← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وكان القاضي أبو الحسن المذكور مفنناً في عدة فنون، منها علم القضاء والقيام به بوقار وسكينة، وعلم الفقه والعربية والأدب والشعر وأيام الناس، وكان شاعراً مجيداً في الطبقة العليا، ومن شعره ما رواه له أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " (١) وهو قوله: ولي صديق ما مسني عدم ... مذ وقعت عينه على عدمي أغنى وأقنى وما يكلفني ... تقبيل كف له ولا قدم قام بأمري لما قعدت به ... ونمت عن حاجتي ولم ينم وأورد له الثعالبي أيضاً في المعنى (٢) : صديقٌ لي له أدب ... صداقة مثله نسب رعى لي فوق ما يرعى ... وأوجب فوق ما يجب فلو نقدت خلائقه ... لبهرج عندها الذهب وأورد له أبو الحسن الباخزري - المقدم ذكره - في كتاب " دمية القصر " (٣) وأوردها أيضاً أبو محمد ابن زولاق في كتاب " أخبار قضاة مصر " في ترجمة أبي الحسن المذكور، أبياتاً أحسن فيها كل الإحسان، وهي: رب خود عرفت في عرفات ... سلبتني بحسنها حسناتي حرمت حين أحرمت نوم عيني ... واستباحت حماي باللحظات وأفاضت مع الحجيج ففاضت ... من جفوني سوابق العبرات ولقد أضرمت على القلب جمراً ... محرقاً إذ مشت إلى الجمرات لم أنل من منى منى النفس حتى (٤) ... خفت بالخيف أن تكون وفاتي

стр. 2417

ولم يزل أبو الحسن المذكور مستمراً على أحكامه، وافر الحرمة عند العزيز، حتى أصابته الحمى وهو بالجامع ينظر في الأحكام، فقام من وقته ومضى إلى داره، وأقام عليلاً أربعة عشر يوماً، وتوفي في الإثنين لست خلون من رجب (١) سنة أربع وسبعين وثلثمائة، وأخرج تابوته من الغد إلى العزيز وهو معسكر بسطح الجب عند الموضع المعروف الآن بالبركة، فوضع التابوت بالمسجد المعروف بالبئر والجميزة، وسار العزيز إليه من مخيمه حتى وصل عليه في المسجد، وردت الجنازة إلى داره بالحمراء فدفن فيها. والحمراء: محلة بمصر، وهي ثلاث حمراوات، وإنما قيل لها الحمراء لنزول الروم بها. وأرسل العزيز إلى أخيه أبي عبد الله محمد - المذكور في هذه الترجمة - وكان ينوب عن أخيه أبي الحسن كما ذكرنا، فقال له: إن القضاء لك من بعد أخيك، ولا تخرجه عن هذا البيت. وكانت مدة ولاية أبي الحسن تسع سنين وخمسة أشهر وأربعة أيام. وكانت ولادته بالمغرب، في شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. (٢٨٩) وأقامت مصر بغير قاض ينظر فيها ثمانية عشر يوماً لأن أبا عبد الله مان مريضاً، ثم أخف عنه المرض فركب في وقته إلى معسكر العزيز يوم الخميس لثمان بقين من رجب، ثم عاد من عنده إلى الجامع العتيق بمصر في يوم الجمعة وقد قلده العزيز القضاء وخلع عليه وقلده سفياً، فلم يقدر على النزول في الجامع لضعفه من العلة، فسار إلى داره، ونزل ولده وجماعة من أهل بيته إلى الجامع العتيق بمصر، وقرىء سجله بعد صلاة الجمعة، وكان مثل سجل أخيه أبي الحسن في جميع ولايته. وفي ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلثمائة استخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز على القضاء بالإسكندرية بأمر العزيز، وخلع عليه العزيز. وفي يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى سنة خمس وسبعين عقد القاضي محمد بن النعمان المذكور نكاح ولده أبي القاسم عبد العزيز المذكور على ابنة القائد أبي

стр. 2418

الحسن جوهر - المقدم ذكره في حرف الجيم - وكان العقد في مجلس العزيز ولم يحضره إلا خواصه، وكان الصداق ثلاثة آلاف دينار، والكتاب ثوباً مصمتاً. وكان المعز أبو تميم معد والد العزيز المذكور قد تقدم وهو بالمغرب إلى القاضي أبي حنيفة النعمان المذكور في أول الترجمة بعمل اسطرلاب فضة، وأن يجلس مع الصائغ أحد ثقاته، فأجلس أبو حنيفة ولده المذكور محمداً، فلما فرغ الاسطرلاب حمله أبو حنيفة إلى المعز، فقال له: من أجلست معه فقال: ولدي محمداً، فقال: هو قاضي مصر، فكان كما قال، لأن المعز كانت تحدثه نفسه أبداً بأخذ مصر، فلهذا تلفظ بهذا الكلام، ورافقته السعادة مع المقادير. وقال القاضي محمد المذكور: كان المعز إذا رآني وأنا صبي بالمغرب يقول لولده العزيز: هذا قاضيك. وكان محمد جيد المعرفة بالأحكام مفنناً في علوم كثيرة حسن الأدب والدراية بالأخبار والشعر وأيام الناس، وله شعر، فمن ذلك قوله: أيا مشبه البدر بدر السماء ... لسبع وخمسٍ مضت واثنتين ويا كامل الحسن في نعته ... شغلت فؤادي وأسهرت عيني فهل لي من مطمعٍ أرتجيه ... وإلا انصرفت بخفي حنين ويشمت بي شامت في هواك ... ويفصح لي ظلت صفر اليدين فإما مننت وإما قتلت ... فأنت القدير على الحالتين وكتب إليه عبد الله بن الحسن الجعفري السمرقندي: تعادلت القضاة علاً فأما ... أبو عبد الإله فلا عديل وحيدٌ في فضائله غريبٌ ... خطيرٌ في مفاخرة جليل تألق بهجةً ومضى اعتزاماً ... كما يتألق السيف الصقيل فيقضي والسداد له حليف ... ويعطي والغمام له رسيل لو اختبرت قضاياه لقالوا ... يؤيده عليها جبرئيل إذا رقي المنابر فهو قس ... وأن حضر المشاهد فالخليل فكتب إليه القاضي محمد المذكور:

стр. 2419

قرأنا من قريضك ما يروق ... بدائع حاكها طبعٌ رقيق كأن سطورها روضٌ أنيقٌ ... تضوع بينها مسكٌ فتيق إذا ما أنشدت أرجت وطابت ... منازلها بها حتى الطريق وإنا تائقون إليك فاعلم ... وأنت إلى زيارتنا تتوق فواصلنا بها في كل يومٍ ... فأنت بكل مكرمةٍ حقيق وقال ابن زولاق في " أخبار قضاة مصر ": ولم نشاهد بمصر لقاض من القضاة من الرياسة ما شاهدناه (١) لمحمد بن النعمان، ولا بلغنا ذلك عن قاض بالعراق، ووافق ذلك استحقاقاً، لما فيه من العلم والصيانة والتحفظ وإقامة الحق والهيبة. وفي المحرم سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة استخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز المذكور في الأحكام بالقاهرة ومصر على الدوام، بعد أن كان ينظر فيها يوم الإثنين والخميس لا غير، فصار يسمع البينات ويحكم ويسجل، وكان يخلفه أولاً ولد أخيه، وهو أبو عبد الله الحسين بن علي بن النعمان، فصرفه لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين، واستخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز المذكور في الإثنين والخميس خاصة. وارتفعت رتبة القاضي محمد عند العزيز حتى أصعده معه إلى المنبر يوم عيد النحر سنة خمي وثمانين، ولما توفي العزيز في الناريخ المذكور في ترجمته تولى غسله القاضي محمد المذكور، وقام بالأمر من بعده ولده الحاكم - المقدم ذكره - فأقر القاضي محمداً على أشغاله، وزادت منزلته عنده رفعة وبسط يده. ولما حصلت له المنزلة والمكنة من الدولة كثرت علله ولازمه النقرس والقولنج، فكان أكثر أوقاته عليلاً، والأستاذ أبو الفتوح براجوان - المقدم ذكره - على جلالته وعظم شأنه يعوده كل وقت، ثم تزايدت علته وتوفي ليلة الثلاثاء بعد العشاء الآخرة رابع صفر سنة تسع وثمانين وثلثمائة؛ وركب الحاكم إلى داره بالقاهرة، وصلى عليه فيها ووقف على دفنه ثم انصرف إلى قصره.

