جواب عمر بن أبي ربعة. وقد تقدم في ترجمة ابن أبي ربيعة هذا الجواب منسوباً إلى الحسن البصري ﵁، فلينظر هناك؛ وتوفي سنة تسع ومائتين بالبصرة وقيل سنة إحدى عشرة، وقيل سنة عشر، وقيل ثلاث عشرة ومائتين رحمه الله تعالى. وكان سبب موته أن محمد بن القاسم بن سهل النوشجاني أطعمه موزاً فمات منه، ثم أتاه أبو العتاهية فقدم إليه موزاً، فقال له: ما هذا يا أبا جعفر قتلت أبا عبيدة بالموز، وتريد أن تقتلني به لقد استحليت قتل العلماء!.
وأبو عبيدة: بضم العين المهملة وإثبات الهاء في آخره، بخلاف القاسم بن سلام المقدم ذكره فإنه أبو عبيدة، بغير هاء.
ومعمر: بفتح الميمين بينهما عين مهملة وفي آخره الراء.
والمثنى: بضم الميم وفتح الثاء المثلثة وتشديد النون المفتوحة وفي آخره ياء مثناة من تحتها.
وباجروان التي والده منها: بفتح الباء الموحدة وبعد الألف جيم مفتوحة ثم راء ساكنة وبعدها واو مفتوحة وبعد الألف نون، وهو اسم لقرية من بلاد البليخ من أعمال الرقة، واسم المدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها - فيما قيل - عين الحياة التي وجدها الخضر ﵇، وغالب ظني أن أبا عبيدة من هذه المدينة. وقيل إن باجروان اسم للقرية التي استطعم أهلها موسى والخضر ﵉.
والنوشجاني: بضم النون وسكون الواو والشين المعجمة وفتح الجيم وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى نوشجان، وهي بلدة من بلاد فارس، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 2242
٧٣٢ - (١)
معن بن زائدة
أبو الوليد معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن الصلب - بضم الصاد المهملة وسكون اللام وآخره الباء الموحدة (٢) - واسمه عمرو بن قيس بن شراحيل بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، الشيباني، وبقيت النسب معروف؛ وقال البن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب ": هو معن بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر (٣) بن وائل بن قاسط هنب بن أفضى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (٤) .
كان جواداً شجاعاً جزل العطاء كثير المعرف ممدحاً مقصوداً؛ حكى الأصمعي قال: وفد أعرابي على معن بن زائدة فمدحه وطال مقامه على بابه ولم يحصل له جائزة، فعزم على الرحيل، فخرج معن راكباً فقام إليه وأمسك بزمام دابته وقال:
وما في يديك الخير يا معن كله ... وفي الناس معروف وعنك مذاهب
ستدري بنات العم ما قد أتيته ... إذا فتشت عند الإياب الحقائب فأمر معن بإحضار خمس نوق من كرام إبله وأوقرهم (٥) له ميرة وبراً
стр. 2243
وثياباً وقال: انصرف يا ابن أخي في حفظ الله إلى بنات عمك، فلئن فتشن الحقائب ليجدن فيها ما يسرهن، فقال له: صدقت، وبيت الله (١) . وقد سبق في ترجمة مروان بن أبي حفصة الشاعر طرف من أخباره، وكان مروان خصيصاً به وأكثر مدائحه فيه.
وكان معن في أيام بني أمية متنقلاً في الولايات، منقطعاً إلى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين، فلما انتقلت الدولة إلى بني العباس وجرى بين أبي جعفر المنصور وبين يزيد بن عمر المذكور من محاصرته بمدينة واسط ما هو مشهور - وسيأتي في ترجمة يزيد المذكور طرف من هذه الواقعة إن شاء الله تعالى - أبلى يؤمئذ معن مع يزيد بلاء حسناً، فلما قتل يزيد خاف معن بن المنصور (٢) فاستتر عنه مدة، وجرى له مدة استتاره غرائب.
فمن ذلك ما حكاه مروان بن أبي حفصة الشاعر المذكور قال: أخبرني معن بن زائدة، وهو يومئذ متولي بلاد اليمن، أن المنصور جد في طلبي وجعل لمن يحملني إليه مالاً، قال: فاضطررت لشدة الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوحت وجهي، وخففت عارضي ولبست جبة صوف، وركبت جملاً وخرجت متوجهاً إلى البادية لأقيم بها، قال: فلما خرجت من باب حرب، وهو أحد أبواب بغداد، تبعني أسود متقلد بسيف، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض على يدي، فقلت له: ما بك فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين فقلت: ومن أنا حتى أطلب (٣) فقال: أنت معن ابن زائدة، فقلت له: يا هذه اتق الله ، وأين أنا من معن فقال: دع هذا، فوالله إني لأعرف بك منك، فلما رأيت منه الجد قلت له: هذا جوهر قد حملته بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي، فخذه ولا تكن سبباً في سفك دمي، قال: هاته، فأخرجته إليه، فنظر فيه ساعة وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك،
стр. 2244
فقلت (١) : قل (٢) ، قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبت مالك كله قط قلت: لا، قال: فنصفه قلت: لا، قال فثلثه قلت لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظن أني قد فعلت هذا، قال: ما ذاك بعظيم، وأنا والله راجل ورزقي من أبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير، وقد وهبته لك ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور (٣) بين الناس، ولتعلم أن في هذه الدنيا (٤) من هو أجود منك، فلا تعجبك نفسك، ولتحقر (٥) بعد هذا كل جود فعلته ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى العقد في حجري وترك خطام الجمل وولى منصرفاً، فقلت: يا هذا، قد والله فضحتني ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته لك فإني غني عنه، فضحك وقال: أردت أن تكذ بني في مقالي هذا، والله لا أخذته ولا آخذ لمعروف ثمناً أبداً، ومضى لسبيله، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت، وبذلت لمن يجيء به ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته.
ولم يزل معن مستتراً حتى كان يوم الهاشمية، وهو يوم مشهور ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور فوثبوا عليه، وجرت مقتلة (٦) بينهم وبين أصحاب المنصور بالهاشمية، وهي مدينة بناها السفاح بالقرب من الكوفة. ذكر غرس النعمة بن الصابي في كتاب " الهفوات " ما مثاله (٧) : لما فرغ السفاح من بناء مدينته بالأنبار، وذلك في ذي العقدة سنة أربع وثلاثين ومائة، وكان معن متوارياً بالقرب منهم، فخرج متنكراً معتماً ملثماً، وقد تقدم إلى القوم وقاتل قدام المنصور قتالاً أبان فيه عن نجدة وشهامة وفرقهم، فلما أفرج عن المنصور
стр. 2245
قال له: من أنت ويحك فكشف لثامه فقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة، فأمنه المنصور وأكرمه وكساه وزينه، وصار من خواصه، ثم دخل عليه بعد ذلك في بعض الأيام فلما نظر إليه قال: هيه يا معن، تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله:
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان فقال: كلا يا أمير المؤمنين، إنما أعطيته على قوله في هذه القصيدة:
ما زلت يوم الهاشمية معلناً ... بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل مهند وسنان فقال: أحسنت يا معن.
وقال له يوماً: يا معن، ما أكثر وقوع الناس في قومك فقال: يا أمير المؤمنين:
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حساداً ودخل عليه يوماً وقد أسن فقال له: كبرت يا معن، فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين، فقال: وإني لجلد، فقال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، فقال: وفيك بقية، فقال، هي لك يا أمير المؤمنين.
وعرض هذا الكلام على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة، فقال: ويح هذا، ما ترك لربه شيئاً.
وأشهر قصائد مروان فيه وأحسنها القصيدة اللامية التي ذكرت بعضها في ترجمة مروان، وهي طويلة تزيد على خمسين بيتاً، ولولا خوف الإطالة لذكرتها، وله فيه من قصيدة:
قد آمن الله من خوف ومن عدم ... من كان معن له جاراً من الزمن
معن بن زائدة الموفي بذمته ... والمشتري المجد بالغالي من الثمن
يرى العطايا التي تبقى محامدها ... غنماً إذا عدها المعطي من الغبن
стр. 2246
بنى لشيان مجداً لا زوال له ... حتى تزول ذرى الأركان من حضن حضن: بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة وبعدها نون، اسم جبل عظيم بين نجد وتهامة، بينه وبين تهامة مرحلة، يقال في المثل: أنجد من رأى حضناً، وله ذكر كثير من الأشعار والأخبار (١) .
ودخل على معن بعض الفصحاء يوماً فقال له: إني لو أردت أن أستشفع إليك ببعض من يثقل عليك لوجدت ذلك سهلاً، ولكني استشفعت إليك بقدرك، واستغنيت بفضلك، فإن رأيت أن تضعني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك فافعل، وإني لم أكرم نفسي عن مسألتك فأكرم وجهي عن ردك.
