فإنه قال: أنشدت لبعضهم:
يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى عروق نياطها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل
اغفر لعبدٍ تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول وكان بعض الفضلاء قد أنشدني هذه الأبيات بمدينة حلب وقال: إن الزمخشري المذكور أوصى أن تكتب على لوح قبره هذه البيات، ثم أنشدني ذلك الفاضل الرئيس بيتين وذكر أن صاحبهما أوصى أن يكتبا على قبره وهما (١) :
إلهي قد أصبحت ضيفك في الثرى ... وللضيف حق عند كل كريم
فهب لي ذنوبي في قراي فإنها ... عظيم ولا يفرى بغير عظيم وأخبرني بعض الأصحاب أنه رأى بجزيرة سواكن تربة ملكها عزيز الدولة ريحان وعلى قبره مكتوب:
يا أيها الناس كان لي أمل ... قصر بي عن بلوغه الأجل
فليتق الله ربه رجل ... امكنه قبل موته العمل
ما أنا وحدي نقلت حيث ترى ... كل إلى ما نقلت ينتقل وكانت ولادة الزمخشري يوم الربعاء السابع والعشرين من شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بومخشر. وتوفي ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، بجرجانية خوارزم، بعد رجوعه من مكة، رحمه الله تعالى ورثاه بعضهم بأبيات، ومن جملتها:
فأرض مكة تذري الدمع مقلتها ... حزناً لفرقة جار الله محمود وزمخشر: بفتح الزاي والميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة
стр. 2172
وبعدها راء، وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم.
وجرجانية: بضمن الجيم الأولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما وبعد الألف نون مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها مفتوحة مشددة ثم هاء ساكنة، وهي قضبة خوارزم.
قال ياقوت الحموي في كتاب " البلدان ": يقال لهم بلغتهم كركانج، وقد عربت فقيل لها الجرجانية، وهي على شاطء جيحون، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧١٢ - (١)
القاضي الأصبهاني
أبو طالب محمود بن علي بن أبي طالب بن عبد الله بن أبي الرجا التميمي الصبهاني، المعورف بالقاضي، صاحب الطريقة في الخلاف، تفقه على الشهيد محمد بن يحي - المقدم ذكره - وبرع في الخلاف، وصنف فيه التعليقة التي شهدت بفضله وتحقيقه وتبريزه على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق، وكان عمدة المدرسين في إلقاء الدروس عليها ومن لم يذكرها فإنما كان لقصور فهمه عن إدراك دقائقها، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وصاروا علماء مشاهير. وكان له في الوعظ اليد الطولى، وكان متفنناً في العلوم خطيباً، خطب ودرس بأصبهان مدة؛ وتوفي في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 2173
٧١٣ - (١)
محمود بن سبكتكين
أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة أبي منصور سبكتكين، الملقب أولاً سيف الدولة، ثم لقبه الإمام القادر بالله لما سلطنه بعد موت أبيه " يمين الدولة وأمين الملة " واشتهر به.
(٢٤١) وكان والده سبكتكين قد ورد مدينة بخارى في أيام نوح بن منصور أحد ملوك السامانية (٢) المذكورين في ترجمة أبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب، وكان وروده في صحبة أبي إسحاق ابن البتكين، وهو حاجبه وعليه مدار أموره، فعرفه أركان تلك الدولة بالشهامة والصرامة، وتوسموا فيه الإرتفاع إلى اليفاع. ولما خرج أبو إسحاق المذكور إلى غزنة والياً عليها وساداً مسداً أبيه انصرف الأمير سبكتكين بانصارفه على جملته (٣) في زعامة رجاله ومراعاة ما وراء بابه، فلم يلبث أبو إسحاق بعد موافاتها أن قضى نحبه، ولم يبق من ذوي قرابته من يصلح لمكانته واحتاج الناس إلى من يتولى أمورهم، فاختلفوا فيمن يصلح لذلك، ثم وقع اتفاقهم واجتمعت كلمتهم على تأمير الأمير سبكتكين، فبايعوه على ذلك، وانقادوا لحكمه.
فلما تمكن واستحكم شرع في الغزاة والإغارة على أطراف الهند، فافتتح قلاعاً كثيرة منها، وجرت بينه وبين الهنود وعظم جريدته، وعمرت أرض خزانته (٤) ، وأشفقت النفوس من هيبته. وكان من جملة فتوحاته ناحية بست، وكان من
стр. 2174
جملة ما استفاده (١) من صفاياها أبو الفتح بن محمد البستي الشاعر المقدم ذكره، فإنه كان كاتباً لملك الناحية المذكورة، واسمه بابي نور (٢) ، فلما تعلق بخدمته اعتمد عليه في أموره، وأسر إليه بأحواله، وشرح ذلك يطول.
وآخر الأمر أن الأمير سبكتكين كان قد وصل إلى مدينة بلخ من طوس فمرض بها، واشتاق إلى غزنة فخرج إليها في تلك الحال، فمات في الطريق قبل وصوله، وذلك في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائة، ونقل تابوته إلى غزنة، ورثاه جماعة من شعراء عصره منهم كاتبه أبو الفتح الببستي المذكور بقوله:
قلت إذ مات ناصر الدين والدو ... لة حياه ربه بالكرامة
وتداعيت جموعه بافتراق: ... هكذا هكذا تكون القيامة! واجتاز بعض الأفاضل بداره بعد موته وقد تشعثت، فأنشد:
عليك سلام الله من منزل قفر ... فقد هجت لي شوقاً قديماً وما تدري
عهدتك مذ شهر جديداً ولم أخل ... صروف الردى تبلي مغاتيك في شهر وكان الأمير المذكور قد جعل ولي عهده من بعده ولده إسماعيل، واستخلفه على الأعمال وأوصى إليه بأمر أولاده وعياله، وجمع وجوه حجابه وقواده على طاعته ومتابعته، وجلس على سرير السلطنة، وتحكم واعتبر بيوت الأموال، وكان أخوه السلطان محمود بخراسان مقيماً بمدينة بلخ وإسماعيل بغزنة، فلما بلغه نعي أبيه كتب إلى أخيه إسماعيل ولاطفه في القول وقال له: إن أبي لم يستخلفك دوني إلا لكونك كنت عنده وأنا كنت بعيداً عنه، ولو أوقف المر على حضوري لفاتت مقاصده (٣) ، ومن المصلحة أن نتقاسم الأموال بالميراث وتكون أنت مكانك بغزنة وأنا بخراسان، وندبر الأمور زنتفق على المصالح كيلا يطمع فينا عدو، ومتى ظهر للناس اخلافنا قلت حرمتنا (٤) ، فأبى إسماعيل من
стр. 2175
موافقته على ذلك وكان فيه لين ورخاوة، فطمع فيه الجند وتشغبوا عليه وطالبوه بالأموال فاستنفد في مرضاتهم الخزائن.
ثم خرج محمود إلى هراة وجدد مكاتبة أخيه، وهو لا يزداد إلا اعتياصاً (١) ، فدعا محمود عمه بغراجق إلى موافقته فأجابه؛ وكان أخوه أبو المظفر نصر بن سبكتكين أميراً بناحية بست، فنهض إليه وعرض عليه الإنقاياد لمتابعته فلم يتوقف عليه، فلما قوي جأشه بعمه وأخيه قصد أخاه إسماعيل بغزنة وهما معه، فنازلهما في جيش عظيم وجم غفير وحاصرها، واشتد القتال عليها ففتحها، وانحاز إسماعيل إلى قلعتها متحصناً بها، ثم تلطف في طلب الأمان من أخيه محمود فأجابه إلى سؤاله، ونزل في حكم أمانة وتسلم منه مفاتيح الخزائن، ورتب في غزنة النواب والأكفاء وانحدر إلى بلخ.
وكان السلطان محمود قد اجتمع بأخيه إسماعيل في مجلس الأنس بعد ظفره به، فسأله عما كان في نفسه أنه يعتمد في حقه لو ظفر به، فحملته سلامة صدره ونشوة السكر على أن قال: كان في عزمي إن أسيرك إلى بعض القلاع موسعاً عليك فيما تقترحه من دار وغلمان وجوار ورزق على قدر الكفاية (٢) ، فعامله بجنس ما كان قد نواه له، وسيره إلى بعض الحصون وأوصى عليه الوالي أن يمكنه من جميع ما يشتهي.
ولما انتظم الأمر للسسلطان محمود، كان في بعض بلاد خراسان نواب لصاحب ما وراء النهر من ملوك بني سامان، فجرى بين السلطان محمود وبينهم حروب (٣) انتصر فيها عليهم، وملك بلاد خراسان وانقطعت الدولة السامانية (٤) منها، وذلك في سنة تسع وثمانين وثلثمائة، واستتب له الملك، وسير له الإمام القادر بالله خلعة السلطنة، ولقبه بالألقاب المذكورة في أول ترجمته، وتبوأ سرير المملكة، وقام بين يديه أمراء خراسان سماطين مقيمين برسم الخدمة، وملتزمين
стр. 2176
حكم الهيبة، وأجلهم بعد الإذن العام على مجلس الأندلس، وأمر لكل واحد منهم ولسائر غلمانه ووجوه أوليائه وحاشيته من الخلع والصلات ونفائس الأمتعة ما لم يسمع بمثله. واتسعت الأمور عن آخرها في كنف إيالته، واستوسقت الأعمال في ضمن كفالته، وفرض على نفسه في كل عام غزو الهند. ثم إنه ملك سجستان في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، بدخول قوادها وولاة أمرها في طاعته من غير قتال.