стр. 2420

كانت ولادته يوم الأحد لثلاث خلون من صفر سنة أربعين وثلثمائة بالمغرب. ووهب الحاكم داره لبعض أصحابه، فنقل القاضي محمد المذكور إلى داره التي بمصر يوم الأربعاء لتسع خلون من شهر رمضان من هذه السنة، ثم نقل عيشة الجمعة لعشر خلون من شهر رمضان المذكور إلى مقبرة أخيه وأبيه بالقرافة، رحمهم الله تعالى. (٢٩٠) ولما مات القاضي محمد أبو عبد الله المذكور أقامت مصر بغير قاض أكثر من شهر، ثم قلد الحاكم صاحب مصر القضاة أبا عبد الله الحسين بن علي بن النعمان (١) الذي كان ينوب عن عمه القاضي محمد أبي عبد الله المذكور وصرفه واستخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز - وقد تدم ذكر ذلك في هذه الترجمة - وكانت ولاية الحسين المذكور لست خلون من شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلثمائة، واستمر في الحكم إلى يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان سنة أربع وتسعين، فصرف بابن عمه أبي القاسم عبد العزيز بن محمد - المقدم ذكره - ثم ضربت عنق الحسين بن علي النعمان المذكور يوم الأحد سادس المحرم سنة خمس وتسعين في حجرته، وأحرقت جثته، وذلك بأمر الحاكم، لقصة يطول شرحها (٢) . (٢٩١) واستقل أبو القاسم (٣) في الأحكام، وضم إليه الحاكم النظر في المظالم، ولم يجتمعا قبله لأحد من أهله، وعلت رتبته عند الحاكم وأصعده معه علة المنبر يوم عيد الفطر بعد قائد القواد، وكذلك في عيد النحر، وتصلب في الأحكام، وتشدده على من عانده (٤) من روساء الدولة، ورسم على جماعة ممن وجب عليه حق فامتنع من الخروج منه. ولم يزل قاضياً في جميع ما فوضه إليه الحاكم، إلى أن صرفه عن ذلك جميعه يوم الجمعة سادس عشر رجب سنة ثمان وتسعين وثلثمائة. وفوض القضاء إلى أبي الحسن مالك بن سعيد بن مالك الفارقي، وأخرجه عن أهل بيت النعمان.

стр. 2421

ثم إن الحاكم أمر الأتراك بقتل القاضي أبي القاسم عبد العزيز المذكور والقائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر وأبي علي إسماعيل أخي القائد فضل بن صالح، فقتلوهم ضرباً بالسيوف في ساعة واحدة، لأمر يطول شرحه، وذلك يوم الجمعة الثاني والعشرين منجمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة، رحمهم الله تعالى؛ وكانت ولادة أبي القاسم عبد العزيز المذكور يوم الإثنين مستهل ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلثمائة. (٢٩٢) وأما القاضي أبو طاهر المذكور، فقال أبو منصور أحمد عبد الله بن أحمد الفرغاني المصري في تتاريخه: إنه كان كثير الرواية حسن المجالسة، شيخ مع الشيوخ، كهل مع الكهول، شاب مع الشباب. وتوفي لليلة بقيت من ذي القعدة سنة سبع وستين وثلثمائة، رحمهم الله تعالى. ٧٦٧ - (١) السيدة نفيسة السيدة نفيسة ابنة أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين؛ دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق ﵁، وقيل بل دخلت مصر مع أبيها الحسن وإن قبره بمصر لكنه غير مشهور، وإنه كان والياً على المدينة من قبل أبي جعفر المنصور، وأقام بالولاية مدة خمس سنين، ثم غضب عليه فغزله واستصفى كل شيء له وحبسه ببغداد، فلم يزل محبوساً حتى مات المنصور وولي المهدي فأخرجه من محبسه ورد عليه كل شيء ذهب له، ولم يزل معه. فلما حج المهدي كان في جملته، فلما انتهى إلى الحاجر مات هناك، وذلك

стр. 2422

في سنة ثمان وستين ومائة، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وصلى عليه علي بن المهدي. - والحاجر على خمسة أميال من المدينة - وقيل إنه توفي ببغداد ودفن بقبرة الخيرزان، والصحيح أنه مات بالحاجر، هكذا قال الخطيب في تاريخه، والله أعلم. وكانت نفيسة من النساء الصالحات التقيات، ويروى أن الإمام الشافعي، ﵁، لما دخل مصر في التاريخ المذكور في ترجته حضر إليها، وسمع عليها الحديث وكان للمصريين فيها اعتقا عظيم، وهو إلى الآن باق كما كان. ولما توفي الإمام الشافعي، ﵁، أدخلت جنازته إليها وصلت في دارها، وكانت [مقيمة] (١) في موضع مشهدها اليوم، ولم تزل به إلى أن توفيت في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين. ولما ماتت عزم زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر الصادق على حملها إلى المدينة ليدفنها هناك، فسأله المصريون بقاءها عندهم، فدفنت في الموضع كان يعرف به الآن بين القاهرة ومصر عند المشاهد، وهذا الموضع كان يعرف يومذاك بدرب السباع، فخرج الدرب ولم يبق هناك سوى المشهد، وقبرها معروف بإجابة الدعاء عنده، وهو مجرب، ﵂ (٢) .

стр. 2423

تذييل استمر الاعتماد في هذا الجزء على المخطوطات التي ذكرت في مقدمة الجزء الرابع ولكنا زدنا عليها مخطوطتين وهما: (١) مخطوطة آيا صوفيا (رقم: ٣٥٣٣) وقد رمزت لها بالحرف (ص) على أن يتذكر القارئ أنها ليست هي (ص) المذكورة في الجزءين الأول والثاني، كما أنها ليست من أسرتها، وإنما الشركة بينهما انتماؤها إلى مكتبة واحدة وحسب؛ وتبدأ (ص) بترجمة أبي تميم معدّ (رقم ٧٢٧، الصفحة: ٢٢٤ من هذا الجزء) وتقع في ١٩٣ ورقة، وفي كل صفحة من صفحاتها ٢١ سطراً، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة، وخطها نسخي واضح لا بأس بالضبط فيه، وميزتها الكبرى أنها تمثل الدور الأول من عمل المؤلف، وتنتهي بتلك الخاتمة التي يعلن فيها أنه توقف عن عمله دون أن يتم حرف الياء وأن لديه مسودات أخرى أعدها لكتاب مطول يكون في أكثر من عشرة أسفار، وهذا يعني أن آخر ترجمة فيها هي ترجمة يحيى بن خالد البرمكي؛ والنسخة ليست مؤرخة وعلى الورقة الأولى أنها الجزء الرابع من الوفيات، وقد كتب عليها تملك واحد " تملكه الفقير إلى الله تعالى محمد بن علي بن عمر الصفدي الحنفي عفا الله عنه بالشراء الشرعي من القاضي بهاء الدين بن أبي سالم الحموي ". (٢) مخطوطة نور عثمانية (رقم: ٣٠٧٦) ورمزها (ع) وتبدأ بترجمة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (رقم: ٧٦٥، الصفحة: ٤٠٥

стр. 2424

من هذا الجزء) وهي في ٣٠٨ ورقات، في كل صفحة من صفحاتها ٢٥ سطراً، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١١ كلمة؛ والخط أيضاً نسخي واضح، ونسبة الضبط حسنة؛ وهي تحوي تراجم الكتاب حتى آخره حسب الشكل الأخير الذي وضعه فيه مؤلفه، وقد نسخت سنة ٧٢٥ على يد علي بن جمعة بن أبي الحسن بن حسان، ثم بخط مختلف أنها قوبلت بالنسخة التي في الخزانة العالية المولوية السلطانية الملكية المؤيدية في أوقات آخرها العشرين () من ذي القعدة سنة ثماني وعشرين وسبعمائة بحسب الطاقة.

