(١) ٧٣٨
مكي الماكسيني النحوي
أبو الحرم (٢) مكي بن ريان بن شبة بن صالح، الماكسيني المولد الموصلي الدار، المقرىء النحوي الضرير، الملقب صائن الدين (٣) ؛ كان والده يصنع الأنطاع بماكسين، ومات فقيراً لم يخلف شيئاً، وترك ولده أبا الحرم المذكور وأمه وبنتاً، فلم تقدر أمه على القيام بمصالحه بسب الفقر، وتضجرت منه ففارقها، وخرج من بلده وقصد الموصل، واشتغل بها بعلم القرآن والأدب، ثم رحل إلى بغداد واجتمع بأئمة الأدب، وقرأ على أبي محمد ابن الخشاب وابن العصار وابن الأنباري وأبي محمد سعيد بن الدهان وقد تقدم ذكرهم ثم عاد إلى الموصل وتصدر بها للإفادة، وأخذ الناس عنه، وانتشر ذكره في البلاد وبعد صيته وانتفع به خلق كثير.
وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " فقال: هو جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب، المجمع على دينه وعقله، والمتفق على علمه وفضله؛ رحل إلى بغداد ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث، وكان واسع الرواية، قد نصب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز (٤) وجميع ضروب الأدب، ثم قال: وأنشدني من شعره، وكان قد اشتغل عليه بالموصل، أعني ابن المستوفي المذكور:
سئمت من الحياة فلم أردها ... تسالمني وتشجيني بريقي
عدوي لا يقصر في أذائي ... ويفعل مثل ذلك بي صديقي
стр. 2277
وقد أضحت لي الحدباء داراً ... وأهل مودتي بلوى العقيق والحدباء: كنية الموصل.
ومن شعره أيضاً:
إذا احتاج النوال إلى شفيع ... فلا تقبله تضح قرير عين
إذا عيف النوال لفرد من ... فأولى أن يعاف لمنتين وله أيضاً:
على الباب عبد يسأل الإذن طالباً ... به أدباً لا أن نعماك تحجب
فإن كان إذن فهو كالخير داخلٌ ... عليك وإلا فهو كالشر يذهب وهذا مأخوذ من قول بعضهم:
على الباب عبدٌ من عبيدك واقفٌ ... بنعماك مغمورٌ بشكرك معترف
أيدخل كالاإقبال لا زالت مقبلاً ... مدى الدهر أم مثل الحوادث ينصرف (١) ثم قال ابن المستوفي: وكان قد أضر وهو ابن ثمان أو تسع سنين، وكان أبداً يتعصب لأبي العلاء المعري، ويطرب إذا قرئ عليه شعره، للجامع بينهما من العمى والأدب، فسلك مسلكه في النظم؛ انتهى كلام ابن المستوفي.
قلت: وحكى لي بعض من أخذ عنه أنه لما كان ببلده كان جيرانهم ومعارفهم يسمونه مكيك تصغير مكي، فلما ارتحل واشتغل وحصل اشتاقت نفسه إلى وطنه، فعاد إليه، فتسامع به من بقي ممن كان يعرفه، فزاروه وفرحوا به لكونه فاضلاً من أهل بلدهم، وبات تلك الليلة، فلما كان سحر خرج إلى الحمام فسمع امرأة في غرفتها تقول لأخرى: ما تدرين من جاء فقالت: لا، فقالت: مكيك ابن فلانة، فقال: والله لا قعدت في بلد أدعى فيه مكيك وسافر من غير تربث بعد أن كان قد نوى الإقامة بها مدة وعاد إلى الموصل، ثم
стр. 2278
خرج إلى الشام في أواخر عمره لزيارة بيت المقدس، فانتهى إليه وقضى منه وطره.
ورجع إلى الموصل من حلب. وكان دخوله إلى الموصل في شهر رمضان وتوفي ليلة السبت السادس من شوال سنة ثلاث وستمائة بالموصل، وخلف ولداً صغيراً. ودفن بصحراء باب الميدان في مقبرة المعافى بن عمران جوار أبي بكر القرطبي وابن الدهان النحوي، رحمهم الله تعالى؛ ويقال إنه مات مسموماً من جهة صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه المقدم ذكره في حرف الهمزة لسبب اقتضى ذلك، والله أعلم.
وريان: بفتح الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون.
وشبه: بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعد هاء ساكنة.
والماكسيني: بفتح الميم وبعد الألف كاف مكسورة أيضاً ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها نون، هذه النسبة إلى ماكسين، وهي بليدة من أعمال الجزيرة الفراتية على نهر الخابور، وهي على صغرها تشابه المدن في حسن بنائها ومنازلها.
٧٣٩ - (١)
مكحول الشامي
أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي، من سبي كابل [ذكره ابن ماكولا في كتاب " الإكمال " في ترجمة شاذل فقال في نسبه: وهو مكحول بن أبي
стр. 2279
مسلم - واسمه شهراب - ابن شاذل بن سند بن سروان بن بزدك بن يغوب ابن كسرى (١) .
قال ابن عائشة: كان مولى لامرأة من قيس، وكان سندياً لا يفصح؛ وقال الواقدي: كان مولى لامرأة من هذيل، وقيل هو مولى سعبد بن العاص، وقيل مولى لبني ليث.
قال الخطيب (٢) : كان جده شاذل من أهل هراة، فتزوج ابنة ملك من ملوك كابل، ثم هلك عنها وهي حامل، فانصرفت إلى أهلها، فولدت شهراب (٣) فلم يزل في أخواله بكابل حتى ولد له مكحول، فلما ترعرع سبي، ثم وقع إلى سعيد بن العاص فوهبه لامرأة من هذيل فأعتقته.
وكان معلم الأوزاعي المقدم ذكره في حرف الهمزة وسعيد بن عبد العزيز، قال الزهري: العلماء أربعة، سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام. ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا رأي والرأي يخطئ ويصيب. وسمع أنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبا هند الداري (٤) وغيرهم، وكان مقامه بدمشق.
وكان في لسانه عجمة ظاهرة، ويبدل بعض الحروف بغيره، قال نوح بن قيس: سأله بعض الأمراء عن القدر، فقال: أساهر أنا يريد أساحر أنا. وكان يقول بالقدر ورجع عنه، وقال معقل بن عبد الأعلى القرشي: سمعته يقول لرجل: ما فعلت تلك الحاجة يريد الحاجة؛ وهذه العجمة تغلب على أهل السند.
стр. 2280
(٢٧١) يحكى عن أبي عطاء السندي الشاعر (١) المشهور، واسمه مرزوق، وهو من موالي أسد بن خزيمة، أنه كان في لسانه هذه العجمة، فاجتمع حماد الرواية وحماد عجرد الشاعر المقدم ذكرهما (٢) وحماد بن الزبرقان النحوي وبكر بن مصعب المزني، في بعض الليالي ليتذاكروا فقالوا: ما بقي شيء إلا وقد تهيأ لنا في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي ليحضر عندنا ويكمل به المجلس، فأرسلوا إليه، فقال حماد بن الزبرقان: أيكم يحتال لأبي عطاء حتى يقول: جرادة وزج شيطان وإنما اختار له هذه الألفاظ لأنه كان يبدل من الجيم زاياً ومن الشين سيناً، فقال حماد الراوية: أنا احتال في ذلك، فلم يلبثوا أن جاءهم أبو عطاء فقال لهم: هياكم الله، يريد حياكم الله، فقالوا له: مرهباً مرهبا، يريدون مرحبا مرحبا على لغته، فقالوا له: ألا تتعشى فقال: قد تعسيت، فهل عندكم نبيذ نشرب فقالوا: نعم، فأتوا له بنبيذ فشرب حتى استرخى (٣) فقال له حماد الراوية: يا أبا عطاء، كيف معرفتك باللغز فقال: هسن، يريد حسن، فقال له ملغزاً في جرادة:
فما صفراء تكنى أم عوف ... كان رجيلتيها منجلان فقال: زرادة، فقال: صدقت، ثم قال ملغزاً في زجٍ:
فما اسم حديدةٍ في الرمح ترسي ... دوين الصدر ليست بالسنان فقال أبو عطاء: زر، فقال حماد: أصبت، ثم قال ملغزاً في مسجد بجوار بني شيطان، وهو بالبصرة:
أتعرف مسجداً لبني تميم ... فويق الميل دون بني أبان
стр. 2281
فقال: هو في بني سيطان، فقال: أحسنت، ثم تنادموا وتفاكهوا إلى سحرة في أرغد عيش.
وهذا أبو عطاء من الشعراء المجيدين، وكان عبداً أخرب، والأخرب: المشقوق الأذن، وله في كتاب الحماسة (١) مقاطيع ناردة، ولولا خشية التطويل والخروج عن المقصود لذكرن جملة من شعره ونوادره.
وتوفي مكحول المذكور في سنة ثماني عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل ست عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل أربع عشرة ومائة، ﵁.
وكابل: بفتح الكاف وبعد الألف باء موحدة مضمومة ثم لام، وهي ناحية معروفة ببلاد السند.
٧٤٠ - (٢)
ملكشاه السلجوقي
أبو الفتح ملكشاه بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق، الملقب جلال الدولة وقد تقدم ذكر أبيه وجماعة من أهل بيته.
ولما توفي أبوه في التاريخ المذكور في ترجمته كان ملكشاه المذكور في صحبته، ولم يصحبه قبلها في سفر غير هذه المرة، فولي الأمر من بعده بوصية والده وتحليف الأمراء والجناد على طاعته، ووصى وزيره نظام الملك أبا علي الحسن المقدم ذكره في حرف الحاء (٣) على تفرقة البلاد بين أولاده، ويكون مرجعهم إلى ملكشاه المذكور، ففعل ذلك وعبر بهم نهر جيحون راجعاً إلى
стр. 2282
البلاد، وقد شرحت الوقاعة في ترجمة والده فلا حاجة إلى الإعادة.