ولمعن أشعار جيدة وأكثرها في الشجاعة، وقد ذكره أبو عبد الله ابن المنجم في كتاب البارع وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله في خطاب ابن أخي عبد الجبار بن عبد الرحمن، وقد رآه يتبختر بين السماطين، وكان قبل ذلك لقي الخوارج ففر منهم:
هلا مشيت كذا غداة لقيتهم ... وصبرت عند الموت يا خطاب
نجاك خوار العنان كأنه ... تحت العجاج إذا استحث عقاب
وتركت صحبك والرماح تنوشهم ... وكذاك من قعدت به الأحساب وقال أبو عثمان المازني النحوي: حدثني صاحب شرطة معن قال: بينما أنا على رأس معن إذا هو براكب يوضع، فقال معن: ما أحسب الرجل يريد غيري، ثم قال لحاجبه: لا تحجبه، قال: فجاء حتى مثل بين يديه وأنشد:
أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
ألح دهر رمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا قال: فقال معن وأخذته الأريحية: لا جرم والله لأعجلن أوبتك، ثم قال:
стр. 2247
يا غلام، ناقتي الفلانية وألف دينار، فادفعها إليه، فادفعها إليه وهو لا يعرفه، هكذا روى هذا الخطيب في تاريخه (١) .
وأخبار معن ومحاسنه كثيرة.
وكان قد ولي سجستان في أواخر أمره، وانتقل إليها، وله في آثار وماجرايات، وقصده الشعراء بها، فلما كانت سنة إحدى وخمسين، وقيل اثنتين وخمسين، وقيل ثمان وخمسين ومائة، كان في داره صناع يعملون له شغلاً، فاندس بينهم قوم من الخوارج، فقتلوه بسجستان وهو يحتجم، ثم تتبعهم ابن أخيه يزيد بن مزيد بن زائدة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقتلهم بأسرهم، وكان قتله بمدينة بست. ولما قتل معن رثاه الشعرا بأحسن المراثي، فمن ذلك قول مروان بن أبي حفصة شاعره المذكور، وهي قصيدة من أفخر الشعر وأحسنه، وأولها:
مضى لسبيله معن، وأبقى ... مكارم لن تبيد ولن تنالا
كأن الشمس يوم أصيب معن ... من الإظلام ملبسة جلالاً
هو الجبل الذي كانت نزار ... تهد من العدو به الجبالا
وعطلت الثغور لفقد معن ... وقد يروي بها الأسل النهالا (٢)
وأظلمت العراق وأورثتها ... مصيبته المجللة اختلالا
وظل الشام يرجف جانباه ... لركن العز حين وهى فمالا (٣)
وكادت من تهامة كل أرض ... ومن نجد تزول غداة زالا
فإن يعل (٤) البلاد له خشوع ... فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معناً ... من الأحياءأكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار جفرته عيالا
стр. 2248
ولم يك طالب للعرف ينوي ... إلى غير ابن زائدة ارتحالا
مضى من كان يحمل كل ثقل ... ويسبق فيض نائله السؤالا
وما عمد الوفود لمثل معن ... ولا حطوا بساحته الرحالا
ولا بلغت أكف ذوي العطايا ... يميناً من يديه ولا شمالا
وما كانت تجف له حياض ... من المعروف مترعة سجالا
لأبيض لايعد المال حتى ... يعم به بغاة الخير مالا (١)
فليت الشامتين به فدوه ... وليت العمر مد له فطالا
ولم يك كنزه ذهباً، ولكن ... سيوف الهند والحلق المذالا
ومارنة من الخطي سمراً ... ترى فيهن ليناً واعتدالا
وذخراً من محامد باقيات ... وفضل تقى به التفضيل نالا ومنها (٢) :
مضى لسبيله من كنت ترجو ... به عثرات دهرك أن تقالا
فلست بمالك عبرات عين ... أبت بدموعها إلا انهمالا
وفي الأحشاء منك غليل حزنٍ ... كحر النار تشتعل اشتعالا
وقائلة رأت جسمي ولوني ... معاً عن عهدها قلباً فحالا
أرى مروان عاد كذي نحول ... من الهنندي قد فقد الصقالا
رأت رجلاً براه الحزن حتى ... أضر به وأورثه خبالا
فقلت لها: الذي أنكرت مني ... لفجع مصيبة أنكى وعالا (٣)
وأيام المنون لها صروف ... تقلب بالفتى حالاً فحالا ومنها (٤) :
стр. 2249
كأن الليل واصل بعد معن ... ليالي قد قرن به فطالا
فلهف أبي عليك إذا العطايا ... جعلن منى كواذب واعتلالا
ولهف أبي عليك إذا اليتامى ... غدوا شعثاً كأن بهم سلالا (١)
ولهف أبي عليك إذا القوافي ... لممتدح بها ذهبت ضلالا
ولهف أبي عليك لكل هيجا ... لها تلقي حواملها السخالا
أقمنا باليمامة إذ يئسنا ... مقاماً لا نريد له زيالا
وقلنا أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا
ما شهد الوقائع منك أمضى ... وأكرم مقدماً وأشد بالا
سيذكرك الخليقة غير قال ... إذا هو في الأمور بلا الرجالا
ولا ينسى وقائعك اللواتي ... على أعدائه جعلت وبالا
ومعتركاً شهدت به حفاظاً ... وقد كرهت فوارسه النزالا
حباك أخو أمية بالمراثي ... مع المدح الذي قد كان قالا
أقام وكان نحوك كل عام ... يطيل بواسط الرحل اعتقالا
وألقى رحله أسفاً وآلى ... يميناً لا يشد له حبالا وهذه المرثية من أحسن المراثي. وقال عبد الله بن المعتز في كتاب طبقات الشعراء (٢) : دخل مروان بن أبي حفصة على جعفر البرمكي فقال له: ويحك، أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فقال: بل أنشدك مديحي فيك، فقال جعفر: أنشدني مرثيتك في معن، فأنشأ يقول:
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا حتى فرغ من القصيدة، وجعل جعفر يرسل دموعه على خديه، فلما فرغ قال له جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله شيئاً قال:
стр. 2250
لا: قال جعفر: فلو كان معن حياً ثم سمعها منك كم كان يثيبك عليها قال: أصلح الله الوزير، أربعمائة دينار، قال جعفر: فأنا نظن أنه كان لا يرضى لك بذلك، قد أمرنا لك عن معن، رحمه الله تعالى، بالضعف مما ظننت، وزدناك نحن مثل ذلك، فاقبض من الخازن ألفاً وستمائة دينار قبل أن تنصرف إلى رحلك، فقال مروان يذكر جعفراً وما سمح به عن معن:
نفحت مكافئاً عن قبر معن ... لنا مما تجود به سجالا
فعجلت العطية يا ابن يحيى ... لنادبه ولم ترد المطالا
فكافأ عن صدى معن جواد ... بأجود راحة بذل النوالا
بنى لك خالد وأبوك يحيى ... بناء في المكارم لن ينالا
كأن البرمكي بكل مال ... تجود به يداه يفيد مالا ثم قبض المال وانصرف.
وحكى أبو الفرج الاصبهاني في كتاب الأغاني عن محمد البيذق النديم أنه دخل على هارون الرشيد، فقال له: أنشدني مرثية مروان بن أبي حفصة في معن ابن زائدة، فأنشده بعض هذه القصيدة، فبكى الرشيد، قال: وكان بين يديه سكرجة فملأها من دموعه.
ويقال: أن مروان بعد هذه القصيدة المرثية (١) لم ينتفع بشعره، فإنه كان إذا مدح خليفة أو من دونه قال له: أنت قلت في مرثيتك:
وقلنا أين نرحل بعد معن ... وقد ذهبت النوال فلا نوالا فلا يعطيه الممدوح شيئاً، ولا يسمع قصيدته.
حدث الفضل ابن الربيع قال (٢) : رأيت مروان بن أبي حفصة وقد دخل على المهدي بعد موت معن بن زائدة في جماعة من الشعراء فيهم سلم الخاسر وغيره، فأنشده مديحاً، فقال له: من أنت فقال: شاعرك مروان بن أبي حفصة،
стр. 2251
فقال له المهدي: ألست القائل:
وقلنا أين نرحل بعد معن ... وأنشده البيت المذكور، وقد جئت تطلب نوالنا وقد ذهب النوال! لا شيء لك عندنا، جروا برجله، قال: فجروا برجله حتى أخرجوه، فلما كان في العام المقبل تلطف حتى دخل مع الشعراء، وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء في ذلك الحين في كل عام مرة، قال: فمثل بين يديه وأنشده قصيدته التي أولها:
طرقتك زائرة فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالحياء دلالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها ... قاد القلوب إلى الصبا فأمالها فأنصت له حتى بلغ إلى قوله:
هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها (١) وقد تقد ذكر بعضها في ترجمة مروان، قال: فأنصت له المهدي، ولم يزل يزحف كلما سمع شيئاً فشيئاً منها، حتى صار على البساط إعجاباً بما سمع، ثم قال له: كم بيت هي فقال: مائة بيت، فأمر له بمائة ألف درهم، وهذا يخالف ما ذكرناه في ترجمته، لكنه يختلف باختلاف الروايات، ويقال إنها أول مائة ألف أعطيها شاعر في خلافة بني العباس. قال الفضل بن الربيع فلم تلبث الأيام أن (٢) أفضت الخلافة إلى هارون الرشيد، ولقد رأيت مروان مائلاً مع الشعراء بين يديه، وقد أنشده شعراً، فقال له: من أنت فقال: شاعرك مروان بن أبي حفصة، فقال له: ألست القائل في معن كذا، وأنشده البيت، ثم قال: خذوا بيده فأخرجوه فإنه لا شيء له عندنا، ثم تلطف حتى دخل عليه بعد ذلك، فأنشده فأحسن جائزته (٣) .