стр. 2425

حَرفُ الواو

стр. 2426

فراغ

стр. 2427

٧٦٨ - (١) واصل بن عطاء أبو حذيفة واصل بن عطاء المعتزلي، المعروف بالغزال، مولى بني ضبة، وقيل مولى بني مخزوم، كان أحد الأئمة البلغاء المتكلمين في علوم (٢) الكلام وغيره، وكان يلثغ بالراء فيجعلها غيناً، قال أبو العباس المبرد في حقه في كتاب " الكامل " (٣) : كان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء ولا يفطن لذلك، لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه ففي ذلك (٤) يقول الشاعر من المعتزلة وهو أبو الطروق (٥) الضبي يمدح بإطالة الخطب واجتنابه الراء على كثرة ترددها في الكلام، حتى كأنها ليست فيه: عليم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيبٍ يغلب الحق باطله وقال آخر (٦) :

стр. 2428

ويجعل البر قمحاً في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطراً، والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر ومما يحكى عنه، وقد ذكر (١) بشار بن برد فقال: أما لهذا الأعمى المكتني (٢) بأبي معاذ من يقتله أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسياً أو عقيلياً، فقال: هذا الأعمى، ولم يقل بشار ولا ابن برد ولا الضرير، وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت، ولم يقل لأرسلت، وقال: على مضجعه، ولم يقل على مرقده ولا على فراشه، وقال: يبعج، ولم يقل يبقر، وذكر بني سدوس لأنه كان نازلاً فيهم. وذكر السمعاني في كتاب " الأنساب " (٣) في ترجمة المعتزلي أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري ﵁، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر وقالت الجماعة بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر، فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال: إن من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، منزلة بين منزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه، وجلس إليه عمرو بن عبيد، فقيل لهما ولأتباعهما: معتزلون - وقد أحلت في ترجمة عمرو بن عبيد على هذا الموضع في تبين الاعتزال ولأي معنى سموا بهذا الاسم، وقد ذكرت في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي أنه الذي سماهم بذلك -. وكان واصل بن عطاء المذكور يضرب به المثل في إسقاطه حرف الراء من كلامه، واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم كثيراً، فمنه قول أبي محمد الخازن من جملة قصيدة طنانة طويلة يمدح بها الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد - المقدم ذكره - وهو:

стр. 2429

نعم تجنب لا يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لفظة الراء وقال آخر في محبوب له ألثغ: أعد لثغة لو أن واصل حاضر ... ليسمعها ما أسقط الراء واصل وقال آخر: أجعلت وصلي الراء لم تنطق به ... وقطعتني حتى كأنك واصل لله دره ما أحسن قوله: " وقطعتني حتى كأنك واصل " وقال آخر: فلا تجعلني مثل همزة واصل ... فيلحقني حذف ولا راء واصل وقال أبو عمر يوسف بن هارون الكندي الأندلسي القرطبي الرمادي الشاعر المشهور، إلا أنه لم يتعرض إلى ذكر واصل، وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعمائة: لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وقعدت منتحباً أنا والراء وهذا الباب متسع، فلا حاجة إلى الإطالة فيه، ويكفي هذا الأنموذج. وقد عمل الشعراء في اللثغة التي هي إبدال الثاء من السين شعراً كثيراً، فمن ذلك ما يعزى لأبي (١) نواس، ولم أجدها في ديوانه، والله أعلم، إلا أن تكون رواية علي بن حمزة الأصبهاني، فإنها أكثر (٢) الروايات، ولم أكشف هذه الأبيات منها، وهي أبيات حلوة ظريفة: وشادنٍ ساءلت عن اسمه ... فقال لي إثمي مرداث بيات يعاطني سخاميةً ... وقال لي: قد هجع الناث أما ترى حثن أكاليلنا ... زينها النثرين والآث

стр. 2430

فعدت من لثغته ألثغا ... فقلت: أين الطاث والكاث ولو شرعت في ذكر ما قيل على هذا النمط لطال الشرح. ولم أجد في لثغة الراء إلا قليلاً، فمن ذلك قول بعضهم: أما وبياض الثغر ممن أحبه ... ونقطة خال الخد في عطفة الصدغ لقد فتنتني لثغة موصلية ... رمتني في تيار بحر هوى اللثغ ومستعجم الألفاظ عقرب حديثه ... مسلطة دون الأنام على لدغي يكاد أصم الصم عند حديثه ... إلى اللثغة الغناء من لفظه يصغي يقول وقد قبلت واضح ثغره ... وكان الذي أهوى ونلت الذي أبغي وقد نفضت كأس الحميا وأظهرت ... على خده من لونها أحسن الصبغ تغفق فغشف الخمع من كغم غيقتي ... يزيدك عند الشغب سكغاً على (١) سكغ ولقد أجاد هذا الشاعر وجمع في البيت الأخير راءات كثيرة وأبدلها بالغين، وللخبز أرزي الشاعر المقدم ذكره في غلام يلثغ بالراء أيضاً لكنه لم يستعمل اللثغة إلا في آخر البيت الأخير من الأربعة أبيات (٢) : وشادن بالكرخ ذي لثغة ... وإنما شرطي في اللثغ ما أشبه الزنبور في خصره ... حتى حكى العقرب في الصدغ في فمه ترياق لدغٍ إذا ... أحرق قلبي شدة اللدغ إن قلت في ضمي له أين هو ... تفديك روحي قال لا أدغي وقد تسلسل الكلام وخرجنا عن المقصود من أخبار واصل بن عطاء. وكان طويل العنق جداً بحيث كان يعاب به، وفيه يقول بشار بن برد الشاعر المشهور المقدم ذكره (٣) :

стр. 2431

ماذا منيت بغزال له عنق ... كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا عنق الزرافة، ما أبالي وبالكم ... تكفرون رجالاً كفروا رجلا وكانت بينهما منافسات وأحقاد، وقد تقدم كلام واصل في حق بشار. وقال المبرد في كتاب " الكامل " (١) : لم يكن واصل بن عطاء غزالاً، ولكنه كان يلقب بذلك لأنه كان يلازم (٢) الغزالين ليغرف المتعففات من النساء فيجعل صدقته لهن، ثم قال: وكان طويل العنق، ويروى عن عمرو بن عبيد أنه نظر إليه من قبل أن يكلمه فقال: لا يصلح هذا ما دامت عليه هذه العنق. وله من التصانيف كتاب " أصناف المرجئة " وكتاب " التوبة "، وكتاب " المنزلة بين منزلتين " وكتاب خطبته التي أخرج منها الراء، وكتاب " معاني القرآن " وكتاب " الخطب في التوحيد والعدل " وكتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد وكتاب " السبيل إلى معرفة الحق " وكتاب في " الدعوة " وكتاب " طبقات أهل العلم والجهل " وغير ذلك. وأخباره كثيرة. وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة بمدينة الرسول ﷺ ، وتوفي سنة إحدى وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى.

