منهجه يستند فقط إلى أساس ديني كما لا نقدر على دمغه بأنه مادي. والاستنتاج الذي يمكن أن نخرج به من كل مناقشاتنا هو أنه منهج مركب, وجديد يضاعف من قيمته وأصالته أن ابن خلدون -وهو المؤمن الغيور على الدين- لم يسبق بأي مفكر من أية عقيدة سياسية أو دينية نجح في التوصل إلى ما توصل إليه من معالجة علمية مبتكرة

стр. 83

للعلاقات المتبادلة بين العوامل الاقتصادية, والظواهر الاجتماعية. والنقطة الأخيرة التي نريد إيضاحها هي أن منهج ابن خلدون كمفكر عبقري لا يمكن بحثه كظاهرة منعزلة في ميدان دراسة المناهج وعلاقاتها بالنظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو بهذا يستحق منا نظرة شاملة أخيرة قد تلقى الضوء على مكانه في حقل دراسة المناهج. وسواء ترك علم العمران والمنهج الخلدوني آثارهما على المفكرين السياسيين والاجتماعيين١ الذين جاءوا بعده أم أن منجزاته العلمية ظلت مجهولة, فإن هذا لا يقلل بحال من الأحوال من الحاجة إلى إعادة النظر في تطور المناهج العلمية في العلوم الإنسانية, والاعتراف بفضله في هذا المجال. ويقدم بحثنا الموجز هذا بعض المؤشرات الإيجابية على أن منهج ابن خلدون يمكن اعتباره مرحلة متوسطة بين المناهج المجردة التي كانت سائدة قبله في العصور الوسطى من جانب, وبين المناهج الوضعية والمادية لكبار المفكرين الذين ظهروا بعده وخاصة في أوروبا من جانب آخر. هذا علاوة على أن استحالة تصنيف منهجه بشكل مطلق, وحاسم تحت عناوين ميتافيزيقية أو مادية لهو دليل آخر على أنه يمثل مرحلة انتقال بين الاثنين.

стр. 84

الفصل الثالث: مفهوم الفلسفة في العصر الحديث المبحث الأول: المذاهب والتيارات الجديدة حدث رد فعل عنيف في عصر النهضة لتجاوزات الكنيسة الكاثوليكية والقيود الشديدة التي فرضتها السلطات البابوية على العقل والعلم. لهذا اتجه المفكرون إلى إحياء التراث الفلسفي القديم الذي ترعرع في ظل أثينا وروما، وانتعشت حركة ترجمة مؤلفات الفلاسفة, والمفكرين العرب خلال العصر الوسيط. أثمرت تلك التطورات فازدهرت العلوم والفنون في أوروبا, وتحرر الفكر السياسي من سطوة اللاهوت, فظهرت مؤلفات ماكيافيللي. ولم يبدأ العصر الحديث حوالي القرن السابع عشر إلا وكانت الفلسفة تمر بحالة نشاط مماثل, وربما ثورة تجلت في كثرة المذاهب التي تصارعت فيما بينها وتطلع الفلاسفة إلى وضع فلسفة جديدة قوامها العقل الذي صار سمة للعصر كله, حتى إن القرن السابع عشر يطلق عليه عصر العقل. وقد ذهب أصحاب التيار العقلي Rationalism إلى إرساء الفلسفة على العقل، ورأى أصحاب التيار التجريبي Empiricism إقامتها على المشاهدة والتجربة. وإذا كانت الفلسفة القديمة قد ركزت على البحث في الوجود بما هو وجود، فإن الفلسفة الحديثة كانت معنية بالدرجة الأولى بالبحث في المعرفة وطبيعتها

стр. 85

للوقوف على حقيقة العلاقة التي تربط بين قوى الإدراك والأشياء المدركة. وقد تمخض عن ذلك جدل عنيف بين المذاهب المثالية ldealism, وبين المذاهب الواقعية Realism. اهتمت دراسات أخرى بأدوات المعرفة, ومصادرها فنتج عنها جدل بين المذاهب العقلية والحدسية من جانب Rationalism, lntuitionism, وبين المذاهب التجريبية والوضعية من جانب آخر Empiricism, Positivism. شمل الجدل بين التيارات الحديثة أيضا موضوع إمكان قيام المعرفة الصحيحة وتبلور الخلاف حول مذهبين هما: مذهب الشك Scepticism, ومذهب التيقن Dogmatism. ولعل من الفروق الأساسية بين الفلسفتين القديمة والحديثة هو أن القديمة اهتمت بالوجود ونظرت من خلاله إلى المعرفة. بينما على العكس من ذلك اهتمت الفلسفة الحديثة بالمعرفة, ونظرت من خلالها إلى الوجود. ومن أعلام الفلاسفة في العصر الحديث فرانسيس بيكون, ورينيه ديكارت. يعتبر بيكون "١٥٦١-١٦٢٦" أول فيلسوف أوروبي حديث يضع أسس المنهج التجريبي. كما تتأكد أهمية هذا الفيلسوف الإنجليزي أيضا من مفهومه للفلسفة التي نظر إليها على أنها التفسير الوصفي للكون عن طريق المشاهدة والتجربة بهدف السيطرة على الطبيعة, والتحكم في مواردها. أما الفيلسوف الفرنسي ديكارت "١٥٩٦-١٦٥٠" فهو صاحب المنهج العقلي في الفلسفة الأوروبية الحديثة. وقد استمر ديكارت في النظر إلى الفلسفة على أنها العلم بالمبادئ الأولى, معتبرا إياها علم العلوم فشبهها بشجرة جذورها ما بعد الطبيعة وجذعها علم الطبيعة وفروعها الطب والميكانيكا والأخلاق. وهناك عدة أوجه شبه مبدئية بين بيكون وديكارت. فقد اعتبر كلاهما أن التفلسف أداة لتحقيق سعادة الإنسان, كما اتفقا ومعهما جاليليو على أن