ولم يزل يفتح في بلاد الهند حتى انتهى إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية، ولم تتل (١) به قط سورة ولا آية، فرحض عنها أدناس الشرك وبنى بها مساجد وجوامع، وتفصيل حاله يطول شرحه. ولما فتح بلاد الهند كتب إلى الديوان العزيز ببغداد كتاباً يذكر فيه ما فتحه الله تعالى على يديه من بلاد الهند، وأنه كسر الصنم (٢) المعروف بسومنات. وذكر في كتبه أن هذا الصنم عند الهنود يحي ويميت ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه إذا شاء أبرأ من جميع العلل، وربما كان يتفق لشقوتهم إبلال عليل يقصده فيوافقه طيب الهواء وكثرة الحركة فيزيدون به افتناناً ويقصدونه من أقاصي البلاد رجالاً وركباناً، ومن لم يصادف منهم انتعاشاً احتج بالذنب وقال: إنه لم يخلص له الطاعة، ولم يستحق منه الإجابة، ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب أهل التناسخ، فينشئها فيمن يشاء، وأن مد البحر وجزره عبادة له على قدر طاقته، وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجونه من كل صقيع بعيد، ويأتونه من كل فج عميق، ويتحفونه بكل مال نفيس. ولم يبق في بلاد السند والهند على تباعد أقطارها وتفاوت أديانها ملك ولا سوقة إلا تقرب إلى هذا الصنم بما عز عليه من أمواله وذخائره حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية مشهورة في تلك البقاع (٣) ، وامتلأت خزائنه من أصناف الأموال، وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه، وثلثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه ولحاهم عند الورود
стр. 2177
عليه، وثلثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون ويرقصون عند بابه، ويجري من مال الأوقاف المرصدة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم.
وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم مسيرة شهر في مفازة موصوفة بقلة المياه وصعوبة المسالك واستيلاء الرمل على طرقها، فسار إليها السلطان محمود في ثلاثين ألف فارس جريدة مختارة من بين عدد كثير، وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى؛ فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصناً منيعاً وفتحوها في ثلاثة أيام، ودخلوا بيت الصنم وحوله من الأصنام الذهب المرصع بأصناف الجوهر عدة كثيرة (١) محيطة بعرشه، يزعمون أنها الملائكة، وأحرق المسلمون الصنم المذكور فوجدوا في أذنه نيفاً وثلثين حلقة، فسألهم محمود عن معنى ذلك فقالوا: كل حلقة عبادة ألف سنة، وكانوا يقولون بقدم العالم ويزعمون أن هذا الصنم يعبد منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة، وكلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة، وبالجملة فإن شرح ذلك يطول.
وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن بعض الملوك بقلاع الهند أهدى له هدايا كثيرة من جملتها طائر على هيئة القمري، من خاصيته أنه إذا حضر الطعام وفيه سم دمعت عينا هذا الطائر وجرى منها ماء وتحجر؛ فإذا حك (٢) ووضع على الجراحات الواسعة لحمها، ذكر ذلك في سنة أربع عشرة وأربعمائة.
وقد جمع سيرته أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي الفاضل المعروف في كتاب سماه " اليميني " وهو مشهور، وذكر في أوله أن السلطان المذكور ملك الشرق بجنبيه، والصدر من العالم ويديه، لانتظام الإقليم الرابع بما يليه من الثالث والخامس في حوزة ملكه وحصول ممالكها الفسيحة وولايتها (٣) العريضة في قبضة ملكه، ومصير أمرائها وذوي الأ لقاب الملوكية من عظمائها تحت حمايته وجبايته، واسدرائهم من آفات الزمان بظل ولايته ورعايته، وإذعان ملوك الأرض لعزته، وارتياعهم بفائض (٤) هيبته، واحتراسهم - على تقاذف الديار
стр. 2178
وتحاجز الأنجاد والأغوار - من فاجئ ركضته، واستخفاء الهند تحت جيوبها (١) عند ذكره، واقشعرارهم لمهب الرياح من أرضه، وقد كان مذ لفظه المهد وجفاه الرضاع، وانحلت عن لسانه عقدة الكلام، واستغنى عن الإشارة بالإفهام مشغول اللسان بالذكر والقرآن، مشغوف النفس بالسيف والسنان، ممدود الهمة إلى معالي الأمور، معقود الأمنية بسياسة الجمهور، لعبه مع الأتراب جد، وجده مستكد، يألم لما لا يعلم حتى يقتله (٢) خبراً، ويحزن لما يحزن حتى يدمثه قسراً وقهراً.
وذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني - المقدم ذكره - في كتابه الذي سماه " مغيث الخلق في اختيار الأحق " أن السلطان محموداً المذكور كان على مذهب أبي حنيفة، ﵁، وكان مولعاً بعلم الحديث، وكانوا يسمعون الحيث من الشيوخ بين يديه، وهو يسمع، وكان يستفسر الحاديث، فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي ﵁، فوقع في خلده (٣) حكة، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، وعلى مذهب أبي حنيفة، ﵁، لينظر فيه السلطان، ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما، فصلى القفال المروزي - وقد تقدم ذكره - بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتمام، وقال: هذه صلاة لا يجوز الإمام الشافعي دونها ﵁، ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة ﵁، فلبس جلد كلب مدبوغاً ولطخ ربعه بالنجاسة، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان في صميم الصيف في المفازة، واجتمع عليه الذباب والبعوض، وكان وضوءه منكساً منعكساً، ثم استقبل القبلة، وأحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء، وكبر بالفارسية دو بركك سبز، ثم نقر
стр. 2179
نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع، وتشهد، وضرط في آخره، من غير نية السلام، وقال: أيها السلطان، هذه صلاة أبي حنيفة (١) ، فقال السلطان، لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلة أبي حنيفة، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة، وأمر السلطان نصرانياً كاتباً يقرأ (٢) المذهبين جميعاً، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة، وتمسك بمذهب الشافعي ﵁؛ انتهى كلام إمام الحرمين.
وكانت مناقب السلطان محمود كثيرة، وسيرته من أحسن السير، ومولده ليلة عاشوراء سنة إحدى وستين وثلثمائة. وتوفي في شهر ربيع الآخر، وقيل حادي عشر صفر، سنة إحدى، وقيل اثنتين وعشرين وأربعمائة بغزنة، رحمه الله تعالى.
(٢٤٢) وقام بالأمر من بعده ولده محمد بوصية من أبيه، اجتمعت عليه الكلمة، وغمرهم بإنفاق الأموال فيهم، وكان أخوه أبو سعيد مسعود غائباً، فقدم نيسابور وقد استتب أمر أخيه محمد، فراسله، ومال الناس إليه لقوة نفسه وتمام هيبته (٣) ، وزعم أن الإمام القادر بالله قلده خراسان، ولقبه الناصر لدين الله وخلع عليه وطوقه سواراً، فقوي أمره لذلك. وكان محمد هذه سيء التدبير منهمكاً في ملاذه، فأجمع الجند على عزل محمد وتولية الملك المسعود، ففعلوا ذلك، وقبضوا على محمد وحملوه إلى قلعة ووكلوا به.
(٢٤٣) واستقر الملك للأمير مسعود، وجرى له مع بني سلجوق خطوب يطول شرحها. وله في ترجمة المعتمد بن عباد حكاية في المنام، فلتننظر هناك (٤) . وقتل سنة ثلاثين وأربعمائة، واستولى على المملكة بنو سلجوق، وقد تقدم في
стр. 2180
ترجمة السلطان طغرلبك السلجوقي طرف من الخبر، وكيفية ما اعتمده السلطان محمود في حقهم، وكيف تغلبوا على الأمر.
وسبكتكين: بضم السين المهملة والباء الموحدة وسكون الكاف وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف الثانية وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون.
وتفسر " دو بركك سبز " ورقتان خضراوان، وهو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن " مدهامتان " الرحمن: ٦٤ والله تعالى أعلم.
٧١٤ - (١)
مغيث الدين السلجوقي
أبو القاسم محمود بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، الملقب مغيث الدين، أحد الملوك السلجوقية المشاهير، وقد تقدم ذكر والده وجماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر جده وغيره منهم إن شاء الله تعالى، وتقدم طرف من خبره في ترجمة العزيز أبي نصر أحمد بن حامد الأصبهاني عن العماد الكاتب.
تولى أبو القاسم المذكور السلطنة بعد وفاة والده، وخطب له بها بمدينة بغداد على جاري عادة الملوك السلجوقية، يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، في خلافة المستظهر بالله، وهو يومئذ في سن الحلم، وكان متوقداً ذكاء، قوي المعرفة بالعربية، حافظاً للأشعار والأمثال، عارفاً بالتواريخ والسير، شديد الميل إلى أهل العلم والخير، وكان حيص بيص الشاعر المقدم ذكره قد قصده من العراق ومدحه بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها:
ألق الحدائج ترع الضمر القود ... طال السرى وتشكت وخدك البيد
стр. 2181
يا ساري الليل لا جذب ولا فرق ... فالنبت أغيد والسلطان محمود
قيل تألفت الأضداد خيفته ... فالمورد الضنك فيه الشاء والسيد وهي طويلة ومن غرر القصائد، وأجازه عليها جائزة سنية.