стр. 2432

٧٦٩ - (١) وثيمة بن الفرات أبو يزيد وثيمة بن موسى بن الفرات الوشاء، الفارسي الفسوي، كان قد خرج من بلده إلى البصرة ثم سافر إلى مصر، وارتحل منها إلى الأندلس تاجراً وكان يتجر في الوشي. وصنف كتاباً في أخبار الردة (٢) ، وذكر فيه القبائل التي ارتدت بعد وفاة النبي ﷺ ، والسرايا التي إليهم أبو بكر الصديق ﵁، وصورة مقاتلتهم وما جرى بينهم وبين المسلمين في ذلك ومن عاد منهم إلى الإسلام، وقتال مانعي الزكاة، وما جرى لخالد بن الوليد المخزومي، ﵁ مع مالك بن نويرة اليربوعي أخي متمم بن نويرة الشاعر المشهور صاحب المرائي المشهورة في أخيه مالك، وصورة قتله، وأم قاله متمم من الشعر في ذلك وما قاله غيره، وهو كتاب جيد يشتمل على فوائد كثيرة، وقد تقدم في ترجمة أبي عبد الله محمد الواقدي أنه صنف في الردة كتاباً أيضاً أجاد فيه، ولم أعرف لوثيمة المذكور من التصانيف سوى هذا الكتاب. وهو رجل مشهور ذكره أبو الوليد بن الفرضي صاحب " تاريخ الأندلس " (٣) في كتابه، وذكره الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب " جذوة المقتبس " (٤) وأبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر، وأبو سعد السمعاني في كتاب " الأنساب " في ترجمة الوشاء (٥) فقال: كان يتجر في الوشي، وهو نوع من الثياب المعمولة

стр. 2433

من الإبريسم، فعرف به جماعة منهم وثيمة المذكور. ثم إن وثيمة عاد من الأندلس إلى مصر ومات بها يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين ومائتين، رحمه الله تعالى. (٢٩٣) وقال أبو سعيد بن يونس المصري في تاريخه: كان لوثيمة ولد يقال له أبو رفاعة عمارة بن وثيمة (١) ، حدث عن أبي صالح كاتب الليث بن سعد وعن أبيه وثيمة وغيرهما، وصنف تاريخاً على السنين وحدث به، ومولده بمصر، وتوفي ليلة الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين. ووثيمة بفتح الواو وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الميم وبعدها هاء ساكنة، والوثيمة في الأصل الجماعة من الحشيش والطعام، والوثيمة الصخرة، وبها سمي الرجل، والله أعلم بالصواب، والوثيمة أيضاً الحجر الذي يقدح النار. تقول العرب في أيمانها: والذي أخرج العذق من الجريمة، والنار من الوثيمة: العذق - بفتح العين المهملة - النخلة، والجريمة النواة. وأم الفارسي والفسوي فقد تقدم الكلام عليهما في ترجمة الشيخ أبي علي الفارسي النحوي وأرسلان البساسيري فأغنى عن الإعادة. وإذ ذكرنا متمم بن نويرة وأخاه فلا بد من ذكر طرف من أخبارهما، فإنها مستملحة. (٢٩٤) كان مالك بن نويرة المذكور رجلاً سرياً نبيلاً يردف الملوك، وللردافة موضعان أحدهما: أن يردفه الملك على دابته في صيد أو غيره من مواضع الأنس، والموضع الثاني أنبل، وهو أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم فينظر بين الناس بعده. وهو الذي يضرب به المثل فيقال: مرعى ولا كالسعدان، وماء ولا كصداء، وفتى ولا كمالك. وكان فارساً شاعراً (٢) مطاعاً في قومه، وكان فيه خيلاء وتقدم، وكان ذا لمة كبيرة، وكان يقال له الجفول، وقدم النبي ﷺ فيمن قدم

стр. 2434

من العرب فأسلم، فولاه النبي ﷺ صدقه قومه. ولما ارتدت العرب بعد موت النبي ﷺ بمنع الزكاة كان مالك المذكور من جملتهم، ولما خرج خالد بن الوليد ﵁ لقتالهم في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ نزل على مالك وهو مقدم قومه بني يربوع وقد أخذ زكاتهم وتصرف فيها، فكلمه خالد في معناها، فقال مالك: إني آتي الصلاة دون الزكاة، فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معاً لا تقبل واحدة دون أخرى، فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك، قال خالد: وما تراه لك صاحباً والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجاولا (١) في الكلام طويلاً فقال له خالد: إنني قاتلك، قال: أو بذلك أمرك صاحبك قال: وهذه بعد تلك والله لأقتلنك. وكان عبد الله بن عمر ﵄ وأبو قتادة الأنصاري ﵁ حاضرين فكلما خالداً في أمره، فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالد، ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا، فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا، فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك، وتقدم إلى ضرار بن الأزور الأسدي بضرب عنقه، فالتفت مالك إلى زوجته أم متمم وقال لخالد: هذه التي قتلتني، وكانت في غاية الجمال، فقال له خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام، فقال مالك: أنا على الإسلام، فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه، فضرب عنقه وجعل رأسه أثفية لقدر، وكان من أكثر الناس شعراً - كما تقدم ذكره - فكانت القدر على رأسه حتى نضج الطعام، وما خلصت النار إلى شواه من كثرة شعره. قال ابن الكلبي في جمهرة النسب: قتل مالك يوم البطاح، وجاء (٢) أخوه متمم فكان يرثيه. وقبض خالد امرأته، فقيل إنه اشتراها من الفيء وتزوج بها، وقيل إنها اعتدت بثلاثة حيض ثم خطبها إلى نفسه فأجابته، فقال لابن عمر وأبي قتادة ﵄ يحضران النكاح فأبيا، وقال له ابن عمر ﵁:

стр. 2435

تكتب إلى أبي بكر ﵁ وتذكر أمرها فأبى وتزوجها، فقال في ذلك أبو زهير السعدي: ألا قل لحي أوطئوا بالسنابك ... تطاول هذا الليل من بعد مالك قضى خالد بغياً عليه لعرسه ... وكان له فيها هوىً قبل ذلك فأمضى هواه خالد غير عاطف ... عنان الهوى عنها ولا متمالك وأصبح ذا أهل، وأصبح مالك ... إلى غير شيء هالكاً في الهوالك فمن لليتامى والأرامل بعده ... ومن للرجال المعدمين الصعالك أصيبت تميم غثها وسمينها ... بفارسها المرجو تحت الحوارك ولما بلغ الخبر أبا بكر وعمر ﵄، قال عمر لأبي بكر ﵁: إن خالداً قد زنى فارجمه، قال: ما كنت لأرجمه فإنه تأول فأخطأ، قال: فإنه قتل مسلماً فاقتله به، قال: ما كنت لأقتله به، إنه تأول فأخطأ، قال فاعزله، قال: ما كنت لأشيم سيفاً سله الله عليهم أبداً، هكذا سرد هذه الواقعة وثيمة المذكور والواقدي في كتابيهما، والعهدة عليهما. (٢٩٥) وكان أخوه متمم بن نويرة، وكنيته أبو نهشل (١) الشاعر المشهور (٢) ، كثير الانقطاع في بيته قليل التصرف في أمر نفسه اكتفاء بأخيه مالك، وكان أعور دميماً، فلما بلغه مقتل أخيه حضر إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وصلى الصبح خلف أبي بكر الصديق ﵁، فلما فرغ من صلاته واستند في (٣) محرابه قام متمم فوقف بحذائه واتكأ على سية قوسه ثم أنشد: نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور أدعوته بالله ثم غدرته ... لو هو دعاك بذمة لم يغدر وأومأ إلى أبي بكر ﵁، فقال: والله ما دعوته ولا غدرته:

стр. 2436

ولنعم حشو الدرع كان وحاسراً ... ولنعم مأوى الطارق المتنور لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه ... حلو شمائله عفيف المئزر ثم بكى وانحط على سية قوسه، فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: لوددت أنك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك، فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر ﵁: ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته. وكان زيد بن الخطاب ﵁ قتل شهيداً يوم اليمامة، وكان عمر ﵁ يقول: إني لأهش (١) للصبا أنها تأتيني من ناحية أخي زيد، ويروى عن عمر ﵁ أنه قال: لو كنت أقول الشعر كما تقول لرثيت أخي كما رثيت أخاك. ويروى أن متمماً رثى زيداً فلم يجد، فقال له عمر ﵁: لم ترث زيداً كما رثيت مالكاً، فقال: إنه والله ليحركني (٢) لمالك ما لا يحركني لزيد. وقال له عمر ﵁ يوماً: إنك لجزل فأين كان أخوك منك، فقال: كان أخي في الليلة ذات الأزيز والصراد يركب الجمل الثفال، ويجنب الفرس الجرور، وفي يده الرمح الثقيل، وعليه الشملة الفلوت، وهو بين المزادتين، حتى يصبح وهو متبسم. والأزيز: بفتح الهمزة وزاءين الأولى منهما مكسورة وبينهما ياء مثناة من تحتها، صوت الرعد. والصراد: بضم الصاد المهملة وتشديد الراء وفتحها وبعد الألف دال مهملة، غيم رقيق لا ماء فيه. والثفال: بفتح الثاء المثلثة والفاء، وهو الجمل البطيء في سيره لا يكاد يمشي من ثقله. والجرور: بفتح الجيم على وزن فعول، الفرس الذي يمنع القياد. والشملة الفلوت: التي لا تكاد تثبت على لابسها.