فلما وصل إلى البلاد وجد بعض أعمامه وهو قاروت بك (١) صاحب كرمان قد خرج عليه، فعاجله وتصافا بالقرب من همذان، فنصره الله عليهم وانهزم عمه، فتبعه بعض جند ملكشاه فأسروه وحملوه إلى ملكشاه، فبذل التوبة ورضي بالاعتقال وأن لا يقتل، فلم يجبه ملكشاه إلى ذلك، فأنفذ له خريطة مملوءة من كتب أمرائه، وأنهم حملوه على الخروج عن طاعته وحسنوا له ذلك، فدعا السلطان بالوزير نظام الملك فأعطاه الخريطة ليفتحها ويقرأ ما فيها، فلم يفتحها، وكان هناك كانون نار فرمى الخريطة فيه فاحترقت الكتب، فسكنت قلوب العساكر وأمنوا، ووطنوا أنفسهم على الخدمة، بعد أن كانوا قد خافوا من الخريطة لأن أكثرهم كان قد كاتبه، وكان ذلك سبب ثبات قدم ملكشاه في السلطنة، وكانت هذه معدودة في جميل آراء نظام الملك.
ثم إن ملكشاه أمر بقتل عمه فخنق بوتر قوسه، واستقرت القواعد للسلطان وفتح البلاد واتسعت عليه المملكة، وملك ما لم يملكه أحد من ملوك الإسلام بعد الخلفاء المتقدمين فكان في مملكته جميع بلاد ما وراء النهر وبلاد الهياطلة وباب الأبواب والروم وديار بكر والجزيرة والشام وخطب له على جميع منابر الإسلام سوى بلاد المغرب، فإنه ملك من كاشغر وهي مدينة في أٌقصى بلاد الترك إلى بيت المقدس طولاً، ومن القسطنطينية إلى بلاد الخزر وبحر الهند عرضاً، وكان قد قدر لمالكه ملك الدنيا.
وكلن من أحسن الملوك سيرة حتى كان يلقب بالسلطان العادل، وكان منصوراً في الحروب، ومغرماً بالعمائر، فحفر كثيراً من الأنهار، وعمر على كثير من البلدان الأسوار، وأنشأ في المفاوز رباطات وقناطر، وهو الذي عمر جامع السلطان ببغداد ابتدأ بعمارته في المحرم من سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وزاد في دار السلطنة بها، وصنع بطريق مكة مصانع، وغرم عليها أموالاً كثيرة خارجة عن الحصر، وأبطل المكوس والخفارات في جميع البلاد.
وكان لهجاً بالصيد، حتى قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة
стр. 2283
آلاف، فتصدق بعشرة آلاف دينار بعد أن نسي كثيراً منه، وقال: إنني خائف من الله لإزهاق الأرواح لغير مأكلة، وصار بعد ذلك كلما قتل صيداً تصدق بدينار.
وخرج من الكوفة لتوديع الحاج، فجاوز العذيب وشيعهم بالقرب من الواقصة وصاد في طريقه وحشاً كثيراً فبنى هناك منارة من حوافر الحمر الوحشية وقرون الظباء التي صادها في ذلك الطريق، والمنارة باقية إلى الآن وتعرف بمنارة القرون، وذلك في سنة ثمانين وأربعمائة.
وكانت السبيل في أيامه ساكنة والمخاوف آمنة، تسير القوافل من ما وراء النهر إلى أقصى الشام وليس معها خفير، ويسافر الواحد والإثنان من غير خوف ولا رهب.
وحكى محمد بن عبد الملك الهمذاني في تاريخه أن السلطان ملكشاه المذكور توجه لحرب أخيه تكش فاجتاز بمشهد علي بن موسى الرضا ﵄ بطوس ودخل مع نظام الملك الوزير وصليا فيه وأطالا الدعاء، ثم قال لنظام الملك: بأي شيء دعوت قال: دعوت الله تعالى أن ينصرك ويظفرك بأخيك، فقال: أما أنا فلم أدع بهذا بل قلت: اللهم انصر أصلحنا للمسليمن وأنفعنا للرعية.
ثم قال الهمذاني أيضاً عقيب (١) هذا: وحكي أن واعظاً دخل عليه ووعظه، فكان من جملة ما حكى له أن بعض الأكاسرة اجتاز منفرداً عن عسكره على باب بستان، فتقدم إلى الباب (٢) وطلب ماء يشربه، فأخرجت له صبية إناء فيه ماء السكر والثلج، فشربه واستطابه، فقال لها: هذا كيف يعمل فقالت: إن قصب السكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا، فيخرج منه هذا الماء، فقال: ارجعي وأحضري شيئاً آخر، وكانت الصبية غير عارفة به، ففعلت، فقال في نفسه: الصواب أن أعوضهم عن هذا المكان وأصطفيه لنفسي، فما كان بأسرع من خروجها باكية، وقالت: إن نية سلطاننا قد تغيرت، فقال: ومن أين علمت ذلك قالت: كنت آخذ من هذا ما أريد من غير تعسف، والآن
стр. 2284
فقد اجتهدت في عصر القصب فلم يسمح ببعض ما كان يأتي، فعلم صدقها، فرجع عن تلك النية، ثم قال لها: ارجعي الآن فأنك تبلغين الغرض، وعقد على نفسه أن لا يفعل ما نواه، فخرجت الصبية ومعها ما شاءت من ماء السكر وهي مستبشرة. فقال السلطان للواعظ: فلم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على بستان فقال للناطور: ناولني عتقوداً من الحصرم، فقال له: ما يمكنني ذلك، فإن السلطان لم يأخذ حقه ولا تجوز لي خيانته، فعجب الحاضرون من مقابلته الحكاية بمثلها، ومعارضته بما أوجب الحق له ما أوجب الحق عليه.
وحكى الهمذاني أيضاً أن سوادياً لقيه وهو يبكي، فسأله السلطان عن سبب بكائه، فقال (١) : ابتعت بطيخاً بدريهمات لا أملك غيرها، فلقيني ثلاثة أغلمة أتراك فأخذوه مني، وما لي حيلة سواه، فقال: أمسك، واستدعى فراشاً وكان ذلك عند باكورة البطيخ، وقال له: إن نفسي قد تاقت إلى البطيخ، فطف في العسكر وانظر من عنه شيء فأحضره، فعاد ومعه بطيخ، فقال: عند من رأيته قال: عند الأمير فلان، فأحضره وقال: من أين لك هذا البطيخ فقال: جاء به الغلمان، فقال: أريدهم الساعة، فمضى وقد عرف نية السلطان فيهم، فهربهم وعاد فقال: لم أجدهم فالتفت إلى السوادي وقال: هذا مملوكي وقد وهبته لك حين لم يحضر القوم الذين أخذوا متاعك، والله لئن خليته لأضربن عنقك، فأخذه السوادي بيده، وأخرجه من بين يدي السلطان فاشترى المير نفسة بثلاثمائة دينار، وعاد السوادي وقال: يا سلطان، قد بعث المملوك بثلثمائة دينار فقال: أو قد رضيت قال: نعم، قال: امض مصاحباً (٢) .
وكانت البركة والثمن مقرونين بناصيته، فكان إذا يدخل أصبهان أو بغداد أو أي بلد من البلاد كان، دخل معه عدد لا يحصى لكثرته فيرخص السعر وتنحط أثمان الأشِياء عما كانت عليه قبله، ويكتسب المتعيشون مع عسكره الكسب الكثير.
وحكى الهمذاني أيضاً أنه أحضرت إليه مغنية وهو بالري، فأعجب بها
стр. 2285
واستطاب غناءها، فهم بها فقالت: يا سلطان، إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذب بالنار، وإن الحلال أيسر، وبينه وبين الحرام (١) كلمة، فقال: صدقت، واستدعى القاضي فتزوجها منه وابتنى بها، وتوفي عنها.
[وقال صاحب الندول المنقطعة: ومن جملة ما سعى تاج الملك (٢) في نظام الملك الوزير أن قال للسلطان: إنه ينفق في كل سنة على أرباب المدارس والرباطات ثلثمائة ألف دينار، ولو جيش بها جيشاً لبلغ باب القسطنطينية، فاستحضر الناظم واستفسره على الحال، فقال: يا سلطان العالم إني أنا رجل شيخ، ولو ندوي علي لما زادت قيميتي على ثلاثة دنانير، وأنت حدث لو نودي عليك ما زادت قيمتك على ثلاثين ديناراً، وقد أعطاك الله تعالى وأعطاني بك ما لم يعطه أحداً من خلقه، أفلا نعوضه عن ذلك في حملة دينه وحفظة كتابه ثلاثمائة ألف دينار ثم إنك تنفق على الجيوش المحاربة في كل سنة ستة أضعاف هذا المال، مع أن أقواهم وأرماهم لا تبلغ رميته ميلاً ولا يضرب بسيفه إلا ما قرب منه، وأنا أجيش لك بهذا المال جيشاً تصل من الدعاء سهامه إلى العرض لا يحجبها شيء عن الله تعالى، فبكى السلطان وقال: يا أبت استكثر من الجيش، والأموال مبذولة لك، والدنيا بين يديك] (٣) .
وعيون محاسنه أكثر من أن تحصى.
وحكى الهمذاني أيضاً أن ناظم الملك الوزير وقع للملاحين الذين عبروا بالسطان والعسكر نهر جيحون على العامل بأنطاكية، وذلك لسعة المملكة، وكان مبلغ أجره المعابر أحد عشر ألف دينار.
