المغابن: مطاوي البدن مثل الإبط وغيره، واحدها مغبن، بفتح الميم وكسر الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة - قال: فسقط الخاتم من يده، فحين رأيت الخاتم تعجبت من المنام، قال: ورأيت في وقت غسله آثاراً في وجهه وجسده تدل على أنه مسموم، فلما خرجت جنازته غلقت أسواق بغداد (١) ، ولم يتخلف عن جنازته أحد، وصلى عليه في جامع القصر (٢) ، وحمل إلى باب البصرة، فدفن في مدرسته التي أنشأها، وقد دثرت الآن، ورثاه جماعة من الشعراء؛ انتهى كلام أبي الفرج ابن الجوزي.
وقال مؤلف سيرة الوزير المذكور: إن سبب موته كان بلغماً ثار بمزاجه وقد خرج مع المستنجد للصيد، فسقي مسهلاً فقصر عن استفراغه، فدخل إلى بغداد يوم الجمعة سادس جمادى الأولى راكباً متحاملاً إلى المقصورة لصلاة الجمعة فصلى بها وعاد إلى داره، فلما كان وقت صلاة الصبح عاوده الصبح عاوده البلغم، فوقع مغشياً عليه، فصرخ الجواري فأفاق فسكتهن، وبلغ الخبر ولده عز الدين أبا عبد الله محمداً، واكن ينوب عنه في الوزارة، فبادر إليه، فلما دخل عليه قال له: قد بث (٣) أستاذ الدار عضد الدين (٤) أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء المعروف بابن سلمة جماعة ليستعلم (٥) ما هذا الصياح، فتبسم الوزير على ما هو عليه من تلك الحال وأنشد:
وكم شامتٍ بي عند موتي جهالةً ... بظلمٍ يسل السيف بعد وفاتي
ولو علم المسكين ماذا يناله ... من الضر بعدي مات قبل مماتي ثم تناول مشروباً فاستفرغ به، ثم استدعى بماء فتوضأ للصلاة وصلى قاعداً فسجد فأبطأ عن القعود من السجود فحركوه فإذا هو ميت، فطولع به الإمام المستنجد فأمر بدفنه.
стр. 2662
وخلف ولدين: أحدهما عز الدين المذكور والآخر شرف الدين أبو الوليد مظفر (١) .
وأما مولده فقد ذكر أبو عبد الله محمد بن القادسي في " تاريخ الوزراء " (٢) أنه ولد في سنة وتسعين وأربعمائة على ما ذكره من لفظه، رحمه الله تعالى.
قال بعضهم: رأيته في المنام بعد موته، فسألته عن حاله، فقال:
قد سئلنا عن حالنا فأجبنا ... بعد ما حال حالنا وحجبنا
فوجدنا مضاعفاً ما كسبنا ... ووجدنا ممحصاً ما اكتسبنا ولما بلغ خبر موته عضد الدين ابن المظفر أستاذ الدار المذكور كان بحضرته سبط ابن التعاويذي - المذكور قبل هذا - وهو من موالي بني المظفر فإن أباه كان مملوكاً لبعض بني المظفر، واسمه نشتكين فسماه ابنه عبد الله، فأراد سبط بن التعاويذي أن يتقرب إلى عضد الدولة لعلمه ما بينه وبين الوزير، فأنشد مرتجلاً:
قال لي، والوزير قد مات، قوم ... قم لنبكي أبا المظفر يحيى
قلت أهون عندي بذلك رزأً ... ومصاباً وابن المظفر يحيا وقال آخر، ولا أذكر اسمه الآن، لكنه من الشعراء المشاهير:
أيا رب مثل الماجد ابن هبيرة ... يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر
يموت بيحيى كل فضلٍ وسؤدد ... ويحيا بيحيى كل جهل ومنكر والمقصود أن محاسنه كانت كثيرة، وقد أطلت هذه الترجمة حتى استوفيت مقاصدها.
