← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

ثم قال في آخر هذا الباب: والخامس قرية على باب منبج ذات بساتين، وهي وقف على ولد البحتري الشاعر، وقد ذكرها أبو فراس بن حمدان في شعره. ٧٧١ - (١) الوليد بن طريف الشاري الوليد بن طريف بن الصلت بن طارق بن سيحان بن عمرو [بن فدوكس ابن عمرو] بن مالك الشيباني - هكذا ذكره أبو سعد السعماني في كتاب " الأنساب " في موضعين أحدهما في ترجمة الأراقم (٢) ، والآخر في ترجمة السيحاني، بكسر السين المهملة - الشاري، أحد الشجعان الطغاة الأبطال، كان رأس الخوارج وكان مقيماً بنصيبين والخابور وتلك النواحي، وخرج في خلافة هارون الرشيد وبغى، وحشد جموعاً كثيرة فأرسل إليه هارون الرشيد جيشاً كثيفاً مقدمه أبو خالد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - فجعل يخاتله ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة (٣) عن يزيد فأغروا به الرشيد وقالوا: إنه يراعيه لأجل الرحم، وإلا فشوكة الوليد يسيرة، وهو يواعده وينتظر ما يكون من أمره، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب وقال: لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به ولكنك مداهن متعصب،

стр. 2452

وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أخرت مناجزة الوليد ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين، فلقي الوليد فظهر عليه فقتله، وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة أول (١) خميس في شهر رمضان، وهي واقعة (٢) مشهورة تضمنتها التواريخ. وكان للوليد المذكور أخت تسمى الفارعة، وقيل فاطمة (٣) ، تجيد الشعر وتسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صخر، فرثت أخاها الوليد بقصيدة أجادت فيها، وهي قليلة الجود، ولم أجد في مجاميع كتب إلا بعضها، حتى إن أبا علي القالي لم يذكر منها في أماليه سوى أربعة أبيات، فاتفق أني ظفرت بها كاملة فأثبتها لغرابتها مع حسنها، وهي هذه (٤) : بتل نهاكى (٥) رسم قبرٍ كأنه ... على جبلٍ فوق الجبال منيف فيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قناً وسيوف ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم ... معاودةً للكر بين صفوف (٦) كأنك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاماً على الأعداء غير خفيف ولم تستلم يوماً لورد كريهةٍ ... من السرد في خضراء ذات رفيف ولم تسع يوم الحرب، والحرب لاقح ... وسمر القنا ينكزنها (٧) بأنوف حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لا يرضى الندى بحليف فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف

стр. 2453

وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجىً لعدوٍ أو لجاً (١) لضعيف ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همت بعده برجوف ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهرٍ ملحٍ بالكرام عنيف وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لما أزمعت بكسوف (٢) ولليث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيف ألا قاتل الله الحشى حيث (٣) أضمرت ... فتىً كان للمعروف غير عيوف فإن يك أراده يزيد بن مزيد ... فرب زحوف لفها بزحوف عليه سلام الله وقفاً فإنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف ولها فيه مراثٍ كثيرة، فمن ذلك قولها فيه أيضاً: ذكرت الوليد وأيامه ... إذ الأرض من شخصه بلقع فأقبلت أطلبه في السماء ... كما يبتغي أنفه الأجدع أضاعك قومك فليطلبوا ... إفادة مثل الذي ضيعوا لو أن السيوف التي حدها ... يصيبك تعلم ما تصنع نبت عنك إذ جعلت هيبةً ... وخوفاً لصولك لا تقطع وكان الوليد يوم المصاف ينشد: أنا الوليد بن طريف الشاري ... قسورة لا يصطلى بناري جوركم أخرجني من داري ... ويقال إنه لما انكسر جيش الوليد وانهزم تبعه يزيد بنفسه حتى لحقه على مسافة بعيدة فقتله وأخذ رأسه، ولما قتله وعلمت بذلك أخته المذكورة لبست عدة حربها وحملت على جيش يزيد، فقال يزيد: دعوها، ثم خرج فضرب

стр. 2454

بالرمح فرسها وقال: اغربي غرب الله عينك (١) فقد فضحت العشيرة، فاستحيت وانصرفت. وطريف: بفتح الطاء المهملة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها فاء. وتل نهاكى - أظنه في بلد نصيبين - وهو موضع الواقعة المذكورة. والخابور: نهر معروف أوله من رأس عين وآخره عند قرقيسيا، يصب في الفرات، وعلى هذا النهر مدن صغار تشبه الكبار في عمارة بلادها وأسواقها وكثرة خيراتها، وهو مشهور فلا حاجة إلى ضبطه. والشاري: بفتح الشين المعجمة وبعد الألف راء وهو واحد الشراة، وهم الخوارج، وإنما سموا بذلك لقولهم: إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة. (٢٩٧) والخنساء: اسمها تماضر، بضم التاء المثناة من فوقها وفتح الميم وبعد الألف ضاد مكسورة معجمة وبعدها راء، وهي ابنة عمرو بن الشريد السلمي. والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع الأرنبة، ولذلك قيل لها الخنساء.، لأنها كانت على هذه الصفة (٢) ، وأخبارها مع أخيها مشهورة في مراثيها وغيرها، - وقد سبق طرف من أخبار أخيها صخر في ترجمة أبي أحمد العسكري في حرف الحاء - وقد اختلف في موضع قبره، فقيل إنه مدفون عند عسيب، وهو جبل مشهور ببلاد الروم، وإن القبر الذي هناك ينسب إلى امرئ القيس بن حجر الكندي المشهور ليس لامرئ القيس، وإنما هو لصخر المذكور، وقيل إن كل واحد من امرئ القيس وصخر مدفون هناك، وقال الحافظ أبو بكر الحازمي المقدم ذكره في كتاب " ما اتفق لفظه وافترق مسماه ": إن عسيباً جبل حجازي، ودفن عنده صخر أخو الخنساء، فعلى هذا يكون عسيب اسماً لجبلين: أحدهما بالروم وهو الأشهر، والآخر بالحجاز، وكان من لوازم ياقوت الحموي أن يذكره في كتابه الذي وضعه في البلاد المشتركة السماء، ولم أجد ذكره فيه، والله أعلم.

стр. 2455

٧٧٢ - (١) وهب بن منبه أبو عبد الله بن منبه (٢) اليماني، صاحب الأخبار والقصص، وكانت له معرفة بأخبار الأوائل وقيام الدنيا وأحوال الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وسير الملوك، وذكر عنه ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٣) أنه كان يقول: قرأت من كتب الله تعالى اثنين وسبعين كتاباً. ورأيت له تصنيفاً ترجمه بذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم، في مجلد واحد، وهو من الكتب المفيدة. وكان له إخوة منهم: همام بن منبه (٤) ، كان أكبر من وهب، وروى عن أبي هريرة ﵁، وهو معدود من حملة الأبناء. ومعنى قولهم: " فلان من الأبناء " أن أبا مرة سيف بن ذي يزن الحميري صاحب اليمن، لما استولت الحبشة على مكة، توجه إلى كسرى أنوشروان ملك الفرس يستنجده عليهم، وقصته في ذلك مشهورة وخبره طويل، وخلاصة الأمر أنه سير معه سبعة آلاف وخمسمائة فارس من الفرس، جعل مقدمهم وهرز، هكذا قاله ابن قتيبة (٥) . وقال محمد بن إسحاق: لم يسير معه