وتزوج الإمام المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين ابنة السلطان، وكات السفير في الخطبة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي صاحب المهذب والتنبيه رحمه الله تعالى، وأنقذه الخليفة إلى نيسابور لهذا السبب، فإن السلطان كان هناك، فلما وصل إلى بغداد في أقل من أربعة أشهر، وناظر إمام الحرمين هناك، فلما
стр. 2286
أراد الإنصراف من نيسابور خرج إمام الحرمين للوداع، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق، وظهر له في خراسان منزلة (١) عظيمة وكانوا يأخذون التراب الذي وطئته بغلته فيتبركون به.
وكان زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربعمائة، وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم كان فيه أربعون ألف مناً سكراً، وفي بقية هذه السنة في ذي القعدة منها رزق الخليفة ولداً من ابنة السلطان سماه أبا الفضل جعفراً، وزينت بغداد لأجله.
وكان السلطان قد دخل إلى بغداد دفعتين، وهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته، وليس للخليفة فيها سوى الاسم، فلما عاد إليها الدفعة الثالثة دخلها في أوائل شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وخرج من فوره إلى ناحية دجيل لأجل الصيد، فاصطاد وحشاَ وأكل من لحمه، فابتدأت به العلة، وافتصد، فلم يكثر من إخراج الدم، فعاد إلى بغداد مريضاً، ولم يصل إليه أحد من خاصته، فلما دخلها توفي ثاني يوم دخوله، وهو السادس عشر من شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكانت ولادته في التاسع من جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى، وقيل إنه سم في خلال تخلل به، وحمل تاوبته إلى أصبهان ودفن بها في مدرسة عظيمة موقوفة على طائفة للشافعية والحنفية، ولم يشهد أحد جنازته ببغداد ولا صلي عليه في الصورة الظاهرة ولا جلسوا للعزاء، ولا حذف عليه ذنب فرس كعادة أمثاله، بل كأنه اختلس من العالم (٢) .
ومن عجيب الاتفاق أنه لما دخل بغدا في هذه المرة، وكان للخليفة المقتدي ولدان أحدهما الإمام المستظهر بالله والآخر أبو الفضل جعفر ابن بنت السلطان وقد تقدم ذكر ولادته، وكان الخليفة قد بايع لولده المستظهر بالله بولاية العهد من بعده لأنه كان الأكبر، فألزم السلطان الخليفة أن يخلعه إلى البصرة، فشق ذلك
стр. 2287
على الخليفة، وبالغ في استنزال السلطان عن هذه الرأي، فلم يفعل، فسأل المهلة عشرة أيام ليتجهز فأمهله، فقيل إن الخليفة في تلك الأيام جعل يصوم ويطوي وإذا أفطر جلس على الرماد للإفطار، وهو يدعو الله على السلطان، فمرض السلطان في تلك الأيام ومات، وكفي الخليفة أمره، وتزوج ابنة الإمام المستظهر بالله ابنة السلطان خاتون العصمة (١) في سنة اثنتين وخمسمائة.
وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة الملوك، وهم بركياروق وسنجر محمد، كل واحد له ترجمة في حرفه، رحمهم الله تعالى أجمعين.
وكاشغر: بفتح الكاف وبعد الألف شين معجمة ساكنة وغين معجمة مفتوحة وبعدها راء، وقد ذكرت أين هي فلا حاجة إلى الإعادة، وهي قصبة بلاد تركستان.
والواقصة: بفتح الواو وبعد الألف قاف مكسورة وبعدها صاد مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة، وهي منزل معروف بطريق مكة يقال لها واقصة الحرون.
والباقي معروف فلا حاجة إلى تفسيره، والله أعلم بالصواب.
٧٤١ - (٢)
منصور الفقيه
أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر لتميمي المصري الفقية الشافعي الضرير؛ أصله من رأس عين، البلدة المشهورة بالجزيرة، وأخذ الفقه عن أصحاب الشافعي، ﵁ وعن أصحاب أصحابه. وله مصنفات في المذهب مليحة منها
стр. 2288
" الواجب " و " المستعمل " و " المسافر " و " الهدية " وغير ذلك من الكتب، وله شعر جيد سائر، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، في " طبقات الفقهاء " (١) وأنشد له:
عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر ومن هنا أخذ أبو العلاء المعري قوله من قصيدته المشهورة (٢) :
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر ومن شعره أيضاً:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله وله أيضاً:
الكلب أحسن عشرةً ... وهو النهاية في الخساسه
ممن ينازع في الريا ... سة قبل أوقات الرياسه وحكي أنه أصاب مسغبة في سنة شديدة القحط،، فرقي سطح داره ونادى بأعلى صوته في الليل:
الغياث الغياث يا أخرار ... نحن خلجانكم وأنتم بحار
إنما تحسن المواساة في الش ... دة لا حين ترخص الأسعار فسمعه جيرانه، فأصبح على بابه مائة حمل برٍ.
وحكاياته وأخباره مشهورة؛ وتوفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة بمصر،
стр. 2289
وقال الشيخ أبو إسحاق في " الطبقات ": إنه مات قبل العشرين والثلثمائة، رحمه الله تعالى.
وذكره القاضي أبو عبد الله القضاعي في كتاب " خطط مصر " فقال: أصله من رأس عين وسكن الرملة، وقدم إلى مصر وسكنها، وتوفي سنة ست وثلثمائة، وكان فقيهاً جليل القدر، متصرفاً في كل علم، شاعراً مجيداً، لم يكن في زمانه مثله بمصر.
وكان من أكرم الناس على أبي عبيدة القاضي، حتى كان منهما ما كان بسبب المسألة، وكان لأبي عبيدة في كل عشية مجلس يذاكر فيه رجلاً من أهل العلم ويخلو به، خلا عشية الجمعة فإنه كان يخلو بنفسه فيها، فكان من العشايا عشية يخلو فيها بمنصور، وعشية يخلو فيها بأبي جعفر الطحاوي، وعشية يخلو فيها بمحمد بن الربيع الجيزي، وعشية يخلو فيها بعفان بن سليمان، وعشية يخلو فيها بالسجستاني، وعشية يخلو فيها للنظر مع الفقهاء، وربما حدث، فجرى بينه وبين منصور في بعض العشايا ذكر الحامل المطلقة ثلاثاً، ووجوب نفقتها، فقال أبو عبيد: زعم قوم أن لا نفقة لها في الثلاث، وأن نفقتها في الطلاق غير الثلاث، فأنكر ذلك منصور، وقال: قائل هذا ليس من أهل القبلة. ثم انصرف منصور فحدث بذلك أبا جعفر الحطاوي، فحكاه أبو جعفر لأبي عبيدة فأنكره، وبلغ ذلك منصوراً فقال: أنا أكذبه، واجتمع الناس عند القاضي وتواعدوا لحضور ذلك، فلما حضروا لم يتكلم أحد، فابتدأ أبو عبيد وقال: ما أريد أحداً يدخل علي، ما أريد منصوراً ولا نصاراً ولا منتصراً، قوم عميت قلوبهم كما عميت أبصارهم يحكون عنا ما لم نقله، فقال له منصور: قد علم الله أنك قلت كذا وكذا، فقال أبو عبيد: كذبت، فقال له منصور: قد علم الله الكاذب، ونهض فلم يأخذ أحد بيده غير أبي بكر ابن الحداد فإنه أخذ بيده وخرج معه حتى ركب، وزاد الأمر فيما بينهما، وتعصب الأمير ذكا وجماعة من الجند وغيرهم لمنصور، وتعصب للقاضي جماعة، وشهد على منصور محمد بن الربيع الجيزي بكلام سمعه منه يقال إن منصوراً حكاه عن النظام، فقال القاضي: إن شهد عليه آخر مثل ما شهد به عليه محمد بن الربيع ضربت عنقه، فخاف
стр. 2290
على نفسه ومات في جمادى الأولى من السنة المذكورة. وخاف أبو عبيد أن يصلي عليه لأجل الجند الذين تعصبوا لمنصور، فتأخر عن جنازته لهذا السبب، وحضرها الأمير ذكا وابن بسطام صاحب الخراج، وأوعظ الناس ولم يتخلف كبير أحد، وذكر لأبي عبيد أن منصوراً قال عند موته:
قضيت نحبي فسر قوم ... حمقى بهم غفلة ونوم
كأن يومي علي حتم ... وليس للشامتين يوم
تموت قبلي ولو بيوم ... ونحن يوم النشور توم فأطرق أبو عبيد ساعة ثم قال:
فقد فرحنا وقد شمتنا ... وليس للشامتين لوم والله أعلم بالصواب.
٧٤٢ - (١)
الحاكم العبيدي
أبو علي المنصور الملقب الحاكم بأمر الله بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم ابن المهدي صاحب مصر وقد تقدم ذكر أجداده وجماعة من أحفاده، وسيأتي ذكر أبيه في حرف النون إنشاء الله تعالى وكلهم كانوا يتسمون بالخلفاء.
وتولى الحاكم المذكور عهد أبيه في حياته، وذلك في شعبان سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة، ثم استقل بالأمر يوم وفاة والده على ما سيأتي في تاريخه إن شاء الله تعالى؛ وكان جواداً بالمال سفاكاً للدماء، قتل عدداً كثيراً من أماثل
стр. 2291
أهل دولته وغيرهم صبراً.