ورأيت في كتاب " النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس " تأليف أبي الخطاب ابن دحية غلطة أحببت التنبيه عليها في هذا الكتاب كي لا يقف عليها
стр. 2663
أحد فيظنه مصيباً فيما ذكره، وهو أنه قال في خلافة المقتفي لأمر الله ما مثاله: وسعد بوزيره أبي المظفر عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة من ولد الأمير الكبير أبي حفص عمر بن هبيرة، وقد ذكر المؤرخون فصائل جده، التي حازها عون الدين من بعده، ثم ذكرت مكرمة لعمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين في دولة بني أمية، وظن ابن دحية أن الوزير المذكور من ذرية ذلك المتقدم، وعجبت منه من ذلك، فإن الوزير شيباني - كما شرحناه في أول الترجمة - وذاك فزاري النسب - كما يأتي في ترجمة ولده يزيد بن عمر بن هبيرة إن شاء الله تعالى - وأين شيبان من فزارة ولا شك أنه ما أوقعه في هذا الأمر إلا ما أراه في نسب الوزير، فقد جاء فيه عمر بن هبيرة، فتوهم أن هذا هو ذاك، وليس الأمر كما توهمه، ومثل ابن دحية لا يعذر فقد كان حافظاً ومطلعاً على أمور الناس، وهذا الأمر واضح لكن الخطأ موكل بالإنسان.
(٣٢٧) قلت: وأكثر من جرى ذكره في هذه الترجمة قد تقدم ذكره في هذا التاريخ، وأفردت لكل واحد منهم بترجمة مستقلة، سوى الشيخ الزبيدي، فإنه كان كبير القدر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما انتفع الوزير إلا بصحبته، وما ذكرته في هذا التاريخ، فينبغي التنبيه عليه، إذ مثله لا يهمل، وكان دخوله بغداد في سنة تسع وخمسمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وقال أبو عبد الله بن النجار في " تاريخ بغداد ": كان مولده بزبيد في ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من المحرم سنة ستين وأربعمائة، وتوفي ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ودفن بمقبرة جامع المنصور ببغداد، رحمه الله تعالى.
وقول الآخر:
أيا رب مثل الماجد ابن هبيرة ... يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر! (٣٢٨) فالمراد به أبو الفضل يحيى بن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن المعمر بن جعفر الملقب زعيم الدين، تولى النظر بالمخزن في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة إلى سنة سبع وستين، ففيها ناب في الوزارة بعد عزل
стр. 2664
أبي الفرج ابن المظفر، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي، وكان على ذلك إلى أن توفي، وكان مشكوراً محمود الطريقة محباً لأهل العلم، وكانت ولادته ليلة الجمعة بعد العشاء الأخير التاسع والعشرين من صفر سنة إحدى عشر وخمسمائة، وتوفي ليلة العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن من الغد في الحربية بتربة له، رحمه الله تعالى (١) .
٨٠٨ - (٢)
ابن زبادة
أبو طالب يحيى بن أبي الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن فرغلي (٣) بن زبادة الشيباني، الكاتب المنشيء الواسطي الأصل، البغدادي المولد والدار والوفاة، الملقب قوام الدين، وقيل عميد الدين، كان من الأعيان الماثل والصدور الأفاضل، انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء والحساب مع مشاركته في الفقه وعلم الكلام والأصول وغير ذلك، وله النظم الجيد. جالس أبا منصور ابن الجواليقي وقرأ عليه من بعده، وسمع الحديث من جماعة، وخدم الديوان من صباه إلى أن توفي عدة خدمات، وكان مليح العبارة في الإنشاء، جيد الفكرة حلو الترصيع لطيف الإشارة، وكان الغالب عليه في رسائله العناية بالمعاني أكثر من طلب التسجيع، وله رسائل بليغة (٤) وشعر رائق، وفضله أشهر من أن يذكر.
стр. 2665
وتولى النظر بديوان البصرة وواسط والحلة، ولم يزل على ذلك إلى أن طلب من واسط والحلة، ولم يزل على ذلك إلى المحرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ورتب حاجباً بباب النوبي، وقلد النظر في المظالم، ثم عزل عن ذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين، ثم أعيد إليه في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين، فلما قتل أستاذ الدار - وهو مجد الدين أبو الفضل هبة الله بن علي بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسن المعروف بابن الصاحب، وكان قتله يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ترتب ابن زبادة المذكور مكانه، ثم عزل في سنة خمس وثمانين، وعاد إلى واسط فأقام بها إلى أن استدعي في شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين، وقلد ديوان الإنشاء في يوم الاثنين والعشرين من شهر رمضان، ثم رد إليه النظر في ديوان المقاطعات، فكان على ذلك إلى حين وفاته.