стр. 2252
ومن المراثي النادرة أيضاً أبيات الحسين بن مطير بن الأشيم الأسدي في معن بن زائدة أيضاً، وهي من أبيات الحماسة (١) :
ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا
فيا قبر كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
ويا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للمكارم مضجعا
بلى قد وسعت الجود، والجود ميت ... ولو كان حياً ضقت حتى تصدعا
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا وقد سبق لمعن في ترجمة الصاحب بن عباد نادرة مستظرفة (٢) فلا حاجة على إعادتها هنا، ولولا خوف الإطالة لأتيت من محاسنه بكل نادرة بديعة.
(٢٥٨) والحوفزان بن شريك الشيباني الموصوف بالكرم والشجاعة أخو جده مطر بن شريك، وإنما قيل له الحوفزان لأن قيس بن عاصم المنقري حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته، ومعنى حفزه أي دفعه من خلفه، واسم الحوفزان الحارث بن شريك، وقيل إن الذي حفزه بسطام بن قيس الشيباني، والأول أصلح، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 2253
٧٣٣ - (١)
مقاتل صاحب التفسير
أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزدي بالولاء الخراساني المروزي، أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدث بها، وكان مشهوراً بتفسير كتاب الله العزيز، وله التفسير المشهور.
وأخذ الحديث عن مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح - المقدم ذكره - وأبي إسحاق السبيعي - وقد تقدم ذكره أيضاً - والضحاك بن مزاحم ومحمد بن مسلم الزهري وغيرهم. وروى عنه بقية بن الوليد الحمصي (٢) وعبد الرزاق بن همام الصنعاني - المقدم ذكره - وحرمي بن عمارة وعلي بن الجعد، وغيرهم.
وكان العلماء الأجلاء، حكى عن الإمام الشافعي، ﵁، أنه قال: الناس كله عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير ابن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام.
وروي أن أبا جعفر المنصور كان جالساً، فسقط عليه الذباب فطيره، فعاد إليه، وألح عليه، وجعل يقع على وجهه، وأكثر من السقوط عليه مراراً حتى أضجره، فقال المنصور: انظروا من بالباب، فقيل له: مقاتل بن سليمان، فقال: علي به، فأذن له، فلما دخل عليه قال له: هل تعلم لماذا خلق الله تعالى الذباب قال: نعم ليذل الله به الجبابرة، فسكت المنصور.
وقال إبراهيم الحربي: قعد مقاتل بن سليمان فقال: سلوني عما دون العرش، فقال له رجل: آدم ﷺ حين حج من حلق رأسه فقال له: ليس هذا من علمكم، ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي. وقال
стр. 2254
سفيان بن عيينة، قال مقاتل بن سليمان يوماً: عما دون العرش، فقال له إنسان: يا أبا الحسن، أرأيت الذرة والنملة معاها في مقدمها أو في مؤخرها قال: فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له، قال سفيان: فظننت أنها عقوبة عوقب بها.
وقد اختلف العلماء في أمره، فمنهم من وثقه في الرواية، ومنهم من نسبه إلى الكذب. قال بقية بن الوليد: كنت كثيراً أسمع شعبة بن الحجاج وهو يسأل عن مقاتل، فما سمعته قط ذكره إلا بخير. وسئل عبد الله بن المبارك عنه فقال: ﵀، لقد ذكر لنا عنه عباده. وروي عن عبد الله بن المبارك أيضاً أنه ترك حديثه. وسئل إبراهيم الحربي عن مقاتل: هل سمع من الضحاك ابن مزاحم شيئاً فقال: لا مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين. وقال مقاتل: أغلق علي وعلى الضحاك باب أربع سنين؛ قال إبراهيم: وأراد بقوله باب يعني باب المدينة، وذلك في المقابر. وقال إبراهيم أيضاً: ولم يسمع مقاتل عن مجاهد شيئاً ولم يلقه.
وقال أحمد بن سيار: مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ، وتحول إلى مرو، وخرج إلى العراق، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: مقاتل بن سليمان كان دجالاً جسوراً. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله ﷺ أربعة: ابن يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد ويعرف بالمصلوب بالشام.
وذكر وكيع يوماً مقاتل بن سليمان فقال: كان كذاباً. وقال أبو بكر الآجري: سألت أبا داود سليمان بن الأشعث عن مقاتل بن سليمان، فقال: تركوا حديثه. وقال عمرو بن علي الفلاس: مقاتل بن سليمان كذاب متروك الحديث. وقال البخاري: مقاتل بن سليمان سكتوا عنه. وقال في موضع آخر: لا شيء ألبتة. وقال يحيى بن معين: مقاتل بن سليمان ليس حديثه بشيء. وقال أحمد بن حنبل: مقاتل بن سليمان صاحب التفسير ما يعجبني أن أروي عنه
стр. 2255
شيئاً. وقال أبو حاتم الرازي: هو متروك الحديث. وقال زكريا بن يحيى الساجي: مقاتل بن سليمان من أهل خراسان قالوا: كان كذاباً متروك الحديث. وقال أبو حاتم محمد بن حبان البستي: مقاتل بن سليمان كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن العزيز الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك في الحديث.
وبالجملة فإن الكلام في حقه كثير، وقد خرجنا عن المقصود، لكن أردت ذكر اختلاف أقاويل العلماء في شأنه.
وتوفي سنة خمسين ومائة بالبصرة، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الأزدي والمروزي فأغنى عن الإعادة.
٧٣٤ - (١)
شبل الدولة
أبو الهيجاء مقاتل بن عطية بن مقاتل البكري الحجازي، الملقب شبل الدولة؛ كان من أولاد أمراء العرب، فوقع بينه وبين إخوته وحشة أوجبت رحيله عنهم، ففارقهم ووصل إلى بغداد ثم خرج إلى خراسان وانتهى إلى غزنة، وعاد إلى خراسان، واختص بالوزير نظام الملك وصاهره، ولما قتل نظام النلك رثاه أبو الهيجاء المذكور ببيتين، تقدم ذكرهما في ترجمته.
ثم عادى إلى بغداد وأقام بها مدة، وعزم على قصد كرمان مسترفداً وزيرها ناصر الدين مكرم بن العلاء، وكان من الأجواد المشاهير، فكتب إلى الأمام المستظهر بالله قصة يلتمس فيها الإنعام عليه بكتاب إلى الوزير المذكور، مضمونه الإحسان إليه، فوقع المستظهر على رأس قصته: " يا أبا الهيجاء، أبعدت النجعة، أسرع الله بك الرجعة، وفي ابن العلاء مقنع، وطريقه في الخير
стр. 2256
مَهْيَع، وما يسديه إليك تستحلي ثمرة شكره، وتستعذب مياه بره، والسلام " فاكتفى أبو الهيجاء بهذه الأسطر، واستغنى عن الكتاب.
وتوجه إلى كرمان، فلما وصلها قصد حضرة الوزير واستأذن في الدخول فأذن له، فدخل عليه وعرض على رأيه القصة، فلما رآها قام وخرج عن دسته فأذن له، إجلالاً لها وتعظيماً لكاتبها، وأطلق لأبي الهيجاء ألف دينار في ساعته ثم عاد إلى دسته، فعرفه أبو الهيجاء أن معه قصيدة يمدحه بها، فاستنشده إياها فأنشده:
دع العيس تذرع عرض الفلا ... إلى ابن العلاء، وإلا فلا فلما سمع الوزير هذا البيت أطلق له ألف دينار أخرى، ولما أكمل إنشاده القصيدة أطلق له ألف دينار أخرى، وخلع عليه، وقاد إليه جواداً بمركبة، وقال له: دعاء أمير المؤمنين مسموع مرفوع، وقد دعا بسرعة الرجوع، وجهزه بجميع ما يحتاج إليه.
فرجع إلى بغداد وأقام بها قليلاً، ثم سافر إلى ما وراء النهر وعاد إلى خراسان ونزل إلى مدينة هراة، وهوي بها امرأة وأكثر من التشبيب فيها، ثم رحل إلى مرو واستوطنها؛ ومرض في آخر عمره وتسودن، وحمل إلى البيمارستان، وتوفي في حدود سنة خمس وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وكان من جملة الأدباء الظرفاء، وله النظم البديع الرائق، وبينه وبين العلامة أبي القاسم الزمخشري المقدم ذكره مكاتبات ومادعبات، وكتب إليه قبل الاجتماع به:
هذا أديب كامل ... مثل الدراري درره
زمخشري فاضلٌ ... أنجبه زمخشره
كالبحر إن لم أره ... فقد أتاني خبره فكتب إليه الزمخشري:
شعره أمطر شعري شرفا ... فاعتلى منه ثياب الحسد (١)
стр. 2257
كيف لا يستأسد النبت إذا ... بات مسقياً بنوء الأسد (١) وله كل مقطوع لطيف، رحمه الله تعالى.