وكانت سيرته من أعجب السير، يخترع كل وقت أحكاماً يحمل الناس على العمل بها، منها أنه أمر الناس في سنة خمس وتسعين وثلثمائة بكتب سب الصحابة (١) رضوان الله عليهم في حيطان المساجد والقياسر والشوارع، وكتب إلى سائر عمال الديار (٢) المصرية يأمرهم بالسب، ثم أمر بقطع ذلك ونهى عنه وعن فعله في سنة سبع وتسعين، ثم تقدم بعد ذلك بمدة يسيرة بضرب من يسب الصحابة وتأديبه ثم يشهره؛ ومنها أنه أمر بقتل الكلاب في سنة خمسة وتسعين وثلثمائة فلم ير كلب في الأسواق والأزقة والشوارع إلا قتل؛ ومنها أنه نهى عن بيع الفقاع والملوخيا وكبب الترمس المتخذة لها والجرجير والسمكة التي لا قشر لها، وأمر بالتشديد في ذلك والمبالغة في تأديب من يعترض لشيء منه، فظهر على جماعة أنهم باعوا أشياء منه، فضربوا بالسياط وطيف بهم، ثم ضربت أعناقهم، ومنها أنه في سنة اثنتين وأربعمائة نهى عن بيع الزبيب (٣) قليلة وكثيرة على اختلاف أنواعه، ونهى التجار عن حمله إلى مصر، ثم جمع بعد ذلك منه جملة كثيرة وأحرق جميعها، ويقال إن مقدار النفقة التي غرموها على إحراقه كانت خمسمائة دينار (٤) ، وفي هذه السنة منع من بيع العنب وأنفذ الشهود إلى الجيزة حتى قطعوا كثيراً من كرومها (٥) ورموها في الأرض وداسوها بالبقر، وجمع ما كان في مخازنها من جرار العسل فكانت خمس آلاف جرة، وحملت إلى شاطىء النيل وكسرت وقلبت في بحر النيل؛ وفي هذه السنة أمر النصاري واليهود إلا الخيابرة يلبس العمائم السود، وأن يعمل النصارىفي أعناقهم الصلبان ما يكون طوله ذراعاً ووزنه خمسة أرطال. وأن تحمل اليهود في أعناقهم قرامي
стр. 2292
الخشب على وزن صلبان النصارى، ولا يركبوا شيئاً من المراكب المحلاة، وأن تكون ركبهم من الخشب، ولا يستخدمون أحداً من المسلمين، ولا يركبون حماراً لمكار مسلم ولا سفينة نوتيها مسلم، وأن يكون في أعناق النصاري إذا دخلوا الحمام الصلبان، وفي أعناق اليهود الجلاجل ليتميزوا عن المسلمين، ثم أفرد حمامات اليهود والنصارى والمسلمين (١) وحط على حمامات النصارى الصلبان، وعلى حمامات الهود القرامي، وذلك في سنة (٢) ثمان وأربعمائة. وفيها أمر بهدم الكنيسة المعروفة بقمامة وجميع الكنائس بالديار المصرية، ووهب جميع ما فيها من الآلات وجميع ما لها من الأرباع والأحباس لجماعة من المسلمين، وتتابع إسلام جماعة من النصارى؛ وفي هذه السنة نهى عن تقبيل الأرض له وعن الدعاء له والصلاة عليه في الخطب والمكتبات (٣) ، وأن يجعل عوض ذلك السلام على أمير المؤمنين (٤) . وفي سنة أربع وأربعمائة أمر أن لا ينجم أحد ولا يتكلم عن صناعة النجوم، وأن ينفي المنجمون من البلاد (٥) ، فحضر جميعهم إلى القاضي مالك بن سعيد الحاكم بمصر كان وعقد عليهم توبة (٦) ، وأعفو من النفي وكذلك أصحاب الغناء. وفي شعبان من هذه السنة منع النساء من الخرزج إلى الطرقات ليلاً ونهاراً، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف للنساء، ومحيت صورهن من الحمامات (٧) ، ولم تزل النساء ممنوعات عن الخروج إلى أيام ولده الظاهر المقدم ذكره، وكانت مدة منعهن سبع سنين وسبعة أشهر، وفي شعبان سنة إحدى عشرة وأربعمائة تنصر جماعة ممن كان أسلم من النصارى، وأمر ببناء ما كان قد هدم من كنائسهم ورد ماكان في أحباسها، وبالجملة فهذه نبذة
стр. 2293
من أحواله، وإن كان شرحها يطول.
وكان أبو الحسن علي المعروف بابن يونس المنجم قد صنع له الزيج المشهور المعروف بالحاكمي، وهو زيج كبير مبسوط.
ونقلت من خط الحافظ أبي أحمد بن محمد السلفي، رحمه الله تعالى، أن الحاكم المذكور كان جالساً في مجلسه العام وهو حفل بأعيان دولته، فقرأبعض الحاضرين قوله تعالى " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون فيأنفسهم حرجا مماقضيت ويسلموا تسليما) " النساء:٦٥ والقارىء في أثناء ذلك يشير إلى الحاكم، فلما فرغ من القراءة قرأ شخص آخر يعرف بابن المشجر وكان رجلاً صالحاً " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب، ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز " الحج:٧٣ فلما أنهى (١) قراءته تغير وجه الحاكم، ثم أمر لابن المشجر المذكور بمائة دينار، ولم يطلق للآخر شيئاً؛ ثم إن بعض أصحاب المشجر قال له: أنت تعرف خلق الحاكم، وكثرة استحالاته، وما نأمن أن يحقد عليك، وأنه لا يؤاخذك في هذا الوقت ثم يؤاخذك بعد هذا فتتأذى معه، ومن المصلحة عندي أن تغيب عنه، فتجهز ابن المشجرللحج، وركب في البحر فغرق، فرآه صاحبه في النوم، فسأله عن حاله، فقال: ما أقصر الربان معنا أرسى بنا على باب الجنة، رحمه الله تعالى؛ وذلك ببركة جميل نيته (٢) وحسن قصده.
[ومن أخبار المستطرفة التي تدخل في أبواب الفرج بعد الشدة ما حدث به الرؤساء أن ولي الدولة ابن خيران استحضره الحاكم ذات يوم وقال له: يا ولي الدولة، إني أريد أن أزوج مملوكي فلاناً على جاريتي فلانة بعد عتقهما وكذلك آخر لأخرى فخذ هاتين الشقتين واخطب فيهما خطبتين حسنتين وانسق الصداق والمهر بعد ذلك ما تقتضيه صانعة الوراق، وبكر إلينا من الفجر
стр. 2294
ولا تتأخر. فقبل ذلك من الحاكم بالسمع والطاعة وانصرف، ووصل إلى داره بمصر وأسهر نفسه واستنتج قريحته وجود فكرته وعمل ما أشار له في الكتابين ولم يزل في السهر إلى وقت السحر، فاستحثه الرسل فقام ليتوضأ ويتهيأ إليه فعثرت رجله في المحبرة فتطرطش الكتابين، فلطم وجهه ووقع مغشياً عليه وانقبض أهله، وعلم أنه مقتول، فوصى أهله الوصية التامة وركب وأخذ الكتابين في كمه مطويين، ولم يزل إلى أن دخل من باب القاهرة ووصل إلى القصر مغلساً، والرسل والحجاب منتظرون قدومه، وحين وصل أذن له في الدخول، فوجد الحاكم في الإيوان الكبير جالساً على سرير، وبين يديه طشطان وعليهما قوارتان (١) ، فلما رأى الحاكم قبل الأرض ووقف صامتاً فقال له: يا ولي الدولة اكشف هذين الطشطين، فكشف عنهما فإذا في كل منهما رأس رجل ورأس امرأة، فقال: هؤلاء اطلعنا منهم على قضية منحوسة وفساد لا ينبغي الصبر، عليه ففعلنا بهم ما فعلناه، وتلك الثوبان خذهما فصلهما لأهلك، امض لشأنك، فخرج من بين يديه مغشياً عليه، فأقام في الديوان إلى أن سكنت نفسه وهدأ روعه، وكتب إلى أهله رقعة يأمرهم فيها بالسكون والسكوت إلى أن يجتمع بهم] (٢) .
والحاكم المذكور هو الذي بنى الجامع الكبير بالقاهرة، بعد أن كان قد شرع فيه والده العزيز بالله كما سيأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى وأكمله وأبده، وبنى جامع راشدة بظاهر مصر، وكان شروعه في عمارته يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، وكان متولي بنائه الحافظ أبا محمد عبد الغني بن سعيد، والمصحح لمحرابه أبا الحسن علي بن يونس المنجم، وقد تقدم ذكرهما، وأنشأ عدة مساجد بالقرافة وغيرها، وحمل إلى الجوامع من المصاحف والآلات الفضية والستور والحصر السامان ما له قيمة طائلة.
وكان يفعل الشيء وينقضه.
[وخرج عليه في سنة خمس وتسعين وثلثمائة أبو ركوة الوليد بن هشام العثماني
стр. 2295
الأندلسي، وكان خروجه في نواحي برقة، ومال إليه خلق عظيم، وسير إليه الحاكم المذكور جيشاً كبيراً وانتصر عليهم وملك، ثم تكاثروا عليه وأمسكوه، ويقال إنه قتل من أصحابه مقدار سبعين ألفاً، وكان قبضهم إياه في سنة سبع وتسعين، وحمل إلى الحاكم فشهره وقتله، يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة، وحديثه مستوفى في تاريخ ابن الصابي (١) .
وكانت ولادته بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلثمائة.