стр. 2456

سوى ثمانمائة فارس، فغرق منهم في البحر مائتان، وسلم ستمائة. قال أبو القاسم السهيلي: والقول الأول أشبه بالصواب، إذ يبعد مقاومة الحبشة بستمائة فارس. فلما وصل الجيش إلى اليمن جرت الواقعة بينهم وبين الحبشة، فاستظهرت الفرس عليهم وأخرجوهم من البلاد، وملك سيف بن ذي يزن ووهرز، وأقاموا أربع سنين، وكان سيف بن ذي يزن قد اتخذ من أولئك الحبشة خدماً، فخلوا به يوماً وهو متصيد له فزرقوه بحرابهم فقتلوه وهربوا في رؤوس الجبال، وطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعاً، وانتشر الأمر باليمن، ولم يملكوا عليهم أحداً، غير أن أهل كل ناحية ملكوا عليهم رجلاً من حمير، فكانوا كملوك الطوائف، حتى أتى الله بالإسلام. ويقال إنها بقيت في أيدي الفرس ونواب كسرى فيها، وبعث رسول الله ﷺ وباليمن من قواد أبرويز عاملان، أحدهما: فيروز الديلمي، والآخر داذويه، وأسلما، وهما اللذان دخلا على الأسود العنسي مع قيس بن المكشوح لما ادعى الأسود النبوة باليمن وقتلوه، والقصة في ذلك مشهورة، فلا حاجة إلى ذكرها. والمقصود من هذا كله أن جيش الفرس لما استوطن اليمن تأهلوا، ورزقوا الأولاد، فصار أولادهم وأولاد أولادهم يدعون الأبناء، لأنهم من أبناء أولئك الفرس. وكان طاوس العالم - المقدم ذكره - منهم أيضاً، وقد أومأت إلى ذلك في ترجمته، ولم أشرحه كما فعلت هاهنا. وأخبار وهب شهيرة فلا حاجة إلى ذكر شيء منها، ويكفي في هذا الموضع ذكر هذه الفائدة. وتوفي وهب المذكور في المحرم سنة عشر وقيل أربعة عشر وقيل ست عشرة ومائة بصنعاء في اليمن، وعمره تسعون (١) سنة، ﵁. وقد نقدم الكلام على صنعاء في ترجمة عبد الرزاق الصنعاني. وفي هذه الترجمة أسماء أعجمية، لو قيدتها لطال الشرح (٢) ، وهي مشهورة فتركتها لذلك.

стр. 2457

٧٧٣ - (١) أبو البختري أبو البختري وهب بن وهب بن وهب (٢) بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، القرشي الأسدي المدني، حدث عن عبيد الله بن عمر العمري وهشام بن عروة بن الزبير وجعفر بن محمد الصادق وغيرهم، وروى عنه رجاء بن سهل الصاغاني وأبو القاسم بن سعيد بن المسيب وغيرهما. وكان متروك الحديث مشهوراً بوضعه، انتقل من المدينة إلى بغداد في خلافة هارون الرشيد، فولاه القضاء بعسكر المهدي في شرقي بغداد - وقد تقدم الكلام على هذا الموضع في ترجمة الواقدي في حرف الميم - ثم عزله وولاه القضاء بمدينة الرسول ﷺ بعد بكار بن عبد الله الزبيري، وجعل إليه ولاية حربها مع القضاء، ثم عزله فقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفي. وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٣) في ترجمة القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحنفي أنه كان قاضي القضاة في بغداد، فلما مات ولي الرشيد مكانه أبا البختري وهب بن وهب القرشي. وكان فقيهاً أخبارياً ناسباً جواداً سرياً سخياً يحب المديح ويثيب عليه العطاء الجزيل، وكان إذا أعطى قليلاً أو كثيراً أتبعه عذراً إلى صاحبه، وكان يتهلل عند طلب الحاجة إليه حتى لو رآه من لا يعرفه لقال هذا الذي قضيت حاجته، وكان جعفر الصادق بن محمد الباقر - المقدم ذكره - قد تزوج بأمه بالمدينة، وله

стр. 2458

عنه روايات وأسانيد، واسم أمه عبدة بنت علي بن يزيد بن بركة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت عقيل بن أبي طالب. وقد ذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " (١) وبالغ في تقريظه والثناء عليه، وقال: دخل عليه شاعر فأنشده: إذا افتر وهب خلته برق عارض ... تبعق في الأرضين أسعده السكب وما ضر وهباً ذم من خالف الملا ... كما لا يضر البدر ينبحه الكلب لكل أناسٍ من أبيهم ذخيرة ... وذخر بني فهرٍ عقيد الندى وهب قال: فاستهل أبو البختري ضاحكاً وسر سروراً شديداً، ثم دعا عوناً له فأسر إليه شيئاً، فأتاه بصرة فيها خمسمائة دينار، فدفعها إليه. وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " (٢) في ترجمة أبي دلف العجلي، قال: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: كنا عند أبي العباس المبرد يوماً وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن وهب القاضي أمرد حسن الوجه، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة طريفة (٣) من الكرم حسنة لم يسبق إليها، فقال: وما هي قال: دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذاً غير الذي كانوا يشربون منه (٤) ، فقال فيهم: نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر فلو كان فعلك ذا في الطعام ... لزمت قياسك في المسكر ولو كنت تطلب شأو الكرام ... صنعت صنيعٍ أبي البختري تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر

стр. 2459

فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه بثلثمائة دينار، قال ابن عمار: فقلت له: قد فعل جد هذا الفتى في مثل هذا المعنى ما هو أحسن من هذا، قال: وما فعل قلت: بلغه أن رجلاً افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال: إليك عني فقد كلفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدار عين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلف تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف حسبت أن نزال القرن من خلقي ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف فأحضره أبو دلف ثم قال: كم أملت امرأتك أن يكون رزقك قال: مائة دينار، قال: وكم أملت أن تعيش قال: عشرين سنة، قال: فذلك على ما أملت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه، قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكساراً شديداً، انتهى كلام صاحب الأغاني في هذا الفصل، وقد سبق في ترجمة أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي ذكر هذه الأبيات وقائلها وصورة الحال (١) ، وبينها وبين هذه الرواية اختلاف يسير. (٢٩٨) وأما الأبيات الأولى التي في أبي البختري، فهي لأبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطية العطوي الشاعر المشهور (٢) ، ونسبته - بالعطوي - إلى جده عطية المذكور، وهو من البصرة من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان معتزلياً، وله ديوان شعر. وروى الخطيب أيضاً في تاريخه (٣) أن أبا البختري، قال: لأن أكون في قوم أعلم مني أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلم منهم لأني إن كنت أعلمهم لم أستفد وإن كنت مع من هم أعلم مني استفدت. وروى أيضاً في تاريخه (٤) أن هارون الرشيد لما قدم المدينة أعظم أن يرقى منبر

стр. 2460

رسول الله ﷺ في قباء ومنطقة، فقال أبو البختري: حدثني جعفر بن محمد، يعني جعفر الصادق، عن أبيه قال: نزل جبريل على النبي ﷺ وعليه قباء ومنطقة مخنجراً (١) بخنجر، فقال المعافى التميمي (٢) : ويل وغول لأبي البختري ... إذا توافى الناس للمحشر من قوله الزور وإعلانه ... بالكذب في الناس على جعفر والله ما جالسه ساعةً ... للفقه في بدوٍ ولا محضر ولا رآه الناس في دهره ... يمر بين القبر والمنبر يا قاتل الله ابن وهبٍ لقد ... أعلن بالزور وبالمنكر يزعم أن المصطفى أحمداً ... أتاه جبريل التقي البري عليه خف وقبا أسود ... مخنجراً في الحقو بالخنجر وحكى جعفر الطيالسي أن يحيى بن معين وقف على حلقته وهو يحدث بهذا الحديث عن جعفر الصادق، فقال له: كذبت يا عدو الله على رسول الله ﷺ ، قال: فأخذني الشرط، فقلت لهم: هذا يزعم أن رسول رب العالمين جبريل نزل على رسول الله ﷺ وعليه قباء، قال: فقالوا لي: هذا والله قاضٍ كذاب، وأفرجوا عني. وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٣) : وكان أبو البختري ضعيفاً في الحديث، وقال الخطيب في تاريخه (٤) : قال إبراهيم الحربي: قيل لأحمد بن حنبل تعلم أحداً روى " لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح " فقال: ما روى هذا إلا ذاك الكذاب أبو البختري. وله من التصانيف كتاب " الروايات " (٥) . كتاب " طسم وجديس ". كتاب