وكان حسن السيرة محمود الطريقة متدنياً، حدث بشيء يسير وكتب الناس عنه كثيراً من نظمه ونثره، فمن ذلك قوله:
باضطراب الزمان ترتفع (١) الأنذال فيه حتى يعم البلاء ... وكذا الماء ساكناً (٢) فإذا حرك ثارت من قعره الأقذاء ... وله أيضاً:
إني لأعظم ما تلقونني جلدا ... إذا توسطت هول الحادث النكد
كذلك الشمس لا تزداد قوتها ... إلا إذا حصلت في زبرة الأسد وكتب إلى الإمام المستنجد يهنيه بالعيد:
يا ماجداً قدراً أن نهنيه ... لنا الهناء بظلٍ منك ممدود
стр. 2666
الدهر أنت ويوم العيد منك وما ... في العرف أنا نهني الدهر (١) بالعيد وله أيضاً:
إن كنت تسعى للسعادة فاستقم ... تنل المراد ولو سموت إلى السما
ألف الكتابة وهو بعض حروفها ... لما استقام على الجميع تقدما وله أيضاً:
لا تغبطن وزيراً للملوك وإن ... أناله الدهر منهم فوق همته
واعلم بأن له يوماً تمور به ال ... أرض الوقور كما مرت لهيبته
هرون وهو أخو موسى الشقيق له ... لولا الوزارة لم يأخذ بلحيته وله كل معنى مليح، وله ديوان رسائل وقفت عليه في بلادنا، ولم يحضرني شيء منه كي أثبته هاهنا.
وقال أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي في تاريخه، أنشدنا أبو طالب يحيى بن سعيد ابن هبة الله، يعني ابن زبادة المذكور، من حفظه، قال: أنشدني أبو بكر أحمد بن محمد الأرجاني لما قدم بغداد علينا في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة لنفسه - قلت: وهو ناصح الدين أبو بكر أحمد الأرجاني المقدم ذكره (٢) - قوله:
ومقسومة العينين من دهش النوى ... وقد راعها بالعيس رجع حداء
تجيب بإحدى مقلتيها تحيتي ... وأخرى تراعي أعين الرقباء
رأت حولها الواشين طافوا فغيضت ... لهم دمعها واستعصمت بحياء
فلما بكت عيني غداة وداعهم ... وقد روعتني فرقة القرناء
بدت في محياها خيالات أدمعي ... فغاروا وظنوا أن بكت لبكائي
стр. 2667
وكتب إليه أبو الغنائم محمد بن علي المعروف بابن المعلم الهرثي الشاعر - المقدم ذكره (١) - وقد عزل عن نظر واسط:
ولأنت إن لم يبلل الغيث الثرى ... تروي الورى بسماحك الهتان
لم يعزلوك عن البلاد لحالةٍ ... تدعو إلى النقصان والشنآن
بل مذ رأوا آثار جودك زاخراً ... حفظوا بلادهم من الطوفان قلت: وحكى لي الوجيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن سويد التاجر التكريتي قال: كان الشيخ محيي الدين أبو المظفر يوسف بن الحافظ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي الواعظ المشهور قد توجه رسولاً من بغداد إلى الملك العادل ابن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب سلطان (٢) مصر في ذلك الوقت، وكان أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محبوساً في قلعة الكرك يومئذ - وقد شرحت ذلك في ترجمة الكامل في هذا التاريخ - قال الوجيه: فلما عاد محيي الدين راجعاً إلى بغداد وقدم دمشق، كنت بها، فدخلت عليه أنا والشيخ أصيل الدين أبو الفضل عباس بن عثمان بن نبهان الإربلي، وكان رئيس التجار في عصره، وجلسنا نتحدث معه فقال: قد حلفت الملك الناصر داود صاحب الكرك أن لا يخرج الملك الصالح من الحبس إلا بأمر أخيه الملك العادل، قال: فقال له الأصيل: مولانا، هذا بأمر الديوان العزيز فقال محيي الدين: وهل هذا يحتاج (٣) إلى إذن هذا اقتضته المصلحة، ولكن أنت تاريخ يا أصيل، فقال: يعني مولانا أني قد كبرت وما أدري ما أقول، وأنا أحكي لمولانا حكاية في هذا المعنى أعرفها من غرائب الحكايات، قال: هات، فقال: كان ابن رئيس الرؤساء ناظر واسط يحمل في كل شهر حمل واسط وهو ثلاثون ألف دينار لا يمكن أن يتأخر يوماً واحداً عن العادة، فتعذر في بعض الأشهر كمال الحمل، فضاق صدره لذلك وذكره
стр. 2668