وكان قد تزوج بنتي عمه السلطان سنجر، المقدم ذكره - حسبما شرحناه في ترجمة العزيز الأصبهاني، واحدة بعد الأخرى، وكانت السلطنة في أواخر أيامه قد ضعفت وقلت أموالها، حتى عجزوا عن إقامة وظيفة الفقاعي، فدفعوا له يوماً بعض صناديق الخزانة حتى باعها وصرف ثمنها في حاجته، وكان في آخر مدته قد دخل بغداد، ثم خرج منها، فمرض في الطريق واشتد به المرض، وتوفي يوم الخميس خامس عشر شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وذكر ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أنه مات خامس عشر شوال سنة أربع وعشرين بباب أصبهان، ودفن بها. وولي السلطنة أخوه طغرلبك، ومات سنة سبع وعشرين، وتولى أخوه مسعود وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى
(٢٤٤) وابنه محمد شاه بن محمود بن محمد هو الذي حاصر بغداد ومعه زين الدين أبو الحسن علي بن بلتكين صاحب إربل في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وقال شيخنا ابن الأثير في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة - قال ذلك في تاريخه الصغير المعروف بالأتابكي -: ومات محمد شاه المذكور في ذي الحجة سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وتاريخ وفاة زين الدين المذكور مذكور في ترجمة ولده مظفر الدين صاحب إربل في حرف الكاف؛ ومات محمد شاه بباب همذان، ومولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
стр. 2182
٧١٥ - (١)
الملك العادل نور الدين
أبو القاسم محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، الملقب الملك العادل نور الدين، قد تقدم ذكر أبيه في حرف الزاي.
ولما حاصر أبوه قلعة جعبر - حسبما تقدم ذكره في ترجمته - كان ولده نور الدين المذكور في خدمته، فلما قتل أبو سار نور الدين وفي خدمته صلاح الدين محمد بن أيوب اليغيساني وعساكر الشام إلى مدينة حلب (٢) فملكها في ذلك التاريخ. وملك أخوه سيف الدين غازي - المذكور في حرف الغين - مدينة الموصل وما والاها من تلك النواحي.
ثم إنه نزل على دمشق محاصراً لها وصاحبها يومئذ مجير الديم أبو سعيد أبق ابن جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين طغتكين، وهو أتابك الملك دقاق بن تتش - المقدم ذكره في ترجمة تتش في حرف التاء - وكان نزوله عليها ثالث صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وملكها يوم الأحد تاسع الشهر المذكور، وعوض مجير الدين أبق عن دمشق حمص ثم أخذها منه وعوضه عنها بالس، فانتقل إليها وأقام بها مدة ثم قصد بغداد في أيام الإمام المقتفي.
وكان أتابكه معين الدين أثر بن عبد الله عتيق جد أبيه ظهير الدين طغتكين الأتابك - المقدم ذكره في ترجمة تتش السلجوقي، وقد سبق ذكر ظهير الدين طغتكين الأتابك هناك أيضاً.
ثم استوزر نور الدين محمود على بقية بلاد الشام من حماة (٣) وبعلبك، وهو
стр. 2183
الذي بنى سورها، منبج ما وبين ذلك، وافتتح من بلاد الروم عدة حصون منها مرعش وبهسنا (١) وتلك الأطراف، وكان فتحه لمرعش في ذي القعدة من سنة ثمان وستين وخمسمائة ولبهسنا في ذي الحجة من السنة (٢) ، وافتتح أيضاً من بلاد الفرنج حارم، وكان فتحها في أواخر شهر رمضان سنة تسع وخمسمائة، وفتح أعزاز وبانياس وغير ذلك ما تزيد عدته على خمسين حصناً.
ثم سير الأمير أسد الدين شيركوه - المقدم ذكره - إلى مصر ثلاث دفعات، وملكها السلطان صلاح الدين في الدفعة الثالثة (٣) نيابة عنه، وضرب باسمه السكة والخطبة، وهي قضية مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة في شرحها (٤) ، وسيأتي ذلك في ترجمة صلاح الدين إن شاء الله تعالى.
وكان ملكاً عادلاً زاهداً عابداً ورعاً، متمسكاً (٥) بالشريعة مائلاً إلى أهل الخير، مجاهداً في سبيل الله تعالى، كثير الصدقات، بنى المدارس بجميع بلاد الشام الكبار مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة، وقد تقدم ذلك في ترجمة الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون، وبنى بمدينة الموصل الجامع النوري ورتب له ما يكفيه، وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي، وجامع الرها وجامع منبج، وبيمارستان دمشق، ودار الحديث بها أيضاً، وله من المناقب والمآثر والمفاخر ما يستغرق الوصف.
وكان بينه وبين أبي الحسن سنان بن سليمان (٦) بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الفرقة الباطنية بالشام، وإليه تنسب الطائفة السنانية، مكاتبات ومحاورات بسبب المجاورة، فكتب إليه نور الدين في بعض الأزمنة كتاباً يتهدده فيه ويتوعده (٧) لسبب اقتضى ذلك، فشق على سنان فكتب
стр. 2184
جوابه أبياتاً ورسالة، وهما:
ياذا الذي بقراع السيف هددنا (١) ... لا قام مصرع جنبي حين تصرعه
قام الحمام إلى البازي يهدده ... واستيقظت لأسود البر أضبعه
أضحى يسد فم الأفعى بإصبعه ... يكفيه ما قد تلاقي منه إصبعه وقفنا على تفاصيله (٢) وجمله، وعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله، فيالله العجب من ذبابة تطن في أذن فيل، وبعوضة تعد في التماثيل، ولقد قالها من قبلك قوم آخرون، فدمرنا عليه وما كان لهم من ناصرين، أو للحق تدحضون، وللباطل تنصرون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وأما ما صدر من قولك في قطع رأسي، وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي، فتلك أماني كاذبة، وخيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزل بالأعراض، كما أن الرواح لا تضمحل بالأمراض، كم بين قوي وضعيف، ودني وشريف وإن عدنا إلى الظاهر والمحسوسات، وعدلنا عن البواطن والمعقولات، فنا أسوة برسول الله ﷺ في قوله " ما أوذي نبي ما أوذيت " ولقد علمتم ما جرى على عترته، وأهل بيته وشيعته، والحال ما حال، والأمر ما زال، ولله الحمد في الآخرة والأولى إذ نحن مظلومون لا ظالمون، ومغضوبون لا غاضبون، وإذا جاء الحق زهق الباطل إن الباطل كان زهوقاًً، ولقد علمتم ظاهر حالنا، وكيفية رجالنا، وما يتمنونه من الفوت، ويتقربون به إلى حياض الموت، " قل فتمنوا الموت إن كنتم صادقين، ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين " الجمعة ٦ - ٧ وفي أمثال العامة السائرة: أو للبط تهددون بالشط فهيئ للبلايا جلباباً، وتدرع للرزايا أثواباً، فلأظهرن عليك منك، ولأفتتنهم (٣) فيك عنك، فتكون كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن
стр. 2185
أنفه بكفه، وما ذلك على الله بعزيز.
وهذه الرسالة نقلت من خط القاضي الفاضل على هذه الصورة، ورأيت في نسخة زيادة على هذا، وهي: فإذا وقفت على كتابنا هذا فكن لأمرنا بالمرصاد، إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والله أعلم؛ ورأيت في بعض النسخ زيادة بيت في أول الأبيات الثلاثة، وهو:
يا للرجال لأمر هال مفظعه (١) ... ما مر قط على سمعي توقعه وكتب سنان المذكور مرة أخرى إليه، وقد جرت بينهما وحشة:
بنا نلت هذا الملك حتى تأثلت ... بيوتك فيها واشمخر عمودها
فأصبحت ترمينا بنبل بنا استوى ... مغارسها منا، وفينا حديدها وبالجملة فإن محاسن نور الدين كثيرة؛ وكانت ولادته يوم الأحد عند طلوع الشمس سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة؛ وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، بقلعة دمشق، بقلعة الخوانيق، وأشار عليه الأطباء بالفصد فامتنع، وكان مهيباً فما روجع. ودفن في بيت بالقلعة كان يلازم الجلوس فيه والمبيت أيضاً، ثم نقل إلى تربته بمدرسته التي أنشأها عند باب سوق الخواصين، وسمعت من جماعة من أهل دمشق يقولون: إن الدعاء عند قبره مستجاب، ولقد جربت ذلك فصح، رحمه الله تعالى.
وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأ ثير اجزري في تاريخه الكبير الذي سماه " الكامل " في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (٢) أن نور الدين المذكور نزل في البقيعة تحت حصن الكراد في السنة المذكورة محاصراً لحصن الأكراد، وعازماً على قصد طرابلس وهو في جميع عساكره، فاجتمع من الفرنج خلق كثير وكبسوهم في النهار والمسلمون في غفلة عنهم، فلم يتمكنوا
стр. 2186
من الاستعداد لهم وهربوا منهم، ونجا نور الدين بنفسه وهي وقعة مشهورة معروفة، ونزل على بحيرة قدس بالقرب من حمص، وبينه وبين الفرنج مقدار أربعة فراسخ، فسير إلى حلب وبقية البلاد وأحضروا الأموال الكثيرة وأنفقها ليقوى جيشه ثم يعود إليهم فيستوفي الثار، فقال له بعض أصحابه: إن في بلادك إدرارات وصدقات وصلات كثيرة على الفقهاء والصوفية والقراء، ولو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح، فغضب من ذلك غضباً شديداً وقال: إني لا أرجو النصر إلا بأولئك، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطئ، وأصرفها إلى من لا يقاتل عني إلا بسهام قد تصيب وتخطئ وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال فكيف يحل ان أعطيه غيرهم (١) .
وكان أسمر اللون طويل القامة حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى ذقنه.
(٢٤٥) وكان قد عهد بالملك إلى ولده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل وعمره يوم مات أبوه إحدى عشرة سنة، فقام بالأمر من بعده، وانتقل من دمشق إلى حلب ودخل قلعتها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وخرج السلطان صلاح الدين من مصر، وملك دمشق وغيرها من بلاد الشام، ولم يبق عليه سوى مدينة حلب، ولم يزل الصالح بها إلى أن توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وذكروا أنه لم يبلغ عشرين سنة، والله أعلم. وكان مبدأ مرضه في تاسع شهر رجب من السنة المذكورة، وحدث له قولنج في مستهل جمادى الأولى، وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس، وتأسفوا عليه لأنه كان محسناً محمود السيرة، ودفن في المقام الذي في القلعة، ثم نقل إلى رباطه المعروف به تحت القلعة، وهو مشهور هناك، رحمه الله تعالى.
(٢٤٦) وتوفي مجير الدين أبق (٢) المذكور في سنة أربع وستين وخمسمائة ببغداد،
стр. 2187
ودفن في داره، كذا وجدته في بعض المسودات التي بخطي، والله أعلم، ومولده يوم الجمعة ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ببعلبك، والله تعالى أعلم.
(١) ٧١٦
مروان بن أبي حفصة
أبو السمط - وقيل أبو الهندام - مروان بن أبي حفصة سليمان بن يحيى ابن أبي حفصة يزيد، الشاعر المشهور؛ كان جده أبو حفصة مولى مروان بن الحكم بن أبي العاصي الموي، فأعتقه يوم الدار، لأنه أبلى يومئذ، فجعل عتقه جزاءه، وقيل إن أبا حفصة كان يهودياً طبيباً أسلم على يد مروان بن الحكم ويزعم أهل المدينة أنه كان من موالي اسموأل بن عادياء اليهودي المشهور بالوفاء صاحب القصة المشهورة مع امرئ القيس بن حجر الشاعر المشهور، وأن أبا حفصة سبي من اصطخر وهو غلام فاشتراه عثمان ﵁، ووهبه لمروان بن الحكم.
ومروان بن أبي حفصة الشاعر المذكور من أهل اليمامة، وقدم بغداد ومدح المهدي وهارون الرشيد، وكان يتقرب إلى الرشيد بهجاء العلويين، ومروان المذكور من الشعراء المجيدين، والفحول المقدمين. حكى ابن سيف (٢) عن أبي خليفة عن ابن سلام قال: لما أنشد مروان بن أبي حفصة المهدي قصيدته التي يقول فيها:
إليك قسمنا النصف من صلواتنا ... مسير شهر بعد شهر نواصله
стр. 2188
فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا ... لديك ولكن أهنأ العيش عاجله فقال له المهدي، قف بحيث أنت، كم قصيدتك هذه من بيت قال: سبعون بيتاً، قال: فلك سبعون ألفاً، لا تتم إنشادك حتى يحضر المال، فأحضر المال، فأنشد القصيدة وقبضه وانصرف (١)
وذكره أبو العابس بن المعتز في كتاب " طبقات الشعراء " فقال في حقه (٢) : وأجود ما قاله مروان قصيدته الغراء اللامية، وهي التي فضل بها على شعراء زمانه، يمدح فيها معن بن زائدة الشيباني، ويقال إنه أخذ منه عليها مالاً كثيراً لا يقدر قدره، ولم ينل أحد من الشعراء الماضين ما ناله مروان بشعره، فمما ناله ضربة واحدة ثلثمائة ألف درهم من بعض الخلفاء بسبب بيت واحد؛ انتهى كلام ابن المعتز.
والقصيدة اللامية طويلة تناهز الستين بيتاً ولولا خوف الإطالة لذكرتها، ولكن نأتي ببعض مديحها وهو في أثنائها (٣) :
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لهم في بطن خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
تجنب " لا " في القول حتى كأنه ... حرام عليه قول " لا " حين يسأل
تشابه يوماه علينا فأشكلا ... فلا نحن ندري أي يوميه أفضل
أيوم نداه الغمر أم يوم بؤسه ... وما منهما إلا أغر محجل
بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أصابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
تلاث بأمثال الجبال حبالهم (٤) ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
стр. 2189
هذا لعمري عز الدولة السحر الحلال المنقح لفظاً ومعنى، وحقه أن يفضل على شعراء عصره وغيرهم، وله في مدائح معن المذكور ومرائيه كل معنى بديع، وسيأتي شيء من ذلك في أخبار معن إن شاء الله تعالى.
وحكى ابن المعتز أيضاً (١) عن شراحيل بن معن بن زائدة أنه قال: عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد البرمكي، وهو في قبة، وعديله القاضي أبو يوسف الحنفي وهما يريدان الحج، قال شراحيل: فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة، فأنشده شعراً، فقال له يحيى بن خالد في بيت منها: ألم أنهك عن مثل هذا البيت أيها الرجل ثم قال: يا أخا بني أسد، إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول، وأنشده الأ بيات اللامية المقدم ذكرها، فقال له القاضي أبو يوسف، وقد أعجبته الأبيات جداً: من قائل هذه البيات يا أبا الفضل فقال يحيى: يقولها مروان بن أبي حفصة يمدح بها أبا هذا الفتى الذي تحت القبة، قال شراحيل: فرمقني أبو يوسف بعينيه وأنا راكب على فرس لي عتيق وقال لي: من أنت يا فتى حياك الله تعالي وقربك قلت: أنا شراحبيل بن معن بن زائدة الشيباني، قال شراحبيل: فوالله ما أتت علي ساعة قط كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياحاً وسروراً.
ويحكى أن ولداً لمروان بن أبي حفصة المذكور دخل على شراحبيل المذكور فأنشده:
أبا شراحيل من معن بن زائدة ... يا أكرم الناس من عجم ومن عرب
أعطي أبوك أبي مالاً فعاش به ... فأعطيني مثل نا أعطى أبوك أبي
ما حل قط أبي أرضاً أبوك بها ... إلا وأعطاه قنطاراً من الذهب فأعطاه شراحيل قنطاراً من الذهب.
ومما يقارب هذه الحكاية ما يروى عن أبي مليكة جرول بن أوس المعروف بالحطيئة الشاعر المشهور لما اعتقله عمر بن الخطاب، ﵁، لبذاءة
стр. 2190
لسانه وكثرة هجوه الناس، كتب إليه من الاعتقال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فارحم عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهي البشر
ما آثروك بها إذا قدموك لها (١) ... لكن لأنفسهم قد كانت الأثر فأطلقه، وشرط عليه أن يكف لسانه عن الناس، فقال له: يا أمير المؤمنين اكتب لي كتاباً إلى علقمة بن علاثة لأقصده به، فقد منعتني التكسب بشعري وكان علقمة مقيماً بحوران، وهو من الأجواد المشهورين - قال ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب هو علقمة بن علاثة بن عوف بن ربيعة، ويقال له الأحوص لصغر عينيه، ابن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان - وكان عمر، ﵁ استعمله على حوران، فامتنع عمر ﵁ من ذلك، فقيل له: با أمير المؤمنين وما عليك من ذلك علقمة ليس من عمالك (٢) فتخشى من ذلك أن تأثم، وإنما هو رجل من المسلمين تشفع بك غليه. فكتب له بما أراد، فمضى الحطيئة بالكتاب، فصادف علقمة قد مات والناس منصرفون من قبره، وابنه حاضر، فوقف عليه ثم أنشد (٣) :
لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى علقته الحبائل
فإن تحي لا أملل حياتي، وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل
وما كان بيني لو لقيتك سالماً ... وبين الغنى إلا ليال قلائل فقال له ابنه: كم ظننت أن علقمة كان يعطيك لو وجدته حياً فقال: مائة ناقة يتبعها مائة من أولادها، فأعطاه ابنه إياها.
стр. 2191
والبيتان الأخيران من هذه الثلاثة وجدتهما في ديوان النابغة الذبياني، واسمه زياد بن معاوية بن جابر، من جملة قصيدة يرثي بها النعمان بن أبي شمر الغساني.