وكانت يحب الانفراد والركوب على بهيمة وحده، فاتفق أنه خرج ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال سنة (٢) إحدى عشرة وأربعمائة إلى ظاهر مصر، وطاف ليلته كلها وأصبح عند قبر الفقاعي، ثم توجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان، فأعاد أحدهما مع تسعة من العرب السويدين، ثم أعاد الركابي الآخر، وذكر هذا الركابي أنه خلفه عند القبر والمقصبة، وبقي الناس على رسمهم يخرجون يلتمسون رجوعه ومعهم دواب الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور، ثم خرج يوم الأحد ثاني ذي القعدة مظفر صاحب المظلة وخطي الصقلبي ونسيم متولي الستر وابن بشتكين (٣) التركي صاحب الرمح وجماعة من الأولياء الكتاميين والأتراك (٤) ، فبلغوا دير القصير والموضع المعروف بسلوان (٥) ، ثم أمعنوا في الدخول في الجبل فبينما هم كذلك إذ أبصروا حماره الأشهب الذي كان راكباً عليه المدعو بالقمر، وهو على قرنة الجبل (٦) ، وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما، وعليه سرجه ولجامه، فتتبعوا الأثر فإذا أثر الحمار في الأرض وأثر راجل خلفه وراجل
стр. 2296
قدامه، فلم يزالوا يقصون هذا الأُثر حتى انتهوا إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل إليها بعض الرجالة فوجد فيها ثيابه، وهي سبع جباب (١) ، ووجدت مزررة لم تحل أزرارها، وفيها آثار السكاكين فأخذت وحملت إلى القصر (٢) بالقاهرة، ولم يشك في قتله، مع أن جماعة من المغالين في حبهم السخيفي العقول يظنون حياته، وأنه لا بد أن سيظهر، ويحلفون بغيبة الحاكم وتلك خيالات هذيانية (٣) ، ويقال إن أخته دست عليه من يقتله لأمر يطول شرحه، والله أعلم.
وابن المشجر: بضم الميم وفتح الشين المعجمة والجيم المشددة وبعدها راء.
وحلوان: بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الواو وبعد الألف نون، وهي قرية مليحة كثيرة النزه فوق مصر بمقدار خمسة أميال، كان يسكنها عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي لما كان والياً بمصر نيابة عن أخيه عبد الملك أيام خلافته، وبها توفي، وبها ولد ولده عمر بن عبد العزيز، ﵁ (٤) .
стр. 2297
٧٤٣ - (١)
الآمر بأحكام الله
أبو علي المنصور الملقب الآمر بأحكام الله بن المستعلي بن المستنصر بن الظاهر ابن الحاكم العبيدي المذكور قبله، وقد تقدم بقية نسبه، وسبق ذكر والده في الأحمدين في حرف الهمزة.
وبويع الآمر بالخلافة بالولاية يوم مات أبوه في التاريخح المذكور في ترجمته وقام بتدبير دولته الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش المذكور في حرف الشين وكان وزير والده، وقد ذكرنا في ترجمته طرفاً من الآمر المذكور، ولما اشتد الآمر وفطن لنفسه قتل الأفضل حسبما تقدم شرحه، واستوزر المأمون أبت عبيد الله بن أبي شجاع فاتك بن أبي الحسن مختار المعروف بابن فاتك البطائحي (٢) ، فاستولى هذا الوزير عليه، وقبح سمعته وأساء السيرة، ولما كثر ذلك منه قبض عليه الآمر أيضاً ليلة السبت رابع شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة واستطفى جميع أمواله، ثم قتله في رجب سنة إحدى وعشرين، وصلب بظاهر القاهرة وقتل معه خمسةً من إخوته، أحدهم يقال له المؤتمن، وكان متكبراً متجبراً خارجاً عن طوره، وله أخبار مشهورة.
[ثم ظهر في مدة القبض على المأمون المصادرات على يد الراهب المسمى أبا شجاع بن قسا (٣) ، فلم يبق أحد إلا وناله بمكروه من ضرب ونهب مال، وكان هذا الراهب الملعون في ابتداء حاله يخدم ولي الدولة أبا البركات ين يحيى بن أبي الليث ثم اتصل بالآمر وبذل في مصادرة قوم من النصارى مائة ألف دينار، فأطلق يده فيهم، وتسلسل الحال إلى أن عم البلاد جميع رؤساء مصر وقضاتها وكتابها
стр. 2298
وشهودها وسوقتها إلى أن صادر رجلاً حمالاً فأخذ عشرين ديناراً ثمن جمل باعه لم يكن يملك سواه، وارتفع عنده إلى أن كان يستعمل بتنس ودمياط ملابس مخصوصة من الصوف الأبيض معلمة بالذهب، فكان يلبسها ويلبس فوقها الدماقس والديباج، وكان يتطيب من المسك بعدة من المثاقيل كل يوم، وكان يشم رائحة طيبه من مكان بعيد، وكان يركب الحمر بالسروج المحلاة بالذهب والفضة، ويدخل إلى دهليز القاعة المعروفة بلباس الخطباء بالجامع العتيق بمصر، فيجلس هناك ويستدعي الناس للمصادرة، وأقام كذلك مدة إلى أن قتل في سنة ثلاث وعشرين، على يد المقداد الوالي بمصر ثم صلب عند الجسر. ذكر أنه لما قبض على دار الراهب وجد فيها مكان فيه ثمانمائة طراحة جدد لم تستعمل قدرت إلى السقف، هذا نوع واحد فيها مكان قليل الاستعمال فكيف ما عداه من الديباج وأنواع المتاع الفاخر] (١) .
وكان الآمر سيء الرأي (٢) جائر السيرة مستهتراً متظاهراً باللهو اللعب، وفي أيامه أخذ الفرنج مدينة عكا في شعبان سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وأخذوا طرابلس الشام بالسيف يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة، وكان أخذهم بالسيف (٣) ، ونهبوا ما فيها، وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها، وحصل في أيديهم من أمتعها وذخائرها وكتب دار علمها وما كان في خزائن أربابها ما لايحد عدده ولا يحصى، وعوقب من بقي من أهلها، واستصفيت أموالهم، ثم وصلتها نجدة المصريين بعد فوات الأمر فيها، وفي هذه السنة ملكوا عرقة وكان نزولهم عليها أول شعبان من السنة المذكورة، وفيها ملكوا بانياس، وفيها جبيل بالأمان، وتسلموا قلعة تبنين يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان الوالي بها من جهة الأتابك ظهير الدين طغتكين المذكور في حرف التاء
стр. 2299
في ترجمة تتش بن ألب أرسلان وكان يومئذ صاحب دمشق وما والاها. ولما ملكوا صور ضربوا السكة باسم الآمر المذكور مدة ثلاث سنين، ثم قطعوا ذلك، وأخذوا بيروت يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ثلاث وخمسمائة بالسيف، وأخذوا صيدا لعشر بقين من جمادى الآخرة (١) سنة أربع وخمسمائة.
(٢٧٣) وفي أيام الآمر أيضاً سنة أربع وخمسمائة، وقيل سنة إحدى عشرة، والله أعلم، قصد بردويل الافرنجي الديار المصرية ليأخذها، وانتهى إلى الفرما ودخلها وأحرقها وأحرق جامعها ومساجدها وأبواب البلد وقتل بها رجلاً مقعداً وابنته، فذبحها على صدره (٢) ورحل عنها وهو مريض، فهلك في الطريق قبل وصوله إلى العريش، فشق أصحابه بطنه ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم، ورحلوا بجثته فدفنوها بقمامة (٣) . وسبخة بردويل التي في وسط الرمل على طريق الشام منسوبة إلى بردويل المذكور، والحجارة الملقاة هناك، والناس يقولون: هذا قبر بردويل وإنما هو هذه الحشوة، وكان بردويل صاحب البيت المقدس وعكا ويافا وعدة بلاد من ساحل الشام، وهو الذي أخذ هذه البلاد المذكور من المسلمين.
وفي هذه السنة أيضاً خرج المهدي محمد بن تومرت المقدم ذكره من مصر وصاحبها الآمر المذكور إلى بلاد المغرب في زي الفقهاء، وجرى له هناك ما سبق شرحه في ترجمته.
وكانت ولادة الآمر يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم وقيل ثاني المحرم سنة تسعين وأربعمائة بالقاهرة، وتولى وعمره خمس سنين. ولما انقضت أيامه خرج من القاهرة صبيحة يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ونزل إلى مصر وعدى على الجسر إلى الجزيرة (٤) التي قباله مصر، فكمن له قوم بالأسلحة وتواعدوا على مقتله في السكة التي يمر فيها إلى فرن هناك، فلما مر بهم وثبوا
стр. 2300
عليه فلعبوا عليه بأسيافهم، وكان قد جاوز الجسر وحده مع عدة قليلة من غلمانه وبطانته وخاصته وشيعته، فحمل في النيل في زورق ولم يمت، وأدخل القاهرة وهو حي، وجيء به إلى القصر من ليلته فمات ولم يعقب، وهو العاشر من أولاد المهدي عبيد الله القائم بسجلماسة المقدم ذكره (١) .
وانتقل الأمر إلى ابن عمه الحافظ عبد المجيد المقدم ذكره رحمهم الله تعالى؛ وكان قبيح السيرة ظلم للناس وأخذ أموالهم وسفك دماءهم (٢) ، وارتكب المحذورات، واستحسن القبائح المحظورات، فابتهج الناس بقتله، وكان شديد الأدمة جاحظ العينين، حسن الخط والمعرفة والعقل.
وأما المأمون ابن البطائحي الوزير المذكور فهو الذي بنى الجامع الأقمر بالقاهرة سنة خمس عشرة وخمسمائة، وكان الأفضل ابن أمير الجيوش قد شرع في عمارة جامع النيل بظاهر مصر عند الرصد المطل على بركة حبش في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ولم يكلمه، فأكمله بعده في مدة وزارته، والله أعلم بالصواب.
