← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

٧٠٣ - (١) عميد الملك الكندري أبونصر محمد بن منصور بن محمد، الملقب عميد الملك الكندري؛ كان من رجال الدهر جوداً وسخاء وكتابة وشهامة، واستوزره السلطان طغرلبك السلجوقي - المقدم ذكره - ونال عنده الرتبة العالية والمنزلة الجليلة، ولم يكن أحد من أصحابه معه كلام، وهو أول وزير كان لهذه الدولة، ولم تكن له منقبة إلا صحبة إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد الجويني الفقيه الشافعي صاحب " نهاية المطلب " على ما ذكره المسعاني في ترجمة أبي المعالي في كتاب " الذيل " فإنه قال - بعد الإطناب في وصف إمام الحرمين وذكر تنقله في البلاد - ثم قال: وخرج إلى بغداد وصحب العميد الكندري أبا نصر مدة يطوف معه ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء ويناظرهم، وتحنك بهم حتى تهذب في النظر، وشاع ذكره (٢) . وذكره شيخنا ابن الأثير في تاريخه (٣) في سنة ست وخمسين وأربعمائة وقال: إن الوزير المذكور كان شديد التعصب على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي، ﵁، حتى بلغ من تعصبه أنه خاطب السلطان ألب أرسلان السلجوقي في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأذن في ذلك، فلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية، فانف من ذلك أئمة خراسان، منهم أبو القاسم القشيري وإمام الحرمين الجويني وغيرهما، ففارقوا خراسان، وأقام إمام الحرمين بمكة شرفها الله تعالى أربع سنين يدرس ويفتي، فلهذا قيل له إمام الحرمين فلما جاءت الدولة

стр. 2137

النظامية أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم؛ وقيل إنه تاب عن الوقيعة في الشافعي، فإن صح فقد أفلح. وكان عميد الملك ممدحاً مقصداً للشعراء، مدحه جماعة من أكابر شعراء عصره، منهم أبو الحسن الباخرزي - المقدم ذكره - والرئيس أبو منصور علي بن الحسين بن علي بن الفضل، الكاتب المعروف بصردر - المقدم ذكره أيضاً - وفيه يقول قصيدته النونية، وهي (١) : أكذا يجازى ود كل قرين ... أم هذه شيم الظباء العين قصوا علي حديث من قتل الهوى ... إن التأسي روح كل حزين ولئن كتمتم مشفقين لقد درى ... بمصارع العذري والمجنون فوق الركاب ولا أطيل مشبها ... بل ثم شهوة أنفس وعيون هزت قدوهدهم وقالت للصبا ... هزؤاً عند البان مثل غصوني ووراء ذياك المقبل مورد ... حصباؤه من لؤلؤ مكنون إما بيوت النحل بين شفاههم ... منظومة (٢) أو حانة الزرجون ترمي بعينيك الفجاج مقلباً ... ذات الشمال بها وذات يمين لو كنت زرقاء اليمامة ما رأت ... من بارق حياً على جيرون شكواك من ليل التمام وإنما ... أرقي بليل ذوائب وقرون ومعنف (٣) في الوجد قلت له اتئد ... فالدمع دمعي والحنين حنيني ما نافعي إذ كان ليس بنافعي ... جاه الصبا وشفاعة العشرين لا تطرقن خجلاً للومة لائم ... ما أنت أول حازم (٤) مفتون أأسومهم، وهم الأجانب، طاعة ... وهواي بين جوانحي يعصيني

стр. 2138

ديني على ظبياته ما يقتضى ... فبأي حكم يقتضون رهوني وخشيت من قلبي الفرار إليهم ... حتى لقد طالبته بضمين كل النكال أطيق إلا ذلة ... إن العزيز عذابه بالهون يا عين مثل قذاك رؤية معشر ... عار على دنياهم والدين لم يشبهوا الإنسان إلا أنهم ... متكونون من الحما المسنون نجس العيون فإن رأيتهم مقلتي ... طهرتها فنزحت ماء جفوني أنا إن هم حسبوا الذخائر دونهم ... وهم إذا عدوا الفضائل دوني لا يشمت الحساد أن مطامعي ... عادت إلي بصفقة المغبون ما يستدير البدر إلا بعدما ... أبصرته في الضمر كالعرجون هذا الطريق اللحب زاجر ناقتي ... واليم قاذف فلكي المشحون فإذا عميد الملك حلى ربعه ... ظفراً بفأل الطائر الميمون ملك إذا ما العزم حث جياده ... مرحت بأزهر شامخ العرنين بأغر ما أبصرت نور جبينه ... إلا اقتضاني بالسجود جبيني تجلو النواظر في نواحي دسته ... والسرج بدر دجى وليث عرين عمت فضائله البرية فالتقى ... شكر الغني ودعوة المسكين قالوا وقد شنوا عليه غارة ... أصلات جود أم قضاء ديون لو كان في الزمن القديم تظلمت ... منه الكنوز إلى يدي قارون أما خزائن ماله فمباحة ... فاستوهبوا من علمه المخزون (١) ما الرزق محتاجاً بعرصته إلى ... طلب وليس الأجر بالمنون أقسمت أن ألقى المكارم عالماً ... أني برؤيته أبر يميني ساس الأمور فليس يخلي رغبة ... من رهبة، وبسالة من لين كالسيف رونق أثره في متنه ... ومضاؤه في حده المسنون شهدت علاه أن عنصر ذاته ... مسك وعنصر غيره من طين

стр. 2139

وكان إنشاده إياه (١) هذه القصيدة عند وصول عميد الملك إلى العراق، وهو في دست وزارته وعلو منصبه، وهذه القصيدة من الشعر الفائق المختار وقد أثبتها بكمالها ما خلا ثلاثة أبيات فإنها لم تعجبني فأهملتها، وقد وازن هذه القصيدة جماعة من الشعراء منهم ابن التعاويذي - المقدم ذكره - وازنه بقصيدته التي أولها: إن كان دينك في الصبابة ديني ... فقف المطي برملتي يبرين وهي القصيدة النادرة، وأرسلها من العراق إلى الشام ممتدحاً بها السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ولولا خوف الإطالة لأثبتها، ثم ذكرتها في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب فتطلب هناك؛ ووازنه أيضاً ابن المعلم - المقدم ذكره - بقصيدته التي أولها: ما وقفة الحادي على يبرين ... وهو الخلي من الظباء العين وهي أيضاً قصيدة جيدة، وقد ذكرت بعضها في ترجمته، وقد وازنها الأبله أيضاً، وبالجملة فما قاربها إلا ابن التعاويذي، وقد خرجنا عن المقصود، ولكن انتشر الكلام فلم يكن بد من استيفائه. ولم يزل عميد الملك في دولة طغرلبك عظيم الجاه والحرمة، إلى أن توفي طغرلبك - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام في المملكة ابن أخيه ألب أرسلان - المقدم ذكره - فأقره على حاله وزاد في إكرامه ورتبته، ثم إنه سيره إلى خوارزم شاه ليخطب له ابنته، فأرجف أعداؤه أنه خطبها لنفسه، وشاع ذلك بين الناس فبلغ عميد الملك الخبر، فخاف تغير قلب مخدومه عليه، فعمد إلى لحيته فحلقها وإلى مذاكيره فجبها، فكان ذلك سبب سلامته من ألب أرسلان، وقيل إن السلطان خصاه، فلما فعل ذلك عمل أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي المذكور في ترجمته قوله: قالوا محا السلطان عنه بعدكم ... سمة الفحول وكان قرماً صائلاً

стр. 2140

قلت اسكتوا فالآن زاد فحولة ... لما اغتدى من أنثييه عاطلاً فالفحل يأنف أن يسمى بعضه ... أنثى، لذلك جذه مستاصلا وهذا من المعاني الغريبة البديعة. ثم إن ألب أرسلان عزله من الوزارة في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة لسبب يطول شرحه، وفوض الوزارة إلى نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي المقدم ذكره. وحبس عميد الملك بنيسابور في دار عميد خراسان، ثم نقله إلى مرو الروذ وحبسه في داره، فكان في حجرة تلك الدار عياله، وكانت له بنت واحدة لا غير، فلما أحس بالقتل دخل الحجرة وأخرج كفنه وودع عياله وأغلق باب الحجرة واغتسل وصلى ركعتين، وأعطى الذي هم بقتله مائة دينار نيسابورية وقال: حقي عليك أن تكفنني في هذا الثوب الذي غسلته بماء زمزم، وقال لجلاده: قل للوزير نظام الملك: بئس ما فعلت، علمت الأتراك قتل الوزراء، وأصحاب الديوان، ومن حفر مهواة وقع فيها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ ورضي بقضاء الله المحتوم. وقتل يوم الأحد سادس عشر ذي الحجة سنة خمس وخمسين وأربعمائة وعمره يومئذ نيف وأربعون سنة، فعمل في ذلك الباخرزي الشاعر المذكور مخاطباً للسلطان ألب أرسلان. وعمك أدناه وأعلى محله ... وبوأه من ملكه كنفاً رحبا قضى كل مولى منكما حق عبده ... فخوله الدنيا وخولته العقبى ومن العجائب أنه دفنت مذاكيره بخوارزم، واريق دمه بمرو الروذ، ودفن جسده بقريته كندر، وجمجمته ودماغه بنيسابور، وحشيت سوأته بالتين ونقلت إلى كرمان، وكان نظام الملك هناك، ودفنت ثم، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، بعد أن كان رئيس عصره، رحمه الله تعالى. والكندري: بضم الكاف وسكون النون وضم الدال المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى كندر، وهي قرية من قرى طريثيت - بضم الطاء المهملة وفتح