وأخبار ابن أبي حفصة ونوادره ومحاسنه كثيرة، فلا حاجة إلى الإطناب بذكرها، وكانت ولادته سنة خمس ومائة. وتوفي سنة إحدى وثمانين ومائة ببغداد، ودفن بمقبرة نصر بن مالك الخزاعي، رحمه الله تعالى.
(٢٤٧) وحفيده مروان الأصغر (١) ، وهو أبو السمط مروان بن أبي الجنوب ابن مروان الأكبر المذكور، وكان من شعراء عصره المشاهير المقدمين، وذكر المبرد في كتاب " الكامل " (٢) طرفاً من أخبار عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري ثم قال: ويروي أن عبد الرحمن المذكور لدغه زنبور فجاء أباه يبكي، فقال له: ما بك قال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة، فقال أبوه: قلت الشعر والله ثم قال بعد ذلك: وأعرق قوم كانوا في الشعر آل حسان، فإنهم كانوا يعدون ستة في نسق كلهم شاعر، وهم: سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، وبعد هؤلاء في الوقت آل أبي حفصة: فإنهم أهل بيت كل واحد منهم شاعر يتوارثونه كابراً عن كابر (٣) ، ويحيى ابن أبي حفصة كنيته أبو جميل، وأمه تحيا بنت ميمون، يقال إنها من ولد النابغة الجعدي، وإن الشعر أتي إلى أبي حفصة بذلك السبب، وكل واحد من هؤلاء كان يضرب بلسانه أرنبة أنفه، وهو دليل على الفصاحة والبلاغة، والله تعالى أعلم.
стр. 2192
(١) ٧١٧
مسلم صاحب الصحيح
أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري صاحب الصحيح؛ أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين، رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن مسلمة القعنبي وغيرهم، وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها، وآخر قدومه إليها في سنة تسع وخمسين ومائتين، وروى عنه الترمذي وكان من التقات.
وقال محمد الماسرجسي، سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة. وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث. وقال الخطيب البغدادي: كان مسلم يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه.
وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ: لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم من الاختلاف إليه، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس من الاختلاف إليه، حتى هجر وخرج من نيسابور في تلك المحنة، قطعه أكثر الناس غير مسلم، فإنه لم يتخلف عن زيارته، فأنهي إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبه قديماً وحديثاً وأنه عوتب على ذلك بالحجاز والعراق ولم يرجع عنه، فلما كان يوم مجلس محمد ابن يحيى قال في آخر مجلسه: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على روؤس الناس وخرج من مجلسه، وجمع
стр. 2193
كل ما كان كتب منه وبعث به على ظهر حمال إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة وتخلف عنه وعن زيارته.
وتوفي مسلم المذكور عشية يوم الأحد ودفن بنصر أباذ ظاهر نيسابور يوم الاثنين لخمس، وقيل لست، بقين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وعمره خمس وخمسون سنة.
هكذا وجدته في بعض الكتب، ولم أر أحداً من الحفاظ يضبط (١) مولده ولا تقدير عمره، وأجمعوا أنه ولد بعد المائتين. وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان المعروف بابن الصلاح يذكر مولده، وغالب ظني أنه قال: سنة اثنتين ومائتين، ثم كشفت ما قاله ابن الصلاح فإذا هو في سنة ست ومائتين، نقل ذلك من كتاب " علماء الأمصار " تصنيف الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري الحافظ، ووقعت على الكتاب الذي نقل منه، وملكت النسخة التي نقل منها أيضاً، وكانت ملكه، وبيعت في تركته ووصلت إلي وملكتها، وصورة ما قاله بإن مسلم بن الحجاج توفي بنيسابور لخمس بقين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة، فتكون ولادته في سنة ست ومائتين، والله أعلم، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على القشيري صاحب الرسالة (٢) فأغنى عن الإعادة.
(٢٤٨) وأما محمد بن يحيى المذكور فهو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله ابن خالد ابن فارس بن ذؤيب الذهلي النيسابوري، وكان أحد الحفاظ الأعيان، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة القزويني، وكان ثقة مأموناً. وكان سبب الوحشة بينه وبين البخاري أنه لما دخل البخاري مدينة نيسابور شعث عليه محمد بن يحيى في مسألة خلق اللفظ، وكان قد سمع منه، فلم يمكنه ترك الرواية عنه، وروى عنه في الصوم والطب والجنائز والعتق وغير ذلك مقدار ثلاثين موضعاً، ولم يصرح بإسمه فيقول حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، بل يقول: حدثنا محمد، ولا يزيد عليه، ويقول محمد بن عبد الله،
стр. 2194
فينسبه إلى جده وينسبه أيضاً إلى جد أبيه، وتوفي محمد المذكور سنة اثنتين، وقيل سبع، وقيل ثمان وخمسين ومائتين رحمه الله تعالى، والله أعلم.
(١) ٧١٨
مسعود الطريثيثي
أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود بن طاهر النيسابوري الطريثيثي الفقيه الشافعي، الملقب قطب الدين؛ تفقه بنيسابور ومرو على أئمتها، وسمع الحيث من غير واحد، ورأى الاستاذ أبا نصر القشيري، ودرس بالمدرسة الناظمية بنيسابور نيابة عن الجويني. وكان قد قرأ القرآن الكريم والأدب على والده، وقدم بغداد ووعظ بها وتكلم في المسائل فأحسن، وقدم دمشق سنة أربعين وخمسمائة، ووعظ بها وحصل له قبول، ودرس بالمدرسة المجاهدية ثم بالزاوية الغربية من جامع دمشق بعد موت الفقيه أبي الفتح نصر الله المصيصي؛ وذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق ".
ثم خرج إلى حلب وتولى التدريس مدة في المدرستين اللتين بناهما له نور الدين محمود وأسد الدين شيركوه، ثم مضى إلى همذان وتولى التدريس بها، ثم رجع إلى دمشق ودرس بالزاوية الغرية وحدث، وتفرد برئاسة أصحاب الشافعي ﵁.
وكان عالماً صالحاً (٢) ، صنف كتاب " الهادي " في الفقه، وهو مختصر نافع لم يأت فيه إلا بالقول الذي عليه الفتوى، وجمع للسلطان صلاح الدين عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في أمور دينه، وحفظها أولاده الصغار حتى تترسخ في
стр. 2195
أذهانهم من الصغر، قال بهاء الدين ابن شداد في " سيرة السلطان " (١) : ورأيته - يعني السلطان - وهو يأخذها عليهم، وهو يقرؤونها بين يديه من حفظهم.
وكان متواضعاً قليل التصنع. مطرحاً للتكليف؛ وكانت ولادته سنة خمس وخمسمائة، في الثالث عشر من شهر رجب الفرد (٢) ؛ وتوفي في آخر يوم من شهر رمضان المعظم، سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق، وصلي عليه يوم العيد، وكان نهار (٣) الجمعة، ودفن بالمقبرة التي أنشأها جوار مقبر الصوفية غربي دمشق، وزرت قبره غير مرة، رحمه الله تعالى.
وكان والده من طريثت، وقد تقدم الكلام عليها في ترجمة عميد الملك الكندري فلا حاجة إلى إعادته، وهي من نواحي نيسابور (٤) .
وقال بعض أصحابه: أنشدنا الشيخ قطب الدين لبعضهم:
يقولون إن الحب كالنار في الحشا ... ألا كذبوا فالنار تذكو وتخمد
وما هي إلا جذوة مس عودها ... ندى فهي لا تخبو ولا تتوقد والله تعالى أعلم بالصواب.
(٥) ٧١٩
الشريف البياضي الشاعر
الشريف أبو جعفر مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق البياضي، الشاعر المشهور، هكذا وجدته بخط بعض الحفاظ المتقينن، ورأيت
стр. 2196
في أول ديوانه أنه أبو جعفر مسعود بن المحسن بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، والله أعلم بالصواب.