٧٤٤ - (٣)
قطب الدين مودود
قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، المعروف بالأعرج صاحب الموصل وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة أخيه نور الدين محمود صاحب الشام، وذكر أولاده الثلاثة وهم: سيف الدين غازي الذي تولى السلطنة بعده، وعز الدين مسعود، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار، واستوعبت في
стр. 2301
ترجمة غازي ما جرى من نور الدين عقيب موت قطب الدين المذكور وأنه قصد الموصل ثم قرر غازي المذكور فيها، ورتب أحوال أولاد أخيه كلهم.
وفي تلك السفرة بنى نور الدين الجامع النوري داخل الموصل، وهو مشهور هناك يقام فيه الجمعة، وكان سبب عمارته ما حكاه العماد الأصبهاني في البرق الشامي عند ذكره لوصول نور الدين إلى الموصل أنه كان بالموصل خربة متوسطة البلد واسعة، وقد أشاعوا عنها ما ينفر القلوب منها، وقالوا: ما شرع في عمارتها إلا من ذهب عمره، ولم يتم على مراده أمره، فأشار عليه الشيخ الزاهد معين الدين عمر الملا وكان من كبار الصالحين بابتياع الخربة وبنائها جامعاً؛ وأنفق فيها أموالاً جزيلة، ووقف على الجامع ضيعة من ضياع الموصل.
وكان قطب الدين قد تولى السلطنة بالموصل وتلك البلاد عقيب موت أخيه سيف الدين غازي الأكبر المقدم ذكره أيضاً وكان حسن السيرة، عادلاً في حكمه. وفي دولته عظم شأن جمال الدين محمد الوزير الأصبهاني المعروف بالجواد المقدم ذكره وهو الذي قبض عليه حسبما سبق شرحه، وكان مدبر دولته وصاحب رأيه الأمير زين الدين علي كجك والد مظفر الدين صاحب إربل، وكان نعم المدبر والمشير لصلاحه وخيره وحسن مقاصده مع شجاعة تامة وفروسية مشهورة وقد تقدم ذكره في ترجمة ولده مظفر الدين في حرف الكاف. ولم يزل قطب الدين المذكور على سلطنته ونفاذ كلمته إلى أن توفي في شوال سنة خمس وستين وخمسمائة، وقيل في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكور.
وذكر أسامة بن منقد في كتاب له صغير ذكر فيه من أدركه في عمره من ملوك البلاد أن قطب الدين المذكور توفي سلخ ربيع الآخر سنة ست ستين وخمسمائة، وليس بصحيح، فإن أخاه نور الدين كان بالموصل في شهر ربيع الآخر، وجاءته رسل الخليفة وهو مخيم على الموصل في الشهر المذكور، ولم يتوجه نور الدين إليها إلا بعد وفاة أخيه قطب الدين. وكانت وفاته بالموصل، ومدة عمره أكثر من أربعين سنة بقليل، وخلف عدة أولاد، وأكثرهم ملك البلاد.
وقد تقدم ذكر أبيه وجده وجماعة من أهل بيته، رحمهم الله تعالى.
стр. 2302
٧٤٥ - (١)
مؤرج السدوسي
أبو فيد مؤرج بن عمرو بن الحارث بن ثور بن حرملة بن علقمة بن عمرو بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة، السدوسي النحوي البصري؛ أخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وروى الحديث عن شعبة بن الحجاج وأبي عمرو ابن العلاء وغيرهما، وكان يقول: قدمت من البادية ولا معرفة لي بالقياس في العربية، وإنما كانت معرفتي قريحة، وأول ما تعلمت القياس في حلقة أبي زيد الأنصاري بالبصرة.
ودخل الأخفش سعيد على محمد بن المهلب، فقال له محمد: من أين جئت فقال الأخفش: من عند القاضي يحيى بن أكثم، قال: فما جرى عنده قال: سألني عن الثقة المأمون المقدم من أصحاب الخليل بن أحمد من هو ومن الذي كان يوثق بعلمه فقلت: النضر بن شميل وسيبويه مؤرج السدوسي.
وكان الغالب على مؤرج المذكور اللغة والشعر، وله عدة تصانيف: منها كتاب الأنواء وهو كتاب حسن، وكتاب " غريب القرآن " وكتاب جماهير القبائل وكتاب المعاني وغير ذلك، واختصر نسب قريش في مجلد لطيف سماه " حذف نسب قريش (٢) ".
وكان قد رحل مع المأمون من العراق إلى خراسان، وسكن مدينة مرو، وقدم نيسابور وأقام بها وكتب عنه مشايخها، وكان له شعر، فمن ذلك مما أنشده هارون بن علي بن يحيى المنجم في كتابه المسمى ب " البارع "، وهو:
روعت بالبين حتى ما أراع له ... وبالمصائب من أهلي وجيراني
стр. 2303
لم يترك الدهر لي علقاً أضن به ... إلا اصطفاه بنأيٍ أو بهجران ثم قال ابن المنجم المذكور: وهذان البيتان من أملح ما قيل في معناهما، ومثلهما في معناهما لبعض المحدثين:
وفارقت حتى ما أروع من النوى ... وإن غاب جيران علي كرام
فقد جعلت نفسي على اليأس تنطوي ... وعيني على هجر الصديق (١) تنام ومن هاهنا أخذ ابن التعاويذي المقدم ذكره قوله:
وها أنا لا قلبي يراع لفائت ... فيأسى ولا يلهيه حظ فيفرح وهذا البيت من جملة قصيدة يذكر فيها توجعه لذهاب بصره، فمنها قوله مشيراً إلى زوجته (٢) :
وباكية لم تشك فقداً ولا رمى ... بجيرتها الأدنين نأي مطوح
رمتها يد الأيام في ليث غابها ... بفادح خطبٍ والحوادث تفدح
رأت جللاً لا الصبر يجمل بالفتى ... على مثله يوماً، ولا الحزن يقبح
فلا غرو أن تبكي الدماء لكاسب ... لها كان يسعى في البلاد ويكدح
عزيز عليهما أن تراني جاثماً ... وما لي في الأرض البسيطة مسرح
وأن لا أقود العيش تنفح في البرى ... وجرد المذاكي في الأعنة تمرح
أظل حبيساً في قرارة منزل ... رهين أسى أمسى عليه وأصبح
مقامي منه مظلم الجو قاتم ... ومسعاي ضنك وهو صمحان (٣) أفيح
أقاد به قود الجنيبة مسمحاً ... وما كنت لولا غدرة الدهر أسمح
كأني ميت لا ضريح لجنبه ... وما كل ميت لا أبالك يضرح
стр. 2304
وها أنا لا قلبي يراع لفائت ... فيأسى، ولا يلهيه خظ فيفرح
فلله نصل فل مني غراره ... وعود شباب عاد وهو مصوح
وسقياً لأيام ركبت بها الهوى ... جموحاً ومثلي في هوى الغيد يجمح
وماضي صبا قضيت منه لبانتي ... خلاساً وعين الدهر زرقاء تلمح
ليالي لي عند الغواني مكانة ... فألحاظها ترنو إلي وتطمح
وليلى بها أضعاف ما بي من الهوى ... أعرض بالشكوى لها فتصرح وهي طويلة طنانة يمدح بها الإمام الناصر لدين الله خليفة بغداد.
وقال المزرباني: وجدت بخط محمد بن العباس اليزيدي ما مثاله: أهدى أبو فيد مؤرج السدوسي إلى جدي محمد بن أبي كساء، فقال جدي فيه يمدحه:
سأشكر ما أولى ابن عمرو مؤرج ... وأمنحه حسن الثناء مع الود
أغر سدوسي نماه إلى العلى ... أب كان صباً بالمكارم والمجد
أتينا أبا فيد نؤمل سيبه ... ونقدح زنداً غير كابٍ ولا صلد
فأصدرنا بالري والبذل واللهى ... وما زال محمود المصادر والورد
كساني ولم أستكسه متبرعاً ... وذلك أهنى ما يكون من الرفد
كسانيه فضفاضاً إذا ما لبسته ... تروحت مختالاً وجرت عن القصد
كساء جمال إن أردت جمالة ... وثوب شتاء إن خشيت من البرد
ترى حبكاً فيه كأن اطرداها ... فرند حديث صقله سل من غمد
سأشكر ما عشت السدوسي بره ... وأوصي بشكرٍ للسدوسي من بعدي وأخبار مؤرج كثيرة.
وقال ابن النديم (١) : وجدت بخط عبد الله بن المعتز: مؤرج بن عمرو السدوسي كان من أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، في اليوم الذي توفي فيه أبو نواس، وهذا يستقيم على قول من ذهب إلى أن أبا نواس
стр. 2305
توفي سنة خمس وتسعين ومائة، وقد سبق الخلاف فيه.
ورأيت في كتاب الأنوار في أوله ما مثاله، قال أبو علي إسماعيل بن يحيى بن المبارك اليزيدي: قرأنا هذا الكتاب على المؤرج بجرحان ثم قدمنا مع المأمون العراق، سنة أربع ومائتين، فخرج المؤرج إلى البصرة ثم مات بها رحمه الله تعالى. وهذا خلاف للأول، والله أعلم بالصواب. وأما المؤرج فلا خلاف أنه مات في هذه السنة. وقد ذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف (١) وغيره. وفيد: بفتح الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، وهو في الأصل ورد الزعفران، وقيل هو الزعفران بعينه.
ومؤرج: بضم الميم وفتح الواو المهموزة وكسر الراء المشددة وبعدها جيم، وهو اسم فاعل من قولهم أرجت بين القوم إذا أغريت بينهم.