لنوابه، فقالوا له: يا مولانا هذا ابن زبادة عليه من الحقوق أضعاف ذلك، ومتى حاسبته قام بما يتم الحمل وزيادة، فاستدعاه وقال له: لم لا تؤدي كما يؤدي الناس فقال: أنا معي خط الإمام المستنجد بالمسامحة، قال: هل معك خط مولانا الإمام الناصر قال: لا، قال: قم واحمل ما يجب عليك، قال: ما ألتفت إلى أحد ولا أحمل شيئاً. ونهض من المجلس، فقال النواب لابن رئيس الرؤساء: أنت صاحب الوسادتين وناظر النظار، وما على يدك يد، ومن هو هذا حتى يقابلك بمثل هذا القول ولو كبست داره وأخذت ما فيها ما قال لك أحد شيئاً، وحملوه عليه حتى ركب بنفسه وأجناده، وكان ابن زبادة يسكن قبالة واسط، وقدموا إلى ابن رؤساء السفن حتى يعبر إليه، وإذا بزبزب قد قدم من بغداد، فقال: ما قدم هذا إلا في مهم، ننظر ما هو ثم نعود إلى ما نحن بسببه، فلما دنا من الزبزب فإذا فيه خدم من خدام الخليفة، فصاحوا به: الأرض الأرض، فقبل الأرض وناولوه مطالعة، وفيها: قد بعثنا خلعة ودواة لابن زبادة، فتحمل الخلعة على رأسك والدواة على صدرك، وتمشي راجلاً إليه وتلبسه الخلعة وتجهزه إلينا وزيراً، فحمل الخلعة على رأسه والدواة على صدره ومشى إليه راجلاً، فلما رآه ابن زبادة أنشده ابن رئيس الرؤساء:
إذا المرء حي فهو يرجي ويتقي ... وما يعلم الإنسان ما في المغيب وأخذ يعتذر إليه، فقال له ابن زبادة، فقال له ابن زبادة: لا تثريب عليكم اليوم، وركب في الزيزب إلى بغداد، وما علموا أن أحداً أرسلت إليه الوزارة غيره، فلما وصل إلى بغداد كان أول ما نظر فيه أن عزل ابن رئيس الرؤساء عن نظر واسط قال: هذا ما يصلح لهذا المنصب، ثم قال الأصيل: ولا يأمن مولانا أن يخرج الملك الصالح ويملك ويعود إليه رسولاً ويقع وجهك في وجهه وتستحيي منه، فأنشده محيي الدين قوله:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في الموتى كليب لوائل فما كان إلا مديدة حتى خرج الملك الصالح من حبس الكرك وملك مصر وكان ما كان. وقلت: وكنت بمصر ومحيي الدين بها رسول إلى الملك
стр. 2669
العادل، وقبض العادل، وجاء الصالح فخرج محيي الدين التقاه، وشاهدت ذلك.
هكذا ذكر لي الوجيه هذه الحكاية، وفيها غلط إما في الوجيه أو من الأصيل، فإن ابن ما ولي الوزارة ولا تولى إلا ما ذكرته في أوائل ترجمته، فإن كان هذا صحيحاً فيكون ذلك لما طلب للإنشاء كما شرحته، والله أعلم بالصواب.
قال ابن الدبيثي المذكور: سألت أبا طالب ابن زبادة عن مولده فقال: ولدت يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وتوفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة وصلي عليه بجامع القصر، ودفن بالجانب الغربي بمشهد الإمام موسى بن جعفر ﵄، يعني ببغداد.
وزبادة: بفتح الزاي، هو القطعة من الزباد الذي يتطيب النسوان به، والله أعلم.
٨٠٩ - (١)
يحيى بن نزار المنبجي
أبو الفضل يحيى بن نزار بن سعيد المنبجي، ذكره الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني في كتاب " الذيل على تاريخ الخطيب " المختص ببغداد، فقال: له شعر مطبوع غير متكلف، وكتب لي أبياتاً من شعره، وسمعت منه، وسألته عن مولده فقال: ولدت في المحرم من سنة ست وثمانين وأربعمائة بمنبج. وأورد له مقاطيع أنشده إياها، فمكن ذلك قوله:
стр. 2670
وأغيد غضٍ زاد خط عذاره ... لعاشقه في همه والبلابل
تموج بحار الحسن في وجناته ... فتقذف منها عنبراً في السواحل
وتجري بخديه الشبيبة ماءها ... فتنبت ريحاناً جنوب الجداول قلت: وقد خطر لي على هذا مأخذ وهو أنه جعل البيت الثاني بحار الحسن تموج في وجناته، فكيف يقول في البيت الثالث " وتجري بخديه الشبيبة ماءها " وما مقدار ماء الشبيبة بالنسبة إلى بحار الحسن وما كفى هذا حتى جعلها جداول، والجداول والنهار، وأين النهار من البحار ثم إنه في البيت الثاني قد شبه العذار بالعنبر، فكيف يجعله في البيت الثالث ريحاناً وأين العنبر من الريحان وإن كان كل واحد من العنبر والريحان قد جرت عادة الشعراء أن يشبهوا به العذار، ولكن في مقطوع واحد من الشعر ما لهم عادة يجمعون بينهما.