وهو من الشعراء الممجيدين في المتأخرين، وديوان شعره صغير، وهو في غاية الرقة، وليس فيه من المدائح (١) إلا اليسير، فمن أحسن شعره قصديته القافية التي أولها:
إن غاض دمعك والركاب تساق ... مع ما بقلبك فهو منك نفاق
لا تحبسن ماء الجفون فإنه ... لك يا لديغ هواهم ترياق
واحذر مصاحبة العذول فإنه ... مغر، وظاهر عذله إشفاق
لا يبعدن زمن مضت أيامه ... وعلى متون غصونها أوراق
أيام نرجسنا العيون ووردنا ال ... غض الخدود (٢) وخمرنا الأرياق
ولنا بزوراء العراق مواسم ... كانت تقام لطيبها أسواق
فلئن بكت عيني دماً شوقاً إلى ... ذاك الزمان فمثله يشتاق ومنها:
أين الأغيلمة الأولى لولاهم ... ما كان طعم هوى الملاح يذاق
وكأنما أرماحهم بأكفهم ... أجسامهم ونصولها الأحداق
شنوا الإغارة في القلوب بأعين ... لا يرتجى لأسيرها إطلاق
واستعذبوا ماء الجفون فعذبوا ال ... أسراء حتى درت الآماق
ونمى الحديث بأنهم نذروا دمي ... أو لي دم يوم الفراق يراق وله، وهو مما يغني به:
كيف يذوي عشب أشوا ... قي ولي طرف مطير
إن يكن في العشق حر ... فأنا العبد الأسير
стр. 2197
أو على الحسن زكاة ... فأنا ذاك الفقير وله وكتبها على مروحة:
وارحمتا لي أن حللت بمجلس ... إن لحنوا فيه يكون كسادي (١) وله أيضاً:
يا ليلة بات فيها البدر معتنقي ... إلى الصباح بلا خوف ولا حذر
كلامه الدر يغني عن كواكبها ... ووجهه عوض فيها عن القمر
فبينما أنا أرعي في محاسنه ... سمعي وطرفي إذ أنذرت بالسحر
ولم يكن عيبها إلا تقاصرها ... وأي عيب لها أشنى من القصر
وودت لو أنها طالت علي ولو ... أمددتها بسواد القلب والبصر والبيت الأخير منها ينظر إلى قول أبي العلاء بن سليمان المعري، وهو (٢) :
يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر وشعره كله على هذا الأسلوب، وقد تقدم له بيتان في ترجمة صر در الشاعر. وتوفي الباضي المذكور يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة ببغداد، ودفن بمقبرة باب أبرز. وإنما قيل له البياضي لأن أحد أجداداه كان في مجلس بعض الخلفاء مع جماعة من العباسيين، وكانوا قد لبسوا سواداً، ما عداه، فإنه كان قد لبس بياضاً فقال الخليفة: من ذلك البياضي فثبت الإسم عليه واشتهر به.
وذكر ابن الجوزي في كتاب " الألقاب " أن صاحب هذه الواقعة هو محمد ابن عيسى بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵃ أجمعين، وهو الذي يقال له البياضي. ورأيت بخط أسامة بن منقذ - المقدم ذكره - أن الذي لقبه بهذا اللقب هو الخليفة الراضي بالله، والله تعالى أعلم.
стр. 2198
(١) ٧٢٠
غياث الدين السلجوقي
أبو الفتح مسعود بن محمد بم ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، الملقب غياث الدين، أحد ملوك (٢) السلجوقية المشاهير وقد تقدم ذكر والده وأخيه محمود وجماعة من أهل بيته.
كان مسعود المذكور قد سلمه والده في سنة خمس وخمسمائة إلى الأمير مودود ابن التوتكين وجعله صاحب الموصل ليربيه، فلما قتل مودود في سنة سبع وخمسمائة وتولى الأمير آق سنقر البرسقي - المذكور في حرف الهمزة - مكانه سلمه والده إليه أيضاً، ثم أرسله من بعده إلى جيوش بك (٣) أتابك الموصل أيضاً.
فلما توفي والده وتولى موضعه ولده محمود - المقدم ذكره - أخذ جيوش بك يحسن لمسعود المذكور الخروج على أخيه محمود وأطعمه في السلطنة، ولم يزل على ذلك حتى جمع العساكر واستكثر منها، وقصد أخاه، والتقيا بالقرب من همذان في ربيع الأول سنة أربع عشرة (٤) وخمسمائة، وكان النصر لمحمود، وقتل في هذه الواقعة الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي - وقد سبق شيء من خبره في حرف الحاء.
ثم انتقلت الأحوال وتقلبت بمسعود المذكور واستقل بالسلطنة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ودخل بغداد، واستوزر شرف الدين أنو شروان بن خالد
стр. 2199
القاشاني الذي كان وزير المسترشد، وقد تقدم ذكره في ترجمة الحريري صاحب المقامات؛ وكان سلطاناً عادلاً لين الجانب كبير النفس، فرق مملكته على أصحابه، ولم يكن له من السلطنة غير الاسم، وكان حسن الأخلاق كثير المزاح والانبساط مع الناس، فمن ذلك أن أتابك زنكي صاحب الموصل أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري في رسالة، فوصل إليه وأقام معه في العسكر، فوقف يوماً على خيمة الوزير حتى قارب أذان امغرب فعاد إلى خيمته وأذن المغرب وهو في الطريق، فرأى إنساناً فقيهاً في خيمة، فنزل إليه فصلى معه، فسأله كمال الدين من أين هو فقال: أنا قاضي مدنية كذا، فقال له كمال الدين: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وهو أنا وأنت، وقاض في الجنة وهو من لا يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم. فلما كان من الغد أرسل السلطان وأحضر كمال الدين، فلما دخل عليه ورآه ضحك وقال: القضاة ثلاثة، فقال كمال الدين: نعم يا مولانا، فقال: والله صدقت، ما أسعد من لا يرانا ولا نراه، ثم أمر به فقضيت حاجته وأعاده من يومه.
ومن ذلك أنه اجتاز يوماً في بعض أطراف بغداد فسمع امرأة تقول لأخرى: تعالي انظري إلى السلطان، فوقف وقال: يقف حتى تجيء هذه الست تنظر إلينا.
وله مناقب كثيرة (١) وكان مع لين جانبه ما ناوأه أحد وظفر به، وقتل من الأمراء الأكابر خلقاً كثيراً، ومن جملة من قتل الخليفتان المسترشد بالله والراشد لأنه كان قد وقع بينه وبين الخليفة المسترشد وحشة قبل استقلاله في السلطنة، فلما استقل استطال نوابه على العراق، وعارضوا الخليفة في أملاكه، فقويت الوحشة بينهما، وتجهز المسترشد وخرج لمحارتبه، وكان السلطان مسعود بهمذان، فجمع جيشاً عظيماً وخرج للقائه، وتصافا بالقرب من همذان فكسر عسكر الخليفة، وأسر هو وأرباب دولته، وأخذه السلطان مسعود مأسوراً وطاف به بلاد أذربيجان، وقتل على باب المراغة، حسبما شرحناه في ترجمة دبيس بن صدقة، وهو الذي خلع الراشد وأقام المقتفي كما هو مشهور.
стр. 2200
ثم أقبل مسعود على الاشتغال باللذات والانعكاف على مواصلة وجوه الراحات، متكلاً على السعادة تعمل له ما يؤثره، إلى أن حدث له القيء وعلى الغثيان، واستمر به ذلك إلى أن توفي في حادي عشر جمادى الآخرة، سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وقيل يوم الأربعاء، الثاني والعشرين من الشهر المذكور بهمذان ومات معه سعادة البيت السلجوقي فلم تقم له بعد راية يعتد بها ولا يلتفت إليها:
فما كان قيس هلكه واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما (١) ودفن في مدرسة بناها (٢) جمال الدين إقبال الخادم.
وقال ابن الأزرق الفارقي في تاريخه: رأيت السلطان المذكور ببغداد، في السنة المذكورة، وسار إلى همذان ومات بباب همذان، وحمل إلى أصبهان رحمه الله تعالى، وقد تقدم شيء من خبره في ترجمة دبيس بن صدقة صاحب الحلة.
ومولده يوم الجمعة، لثلاث خلون من ذي القعدة، سنة اثنتين وخمسمائة.
ولما ولي السلطنة جرت بينه وبين عمه سنجر - المقدم ذكره - منازعة، ثم خطب له بعد عمه المذكور ببغداد، يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة والله أعلم.
стр. 2201
(١) ٧٢١
عز الدين مسعود صاحب الموصل
أبو الفتح وأبو المظفر، مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي ابن آق سنقر، أتابك صاحب الموصل، الملقب عز الدين - قد تقدم خبر جده وجد أبيه، وخبر ولده نور الدين أرسلان شاه وغيرهم من أهل بيته، وسيأتي ذكر أبيه في هذا الحرف إن شاء الله تعالى - ولما توفي والده قام بالملك ولده سيف الدين غازي - المقدم ذكره - أنه أكبر الإخوة، وكان قد خلف هذين الولدين، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار المذكور عقيب ترجمة جده عماد الدين زنكي.
وكان عز الدين المذكور مقدم الجيوش في أيام أخيه غازي؛ ولما خرج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية بعد وفاة الملك العادل نور الدين محمود - المقدم ذكره - وأخذ دمشق وتقدم إلى حلب وحاصرها، خاف غازي منه، وعلم أنه قد استفحل أمره وعظم شأنه، واستشعر أنه متى استحوذ على الشام تعدى الأمر إليه، فجهز جيشاً عظيماً وقدم عليه أخاه عز الدين مسعوداً المذكور، وسار يريد لقاء السلطان، وضرب المصاف معه ليرده على البلاد فلما بلغ السلطان خروجه رحل عن حلب، وذلك في مستهل رجب الفرد سنة سبعين وخمسمائة، وسار إلى حمص وأخذ قلعتها. وكان قد أخذ البلد في جمادى الأولى من السنة المذكورة بعد خروجه من دمشق قاصداً حلب، ووصل عز الدين مسعود إلى حلب لينجد ابن عمه الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين، صاحب حلب.
هذا كان في الصورة الظاهرة، وفي الباطن كان غرضهم ما ذكرناه من
стр. 2202
خوفهم على بلادهم، فانضم إلى عز الدين مسعود عسكر حلب وخرج في جمع كثير.