وقد تقدم الكلام على السدوسي في ترجمة قتادة في حرف القاف (٢) .
وقيل: إن اسمه مرثد، ومؤرج لقب له، ومرثد: بفتح الميم والثاء المثلثة وراء ساكنة وفي الآخر دال مهملة، قال الجوهري في كتاب الصحاح (٣) : يقال رثدت المتاع: نضدته ووضعت بعضه على بعض أو إلى جنب بعض، ثم قال بعد ذلك: تركت بني فلان مرتثدين ما تحملوا بعد، أي ناضدين متاعهم، قال ابن السكيت: ومنه اشتق مرثد، وهو اسم رجل، والمرثد اسم من أسماء الأسد (٤) . وكان مؤرج يقول: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول أرجت بي القوم وأرشت (٥) وأنا أبو فيد، والفيد: ورد الزعفران (٦) ، ويقال: فاد الرجل يفيد فيداً، إذا مات، والله أعلم بالصواب.
стр. 2306
(١) ٧٤٦
موسى الكاظم
أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃، أحد الأئمة الاثني عشر، ﵃ أجمعين.
قال الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) : " كان موسى يدعى العبد الصالح، من عبادته واجتهاده. روي أنه دخل مسجد رسول الله ﷺ فسجد سجدة في أول الليل، وسمع وهو يقول في سجوده: عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة، فجعل يرددها حتى أصبح. وكان سخياً كريماً، وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار، وكان يصر الصرر ثلثمائة دينار ومائتي دينار، ثم يقسمها بالمدينة. وكان يسكن المدينة فأقدمه المهدي بغداد وحبسه، فرأى في النوم علي بن أبي طالب ﵁ وهو يقول (٣) : يا محمد " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " محمد:٢٢ قال الربيع: فأرسل إلي ليلاً، فراعني ذلك، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية، كان أحسن الناس صوتاً، وقال: علي بموسى بن جعفر، فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جنبه وقال: يا أبا الحسن، إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في النوم يقرأ علي كذا، فتؤمنني أن تخرج علي أو على أحد من أولادي، فقال: والله
стр. 2307
لا فعلت ذلك ولا هو من شأني، قال: صدقت، أعطه ثلاثة آلاف دينار، ورده إلى أهله إلى المدينة، قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا وهو في الطريق خوف العوائق.
وأقام بالمدينة إلى أيام هارون الرشيد، فقدم هارون منصرفاً من عمرة شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، فحمل موسى معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي محبسه (١) . وذكر أيضاً أن هارون الرشيد حج فأتى قبر النبي ﷺ زائراً وحوله قريش ورؤساء القبائل، ومعه موسى بن جعفر، فقال: السلام عليك يا رسول الله يا ابن عم، افتخاراً على من حوله، فقال موسى: السلام عليك يا أبت، فتغير وجه هارون الرشيد وقال: هذا هو الفخر يا أبا الحسن حقا؛ انتهى كلام الخطيب.
وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (٢) في أخبار هارون الرشيد: " إن عبد الله بن مالك الخزاعي كان على دار هارون الرشيد وشرطته، فقال: أتأني رسول الرشيد وقتاً ما جاءني فيه قط،، فانتزعني من موضعي ومنعني من تغيير ثيابي، فراعني ذلك، فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم فعرف الرشيد خبري، فأذن لي في الدخول عليه فدخلت فوجدته قاعداً على فراشه فسلمت عليه فسكت ساعة، فطار عقلي وتضاعف الجزع علي، ثم قال: يا عبد الله أتدري لما طلبتك في هذا الوقت قلت: لا والله ياأمير المؤمنين، قال: إني رأيت الساعة في منامي كأن حبشياً قد أتاني ومعه حربة فقال: إن خليت عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة، فاذهب فخل عنه، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أطلق موسى بن جعفر ثلاثاً، قال: نعم امض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر، وأعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له: إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك لك، قال: فمضيت إلى الحبس لأخرجه، فلما رآني موسى
стр. 2308
وثب إلي قائماً وظن أني قد أمرت فيه بمكروه، فقلت: لا تخف، فقد أمرني بإطلاقك وأن أدفع لك ثلاثين ألف درهم، وهو يقول لك إن أحببت المقام قبلنا، فلك كل ما تحب، وإن أحببت الانصراف إلى المدينة فالأمر في ذلك مطلق لك، وأعطيته ثلاثين ألف درهم، وخليت سبيله وقلت له: لقد رأيت من أمرك عجباً، قال: إني أخبرك، بينما أنا نائم إذ أتاني رسول الله ﷺ فقال: يا موسى، حبست مظلوماً فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس، فقلت: بأبي وأمي ما أقول قال: قل يا سامع كل صوت، ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحماً ومنشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك الحسنى وباسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليماً ذا أناة لا يقوى على أناته، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يحصى عدداً، فرج عني؛ فكان ما ترى ".
وله أخبار ونوادر كثيرة. وكانت ولادته يوم الثلاثاء قبل طلوع الفجر سنة تسع وعشرين ومائة، وقال الخطيب: سنة ثمان وعشرين بالمدينة؛ وتوفي لخمس بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل سنة ست وثمانين ببغداد، وقيل إنه توفي مسموماً. وقال الخطيب: توفي في الحبس ودفن في مقابر الشونيزيين خارج القبة، وقبره هناك مشهور يزار، وعليه مشهد عظيم فيه قناديل الذهب والفضة وأنواع الآلات والفرش ما لا يحد، وهو في الجانب الغربي، وقد سبق ذكر أبيه وأجداده وجماعة من أحفاده، ﵃ وأرضاهم، وكان الموكل به مدة حبسه السندي بن شاهك جد كشاجم الشاعر المشهور.
стр. 2309
(١) ٧٤٧
كمال الدين ابن يونس
أبو الفتح موسى بن أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد، الملقب كمال الدين، الفقيه الشافعي؛ تفقه بالموصل على والده، ثم توجه إلى بغداد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وأقام بالمدرسة النظامية بشتغل على المعيد بها السديد السلماسي المقدم ذكره وكان المدرس بها يومئذ الشيخ رضي الدين أبو الخير أحمد بن اسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس القزويني، فقرأ الخلاف والأصول وبحث الأدب على الكمال أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري المقدم ذكره فتميز ومهر، وكان قد قرأ أولاً على الشيخ أبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وهو بالموصل ثم أصعد إلى الموصل وعكف على الاشتغال، ودرس بعد وفاة والده في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى في موضعه بالمسجد المعروف بالأمير زين الدين صاحب إربل، وهذا المسجد رأيته وهو على وضع المدرسة، ويعرف الآن بالمدرسة الكمالية لأنه نسب إلى كمال الدين المذكور لطول إقامته به.
ولما اشتهر فضله انثال عليه الفقهاء، وتبحر في جمع الفنون، وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، وتفرد بعلم الرياضة، ولقد رأيته بالموصل في شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة، وترددت إليه دفعات (٢) عديدة لما كان بينه وبين الوالد ﵀ من المؤانسة والمودة الأكيدة، ولم يتفق لي الأخذ عنه لعدم الإقامة وسرعة الحركة إلى الشام، وكان الفقهاء يقولون: إنه يدري أربعة
стр. 2310
وعشرين فناً دراية متقنة، فمن ذلك المذهب وكان فيه أوحد الزمان، وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، ويحل لهم مسائل الجامع الكبير (١) أحسن حل مع ما هي عليه من الإشكال المشهور؛ وكان يتقن فني الخلاف العراقي والبخاري، وأصول الفقه وأصول الدين. ولما وصلت كتب فخر الدين الرازي إلى الموصل وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء لم يفهم أحد منهم اصطلاحة فيها سواه، وكذلك الإرشاد للعميدي لما وقف عليها حلها في ليلة واحدة وأقرأها على ما قالوه.
وكان يدري فن الحكمة: المنطق والطبيعي والإلهي، وكذلك الطب، ويعرف فنون الرياضة من اقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات (٢) والمجسطي المجسطي لفظة يونانية معناها بالعربي الترتيب، ذكر ذلك الوكري (٣) في كتابه وأنواع الحساب: المفتوح (٤) منه والجبر والمقابلة والأرثماطيقي وطريق الخطأين (٥) ، والموسيقى والمساحة، معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها، وبالجملة فلقد كان كما قال الشاعر:
وكان من العلوم بحيث يقضى ... له في كل فن بالجميع واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد؛ وكان يبحث في العربية والتصريف بحثاً تاماً مستوفًى، حتى إنه كان يقرىء كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي، والمفصل للزمخشري، وكان له في التفسير والحديث وأسماء الرجال وما يتعلق به يدٌ جيدة؛ وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم، والأشعار والمحاضرات، شيئاً كثيراً. وكان أهل الذمة يقرءون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهما هذين الكتابين شرحاً يعترفون
стр. 2311
أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله. وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه يعرف سواه لقوته فيه. وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه.
ولقد جاءنا الشيخ أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل الأبهري، صاحب التعليقة في الخلاف والزيج والتصانيف المشهورة، من الموصل إلى إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وقبلها في خمس وعشرين وستمائة، ونزل بدار الحديث، وكنت أشتغل عليه بشيء من الخلاف، فبينما أنا يوماً عنده إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد، وكان فاضلاً، فتجارياً في الحديث زماناً، وجرى ذكر الشيخ كمال الدين في أثناء الحديث، فقال له الأثير: لما حج الشيخ كمال الدين ودخل بغداد كنت هناك فقال: نعم، فقال: كيف كان إقبال الديوان العزيز عليه فقال ذلك الفقيه: ما أنصفوه على قدر استحقاقه، فقال الأثير: ما هذا إلا عجب، والله ما دخل إلى بغداد مثل الشيخ، فاستعظمت منه هذا الكلام، وقلت له: يا سيدنا كيف تقول كذا (١) فقال: يا ولدي ما دخل إلى بغداد مثل أبي حامد الغزالي، ووالله ما بينه وبين الشيخ نسبة.