стр. 86

المنهج القديم لأرسطو قد انتهى عصره, وأن الموضوع الأجدر بالدراسة هو المنهج الذي يلائم طبيعة العلوم الحديثة. ويعلق أحد الفلاسفة المحدثين -كلود برنارد- على ذلك بقوله: إن المنهج التجريبي لا يعترف إلا بحجية الظواهر الواقعية, أي: إنه يتحرر من نفوذ وشهرة الفلاسفة القدماء, فعندما يقول ديكارت مثلا: إنه يجب ألا نعتمد على شيء سوى الحقائق البديهية, أو على ما تمت البرهنة عليه بشكل كافٍ فليس المقصود أنه يتعين علينا الرجوع في أحكامنا إلى الثقات من السلف, وإنما معناه ألا نعتمد إلا على الظواهر التي تثبت التجربة صحتها١. أشرنا بإيجاز إلى المذاهب والتيارات الجديدة، وكذلك لمفهوم الفلسفة في العصر الحديث, وأهم أوجه الخلاف بينها وبين الفلسفة في العصور القديمة. من ناحية أخرى, هناك أوجه للخلاف بين الفلسفتين الحديثة والمعاصرة تتجلى في أن الفلسفة الحديثة تنظر إلى المعرفة باعتبارها شاملة للوجود، بينما تمردت الفلسفة المعاصرة على تبديد النظر العقلي في الوجود العام ومعرفته, وتحولت إلى دراسة الإنسان في وجوده الواقعي, وإن كان هذا قد أثار كثيرا من الخلاف بين مدارس الفكر الفلسفي المعاصر.

стр. 87

المبحث الثاني: المنهج في كتابات بيكون وديكارت مدخل ... المبحث الثاني: المنهج في كتابات بيكون وديكارت سبق أن أشرنا بإيجاز إلى أهم سمات منهج البحث الإسلامي كمقدمة ضرورية لتقييم المنابع التي نهل منها علماء أوروبا في نهاية العصر الوسيط وفي عصر النهضة، ولفهم تأثيرات ذلك المنهج بشكل خاص على آراء روجر بيكون في القرن الثالث عشر ثم تأثيراته على كتابات فرانسيس بيكون في القرن السابع عشر.

стр. 88

وحيث إننا سندرس في الباب الثاني المفهوم الليبرالي لمداخل ومناهج البحث، فقد يكون من المفيد استقصاء الجذور المنهجية لهذا المفهوم, والتي تتمثل في إنجازات كل من فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت. لهذا سنخصص هذا المبحث لاستعراض موجز أيضا للخطوط العريضة التي ميزت منهجيهما اعترافا بما لهما من فضل على تطوير القوانين التي تحكم الفكر, والتي استفاد منها فيما بعد علماء المناهج في أوروبا, وخاصة جون إستيوارت ميل.

стр. 89

فرانسيز بيكون ... فرانسيس بيكون: وضع بيكون أسس المنهج التجريبي الجديد بشكل واضح في كتابه الذي أسماه الأورجانون "أي: الآلة" الجديد Novum Organum تمييزا له عن الأورجانون القديم لأرسطو. وقد نحا بيكون فيه نحوا جديدا تجلى في اتخاذ الظواهر الحسية موضوعا للدراسة, واعتماد الاستقراء منهجا لبحثها. أي: إنه تخلى عن التفكير القياسي الصوري وأحل محله الملاحظة والتجربة. اهتم بيكون اهتماما كبيرا بالعلوم الطبيعية, واعتمد في شرحه للمنهج العلمي على كثير من الأمثلة والتجارب المستمدة منها. ويشتمل منهجه الاستقرائي الجديد على قسمين: سلبي نقدي وإيجابي بنائي. ينتقد الأول الأخطاء التي تعوق تطور العلوم الطبيعية وتمنع العقل من كشف الحقيقة، بينما يشرح القسم الثاني المنهج السليم١. أولا: حذر بيكون في القسم السلبي من منهجه مما أسماه بالأوهام أو الأوثان التي تعوق التوصل إلى الحقيقة, وتؤدي بالباحثين إلى الخطأ, لهذا نصح بتحرير العقل من تأثيرها. والأوهام التي حذر منها أربعة, نجملها فيما يلي:

стр. 90

١- أوهام الجنس ldols of the race: وهي الأخطاء التي تسببها طبيعة الجنس البشري بشكل عام من حيث التسرع في إصدار الأحكام والتسليم بالأفكار التي تصادف هوى في نفس الإنسان, أو تحقق له مصلحة ما فيختار الشواهد التي تؤيد تلك الأفكار, ويستبعد تلك التي تتناقض معها. يؤدي ذلك أيضا إلى الاعتقاد بالخرافات, فمثلا: إذا تصادف وقوع كارثة على إثر نعيق البوم, فإن الإنسان الساذج يظن أن ذلك الصوت نذير بالكوارث دون أن يفطن إلى عشرات المرات التي يسمع فيها النعيق دون أن يعقبه سوء. ٢- أوهام الكهف ldols of the cave: وهي الأخطاء التي تنجم عن التصرفات الخاصة لشخص ما. فلكل فرد كهفه الخاص به, بمعنى أنه أسير عوامل وعادات معينة هي محصلة تربيته وثقافته وتكوينه الخاص. يترتب على ذلك اختلاف الأفراد في نظرتهم للأمور وحكمهم عليها, وهو ما يستتبع بالتالي التزام جانب الحذر, واجتناب الانسياق وراء الأهواء والميول الذاتية. ٣- أوهام السوق ldols of the market place: وهي الأخطاء الناشئة عن عدم توخي الدقة اللغوية عند التخاطب والتعامل, أو عند التعبير عن الأفكار. ويكون تلافي تلك الأخطاء بتحديد معاني الألفاظ, ومعرفة دلالاتها. ٤- أوهام المسرح ldols of the theatre: وهي الأخطاء التي يقع فيها الإنسان بسبب تسليمه بآراء السلف من العلماء والفلاسفة دون تمحيص. تلك الآراء أو المذاهب الفلسفية هي بمثابة المسرحيات التي تشير إلى عوالم من خلق مؤلفيها, ولا تمت إلى الواقع بصلة. من ذلك مثلا الاستنكار الذي واجهه العالم الإيطالي جاليليو عندما اكتشف بعض الأخطاء Results فرانسيز بيكون ١- أوهام الجنس ldols of the race: وهي الأخطاء التي تسببها طبيعة الجنس البشري بشكل عام من حيث التسرع في إصدار الأحكام والتسليم بالأفكار التي تصادف هوى في نفس الإنسان, أو تحقق له مصلحة ما فيختار الشواهد التي تؤيد تلك الأفكار, ويستبعد تلك التي تتناقض معها. يؤدي ذلك أيضا إلى الاعتقاد بالخرافات, فمثلا: إذا تصادف وقوع كارثة على إثر نعيق البوم, فإن الإنسان الساذج يظن أن ذلك الصوت نذير بالكوارث دون أن يفطن إلى عشرات المرات التي يسمع فيها النعيق دون أن يعقبه سوء. ٢- أوهام الكهف ldols of the cave: وهي الأخطاء التي تنجم عن التصرفات الخاصة لشخص ما. فلكل فرد كهفه الخاص به, بمعنى أنه أسير عوامل وعادات معينة هي محصلة تربيته وثقافته وتكوينه الخاص. يترتب على ذلك اختلاف الأفراد في نظرتهم للأمور وحكمهم عليها, وهو ما يستتبع بالتالي التزام جانب الحذر, واجتناب الانسياق وراء الأهواء والميول الذاتية. ٣- أوهام السوق ldols of the market place: وهي الأخطاء الناشئة عن عدم توخي الدقة اللغوية عند التخاطب والتعامل, أو عند التعبير عن الأفكار. ويكون تلافي تلك الأخطاء بتحديد معاني الألفاظ, ومعرفة دلالاتها. ٤- أوهام المسرح ldols of the theatre: وهي الأخطاء التي يقع فيها الإنسان بسبب تسليمه بآراء السلف من العلماء والفلاسفة دون تمحيص. تلك الآراء أو المذاهب الفلسفية هي بمثابة المسرحيات التي تشير إلى عوالم من خلق مؤلفيها, ولا تمت إلى الواقع بصلة. من ذلك مثلا الاستنكار الذي واجهه العالم الإيطالي جاليليو عندما اكتشف بعض الأخطاء