والوزير المذكور هو الذي تقدم ذكره في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم الغزي الشاعر المشهور، فإن قصده بكرمان وامتدحه بقصيدة بائية طنانة ذكرت منها في ترجمة الغزي بيتين هما من الشعر العجيب، وضمنهما المعنى الغريب.
وأول هذه القصيدة:
ورود ركايا الدمع يكفي الركائبا ... وشم تراب الربع يشفي الترائبا
إذا شمت من برق العقيق عقيقه ... فلا تنتجع دون الجفون (٢) السحائبا ومنها عند الخروج إلى المديح:
وعيسٍ لها برهان عيسى بن مريم ... إذا قتل الفج العميق المطالبا
يرقصهن الآل إما طوافيا ... تراهن في آذيه أو رواسبا
سوانح (٣) كالبنيان تحسب أنني ... مسحت المطايا إذ مسحت السباسبا
تنسمن من كرمان عرفاً عرفته ... فهن يلاعبن النشاط لواغبا
يرين وراء الخفاقين من المنى ... مشارق لم يؤبه لها ومغاربا
إلى ماجد لم يقبل المجد وارثاً ... ولكن سعى حتى حوى المجد كاسبا
تبسم ثغر الدهر منه بصاحب ... إذا جد لم يصحب سوى العزم صاحبا ومنها:
تصيخ له الأسماع ما دام قائلاً ... وتعنو له الأبصار مادام كاتبا
ولم أر ليثاً خادراً قبل مكرم ... ينافس في العليا ويعطي الرغائبا
ولو لم يكن ليثاً مع الجود لم يكن ... إذا صال بالأقلام صارت مخالبا
стр. 2258
ومنها:
إذا زان قوماً بالمناقب واصف ... ذكرنا له فضلاً يزين المناقبا
له السئيم الشم التي لو تجسمت ... لكانت لوجه الدهر عيناً وحاجبا
ثنى نحو شمطاء الوزارة طرفه ... فصارت بأدنى لحظة منه كاعبا
تناول أولاها وما مد ساعداً ... وأحرز أخراها وما قام واثبا وهي من غرر القصائد، وفي هذا الأنموذج منها دلالة على الباقي.
٧٣٥ - (١)
المقلد العقيلي
أبو حسان المقلد بن المسيب بن رافع بن المقلد بن جعفر بن عمرو بن المهنا عبد الرحمن بن بريد - بالتصغير - ابن عبد الله بن زيد بن قيس بن جوثة (٢) بن طهفة بن حزن بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان، العقيلي، الملقب حسام الدولة، صاحب الموصل.
كان أخوه أبو الدواد (٣) محمد بن المسيب أول من تغلب على الموصل وملكها من أهل هذا البيت، وذلك في سنة ثمانين وثلثمائة. وتزوج بهاء الدولة أبو نصر ابن عضد الدولة بن بويه الديلمي ابنته. فلما مات أبو الدواد في سنة سبع وثمانين قام أخوه المقلد المذكور بالملك من بعده، وكان أعور. وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن ذلك في سنة ست وثمانين، وأن أبا الدواد لما توفي طمع
стр. 2259
المقلد في الملك، فلم يساعده بنو عقيل، وقدموا أخاه علياً لكبر سنه، ثم توصل بالخديعة حتى ملك، وأطال القول في ذلك فاختصرته، وهذا حاصله.
وقال غير ابن الأثير: إنه كان فيه عقل وسياسة وحسن تدبير، فغلب على سقي الفرات واتسعت مملكته. ولقبه الإمام القادر بالله وكناه، وأنفذ إليه باللواء والخلع فلبسها بالأنبار. واستخدم من الديلم والأتراك ثلاثة آلاف رجل وأطاعته خفاجة، وكان فيه فضل ومحبة لأهل الأدب، وينظم الشعر.
حكى أبو الهيجاء بن عمران بن شاهين قال: كنت أساير معتمد الدولة أبا المنيع قرواش بن المقلد المذكور ما بين سنجار ونصيبين، فنزلنا، ثم استدعاني بعد الزوال، وقد نزل بقصر هناك يعرف بقصر (١) العباس بن عمرو الغنوي، وكان مطلاً على بساتين ومياه كثيرة، فدخلت عليه فوجدته قائماً يتأمل كتابه على الحائط، فقرأتها فإذا هي:
يا قصر عباس بن عم ... رو كيف فراقك ابن عمرك
قد كنت تغتال الدهو ... ر فكيف غالك ريب دهرك
واهاً لعزك بل لجو ... دك بل لمجدك بل لفخرك وتحتها مكتوب " وكتب علي بن عبد الله بن حمدان بخطه في سنة إحدى وثلاثين " قلت: وهذا الكاتب هو سيف الدولة بن حمدان ممدوح المتنبي، وقد تقدم ذكره - قال الراوي: وكان تحت ذلك مكتوب:
يا قصر ضعضعك الزما ... ن وحط من علياء فخرك
ومحا محاسن أسطر ... شرفت بهن متون جدرك
واهاً لكاتبها الكري ... م وقدره الموفي بقدرك وتحت الأبيات مكتوب " وكتب الغضنفر بن الحسن بن علي بن حمدان بخطه في سنة اثنتين وستين وثلثمائة " - قلت: وهذا الكاتب هو عدة الدولة بن ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان ابن أخي سيف الدولة، وقد سبق ذكر
стр. 2260
والده أيضاً في حرف الحاء - وتحت ذلك مكتوب:
يا قصر ما فعل الألى ... ضربت قبابهم بعقرك
أخنى الزمان عليهم ... وطواهم بطويل نشرك
واهاً لقاصر عمر من ... يختال فيك وطول عمرك وتحته مكتوب " وكتب المقل بن المسيب بن رافع بخطه فيسنة ثمان وثمانين وثلثمائة " - قلت: وهذا الكاتب هو المقلد المذكور صاحب هذه الترجمة - وتحت ذلك مكتوب:
يا قصر ما صنع الكرا ... م الساكنون قديم عصرك
عاصرتهم فبذذتهم ... وشأوتهم طراً بصبرك
ولقد أثار تفجعي ... يا ابن المسيب رقم سطرك
وعلمت أني لاحق ... بك دائب في قفو أثرك وتحته مكتوب " وكتب قرواش بن المقلد بن المسيب بخطه في سنة إحدى وأربعمائة " قال الراوي: فعجبت من ذلك، وقلت لقرواش: الساعة كتبت هذا فقال: نعم، ولقد هممت بهدم القصر فإنه مشؤم قد دفن الجماعة، فدعوت له بالسلامة وانصرفت، ورحلت بعد ثلاثة أيام، ولم يهدم القصر.
(٢٥٩) وهذا العباس بن عمرو الغنوي من أهل تل بن سيار الذي بين الرقة ورأس عين بالقرب من حصن مسلمة بن عبد الملك بن مروان الحكمي، وكان يتولى اليمامة والبحرين، وسيره المعتضد بالله لحرب القرامطة في أول أمرهم، فقاتلوه وكسروه وأسروه، ثم أطلقوا فرجع إلى المعتضد ودخل بغداد ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة سبع وثمانين ومائتين. وقال أبو عبد الله العظيمي الحلبي في تاريخه الصغير: مات العباس بن عمرو الغنوي في سنة خمسين وثلثماثة، ومن العجائب أنه توجه إليهم في عشرة آلاف، فقتل الجميع وسلم وحده، وعمرو بن الليث الصفار حارب إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان
стр. 2261
وهو في خمسين ألفاً، فأخذوه ونجا الباقون (١) .
وكان بين ما كتبه سيف الدولة وبين ما كتبه قرواش سبعون سنة؛ وقد سبق نظير هذه الحكاية في ترجمة عبد الملك بن عمير وما جرى له مع عبد الملك ابن مروان، فلينظر هناك.
وبينما المقلد المذكور في مجلس أنسه وهو بالأنبار إذ وثب عليه غلام تركي فقتله، وذلك في صفر سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، ويقال: إنه مدفون على الفرات بمكان يقال له شيفيا (٢) بين الأنبار وهيت، وحكي أن هذا التركي سمعه وهو يقول لرجل ودعه وهو يريد الحج: إذا جئت ضريح رسول الله ﷺ فقف عنده وقل له عني: لولا صاحباك لزرتك؛ ولما مات رثاه الشريف الرضي بقصيدتين ورثاه جماعة من الشعراء.