стр. 2461

" صفة النبي ﷺ ". كتاب " فضائل الأنصار ". كتاب " الفضائل الكبير " ويحتوي على جميع الفضائل. كتاب " نسب ولد إسماعيل ﵇ " ويحتوي على قطعة من الأحاديث والقصص. وأخباره ومحاسنه كثيرة، وتوفي سنة مائتين للهجرة ببغداد، في خلافة المأمون، رحمه الله تعالى. وقد ذكره ابن قتيبة في كتاب " المعارف " في موضعين، عقد له أولاً ترجمة وتكلم على حاله، ثم ذكره في ثلاثة أسماء في نسق (١) : أبو البختري وهب بن وهب بن وهب، وعد معه في ملوك الفرس بهرام بن بهرام بن بهرام، وفي الطالبين حسن بن حسن بن حسن، وفي غسان الحرث الأصغر بن الحرث الأعرج بن الحرث الأكبر، هؤلاء الذين ذكرهم ابن قتيبة، وقد جاء في المتأخرين أبو حامد الغزالي وهو محمد بن محمد بن محمد، وقد سبق ذكره في المحمدين. وأبو البختري: بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها راء، وهو مأخوذ من البخترة التي هي الخيلاء، وهو يتصحف على كثير من الناس بالبحتري وهو الشاعر المقدم ذكره. وزمعة: بفتح الزاي والميم والعين المهملة وبعدها هاء ساكنة، وهي في الأصل اسم للهنة الزائدة من وراء الظلف، وبها سمي الرجل. وقد تقدم الكلام على الأسدي والمدني (٢) . قلت: وبعد الفراغ من هذه الترجمة ظفرت بنكتة ينبغي إلحاقها بها، وهي أن أبا البختري المذكور قال: كنت أدخل على هارون الرشيد وابنه القاسم الملقب بالمؤتمن بين يديه، فكنت أدمن النظر إليه عند دخولي وخروجي، فقال له بعض ندمائه: ما أرى أبا البختري إلا يحب رؤوس الحملان، ففطن الرشيد، فلما دخلت عليه قال: أراك تدمن النظر إلى أبي القاسم (٣) ، تريد أن تجعل انقطاعك إليه (٤) ، قلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس في، وأما إدماني

стр. 2462

النظر إليه فلأن جعفراً الصادق رضي الله تعالى عنه روى بإسناده عن آبائه إلى رسول الله ﷺ (١) " ثلاث يزدن في قوة النظر (٢) : النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن "، نقلتها من خط القاضي كمال الدين ابن العديم من مسودة تاريخه، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 2463

حَرفُ الهَاء

стр. 2464

فراغ

стр. 2465

٧٧٤ - (١) ابن الشجري الشريف أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني، المعروف بابن الشجري البغدادي، كان إماماً في النحو واللغة وأشعار العرب وأيامها وأحوالها كامل الفضائل، متضلعاً من الآداب صنف فيها عدة تصانيف، فمن ذلك كتاب " الأمالي "، وهو أكبر تواليفه وأكثرها إفادة، أملاه في أربعة وثمانين مجلساً، وهو يشتمل على فوائد جمةمن فنون (٢) الأدب، وختمه بمجلس قصره على أبيات من شعر أبي الطيب المتنبي تكلم عليها وذكر ما قاله الشراح فيها وزاد من عنده ما سنح له، وهو من الكتب الممتعة، ولما فرغ من إملائه حضر إليه أبو محمد بن عبد الله المعروف بابن الخشاب - المقدم ذكره - والتمس منه سماعه عليه فلم يجبه إلى ذلك، فعاداه ورد عليه في مواضع من الكتاب ونسبه فيها إلى الخطأ، فوقف أبو السعادات المذكور على ذلك الرد، فرد عليه في رده وبين وجوه غلطه، وجمعه كتاباً سماه " الانتصار " وهو على صغر حجمه مفيد جداً، وسمعه عليه الناس، وجمع أيضاً كتاباً سماه " الحماسة " ضاهى به حماسة أبي تمام الطائي، وهو كتاب غريب مليح (٣) أحسن فيه، وله في النحو عدة تصانيف وله " ما اتفق لفظه واختلف معناه " وشرح " اللمع " لابن جني، وشرح " التصريف الملوكي ".

стр. 2466

وكان حسن الكلام حلو الألفاظ فصيحاً جيد البيان والتفهيم (١) ، وقرأ الحديث بنفسه على جماعة من الشيوخ المتأخرين مثل أبي الحسن (٢) المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي، وأبي علي محمد بن سعيد بن نبهان (٣) الكاتب وغيرهما. وذكره الحافظ أبو سعج بن السمعاني في كتاب " الذيل "، وقال: اجتمعنا في دار الوزير أبي القاسم علي بن طراد الزينبي وقت قراءتي عليه الحديث، وعلقت عنه شيئاً من الشعر في المدرسة، ثم مضيت إليه وقرأت عليه جزءاً من أمالي أبي العباس ثعلب النحوي. وحكى أبو البركات عبد الرحمن بن الأنباري النحوي - المقدم ذكره - في كتابه الذي سماه " مناقب الأدباء " (٤) أن العلامة أبا القاسم محمود الزمخشري - المقدم ذكره - لما قدم بغداد قاصداً الحج في بعض أسفاره مضى إلى زيارة شيخنا أبي السعادات ابن الشجري ومضينا معه إليه، فلما اجتمع به أنشده قول المتنبي: واستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر (٥) الخبرَ الخبرُ ثم أنشده بعد ذلك: كانت مساءلة الركبان تخبرنا (٦) ... عن جعفر بن فلاح أحسن الخبرِ ثم التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري وهذان البيتان قد تقدم ذكرهما في ترجمة جعفر بن فلاح (٧) ، وهما منسوبان

стр. 2467

إلى أبي القاسم محمد ابن هانئ الأندلسي - وقد تقدم ذكره أيضاً - وينسبان إلى غيره أيضاً، والله أعلم. قال ابن الأنباري، فقال العلامة الزمخشري: روي عن النبي ﷺ أنه لما قدم عليه زيد الخيل قال له: " يا زيد، ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا دون ما وصف لي، غيرك ". قال ابن الأنباري، فخرجنا من عنده ونحن نعجب، كيف يستشهد الشريف بالشعر والزمخشري بالحديث وهو رجل عجمي (١) وهذا الكلام، وإن لم يكن عين كلام ابن الأنباري، فهو في معناه، لأني لم أنقله من الكتاب، بل وقفت عليه منذ زمان وعلق بخاطري، وإنما ذكرت هذا لأن الناظر قد يقف على كتاب ابن الأنباري فيجد بين الكلامين اختلافاً فيظن أني تسامحت في النقل. وكان أبو السعادات المذكور نقيب الطالبيين بالكرخ نيابة عن والده الطاهر، وله شعر حسن فمن ذلك قصيدة يمدح بها الوزير نظام الدين أبا نصر المظفر بن علي بن محمد بن جهير، أولها: هذي السديرة والغدير الطافح ... فاحفظ فؤادك إنني لك ناصح يا سدرة الوادي الذي إن ضله ال ... ساري هداه نشره المتفاوح هل عائد قبل الممات لمغرمٍ ... عيش تقضى في ظلالك صالح ما أنصف الرشأ الضنين بنظرة ... لما دعا مصغي الصبابة طامح شط المزار به وبوئ منزلاً ... بصميم قلبك فهو دانٍ نازح غصن يعطفه النسيم وفوقه ... قمر يحف به ظلام جانح وإذا العيون تساهمته لحاظها ... لم يرو منه الناظر المتراوح ولقد مررنا بالعقيق فشاقنا ... فيه مراتع للمها ومسارح