стр. 2141

الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها أيضاً وبعدها ثاء مثلثة - وهي كورة من نواحي نيسابور، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم، والله تعالى أعلم بالصواب. ٧٠٤ - (١) الوزير الجواد جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور، الملقب جمال الدين المعورف بالجواد الأصفهاني، وزير صاحب الموصل؛ كان جده أبو منصور فهاداً للسلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فتأدب ولده وسمت همته، فاشتهر أمره وخدم في مناصب علية وصاهر الأكابر، فلما ولد له جمال الدين المذكور عني بتأديبه وتهذيبه، ثم ترتب في ديوان العرض للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فظهرت كفايته وحمدت طريقته، فلما تولى أتابك زنكي بن آق سنقر - المقدم ذكره - الموصل وما والاها استخدم جمال الدين المذكور وقربه واستصحبه معه إليها، فولاه نصيبين، فظهرت كفايته، وأضاف إليه الرحبة، فأبان عن كفاية وعفة، وكان من خواصه وأكبر ندمائه، فجعله مشرف مملكته كلها وحكمه تحكيماً لا مزيد عليه. وكان الوزير يومئذ ضياء الدين أبا سعيد بهرام بن الخضر الكفرتوثي، استوزره أتابك نكي في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وتوفي خامس شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وهو على وزارته، وتولى الوزارة بعده أبو الرضى ابن صدقة، وجمال الدين المذكور على وظائفه. وكان جمال الدين دمث الأخلاق، حسن المحاضرة مقبول المفاكهة، فخف على أتابك زنكي المذكور وأعجبه حديثه ومحاورته، وجعله من ندمائه،

стр. 2142

وعول عليه في آخر مدته في أشراف ديوانه (١) وزارد ماله، ولم يظهر منه في أيام أتابك زنكي كرم ولا جود ولا تظاهر بموجود، فلما قتل على قلعة جعبر - كما تقدم في ترجمته - أراد بعض العسكر قتل الوزير المذكور ونهب ماله، فتعرضوا له ورموا خيمته بالنشاب، فحماه جماعة من الأمراء، وتوجه بالعسكر إلى الموصل، فرتبه سيف الدين غازي بن أتابك زنكي - المقدم ذكره - في وزارته، وفوض الأمور وتدبير أحوال الدولة إليه وإلى زين الدين علي بن بكتكين والد مظفر الدين صاحب إربل - وقد تقدم طرف من خبره فير ترجمة ولده في حرف الكاف - فظهر حينئذ جود الوزير المذكور وانبسطت يده، ولم يزل يعطي ويبذل الأموال ويبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد، وصار ذلك كالعلم عليه، حتى لا يقال له إلا " جمال الدين الجواد ". ومدحه جماعة من الشعراء، من جملتهم محمد بن نصر بن صغير القيسراني الشاعر - المقدم ذكره فإنه قصده بقصيدته المشهورة التي أولها: سقى الله بالزوراء من جانب الغربي ... مهاً وردت عين الحياة من القلب وهي من القصائد الطنانة. وأثر آثار جميلة، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من مكان بعيد، وعمل الدرج من أسفل الدبل إلى أعلاه، وبنى سور مدينة الرسول ﷺ ، وما كان خرب من مسجده، وكان يحمل في كل سنة إلى مكة شرفها الله تعالى والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام من الأموال والكسوات للفقراء والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة كاملة، وكان له ديوان مرتب باسم أرباب الرسوم والقصاد لا غير، ولقد تنوع في فعل الخير حتى جاء في زمنه بالموصل غلاء مفرط فواسى الناس حتى لم يبق له شيء، وكان إقطاعه عشر مغل البلاد على جاري عادة وزراء الدولة السلجوقية، فأخبر بعض وكلائه أنه دخل عليه يوماً فناوله بقياره، وقال له: بع هذا واصرف ثمنه إلى المحاويج، فقال له الوكيل: إنه لم يبق عندك سوى هذا البقيار والذي على رأسك، وإذا بعت

стр. 2143

هذا ربما تحتاج إلى تغيير (١) البقيار فلا تجد ما تلبسه، فقال له: إن هذا الوقت صعب كما ترى، وربما لا أجد وقتاً أصنع فيه الخير كهذا الوقت، وأما البقيار فإني أجد عوضه كثيراً، فخرج الوكيل وباع البقيار وتصدق بثمنه؛ وله من هذه النوادر أشياء كثيرة. وأقام على هذه الحال إلى أن توفي مخدومه غازي - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام بالأمر من بعده أخوه قطب الدين مودود - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - فاستولى عليه مدة، ثم إنه استكثر إقطاعه وثقل عليه أمره، فقبض عليه في شهر رجب الفرد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وفي أخبار زين الدين صاحب إربل طرف من خبر قبضه وحبسه في قلعة الموصل. ولم يزل مسجوناً (٢) بها إلى أن توفي في العشر الأخير من شهر رمضان المعظم، وقيل شعبان، سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وصلي عليه، وكان يوماً مشهوداً من ضجيج الضعفاء (٣) والأرامل والأيتام حول جنازته، ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين، ثم نقل إلى مكة - حرسها الله تعالى - وطيف به حول الكعبة، وكان بعد أن صعدوا به ليلة الوقفة إلى جبل عرفات، وكانوا يطوفون به كل يوم مراراً مدة مقامهم بمكة، شرفها الله تعالى، وكان يوم دخوله مكة يوماً مشهوداً من اجتماع الخلق والبكاء عليه، ويقال إنه لم يعهد (٤) عندهم مثل ذلك اليوم، وكان معه شخص مرتب يذكر محاسنه ويعدد مآثره، إذا وصلوا به إلى المزارات والمواضع المعظمة، فلما انتهوا به إلى الكعبة وقف وأنشد: يا كعبة الإسلام هذا الذي ... جاءك يسعى كعبة الجود قصدت في العام وهذا الذي ... لم يخل يوماً غير مقصود ثم حمل إلى مدينة الرسول ﷺ ودفن بها بالبقيع بعد أن أدخل

стр. 2144

المدينة، وطيف به حول حجرة الرسول ﷺ مراراً وأنشد الشخص الذي كان مرتباً معه، فقال: سرى نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله يمر على الوادي فتثني رماله ... عليه وبالنادي فتبكي أرامله قلت: وهذان البيتان من جملة القصيدة المذكورة في ترجمة المقلد بن نصر بن منفذ الشيزري - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى؛ رحمه الله تعالى. (٢٣٣) وكان ولده أبو الحسن علي الملقب جلال الدين، من الأدباء الفضلاء البلغاء الكرماء، رأيت له ديوان رسائل أجاد فيه، وجمعه مجد الدين أبو السعادات المبارك المعروف بابن الأثير الجزري صاحب جامع الأصول - وقد تقدم ذكره (١) - وسماه كتاب الجواهري واللآلي من الإملاء المولوي الوزيري الجلالي ". وكان مجد الدين المذكور في أول أمره كاتباً بين يديه، يملي رسائله وإنشاءه عليه، وهو كاتب يده، وقد أشار مجد الدين إلى ذلك في أول هذا الكتاب، وبالغ في وصف جلال الدين المذكور وتقريضه، وفضله على كل من تقدم من الفصحاء، وذكر أنه كان بينه وبين حيص بيص - الشاعر المقدم ذكره (٢) - مكاتبات، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض رسائله. وفي جملة ما ذكره أن حيص بيص كتب إليه على يد رجل عليه دين رسالة مختصرة، فأتيت بها لقصرها، وهي " الكرم غامر والذكر سائر، والعون على الخطوب أكرم ناصر، وإغاثة الملهوف من أعظم الذخائر، والسلام " (٣) . وكان جلا الدين المذكور وزير سيف الدين غازي بن قطب الدين مودو، - وقد تقدم ذكره أيضاً في حرف الغين (٤) -. وتوفي جلا الدين المذكور سنة أربع وسبعين وخمسمائة، بمدينة دنيسر

стр. 2145

وحمل إلى الموصل ثم نقل إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ودفن بها في تربة والده، رحمه الله تعالى. ودنيسر: بضم الدال المهملة وفتح النون، وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وبعدها راء، وهي مدينة بالجزيرة الفراتية بين نصيبين ورأس عين، تطرقها التجار من جميع الجهات، وهي مجمع الطرقات، ولهذا قيل لها: دنيسر، وهي لفظ مركب عجمي، وأصله دنياسر، ومعناه رأس الدنيا، وعادة العجم في الأسماء المضافة أن يؤخروا المضاف عن المضاف إليه، وسر بالعجمي رأس. والكفر توثي الوزير المذكور: بفتح الكاف وسكون الفاء وفتح الراء وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها ثاء مثلثة، هذه النسبة إلى كفرتوثا وهي قرية من أعمال الجزيرة الفراتية بين رأس عين ودارا، والله أعلم بالصواب. ٧٠٥ - (١) العماد الأصفهاني الكاتب أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس (٢) الدين أبي الرجا حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله المعروف بابن أخي العزيز - وقد تقدم ذكر عمه العزيز في حرف الهمزة (٣) -. المعروف بأله، الملقب عماد الدين، الكاتب الأصبهاني. كان العماد المذكور فقيهاً شافعي المذهب، تفقه بالمدرسة النظامية زماناً،