(٢٦٠) وكان ولده معتمد الدولة أبو المنيع قرواش غائباً عنه، ثم تقلد الأمر من بعده وكان له عمان ينازعانه في الأمر: أحدهما ابو الحسن ابن المسيب، والآخر أبو مرح (٣) مصعب بن المسيب، فتوفي أبو الحسن سنة اثنتين وتسعين، وتوفي أبو مرح سنة سبع وتسعين، فتفرد قرواش بالملك واستراح خاطره منهما، وكانت له بلاد الموصل والكوفة والمدائن وسقي الفرات، وخطب في بلاده للحاكم صاحب مصر - وسيأتي ذكره (٤) - في سنة إحدى وأربعمائة، ثم رجع عن ذلك، ووصلت الغز إلى الموصل ونهبوا دار قرواش، وأخذوا منها ما يزيد على مائتي ألف دينار، فاستنجد بنور الدولة أبي الأغر دبيس يبن صدقة - المقدم ذكره (٥) - فانجده واجتمعا على محاربة الغز فنصروا عليهم وقتل الكثير منهم.
ومدحه أبو علي ابن الشبل البغدادي الشاعر المشهور بقصيدة ذكر فيها هذه الواقعة، فمنها قوله:
стр. 2262
نزهت أرضك عن قبور (١) جسومهم ... فغدت قبورهم بطون الأنسر
من بعد ما وطئوا البلاد وظفروا ... من هذه الدنيا بكل مظفر
فضوا رتاج السد عن يأجوجه ... ولقوا ببأسك سطوة الإسكندر وكان قرواش المذكور يلقب مجد الدين، وهو ابن أخت الأمير أبي الهيجاء الهذباني صاحب إربل، وكان (٢) أديباً ظريفاً، وله أشعار سائرة، فمن ذلك ما أورده له أبو الحسن الباخزري في أول كتاب " دمية القصر " (٣) وهو قوله:
لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصقيل الأحرار
ما كنت إلا زبرة فطبعنني ... سيفاً وأطلق صرفهن غراري وأورد له أيضاً:
من كان يحمد أو يذم مورثاً ... للمال من آبائه وجدوده
فأنا امرؤ لله أشكر وحده ... شكراً كثيراً جالياً لمزيده
لي أشقر ملء العنان مغاور ... يعطيك كا يرضيك من مجهوده
ومهند عضب إذا جردته ... خلت البروق تموج في تجريده
ومثقف لدن السنان كإنما ... أم المنايا ركبت في عوده
وبذا حويت المال إلا أنني ... سلطت جود يدي على تبديده ما أحسن هذا الشعر وأمتنه!
ومن المنسوب إليه أيضاً:
وآلفه للطيب ليست تغبه ... منعمة الطراف لينة اللمس
стр. 2263
إذا ما دخان النذ من جيبها علا ... على وجهها أبصرت غيما على شمس (٢٦١) وذكر الباخرزي المذكور في " دمية القصر " أيضاً لأبي جوثة (١) ابن عم الأمير قرواش المذكور:
قوم إذا اقتحموا العجاج رأيتهم ... شمساً وخلت وجوههم أقمار
لا يعدولن برفدهم عن سائل ... عدل الزمان عليهم أو جارا
وإذا الضريح دعاهم لملمة ... بذلوا النفوس وفارقوا الأعمارا
وإذا زناد الحرب أخمد نارها ... قدحوا بأطراف الأسنة نارا (٢٦٢) ومن جملة شعراء " دمية القصر " أيضاً الطاهر الجزري (٢) ، وقد مدح قرواشاً المذكور بقوله، وهو في نهاية الحسن في باب الاستطراد:
وليل كوجه البرقعيدي ظلمةً ... وبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومي فيه مشردٌ ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولقٍ فيه مضاء (٣) كأنه ... أبو جابر في طيشه وجنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه ولشرف الدين ابن عنين الشاعر المقدم ذكره على هذه الأسلوب في فقيهين كانا بدمشق ينبز أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس (٤) :
البغل والجاموس في جدليهما ... قد أصبحا عظمةً لكل مناظر
برزا عشية ليلة فتباحثا ... هذا بقرنيه وذا بالحافر
ما أتقنا غير الصباح كأنما ... لقنا جدال المرتضى بن عساكر
стр. 2264
لفظ طويل تحت معنى قاصر ... كالعلقل في عبد اللطيف الناظر
اثنان ما لهما وحقك ثالث ... إلا رقاعة مدلولية (١) الشاعر ولقد حكى لي بعض الصحاب أنه سأل ابن عنين عن أبيات الطاهر الجزري واستحسن بناءه (٢) عليها، فحلف أنه ما كان سمعها، والله أعلم.
(٢٦٣) ومدلويه المذكور: لقب كان ينبز به الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن بدر بن الحسن بن المفرج بن بكار الشاعر المعروف بابن النابلسي، وكان مقيماً بدمشق، ولابن عنين فيه عدة مقاطيع هجو. وتوفي في منتصف صفر سنة تسع عشرة وستمائة بدمشق المحروسة، ودفن بباب الصغير، رحمه الله تعالى.
وذكر في كتاب " الدمية " أيضاً للطاهر الجزري المذكور أبياتاً لطيفة أحببت ذكرها، وهي:
انظر إلى حظ ابن شبل في الهوى ... إذ لا يزال لكل قلب شائقا
شغل النساء عن الرجال، وطالما ... شغل الرجال عن النساء مراهقا
عشقوه أمرد والتحى فعشقنه ... الله أكبر ليس يعدم عاشقا ثم وجدت في كتاب " الخريدة " في ترجمة أبي نصر ابن النحاس الحلبي البيتين الأخيرين من هذه الأبيات الثلاثة وقال: أورده أبو الصلت في " الحديقة " (٣) له، يعني لابن النحاس، والله أعلم.
رجعنا إلى حديث الأمير قرواش:
وكان كريماً وهاباً نهاباً جارياً على سنن العرب، نقل أنه جمع بين أختين في النكاح (٤) ، فلامته العرب على ذلك فقال: خبروني ما الذي نستعمله مما
стр. 2265
تبيحه الشريعة وكان يقول: ما في رقبتي غير خمسة أو ستة من أهل البادية قتلتهم، فأما الحاضرة فما يعبأ الله بهم. ودامت إمارة قرواش مدة خمسين سنة فوقع بينه وبين أخيه بركة بن المقلد، وكان (١) خارج البلد فقبض بركة عليه في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وقيده وحبسه في الجراحية إحدى قلاع الموصل، وتولى مكانه.
(٢٦٤) ولقب بركة بزعيم الدولة وأقام في الإمارة سنتين، وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين.
(٢٦٥) فقام مقامه ابن أخيه أبو المعالي قريش بن أبي الفضل بدران بن المقلد، وكان بدران المذكور صاحب نصيبين، وتوفي في رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة، فأول ما فعل قريش أنه قتل عمه قرواشاً المذكور في محبسه في مستهل رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن بتل توبة شرقي الموصل، وكان فصيحاً شاعراً كريماً شجاعاً.
وقرواش: بكسر القاف وسكون الراء وفتح الواو وبعد الأف شين معجمة، وهو فعوال من القرش، وهو في اللغة الكسب والجمع، وبه سميت قريش أيضاً لأنها كانت تعاني التجارة.
واجتمع قريش مع أرسلان البساسيري المقدم ذكره على نهب (٢) دار الخلافة، ثم إن الإمام القائم بأمر الله جرى على سجيته في الحلم، وكتب إلى السلطان طغرلبك المقدم ذكره في المحمدين ليرضى عنه، وورد الخبر بعد ذلك بموته، أعني قريش بن بدران في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة في أوائلها بالطاعون بمدينة نصيبين، وكان عمره إحدى وخمسن سنة.
(٢٦٦) وولي بعده إمارة بني عقيل ولده أبو المكارم مسلم بن قريش الملقب شرف الدولة، وكان قد طمع في الاستيلاء على بغداد بعد وفاة السلطان طغرلبك السلجوق، المقدم ذكره ثم رجع عن ذلك، واستولى على ديار ربيعة ومضر وملك حلب وأخذ الأتاوة من بلاد الروم، وقصد دمشق وحاصرها وكاد يأخذها،
стр. 2266
فبلغه أن حران عصى عليه أهلها فرحل إليهم وحاربوه، ففتحها وقتل خلقاً كثيراً من أهلها، وذلك في سنة ست وسبعين وأربعمائة، واتسعت له المملكة، ولم يكن من أهل بيته من ملك مثله، وكانت سيرته من أحسن السير وأعدلها، وكانت الطرقات آمنة في بلاده.
ومن جملة ما نقل عنه أن ابن حيوس الشاعر، المقدم ذكره مات عنده وخلف أكثر من عشرة آلاف دينار، فحمل ذلك على خزانته فرده وقال: لا يتحدث عني أحد أنني أعطيت شاعراً مالاً ثم شرهت فيه وأخذته، وأنه دخل خزانتي مال جمع من أوساخ الناس. وكان يصرف الجزية في جميع بلاده إلى الطالبين (١) ولا يأخذ منها شيئاً، وهو الذي عمر سور الموصل، وكان ابتداء عمارته يوم الحد ثالث شوال سنة أربع وسبعين، وفرغ من عمارته في ستة أشهر؛ وأخباره كثيرة.