стр. 2468

ظلنا به نبكي فكم من مضمرٍ ... وجداً أذاع هواه دمع سافح مرت الشؤون رسومها فكأنما ... تلك العراص المقفرات نواضح يا صاحبي تأملا حييتما ... وسقى دياركما الملث الرائح أدمى بدت لعيوننا أم ربرب ... أم خرد أكفالهن رواجح أم هذه مقل الصوار رنت لنا (١) ... خلل البراقع أم قنا وصفائح لم يبق جارحة وقد واجهتنا ... إلا وهن لها بهن جوارح كيف ارتجاع القلب من أسر الهوى ... ومن الشقاوة أن يراض القارح لو بله من ماء ضارج شربة ... ما أثرت للوجد فيه لواقح ومن هاهنا يخرج إلى المديح فأضربت عنه خوف الإطالة، ولم يكن المقصود إلا إثبات شيء من نظمه ليستدل به على طريقه فيه (٢) . ومن شعره أيضاً: هل الوجد خافٍ والدموع شهود ... وهل مكذب قول الوشاة جحود وحتى متى تفي شؤونك بالبكا ... وقد حد حداً للبكاء لبيد وإني وإن جفت (٣) قناتي كبرة ... لذو مرة في النائبات جليد وفيه إشارة إلى أبيات لبيد بن ربيعة العامري (٤) : تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر فقوما فنوحا بالذي تعلمانه ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر وقولا: هو المرء الذي لا صديقه ... أضاع، ولا خان العهود ولا غدر

стр. 2469

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر وإلى هذا أشار أبو تمام الطائي بقوله (١) : ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهم ... ثم ارعويت وذاك حكم لبيد وقال الشريف (٢) أبو السعادات المذكور: أنشدني أبو إسماعيل الحسين الطغرائي - قلت: قد تقدم ذكره - لنفسه (٣) : وإذا لم تكن ملكاً مطاعاً ... فكن عبداً لمالكه مطيعاً وإن لم تملك الدنيا جميعاً ... كما تهواه فاتركها جميعا هما سببان (٤) من ملك ونسكٍ ... ينيلان الفتى الشريف الرفيعا فمن يقنع من الدنيا بشيء ... سوى هذين عاش (٥) بها وضيعا وكان بين أبي السعادات المذكور وبين أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن جكينا البغدادي الحريمي الشاعر المشهور - وهو المذكور في ترجمة أبي محمد القاسم بن علي الحريري صاحب المقامات - تنافس جرت (٦) العادة بمثله بين أهل الفضائل، فلما وقف على شعره عمل فيه قوله: يا سيدي والذي يعيذك من ... نظم قريض يصدا به الفكر مالك من جدك النبي سوى ... أنك ما ينبغي لك الشعر وشعره وماجراياته كثيرة، والاختصار أولى.

стр. 2470

وكانت ولادته في شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة. وتوفي في يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ودفن من الغد في داره بالكرخ من بغداد، رحمه الله تعالى. والشجري: بفتح الشين المعجمة والجيم وبعدها راء، هذه النسبة إلى شجرة، وهي قرية من أعمال المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وشجرة أيضاً اسم رجل، وقد سمت به العرب ومن بعدها، وقد انتسب إليه خلق كثير من العلماء وغيرهم ولا أدري إلى من ينتسب الشريف المذكور منهما هل نسبته إلى القرية، أم إلى أحد أجداده كان اسمه شجرة، والله أعلم. وقد تقدم الكلام على الكرخ في ترجمة معروف الكرخي، ﵁ (١) ، فأغنى عن إعادته. ٧٧٥ - (٢) البديع الاسطرلابي أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن يوسف، وقيل أحمد، المنعوت بالبديع الاسطرلابي الشاعر المشهور، وأحد الأدباء الفضلاء، كان وحيد زمانه في عمل الآلات الفلكية، متقناً لهذه الصناعة، وحصل له من جهة عملها مال جزيل في خلافة الإمام المسترشد، ولما مات لم يخلفه في شغله مثله. وقد ذكره أبو المعالي الحظيري في كتابه الذي سماه " زينة الدهر " وذكره العماد الأصبهاني في كتاب

стр. 2471

" الخريدة " وكل منهما أثنى عليه، وأورد عدة مقاطيع من شعره، فمن ذلك قوله: أهدي لمجلسه الكريم، وإنما ... أهدي له ما حزت من نعمائه كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مائه وهذان البيتان من أسير (١) شعره، وقد قيل إنهما لغيره. وله أيضاً: أذاقني حمرة المنايا ... لما اكتسى خضرة العذار وقد تبدى السواد فيه ... وكارتي بعد في العيار هكذا وجدت هذين البيتين في " زينة الدهر " تأليف أبي المعالي الحظيري منسوبين إلى البديع المذكور، ورأيت في موضع آخر أنهما لأبي محمد بن جكينا - في ترجمة الشريف أبي السعادات ابن الشجري - والله أعلم. وهذه العبارة من اصطلاح البغاددة يقولون: " كارتي في العيار " بمعنى أنه ناشب معه لم يتخلص (٢) منه، والكارة عندهم في الدقيق بمثابة الجملة في ديار مصر. ومن شعره: قال قوم عشقته أمرد الخ ... د وقد قيل: إنه نكريش قلت فرخ الطاووس أحسن ما كا ... ن إذا ما عملا عليه الريش قوله " نكريش " لفظة عجمية، والأصل فيها نيك ريش، معناها لحية جيدة، وهو على ما تقرر من اصطلاح العجم أنهم يقدمون ويؤخرون في ألفاظهم المركبة، فنيك: جيد، وريش: لحية. وكان كثير الخلاعة يستعمل المجون في أشعاره حتى يفضي به إلى الفحش في اللفظ، فلهذا اقتصرت على هذه النبذة مع كثرة شعره، وكان قد جمعه

стр. 2472

ودونه، واختار ابن حجاج ورتبه على مائة وأحد وأربعين باباً، وجعل كل بابا في فن من فنون شعره، وقفاه وسماه " درة التاج من شعر ابن حجاج " وكان ظريفاً في جميع حركاته، وتوفي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، بعلة الفالج، ودفن بمقبرة الوردية بالجانب الشرقي من بغداد، رحمه الله تعالى. والأسطرلابي (١) : بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وضم الطاء المهملة وبعدها راء ثم لام ألف ثم باء موحدة، هذه النسبة إلى الأسطرلاب، وهو الآلة المعروفة، قال كوشيار (٢) بن لبابة بن باشهري الجيلي صاحب كتاب " الزيج " في رسالته التي وضعها في علم الأسطرلاب: إن الأسطرلاب كلمة يونانية معناها ميزان الشمس، وسمعت بعض المشايخ يقول: إن لاب اسم الشمس بلسان اليونان فكأنه قال: أسطر الشمس، إشارة إلى الخطوط التي فيه، وقيل إن أول من وضعه بطليموس صاحب المجسطي، وكان سبب وضعه له أنه كان معه كرة فلكية وهو راكب، فسقطت منه، فداستها دابته فخسفتها (٣) ، فبقيت على هيئة الأسطرلاب، وكان أرباب علم الرياضة يعتقدون أن هذه الصورة لا ترسم إلا في جسم كري على هيئة الأفلاك، فلما رآه بطليموس على تلك الصورة علم أنه يرتسم في السطح ويكون نصف دائرة ويحصل منه ما يحصل من الكرة، فوضع الأسطرلاب، ولم يسبق إليه، وما اهتدى أحد من المتقدمين إلى أن هذا القدر يتأتى في الخط. ولم يزل الأمر مستمراً على استعمال الكرة والأسطرلاب إلى أن استنبط الشيخ شرف الدين الطوسي - المذكور في ترجمة الشيخ كمال الدين بن يونس رحمهما الله تعالى، وهو شيخه في فن الرياضة (٤) - أن يضع المقصود من الكرة والأسطرلاب في خط فوضعه وسماه " العصا " وعمل له رسالة بديعة. وكان قد أخطأ في بعض هذا الوضع، فأصلحه الشيخ كمال الدين المذكور،