وكنت قد سمعت في زمن الاشتغال بالأدب بيتين استحسنتهما ولم أعرف قائلهما، وهما:
يا عاذلي في حب ذي عارضٍ ... ما البلد المخصب كالماحل
يموج بحر الحسن في خده ... فيقذف العنبر في الساحل فلما كان في أوائل سنة اثنتين وسبعين وستمائة وقفت بالقاهرة المحروسة على مجلد من كتاب " السيل والذيل " تأليف عماد الدين الكاتب الأصبهاني، وقد جعله ذيلاً على كتابه " خريدة القصر "، فرأيت فيه ترجمة يحيى بن نزار المنبجي المذكور، وقد ذكر له مقدار عشرة أبيات يمدح فيها السلطان نور الدين محمود بن الزنكي رحمه الله تعالى، وفي جملة الأبيات البيت الثاني من هذين البيتين، فعلمت أن الذي نظم ذلك المعنى في البيت الثاني من الثلاثة هو الذي نظم هذين البيتين في هذه الأبيات التي ذكرها في كتاب " السيل ". ثم بعد ذلك بقليل جاءني صاحبنا جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد المعروف بالحافظ اليغموري (١)
стр. 2671
فتذاكرنا وجرى ذكر البيتين وقال: إنهما لعماد الدين أبي المناقب حسام بن عوى بن يونس المحلي نزيل دمشق. وذكر أنه سمعهما منه نزار المنبجي ويكون العماد المحلي قد نظم البيت الأول وجعله توطئة للثاني، واستعمله على وجه التضمين كما جرت العادة في مثله، لكنه كان ينبغي أن ينبه على أنه تضمين كي لا يعتقد من يقف عليهما أنهما له، فأن البيت الأول ليس في جملة أبيات يحيى المنبجي التي مدح بها نور الدين رحمه الله تعالى. ثم من بعد ذلك خطرت لي مؤاخذة على العماد المحلي فإنه قال في بيته الذي جعله توطئة للثاني:
ما البلد المخصب كالماحل ... والخصب والمحل إنما يكون بسبب النبات وعدمه، والبيت الثاني الذي هو التضمين شبه العذار بالعنبر، وأين النبات من العنبر فالتوطئة بين البيتين ليست بملائمة، وهذه المؤاخذة مثل المؤاخذة المتقدمة على الأبيات الثلاثة.
وكنت وقفت على بيتين للعماد المحلي المذكور أيضاً أنشدنيهما عنه جماعة وهما:
قيل لي من هويت قد عبث الشع ... ر بخديه قلت ما ذاك عاره
جمرة الخد أحرقت عنبر الخ ... ل فمن ذلك الدخان عذاره وسنح لي عليهما مؤاخذة مثل المؤاخذة المذكورة، وهي أنه لما قيل له إن الشعر عبث بخديه ما أنكر ذلك بل قال " ما ذاك عذاره " فقد وافق على أنه شعر، غاية ما في الباب أنه قال هذا الشعر ما هو عاره، فكيف يقول بعد هذا " جمرة الخد أحرقت عنبر الخال " إلى آخره، فجعل العذار دخان العنبر، وأين دخان العنبر من الشعر بل كان ينبغي أن يقول لهم: هذا ما هو شعر، بل هو دخان العنبر حتى يتم له المعنى.
وقد نظم صاحبنا ورفيقنا في الاشتغال بحلب عون الدين أبو الربيع سليمان بن بهاء الدين عبد المجيد بن العجمي الحلبي (١) بيتين ألم فيهما بهذا المعنى وهما:
стр. 2672
لهيب الخد حين بدا لعيني ... هوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالاً ... وها أثر الدخان على الحواشي وقد أحسن في هذا المعنى وخلص من تلك المؤاخذة، لكن وقع في مؤاخذة أخرى، وهي أنه جعل العذار احتراق قلبه، والعماد جعله دخان عنبر الخال، وبين الدخانين بون كبير، فهذا طيب الرائحة وذاك كريه الرائحة.