وجرى بينه وبين سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب الروم مصاف، قتل فيه على باب أنطاكية في خامس عشر صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، يوم الجمعة، وعمره خمس وأربعون سنة وشهور، هكذا قاله محمد بن عبد الملك الهمداني في كتابه الذي سماه " المعارف المتأخرة "؛ وذكر أيضاً ابن الصابي في تاريخه أن مولد مسلم بن قريش يوم الجمعة الثالث والعشرين من رجب سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، والله أعلم؛ وذكر المأموني في تاريخه أنه وثب عليه خادم من خواصه فخنقه في الحمام، وذكر له واقعة في ذلك، وذلك في سنة أربع وسبعين، والله أعلم بالصواب.
(٢٦٧) ورتب السلطان ملكشاه السلجوقي، المقدم ذكره ولده أبا عبد الله محمداً في الرحبة وحران وسروج وبلد الخابور، وزوجه أخته زليخا بنت السلطان ألب أرسلان، وكان والده مسلم بن قريش اعتقل أخاه أبا سالم إبراهيم ابن قريش بقلعة سنجار مدة أربع عشرة سنة، فلما هلك مسلم وتقرر أمر ولده محمد في الإمارة اجتمع أهله على إبراهيم المذكور فأخرجوه وقدموه عليهم، ثم اعتقله ملكشاه وولي ابن أخيه محمداً المذكور، فلما مات ملكشاه أطلق (٢) ،
стр. 2267
وجمع إبراهيم للعرب وحارب (١) تاج الدولة تتش السلجوقي، المذكور في حرف التاء بمكان يعرف بالمصنع وقتله تاج الدولة تتش صبرا في سنة ست وثمانين وأربعمائة.
(٢٦٨) ومن أمراء بني عقيل أيضاً أبو الحارث مهارش بن المجلي بن عليب ابن قيان (٢) بن شعيب (٣) بن المقلد الأكبر بن جعفر بن عمرو بن المهنا المذكور في أول هذه الترجمة؛ ومهارش المذكور هو صاحب الحديثة، وهو الذي نزل عليه الإمام القائم في قصة البساسيري لما خرج من بغداد، وبالغ في إكرامه وإجلاله والإحسان إليه، وأقام عنده سنة، وهي واقعة مشهورة فلا حاجة إلى شرحها.
وكان مهارش المذكور كثير الصدقة والصلوات (٤) ، ملازم الجمع والجماعات، وتوفي في صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وعمره ثمانون سنة، ﵏ أجمعين.
٧٣٦
- مخلص الدولة ابن منقذ
أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، الملقب مخلص الدولة، والد الأمير سديد الدولة أبي الحسن علي صاحب قلعة شيزر، المقدم ذكره؛ كان رجلاً نبيل القدر سائر الذكر، رزق السعادة في بنيته وحفدته،، وقد تقدم في ترجمة ولده المذكور طرف من بدء أمرهم، وكيف ملك القلعة المذكورة.
وكان والده مقلد المذكور في جماعة كثيرة من أهل بيته مقيمين بالقرب من
стр. 2268
قلعة شيزر عند جسر بني مقلد المنسوب إليهم، وكانوا يترددون إلى حلب وحماة وتلك النواحي، ولهم بها الآدار (١) النفسية والملاك المثمنة، وذلك كله قبل أن ملكوا (٢) قلعة شيزر، وكان ملوك الشام يكرمونهم ويبجلون أقدارهم، وشعراء عصرهم يقصدونهم ويمدحونهم، وكان فيهم جماعة أعيان رؤساء كرماء علماء، وقد سبق ذكر أسامة بن منقذ (٣) ، وهو من أحفاده.
ولم يزل مخلص الدولة في رياسته وجلالته، إلى أن توفي في ذي الحجة سنة خمسين وأربعمائة بحلب، وحمل إلى كفرطاب؛ ورأيت في ديوان ابن سنان الخفاجي الشاعر عقيب أشعار له في المذكور (٤) ، يقول ما صورته: وقال يرثيه وقد توفي في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، والله أعلم بالصواب، رحمه الله تعالى. ورثاه القاضي أبو يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن أبي حصين (٥) بهذه القصيدة، وهي من فائق الشعر، وأنشدها لولده أبي الحسن علي المذكور، سأذكرها كلها إن شاء الله تعالى، وإن كانت طويلة، لكنها غريبة قليلة الوجود بأيدي الناس، وما رأيت أحداً قط يحفظ منها إلا أبياتاً يسيرة فأحببت ذكرها لذلك، وهي هذه:
ألا كل حي مقصدات مقاتله ... وآجل ما يخشى من الدهر عاجله
وهل يفرح الناجي السليم وهذه ... خيول الردى قدامه (٦) وحبائله
لعمر الفتى إن السلامة سلم ... إلى الحين والمغرور بالعيش آمله
فتسلب أثواب الحياة معارها ... ويقضي غريم الدين ما هو ماطله
مضى قيصرٌ لم تغن عنه قصوره ... وجدل كسرى ما حمته مجادله
стр. 2269
وما صد هلكاً عن سليمان ملكه ... ولا منعت منه أباه سرابله
ولم يبق إلا من يروح ويغتدي ... على سفر ينأى عن الأهل قافله
وما نفس الإنسان إلا خزامة ... بأيدي المنايا والليالي مراحله
فهل غال بدءاً مخلص الدولة الردى ... وهل تنزوي عمن سواه غوائله
ولكنه حوض الحمام، ففارط ... إليه، وتالٍ مسرعاتٍ رواحله
لقد دفن الأقوام أروع لم تكن ... بمدفونةٍ طول الزمان فضائله
سقى جدثاً هالت عليه ترابه ... أكفهم طل الغمام ووابله
ففيه سحابٌ يرفع المحل هديه ... وبحر ندىً يستغرق البر ساحله
كأن ابن نصر سائراً في سريره ... حبي (١) من الوسمي أقشع هاطله
يمر على الوادي فتثني رماله ... عليه، وبالنادي فتبكي أرامله
سرى تعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله
أناعيه إن النفوس منوطةٌ ... بقولك فانظر ما الذي أنت قائله
بفيك الثرى لم تدر من حل بالثرى ... جهلت وقد يستصغر الأمر جاهله
هو السيد المهتز للتم بدره ... وللجود عطفاه وللطعن عالمه
أفاض عيون الناس حتى كأنما ... عيونهم مما تفيض أنامله
فيا عين سحي لا تشحي بسائل ... على ماجد لم يعرف الشح سائله
متى يسألوه المال تند بنانه ... وإن لم يسألوه الضيم تبد عوامله
وكم عاد عنه بالخسار مقنع ... وكم نال منه قانع ما يحاوله
له الغلب القاضي على كل باسل ... يجالده أو كل خصم يجادله
محاسنه في روضةٍ طلها الندى ... ولكنه في المجد مات مساجله
فيا عمره أنى قصرت ولم تطل ... منازله بل كفه بل حمائله
جرت تحته العلياء ملء فروجها ... إلى غاية طالت على من يطاوله
стр. 2270
فما مات حتى نال أقصى مراده ... كما يستسر البدر تمت منازله (١)
فتى طالما يعتاده الجيش عافياً ... فينزله أو عادياً فينازله
صفوحٌ عن الجاني وصفحة سيفه ... إذا هي لم تقتله فالصفح قاتله
وأدمى عسيب الطرف بعدك هلبه ... وعادته أن يقذف الدم كاهله
فيا طرفه ما كان عجزك حاملاً ... أدى (٢) صارم لو أن ظهرك حامله
لقد كثر الملبوس بعد مروع ... جرت ببيان المشكلات شواكله
إذا ظن لا يخطي كأن ظنونه ... على ما يضل الناس عنه دلائله
فلا رحلت عنه نوازل رحمةٍ ... ضحاه بها موصولة وأصائله
وروى ثراه منهن العفو في غد ... فقد روت العافين أمس مناهله
قضى الله أن يرزا الأمير وهذه ... صوافنه موقورة (٣) ومناصله
وكل فتى كالبراق إبريق غمده (٤) ... إذا شماه (٥) ، او كالذبالة ذابله
فليت ظباه صلت اليوم خلفه ... وظلت على غير الصيام صواهله
بني منقذ صبراً فإن مصابكم ... يصاب به حافي الأنام وناعله
لقد جل حتى كل واجد لوعة ... إذا لج فيها ليس يوجد عاذله
إذا صوحت أيدي الرجال فأنتم ... بني منقذ روض الندى وخمائله
وإن فر من وزر الزمان مفرحٌ ... فإنكم أوزاره ومعاقله
وصاحب، علي، الصبر عنه فما غوى ... مصاحب صبرٍ عن حبيب يزايله
وما نام حتى قام منك وراءه ... أخو يقظات وافر العزم (٦) كامله
كأنكما نوءان في فلك العلا ... فطالعه هذه وذلك آفله
стр. 2271
وما كفلوك (١) الأمر إلا لعلمهم ... قيامك بالأمر الذي أنت كافله
سعيت إلى نيل المكارم سعيه ... ولو كنت لا تسعى كفتك فواضله
ولم تر أن ترقى بما كان فاعلاً ... أجل إنما المرفوع بالفعل فاعله
لعمرك إني في الذي عن كله ... شريك عنان ناصح الود ناخله
وكيف خلو القلب من ذلك الهوى ... وقد خلدت بين الشغاف دواخله نجزت القصيدة بتمامها وكمالها. وقد تقدم في ترجمة الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر مرثية رثاه بها الفقيه عمارة الميني، وهي على وزن هذه المرثية ورويها، ولم أذكر منها هناك سوى أبيات قلائل لكثرة وجود ديوان عمارة بأيدي الناس، وهذه لا تكاد توجد بكمالها، فلهذا أتممتها ها هنا، وقد تقدم منها ذكر بيتين في ترجمة الوزير جمال الدين أبي جعفر محمد المعروف بالجواد الأصبهاني وزير الموصل.