стр. 2437

والمزادة: الراوية، وهي معروفة. وقال له عمر ﵁ يوماً: خبرنا عن أخيك، قال: يا أمير المؤمنين، لقد أسرت مرة في حي من أحياء العرب، فأخبر أخي، فأقبل، فلما طلع على الحاضر (١) ما كان أحد قاعداً إلا قام على رجليه، وما بقيت امرأة إلا وتطلعت من خلال البيوت، فما نزل عن جمله حتى لقوه بي برمتي فحلني هو، فقال عمر ﵁: إن هذا لهو الشرف. والرمة: بضم الراء المهملة، الحبل البالي، ومنه قولهم " دفع إليه الشيء برمته " أصله: أن رجلاً دفع إلى رجل بعيراً بحبل في عنقه، فقيل ذلك لكل من دفع شيئاً بجملته. وقال متمم أيضاً لعمر ﵁: أغار حي من أحياء العرب على حي أخي مالك وهو غائب، فجاءه الصريخ، فخرج في آثارهم على جمل يسوقه مرةً ويركبه أخرى، حتى أدركهم على مسيرة ثلاث وهم آمنون، فما هو إلا أن رأوه فأرسلوا ما في أيديهم من الأسرى والنعم وهربوا، فأدركهم أخي، فاستسلموا جميعاً حتى كتفهم، وصدر بهم إلى بلاده مكتوفين، فقال عمر ﵁: قد كنا نعلم سخاءه وشجاعته، ولم نعلم كل ما تذكره (٢) . وله فيه المراثي النادرة، فمن ذلك أبياته الكافية، وهي في كتاب " الحماسة " (٣) في باب المراثي: لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن الشجا يبعث الشجا ... فدعني فهذا كله قبر مالك وله فيه قصيدته العينية (٤) ، وهي طويلة بديعة، ومن جملتها قوله (٥) :

стр. 2438

وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وعشنا بخير في الحياة، وقبلنا ... أصاب المنايارهط كسرى وتبعا فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (٢٩٦) وقد يتشوف الواقف على هذا الكتاب إلى الوقوف على شيء من أخبار جذيمة المذكور ونديميه - وهو بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الميم وبعدها هاء ساكنة - وكنيته أبو مالك جذيمة بن مالك بن فهم بن دوس بن الأزد الأزدي، صاحب الحيرة وما والاها، وهو الأبرش والوضاح، وإنما قيل ذلك لأنه كان أبرص، فكانت العرب تهابه أن تنسبه إلى البرص فعرفته بأحد هذين الوصفين. وهو من ملوك الطوائف، وكان بعد عيسى ﵇ بثلاثين سنة، وكان من تيهه لا ينادم إلا الفرقدين. وكان له ابن أخت يقال له عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك اللخمي، ويقال له عمم لأنه أول من اعتم، ابن تمارة بن لخم، وبقية النسب معروف، واسم الأخت المذكورة رقاش، وكان جذيمة شديد المحبة له، فاستهوته الجن، وأقام زماناً يتطلبه فلم يجده، فأقبل رجلان من بني القين يقال لأحدهما مالك والآخر عقيل ابنا فارح [بن مالك بن كعب بن القين، واسمه النعمان، ابن جسر بن شيع بن أسد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وسمي القين بعبد كان له فحضنه فاشتهر به] (١) فصادفا عمراً في البرية وهو أشعث الرأس طويل الأظفار سيء الحال، فعرفاه وحملاه إلى خاله جذيمة بعد أن لما شعثه وأصلحا حاله، فقال لهما جذيمة من فرط سروره به: احتكما علي، فقالا: منادمتك ما بقيت وبقينا، فقال: ذلك لكما، فهما نديماه اللذين يضرب بهما المثل، ويقال: إنهما نادماه أربعين سنة لم يعيدا عليه حديثاً حدثاه به، وإياهما عن أبو خراش الهذلي بقوله في مرثية أخيه عروة (٢) : تقول أراه بعد عروة لاهياً ... وذلك رزء لو علمت جليل

стр. 2439

فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكن صبري يا أميم جميل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... نديماً صفاء: مالك وعقيل هذه خلاصة حديثهم، وإن كان فيه طول، وإنما قصدت الإيجاز. وذكر أبو علي القالي في كتابه الذي جعله ذيلاً على أماليه (١) أن متمماً المذكور قدم على عمر بن الخطاب ﵁، وكان به معجباً، فقال: يا متمم، ما يمنعك من الزواج لعل الله تعالى أن ينشر منك ولداً، فإنكم أهل بيت قد درجتم فتزوج امرأة من أهل المدينة، فلم تحظ عنده ولم يحظ عندها، فطلقها ثم قال: أقول لهند حين لم أرض عقلها: ... أهذا دلال العشق، أم أنت فارك أم الصرم تهوين (٢) فكل مفارقٍ ... علي يسير بعد ما بان مالك فقال له عمر ﵁: ما تنفك تذكر مالكاً على كل حال، فلم يمض على هذا الأمر إلا قليل حتى طعن عمر ﵁، ومتمم بالمدينة، فرثى عمر ﵁ (٣) . وبالجملة فإنه لم ينقل عن أحد من العرب ولا غيرهم أنه بكى على ميته ما بكى متمم على أخيه مالك. حكى الواقدي في كتاب " الردة " أن عمر ﵁ قال لمتمم: ما بلغ من حزنك على أخيك فقال له: لقد مكثت سنة لا أنام بليل حتى أصبح، ولا رأيت ناراً رفعت بليل إلا ظننت نفسي ستخرج، أذكر بها نار أخي، كان يأمر بالنار فتوقد حتى يصبح مخافة أن يبيت ضيفه قريباً منه، فمتى يرى النار يأوي إلى الرحل، ولهو بالضيف يأتي مجتهداً أسر من القوم يقدم عليهم القادم لهم من السفر البعيد، فقال عمر ﵁: أكرم به. وحكى الواقدي أيضاً أنه قال له: ما لقيت على أخيك من الحزن والبكاء قال: كانت عيني هذه قد ذهبت، وأشار إليها، فبكيت بالصحيحة وأكثرت

стр. 2440

البكاء حت ى أسعدتها العين الذاهبة وجرت بالدموع، فقال عمر ﵁: إن هذا لحزن شديد، ما يحزن هكذا أحد على هالكه. وقد ضربت الشعراء الأمثال بمالك وأخيه متمم في أشعارهم، فمن ذلك قول ابن حيوس المقدم ذكره من جملة قصيدة: وفجعة بين مثل صرعة مالك ... ويقبح بي أن لا أكون متمما ومنه قول أبي بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة في قصيدته التي يرثي بها المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية لما قبض عليه يوسف بن تاشفين - حسبما شرحناه في ترجمة المعتمد - وهو قوله: حكيت وقد فارقت ملكك مالكا ... ومن ولهي أحكي عليك متمما ومن ذلك أيضاً قول بعضهم، وأظنه ابن منير - المذكور في حرف الهمزة - وهو أيضاً من جملة أبيات، ثم حققت قاءله وهو نجم الدين أبو الفتح يوسف بن الحسين بن محمد، عرف بابن المجاور الدمشقي: أيا مالكي في القلب نويرة ... وإنسان عيني في هواك متمم ومنه قول أبي الغنائم ابن المعلم الشاعر - المقدم ذكره - من جملة أبيات يصف فيها منزلاً ويدعو له بالسقيا، فقال: سقاه الحيا قبلي وجئت متمما ... فلو مالك فيه دعيت متمما ومنه قول القاضي السعيد ابن سناء الملك: بكيت بكلتا مقلتي كأنني ... أتمم ما قد فات عين متمم وهذا باب يطول شرحه، وقد جاوزنا الحد بالخروج عما بالخروج نحن بصدده. ومتمم: بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوقها، وبعدها ميمان الأولى منما مشددة مكسورة. وصداً في قولهم " ماء ولا كصدأ " فيه ثلاث لغات: صدا: بضم الصاد