стр. 2146

وأتقن الخلاف وفنون الأدب، وله من الشعر والرسائل ما يغني عن الإطالة في شرحه. وكان قد نشأ بأصبهان وقد بغداد في حداثته، وتفقه على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن الزاز مدرس النظامية، وسمع بها الحديث من أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام وأبي منصور محمد بن عبد الملك بن جيرون وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي وأبي بكر أحمد بن علي بن الأشقر، وغيرهم، وأقام بها مدة. ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد، فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط، ولم يزل ماشي الحال مدة حياته، فلما توفي - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - تشتت شمل أتباعه والمنتسبين إليه ونال المكروه بعضهم، وأقام العماد مدة في هيش منكد وجفن مسهد، ثم انتقل إلى مدينة دمشق، فوصلها في شعبان سنة اثنتين وستين خمسمائة، وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن أتابك زنك - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وحاكمها ومتولي أمورها وتدبير دولتها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد ابن الشهرزوري - المقدم ذكره (١) - فتعرف به وحضر مجالسه، وذكر لديه مسألة في الخلاف، وعرفه الأمير الكبير نجم الدين أبو الشكر أيوب والد السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى، وكان يعرف عمه العزيز من قلعة تكريب فأحسن إليه وأكرمه وميزه عند الأعيان والأماثل، وعرفه السلطان صلاح الدين من جهة والده، ومدحه في ذلك الوقت بدمشق المحروسة، وذكر العماد ذلك في كتابه " البرق الشامي " وأورد القصيدة التي مدحه بها يومئذ. ثم إن القاضي كمال الدين نوه بذكره عند السلطان نور الدين، وعدد عليه فضائله وأهله لكتابة الإنشاء. قال العماد: فبقيت متحيراً في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي، ولا تقدمت لي به دربة. ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيدة عنده، لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه، وأجاد فيها وأتى فيها بالغرائب؛ وكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية أيضاً، وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أكيدة وامتزاج تام (٢) ،

стр. 2147

وعلت منزلته عند نور العين، وصار صاحب سره، وسيره إلى دار السلام بغداد رسولاً في أيام الإمام المستنجد، ولما عاد فوض إليه تدريس المدرسة المعروفة به في دمشق، أعني العماد، وذلك في شهر رجب سنة سبع وستين وخمسمائة، ثم رتبه في إشراف الديوان في سنة ثمان وستين، ولم يزل مستقيم الحال رخي البال، إلى أن توفي نور الدين - في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقام ولده الملك الصالح إسماعيل مقامه وكان صغيراً فاستولى عليه جماعة كانوا يكرهون العماد فضايقوه وأخافوه إلى أن ترك جميع ما هو فيه وسافر قاصداً بغداد فوصل إلى الموصل ومرض بها مرضاً شديداً. ثم بلغه خروج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية لأخذ دمشق، فانثنى عزمه عن قصد العراق وعزم على العود إلى الشام وخرج من الموصل رابع جمادى الأولى سنة سبعين وخمسمائة، وسلك طريق البرية، فوصل إلى دمشق في ثامن جمادى الآخرة وصلاح الدين يومئذ نازل على حلب، ثم قصد خدمته وقد تسلم قلعة حمص في شعبان من السنة، فحضر بين يديه وأنشده قصيدة أطال نفسه فيها، ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله (١) ، فاستمر على عطلته مديدة، وهو يغشى مجالس السلطان وينشده في كل وقت مدائح ويعرض عليه ويقرب بصحبته القديمة، ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه وقرب (٢) منه، فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين، يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم. وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية، والعماد ملازم الباب بالشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم. وصنف التصانيف النافعة، من ذلك: كتاب " خريدة القصر وجريدة العصر " جعله ذيلاً على " زينة الدهر " تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الحظيري، والحظيري جعل كتابه ذيلاً على دمية القصر وعصر أهل العصر للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلاً على " يتيمة الدهر " للثعالبي، وقد

стр. 2148

تقدم ذكر هؤلاء الثلاثة المؤلفين، والثعالبي جعل كتابه ذيلاً على كتاب " البارع " لهارون بن علي المنجم - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقد ذكر العماد في خريدته (١) الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب، ولم يترك أحداً (٢) إلا النادر الخامي، وأحسن في هذا الكتاب، وهو في عشر مجلدات. وصنف كتاب " البرق الشامي " في سبع مجلدات، وهو مجموع تاريخ، وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام، وما جرى له في خدمة السلطان نورد الدين محمود، وكيفية تعلقه بخدمة السلطان صلاح الدين، وذكر شيئاً من الفتوحات بالشام، وهو من الكتب الممتعة، وإنما سماه " البرق الشامي " لأنه شبه أوقاته في تلك الأيام بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها. وصنف كتاب " الفتح القدسي (٣) في الفتح القدسي " في مجلدين، يتضمن كيفية فتح البيت المقدس، وصنف كتاب " السيل على الذيل " جعله ذيلاً على " الذيل " لابن السمعاني المقدم ذكره الذي ذيل به " تاريخ بغداد " تأليف الخطيب البغدادي الحافظ، هكذا كنت قد سمعت ثم إني وقفت عليه فوجدته ذيلاً على كتابه " خريدة القصر " المذكور، وصنف كتاب " نصرة الفترة وعصره الفطرة في أخبار الدولة السلجوقية " وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات، ونفسه في قصائده طويل، وله ديوان صغير جميعه دوبيت. وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف، فمن ذلك ما يحكى عنه أنه لقيه يوماً وهو راكب على فرس، فقال له: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له الفاضل: دام علا العماد، وهذا مما يقرأ مقلوباً وصحيحاً سواء. واجتمعا يوماً في موكب السلطان، وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء، فتعجبا من ذلك، فأنشد العماد في الحال: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجو منه مظلم ... لكن أنار به السنابك

стр. 2149

يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مس نابك وقد اتفق له الجناس في الأبيات الثلاثة، وهو في غاية الحسن. وكان القاضي الفاضل قد حج من مصر في سنة أربع وسبعين وخمسمائة وركب البحر في طريقه، فكتب إليه العماد: طوبى للحجر والحجون من ذي الحجر والحجا، منيل الجدا ومنير الدحى، ولندي الكعبة من كعبة الندى، وللهدايا المشعرات من مشعر الهدى، وللمقام الكريم من مقام الكريم، ومن حاط فقار القفر للحطيم، ومتى رؤي هرم في الحرم، وحاتم ماتح زمزم ومتى ركب البحر البحر، وسلك البر البر لقد عادي قس إلى عكاظه، ولقبلة يستقبلها قبلة القبول والإقبال، والسلام. لقد أبدع في هذه الرسالة وما أودعها من الصناعة، لكن الظاهر أنه غلط في قوله قيس لحفاظه، فإن المشهور أنس الحافظ، وهم أربعة أخوة لكل واحد منهم لقب، ولولا خوف الإطالة والانتقال عما نحن بصدده لذكرت قصتهم (١) . ولما توفي الوزير عون الدين بن هبيرة اعتقل الديوان العزيز جماعة من أصحابه وكان العماد في جملة من اعتقل، لأنه كان ينوب عنه في واسط تلك المدة، فكتب من الحبس إلى عماد الدين بن عضد الدين بن رئيس الرؤساء، وكان حينئذ أستاذ الدار المستنجدية، وذلك في شعبان سنة ستين وخمسمائة من قصيدة: قل للإمام: علام حبس وليكم ... أولوا جميلكم جميل ولائه أوليس إذ حبس الغمام وليه ... خلى أبوك سبيله بدعائه فأمر بإطلاقه، وهذا معنى مليح غريب، وفيه إشارة إلى قضية العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ مع عمر بن الخطاب ﵁، فإن الغيث قد انقطع في زمن خلافته وأمحلت الأرض، فخرج للاستسقاء ومعه

стр. 2150

العباس والناس، فلما وقف للدعاء قال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا، فسقوا. وأما الوي فهو المطر الذي يأتي بعد الوسمي، وسمي ولياً لأنه يلي الوسمي، والوسمي: مطر الربيع الأول، وسمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات، وهو منسوب إلى الوسم، وقد جمعها المتنبي في بيت واحد وهو: أمنعمة بالعود الظبية التي ... بغير ولي كان نائلها الوسمي يعني أنه لم تكن لزيارتها الأولى ثانية: ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، فاختلت أحواله وتعطلت أوصاله، ولم يجد في وجهه باباً مفتوحاً، فلزم بيته وأقبل على الاشتغال بالتصانيف، وقد ساق في أوائل " البرق الشامي " طرفاً من ذلك. وتقد في ترجمة ابن التعاويذي ما دار بينهما في طلب الفروة والرسالة والقصيدة وجوابهما. وكانت ولادته يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة، وقيل في شعبان، سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان. وتوفي يوم الاثنين مستهل شهر رمضان المعظم سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر، رحمه الله تعالى. أخبرني بعض الرؤساء ممن كان ملازمه في مدة مرضه أنه كان إذا دخل عليه أحدٌ يعوده أنشده: أنا ضيف بربعكم ... أين أين المضيف أنكرتني معارفي ... مات من كنت أعرف وأله: بفتح الهمزة وضم اللام وسكون الهاء، وهو اسم عجمي معناه بالعربي العقاب، وهو الطائر المعروف، وقد قيل إن العقاب لا يوجد فيه ذكر بل جميعه أنثى، وإن الذي يسافده طائر آخر من غير جنسه، وقيل إن الثعلب يسافده، وهذا من العجائب. ولابن عنين الشاعر المقدم ذكره في هجو شخص يقال له ابن سيده:

стр. 2151

ما أنت إلا كالعقاب فأمه ... معروفة وله ب مجهول وهذه إشارة إلى ما نحن فيه، والله تعالى أعلم بالصواب. ٧٠٦ - (١) الفارابي الفيلسوف أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي التركي الحكيم المشهور، صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم، وهو أكبر فلاسفة المسلمين، ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه، والرئيس أبو علي ابن سينا - المقدم ذكره - بكتبه تخرج وبكلامه انتفع في تصانيفه. وكان رجلاً تركياً ولد في بلده ونشأ بها - وسيأتي الكلام عليها في آخر الترجمة إن شاء الله تعالى - ثم خرج من بلده وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد، وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات غير العربي، فشرع في اللسان العربي فتعلمه وأتقنه غاية الإتقان، ثم اشتغل بعلوم الحكمة. (٢٣٤) ولما دخل بغداد كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور، وهو شيخ كبير، وكان يقرأ الناس عليه (٢) فن المنطق، وله إذ ذاك صيت عظيم وشهرة وافية، ويجتمع في حلقته كل يوم المئون من المشتغلين بالمنطق، وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس في المنطق ويملي على تلامذته شرحه، فكتب عنه في شرحه سبعون (٣)

стр. 2152

سفراً، ولم يكن في ذلك الوقت أحد مثله في فنه، وكان حسن العبارة في تواليفه لطيف الإشارة، وكان يستعمل في تصانيفه البسط والذليل، حتى قال بعض علماء هذا الفن: ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر يعني المذكور، وكان أبو نصر يحضر حلقته في غمار تلامذته. فأقام أبو نصر كذلك برهة ثم ارتحل إلى مدينة حران وفيها يوحنا بن حيلان (١) الحكيم النصراني، فأخذ عنه طرفاً من المنطق أيضاً، ثم أنه قفل راجعاً إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها، ويقال إنه وجد " كتاب النفس " لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي: إني قرأت هذا الكتاب مائتي مرة. ونقل عنه أنه كان يقول: قرأت " السماع الطبيعي " لأرسطاطاليس الحكيم أربعين مرة، وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته. ويروى عنه أنه سئل: من أعلم الناس بهذا الشأن أنت أم أرسطاطاليس فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلامذته. وذكره أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صاعد القرطبي في كتاب " طبقات الحكماء " فقال: الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة، أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن حيلان المتوفى بمدينة السلام في أيام المقتدر، فبذ جميع أهل الإسلام وأربى عليهم في التحقيق لها وشرح غامضها وكشف سرها وقرب تناولها، وجميع ما يحتاج إليه منها، في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة، منبهاً على ما أعيا الكندي وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم، وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمسة، وأفاد وجوه الانتفاع بها وعرف طرق استعمالها، وكيف تصرف صورة القياس في كل مادة منها، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية والنهاية الفاضلة، ثم له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه فيه ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به، انتهى كلام ابن صاعد؛ وذكر بعد ذلك

стр. 2153

شيئاً من تواليفه ومقاصده فيها. ولم يزل أبو نصر ببغداد مكباً على الاشتغال بهذا العلم والتحصيل له إلى أن برز فيه وفاق أهل زمانه، وألف بها معظم كتبه، ثم سافر منها إلى دمشق، ولم يقم بها، ثم توجه إلى مصر، وقد ذكر أبو بصر في كتابه الموسوم بالسياسة المدنية، أنه ابتدأ بتأليفه في بغداد وأكمله بمصر، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها، وسلطانها يومئذ سيف الدولة بن حمدان، فأحسن إليه. ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف فأدخل عليه وهو بزي الأتراك، وكان ذلك زيه دائماً، فوقف، فقال له سيف الدولة: اقعد، فقال: حيث أنا أم حيث أنت فقال: حيث أنت، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه، وكان على رأس سيف الدولة مماليك، وله معهم لسان خاص يسارهم به قل أن يعرفه أحد، فقال لهم بذلك اللسان: إن هذا الشيخ قد أساء الأدب، وإني مسائله عن أشياء إن لم يوف بها فاخرقوا به، فقال له أبو نصر بذلك اللسان: أيها الأمير (١) ، اصبر فإن الأمور بعواقبها، فعجب سيف الدولة منه وقال له: أتحسن هذا اللسان فقال: نعم أحسن أكثر من سبعين لساناً، فعظم عنده. ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن، فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، فصرفهم سيف الدولة وخلا به، فقال له: هل لك في أن تأكل فقال: لا، فقال: فهل تشرب فقال: لا، فقال: فهل تسمع فقال: نعم، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان، فحضر كل ماهر في هذه الصناعة بأنواع الملاهي، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر وقال له: أخطأت، فقال له سيف الدولة: وهل تحسن في هذه الصناعة شيئاً فقال: نعم، ثم أخرج من سوطه خريطة ففتحها وأخرج منها عيداناً وركبها، ثم لعب بها، فضحك منها كل من كان في المجلس، ثم فكها وركبها تركيباً آخر وضرب بها فبكي كل من في المجلس، ثم فكها وغير

стр. 2154

تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب، فتركهم نياماً وخرج. ويحكى أن الآلة المسماة القانون من وضعه، وهو أول من ركبها هذا التركيب. وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس (١) ، وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون غالباً إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض، ويؤلف هناك كتبه، وينتابه المشتغلون عليه. وكان أكثر تصنيفه في الرقاع، ولم يصنف في الكراريس إلا القليل، فلذلك جاءت أكثر تصانيفه فصولاً وتعاليق، ويوجد بعضها ناقصاً مبتوراً. وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن، وأجرى عليه سيف الدولة كل يوم من بيت المال أربعة دراهم، وهو الذي اقتصر عليها لقناعته. ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة بدمشق، وصلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه، وقد ناهز ثمانين سنة، ودفن بظاهر دمشق خارج باب الصغير، رحمه الله تعالى. وتوفي متى بن يونس ببغداد في خلافة الراضي، هكذا حكاه ابن صاعد القرطبي في " طبقات الأطباء " (٢) . وظفرت في مجموع بأبيات منسوبة إلى الفارابي، ولا أعلم صحتها، وهي: أخي خل حيز ذي باطل ... وكن للحقائق في حيز فما الدار دار مقام لنا ... وما المرء في الأرض بالمعجز ينافس هدا لهذا على ... أقل من الكلم الموجز وهل نحن إلا خطوط وقعن ... على نقطة وقع مستوفز محيط السموات أولى بنا ... فماذا التنافس في مركز (٢٣٥) ورأيت هذه الأبيات في " الخريدة " منسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الملك الفارقي البغدادي الدار. وقال العماد مؤلف " الخريدة ": إنه اجتمع به يوم الجمعة ثامن عشر شهر رجب، سنة إحدى وستين وخمسمائة، وتوفي بسنيات بعد ذلك.

стр. 2155

وطرخان: بفتح الطاء المهملة وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف نون. وأوزلغ: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الزاي واللام وبعدها غين معجمة، وهما من أسماء الترك. والفارابي: بفتح الفاء والراء وبينهما ألف وبعد الألف الثانية باء موحدة، هذه النسبة إلى فاراب، وتسمى في هذا الزمان أطرار - بضم الهمزة وسكون الطاء المهملة وبين الراءين ألف ساكنة - وقد غلب عليها هذا الاسم، وهي مدينة فوق الشاش، قريبة من مدينة بلاساغون، وجميع أهلها على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، وهي قاعدة من قواعد مدن الترك، ويقال له فاراب الداخلة، ولهم فاراب الخارجة، وهي من أطراف بلاد فارس. وبلاساغون: بفتح الباء الموحدة واللام ألف والسين المهملة وبعد الألف غين معجمة ثم واوا ساكنة وبعدها نون، وهي بلدة في ثغور الترك وراء نهر سيحون - المقدم ذكره - بالقرب من كاشغر. وكاشغر: بفتح الكاف وبعد الألف شين معجمة ساكنة ثم غين معجمة مفتوحة وفي آخرها راء، وهي من المدن العظام في تخوم الصين؛ والله تعالى أعلم بالصواب. ٧٠٧ - (١) ابن زكريا الرازي أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور؛ ذكر ابن جلجل في " تاريخ الأطباء " أنه دبر مارستان الري ثم مارستان بغداد - في أيام المكتفي. ومن