وكان الأثير على جلالة قدره في العلوم يأخذ الكتاب ويجلس بين يديه يقرأ عليه، والناس يوم ذاك يشتغلون في تصانيف الأثير. ولقد شاهدت هذا بعيني، وهو يقرأ عليه كتاب " المجسطي " (٢) .
ولقد حكى لي بعض الفقهاء أنه سأل الشيخ كمال الدين عن الأثير ومنزلته في العلوم فقال: ما أعلم، فقال: وكيف هذا يا مولانا. وهو في خدمتك منذ سنين عديدة، ويشتغل عليك فقال: لأني مهما (٣) قلت له تلقاه بالقبول وقال: نعم يا مولانا، فما جاذبني في مبحث قط حتى أعلم حقيقة فضله، ولا شك أنه كان يعتمد هذا القدر مع الشيخ تأدباً، وكان معيداً عنده في المدرسة البدرية، وكان يقول: ما تركت بلادي وقصدت الموصل إلا للاشتغال على الشيخ.
стр. 2312
وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح المقدم ذكره (١) يبالغ في الثناء على فضائله وتعظيم شأنه وتوحده في العلوم؛ فذكره يوماً وسرع في وصفه على عادته، فقال له بعض الحاضرين: يا سيدنا، على من اشتغل ومن كان شيخه فقال: هذا الرجل خلقه الله تعالى عالماً إماماً في فنونه، لا يقال على من اشتغل ولا من شيخه، فإنه أكبر من هذا.
وحكى لي بعض الفقهاء بالموصل أن ابن الصلاح المذكور سأله أن يقرأ عليه شيئاً من المنطق سراً، فأجابه إلى ذلك، وتردد إليه مدة فلم يفتح عليه فيه بشيء فقال له: يا فقيه، المصلحة عندي أن تترك الاشتغال بهذا الفن، فقال له: ولم ذاك يا مولانا فقال: لأن الناس يعتقدون فيك الخير، وهم ينسبون كل من اشتغل بهذا الفن إلى فساد الاعتقاد، فكأنك تفسد عقائدهم فيك ولا يحصل لك من هذا الفن شيء؛ فقبل إشارته وترك قراءته (٢) .
ومن يقف على هذه الترجمة فلا (٣) ينسبني إلى المغالاة في حق الشيخ. ومن كان من أهل تلك البلاد وعرف ما كان عليه الشيخ، عرف أني ما أعرته وصفاً ونعوذ بالله من الغلو والتساهل في النقل.
ولقد ذكره أبو البركات المبارك بن المستوفي المقدم ذكره (٤) في تاريخ إربل فقال: هو عالم مقدم، ضرب في كل علم، وهو في علم الأوائل: كالهندسة والمنطق وغيرهما ممن يشار إليه، حل اقليدس (٥) والمجسطي على الشيخ شرف الدين المظفر بن محمد المظفر الطوسي الفارابي، يعني صاحب الاصطرلاب الخطي المعروف بالعصا.
ثم قال ابن المستوفي: وردت عليه مسائل من بغداد في مشكلات هذا العلم، فحلها واستصغرها، ونبه على براهينها، بعد أن احتقرها، وهو في الفقه والعلوم
стр. 2313
الإسلامية نسيج وحده، ودرس في عدة مدارس بالموصل، وتخرج عليه خلق كثير في كل فن.
ثم قال: أنشدنا لنفسه، وأنفذها إلى صاحب الموصل يشفع عنده:
لئن شرفت أرضٌ بمالك رقها ... فمملكة الدنيا بكم تتشرف (١)
بقيت بقاء الدهر أمرك نافذ ... وسعيك مشكور وحكمك منصف
ومكنت في حفظ البسيطة مثل ما ... تمكن في أمصار فرعون يوسف قلت أنا: ولقد أنشدني هذه الأبيات عنه أحد أصحابنا بمدينة حلب، وكنت بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وبها رجل فاضل في علوم الرياضة، فأشكل عليه مواضع في مسائل الحساب والجبر والمقابلة والمساحة واقليدس، فكتب جميعها في درج وسيرها إلى الموصل، ثم بعد أشهر عاد جوابه، وقد كشف عن خفيها وأوضح غامضها وذكر ما يعجز الإنسان عن وصفه، ثم كتب في آخر الجواب: فليمهد العذر في التقصير في الأجوبة، فإن القريحة جامدة، والفطنة خامدة، قد استولى عليها كثرة النسيان، وشغلتها حوادث الزمان، وكثير مما استخرجناه وعرفناه نسيناه، بحيث صرنا كأنا ما عرفناه؛ وقال لي صاحب المسائل المذكورة: ما سمعت مثل هذا الكلام إلا للأوائل المتقنين (٢) لهذه العلوم، ما هذا من كلام أبناء هذا الزمان.
وحكى لي الشيخ الفقيه الرياضي علم الدين قيصر بن أبي القاسم عبد الغني بن مسافر الحنفي المصري المعروف بتعاسيف، وكان إماماً في علوم الرياضة، قال (٣) : لما أتقنت علوم الرياضة بالديار المصرية ودمشق، تاقت نفسي إلى الاجتماع بالشيخ كمال الدين لما كنت أسمعه من تفرده بهذه العلوم، فسافرت إلى الموصل قصد الاجتماع به، فلما حضرت في خدمته وجدته على حلية الحكماء المتقدمين، وكنت
стр. 2314
قد طالعت أخبارهم، فسلمت عليه وعرفته قصدي له للقراءة عليه، فقال لي: في أي العلوم تريد تشرع فقلت: في الموسيقى، فقال: مصلحة هو، فلي زمان ما قرأه أحد عليّ، فأنا أوثر مذاكرته، وتجديد العهد به، فشرعت فيه ثم في غيره حتى شققت عليه أكثر من أربعين كتاباً في مقدار ستة أشهر، وكنت عارفاً بهذا الفن، لكن كان غرضي الانتساب في القراءة إليه، وكان إذا لم أعرف المسألة أوضحها لي، وما كنت أجد من يقوم مقامه في ذلك (١) .
وقد أطلت الشرح في نشر علومه، ولعمري لقد اختصرت.
ولما توفي أخوه الشيخ عماد الدين محمد المقدم ذكره تولى الشيخ المدرسة العلائية موضع أخيه، ولما فتحت المدرسة القاهرية تولاها. ثم تولى المدرسة البدرية في ذي الحجة سنة عشرين وستمائة. وكان مواظباً على إلقاء الدروس والإفادة. وحضر في بعض الأيام دروسه جماعة من المدرسين أرباب الطيالس، وكان العماد أبو علي عمر بن عبد النور بن ماجوج (٢) بن يوسف الصنهاجي اللزني النحوي البجائي حاضراً، فأنشد على البديهة قوله:
كمال كمال الدين للعلم والعلى ... فهيهات ساع في مساعيك يطمع
إذا اجتمع النظار في كل موطن ... فغاية كلٍ أن تقول ويسمعوا
فلا تحسبوهم من غناء (٣) تطيلسوا ... ولكن حياء واعترافاً تقنعوا وللعماد المذكور فيه أيضاً:
تجر الموصل الأذيال فخراً ... على كل المنازل والرسوم
بدجلة والكمال، هما شفاء ... لهيمٍ أو لذي فهم سقيم
فذا بحرٌ تدفق وهو عذب ... وذا بحر ولكن من علوم وكان الشيخ سامحه الله تعالى يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة
стр. 2315
عليه، وكانت تعتريه غفلة في بعض الأحيان لاستيلاء الفكرة عليه بسبب هذه العلوم، فعمل فيه العماد المذكور:
أجدك أن قد جاد بعد التعبس ... غزال بوصلٍ لي وأصبح مؤنسي
وعاطيته صهباء من فيه مزجها ... كرقة شعري أو كدين ابن يونس وقد خرجنا عن المقصود إلى ما لاحاجة بنا إليه.
وكانت ولادته يوم الخميس، خامس صفر إحدى وخمسين وخمسمائة، بالموصل. وتوفي بها رابع عشر شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة، ودفن في تربتهم المعروفة بهم عند تربة عناز (١) ، خارج باب العراق.
وقد سبق ذكر ولده شرف الدين أحمد في حرف الهمزة، وأخيه عماد الدين في حرف الميم، وسيأتي ذكر والده في حرف الياء إن شاء الله تعالى، ﵏ أجمعين.
ولما كنت أتردد إلى خدمته بالموصل أوقع الله في نفسي أنه إن رزقت ولداً ذكراً سميته باسمه، ثم سافرت في بقية السنة المذكورة إلى الشام وأقمت به عشر سنين، ثم سافرت إلى الديار المصرية في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وتقلبت الأحوال ثم حصل التأهل، فرزقني الله ولدي الأكبر في بكرة يوم السبت حادي عشر صفر سنة إحدى وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة فسميته موسى (٢) ، وعجبت من موافقته للشيخ في الولادة، في الشهر والسنة، فكان بين مولدهما سنة. وذكرت ذلك للشيخ الحافظ زكي الدين عبد العظيم المحدث فعجب من هذا الاتفاق، وجعل يكرر التعجب ويقول: والله إن هذا لشيء غريب (٣) .
(٢٧٤) وتوفي الشيخ رضي الدين القزويني (٤) مدرس المدرسة النظامية، المذكور