(٢٦٩) وتوفي أخوه أبو الغيث منقذ بن نصر بن منقذ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، ورثاه الشيخ الأديب أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن يحيى بن الحسين بن محمد بن الربيع بن سنان بن الربيع الخفاجي الحلبي الشاعر المشهور صاحب الديوان الشعر بقوله، وهو من شعره القديم زمن الصبا:
غربت خلائقك الحسان غريبةً ... ورمى الزمان دنوها ببعاد
ذهبت كما ذهب الربيع وخلفت ... فيض الدموع حرارة الأكباد والخفاجي المذكور رثى مخلص الدولة المذكور أيضاً بقصيدة طويلة رائية، ومدحه بأخرى حائة أجاد فيهما وتركتهما لطولهما، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 2272
(١) ٧٣٧
مكي بن أبي طالب
أبو محمد مكي بن أبي طالب بن حموش بن محمد بن مختار القيسي المقرئ؛ أصله من القيروان، وانتقل إلى الأندلس وسكن قرطبة، وهو من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، كان حسن الفهم والخلق جيد الدين والعقل، كثير التواليف في علم القرآن محسناً لذلك، مجوداً للقراءات السبع عالماً بمعانيها.
ولد بالقيروان عند طلوع الشمس أو قبل طلوعها بقليل، لسبع بقين من شعبان سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وقال أبو عمرو المقرئ الداني: إنه ولد سنة أربع وخمسين، ونشأ بالقيروان وترعرع، وسافر إلى مصر وهو ابن ثلاث عشرة سنة، واختلف بها إلى المؤدبين والعارفين بعلوم الحساب، ثم رجع إلى القيروان، وكان إكماله لاستظهار القرآن بعد كماله وفراغه من الحساب وغيره من الآداب، وذلك في سنة أربع وسبعين وثلثمائة، ثم عاد إلى مصر ثانية بعد استكماله القراءات بالقيروان وذلك في سنة سبع وسبعين، فحج في تلك السنة حجة الإسلام، ثم ابتدأ بالقراءات على أبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون الحلبي المقرئ نزيل مصر بمصر في أول سنة ثمان وسبعين، فقرأ عليه بقية السنة وبعض سنة تسع، ورجع إلى القيروان وقد بقي عليه بعض القراءات. ثم عاد إلى مصر مرة ثالثة في سنة اثنتين وثمانين، فاستكمل ما بقي له، ثم عاد إلى القيروان في سنة ثلاث وثمانين وأقام بها يقرئ إلى سنة سبع وثمانين، ثم خرج إلى مكة وأقام بها إلى آخر سنة تسعين، وحج أربع حجج متوالية، ثم رجع من مكة سنة إحدى وتسعين، فوصل إلى مصر، ثم رحل منها إلى القيروان في سنة اثنتين وتسعين، ثم ارتحل إلى الأندلس وقدمها في رجب سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، وجلس للأقراء بجامع قرطبة،
стр. 2273
فانتفع به خلق كثير وجودوا عليه القرآن، وعظم اسمه في البلد وجل فيها قدره، ونزل عند دخوله قرطبة في مسجد النخيلة (١) الذي بالزقاقين (٢) عند باب العطارين، فأقرأ به، ثم نقله المظفر عبد الملك بن أبي عامر إلى جامع الزاهرة، وأقرأ فيه حتى انصرمت دولة آل عامر، فنقله محمد بن هشام المهدي إلى المسجد الخارج بقرطبة، وأقرأ فيه مدة الفتنة كلها إلى أن قلده أبو الحسن ابن جهور (٣) الصلاة والخطبة بالمسجد بعد وفاة يونس بن عبد الله، وكان ضعيفاً عليها على أدبه وفهمه، وأقام في الخطابة إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
وكان خيراً فاضلاً متواضعاً متديناً مشهوراً بإجابة الدعاء، وله في ذلك أخبار، فمن ذلك ما حكاه أبو عبد الله الطرفي المقرئ (٤) قال: كان عندنا بقرطبة رجل فيه بعض الحدة، وكان له على الشيخ أبي محمد المذكور تسلط، وكان يدنو منه إذا خطب فيغمره ويحصي عليه سقطاته، وكان الشيخ كثيراً ما يتلعثم ويتوقف، فحضر ذلك الرجل في بعض الجمع، وجعل يحد النظر إلى الشيخ ويغمزه، فلما خرج معنا ونزل في الموضع الذي كان يقرأ فيه قال لنا: أمنوا على دعائي، ثم رفع يديه وقال: اللهم اكفنيه، اللهم اكفنيه (٥) ، فأمنا، قال: فأقعد ذلك الرجل، وما دخل الجامع بعد ذلك اليوم.
وله تصانيف كثيرة نافعة فمنها: " الهداية إلى بلوغ النهاية " في معاني القرآن الكريم وتفسيره وأنواع علومه، وهو سبعون جزءاً، و " منتخب الحجة " لأبي علي الفارسي، ثلاثون جزءاُ، وكتاب " التبصر في القراءات " في خمسة أجزاء، وهو من أشهر تواليفه (٦) ، و " الموجز في القرءات " جزءان، وكتاب
стр. 2274
" المأثور عن مالك في أحكام القرآن وتفسيره " عشر أجزاء، وكتاب " الرعاية لتجود القراءة " أربعة أجزاء، وكتاب " اختصار أحكام القرآن " أربعة اجزاء، وكتاب " الكشوف عن وجوه القرءات وعللها " عشرون جزءاً، وكتاب " الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه " ثلاثة أجزاء، وكتاب " الإيجاز في ناسخ القرآن ومنسوخه " جزء، وكتاب " الزاهي في اللمع الدالة على مستعملات الإعراب " أربعة أجزاء، وكتاب " التنبيه على أصول قراءة نافع وذكر الاختلاف عنه " جزاءان، وكتاب " الانتصاف، فيما رده على أبي بكر الأدفوي وزعم أنه غلط في كتاب الإبانة " ثلاثة أجزاء، وكتاب " الرسالة إلى أصحاب الأنطاكي في تصحيح المد لورش " ثلاثة أجزاء، وكتاب " الإبانة عن معاني القراءة " جزء، وكتاب " الوقف على كلا وبلى في القرآن " جزءان، وكتاب " الاختلاف في عدد الأعشار " جزء، وكتاب " الإدغام الكبير في المخارج " جزء، وكتاب " بيان الصغائر والكبائر " جزء، وكتاب " الاختلاف في الذبيح من هو " جزء، وكتاب " دخول حروف الجر بعضها مكان بعض " جزء، وكتاب " تنزيه الملائكة عن الذنوب وفضلهم على بني آدم " جزء، وكتاب " الياءات المشددة في القرآن والكلام " جزء، وكتاب " اختلاف العلماء في النفس والروح " جزء، وكتاب " إيجاب الجزاء على قاتل الصيد في الحرم خطأ " على مذهب الإمام مالك، والحجة في ذلك " جزء، وكتاب " مشكل غريب القرآن " ثلاثة أجزاء، وكتاب " فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا " جزء وكتاب " التذكرة لاختلاف القراء " جزء، وكتاب " تسمية الأحزاب " جزء (١) ، وكتاب " منخب كتاب الإخوان لابن وكيع " جزءان، وكتاب " الحروف المدغمة " جزءان، وكتاب " شرح التمام والوقف " أربعة أجزاء، وكتاب " مشكل المعاني والتفسير " خمسة عشر جزءاً، وكتاب " هجاء المصاحف " جزءان، وكتاب " الرياض " مجموع خمسة أجزاء، وكتاب " المنتقى في الأخبار " أربعة أجزاء، وله في القراءات واختلاف القراء وعلوم
стр. 2275
القرآن تصانيف كثيرة، ولولا خوف التطويل لاستوعبت ذكرها.
وتوفي يوم السبت عند صلاة الفجر (١) ، ودفن يوم الأحد ضحوة لليلتين خلتا من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقرطبة، ودفن بالربض، وصلى عليه ولده أبو طالب محمد، رحمه الله تعالى.
وحموش: بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم المضمومة وسكون الواو وبعدها شين معجمة.