стр. 2156

أخباره أنه كان يضرب بالعود ويغني، فلما التحى وجهه قال: نجاة ل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف (١) ، فنزع عن ذلك وأقبل على دراسة كتب الطب والفلسفة، فقرأها قراءة رجل متعقب على مؤلفيها، فبلغ من معرفة غوائرها الغاية، واعتقد الصحيح منها وعلل السقيم، وألف في الطب كتباً كثيرة. وقال غيره: كان إمام وقته في علم الطب والمشار إليه في ذلك العصر، وكان متقناً لهذه الصناعة حاذقاً فيها عارفاً بأوضاعها وقوانينها، تشد إليه الرحال في أخذها عنه، وصنف فيها الكتب النافعة، فمن ذلك كتاب " الحاوي " وهو من الكتب الكبار، يدخل في مقدار ثلثين مجلداً، وهو عمدة الأطباء في التنقل منه والرجوع إليه عند الاختلاف. ومنها كتاب " الجامع "، وهو أيضاً من الكتب الكبار النافعة. وكتاب " الأعصاب " (٢) وهو أيضاً كبير، وله أيضاً كتاب " المنصوري " المختصر المشهور، وهو - عل صغر حجه - من الكتب المختارة، جمع فيه بين العمل والعلم ويحتاج إليه كل أحد، وكان قد صنفه لأبي صالح منصور بن نوح بن نصر بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان، أحد الملوك السامانية، فنسب الكتاب إليه، وله غير ذلك تصانيف كثيرة وكلها يحتاج إليها. ومن كلامه: مهما قدرت أن تعالج بالأغذية فلا تعالج بالأدوية، مهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بدواء مركب؛ من كلامه: إذا كان الطبيب عالماً والمريض مطيعاً فما أقل لبث العلة؛ ومن كلامه: عالج في أول العلة بما لا تسقط به القوة. [وذكر القاضي التنوخي في كتاب " الفرج بعد الشدة " في باب من اشتد بلاؤه بمرض عافاه الله بأيسر سبب وأقاله: أن غلاماً من بغداد قدم الري وكان ينفث الدم، وكان لحقه ذلك في طريقه، فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق، صاحب الكتب المصنفة، فأراه ما ينفث ووصف له ما يجد،

стр. 2157

فأخذ الرازي مجسه، ورأى قارورته واستوصف حاله منذ ابتداء ذلك به، فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة، ولم يعرف العلة، واستنظر الرجل لينظر في الأمر، فقامت على العليل القيامة وقال: هذا أيأس لي من الحياة لحذق الطبيب وجهله بالعلة، فازداد ما به من الألم، فولد الفكر للرزاي أن عاد إليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبر أنه شرب من مستنقعات وصهاريج، فقام في نفس الرازي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في الماء وقد حصلت في معدته وأن ذلك الدم من فعلها وقال له: إذا كان في غد جئتك فعالجتك ولم أنصرف حتى تبرأ، ولكن بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فبك لم آمرهم، فقال: نعم؛ فانصرف الرازي فجمع ملء مركنين كبيرين من طحلب فأحضرهما في غد معه فأراه إياهما وقال له: ابلع، فقال: لا أستطيع، فقال للغلمان: خذوه فأنيموه، ففعلوا به ذلك، وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه شديداً ويسأله ببلعه ويهدده بأن يضرب، إلى أن أبلعه كارهاً أحد المركنين بأسره، والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء، إلى أن قال العليل: الساعة أقذف، فزاد الرازي في ما يكبسه في حلقه، فذرعه القيء فقذف، فتأمل الرازي قذفة فإذا فيه علقة، وإذا هي لما وصل إليها الطحلب قربت إليه بالطبع وتركت موضعها والتفت على الطحلب ونهض العليل معافى] (١) . ولم يزل رئيس هذا الشان، وكان اشتغاله به على كبر، يقال إنه لما شرع فيه كان قد جاوز أربعين سنة من العمر، وطال عكره فعمي في آخر مدته، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وكان اشتغاله بالطب على الحكيم أبي الحسن علي بن ربن الطبري صاحب التصانيف المشهورة، منها " فردوس الحكمة " وغيره. وكان مسيحياً ثم أسلم. وقد تقدم الكلام على الرازي. وأما الملوك السامانية فكانوا سلاطين ما وراء النهر وخراسان، وكانوا أحسن الملوك سيرة، ومن ولي منهم كان يقال له سلطان السلاطين، لا ينعت إلا به،

стр. 2158

وصار كالعلم لهم، وكان يغلب عليهم العدل والدين والعلم، وملك من بينهم جماعة، ولم تنقرض دولتهم إلا بدولة السلطان محمود بن سبكتكين - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكانت مدة ولايتهم مائة سنة وسنتين وستة أشهر وعشرة أيام. (٢٣٦) وكانت وفاة أبي صالح منصور المذكور في شوال سنة خمس وستين وثلثمائة وكان قد صنف له الرازي المذكور الكتاب المذكور في حال صغره، ليشتغل به. ثم رأيت نسخة كتاب (١) " المنصوري "، وعلى ظهره: أن المنصور الذي وسم الرازي هذا الكتاب باسمه هو المنصور بن إسحاق بن أحمد بن نوح من ولد بهرام كوس (٢) صاحب كرمان وخراسان، وكنيته أبو صالح، والله أعلم بالصواب. وحكى ابن حلجل - المقدم ذكره - في تاريخه أيضاً: أن الرازي المذكور صنف لمنصور المذكور كتاباً في إثبات صناعة الكيمياء، وقصد به من بغداد فدفع له الكتاب، فأعجبه وشكره عليه وحباه بألف دينار وقال له: أريد أن تخرج هذا الذي ذكرت في هذا الكتاب إلى الفعل، فقال له الرازي: إن ذلك مما يتمون له المؤن، ويحاج إلى آلات وعقاقير صحيحة، وإلى إحكام صنعة ذلك كله، وكل ذلك كلفة، فقال له منصور: كل ما احتجت إليه من الآلات، ومما يليق بالصناعة أحضره لك كاملاً حتى تخرج عما ضمنته كتابك إلى العمل. فلما حقق عليه كع عن مباشرة ذلك وعجز عن عمله. فقال له منصور: ما اعتقدت أن حكيماً يرضى بتحليل الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة، يشغل بها قلوب الناس ويتعبهم فيما لا يعود عليهم من ذلك منفعة. ثم قال له: قد كافأتك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار، ولا بد من معاقبتك على تخليد الكذب، فحمل السوط على رأسه، ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى يتقطع، ثم جهزه وسير به إلى بغداد، فكان ذلك الضرب سبب نزول الماء إلى عينيه، ولم يسمح بقدحهما وقال: قد رأيت الدنيا.

стр. 2159

(٢٣٧) وكانت وفاة والده أبي محمد نوح بن نصر في شعر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة. (٢٣٨) وكانت وفاة جده أبي الحسن نصر بن إسماعيل في رجب سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة. (٢٣٩) وكانت وفاة جد أبيه أبي إبراهيم إسماعيل بن احمد في صفر ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت منه، سنة خمس وتسعين ومائتين ببخاري؛ ومولده سنة أربع وثلاثين ومائتين بفرغانة، وكن يكتب الحديث ويكرم العلماء. (٢٤٠) وكانت وفاة أحمد بن أسد بن سامان سنة خمسين ومائتين بفرغانة، رحمهم الله تعالى. وسامان: بفتح السين المهملة والميم وبينهما ألف وبعد الألف الثانية نون - وهذا وإن كان خارجاً عن المقصور، لكن مساق (١) الكلام جره، وفيه فائدة لا يستغنى عنها، والله أعلم بالصواب. ٧٠٨ - (٢) ابن شاكر أبو عبد الله بن موسى بن شاكر؛ أحد الأخوة الثلاثة الذي ينسب إليهم حيل بن موسى، وهم مشهورون بها، واسم أخويه أحمد والحسن، وكانت لهم همة عالة في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل، وأتعبوا أنفسهم في شأنها، وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها لهم، وأحضروا النقلة من الأصقاع الشاسعة والأماكن البعيدة بالبذل السني، فأظهروا عجائب الحكمة. وكان الغالب عليهم من العلوم: الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم، وهو

стр. 2160

الأقل. ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة، ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها، وهو مجلد واحد. ومما اختصوا به في ملة (١) الإسلام وأخرجوه من القوة إلى الفعل - وإن كان أرباب الأرصاد المتقدمون على الإسلام قد فعلوه، لكنه لم يقل إن أحداً من أهل هذه الملة تصدى له وفعله، إلا هم - وهو أن المأمون كان مغرى بعلوم الأوائل وتحقيقها، ورأى فيه أن دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل، كل ثلاثة أميال فرسخ، فيكون المجموع ثمانية آلاف فرسخ، بحيث لو وضع طرف حبل على أي نقطة كانت من الأرض، وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض، والتقى طرفا الحبل، فإذا مسحنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل. فأراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك، فسأل بني موسى المذكورين عنه فقالوا: نعم، هذا قطعي. فقال: أريد منكم أن تعملوا الطريق الذي ذكره المتقدمون حتى نبصر هل يتحرر ذلك أم لا، فسألوا عن الأراضي المتساوية في أي البلاد هي فقيل لهم: صحراء سنجار في غاية الاستواء وكذلك وطأة الكوفة، فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم، ويركن إلى معرفتهم بهذه الصناعة، وخرجوا إلى سنجار، وجاءوا إلى الصحراء المذكورة، فوقفوا في موضع منها وأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات، وضربوا في ذلك الموضع وتداً وربطوا فيه حبلاً طويلاً، ثم مشوا إلى جهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف إلى اليمين واليسار حسب الإمكان. فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتداً آخر وربطوا فيه حبلاً طويلاً، ومشوا إلى جهة الشمال أيضاً كفعلهم الأول؛ ولم يزل ذلك دأبهم، حتى انتهوا إلى موضع أخذوا (٢) فيه ارتفاع القطب المذكور، فوجدوه قد زاد على الارتفاع الأول درجة، فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبل، فبلغ ستة وستين ميلاً وثلثي ميل، فعلموا أن كل درجة من درج الفلك، يقابلها من سطح الأرض ستة وستون ميلاً وثلثان.