стр. 91

في أقوال السلف من الفلاسفة. فبعد أن اخترع التلسكوب, وتمكن من رؤية كلف على وجه الشمس عرضه على زملائه في جامعة بيزا، ولكن بعضهم أنكر ذلك استنادا إلى أنه لم يجد في كتب أرسطو ما يثبت هذا الكلف. كذلك عابوا عليه جرأته في نقد آراء أرسطو بعد التجربة التي أثبت فيها خطأ المفكر اليوناني الكبير الذي كان يظن أن إلقاء جسمين مختلفين في الوزن من مكان مرتفع يؤدي بالجسم الأثقل إلى بلوغ الأرض قبل الأخف. ثانيا: رغم أن أرسطو أدرك أن القياس والاستقراء هما أسلوبان للبرهنة -ينتقل بواسطتهما العقل من الكلي إلى الجزئي أو العكس- فإنه اهتم بشكل أساسي بنوع خاص من البرهنة هو القياس المنطقي. وقد ظل هذا المنهج سائدا في العصور القديمة, ثم استفحل أمره على يد المدرسيين في العصر الوسيط. وقد تعرض منهج أرسطو للنقد الشديد في أوروبا أيضا -وليس فقط في العالم الإسلامي- وذلك ابتداء من عصر النهضة, حيث ندَّد به العالم الكبير راموس وغيره من المفكرين الذين دعوا إلى الاعتماد على الملاحظة والتجربة. ثم جاء فرانسيس بيكون ليحسم الخلاف نهائيا في أوروبا, وذلك بحملته على القياس المنطقي كوسيلة عقيمة تلزم الباحث بالتسليم بصحة المقدمات سلفا، والسعي لإثبات صحة ما هو معلوم مع العجز عن الكشف عن أية أفكار جديدة. وقد لخص بيكون القسم الإيجابي من منهجه في عدة مراحل, أهمها مرحلة التجريب، ثم مرحلة التسجيل١. ١- تشمل مرحلة التجريب جمع أكبر عدد ممكن من مفردات الظاهرة موضوع البحث حتى تسهل ملاحظتها في الظروف المختلفة. ويهدف بيكون من ذلك إلى تنويع التجارب وتكرارها ونقلها من المألوف إلى غير المألوف.

стр. 92

فإذا كان الورق يصنع من قصاصات الثياب مثلا، فهل يمكن استخراجه من مواد أخرى مثل لب الخشب؟ ٢- أما مرحلة التسجيل, فتعني ترتيب وتصنيف الحقائق التي جمعت بشكل منظم في إطار لوحات, أو قوائم مميزة, أشار بيكون إلى ثلاث منها هي: قائمة حضور أو إثبات، وقائمة غياب أو نفي، وقائمة مقارنة أو تفاوت في الدرجة. ففي قائمة الحضور أو الإثبات يتم جمع الشواهد والأحوال العديدة التي يمكن مشاهدتها, أو التحقق منها بالنسبة لظاهرة من الظواهر. وقد ذكر بيكون مثالا لذلك بمصادر الحرارة, فجمع ٢٧ حالة تحدث فيها الحرارة كأشعة الشمس والاحتكاك والصواعق والاختمار وحرارة الكائنات الحية ... إلخ. وفي قائمة الغياب أو النفي أحصى بيكون الأحوال التي تختفي فيها ظاهرة الحرارة لعدم وجود المسبب, أي: أورد جميع الأمثلة التي تقابل الشواهد السالفة وتنعدم فيها الحرارة. ففي حالة الحرارة المتولدة من أشعة الشمس, هناك حالة أخرى لا تظهر فيها الحرارة لغياب العنصر المسبب لها وهو الشمس, هذه الحالة قد تكون حلول الليل, أو كسوف الشمس. وفي قائمة المقارنة أو تفاوت الدرجة يتم تسجيل الشواهد التي تظهر فيها الحرارة بدرجات تتفاوت قوة وضعفا. وقد أحصى بيكون في هذه القائمة إحدى وأربعين حالة تبين التغير الذي يطرأ على الظاهرة زيادة, ونقصا تبعا لتغير الظروف. رغم ذلك تعرض منهج بيكون للنقد؛ لأنه لم يستهدف كشف القوانين, وإنما مجرد الكشف عن صور الظواهر للتعرف على الخواص الذاتية للأشياء تمهيدا للسيطرة عليها. كما اعتبره البعض منهجا غير دقيق, لا يقدم للباحث إلا بعض النصائح التي تساعده أثناء البحث. لهذا تعقد المقارنات أحيانا بين منهجي بيكون, وجون إستيوارت ميل "١٨٠٦-١٨٧٣" على أساس أن هذا الأخير استهدف وضع القواعد أو اللوائح