ولما عرف السلطان مسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة، وراسلهم وراسلوه، واجتهد في أن يصالحوه فلم يفعلوا، ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا به الغرض الأكبر والمقصود الأوفر، والقضاء يجر إلى أمور لا يشعرون بها، فقام المصاف بين العسكرين، وقضى الله تعالى أن انكسر جيش عز الدين وأسر السلطان جماعة من أمرائه ثم أطلقهم، وذلك يوم الأحد التاسع عشر من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، وهذه الواقعة من الوقائع المشهورة.
ثم سار السلطان عقيب الكسر إلى حلب ونزل عليها، وهي الدفعة الثانية، فصالحه الملك الصالح إسماعيل على أخذ المعرة وكفرطاب وبارين ثم رحل عنها.
وشرح ذلك يطول، وتتمة هذه القضية مذكورة في ترجمة أخيه سيف الدين غازي.
ولما توفي أخوه سيف الدين في التاريخ المذكور في ترجمته، استقل عز الدين المذكور بالملك من بعده، ولم يزل إلى أن حضرت الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الوفاة - في التاريخ المذكور في ترجمة أبيه نور الدين - فأوصى بمملكة حلب وما معها لابن عمه عز الدين مسعود المذكور، واستخلف له المراء والأجناد، فلما توفي وبلغ الخبر عز الدين مسعوداً، بادر متوجهاً إليها خوفاً من صلاح الدين أن يسبقه فيأخذه، وكان وصوله إليها في العشرين من شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وصعد القلعة واستولى على ما بها من الخزائن والحواصل، وتزوج أم الملك الصالح في خامس شوال من السنة، وأقام بها إلى سادس عشر شوال.
ثم علم أنه لا يمكنه حفظ الشام والموصل، وخاف من جانب صلاح الدين، وألح عليه الأمراء في طلب الزيادات، وتبسطوا عليه في المطالب (١) ، وضاق عنهم عطنه. وكان المستولي على أمره مجاهد الدين قايماز الزيني - المقدم ذكره في حرف القاف - فرحل عن حلب وخلف بها مظفر الدين ولده، ومظفر
стр. 2203
الدين بن زين الدين صاحب إربل - المذكور في حرف الكاف؛ ولما وصل إلى الرقة لقيه بها أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، فقرر معه مقايضة حلب بسنجار وتحالفا على ذلك، وسير عماد الدين من يتسلم حلب، وسير عز الدين من يتسلم سنجار.
وفي ثالث عشر المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، صعد عماد الدين إلى قلعة حلب، وكان قد تقرر الصلح بين عز الدين المذكور وابن عمه الملك الصالح، وبين صلاح الدين، على يد قليج أرسلان صاحب الروم، وصعد السلطان صلاح الدين إلى الديار المصرية، واستناب بدمشق ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن شاهان شاه بن أيوب، فلما بلغه خبر وفاة الملك الصالح وهذه الأمور المتجددة عاد إلى الشام. وكان وصوله إلى دمشق في سابع عشر صفر سنة ثمان وسبعين، وبلغه بها أن رسول عز الدين مسعود وصل إلى الفرنج يحثهم على قتال السلطان ويبعثهم على قصده، فعلم أنه قد غدر به ونكث اليمين، فعزم على قصد حلب والموصل وأخذ في التأ هب للحرب، فبلغ عماد الدين صاحب حلب ذلك، فسير إلى أخيه صاحب الموصل يعلمه ذلك ويستدعي منه العساكر.
فسار السلطان صلاح الدين من دمشق ونزل على حلب، في ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وأقام عليها ثلاثة أيام. ثم رحل في الحادي والعشرين من الشهر، ثم جاءه مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، وكان يوم ذلك في خدمة صاحب الموصل وهو صاحب حران، وكان قد استوحش من عز الدين مسعود صاحب الموصل وخاف من مجاهد الدين قايماز الزيني - المذكور في حرف القاف - فالتجأ إلى السلطان صلاح الدين وقطع الفرات وعبر إليه، وقوى عزمه على قصد بلاد الجزيرة وسهل أمرها عليه، فعبر السلطان صلاح الدين الفرات، وأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج، ثم أشحن (١) على بلاد الخابور وأقطعها، وتوجه إلى الموصل، ونزل عليها يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ليحاصرها، فأقام أياماً، وعلم أنه بلد عظيم لا يتحصل منه شيء بالمحاصرة، وان طريق أخذه أخذ قلاعه
стр. 2204
وبلاده وإضعاف أهله على طول الزمان، فرحل عنها ونزل على سنجار في سادس عشر شعبان من السنة، وأخذها في ثاني شهر رمضان المعظم، وأعطاها لابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر - المقدم ذكره - وشرح ذلك يطول.
وخلاصة الأمر أنه رجع إلى الشام فكان وصوله إلى حران في أول ذي القعدة ثم عاد إلى منازلة الموصل، وكان وصوله إليها في أول شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين، ونزلت إليه والدة عز الدين ومعها جماعة من نساء بني أتابك وابنه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود - وقد سبق ذكره في حرف الهمزة - وطلبت منه المصالحة، فردها خائبة ظناً منه أن عز الدين أرسلها عجزاً عن حفظ الموصل، واعتذر بأعذار ندم عليها بعد ذلك، وبذل أهل الموصل نفوسهم في القتال لكونه رد النساء والولد بالخيبة، فأقام عليها إلى أن أتاه خبر وفاة شاه أرمن ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن سكمان القطبي صاحب خلاط، وقيام مملوكه بكتمر بالأمر من بعده، وطمع في خلاط، وقرر معه تسليمها إليه وأن يعوضه عنها ما يرضيه. وكانت وفاة شاه أرمن يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة.
فرحل السلطان صلاح الدين عن الموصل لهذا السبب في العشرين من الشهر المذكور وتوجه نحو خلاط، وفي مقدمته مظفر الدين صاحب إربل وهو يوم ذاك صاحب حران وناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه وهو ابن عم صلاح الدين، فنزلوا بالطوانة، البليدة التي هي بالقرب من خلاط، وسير الرسل إلى بكتمر لتقرير القاعدة، فوصلت الرسل إليه وشمس الدين بهلوان بن الذكر (١) صاحب أذربيجان وعراق العجم قد قرب من خلاط ليحاصرها، فبعث إليه بكتمر يعرفه أنه إن لم يرجع عنه وإلا سلم البلاد إلى السلطان صلاح الدين فصالحه وزوجه ابنته ورجع عنه، وسير بكتمر إلى السلطان صلاح الدين يعتذر عما قاله من تسليم خلاط، وكان السلطان قد نزل على ميافارقين يحاصرها، فقاتلها قتالاً شديداً، ثم أخذها عن صلح بالخديعة في التاسع والعشرين من
стр. 2205
جمادى الأولى من السنة المذكورة، وكان صاحبها قطب الدين ايغازي بن البي بن كرماس (١) بن غازي (٢) بن أرتق، فمات وتركها لولده حسام الدين بولق أرسلان، وهو طفل صغير، فطمع في أخذها من واليها فأخذها.
ولما أيس السلطان من خلاط عاد إلى الموصل، وهي الدفعة الثالثة، ونزل بعيداً عنها بموضع يقال له كفر زمار، فأقام به مدة، وكان الحر شديداً، فمرض السلطان مرضاً شديداً أشفى على الموت، فرحل طالباً حران في مستهل شوال من السنة. ولما علم عز الدين مسعود المذكور بمرض السلطان وأنه رقيق القلب، انتهز الفرصة وسير القاضي بهاء الدين بن شداد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الياء - ومعه بهاء الدين الربيب، فوصلا إلى حران في الرسالة والتماس الصلح، فأجاب إلى ذلك، وحلف يوم عرفة من السنة وقد تماثل للصحة، ولم يتغير عن تلك اليمين إلى أن مات رحمه الله تعالى، ثم رحل إلى الشام.
وأمن حينئذ عز الدين مسعود وطابت نفسه، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في السابع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة بعلى الإسهال. وكان قد بنى بالموصل مدرسة كبيرة وقفها على الفقهاء الشافعية والحنفية، فدفن بهذه المدرسة في تربة هي بداخلها، رحمه الله تعالى؛ ورأيت المدرسة والتربة، وهي من أحسن المدارس والترب، ومدرسة ولده نور الدين أرسلان شاه في قبالتها، وبينهما ساحة كبيرة.
ولما مات خلف ولده نور الدين المذكور - وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة - ولما مات نور الدين - في التاريخ المذكور في ترجمته - خلف ولدين أحدهما الملك القاهر عز الدين أبو الفتح مسعود، والآخر الملك المنصور عماد الدين زنكي ولما حضرته الوفاة قسم البلاد بينهما، فأعطى الملك القاهر - وهو الأكبر - الموصل وأعمالها، وأعطى عماد الدين الشوش (٣) والعقر وتلك النواحي.
стр. 2206
(٢٤٩) فأما الملك القاهر فكانت ولادته في سنة تسعين وخمسمائة بالموصل، وتوفي بها فجأة ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وستمائة، وكان قد بنى مدرسة أيضاً فدفن بها.