стр. 2161

ثم عادوا إلى الموضع الذي ضربوا فيه الوتد الأول وشدوا فيه حبلاً وتوجهوا إلى جهة الجنوب، ومشوا على الاستقامة، وعملوا عاماً عملوا في جهة الشمال: من نصب الأوتاد وشد الحبال، حتى فرغت الحبال التي استعملوها في جهة الشمال، ثم أخذوا الارتفاع فوجدوا القطب الشمالي قد نقص عن ارتفاعه الأول درجة، فصح حسابهم وحققوا ما قصدوه من ذلك، وهذا إذا وقف عليه من له يد في علم الهيئة ظهر له حقيقته. ومن المعلوم أن عدد درج الفلك ثلثمائة وستون درجة، لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجاً، وكل برج ثلاثون درجة، فتكون الجملة ثلثمائة وستين درجة، فضربوا عدد درج الفلك في ست وستين ميلاً وثلثين - أي التي هي حصة كل درجة - فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل، وهي ثمانية آلاف فرسخ، وهذا محقق لا شك فيه. فلما عاد بنو موسى إلى المأمون وأخبروه بما صنعوا، وكان موفقاً لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل، طلب تحقيق ذلك في موضع آخر، فسيرهم إلى أرض الكوفة وفعلوا كما فعلوا في سنجار، فتوافق الحسابان، فعلم المأمون صحة ما حرره القدماء في ذلك، وهذا الفصل هو الذي أشرت إليه في ترجمة أبي بكر محمد بن يحيى الصولي وقلت: لولا التطويل لبينت ذلك (١) . وكانت لبني موسى المذكورين أوضاع نادرة غريبة، ولولا الإطالة لذكرت شيئاً منها. وتوفي محمد المذكور في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائتين، رحمه الله تعالى؛ والله أعلم بالصواب.

стр. 2162

٧٠٩ - (١) البتاني الحاسب أبو عبد الله محمد بن جابر الحراني الأصل البتاني الحاسب، المنجم المشهور صاحب الزيج، الصابي؛ له الأعمال العجيبة والأرصاد المتقنة. وأول ما ابتدأ بالرصد في سنة أربع وستين ومائتين، إلى سنة ست وثلثمائة، وأثبت الكواكب الثابتة في زيجه لسنة تسع وتسعين ومائتين. وكان أوحد عصره في فنه، وأعمال تدل على غزارة فضله وسع علمه. وتوفي سنة سبع عشرة وثلثمائة، عند رجوعه من بغداد، بموضع يقال له قصر الحضر، ولم أعلم أنه أسلم، لكن اسمه يدل على إسلامه. وله من التصانيف " الزيج " وهو نسختان: أولى وثانية، والثانية أجود وكتاب " معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك " ورسالة في " مقدار الاتصالات "، وكتاب شرح فيه أربع أرباع الفلك، ورسالة في تحقيق أقدار الاتصالات، وشرح أربع مقالات بطليموس (٢) ، وغير ذلك. والبتاني: بفتح الباء الموحدة، وقال أبو محمد هبة الله بن الأكفاني (٣) بكسرها، وبتشديد التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى بتان، وهي ناحية من أعمال حران. والحضر: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء، وهي مدينة قديمة، بالقرب من تكريت؛ بين دجلة والفرات في البرية، وكان صاحبها الساطرون، فحاصره أردشير بن بابك أول ملوك الفرس، وأخذ البلد وقتله، وفي ذلك يقول أبو داود الإيادي، واسمه حارثة بن حجاج،

стр. 2163

وقيل حنظلة بن شرقي (١) : وأرى الموت قد تدلى من الحض ... ر على رب أهله الساطرون صرعته الأيام (٢) من بعد ملك ... ونعيم وجوهر مكنون وذكره أيضاً عدي بن زيد العبادي في قوله (٣) : وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور وجاء ذكره في السعر كثيراً، وقيل إن الذي حصروه سابور ذو الأكتاف وهو الذي ذكره ابن هشام في سيرة سيدنا رسول الله ﷺ ، والأول أصح. والساطرون: بفتح السن المهملة وبعد الألف طاء مهملة مكسور ثم راء مضمومة ثم واو ساكنة وبعدها نون وهو لفظ سرياني، ومعناه الملك، واسمه ضيزن - بفتح الصاد المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاي وبعدها نون - بن معاوية. وضيزن: اسم صنم كان في الجاهلية وبه سمي الرجل، وهو قضاعي، وكان من ملوك الطوائف، وإذا اجتمعوا لحرب غيرهم تقدم عليهم، لعظمته (٤) عندهم. فأقام أردشير على حصره أربع سنين وهو لا يقدر عليه، وكان للساطرون ابنة يقال لها نضيرة - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة - وفيها يقول الشاعر: أقفر الحضر من نضير فالمر ... باع منها فجانب الثرثار وكانت في غاية الجمال، وكانت عادتهم إذا حاضت المرأة أنزلوها إلى الربض،

стр. 2164

فحاضت نضيرة فأنزلت إلى ربض الحضر، فأشرفت ذات يوم فأبصرت أردشير وكان من أجمل الرجال فهويته، فأرسلت إليه أن يتزوجها وتفتح له الحصن، واشترطت عليه، والتزم لها ما طلبت، ثم اختلفوا في السبب الذي دلته عليه حتى فتح الحصن، والذي قاله الطبري أنها دلته على طلسم كان في الحصن، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل الحمامة فتنزل على سور الحصن، فيقع الطلسم (١) فيفتح الحصن، ففعل أردشير ذلك واستباح الحصن وخربه أباد أهله " وقتل الساطرون أباها " (٢) وسار بنضيرة وتزوجها، فبينما هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تتململ لا تنام (٣) ، فدعا بالشمع، ففتش فراشها فوجد عليه ورق آس، فقال لها أردشير: أهذا الذي أسهرك قال: نعم، قال: فما كان أبوك يصنع بك قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ والزبد وشهد أبكار النحل، ويسقيني الخمر الصافي، قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به أنت إلي بذلك أسرع، ثم أمر بها (٤) فربطت قرون رأسها بذنب فرس، ثم ركض الفرس حتى قتلها. والحضر إلى الآن آثاره باقية، وفيه بقايا عمائر، لكنه لم يسكن منذ ذلك الوقت؛ وقد طال الكلام فيه، إنما هي حكاية غريبة فأحببت إثباتها.

стр. 2165

ورأيت في تاريخ آخر أنه دخل بغداد وخرج منها وتوفي في الطريق بقصر الحضر في التاريخ المذكور، قال ياقوت الحموي في كتابه " المشترك ": قصر الحضر بقرب سامرا من أبنية المعتصم، والله تعالى أعلم (١) . ٧١٠ - (٢) أبو الوفاء المهندس أبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس البوزجاني الحاسب المشهور؛ أحد الأئمة المشاهير في علم الهندسة، وله فيه استخراجات غريبة لم يسبق بها، وكان شيخنا العلامة كمال الدين أبو الفتح موسى بن يونس، تغمده الله برحمته وهو القيم بهذا الفن، يبالغ في وصف كتبه ويعتمد عليها في أكثر مطالعاته، ويحتج بما يقوله. وكان عنده من تواليفه عدة كتب. وله في استخراج الأوتار تصنيف جيد نافع. وكانت ولادته يوم الأربعاء مستهل شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، بمدينة بوزجان. وتوفي سنة سبع وثمانين وثلثمائة (٣) ، رحمه الله تعالى. ووزجان: بضم الباء الموحدة وسكون الواو والزاي وفتح الجيم وبعد الألف نون، وهي بليدة بخراسان بين هراة ونيسابور. وكان قد قدم العراق سنة ثمان وأربعين وثلثمائة. وكنت وقفت على تاريخ ولادته على هذه الصورة في كتاب " الفهرست "