стр. 93

الضرورية كخطوات لا بد من اتباعها في المنهج التجريبي لتكوين البرهان الاستقرائي, والتوصل إلى اكتشاف القوانين, وذلك عن طريق إثبات الروابط العلية بين الظواهر. لكن منهج ميل نفسه لم يسلم هو الآخر من النقد الشديد, انطلاقا من أنه وإن كانت نصائح وإرشادات بيكون فضفاضة يأخذ بها الباحث, أو يعدل عنها وفقا للظروف والحاجات، فإن قواعد ميل متزمتة لا تسمح بالتحلل منها. ونكتفي هنا بتعداد تلك القواعد التي تعرف بمناهج ميل الخمسة وهي: منهج الاتفاق، منهج الافتراق، المنهج المزدوج للاتفاق والافتراق، منهج البواقي، منهج التغيرات المساوقة.

стр. 94

رينيه ديكارت: تأثر منهج ديكارت تأثرا عميقا بدراساته الرياضية في صدر شبابه, وانعكس ذلك بصفة خاصة في كتابيه "القواعد لتوجيه العقل" وفيه شرح لمنهجه بالتفصيل، ثم "المقال عن المنهج" وهو تلخيص للكتاب الأول. والمنهج كما يراه هو "قواعد وثيقة سهلة تمنع مراعاتها الدقيقة من أن يؤخذ الباطل على أنه حق، ويبلغ بالنفس إلى المعرفة الصحيحة بكل الأشياء التي نستطيع إدراكها, دون أن نضيع في جهود غير نافعة". أقام ديكارت منهجه على أساسين, هما: الحدس والاستنباط العقلي, وهو يعني بالحدس انتقال الذهن انتقالا سريعا مباشرا من معلوم "يقيني" إلى مجهول. فهو نور فطري يمكن الإنسان من إدراك الأفكار البسيطة والحقائق الثابتة والروابط بين قضية وأخرى إدراكا مباشرا -بغير وسيط من عقل أو تجريب- وفي نفس الوقت وليس على التعاقب. أما الاستنباط العقلي فمرحلة تالية للحدس, وهو حركة ذهنية نستنتج بها شيئا مجهولا من شيء

стр. 95

معلوم, ويراد به البرهنة على قضية ما عن طريق مبادئ عامة تصدق عليها، وبه نستخلص من شيء نعرفه معرفة يقينية نتائج تلزم عنه١. اتهم ديكارت منطق أرسطو بالتعقيد, ووضع بدلا منه قواعد سهلة يمكن تطبيقها في كل بحث نظري. وقد لخَّص القواعد المتعددة التي وضعها في أربع فقط, هي٢: ١- قاعدة اليقين: "لا أقبل شيئا قط على أنه حق, إلا إذا عرفت يقينا أنه كذلك". ويمكن تطبيق هذه القاعدة من وجهة نظره باجتناب التهور والتسرع في إصدار الحكم قبل النظر. واجتناب التهور هو الامتناع عن الحكم قبل أن يصل العقل إلى يقين كامل، بينما يعني التحذير من الحكم قبل النظر اجتناب الأخذ بأفكار خاطئة عن السلف. لقد كان الوضوح هو معيار الصواب والخطأ الذي أخذ به ديكارت, واعتبره وسيلة ناجعة لتخليص العقل من الأفكار الباطلة الموروثة، والتحرر من سلطان الكنيسة وتأثير الفلسفة المدرسية للعصر الوسيط. ٢- قاعدة التحليل: "نقسم المشكلة موضوع البحث ما أمكننا ذلك، أي: نقسمها إلى أجزاء بسيطة بقدر ما تدعو الحاجة إلى حلها على أحسن وجه". إن الهدف من ذلك هو رد المركب إلى البسيط, والمعقد إلى السهل حتى تتضح الفكرة, ويمكن تأمين العقل من الزلل. ويدرك العقل هذا البسيط بالحدس الذي يدرك الأفكار البسيطة والحقائق الثابتة. فهو إذًا يجعل العلم بالمعقولات سابقا على العلم بالمحسوسات؛ لأن الأفكار أوضح من الأشياء.

стр. 96

٣- قاعدة التأليف والتركيب: "قيادة الأفكار بنظام, مبتدئين بأبسطها وأشملها معرفة, والتدرج إلى أكثرها تعقيدا". وتكمل هذه القاعدة ما ذكرناه في القاعدة السابقة. ٤- قاعدة الاستقراء التام: "القيام بإحصاءات كاملة, ومراجعات شاملة تجعلني على يقين من عدم إغفال شيء له صلة بالمشكَلة المعروضة". أي: إن ديكارت يلزم الباحث بالقيام بمراجعات فكرية متصلة لكل ما يرتبط بموضوع بحثه.

стр. 97

الفصل الرابع: مفهوم الفلسفة لدى مدارس الفكر المعاصر المبحث الأول: التيار التقليدي المعاصر ... الفصل الرابع: مفهوم الفلسفة لدى مدارس الفكر المعاصر لا تزال قلة من الفلاسفة المعاصرين تهتم بالموضوعات القديمة للوجود والمعرفة, لكن الاتجاه الغالب لدى معظم المدارس والتيارات المعاصرة هو عدم التركيز على دراسة الوجود بعلله البعيدة ومبادئه الأولى, وعدم دراسة المعرفة للوقوف على طبيعتها وأدواتها، والاهتمام بدلا من ذلك بالبحث في وجود الإنسان ذاته. يعتبر هذا تحولا كبيرا في تاريخ الفلسفة حيث انتقل مجال التفلسف من مبحث الوجود العام إلى وجود الإنسان الخاص. ويمكن تلخيص مواقف المدارس والتيارات الفلسفية المعاصرة من مفهوم الفلسفة فيما يلي: المبحث الأول: التيار التقليدي المعاصر سبقت الإشارة إلى أن اهتمام الفلسفة التقليدية كان منصبا على طبيعة الوجود وحقيقة النفس الإنسانية, وأن المحدثين من أتباع هذه الفلسفة اتجهوا إلى دراسة الوجود من خلال المعرفة التي احتل البحث فيها مكان الصدارة لديهم. وقد تراوح هدف البحث الفلسفي بين كشف الحقيقة لذاتها كما فعل أفلاطون وأرسطو وأتباعهما, وخدمة الإنسان ومحاولة تيسير حياته الدنيا فيما ذهب إليه بيكون وديكارت ومن نحا نحوهما. ظل جوهر الفلسفة التقليدية حيا مع ظهور تعديلات طفيفة أدخلها عليه بعض الفلاسفة المعاصرين أمثال ماريتان وسينكلير. ويعرف الأخير الفلسفة