стр. 2473

وهذبه، والطوسي أول من أظهر هذا في الوجود، ولم يكن أحد من القدماء يعرفه. فصارت الهيئة توجد في الكرة التي هي جسم لأنها تشتمل على الطول والعرض والعمق، وتوجد في السطح الذي هو مركب من الطول والعرض بغير عمق، وتوجد في الخط الذي هو عبارة عن الطول فقط بغير عرض ولا عمق، ولم يبق سوى النقطة، ولا يتصور أن يعمل فيها شيء لأنها ليست جسماً ولا سطحاً، ولا خطاً بل هي طرف السطح، والسطح طرف الجسم، والنقطة لا تتجزأ، فلا يتصور أن يرتسم فيها شيء، وهذا وإن كان خروجاً عما نحن بصدده لكنه أيضاً فائدة، والاطلاع عليه أولى من إهماله، وسياق الكلام جره والله تعالى أعلم (١) . ٧٧٦ - (٢) ابن قطان البغدادي أبو القاسم هبة الله بن الفضل بن القطان بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن علي بن أحمد ابن الفضل بن يعقوب بن يوسف بن سالم (٣) ، المعروف بابن قطان الشاعر المشهور البغدادي، وقد سبق شيء من شعره وطرف من خبره في ترجمة حيص بيص في حرف السين، وفي ترجمة ابن السوادي في أواخر حرف العين (٤) . وكان أبو القاسم المذكور قد سمع الحديث من جماعة من المشايخ، وسمع

стр. 2474

عليه وكان غاية في الخلاعة والمجون، كثير المزاح والمداعبات (١) ، مغرى بالولوع بالمتعجرفين والهجاء لهم، وله في ذلك نوادر ووقائع وحكايات ظريفة، وله ديوان شعر. وقد ذكره أبو سعد السمعاني في كتاب " الذيل " فقال: شاعر مجود (٢) ، مليح الشعر رقيق الطبع، إلا أن الغالب عليه الهجاء، وهو ممن يتقى لسانه، ثلاب، ثم قال: كتبت عنه حديثين لا غير، وعلقت عنه مقطعات من شعره. (٢٩٩) وذكر الحافظ السلفي أباه أبا عبد اله الفضل بن عبد العزيز، وقال: إن بعض أولاد المحدثين سأله عن مولده فقال: سنة ثماني عشرة وأربعمائة ليلة الجمعة رابع عشر رجب. وقال أبو غالب شجاع بن فارس الذهلي: مات يوم الأربعاء، ودفن من الغد لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، بمقبرة معروف الكرخي، ﵁. وذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة " (٣) أبا القاسم المذكور فقال: وكان مجمعاً على ظرفه ولطفه، وله ديوان شعر أكثره جيد، وعبث فيه بجماعة من الأعيان وثلبهم، ولم يسلم منه أحد لا الخليفة ولا غيره، وأخبرني بعض المشايخ أنه رآه وقال: كنت يومئذٍ صبياً فلم آخذ عنه شيئاً لكنني رأيته قاعداً على طرف دكان عطار ببغداد، والناس يقولون: هذا ابن الفضل الهجاء. وسمع الحديث من جماعة منهم أبوه وأبو طاهر محمد بن الحسن (٤) الباقلاني وأبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون الأمين وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة بن محمد بن عثمان الكرخي (٥) وغيرهم. وله مع حيص بيص ماجرايات، فمن ذلك أن حيص بيص خرج ليلة من دار الوزير شرف الدين أبي الحسن علي بن طراد الزينبي، فنبح عليه جرو كلب

стр. 2475

وكان متقلداً سيفاً، فوكزه بعقب السيف فمات، فبلغ ذلك ابن الفضل المذكور، فنظم أبياتاً وضمنها بيتين لبعض العرب قتل أخوه ابناً له، فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف من يده وأنشدهما، والبيتان المذكوران يوجدان في الباب الأول من كتاب " الحماسة "، ثم إن ابن الفضل المذكور عمل الأبيات في ورقة وعلقها في عنق كلبة لها أجر (١) ورتب معها من طردها وأولادها إلى باب دار الوزير كالمستغيثة، فأخذت الورقة من عنقها وعرضت على الوزير فإذا فيها: يا أهل بغداد إن الحيص بيص أتى ... بفعلة أكسبته الخزي في البلد هو الجبان (٢) الذي أبدى تشاجعه ... على جري ضعيف البطش والجلد وليس في يده مال يديه به ... ولم يكن ببواء عنه في القود فأنشدت جعدة (٣) من بعدما احتسبت ... دم الأبيلق عند الواحد الصمد " أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد " (٤) " كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي " والبيت الثالث مأخوذ من قول بعضهم: قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا [وهو من جملة أبيات في الكراس الذي أوله لقي بشار، وينظر في الحماسة] (٥) وهذا التضمين في غاية (٦) الحسن، ولم أسمع مثله مع كثرة ما يستعمل الشعراء

стр. 2476

التضمين في أشعارهم، إلا ما أنشدني الشيخ مهذب الدين أبو طالب محمد المعروف بابن الخيمي - المذكور في ترجمة الشيخ تاج الدين الكندي في حرف الزاي (١) - لنفسه وأخبرني أنه كان بدمشق وقد رسم السلطان بحلق لحية شخص له وجاهة بين الناس، فحلق نصفها، وحصلت فيه شفاعة، فعفا عنه في الباقي، فعمل فيه ولم يصرح باسمه، بل رمزه وستر، وهو: زرت ابن آدم لما قيل قد حلقوا ... جميع لحيته من بعد ما ضربا فلم أر النصف محلوقاً فعدت له ... مهنئاً بالذي منها له وهبا فقام ينشدني والدمع يخنقه ... بيتين ما نظما ميناً ولا كذبا إذا أتتك لحلق الذقون طائفة ... " فاخلع ثيابك منها ممعناً هربا " " وإن أتوك وقالوا: إنها نصف ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا " والبيتان الأخيران منها في كتاب " الحماسة " (٢) أيضاً في باب مذمة النساء، لكن الأول منهما فيه تغيير، فإن بيت الحماسة: لا تنكحن عجوزاً إن أتيت بها ... واخلع ثيابك منها ممعناُ هربا وحضر ليلة الحيص بيص وابن الفضل المذكور على السماط عند الوزير في شهر رمضان، فأخذ ابن الفضل قطاة مشوية، وقدمها إلى الحيص بيص، فقال الحيص بيص للوزير: يا مولانا هذا الرجل يؤذيني، فقال الوزير كيف ذلك قال: لأنه يشير إلى قول الشاعر: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت وكان الحيص بيص تميمياً - كما تقدم في ترجمته - وهذا البيت للطرماح بن حكيم الشاعر (٣) ، وهو من جملة أبيات، وبعد هذا البيت:

стр. 2477

أرى الليل يجلوه النهار، ولا أرى ... خلال المخازي عن تميم تجلت ولو أن برغوثاً على ظهر قملة (١) ... يكر على صفي تميم لولت ودخل ابن الفضل المذكور يوماً على الوزير المذكور الزينبي، وعنده الحيص فقال: قد عملت بيتين ولا يمكن أن يعمل لهما ثالث، لأنني قد استوفيت المعنى فيهما، فقال الوزير: هاتهما، فأنشده: زار الخيال نحيلاً مثل مرسله ... فما شفاني منه الضم والقبل ما زارني قط إلا لكي يوقظني ... على الرقاد فينفيه ويرتحل فالتفت الوزير إلى الحيص وقال له: ما تقول في دعواه فقال: إن أعادهما سمع الوزير لهما ثالثاً، فقال له الوزير: أعدهما، فأعادهما، فوقف الحيص بيص لحظ ثم أنشد: وما درى أن نومي حيلة نصبت ... لطيفه حين أعيا اليقظة الحيل فاستحسن الوزير ذلك منه. وسمعت لبعض المعاصرين (٢) ، ولم أتحقق أنها له حتى أعينه، وقد أخذ هذا المعنى ونظمه وأحسن فيه، وهو: يا ضرة القمرين من لمتيمٍ ... أرديته وأحلت ذاك على القضا وحياة حبك لم ينم عن سلوة ... بل كان ذلك للخيال تعرضا لا تأسفي إن زار طيفك في الكرى ... ما كان إلا مثل شخصك معرضا ثم وجدت هذه الأبيات لأبي العلاء بن أبي الندى المعروف (٣) . ولما هجا قاضي القضاة جلال الدين الزينبي بالقصيدة الكافية - المقدم ذكرها

стр. 2478

في ترجمة ابن السوادي (١) - ولولا طولها لذكرتها، سير إليه أحد الغلمان فأحضره وصفعه وحبسه، فلما طال حبسه كتب إلى مجد الدين ابن صاحب أستاذ الدار: إليك أظل مجد الدين أشكو ... بلاء حل لست له طليقا وقوموا بلغو عني محالا ... إلى قاضي القضاة الندب سيقا فأحضرني بباب الحكم خصم ... غليظ جرني كما وزيقا وأخفق نعله بالصفع رأسي ... إلى أن أوجس القلب الخفوقا على الخصم الأداء وقد صفعنا ... إلى أن ما تهدينا الطريقا فيا مولاي هب ذا الإفك حقا ... أيحبس بعد ما استوفى الحقوقا ولما خرج من الحبس أنشد: عند الذي طرف بي أنه ... قد غض من قدري وآذاني فالحبس ما غير لي خاطراً ... والصفع ما لين آذاني وقد سبق في ترجمة الحيص أبياته الميمية في هجوه، وجواب الحيص عنها. ولما ولي الزينبي المذكور الوزارة دخل عليه ابن الفضل المذكور والمجلس محتفل بأعيان الرؤساء، وقد اجتمعوا للهناء، فوقف بين يديه ودعا له وأظهر الفرح والسرور (٢) ورقص، فقال الوزير لبعض من يفضي إليه بسره: قبح الله هذا الشيخ، فإنه يشير إلى ما تقول العامة في أمثالها " ارقص للقرد في زمانه ". وقد نظم هذا المعنى في أبيات وكتبها إلى بعض الرؤساء، وهي: يا كمال الدين الذي ... هو شخص مشخص والرئيس الذي به ... ذنب دهري يمحص خذ حديثي فإنه ... نبأ سوف يرخص

стр. 2479

كلما قلت قد تبغ ... دد قومي تحمصصوا ليس إلا ستر يشا ... ل وباب مجصص وغواش على الرؤو ... س عليها المقرنص والرواشين والمنا ... ظر والخيل ترقص وأنا القرد كل يو ... م لكلب أبصبص (١) كل من صفق الزما ... ن له قمت أرقص محن لا يفيد ذا النو ... ن منها التبرصص (٢) فمتى أسمع الندا ... ء وقد جا مخلص ومثل هذا قول بعضهم (٣) : إذا رأيت امرءاً وضيعاً ... قد رفع الدهر من مكانه فكن له سامعاً مطيعاً ... معظماً من عظيم شانه فقد سمعنا بأن كسرى ... قد قال يوماً لترجمانه إذا زمان السباع ولى ... فارقص (٤) للقرد في زمانه وحكي أنه دخل على بعض بغداد وقد تولى ولاية كبيرة لم يكن من أهلها، فسلم عليه ودعا له وهنأه بالولاية، وأطهر الفرح والسرور، ثم خرج، فقال بعض الحاضرين: هذا يشير إلى قول الناس في أمثالهم: " ارقص للقرد في زمانه ". وله القصيدة الرائية المشهورة التي جمع فيها خلقاً من الأكابر ونبز كل واحد منهم بشيء، وفيها يقول (٥) :

стр. 2480

تكريت تعجزنا ونحن بجهلنا ... نمضي لنأخذ ترمذاً من سنجر ومنها البيت السائر وهو: نسب إلى العباس ليس شبيهه ... في الضعف غير الباقلاء الأخضر وأنشدني له بعض أصحابنا المتأدبين قوله: سعى إحسانه بيني ... وبين الدهر بالصلح أياد ملأت بيتي ... على بيت من المدح ودخل يوماً على الوزير ابن هبيرة وعنده نقيب الأشراف، وكان ينسب إلى البخل، وكان في شهر رمضان والحر شديد، فقال له الوزير: أين كنت فقال: في مطبخ سيدي النقيب، فقال له: ويحك! أيش عملت في شهر رمضان في المطبخ فقال: وحياة مولانا كسرت الحر، فتبسم الوزير وضحك الحاضرون وخجل النقيب. وهذا الكلام على اصطلاح أهل تلك البلاد، فإنهم يقولون: كسرت الحر في الموضع الفلاني، إذا اختار موضعاً بارداً يقيل فيه (١) . وقصد دار بعض الأكابر في بعض الأيام فلم يؤذن له في الدخول، فعز عليه فأخرجوا من الدار طعاماً وأطعموه كلاب الصيد وهو يبصره، فقال: مولانا يعمل بقول الناس: لعن الله شجرة لا تظل أهلها. وقعد يوماً مع زوجته يأكل طعاماً، فقال لها: اكشفي رأسك، ففعلت، وقرأ (قل هو الله أحد) الإخلاص، فقالت له: ما الخبر فقال: إن المرأة إذا كشفت رأسها لم تحضر الملائكة ﵈، وإذا قرئ (قل هو الله أحد) هربت الشياطين، وأنا أكره الزحمة على المائدة. وأخباره كثيرة (٢) ، وكانت ولادته سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقال السمعاني: سألته عن مولده فقال: ولدت ضاحي نهار يوم الجمعة السابع من ذي الحجة سنة ثمان وسبعين. وتوفي يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين

стр. 2481

وخمسمائة ببغداد، ودفن بمقبرة معروف الكرخي، رحمه الله تعالى، وقال السمعاني: توفي يوم عيد الفطر، والله أعلم. ولولا إيثار الاختصار لذكرت من أحواله ومضحكاته شيئاً كثيراً، فإنه كان آية في هذا الباب. وقوله في الأبيات الدالية " ولم يكن ببواء عنه في القود " فالبواء - بفتح الباء الموحدة وبعدها الواو والهمزة ممدودة - ومعناها السواء، ويقال: دم فلان بواء لدم فلان، إذا كان مكافئاً له. وجعدة المذكورة في هذه الأبيات أيضاً - بفتح الجيم والدال المهملة وبينهما عين مهملة ساكنة وفي الأخير هاء ساكنة - وهو اسم من أسماء الكلبة، هكذا سمعته ولم أره في شيء من كتب اللغة، بل الذي قالاه أرباب اللغة إن " أبا جعدة " كنية الذئب، " وجعدة " اسم النعجة، كني الذئب بها لمحبته إياها، والله أعلم. [والمتوثي: بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها ثاء مثلثة، هذه النسبة إلى متوث، وهي بلدة بين قرقوب وكورة الأهواز] (١) . ٧٧٧ - (٢) ابن سناء الملك القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن محمد السعدي، الشاعر المشهور، المصري صاحب الديوان الشعر البديع والنظم الرائق، أحد الفضلاء الرؤساء النبلاء، وكان كثير التخصص والتنعم وافر السعادة محظوظاً من الدنيا، أخذ الحديث عن الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد ابن أحمد السلفي الأصبهاني رحمه الله تعالى،