стр. 2441

المهملة وتشديد الدال المهملة وألف مقصورة، وصداء مثل الأول لكن الصاد مفتوحة والألف ممدودة، فمن ضم قصر ومن فتح مد، واللغة الثالثة صدءاء: بتخفيف الدال وهمزتين متواليتين والصاد مفتوحة، وهي بئر معروفة مشهورة ماؤها عذب نمير، والله أعلم. ٧٧٠ - (١) البحتري أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم بن أب حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وهو طيء بن ادد بن زيدان بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، الطائي البحتري الشاعر المشهور، ولد بمنبج، وقيل بزردفنة (٢) وهي قرية من قراها، ونشأ وتخرج بها، ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء أولهم المتوكل على الله، وخلقاً كثيراً من الأكابر والرؤساء، وأقام ببغداد دهراً طويلاً ثم عاد إلى الشام، وله أشعار كثيرة ذكر قيها حلب وضواحيها، وكان يتغزل بها (٣) ، وقد روى عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد ومحمد بن خلف بن المرزبان والقاضي أبو عبد الله المحاملي ومحمد بن أحمد الحكيمي وأبو بكر الصولي وغيرهم.

стр. 2442

قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي (١) : رأيت البحتري هاهنا عندنا قبل أن يخرج إلى العراق، يجتاز بنا الجامع من هذا الباب، وأومأ إلى جنبتي المسجد، يمدح أصحاب البصل والباذنجان، وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه، ثم كان منه ما كان، وعلوة التي شبب بها في كثير من أشعاره هي بنت زريقة الحلبية، وزريقة أمها (٢) . وحكى أبو بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في " أخبار أبي تمام الطائي " (٣) أن البحتري كان يقول: أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أني صرت إلى أبي تمام وهو بحمص، فعرضت عليه شعري، وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره، فلما سمع شعري أقبل علي وترك سائر الناس، فلما تفرقوا قال لي: أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك فشكوت خلة، فكتب إلى أهل معرة النعمان (٤) ، وشهد لي بالحذق وشفع لي إليهم وقال لي: امتدحهم، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول مال أصبته. وقال أبو عبادة المذكور (٥) : أول ما رأيت أبا تمام، وما كنت رأيته قبلها، أني دخلت أبي سعيد محمد بن يوسف، فامتدحته بقصيدتي التي أولها: أأفاق صب من هوى فأفيقا ... أم خان عهداً أم اطاع شفيقا فأنشدته إياها، فلما أتممتها سر بها، وقال لي: أحسن الله إليك يا فتى، فقال له رجل في المجلس: هذا، أعزك الله، شعري علقه هذا الفتى، فسبقني به إليك، فتغير أبو سعيد وقال لي: يا فتى، قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن تمت به إلينا، ولا تحمل نفسك على هذا، فقلت: هذا شعري أعزك

стр. 2443

الله، فقال الرجل: سبحان الله يا فتى لا تقل هذا، ثم ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتاً، فقال لي أبو سعيد: نحن نبلغك ما تريد، ولا تحمل نفشك على هذا، فخرجت متحيراً لا أدري ما أقول، ونويت أن أسأل عن الرجل من هو، فما بعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي: جنيت عليك فاحتمل، أتدري من هذا فقلت: لا، قال: هذا ابن عمك، حبيب بن أوس الطائي لأبو تمام، فقم إليه، فقمت إليه فعانقته. ثم أقبل علي يقرظني ويصف شعري وقال: إنما مزحت معك، فلزمته بعد ذلك وكثر عجبي من سرعة حفظه. وروى الصولي أيضاً في كتابه المذكور أن أبا تمام راسل أم البحتري في التزوج بها، فأجابته وقالت له: اجمع الناس للإملاك، فقال: الله أجل من أن يذكر بيننا، ولكن نتصافح ونتسافح (١) . وقيل للبحتري (٢) : أيما أشعر أنت أم أبو تمام فقال: جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه. وكان يقال لشعر البحتري: سلاسل الذهب، وهو في الطبقة العليا. ويقال إنه قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر، أبو تمام أم البحتري أم المتنبي فقال: حكيمان والشاعر البحتري. ولعمري ما أنصفه ابن الرومي في قوله: والفتى البحتري يسرق ما قا ... ل ابن أوس في المدح والتشبيب كل بيت له يجود معنا ... هـ فمعناه لابن أوس حبيب وقال البحتري (٣) : أنشدت أبا تمام شيئاً من شعري، فأنشدني بيت أوس بن حجر (٤) : إذا مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم

стр. 2444

وقال: نعيت إلي نفسي، فقلت: أعيذك بالله من هذا، فقال: إن عمري ليس يطول وقد نشأ لطيءٍ مثلك، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى شبيب بن شبيبة، وهو من رهطه وهو يتكلم فقال: يا بني، نعى نفسي إلي إحسانك في كلامك، لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله، قال: فمات أبو تمام بعد سنة من هذا. وقال البحتري (١) : أنشدت أبا تمام شعراً لي في بعض بني حميد وصلت به إلى مال خطر (٢) ، فقال لي: أحسنت، أنت أمير الشعر بعدي، فكان قوله هذا أحب إلى من جميع ما حويته. وقال ميمون بن هارون: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ، وحاله متماسكة، فسألته، فقال: كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء، فقال: لست أقبل إلا ممن قال مثل قول (٣) البحتري في المتوكل: ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لمشى إليك المنبر فرجعت إلى داري وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري فقال: هاته، فأنشدته: ولو أن برد المصطفى إذ لبسته ... يظن لظن البرد أنك صاحبه وقال - وقد أعطيته ولبسته -: ... نعم، هذه أعطافه ومناكبه فقال: ارجع إلى منزلك، وافعل ما آمرك به، فرجعت، فبعث إلي سبعة آلاف دينار، وقال: ادخر هذه للحوادث من بعدي، ولك علي الجراية والكفاية ما دمت حياً. وللمتنبي في هذا المعنى: لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت مُحيية إليك الأغصنا

стр. 2445

وسبقهما أبو تمام بقوله: لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن فيها كل الإحسان، يمدح بها أبا الفضل جعفراً المتوكل على الله، ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر، وأولها (١) : أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر ... وألام من كمد عليك وأعذر والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكره هي (٢) : بالبر صمت وأنت أفضل صائم ... وبسنة الله الرضية تفطر فانعم بيوم الفطر عيناً إنه ... يوم أغر من الزمان مشهر أظهرت عز الملك فيه بجحفل ... لجبٍ يحاط الدين فيه وينصر خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت ... عدداً يسير به العديد الأكثر فالخيل تصهل، والفوارس تدعي ... والبيض تلمع، والأسنة تزهر والأرض خاشعة تميد بثقلها ... والجو معتكر الجوانب أغبر والشمس طالعة توقد في الضحى ... طوراً ويطفيها العجاج الأكدر حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى ... ذاك الدجى وانجاب ذاك العثير فافتن فيك الناظرون فإصبع ... يومى إليك بها وعين تنظر يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر ذكروا بطلعتك النبي فهللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا حتى انتهيت إلى المصلى لابساً ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر ومشيت مشياً خاشعٍ متواضعٍ ... لله لا يزهى ولا يتكبر فلو أن مشتاقاً تكلف غير ما ... في وسعه لمشى إليك المنبر