стр. 98

بأنها: "محاولة يراد بها فهم الوجود ومعرفة أنفسنا, وإدراك مكاننا من الوجود لأسباب عقلية نظرية, أو أغراض عملية مادية"١. إن الفلسفة طبقا لهذا التعديل المعاصر هي مجرد محاولة للفهم المستنير, بمعنى أنها تمكن الشخص من التوصل إلى أسرار الكون ومجاهل النفس البشرية. ويشرح هذا التيار سعي الفيلسوف لتحصيل تلك المعرفة المستنيرة بأنه قد ينشدها لهدفين: الأول هو إشباع لذته العقلية أو استجابة لحب الاستطلاع الفطري لدى البشر, وبذلك تكون هذه الدراسات العقلية غاية في حد ذاتها تسد حاجة طبيعية إلى المعرفة وهي صيغة أخرى للمقولة الشهيرة: العلم للعلم. والهدف الثاني هو أن البعض ينشد المعرفة المستنيرة لاستثمار نتائجها في دنيا الواقع. هذا, وقد تعرض المفهوم الجديد للتيار التقليدي في تعريف الفلسفة, وتحديد مهمتها لنقد مدارس الفلسفة المعاصرة.

стр. 99

المبحث الثاني: الوضعية الكلاسيكية مدخل ... المبحث الثاني: الوضعية الكلاسيكية ارتبطت تلك المدرسة باسم المفكر الفرنسي أوجست كونت "١٧٩٨-١٨٥٧". ويطلق اصطلاح وضعية على تلك الفلسفة التي اعتبرت أن "وضع" الأمور في عالم الواقع هو وحده مجال البحث الفلسفي. فالوضعية هي أحد الاتجاهات التجريبية التي ترد المعرفة إلى التجربة, وترفض إرجاعها إلى نور العقل المحض, أو الحدس المستقل عن التجربة. تعتبر الوضعية نقطة تحول في الفكر الفلسفي من حيث إنكارها لما ذهبت إليه الفلسفة التقليدية من التركيز على الوجود لمعرفة أسراره وكشف حقيقة الموجودات, وفهم النفس البشرية وخباياها. وقد استندت الوضعية في هذا الإنكار إلى أن تلك الفلسفة التقليدية لا تقدم لنا من الحلول إلا طائفة من التأملات المجردة التي لا فائدة منها للوجود البشري.

стр. 100

بالتالي أصبحت الفلسفة الميتافيزيقية غير ذات موضوع؛ لأن العلوم التي تعتمد على المناهج التجريبية, وتدرس الواقع المحسوس قد استوعبت مجال تلك الفلسفة. تنتقل الوضعية من ذلك الإنكار للفلسفة التقليدية إلى مستوى آخر في المناقشة, فتدعي أن التطبيقات المختلفة للعلوم التجريبية يمكن أن تساعدنا على التوصل إلى حلول لشتى المشكلات الإنسانية بحيث لم يتبق للفلسفة من مهمة سوى تنظيم النتائج التي تتوصل إليها تلك العلوم. ويشرح كونت هدفه من الوضعية بأنه خلق فلسفة للعلوم كأساس لإيمان اجتماعي جديد، أي: وضع نظرية اجتماعية عن طريق نظرية علمية. هذه النظرية الاجتماعية هي أقرب إلى أن تكون دينا إنسانيا أو دينا يتخذ من الإنسانية إلها١. تقوم الوضعية على فكرة أساسية هي ما يسمى بقانون الحالات الثلاث, الذي ادعى أوجست كونت بأنه كان أول من اكتشفه. ويتلخص ذلك القانون في أن الإنسانية مرت بمراحل ثلاث تميزت كل منها بغلبة منهج خاص من مناهج التفكير. يشكك العلماء في سبق كونت في هذا المجال, ويدللون على ذلك بإسهامات مفكرين آخرين مثل الاقتصادي الفرنسي تيرجو الذي كان يدافع عن آراء مدرسة الطبيعيين, وكذلك المركيز دي كوندورسيه كممثل لتلك المجموعة من المفكرين المتحمسين للثورة الفرنسية بصفتها تمهيدا لمرحلة حضارية جديدة. هذا المفكران على سبيل المثال كانا قد سبقا كونت إلى تحديد صيغة هذا القانون الذي نسبه إلى نفسه بحجة أن من سبقوه لم يفطنوا إلى أهميته كأساس لوضع علم الاجتماع, والفلسفة الوضعية.

стр. 101

حتى بالنسبة للوضعية نفسها, فإن كونت مدين بعدد من آرائه المحورية فيها للمفكر الاشتراكي الفرنسي سان سيمون, الذي عمل كونت كسكرتير له في بداية نشاطه. من الناحية المنهجية، استقى كونت مفاهيمه عن السببية من فلاسفة القرنين الثامن عشر, وأوائل التاسع عشر مثل هيوم وكانت. هذا علاوة على أن علماء الاجتماع المعاصرين لا يختلفون حول فضل العلامة عبد الرحمن بن خلدون في وضع الأسس العلمية الأولى لعلم الاجتماع, مما يشكك في الادعاء الآخر لكونت بأنه كان أيضا مبتكر علم الاجتماع١. يقول كونت: إن الحالات الثلاث المقصودة هي: اللاهوتية والميتافيزيقية والوضعية "الأولى هي نقطة الانطلاق الضرورية للفهم البشري، والثالثة هي حالته الثابتة والنهائية، أما الثانية فمجرد مرحلة انتقالية"٢. الحالة اللاهوتية هي ذلك المنهج الذي كان الإنسان البدائي يتبعه في فهم الكون عامة, ومحاولة تفسير الظواهر المحيطة به خاصة, وذلك بإرجاعها إلى إرادة الآلهة والأرواح الخفية, أو أية كائنات مطلقة تفوق الطبيعة. يرتب كونت على ذلك أن التفسير اللاهوتي البدائي هو تفسير خرافي يناسب الحياة الإنسانية في بدء تطورها حيث كان الإنسان عاجزا عن تفسير الكون