стр. 2482

واختصر كتاب " الحيوان " للجاحظ، وسمى المختصر " روح الحيوان " وهي تسمية لطيفة [وله كتاب مصايد الشوارد] (١) ، وله ديوان جميعه موشحات سماه " دار الطراز " (٢) وجمع شيئاً من الرسائل الدائرة بينه وبين القاضي الفاضل وفيه كل معنى مليح (٣) . واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين، وكان لهم مجالس يجري بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها. ودخل في ذلك الوقت إلى مصر شرف الدين بن عنين - المقدم ذكره في المحمدين - فاحتفلوا به وعملوا له وكانوا يجتمعون على أرغد عيش، وكانوا يقولون: هذا شاعر الشام، وجرت لهم محافل سطرت عنهم، ولولا خشية التطويل لذكرت بعضها. ومن محاسن شعره بيتان من جملة قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، وهما (٤) : ولو أبصر النظام جوهر ثغرها ... لما شك فيه أنه الجوهر الفرد ومن قال إن الخيزرانة قدها ... فقولوا له إياك أن يسمع القد ومن شعره أيضاً (٥) : لا الغصن يحكيك ولا الجؤذر ... حسنك مما كثروا أكثر يا باسماً أبدى لنا ثغره ... عقداً ولكن كله جوهر قال لي اللاحي: أما تسمع (٦) ... فقلت: يا لاحي أما تبصر وله يتغزل بجارية عمياء (٧) :

стр. 2483

شمس بغير الشعر لم تحتجب ... وفي سوى العينين لم تكسف مغمدة المرهف لكنها ... تجرح بالجفن (١) بلا مرهف رأيت منها الخلد في جؤذر ... ومقلتي يعقوب في يوسف وله في غلام ضرب ثم حبس (٢) : بنفسي من لم يضربوه لريبة ... ولكن ليبدو الورد في سائر الأغصان ولم يودعوه السجن إلا مخافة ... من العين أن تعدو على ذلك الحسن وقالوا له شاركت في الحسن يوسفا ... فشاركه أيضاً في الدخول إلى السجن [وله في غلام جميل الصورة حفر حومة التلاق فأصابه حجر فانكسرت أسنانه فقال (٣) : نثر الجهر عقد ثغر حبيبي ... فدموعي عليه تحكي انتثاره كل سن كالأقحوانة كانت ... فغدت بالدماء كالجلناره كان في حومة التلاق وما كا ... ن بعيداً في جملة النظاره فأتته الحجارة شوقاً وزارت ... هـ فلا مرحباً بتلك الزياره كيف ينسى الفؤاد ثغر حبيب ... حسدتني عليه تلك الحجارة] وله من جملة أبيات (٤) : وما كان تركي حبه عن ملالة ... ولكن لأمر يوجب القول بالترك أراد شريكاً في الذي كان بيننا ... وإيمان قلبي قد نهاني عن (٥) الشرك

стр. 2484

وله أيضاً (١) : يا عاطل الجيد إلا من محاسنه ... عطلت فيك الحشا إلا من الحزن في سلك جسمي در الدمع منتظم ... فهل لجيدك في عقد بلا ثمن لا تخش مني فإنني ضنى ... وما النسيم بمخشيٍ على الغصن وهذا البيت مأخوذ من قول ابن قلاقس - وقد تقدم ذكره في ترجمته - وهو: أعندما همت به روضة ... أعل جسمي لأكون النسيم ومن نثره في وصف النيل في سنة كان ناقصاً، ولم يوف الزيادة التي جرت بها العادة، يقال إنه كتبه من جملة رسالة إلى القاضي الفاضل، وهو: " وأما أمر الماء فإنه نضبت مشارعه، وتقطعت أصابعه، وتيمم العمود لصلاة الاستسقاء، وهم المقياس من الضعف بالاستلقاء " وهذا من أحسن ما يوصف به نقصان النيل. وكان بمصر شاعر يقال له أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقلد الكاتب (٢) ، فبلغ القاضي السعيد المذكور عنه أنه هجاه، فأحضره إليه وأدبه وشتمه، وكتب (٣) إليه نشو الملك أبو الحسن علي بن مفرج المعري الأصل، المصري الدار والوفاة، المعروف بابن المنجم، الشاعر المعروف: قل للسعيد أدام الله نعمته ... صديقنا ابن وزير كيف تظلمه صفعته إذ غدا يهجوك منتقماً ... فكيف من بعد هذا ظللت تشتمه (٤) هجو بهجو، وهذا الصفع فيه رباً ... والشرع ما يقتضيه، بل يحرمه

стр. 2485

فإن تقل ما لهجو عنده ألم ... فالصفع والله أيضاً ليس يؤلمه ولما مدح السعيد المذكور شمس الدولة توران شاه أخا السلطان صلاح الدين - المقدم ذكره في حرف التاء - بقصيدته التي أولها (١) : تقنعت لكن بالحبيب المعمم ... وفارقت لكن كل عيش مذمم تعصب عليه جماعة من شعراء مصر، وعابوا هذا الاستفتاح وهجنوه (٢) ، فكتب إليه ابن الذروي (٣) الشاعر المذكور في ترجمة سيف الدولة المبارك بن منفذ: قل للسعيد مقال من هو معجب ... منه بكل بديعةٍ ما أعجبا لقصيدك الفضل المبين، وإنما ... شعراؤنا جهلوا به المستغربا عابوا التقنع بالحبيب ولو رأى ... الطائي ما قد حكته لتعصبا ونوادر القاضي السعيد كثيرة. وتوفي في العشر الأول من شهر رمضان، سنة ثمان وستمائة بالقاهرة، وذكر صاحبنا الكمال ابن الشعار في " عقود الجمال " أنه توفي يوم الأربعاء، رابع الشهر المذكور، رحمه الله تعالى. وذكره العماد الكاتب، في كتاب " الخريدة " فقال (٤) : كنت عند القاضي الفاضل في حيمته بمرج الدلهمية، ثامن عشر ذي القعدة، سنة سبعين يعني وخمسمائة، فأطلعني على قصيدة له كتبها إليه من مصر، وذكر أن سنه لم يبلغ إلى عشرين سنة فأعجبت بنظمه، ثم ذكر القصيدة العينية، التي أولها: فراق قضى للهم والقلب بالجمع ... وهجر تولى صلح عيني مع الدمع وعلى هذا التقدير يكون مولده في حدود سنة خمسين وخمسمائة، وقيل إنه

стр. 2486

ولد سنة ثمان وأربعين، والله أعلم. ثم قال العماد بعد الفراغ من ذكر هذه القصيدة: ثم وصل - يعني القاضي السعيد المذكور - إلى الشام، في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة في الخدمة الفاضلية، فوجدته في الذكاء آية، قد أحرز في صناعة النظم والنثر غاية تلقى عرابة العربية له باليمين راية، وقد أحلفه الإقبال الفاضلي في الفضل قبولا، وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولاً، وانا أرجو أن ترقى في الصناعة رتبته، وتغزر عند تمادي أيامه في العلم نغبته، وتصفو من الصبا منقبته، وتروى بماء الدربة رويته، وتستكثر (١) فوائده وتؤثر قلائده (٢) . (٣٠٠) وتوفي والده جعفر في منتصف شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة ثم رأيت بخط بعض أصحابنا ممن له عناية بهذا الفن أنه توفي يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، ومولده منتصف شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة والله أعلم. (٣٠١) وأما أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقل، الشاعر المصر يالمذكور في هذه الترجمة، فإن عماد الدين الأصبهاني ذكره في كتاب " الخريدة " وقال: عدت إلى مصر في سنة ست وتسعين (٣) وخمسمائة فسألت عنه فأخبرت بوفاته، رحمه الله تعالى.