стр. 2446

أيدت من فصل الخطاب بحكمةٍ ... تنبي عن الحق المبين وتخبر ووقفت في برد النبي مذكراً ... بالله تنذر تارةً وتبشر هذا القدر هو المقصود مما نحن فيه، وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة، والسهل الممتنع، فلله دره! ما أسلس قياده وأعذب ألفاظه، وأحسن سبكه وألطف مقاصده، وليس من الحشو شيء، بل جميعه نخب. وديوانه موجود وشعره سائر، فلا حاجة إلى الإكثار منه هاهنا، لكن نذكر من وقائعه ما يستظرف: فمن ذلك أنه كان له غلام اسمه نسيم فباعه، فاشتراه أبو الفضل بن وهب الكاتب - وقد سبق ذكر أخيه سليمان في حرف السين - ثم إن البحتري ندم على بيعه وتتبعته نفسه، فكان يعمل فيه الشعر ويذكر أنه خدع وأن بيعه لم يكن من مراده، فمن ذلك قوله (١) : أنسيم هل للدهر وعد صادق ... فيما يؤمله المحب الوامق ما لي فقدت في المنام ولم تزل ... عون المشوق إذا جفاه الشائق أمنعت أنت من الزيارة رقبةً ... منهم فهل منع الخيال الطارق اليوم جاز بي الهوى مقداره ... في أهله وعلمت أني عاشق فليهنئ الحسن بن وهب أنه ... يلقى أحبته ونحن نفارق وله فيه أشعار كثيرة. ومن أخباره (٢) أنه كان لحلب شخص يقال له طاهر بن محمد الهاشمي، مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار، فأنفقها على الشعراء والزوار في سبيل الله، فقصده البحتري من العراق، فلما وصل إلى حلب قيل له: إنه قد قعد في بيته لديون ركبته، فاغتم البحتري لذلك غماً شديداً وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه، فلما وصلته ووقف عليه بكى، ودعا بغلام له وقال له: بع داري، فقال له: أتبيع دارك وتبقى على رؤوس الناس فقال: لا بد من بيعها، فباعها

стр. 2447

بثلثمائة دينار فأخذ صرة وربط فيها مائة دينار، وأنفذها إلى البحتري، وكتب إليه معه رقعة فيها هذه الأبيات: لو يكون الحباء حسب الذي أن ... ت لدينا به محل وأهل لحبيب اللجين والدر واليا ... قوت حثواً وكان ذاك يقل والأديب والأريب بالعذ ... ر إذا قصر الصديق المقل فلما وصلت الرقعة إلى البحتري رد الدنانير، وكتب إليه: بأبي أنت والله للبر أهل ... والمساعي بعد وسعيك قبل والنوال القليل يكثر إن شا ... ء مرجيك والكثير يقل غير أني رددت برك إذ كا ... ن رباً منك، والربا لا يحل وإذا ما جزيت شعراً بشعر ... قضي الحق، والدنانير فضل فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة، وضم خمسين ديناراً أخرى، وحلف أنه لا يردها عليه، وسيرها، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول: شكرتك إن الشكر للعبد نعمة ... ومن يشكر المعروف فالله زائده لكل زمانٍ واحد يقتدى به ... وهذا زمان أنت لا شك واحده وكان البحتري كثيراً ما ينشد لشاعر أنسي اسمه، ويعجبه قوله: حمام الأراك ألا فاخبرينا ... لمن تندبين ومن تعولينا فقد شقت بالنوح منا القلوب ... وأبكيت بالندب منا العيونا تعالي نقم مأتماً للهموم ... ونعول إخواننا الظاعنينا ونسعدكن وتسعدننا ... فإن الحزين يواسي الحزينا ثم إني وجدت هذه الأبيات لنبهان الفقعسي من العرب. وكان البحتري (١) قد اجتاز بالموصل، وقيل برأس عين، ومرض بها مرضاً

стр. 2448

شديداً، وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه، فوصف له يوماً مزورة (١) ، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه، فقال للغلام: اصنع هذه المزورة، وكان رؤساء البلد عنده حاضراً، وقد جاء يعوده، فقال ذاك الرئيس: هذا الغلام ما يحسن طبخها، وعندي طباخ من صفته وصفته، وبالغ في حسن صنعته، فترك الغلام عملها اعتماداً على ذلك الرئيس وقعد البحتري ينتظرها، واشتعل الرئيس عنها ونسي أمرها، فلما أبطأت عنه وفات وقت وصولها إليه، كتب إلى الرئيس: وجدت وعدك زوراً في مزورة ... حلفت مجتهداً إحكام طاهيها فلا شفى الله من يرجو الشفاء بها ... ولا علت كف ملق كفه فيها فاحبس رسولك عني أن يجيء بها ... فقد حبست رسولي عن تقاضيها وأخباره ومحاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة. ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف، وجمعه أيضاً علي بن حمزة الأصبهاني، ولم يرتبه على الحروف بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام. وللبحتري أيضاً كتاب " حماسة " على مثال " حماسة أبي تمام " وله كتاب " معاني الشعر ": وكانت ولادته سنة ست وقيل خمس ومائتين، وتوفي سنة أربع وثمانين وقيل خمس وثمانين وقيل ثلاث وثمانين ومائتين، والأول أصح والله أعلم. وقال ابن الجوزي في كتاب " أعمار الأعيان ": توفي البحتري وهو ابن ثمانين سنة، والله أعلم بالصواب، وكان موته بمنبج، وقيل بحلب، والأول أصح. وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) : إنه كان يكنى أبا الحسن وأبا عبادة، فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي عبادة فإنها أشهر، ففعل.

стр. 2449

وأهل الأدب كثيراً ما يسألون عن قول أبي العلاء المعري (١) : وقال الوليد: النبع ليس بمثمر ... وأخطأ، سرب الوحش من تمر النبع فيقولون: من هو الوليد المذكور وأين قال النبع ليس بمثمر ولقد سألني عنه جماعة كثيرة، والمراد بالوليد هو البحتري المذكور، وله قصيدة طويلة يقول فيها (٢) : وعيرتني سجال العدم جاهلة ... والنبع عريان ما في فرعه ثمر وهذا البيت هو المشار إليه في بيت المعري، وإنما ذكرت هذا لأنه فائدة تستفاد. وعبيد الله وأخوه أبو عبادة، ابنا يحيى بن الوليد البحتري، اللذان مدحهما المتنبي في قصائده، هما حفيدا البحتري الشاعر المذكور، وكانا رئيسين في زمانهما. والبحتري: بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وبعدها راء، هذه النسبة إلى بحتر، وهو أحد أجداده، كما تقدم ذكره في عمود نسبه. وزردفنة (٣) : بفتح الزاي وسكون الراء وفتح الدال المهملة، وسكون الفاء وفتح النون وبعدها هاء ساكنة، وهي قرية من قرى منبج، بالقرب منها. ومنبج: بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وبعدها جيم، وهي بلدة بالشام بين حلب والفرات بناها كسرى لما غلب على الشام، وسماها منبه، فعربت فقيل منبج، ولكونها وطن البحتري كان يذكرها في شعره كثيراً، فمن ذلك قوله في آخر قصيدة طويلة يخاطب بها الممدوح، وهو أبو جعفر محمد بن حميد بن عبد الحميد الطوسي (٤) :

стр. 2450

لا أنسين زمناً لديك مهذباً ... وظلال عيش كان عندك سجسج في نعمة أوطنتها وأقمت في ... أفيائها فكأنني في منبج وكان البحتري مقيماً في العراق في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان، وله الحرمة التامة، فلما قتلا، كما هو مشهور في أمرهما، رجع إلى منبج، وكان يحتاج للترداد إلى الوالي بسبب مصالح أملاكه، ويخاطبه بالأمير لحاجته إليه، ولا تطاوعه نفسه إلى ذلك، فقال منها (١) : مضى جعفر والفتح بين مرملٍ ... وبين صبيغ بالدماء مضرج أأطلب أنصاراً على الدهر بعدما ... ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي أولئك ساداتي الذين بفضلهم ... حلبت أفاويق الربيع المثجج مضوا أمماً وخلفت بعدهم ... أخاطب بالتأمير والي منبج وذكر المسعودي في " مروج الذهب " (٢) أن هارون الرشيد اجتاز ببلاد منبج ومعه عبد الملك بن صالح وكان أفصح ولد العباس في عصره، فنظر إلى قصر مشيد وبستان معتمر بالأشجار كثير الثمار، فقال: لمن هذا فقال: هو لك ولي بك يا أمير المؤمنين، وقال: كيف بناء هذا القصر قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل الناس. قال: فكيف مدينتك قال: عذبة الماء باردة الهواء، صلبة الموطأ قليلة الأدواء، قال: فكيف ليلها قال: سحر كله، انتهى كلام المسعودي. (٢٩٧) وعبد الملك المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁. وكانت منبج إقطاعاً له وكان مقيماً بها. وتوفي سنة تسع وتسعين ومائة بالرقة، رحمه الله تعالى. وله بلاغة وفصاحة أضربت عن ذكرها خوف الإطالة. وذكر ياقوت الحموي في كتابه " المشترك " (٣) : باب السقيا خمسة مواضع،