стр. 102

إلا إذا تخيل أنه يخضع لإرادات شبيهة بإرادته. ومن الوجهة الاجتماعية كانت الحالة اللاهوتية ضرورة من حيث إن العقائد المشتركة تضمن بقاء المجتمع, وتحقق التجانس بين أفراده. الحالة الثانية هي الميتافيزيقية, وهي ذلك المنهج المستخدم في فهم الظواهر عن طريق وضع النظريات الفلسفية والفروض العامة. وقد اعتبرها كونت امتدادا للحالة السابقة وأن مآلها الزوال هي الأخرى, وإن كانت قد لعبت دورا هاما في هدم الفلسفة البدائية, وذلك بالاستعاضة عن الإرادات الإلهية بقوى طبيعية. لم يعد الميتافيزيقي يتصور الطبيعة كإبداع إلهي, وإنما تصورها على أنها المبدأ أو السبب الأول الذي يجب افتراضه من أجل تعليل نظام الكون. رغم ذلك تبقى آثار التفكير الإحيائي, لكن فكرة الغاية أو الإرادة تتلطف -كما يقول أرنولد توينبي- حتى لا يبقى منها أكثر من تجريد عقلي. ولا تنحصر أهم خصائص العقل الميتافيزيقي في إحياء الطبيعة بقدر بث الحياة في الأفكار كما لا تنحصر في نسبة المشاعر إلى الريح, أو الأهداف إلى البحر بقدر منح المفاهيم واقعية مساوية لتلك التي تميز الجماد والحيوان. في هذه المرحلة يبدأ عالم من الجواهر والقوى والطبائع في ملء هذا العالم ككيانات لها اعتبارها الخاص, وتمنح هذه العناصر تأثيرا عليا لم يمنح من قبل لغير الأرواح. وبدلا من القدسيات غير المرئية لدى اللاهوتي يتصور الميتافيزيقي اللوجوس أو العقل معينا لنظام العالم الطبيعي. ولعل أهم الخصائص هي أنه يطابق السبب العقلي مع العلة, ويفترض تبعا لذلك أنه بالتفكير وحده يستطيع أن يشرح علل الأشياء. فهو يقدم براهين توصل إليها عن طريق الاستنتاج من حقائق علية واضحة بذاتها على وجود كائن ضروري يدعوه الله. ويعزو الضرورة التي ادعاها لاستنتاجه إلى الأشياء التي افترض هو نفسه أنه استنتجها.

стр. 103

ذهب كونت إلى أن الحالة الثانية ضرورية كنقطة اتصال بين نوعين متضاربين من التفكير. بهذا المعنى، فإن الحالة الميتافيزيقية احتوت إلى جانب التفسير اللاهوتي للظواهر على قوانين وفروض لا تعترف بإرادة غيبية, وإنما يقوم العقل عند شرحه للظواهر بإرجاع كل ظاهرة إلى ذاتها الملائمة لها. أما الحالة الوضعية، فيقصد بها ذلك المنهج الذي يقدم تفسيرا علميا لجميع الظواهر الطبيعية والإنسانية مع استبعاد الفروض الخيالية, والإرادات الغيبية واستبدالها بقوانين دقيقة ثابتة. يلتزم التفكير العلمي بقبول اختبارات الملاحظة كشواهد قاطعة على صحة أية فرضية, غير أن العلم لا يقتصر على مجرد تقارير تعتمد على الملاحظة. فعلم الطبيعة مثلا لا يتميز بتراكم لوقائع جزئية, وإنما بصياغة فروض عامة ونظريات تربط هذه الوقائع بوقائع أخرى بطريقة نظامية. بعبارة أخرى: لا يمكن التسليم بظهور علم ما، إلا بعد ربط الوقائع بعضها بالبعض الآخر, وفوق كل ذلك عندما تفهم الظواهر المفردة على أنها جزء من أنواع كاملة تضم الظواهر المماثلة التي تخضع من حيث وجودها لعلاقات هي أشبه بالقونين سواء كانت تلك الظواهر مترافقة, أو متعاقبة. أي: إن العقل في هذه المرحلة الثالثة والأخيرة يتخلى عن بحثه العقيم عن المفاهيم المطلقة, وعن أصل الكون ومسيره وعلل الظواهر، وينهمك بدلا من ذلك في دراسة قوانين تلك الظواهر بمعنى استقصاء علاقاتها الثابتة في التعاقب والتماثل, مستعينا في الحصول على تلك المعرفة بالملاحظة والتعليل. وتمهد هذه الحالة الأخيرة في رأيه لوضع فلسفة علمية يمكن أن تتخذ أساسا للدين والأخلاق, وإن كانت آراؤه حولهما تحتاج لمزيد من التوضيح. أثرت الأفكار والأوضاع التي جاءت بها الثورة الفرنسية على أوجست كونت, شأنه في ذلك شأن بقية المفكرين والفلاسفة الأوروبيين. فقد أرست

стр. 104

الثورة الأسس اللازمة لإجراء تغييرات جذرية في النظم والمذاهب السياسية والاجتماعية والمفاهيم الدينية خاصة. وقد تخلفت كثير من المشاكل الناجمة عن العلاقات المضطربة في العصر الوسيط, وبداية الحديث بين الكنيسة من جانب, وبين السلطات السياسية والشعوب الأوروبية من جانب آخر. وجه كونت نقدا للمفكرين الذين اقترحوا بعض الإصلاحات الاجتماعية, وقصد بذلك سان سيمون بالدرجة الأولى لتركيزه على الجوانب الاقتصادية من تلك الإصلاحات. أما كونت فكان يرى أن الاستقرار الاجتماعي يتوقف على الاستقرار الأخلاقي, الذي يتوقف بدوره على وجود تجانس فكري يمكن تحقيقه عن طريق تسليم الكافة بعقائد مشتركة. يرتب كونت على ذلك عدم جدوى إجراء أية إصلاحات اجتماعية قبل إصلاح الدين والأخلاق أولا، وفي هذا يقول: "إنني أعد كل مناقشة تدور حول النظام الاجتماعي مناقشة لا طائل تحتها, ما دام المجتمع لم ينظم تنظيما روحيا"١. لكن أي دين يقصد؟ لقد كان له مفهوم خاص حول ذلك، فهو لم يكن يعتقد أن أية عقيدة، يمكن أن تقوم بهذه المهمة. فالمذهب الكاثوليكي مثلا لا يستطيع تحقيق التجانس الفكري المطلوب لاضمحلاله نتيجة الميراث الثقيل للكنيسة, وتحالفها مع الإقطاع خلال العصر الوسيط؛ مما أدى إلى تقليص سلطانها وصلاحياتها بعد الثورة الفرنسية. بالمثل، فإن المذهب الفلسفي الذي يمكن أن يسد ذلك الفراغ الروحي لا يمكن أن يقوم على التفكير القياسي المنطقي الذي فات أوانه, أو تخطته علوم وظروف العصر. ولما كان كونت يعتبر الوضعية خلاصة للحقائق التي تتوصل إليها العلوم, فإنه ظن بإمكان اتخاذها كأساس لمذهب جديد يملأ الفراغ الروحي.