وقد تقدم الكلام على القيسي والقيروان وقرطبة، فأغنى عن الإعادة.
(٢٧٠) وأبو الطيب عبد المنعم بن غلبون المقرئ المصري (٢) المذكور في هذه الترجمة ذكره الثعالبي في كتاب " اليتيمة " فقال: كان على دينه وفضله وعلمه بالقرآن ومعانيه وإعرابه متفنناً في سائر علوم الأدب، أنشدت له قصيدة منها قوله:
عليك باقلال الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أن الغيث يسأم دائماً ... ويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا وقال غير الثعالبي: ولد أبو الطيب المذكور في رجب سنة تسع وثلثمائة، وتوفي في مصر يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 2276
(١) ٧٣٨
مكي الماكسيني النحوي
أبو الحرم (٢) مكي بن ريان بن شبة بن صالح، الماكسيني المولد الموصلي الدار، المقرىء النحوي الضرير، الملقب صائن الدين (٣) ؛ كان والده يصنع الأنطاع بماكسين، ومات فقيراً لم يخلف شيئاً، وترك ولده أبا الحرم المذكور وأمه وبنتاً، فلم تقدر أمه على القيام بمصالحه بسب الفقر، وتضجرت منه ففارقها، وخرج من بلده وقصد الموصل، واشتغل بها بعلم القرآن والأدب، ثم رحل إلى بغداد واجتمع بأئمة الأدب، وقرأ على أبي محمد ابن الخشاب وابن العصار وابن الأنباري وأبي محمد سعيد بن الدهان وقد تقدم ذكرهم ثم عاد إلى الموصل وتصدر بها للإفادة، وأخذ الناس عنه، وانتشر ذكره في البلاد وبعد صيته وانتفع به خلق كثير.
وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " فقال: هو جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب، المجمع على دينه وعقله، والمتفق على علمه وفضله؛ رحل إلى بغداد ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث، وكان واسع الرواية، قد نصب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز (٤) وجميع ضروب الأدب، ثم قال: وأنشدني من شعره، وكان قد اشتغل عليه بالموصل، أعني ابن المستوفي المذكور:
سئمت من الحياة فلم أردها ... تسالمني وتشجيني بريقي
عدوي لا يقصر في أذائي ... ويفعل مثل ذلك بي صديقي
стр. 2277
وقد أضحت لي الحدباء داراً ... وأهل مودتي بلوى العقيق والحدباء: كنية الموصل.
ومن شعره أيضاً:
إذا احتاج النوال إلى شفيع ... فلا تقبله تضح قرير عين
إذا عيف النوال لفرد من ... فأولى أن يعاف لمنتين وله أيضاً:
على الباب عبد يسأل الإذن طالباً ... به أدباً لا أن نعماك تحجب
فإن كان إذن فهو كالخير داخلٌ ... عليك وإلا فهو كالشر يذهب وهذا مأخوذ من قول بعضهم:
على الباب عبدٌ من عبيدك واقفٌ ... بنعماك مغمورٌ بشكرك معترف
أيدخل كالاإقبال لا زالت مقبلاً ... مدى الدهر أم مثل الحوادث ينصرف (١) ثم قال ابن المستوفي: وكان قد أضر وهو ابن ثمان أو تسع سنين، وكان أبداً يتعصب لأبي العلاء المعري، ويطرب إذا قرئ عليه شعره، للجامع بينهما من العمى والأدب، فسلك مسلكه في النظم؛ انتهى كلام ابن المستوفي.
قلت: وحكى لي بعض من أخذ عنه أنه لما كان ببلده كان جيرانهم ومعارفهم يسمونه مكيك تصغير مكي، فلما ارتحل واشتغل وحصل اشتاقت نفسه إلى وطنه، فعاد إليه، فتسامع به من بقي ممن كان يعرفه، فزاروه وفرحوا به لكونه فاضلاً من أهل بلدهم، وبات تلك الليلة، فلما كان سحر خرج إلى الحمام فسمع امرأة في غرفتها تقول لأخرى: ما تدرين من جاء فقالت: لا، فقالت: مكيك ابن فلانة، فقال: والله لا قعدت في بلد أدعى فيه مكيك وسافر من غير تربث بعد أن كان قد نوى الإقامة بها مدة وعاد إلى الموصل، ثم
стр. 2278
خرج إلى الشام في أواخر عمره لزيارة بيت المقدس، فانتهى إليه وقضى منه وطره.
ورجع إلى الموصل من حلب. وكان دخوله إلى الموصل في شهر رمضان وتوفي ليلة السبت السادس من شوال سنة ثلاث وستمائة بالموصل، وخلف ولداً صغيراً. ودفن بصحراء باب الميدان في مقبرة المعافى بن عمران جوار أبي بكر القرطبي وابن الدهان النحوي، رحمهم الله تعالى؛ ويقال إنه مات مسموماً من جهة صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه المقدم ذكره في حرف الهمزة لسبب اقتضى ذلك، والله أعلم.
وريان: بفتح الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون.
وشبه: بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعد هاء ساكنة.
والماكسيني: بفتح الميم وبعد الألف كاف مكسورة أيضاً ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها نون، هذه النسبة إلى ماكسين، وهي بليدة من أعمال الجزيرة الفراتية على نهر الخابور، وهي على صغرها تشابه المدن في حسن بنائها ومنازلها.
٧٣٩ - (١)
مكحول الشامي
أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي، من سبي كابل [ذكره ابن ماكولا في كتاب " الإكمال " في ترجمة شاذل فقال في نسبه: وهو مكحول بن أبي
стр. 2279
مسلم - واسمه شهراب - ابن شاذل بن سند بن سروان بن بزدك بن يغوب ابن كسرى (١) .
قال ابن عائشة: كان مولى لامرأة من قيس، وكان سندياً لا يفصح؛ وقال الواقدي: كان مولى لامرأة من هذيل، وقيل هو مولى سعبد بن العاص، وقيل مولى لبني ليث.
قال الخطيب (٢) : كان جده شاذل من أهل هراة، فتزوج ابنة ملك من ملوك كابل، ثم هلك عنها وهي حامل، فانصرفت إلى أهلها، فولدت شهراب (٣) فلم يزل في أخواله بكابل حتى ولد له مكحول، فلما ترعرع سبي، ثم وقع إلى سعيد بن العاص فوهبه لامرأة من هذيل فأعتقته.
وكان معلم الأوزاعي المقدم ذكره في حرف الهمزة وسعيد بن عبد العزيز، قال الزهري: العلماء أربعة، سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام. ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا رأي والرأي يخطئ ويصيب. وسمع أنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبا هند الداري (٤) وغيرهم، وكان مقامه بدمشق.
وكان في لسانه عجمة ظاهرة، ويبدل بعض الحروف بغيره، قال نوح بن قيس: سأله بعض الأمراء عن القدر، فقال: أساهر أنا يريد أساحر أنا. وكان يقول بالقدر ورجع عنه، وقال معقل بن عبد الأعلى القرشي: سمعته يقول لرجل: ما فعلت تلك الحاجة يريد الحاجة؛ وهذه العجمة تغلب على أهل السند.
стр. 2280
(٢٧١) يحكى عن أبي عطاء السندي الشاعر (١) المشهور، واسمه مرزوق، وهو من موالي أسد بن خزيمة، أنه كان في لسانه هذه العجمة، فاجتمع حماد الرواية وحماد عجرد الشاعر المقدم ذكرهما (٢) وحماد بن الزبرقان النحوي وبكر بن مصعب المزني، في بعض الليالي ليتذاكروا فقالوا: ما بقي شيء إلا وقد تهيأ لنا في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي ليحضر عندنا ويكمل به المجلس، فأرسلوا إليه، فقال حماد بن الزبرقان: أيكم يحتال لأبي عطاء حتى يقول: جرادة وزج شيطان وإنما اختار له هذه الألفاظ لأنه كان يبدل من الجيم زاياً ومن الشين سيناً، فقال حماد الراوية: أنا احتال في ذلك، فلم يلبثوا أن جاءهم أبو عطاء فقال لهم: هياكم الله، يريد حياكم الله، فقالوا له: مرهباً مرهبا، يريدون مرحبا مرحبا على لغته، فقالوا له: ألا تتعشى فقال: قد تعسيت، فهل عندكم نبيذ نشرب فقالوا: نعم، فأتوا له بنبيذ فشرب حتى استرخى (٣) فقال له حماد الراوية: يا أبا عطاء، كيف معرفتك باللغز فقال: هسن، يريد حسن، فقال له ملغزاً في جرادة:
فما صفراء تكنى أم عوف ... كان رجيلتيها منجلان فقال: زرادة، فقال: صدقت، ثم قال ملغزاً في زجٍ:
فما اسم حديدةٍ في الرمح ترسي ... دوين الصدر ليست بالسنان فقال أبو عطاء: زر، فقال حماد: أصبت، ثم قال ملغزاً في مسجد بجوار بني شيطان، وهو بالبصرة:
أتعرف مسجداً لبني تميم ... فويق الميل دون بني أبان