стр. 2166

تأليف أبي الفرج ابن النديم، ولم يذكر تاريخ وفاته. فكتبت هذه الترجمة، وذكرت تاريخ الولادة، فأخليت بياضاً لأجل تاريخ الوفاة لعي أظفر به، فإن قصدي في هذا التاريخ إنما هو ذكر الوفاة كما ذكرته في أول الكتاب. ثم إني وجدت تاريخ الوفاة في تاريخ شيخنا ابن الأثير قد ذكرها في السنة المذكورة فألحقتها. وكان بين شروعي في هذا التاريخ وظفري بالوفاة أكثر من عشرين سنة، والله تعالى أعلم. ٧١١ - (١) الزمخرشي صاحب الكشاف أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري، الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان؛ كان إمام عصره من غير ما دفع، تشد إليه الرحال في فنونه. أخذ النحو عن أبي مضر منصور (٢) ، وصنف التصانيف البديعة: منها " الكشاف " في تفسير القرآن العزيز، لم يصنف قبله مثله و " المحاجاة بالمسائل النحوية " و " المفرد والمركب " في العربية (٣) و " الفائق " في تفسير الحديث، و " أساس البلاغة " في اللغة، و " ربيع الأبرار وفصوص الأحبار " و " متشابه أسامي الرواة " و " النصائح الكبار " و " النصائح الصغار " و " ضالة الناشد والرائض (٤) في علم الفرائض "

стр. 2167

و " المفصل في النحو وقد اعتنى بشرحه خلق كثير، و " الأنموذج " في النحو، و " المفرد والمؤلف " في النحو، و " رؤوس المسائل " في الفقه، و " شرح أبيات كتاب سيبويه " و " المستقصى (١) في أمثال العرب " و " صميم العربية " و " سوائر الأمثال " و " دويان التمثيل " و " شقائق النعمان في حقائق النعمان " و " شافي العي من كلام الشافعي " ﵁، و " القسطاس " في العروض، و " معجم الحدود " و " المنهاج " في الأصول، و " مقدمة الآداب " (٢) و " ديوان الرسائل " و " ديوان الشعر " و " الرسالة الناصحة " والأمالي في كل فن وغير ذلك؛ وكان شروعه في تأليف " المفصل " في غرة شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وفرغ منه في غرة المحرم سنة خمس عشرة وخمسمائة. وكان قد سافر إلى مكة، حرسها الله تعالى، وجاور بها زماناً، فصار يقال له " جار الله " لذلك، وكان هذا الاسم علماً عليه. وسمعت من بعض المشايخ أن إحدى رجليه كانت ساقطة، وأنه كان يمشي في جاون خشب، وكان سبب سقوطها أنه كان في بعض أسفاره ببلاد خوارزم أصابه ثلج كثير وبرد شديد في الطريق فسقطت منه رجله، وأنه كان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك خوفاً من أن يظن من لم يعلم صورة الحال أنها قطعت لريبة، والثلج والبرد كثيراً ما يؤثر في الأطراف في تلك البلاد فتسقط، خصوصاً خوارزم، فإنها في غاية البرد، ولقد شاهدت خلقاً كثيراً ممن سقطت أطرافهم بهذا السبب، فلا يستبعده من لم يعهده. ورأيت في تاريخ بعض المتأخرين (٣) أن الزمخشري لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن سبب قطع رجله، فقال: دعاء الوالدة، وذلك أني في صباي أمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله، وأفلت من يدي، فأدركته وقد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت

стр. 2168

والدتي لذلك وقال: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله؛ فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت الرجل (١) وعملت علي عملاً أوجب قطعها؛ والله أعلم بالصحة. وكان الزمخشري المذكور معتزلي الاعتقاد متظاهراً به، حتى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحباً له واستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنف كتاب " الكشاف " كتب استفتاح الخطبة " الحمد لله الذي خلق القرآن " فيقال إنه قيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه، فغيره بقوله " الحمد لله الذي جعل القرآن " وجعل عندهم بمعنى خلق، والبحث في ذلك يطول، ورأيت في كثير من النسخ " الحمد لله الذي أنزل القرآن " وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف. وكان الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي المقدم ذكره، رحمه الله تعالى، قد كتب إليه من الإسكندرية (٢) ، وهو يومئذ مجاور بمكة حرسها الله تعالى، يستجيره في مسموعاته ومصانفه، فرد جزابه بما لا يشفي الغليل، فلما كان في العام الثاني كتب إليه أيضاً مع الحجاج استجازه أخرى اقتراح فيها مقصوده، ثم قال له في آخرها: ولا يحوج، أدام الله توفيقه، إلى المراجعة، فالمسافة بعيدة، وقد كاتبه في السنة الماضية قلم يجبه بما يشفي الغليل، وله في ذلك لأجر الجزيل. فكتب إليه الزمخشري جوابه، ولولا خوف التطويل لكتبت الاستدعاء والجواب، لكن نقتصر على بعض الجواب وهو " ما مثلي مع أعلام العلماء إلا كمثل السها مع مصابيح السماء، والجهام الصفر من الرهام مع الغوادي الغامرة للقيعان والآكام، والسكيت المخلف مع خيل السباق، والبغاث مع الطير العتاق، وما التقيت بالعلامة، إلا شبه الرقم بالعلامة، والعلم مدينة أحد بابيها الدارية، والثاني الرواية (٣) ، وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلي

стр. 2169

فيه أقلص من ظل حصاة، أما الرواية فحديثة الميلاد، قريبة الإسناد، لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام المشاهير، وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها، وبرض لا يبل شفاها " ثم كتب بعد هذا: لا يغرنكم قول فلان في ولا قول فلان وعدد جماعة من الشعراء والفضلاء مدحوه بمقاطيع من الشعر، وأوردها كلها، ولا حاجة إلى الاتيان بها ها هنا، فلما فرغ من إيرادها كتب " فإن ذلك اعتزاز منهم بالظاهر المموه، وجهل بالباطن المشوه، ولعل الذي غرهم مني ما رأوا من حسن منصح للمسلمين ويبلغ الشفقة على المستفيدين، وقطع المطامع عنهم، وإفادة المبار والصنائع عليهم، وعزة النفس والرب بها على عن الإسفاف للدنيات، والإقبال على خويصتي، والإعراض عما يغنيني، فجللت في عيونهم، وغلطوا في ونسبوني إلى ما لست منه قبيل ولا دبير، وما أنا فيا أقول بهاضمٍ لنفسي كما قال الحسن البصري، رحمه الله تعالى، في أبكر الصديق رضوان الله عليه بقوله " وليتكم ولست بخيركم ": إن المؤمن ليهضم نفسه، وإنما صدقت الفاحص عني وعن كنه روايتي ودرايتي ومن لقيت وأخذت عنه، وما بلغ علمي وقصارى فضلي، وأطلعته طلع أمري، وأفضيت إليه بخبية سري، وألقيت إليه عجري وبجري، وأعلمته نجمي وشجري. وأما الموالد فقرية مجهولة من قرى خوارزم تسمى زمخشر، وسمعت أبي، رحمه الله تعالى، يقول: اجتاز بها أعرابي فسأل عن اسمها واسم كبيرها، فقيل له: زمخشر والرداد، فقال لا خير في شر ورد، ولم يلمم بها؛ وقت الميلاد شهر الله الصم في عام سبع وستين وأربعمائة، والله المحمود، والمصلى عليه محمد وآله وأصحابه " هذا آخر الإجازة، وقد أطال الكلام فيها، ولم يصرح له بمقصوده فيها، وما أعلم هل أجازه بعد ذلك أم لا. وبيني وبينه في الرواية شخص واحد، فإنه أجاز زينب بنت الشعري، ولي منها إجازة كما تقدم في ترجمتها في حرف الزاي. ومن شعره السائر قوله، وقد ذكره السمعاني في " الذيل " (١) قال: أنشدني أحمد بن محمود الخوارزمي إملاء بسمرقند، فقال: أنشدنا محمود بن عمر الزمخشري

стр. 2170

لنفسه بخوارزم، وذكر الأبيات وهي: ألا قل لسعدي ما لنا فيك من وطر ... وما تطلبين النجل من أعين البقر فإنا اقتصرنا بالذين تضايقت ... عيونهم والله يجزي من اقتصر مليح ولكن عنده كل جفوة ... ولم أر في الدنيا صفاء بلا كدر ولم أنس إذ غازلته قرب روضة ... إلى جنب حوض فيه للماء منحدر فقلت له: جئني بورد وإنما ... أردت به ورد الخدود وما شعر فقال: انتظرني رجع طرفٍ أجيء به ... فقلت له: هيهات ما لي منتظر فقال: ولا ورد سوى الخد حاضر ... فقلت له، إني قنعت بما حضر ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصوراً المذكور أولاً: وقائله: ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين فقلت: هو الدر الذي كان قد حشا ... أبو مضر أذني تساقط من عيني وهذا مثل قول القاضي أبي بكر الرجاني - المقدم ذكره - ولا أعلم أيهما أخذ من الآخر لأنهما كانا متعاصرين، وهو: لم يبكني إلا حديث فراقكم (١) ... لما أسر به إلى مودعي هو ذلك الدر الذي أدعتم ... في مسمعي أجريته من مدمعي وهذان البيتان من جملة قصدية طويلة بديعة؛ ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل في هذا المعنى: لا تزدني نظرة ثانية ... كَفَتِ الأولى ووفت ثمني لك في قلبي حديث مودع ... لا جحدت العب ما أودعتني خذه من جفني عقوداً إنه ... بعض ما أودعته في أذني ومما أنشده لغيره في كتابه " الكشاف " عند تفسير قول الله تعالى في سورة البقرة " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها " " البقرة: ٢٦ "