стр. 2487

٧٧٨ - (١) هبة الله البوصيري أبو القاسم وابو الكرم، هبة الله بن علي بن مسعود (٢) بن ثابت بن هاشم بن غالب بن ثابت، الأنصاري الخزرجي، المنستيري الأصل، المصري المولد والدار، المعروف بالبوصيري، كان أديباً كاتباً له سماعات عالية وروايات تفرد بها وألحق الأصاغر بالأكابر في علو الإسناد، ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله، وسمع بقراءة الحافظ أبي الطاهر السلفي وإبراهيم بن حاتم الأسدي على أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني إمام الجامع العتيق بمصر، رحمهم الله تعالى أجمعين - والبوصيري المذكور آخر من روى في الدنيا كلها عن أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني المذكور - وأبي الحسين علي بن الحسين بن عمر الفراء الموصلي وأبي عبد الله محمد بن بركات هلال السعيدي النحوي سماعاً، وروى أيضاً عن أبي الفتح سلطان بن إبراهيم بن المسلم المقدسي، وهو آخر من روى عنه سماعاً في الأرض كلها، وسمع عليه الناس وأكثروا، ورحلوا إليه من البلاد. وكان جده مسعود (٣) قدم من المنستير إلى بوصير، فأقام بها إلى أن عرف فضله في دولة المصريين، فطلب إلى مصر، وكتب في ديوان الإنشاء وولد له علي والد أبي القاسم المذكور بمصر، واستقروا بها وشهروا. وكان أبو القاسم يسمى " سيد الأهل " أيضاً، لكن هبة الله أشهر، وكانت ولادته سنة ست وخمسمائة بمصر، وقيل بل ولد يوم الخميس خامس ذي القعدة سنة خمسمائة. وتوفي في الليلة الثانية من صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة،

стр. 2488

ودفن بسفح المقطم، رحمه الله تعالى، وقال ياقوت الحموي في كتاب البلدان المشتركة الأسماء (١) : إنه مات في شوال رحمه الله تعالى. والخزرجي (٢) : بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وفتح الراء (٣) وبعدها جيم، هذه نسبة إلى الخزرج، وهو أخو الأوس - بفتح الهمزة وسكون الواو وبعدها سين مهملة - وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، وتمام النسب معروف، وهما ابنا قيلة - بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة - ومن ذريتهما أنصار النبي ﷺ بالمدينة. والمنستير: بضم الميم وفتح النون وسكون السين المهملة وكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وهي بليدة بإفريقية، بناها هرثمة بن أعين الهاشمي في سنة ثمانين ومائة. وكان هارون الرشيد قد ولاه إفريقية، وقدم إليها (٤) يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين ومائة، وقد تقدمت الحوالة على هذا الموضع في ترجمة الأمير تميم بن المعز بن باديس. وبوصير: بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وتعرف ببوصير قوريدس، يقال كوريدس وهي بليدة بأعمال البهنسا من صعيد مصر، وقد تقدم الكلام في ترجمة عبد الحميد الكاتب على بوصير الفيوم، وبالجيزة أيضاً بليدة يقال لها بوصير (٥) السدر، وبكورة السمنودية أيضاً بليدة يقال لها بوصير، فهذا الاسم يشترك فيه أربعة بلاد، والكل بالديار المصرية. والمنستير معبد بين المهدية وسوسة يأوي إليه الصالحون المنقطعون للعبادة،

стр. 2489

وفيه قصور شبيهة بالخانقاهات وعلى تلك القصور سور واحد، ذكره ياقوت في كتابه، والله أعلم. ٧٧٩ - (١) أمين الدولة ابن التلميذ أبو الحسن هبة الله بن أبي الغنائم صاعد بن هبة الله بن إبراهيم بن علي، المعروف بابن التلميذ النصراني الطبيب، الملقب أمين الدولة البغدادي، ذكره العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " فقال: سلطان الحكماء، وبالغ في الثناء عليه وقال: هو مقصد العالم في علم الطب، بقراط عصره وجالينوس زمانه، ختم به هذا العلم، ولم يكن في الماضين من بلغ مداه في الطب، عمر طويلاً وعاش نبيلاً جليلاً، ورأيته وهو شيخ بهي المنظر، حسن الرواء، عذب المجتلى والمجتنى، لطيف الروح ظريف الشخص، بعيد الهم عالي الهمة، ذكي الخاطر مصيب الفكر حازم الرأي، شيخ النصارى وقسيسهم ورأسهم ورئيسهم، وله في النظم كلمات رائقة، وحلاوة جنية، وغزارة بهية، ومن شعره في الميزان لغزاً: ما واحد مختلف الأسماء ... يعدل في الأرض وفي السماء يحكم بالقسط بلا رياء ... أعمى يري الإرشاد كل راء أخرس لا من علةٍ ودواء ... يغني عن التصريح بالإيماء يجيب إن ناداه ذو امتراء ... بالرفع والخفض عن النداء يفصح إن علق في الهواء ...

стр. 2490

فقوله " مختلف الأسماء " يعني ميزان الشمس، وهو الاسطرلاب، وسائر آلات الرصد، وهو معنى قوله " يحكم في الأرض وفي السماء "، وميزان الكلام النحو، وميزان الشعر العروض، وميزان المعاني المنطق، وهذه الميزان والمكيال والذراع وغير ذلك، ثم بعد ذلك جملة من مقاطيع شعره نأتي بذكر بعضها إن شاء الله تعالى. وذكر في ترجمة الحكيم معتمد الملك أبي الفرج يحيى بن التلميذ النصراني الطبيب (١) ما مثاله: وكان ابن صاعد حين توفي معتمد الملك أبو الفرج قام مقامه، وهو ابن بنته، فنسب إليه وعرف به. وذكر في كتاب " أنموذج الأعيان من شعراء الزمان، فيمن أدرك بالسماع أو بالعيان (٢) " أن ابن التلميذ المذكور كان متفنناً في العلوم ذا رأي رصين وعقل متين، وطالت خدمته للخلفاء والملوك، وكانت منادمته أحسن من التبر المسبوك والدر في السلوك، اجتمعت به مراراً في آخر عمره، وكنت أعجب في (٣) أكره، كيف حرم الإسلام مع كمال فهمه، وغزارة عقله وعلمه، والله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يريد بحكمه. وكان إذا ترسل استطال وسطا، وإذا نظم وقع بين أرباب النظم وسطا، وأورد شيئاً من شعره أيضاً. وذكره أبو المعالي الحظيري - المقدم ذكره في حرف السين (٤) - في كتابه " زينة الدهر " وأورد له مقاطيع، فمن ذلك قوله: يا من رماني عن قوس فرقته ... بسهم هجر على تلافيه ارض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه وذكر العماد في " الخريدة " البيت الثاني منسوباً إلى أبي محمد بن جكينا البغدادي، وضم إليه بعده: لو لم ينله من العقاب سوى ... بعدك عنه لكان يكفيه
следующие страницы →