стр. 105

يتلخص رأيه حول هذا الموضوع١ في أن ذلك المذهب لن يكون غاية في حد ذاته, وإنما وسيلة لإعادة التجانس الفكري بوضع ديانة جديدة تتميز بعقائد واضحة يمكن البرهنة عليها من جهة، كما أنها لا تتطلب من جهة أخرى الإيمان بشيء يتناقض مع العقل. معنى ذلك في رأيه أن العلوم الوضعية يمكن أن تكون أساسا لإيمان يقوم على براهين واضحة، وأن الدين الجديد وهو ديانة الإنسانية يختلف اختلافا تاما عن مذهب الألوهية لدى مفكري القرن الثامن عشر، كما أنه يختلف أيضا عن الديانة المسيحية التي تقرر أن العقيدة تتناقض مع فكرة البرهنة عليها. على العكس من ذلك, فإن الحقائق العلمية التي يعتمد عليها الدين الجديد يمكن البرهنة على صدقها, وفي وسع كل إنسان أن يفهم هذه البراهين لو استطاع تحصيل مقدماتها. ويدافع كونت عن ضرورة دينه الجديد الذي يبشر به, انطلاقا من أن العقل الإنساني لم يعد يقنع بالتفسير اللاهوتي أو الميتافيزيقي, خاصة وأن الاضطراب الذي أعقب الثورة الفرنسية لم يكن يرجع إلى أسباب سياسية بقدر رجوعه إلى الاضطراب الأخلاقي الذي نتج عن انهيار العقائد التي أصبحت العقول غير مستعدة لقبولها. بناء عليه، يتعذر تحقيق الإصلاح الاجتماعي بدون القضاء على الفوضى المترتبة على الأخذ بمنهجين متناقضين هما: المنهج الوضعي "الذي يسميه العلمي" والمنهج اللاهوتي الميتافيزيقي. فمن جهة يسلم الناس بخضوع الظواهر الطبيعية لقوانين صارمة، بينما ينكرون من جهة أخرى سريان تلك القوانين على الظواهر الاجتماعية. إن الانسجام الفكري التام لن يتحقق من وجهة نظره إلا بتطبيق المنهج الوضعي في جميع العلوم الطبيعية والاجتماعية. عندئذ يمكن وضع فلسفة علمية تستبعد الفكر اللاهوتي الميتافيزيقي.

стр. 106

هكذا احتل العلم الوضعي مكان الفلسفة طبقا لهذا المذهب, واستبعد النزعة الميتافيزيقية والمنطقية الصورية, واستعاض عنها بما أسماه النزعة العلمية التجريبية. فكل موضوع يمكن معالجته بالملاحظة والتجربة يدخل في نطاق العلم، وما عدا ذلك -أي: إن كل موضوع لا يعالج بهذا المنهج التجريبي- يعتبر خارجا عن مجال العلم. نجمت عن ذلك مشكلة هي أن حصر المعرفة في دائرة الحقائق العلمية الموضوعية, والأنظمة التطبيقية إنما يعني الاقتصار على جانب واحد من المعرفة بدعوى أن الموضوعية الطبيعية هي النموذج الأوحد لكل موضوعية.

стр. 107

أهم أوجه نقد الوضعية: أثارت تلك المقولات جدلا شديدا بين المدارس والتيارات الفلسفية المختلفة ... فقد اتهم أتباع التيار التقليدي المعاصر الوضعية بالقصور على أساس أن معرفة الإنسان على سبيل المثال لا يمكن استقاؤها من العلوم التجريبية. بينما هاجم الماركسيون الوضعية؛ لأنها فلسفة مثالية مقنعة تبالغ في التضليل باسم العلم والتجارب العلمية، وأن الوقائع تكذب الوضعيين في ادعائهم بأن هدفهم هو دحض الاتجاهات الميتافيزيقية من أجل إرساء العلوم على أسس متينة. وسنشير فيما يلي بإيجاز إلى أهم نقاط الخلاف بين تلك الفلسفات. من حيث الشكل، نلاحظ أن أول نقد تقليدي يوجه إلى الوضعية هو أن قانون الحالات الثلاث الذي قرنه أوجست كونت بتطور الفكر البشري هو أقرب إلى مجال الفلسفة منه إلى مجال العلم الوضعي. النقد الثاني يذهب إلى أن استقراء التاريخ يثبت عدم دقة ذلك القانون من حيث إن مراحله كانت متداخلة في بعضها البعض طوال التاريخ البشري. من حيث الموضوع، اعترض التيار التقليدي المعاصر على الوضعية, انطلاقا من أن البحث عن حقيقة الإنسان في العلوم التجريبية مثلا يمكن أن يتمخص