стр. 2451

ثم قال في آخر هذا الباب: والخامس قرية على باب منبج ذات بساتين، وهي وقف على ولد البحتري الشاعر، وقد ذكرها أبو فراس بن حمدان في شعره. ٧٧١ - (١) الوليد بن طريف الشاري الوليد بن طريف بن الصلت بن طارق بن سيحان بن عمرو [بن فدوكس ابن عمرو] بن مالك الشيباني - هكذا ذكره أبو سعد السعماني في كتاب " الأنساب " في موضعين أحدهما في ترجمة الأراقم (٢) ، والآخر في ترجمة السيحاني، بكسر السين المهملة - الشاري، أحد الشجعان الطغاة الأبطال، كان رأس الخوارج وكان مقيماً بنصيبين والخابور وتلك النواحي، وخرج في خلافة هارون الرشيد وبغى، وحشد جموعاً كثيرة فأرسل إليه هارون الرشيد جيشاً كثيفاً مقدمه أبو خالد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - فجعل يخاتله ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة (٣) عن يزيد فأغروا به الرشيد وقالوا: إنه يراعيه لأجل الرحم، وإلا فشوكة الوليد يسيرة، وهو يواعده وينتظر ما يكون من أمره، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب وقال: لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به ولكنك مداهن متعصب،

стр. 2452

وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أخرت مناجزة الوليد ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين، فلقي الوليد فظهر عليه فقتله، وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة أول (١) خميس في شهر رمضان، وهي واقعة (٢) مشهورة تضمنتها التواريخ. وكان للوليد المذكور أخت تسمى الفارعة، وقيل فاطمة (٣) ، تجيد الشعر وتسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صخر، فرثت أخاها الوليد بقصيدة أجادت فيها، وهي قليلة الجود، ولم أجد في مجاميع كتب إلا بعضها، حتى إن أبا علي القالي لم يذكر منها في أماليه سوى أربعة أبيات، فاتفق أني ظفرت بها كاملة فأثبتها لغرابتها مع حسنها، وهي هذه (٤) : بتل نهاكى (٥) رسم قبرٍ كأنه ... على جبلٍ فوق الجبال منيف فيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قناً وسيوف ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم ... معاودةً للكر بين صفوف (٦) كأنك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاماً على الأعداء غير خفيف ولم تستلم يوماً لورد كريهةٍ ... من السرد في خضراء ذات رفيف ولم تسع يوم الحرب، والحرب لاقح ... وسمر القنا ينكزنها (٧) بأنوف حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لا يرضى الندى بحليف فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف

стр. 2453

وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجىً لعدوٍ أو لجاً (١) لضعيف ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همت بعده برجوف ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهرٍ ملحٍ بالكرام عنيف وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لما أزمعت بكسوف (٢) ولليث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيف ألا قاتل الله الحشى حيث (٣) أضمرت ... فتىً كان للمعروف غير عيوف فإن يك أراده يزيد بن مزيد ... فرب زحوف لفها بزحوف عليه سلام الله وقفاً فإنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف ولها فيه مراثٍ كثيرة، فمن ذلك قولها فيه أيضاً: ذكرت الوليد وأيامه ... إذ الأرض من شخصه بلقع فأقبلت أطلبه في السماء ... كما يبتغي أنفه الأجدع أضاعك قومك فليطلبوا ... إفادة مثل الذي ضيعوا لو أن السيوف التي حدها ... يصيبك تعلم ما تصنع نبت عنك إذ جعلت هيبةً ... وخوفاً لصولك لا تقطع وكان الوليد يوم المصاف ينشد: أنا الوليد بن طريف الشاري ... قسورة لا يصطلى بناري جوركم أخرجني من داري ... ويقال إنه لما انكسر جيش الوليد وانهزم تبعه يزيد بنفسه حتى لحقه على مسافة بعيدة فقتله وأخذ رأسه، ولما قتله وعلمت بذلك أخته المذكورة لبست عدة حربها وحملت على جيش يزيد، فقال يزيد: دعوها، ثم خرج فضرب

стр. 2454

بالرمح فرسها وقال: اغربي غرب الله عينك (١) فقد فضحت العشيرة، فاستحيت وانصرفت. وطريف: بفتح الطاء المهملة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها فاء. وتل نهاكى - أظنه في بلد نصيبين - وهو موضع الواقعة المذكورة. والخابور: نهر معروف أوله من رأس عين وآخره عند قرقيسيا، يصب في الفرات، وعلى هذا النهر مدن صغار تشبه الكبار في عمارة بلادها وأسواقها وكثرة خيراتها، وهو مشهور فلا حاجة إلى ضبطه. والشاري: بفتح الشين المعجمة وبعد الألف راء وهو واحد الشراة، وهم الخوارج، وإنما سموا بذلك لقولهم: إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة. (٢٩٧) والخنساء: اسمها تماضر، بضم التاء المثناة من فوقها وفتح الميم وبعد الألف ضاد مكسورة معجمة وبعدها راء، وهي ابنة عمرو بن الشريد السلمي. والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع الأرنبة، ولذلك قيل لها الخنساء.، لأنها كانت على هذه الصفة (٢) ، وأخبارها مع أخيها مشهورة في مراثيها وغيرها، - وقد سبق طرف من أخبار أخيها صخر في ترجمة أبي أحمد العسكري في حرف الحاء - وقد اختلف في موضع قبره، فقيل إنه مدفون عند عسيب، وهو جبل مشهور ببلاد الروم، وإن القبر الذي هناك ينسب إلى امرئ القيس بن حجر الكندي المشهور ليس لامرئ القيس، وإنما هو لصخر المذكور، وقيل إن كل واحد من امرئ القيس وصخر مدفون هناك، وقال الحافظ أبو بكر الحازمي المقدم ذكره في كتاب " ما اتفق لفظه وافترق مسماه ": إن عسيباً جبل حجازي، ودفن عنده صخر أخو الخنساء، فعلى هذا يكون عسيب اسماً لجبلين: أحدهما بالروم وهو الأشهر، والآخر بالحجاز، وكان من لوازم ياقوت الحموي أن يذكره في كتابه الذي وضعه في البلاد المشتركة السماء، ولم أجد ذكره فيه، والله أعلم.

стр. 2455

٧٧٢ - (١) وهب بن منبه أبو عبد الله بن منبه (٢) اليماني، صاحب الأخبار والقصص، وكانت له معرفة بأخبار الأوائل وقيام الدنيا وأحوال الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وسير الملوك، وذكر عنه ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٣) أنه كان يقول: قرأت من كتب الله تعالى اثنين وسبعين كتاباً. ورأيت له تصنيفاً ترجمه بذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم، في مجلد واحد، وهو من الكتب المفيدة. وكان له إخوة منهم: همام بن منبه (٤) ، كان أكبر من وهب، وروى عن أبي هريرة ﵁، وهو معدود من حملة الأبناء. ومعنى قولهم: " فلان من الأبناء " أن أبا مرة سيف بن ذي يزن الحميري صاحب اليمن، لما استولت الحبشة على مكة، توجه إلى كسرى أنوشروان ملك الفرس يستنجده عليهم، وقصته في ذلك مشهورة وخبره طويل، وخلاصة الأمر أنه سير معه سبعة آلاف وخمسمائة فارس من الفرس، جعل مقدمهم وهرز، هكذا قاله ابن قتيبة (٥) . وقال محمد بن إسحاق: لم يسير معه
следующие страницы →