وقد سبق ترجمة عبد الله بن صارة الشنتريني (١) بيتان أبدع فيهما، وهما:
ومهفهف رقت حواشي حسنه ... فقلوبنا وجداً عليه رقاق
لم يكس سالفه العذار وإنما ... نفضت عليه صباغها الأحداق والأصل في هذا الباب (٢) كله قوله أبي إسحاق إبراهيم الصابي الكاتب في غلامه الأسود واسمه يمن - وقد سبق ذكر الأبيات في ترجمته من هذا الكتاب (٣) ، والمقصود منها هاهنا قوله في أولها:
لك وجه كأن يمناي خطت ... هـ بلفظ تمله آمالي
فيه معنى من البدور ولكن ... نفضت صبغها عليه الليالي وبيتا عون الدين فيهما إلمام بقول أبي الحسين أحمد بن منير الطرابلسي - المقدم ذكره:
لا تخالوا الخال يعلو خده ... قطرةً من دم جفني نطفت
ذاك من نار فؤادي جذوة ... فيه ساخت وانطفت ثم طفت قلت: وقد خرجنا عن المقصود وانتشر الكلام، لكن ما خلا ما خلا من فائدة.
стр. 2673
وقال أبو سعد السمعاني أيضاً: أنشدني يحيى بن نزار المنبجي لنفسه:
لو صد عني دلالاً أو معاتبة ... لكنت أرجو تلافيه وأعتذر
لكن ملالاً فلا أرجو تعطفه ... جبر الزجاج عسير حين ينكسر وله غير هذا نظم مليح ومعان لطيفة.
وقال أبو الفرج صدقة بن الحسين بن الحداد (١) في تاريخه المرتب على السنين ما مثاله: سنة أربع وخمسين وخمسمائة، في ليلة الجمعة سادس ذي الحجة مات يحيى بن نزار المنبجي ببغداد، ودفن بالوردية، قيل إنه وجد في أذنه ثقلاً فاستدعى إنساناً من الطرقية، فامتص أذنه فخرج شيء من مخه، فكان سبب موته، رحمه الله تعالى.
وقال السمعاني: هو أخو أبي الغنائم التاجر المعروف، وذكر أبا الغنائم ووصفه وأثنى عليه في ترجمة مستقلة في كتاب " الذيل " أيضاً، رحمه الله تعالى.
(٣٢٩) وأما العماد المحلي (٢) فإنه كان أديباً لطيفاً على ما يحكى عنه من النوادر وله نظم مليح في المقطعات دون القصائد، وكان يحفظ المقامات وشرحها، وتوفي ليلة الأربعاء عاشر شهر ربيع الأول سنة تسع وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، وعرف بابن الجمال (٣) ، وولد في سنة ستين وخمسمائة تقديراً بقوص، ونشأ بالمحلة، فنسب إليها.
ثم وجدت في مسوداتي بخطي بيتاً منسوباً إلى الوجيه أبي الحسن علي بن يحيى بن الحسين بن أحمد المعروف بابن الذروي الأديب الشاعر وهو.
عذاره دخان ندٍ خاله ... وريقه من ماء ورد خده ثم وجدت منسوباً إلى ابن سناء الملك - المقدم ذكره - والصحيح أنها لأسعد
стр. 2674
ابن مماتي - المقدم ذكره أيضاً:
سمراء قد أزرت بكل أسمرٍ ... بلونها ولينها وقدها (١)
أنفاسها دخان ند خالها ... وريقها من ماء ورد خدها
لو كتب البدر إلى خدمتها ... ملطفاً ترجمه بعبدها ورأيت للمهذب أبي نصر محمد بن إبراهيم بن الخضر الحلبي المعروف بابن البرهان الحاسب المنجم الطبري (٢) :
ومهفهفٍ راقت نضارة وجهه ... فالعين تنظر منه أحسن منظر
أصلى بنار الخد عنبر خاله ... فبدا العذار دخان ذاك العنبر فعلمت أن العماد المحلى إنما أخذ ذلك المعنى من أحد هؤلاء، والله أعلم.
٨١٠ - (٣)
تاج الدين ابن الجراح
أبو الحسين يحيى بن أبي علي منصور بن الجراح بن الحسين بن محمد بن داود بن الجراح المصري، وهذه الزيادة في نسبه وجدتها بخط بعض الأدباء ولا أتحققها، والأول أصح (٤) ، الكاتب المنعوت (٥) تاج الدين؛ كتب في ديوان
стр. 2675
الإنشاء بالديار المصرية مدة طويلة. وكتب الكثير، وكان خطه في غاية الجودة، وكان فاضلاً أديباً متقناً، له فطرة حسنة وشعر فائق ورسائل أنيقة، وسنع الحديث بثغر الإسكندرية المحروسة على الحافظ أبي طاهر السلفي وأبي الثناء حماد بن هبة الله الحراني، وحدث وسمع الناس عليه.