стр. 108

عن معلومات كثيرة متفرقة, ولكنها ناقصة لا تعبر عن الإنسان كما نعرفه. فعلم وظائف الأعضاء يمكن أن يفسر الإنسان من حيث هو مركب من أنسجة وأعصاب وعظام وأوعية دموية. وعلم الكيمياء يحلل تلك المركبات إلى عناصرها, وعلم الطبيعة يسهم في تقديم معلومات عما يحتويه الإنسان من بروتونات وإلكترونات. ويصور علم النفس الإنسان على هيئة أحداث عقلية وإحساسات وخيالات, ويزودنا التحليل بمكنونات اللاشعور ... إلخ. كذلك تسهم العلوم الأخرى كالاقتصاد والاجتماع بدراسات عن الإنسان, كل من زاوية اختصاصه. غير أن الإنسان يظل في النهاية مغايرا لذلك الركام الضخم من المعلومات, سواء بصورة متفرقة أو مجتمعة. فهذه المعلومات مهما كانت دقيقة تظل ناقصة في التعبير عن حقيقة, وماهية, وجوهر الإنسان ككل. إن الإنسان ليس مجرد تركيبه من أجزاء أو ذرات من الماء والدهون والكربون والفوسفات والحديد والجير والكبريت والماغنسيوم, كما أن خلط تلك المواد بنسب صحيحة كما أوضحتها التجارب لا يعطينا إنسانا. معنى ذلك أن معرفة طبيعة, وماهية الإنسان تحتاج إلى معرفة شخصيته ككل مترابط, له صفات وخواص ذاتية معينة هي في نفس الوقت أكبر وأعلى من مجموع تلك الأجزاء١. لهذا فإنه رغم صدق ودقة العلوم التجريبية, فإن التعرف على حقيقة الإنسان كشخصية متكاملة يستلزم ما هو أكثر من البيانات العلمية المتفرقة، ويحتاج إلى منهج آخر غير مناهج العلوم ذلك هو ما يسميه الفلاسفة بالحدس أو التخمين أي: ذلك الإدراك السريع الفطري المباشر القادر على إدراك الإنسان موحدا في كل. لعل هذا يشرح مقولة: إن الفلسفة تتجاوز مجرد كونها بحثا نظريا أو تأملا عقليا, كما أنها تتجاوز أيضا دراسة العالم الواقعي المحسوم وحقائقه المستمدة

стр. 109

من التجارب. إن العلم وفقا للتيار التقليدي لا يغني عن الفلسفة في فهم طبيعة الإنسان, أو حقيقة العالم. يسترسل أنصار الفلسفة التقليدية في دفاعهم عن العقل في مواجهة الحجج الوضعية, فيؤكدون أنه رغم ما يوجه إلى الفلسفة التقليدية من اتهامات حول التحليق في المجهول والانعزال في بروج عاجية، فإنه لا يمكن إنكار فضلها في إيضاح كثير من الحقائق التي أضاءت الطريق أمام العلم التجريبي، كذلك قيامها بوظيفة اجتماعية هامة تمثلت في تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على مجرى التاريخ البشرى، والكشف عن قيم الحق والخير والجمال. بناء عليه، لا تستطيع الوضعية أن تفرض على العقل الاقتصار على بحث الموضوعات التي يمكن معالجتها بمنهج البحث التجريبي فقط, ذلك أن العقل بطبيعته لا يمكن أن يتوقف عن البحث والتأمل والنظر ومواصلة التفكير في طبيعة الموجودات وحقيقة الأشياء والعلل والغايات البعيدة. تلك هي وظيفة الفلسفة مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن العلم نفسه يستخدم مبادئ كلية كالعلية والحتمية لا تكتسب بالتجربة, ولا تعالج بمناهج العلم. من ناحية أخرى, لا تستطيع العلوم تغطية كل مجالات الدراسة وموضوعات البحث, وإنما بوسع الفلسفة التقليدية تفادي هذا النقص. يستشهدون على ذلك بتفرقة أرسطو بين الفلسفة الأولى -أي: ما بعد الطبيعة التي تشمل الوجود والمعرفة- وبين سائر العلوم على أساس أن كل علم يتخذ مجالا معينا من مجالات الوجود موضوعا لبحثه, بينما لا يوجد علم من العلوم يعرض للبحث في الوجود بما هو وجود. تبحث العلوم الرياضية مثلا في الوجود من حيث هو كم, سواء كان عددا "الحساب" أو شكلا "الهندسة", وتبحث العلوم الطبيعية في الوجود من حيث هو متغير, فتدرس الطبيعة خصائص الأجسام دون نظر إلى طبيعتها، وتدرس الكيمياء تركيب الأشياء وردها إلى عناصرها وهكذا بالنسبة لبقية العلوم.

стр. 110

لكن ليس هناك علم يبحث في الوجود ككل, غير مقسم إلى موجودات محسوسة؛ لأن هذه هي مهمة ما بعد الطبيعة. يضاف إلى ذلك أن العلوم تفترض وجود مدركات عقلية, أو قضايا أولية تستخدمها كمقدمات دون التدليل على صحتها. فعالم الهندسة الذي يبحث في المكان وطبيعته يفترض أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان مهما امتدَّا، أو أن الكميات المتساوية متى أضيفت إلى كميات متساوية كان الناتج كميات متساوية. بالمثل يفترض عالم الطبيعة وجود المادة ويتقدم من هذا الفرض إلى وضع قوانين ... وهكذا. المهم أن كل هذه الافتراضات والقوانين تستخدمها العلوم كبديهيات قبلية سابقة على كل تجربة. على عكس ذلك, فإن البحث في حقيقة المادة أو صحة قانون العلية أو عدم التناقض لا يدخل في مجال العلم, ولا يعالج بمناهجه التجريبية, وإنما هو مهمة البحث الميتافيزيقي في رأي أنصار الفلسفة التقليدية الذين يستندون إلى تلك الفروض لبيان الحاجة إلى ما بعد الطبيعة كوسيلة لإثبات صحة الافتراضات التي تبدأ بها العلوم. يستخلصون من ذلك أن "العلم قد نشأ في أحشاء الفلسفة, ثم ترعرع ونما في رعايتها حتى إذا استقل عنها أخذ يتوقف في تفسيره للأشياء عند عللها القريبة، ويترك للأم أن تواصل البحث عن العلل البعيدة, والمبادئ القصوى"١ أي: إن المدرسة الوضعية أخطأت في إنكار موضوع الفلسفة التقليدية, أو الظن بأن العلم قد احتل مكانها كما أخطأت في ادعائها أن تلك الفلسفة أصبحت غير ذات موضوع. اتجهت الفلسفة الماركسية أيضا إلى نقد الوضعية, انطلاقا من أنها لم تكن منذ البداية سوى رد فعل البرجوازية الصاعدة لمذهب القانون الطبيعي السائد
следующие страницы →