стр. 2171

فإنه قال: أنشدت لبعضهم: يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى عروق نياطها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل اغفر لعبدٍ تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول وكان بعض الفضلاء قد أنشدني هذه الأبيات بمدينة حلب وقال: إن الزمخشري المذكور أوصى أن تكتب على لوح قبره هذه البيات، ثم أنشدني ذلك الفاضل الرئيس بيتين وذكر أن صاحبهما أوصى أن يكتبا على قبره وهما (١) : إلهي قد أصبحت ضيفك في الثرى ... وللضيف حق عند كل كريم فهب لي ذنوبي في قراي فإنها ... عظيم ولا يفرى بغير عظيم وأخبرني بعض الأصحاب أنه رأى بجزيرة سواكن تربة ملكها عزيز الدولة ريحان وعلى قبره مكتوب: يا أيها الناس كان لي أمل ... قصر بي عن بلوغه الأجل فليتق الله ربه رجل ... امكنه قبل موته العمل ما أنا وحدي نقلت حيث ترى ... كل إلى ما نقلت ينتقل وكانت ولادة الزمخشري يوم الربعاء السابع والعشرين من شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بومخشر. وتوفي ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، بجرجانية خوارزم، بعد رجوعه من مكة، رحمه الله تعالى ورثاه بعضهم بأبيات، ومن جملتها: فأرض مكة تذري الدمع مقلتها ... حزناً لفرقة جار الله محمود وزمخشر: بفتح الزاي والميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة

стр. 2172

وبعدها راء، وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم. وجرجانية: بضمن الجيم الأولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما وبعد الألف نون مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها مفتوحة مشددة ثم هاء ساكنة، وهي قضبة خوارزم. قال ياقوت الحموي في كتاب " البلدان ": يقال لهم بلغتهم كركانج، وقد عربت فقيل لها الجرجانية، وهي على شاطء جيحون، والله تعالى أعلم بالصواب. ٧١٢ - (١) القاضي الأصبهاني أبو طالب محمود بن علي بن أبي طالب بن عبد الله بن أبي الرجا التميمي الصبهاني، المعورف بالقاضي، صاحب الطريقة في الخلاف، تفقه على الشهيد محمد بن يحي - المقدم ذكره - وبرع في الخلاف، وصنف فيه التعليقة التي شهدت بفضله وتحقيقه وتبريزه على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق، وكان عمدة المدرسين في إلقاء الدروس عليها ومن لم يذكرها فإنما كان لقصور فهمه عن إدراك دقائقها، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وصاروا علماء مشاهير. وكان له في الوعظ اليد الطولى، وكان متفنناً في العلوم خطيباً، خطب ودرس بأصبهان مدة؛ وتوفي في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 2173

٧١٣ - (١) محمود بن سبكتكين أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة أبي منصور سبكتكين، الملقب أولاً سيف الدولة، ثم لقبه الإمام القادر بالله لما سلطنه بعد موت أبيه " يمين الدولة وأمين الملة " واشتهر به. (٢٤١) وكان والده سبكتكين قد ورد مدينة بخارى في أيام نوح بن منصور أحد ملوك السامانية (٢) المذكورين في ترجمة أبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب، وكان وروده في صحبة أبي إسحاق ابن البتكين، وهو حاجبه وعليه مدار أموره، فعرفه أركان تلك الدولة بالشهامة والصرامة، وتوسموا فيه الإرتفاع إلى اليفاع. ولما خرج أبو إسحاق المذكور إلى غزنة والياً عليها وساداً مسداً أبيه انصرف الأمير سبكتكين بانصارفه على جملته (٣) في زعامة رجاله ومراعاة ما وراء بابه، فلم يلبث أبو إسحاق بعد موافاتها أن قضى نحبه، ولم يبق من ذوي قرابته من يصلح لمكانته واحتاج الناس إلى من يتولى أمورهم، فاختلفوا فيمن يصلح لذلك، ثم وقع اتفاقهم واجتمعت كلمتهم على تأمير الأمير سبكتكين، فبايعوه على ذلك، وانقادوا لحكمه. فلما تمكن واستحكم شرع في الغزاة والإغارة على أطراف الهند، فافتتح قلاعاً كثيرة منها، وجرت بينه وبين الهنود وعظم جريدته، وعمرت أرض خزانته (٤) ، وأشفقت النفوس من هيبته. وكان من جملة فتوحاته ناحية بست، وكان من

стр. 2174

جملة ما استفاده (١) من صفاياها أبو الفتح بن محمد البستي الشاعر المقدم ذكره، فإنه كان كاتباً لملك الناحية المذكورة، واسمه بابي نور (٢) ، فلما تعلق بخدمته اعتمد عليه في أموره، وأسر إليه بأحواله، وشرح ذلك يطول. وآخر الأمر أن الأمير سبكتكين كان قد وصل إلى مدينة بلخ من طوس فمرض بها، واشتاق إلى غزنة فخرج إليها في تلك الحال، فمات في الطريق قبل وصوله، وذلك في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائة، ونقل تابوته إلى غزنة، ورثاه جماعة من شعراء عصره منهم كاتبه أبو الفتح الببستي المذكور بقوله: قلت إذ مات ناصر الدين والدو ... لة حياه ربه بالكرامة وتداعيت جموعه بافتراق: ... هكذا هكذا تكون القيامة! واجتاز بعض الأفاضل بداره بعد موته وقد تشعثت، فأنشد: عليك سلام الله من منزل قفر ... فقد هجت لي شوقاً قديماً وما تدري عهدتك مذ شهر جديداً ولم أخل ... صروف الردى تبلي مغاتيك في شهر وكان الأمير المذكور قد جعل ولي عهده من بعده ولده إسماعيل، واستخلفه على الأعمال وأوصى إليه بأمر أولاده وعياله، وجمع وجوه حجابه وقواده على طاعته ومتابعته، وجلس على سرير السلطنة، وتحكم واعتبر بيوت الأموال، وكان أخوه السلطان محمود بخراسان مقيماً بمدينة بلخ وإسماعيل بغزنة، فلما بلغه نعي أبيه كتب إلى أخيه إسماعيل ولاطفه في القول وقال له: إن أبي لم يستخلفك دوني إلا لكونك كنت عنده وأنا كنت بعيداً عنه، ولو أوقف المر على حضوري لفاتت مقاصده (٣) ، ومن المصلحة أن نتقاسم الأموال بالميراث وتكون أنت مكانك بغزنة وأنا بخراسان، وندبر الأمور زنتفق على المصالح كيلا يطمع فينا عدو، ومتى ظهر للناس اخلافنا قلت حرمتنا (٤) ، فأبى إسماعيل من

стр. 2175

موافقته على ذلك وكان فيه لين ورخاوة، فطمع فيه الجند وتشغبوا عليه وطالبوه بالأموال فاستنفد في مرضاتهم الخزائن. ثم خرج محمود إلى هراة وجدد مكاتبة أخيه، وهو لا يزداد إلا اعتياصاً (١) ، فدعا محمود عمه بغراجق إلى موافقته فأجابه؛ وكان أخوه أبو المظفر نصر بن سبكتكين أميراً بناحية بست، فنهض إليه وعرض عليه الإنقاياد لمتابعته فلم يتوقف عليه، فلما قوي جأشه بعمه وأخيه قصد أخاه إسماعيل بغزنة وهما معه، فنازلهما في جيش عظيم وجم غفير وحاصرها، واشتد القتال عليها ففتحها، وانحاز إسماعيل إلى قلعتها متحصناً بها، ثم تلطف في طلب الأمان من أخيه محمود فأجابه إلى سؤاله، ونزل في حكم أمانة وتسلم منه مفاتيح الخزائن، ورتب في غزنة النواب والأكفاء وانحدر إلى بلخ. وكان السلطان محمود قد اجتمع بأخيه إسماعيل في مجلس الأنس بعد ظفره به، فسأله عما كان في نفسه أنه يعتمد في حقه لو ظفر به، فحملته سلامة صدره ونشوة السكر على أن قال: كان في عزمي إن أسيرك إلى بعض القلاع موسعاً عليك فيما تقترحه من دار وغلمان وجوار ورزق على قدر الكفاية (٢) ، فعامله بجنس ما كان قد نواه له، وسيره إلى بعض الحصون وأوصى عليه الوالي أن يمكنه من جميع ما يشتهي. ولما انتظم الأمر للسسلطان محمود، كان في بعض بلاد خراسان نواب لصاحب ما وراء النهر من ملوك بني سامان، فجرى بين السلطان محمود وبينهم حروب (٣) انتصر فيها عليهم، وملك بلاد خراسان وانقطعت الدولة السامانية (٤) منها، وذلك في سنة تسع وثمانين وثلثمائة، واستتب له الملك، وسير له الإمام القادر بالله خلعة السلطنة، ولقبه بالألقاب المذكورة في أول ترجمته، وتبوأ سرير المملكة، وقام بين يديه أمراء خراسان سماطين مقيمين برسم الخدمة، وملتزمين
следующие страницы →