وله لغز في الدملج الذي تلبسه النساء، وهو بديع في بابه فأحببت ذكره، وهو نثر:
ما شيء قلبه حجر، ووجهه قمر، إن نبذته صبر، واعتزل البشر وإن أجعته رضي بالنوى، وانطوى على الخوى، وإن أشبعته قبل قدمك، وصحب خدمك، وإن غلفته ضاع، وإن أدخلته السوق أبى أن يباع، وإن أظهرته جمل المتاع، وأحسن الإمتاع، وإن شددت ثانيه، وحذفت منه القافية، كدر الحياة وأوجب التخفيف في الصلاة، وأحدث في (١) وقت العصر الضجر، ووقت الفجر الخدر، وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر، هذا وإن فصلته دعا لك، وأبقى ما إن ركبته هالك، وربما بلغك آمالك، وكثر مالك، وأحسن بعون المساكين مآلك، والسلام.
قلت: وهذا اللغز قد يقف عليه من لا يعرف طريق حله، فيعسر عليه تفسيره، فيحتاج إلى الإيضاح، فأقول:
أما قوله " ما شيء قلبه حجر " فمراده قلب حروف دملج، فإنا إذا قلبنا هذه الحروف يخرج منها " جلمد " وهو الحجر، وقوله " ووجهه قمر " يريد أنه مستدير كالقمر، وقوله " إن نبذته صبر واعتزل البشر " فالبشر جمع بشرة، فالإنسان إذا ألقى الدملج عنه صبر واعتزل بشرته إذ ليس فيه أهلية المنع فهو يصبر ويعتزل المكان الذي كان فيه. وقوله " وإن أجعته رضي بالنوى " فالنوى لفظ مشترك يقع على البعد وعلى نوى التمر، وعادتهم في بلاد العراق أن يطحنوا نوى التمر والرطب والبسر ويعلفوا به البقر، وقصد هاهنا هذه التورية، فإن الدملج إذ أخرج من العضد أو من الساق فقد جاع، لأنه يكون فارغ الجوف، ويرضى بالنوى الذي هو البعد عن عضو صاحبه، ويقولون: فلان يرضى بالنوى، إذا كان فقيراً لا يجد ما يتبلغ به، فهو يجتزئ بمص النوى، وهذا يفعله أهل
стр. 2676
الحجاز والبلاد المجدية، لقلة الأقوات عندهم، فقد استعمل صاحب هذا اللغز لفظة النوى في هذين المعنيين، وهذه هي التورية، وقوله " وانطوى على الخوى " فالخوى هو الخلو، وإذا كان فارغ الجوف فهو خاوٍ، وقوله " وإن أشبعته قبل قدمك " مراده بالإشباع هنا لبس الدملج، فإن صاحبه إذا لبسه فقد ملأ جوفه، ويكون فوق القدم فكأنه يقبله. وقوله " وصحب خدمك " فيه تورية أيضاً فإن الخدم جمع خادم، وهذا الجمع قليل الاستعمال لهذا الواحد فإنه لا يقال فاعل وجمعه فعل إلا في ألفاظ مسموعة مثل خادم وخدم وغائب وغيب، وحارس وحرس، وجامد وجمد، وغير ذلك، فهو موقوف على السماع، وخدم جمع خدمة أيضاً، وهو سير يشد في رسغ البعير تشد إليه سريحة النعل وبه سمي الخلخال خدمة لأنه ربما كان من سيور يركب فيه الذهب والفضة ويجمع على خدام أيضاً. وقوله " وإن غلفته ضاع " هذا فيه تورية أيضاً، فإن التغليف أن يجعل للشيء غلافاً، والتغليف استعمال الطيب أيضاً. وقوله " ضاع " فيه تورية أيضاً، فإنه يقال ضاع الشيء من الضياع، وضاع الطيب إذا عبقت رائحته. وقوله " وإن أدخلته السوق أبى أن يباع " فالسوق جمع ساق، وفيه التورية أيضاً لأن السوق موضع البيع والشراء، والسوق كما ذكرناه. وقوله " أبى أن يباع " لأن العادة أنه لا يباع إلا إذا أخرج من العضو الذي هو فيه، ولا يباع قبل إخراجه، فكأنه قبل الإخراج أبى البيع، وقوله " وإن أظهرته جمل المتاع، وأحسن الإمتاع " فهذا ظاهر لا حاجة له إلى تفسير. وقوله " وإن شددت ثانيه " وهو الميم، و " حذفت منه القافية " وهي الجيم، فيبقى الدمل، وهو يكدر الحياة بألمه، ويوجب التخفيف في الصلاة للألم أيضاً. وقوله " وأحدث في وقت العصر الضجر " فالعصر فيه التورية أيضاً، لأنه اسم الصلاة، وهو مصدر لفعل عصر، وكذلك الفجر، لأنه اسم للصبح وهو مصدر لفعل فجر، فالإنسان في وقت عصر الدمل يحصل له الضجر والقلق وإذا فجره وخلص منه حصل له الخدر والراحة. وقوله " وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر " فقصد المقابلة بين الحسن والقبح، ولا شك أن عقبى انفجار الدمل حسنة، وإن كان الأثر الذي يبقى في المكان قبيحاً. وقوله