(٢٥٠) وأما عماد الدين فإنه أخذ بعد موت أخيه الملك القاهر قلعة العمادية، ثم أخذت منه، وهي من أحسن القلاع بجبل الهكارية من أعمال الموصل، وكذلك عدة قلاع مما يجاورها، وانتقل إلى إربل، وكان زوج ابنه مظفر الدين صاحب إربل، فأقام بها زماناً، وكنا في جواره، وكان من أحسن الناس صورة، ثم قبض عليه مظفر الدين لأمر يطول شرحه، وسيره إلى سنجار الملك الأشرف ابن الملك العادل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فأفرج عنه الملك الأشرف، وعاد إلى أربل، وقايضه مظفر الدين عن العقر بشهرزور وأعمالها، فانتقل إليها، وأقام إلى أن توفي في حدود سنة ثلاثين وستمائة، وخلف ولداً أقام بعده قليلاً ثم مات، رحمهما الله تعالى.
ولما مات عز الدين مسعود بن أرسلان شاه خلف ولدين نور الدين أرسلان شاه، وكان سمي عليا في حياة جده أرسلان شاه، فلما مات جده نور الدين سموه باسمه، وناصر الدين محمد.
(٢٥١) فتولى بعده نور الدين المذكور، وكان تقدير عمره عشر سنين، وبقي بعد أبيه قليلاً وتوفي في بقية السنة.
(٢٥٢) وتولى أخوه بعده ناصر الدين محمود، واملدبر لأمر المملكة بدر الدين لؤلؤ الذي ملك الموصل فيما بعد.
(٢٥٣) وتوفي بهلوان بن الذكر (١) المذكور، في سلخ ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
(٢٥٤) وتوفي والده شمس الدين الذكرالأتابك في أواخر شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة، بنقجوان، ودفن بها رحمه الله تعالى؛ وكان أتابك السلطان أرسلان شاه بن طغرلبك بن محمد بن ملكشاه بن محمد السلجوقي.
стр. 2207
وبعد الذكر بمقدار شهر توفي أرسلان شاه المذكور بهمذان ودفن بها رحمه الله تعالى.
(٢٥٥) وقتل قزل بن الذكر المذكور في أوائل شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وكان ملكاً كبيراً، وهو ابن الذكر المذكور، رحمهم الله تعالى أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) ٧٢٢
مطرف الصنعاني
أبو أيوب مطرف بن مازن، الكناني بالولاء، وقيل القيسي بالولاء، اليماني الصنعاني؛ ولي القضاء بصنعاء اليمن، وحدث عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح وجماعة كثيرة، وروى عنه الإمام الشافعي ﵁، وخلق كثير.
واختلفوا في روايته: فنقل عن يحيى بن معين أنه سئل عنه فقال: كذاب. وقال النسائي: مطرف بن مازن ليس بثقة. وقال السعدي (٢) : مطرف بن مازن الصنعاني يتثبت في حدثه حتى يبلى ما عنده. وقال أبو حاتم محمد بن حبان البستي: مطرف بن مازن الكناني قاضي اليمن يروي عن معمر وابن جريح، روى عنه الشافعي وأهل العراق، وكان يحدث بما لم يسمع، ويروي ما لم يكتب عمن لم يره، ولا تجوز الرواية عنه إلا عند الخواص للإعتبار فقط. وقال حاجب ابن سليمان: كان مطرف بن مازن قاضي صنعاء وكان رجلاً صالحاً، وذكر عنه حكاية في إبراره قسم من أقسم على أمر شنيع يفعله به. وذكر أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني أحاديث من رواية مطرف بن مازن وقال: لمطرف غير
стр. 2208
ما ذكرت أفراد يتفرد بها عمن يرويها عنه، ولم أر فيما يرويه شيئاً (١) منكراً. وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البهقي: أخبرنا أبو سعيد قال، حدثنا أبو العباس قال: أخبرنا الربيع قال الشافعي ﵁: وقد كان من حكام الآفاق من يستحلف على المصحف وذلك عندي حسن، وقال: وأخبرني مطرف بن مازن بإسناد لا أحفظه أن ابن الزبير أمر بأن يحلف على المصحف قال الشافعي؛ ﵁: ورأيت مطرفاً بصنعاء اليمن يحلف على المصحف، وقال غيره، قال الشافعي ﵁ ورأيت ابن مازن - وهو قاضي صنعاء - يغلط باليمين بالمصحف.
وتوفي مطرف المذكور بالرقة، وقيل بمنبج، وكانت وفاته في أواخر خلافة هارون الرشيد، وتوفي هارون الرشيد ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة بطوس، وكانت ولايته يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، رحمه الله تعالى.
وهذا مطرف ليس من المشاهير الذين أحتاج إلى ذكرهم، والذي حملني على ذكره أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، ذكره في كتاب ذكره في كتاب " المهذب " في باب اليمين في الدعاوى في فصل التغليظ، فقال: " وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي ﵁ عن مطرف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف، قال: ورأيت مطرفاً بصنعاء يستحلف على المصحف، قال الشافعي ﵁: وهو حسن " انتهى كلام صاحب " المهذب ". ورأيت الفقهاء يسألون عن مطرف المذكور ولا يعرفه أحد، حتى غلط فيه صاحبنا عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن أبي البركات هبة الله بن أبي الرضى بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي في كتابه الذي وضعه على " المهذب " في أسماء رجاله والكلام على غريبه فقال: " مطرف بن عبد الله بن الشخير " ثم قال " وتوفي (٢) سنة سبع وثمانين " يعني للهجرة، فيا لله العجب! شخص يموت في هذا التاريخ كيف يمكن أن يراه الشافعي ﵁ ومولد الشافعي
стр. 2209
سنة خمسين ومائة بعد موت ابن الشخير بثلاث وستين سنة، وما أدري كيف وقع هذا الغلط فلو أنه ما حكى تاريخ وفاته كان يمكن أن يقال: ظن أنه أدركه الشافعي.
ولما انتهيت في هذه الترجمة إلى هذا الموضع رأيت في تاريخ أبي الحسين عبد الباقي بن قانع الذي جعله مرتباً على السنين أن مطرف بن مازن توفي سنة إحدى وتسعين ومائة، وهذا يوافق ما قاله الأول من أنه توفي في أواخر خلافة هارون الرشيد.
والذي أفادني هذه الترجمة على الصورة المحكية في الأول هو الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري، نفع الله به.
ومطرف: بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبعدها فاء. والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه وتقييده.
(٢٥٦) وأما مطرف الذي ذكره عماد الدين فهو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير (١) بن عوف بن كعب بن رقدان بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر بن معد بن عدنان، الحرشي، كان فقيهاً، وكان لوالده عبد الله صحبة، وكان مطرف من أعبد الناس وأنسكهم، فذكروا أنه وقع بينه وبين رجل منازعة، فرفع يديه، وكان ذلك في مسجد البصرة، وقال: اللهم إني أسألك ألا يقوم من مجلسه حتى تكفيني إياه، فلم يفرغ مطرف من كلامه حتى صرع الرجل فمات، وأخذ مطرف وقدموه إلى القاضي، فقال القاضي: لم يقتله، وإنما دعا عليه فأجاب الله دعوته، فكان بعد ذلك تتقى دعوته، ومات في سنة سبع وثمانين للهجرة وقيل غير ذلك (٢) وقال ابن قانع: سنة خمس وتسعين، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 2210
٧٢٣ - الواعظ الروزي
أبو منصور المظفر بن أبي الحسين أزدشير بن أبي منصور العبادي، الواعظ المروزي الملقب قطب الدين، المعروف بالأمير؛ كان من أهل مرو، وله اليد الطولى في الوعظ والتذكير وحسن العبارة، ومارس هذا الفن من صغره إلى كبره، ومهر فيه حتى صار ممن يضرب به المثل في ذلك وصار عين ذلك العصر، وشهد له الكل بالفضل وحيازة قصب السبق.
وقدم بغداد فأقام بها قريباً من ثلاث سنين يعقد له فيها مجالس الوعظ، ولقي من الخلق قبولاً تاماً، وحظي عند الإمام المقتفي لأمر الله، ثم خرج منها رسولاً إلى جهة السلطان سنجر بن ملك شاه السلجوقي - المقدم ذكره - فوصل إلى خراسان، ثم عاد إلى بغداد، وخرج منها إلى خوزستان في رسالة فمات بعسكر مكرم في سلخ ربيع الآخر يوم الخميس، وقيل الاثنين، سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وحمل تابوته إلى بغداد، ودفن بها في الشونيزية في حظيرة الشيخ الجنيد بن محمد العبد الصالح، ﵁.
ومولده في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وسمع الحد يث الكثير بنيسابور من أبي علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي وأبي عبد الله إسماعيل بن الاحفظ عبد الغافر الفارسي وغيرهما، وروي عنه الحافظ أبو سعد السمعاني، وقال عنه: كان صحيح السماع، ولم يكن موثوقاً به في دينه، رأيت منه أشياء، وطالعت بخطه رسالة جمعها في إباحة شرب الخمر، سامحه الله تعالى وعفا عنه.
وكان والده أبو الحسين يعرف بالأمير أيضاً، وكان مليح الوعظ حسن السيرة توفي سنة نيف وتسعين وأربعمائة، رحمهما الله تعالى.
والعبادي: بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف دال مهملة هذه النسبة إلى سنج عباد، وهي قرية من قرى مرو.