стр. 2677
" وإن فصلته دعا لك " معناه أنك إذا فصلت أحد النصفين من لفظ الدملج من النصف الآخر، فالنصف منه " دُم " وهو الدعاء للإنسان بالدوام، وقوله " وأبقى ما إن ركبته هالك " فالباقي منه " لج " واللج هو لج البحر، وإن كان النصف من الدملج مخففاً، ولج البحر مشدداً، لكنهم يغتفرون مثل هذا في الألغاز والتصاحيف والأحاجي، ولا يبالون به، ولا شك أن ركوب البحر أمر هائل، فلهذا قال " هالك وربما بلغك آمالك " لأنه يوصل الإنسان إلى الموضع الذي يقصده. وقوله " وكثر مالك " معناه إذا ركبه الإنسان للتجارة، وقوله " وأحسن بعون المساكين مآلك "، فعون المساكين هو السفينة، كما قال الله تعالى " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " " الكهف ": فهي عون لهم على حاجتهم وسد خلتهم، ومآل الشيء عاقبة أمره، والله تعالى أعلم.
قلت: وفي اللغز ثماني لغات، لغز بضم اللام وسكون الغين، ولغز بضمهما، ولغز بضم اللام وفتح الغين، ولغز بفتح اللام وسكون الغين، ولغز بفتحهما، وألغوزة الهمزة وسكون اللام وضم الغين، ولغيزي بضم اللام وتشديد الغين مع القصر، ولغيزاء مثل الأول إلا أن الغين مخففة ومفتوحة والألف ممدودة، والله أعلم.
وقد طال الكلام لكن الحاجة دعت إليه كي لا يبقى فيه التباس على سامعه، ورأيت في مجموع بخط بعض الفضلاء بيتين منسوبين إليه، وهما هذان:
أمد كفي إلى البيضاء أقلعها ... من لحيتي فتفديها بسوداء
هذي يدي وهي مني لا تطاوعني ... على مرادي فما ظني بأعدائي وكانت ولادة المذكور في ليلة السبت خامس عشر شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وتوفي في خامس شعبان سنة ست عشرة وستمائة بدمياط، والعدو المخذول محاصرها، رحمه الله تعالى.
وجراح: بفتح الجيم وتشديد الراء وبعد الألف حاء مهملة.
ثم إن العدو ملك دمياط يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر المذكور، والله أعلم.
стр. 2678
ونقلت من خط الشيخ مهذب الدين أبي طالب محمد بن علي اللغوي (١) المعروف بابن الخيمي الحلي نزيل مصر أن العدو نزل قبالة دمياط يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس عشرة وستمائة، ونزل البر الشرقي يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة من السنة، وأخذ الثغر يوم الثلاثاء السادس والعشرين (٢) من شعبان سنة ست عشرة وستمائة، واستعيدت منهم يوم الأربعاء تاسع عشر رجب سنة ثماني عشرة وستمائة، ومدة نزولهم عليها إلى أن انفصلوا عنها ثلاث سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً، ومن الاتفاق العجيب نزولهم عليها يوم الثلاثاء وإحاطتهم بها يوم الثلاثاء وملكهم لها يوم الثلاثاء، وقد جاء في الخبر أن الله تعالى خلق المكروه يوم الثلاثاء.
ولفظة دمياط سريانية، وأصلها بالذال المعجمة، ويقولونه (٣) ذمط، وتفسيره القدرة الربانية، وكأنه إشارة إلى مجمع البحرين العذب والملح، والله تعالى أعلم.
٨١١ - (٤)
جمال الدين ابن مطروح
أبو الحسن يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين بن مطروح، الملقب جمال الدين، من أهل الصعيد مصر، ونشأ هناك وأقام بقوص مدة، وتنقلت به الأحوال في الخدم والولايات، ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح أيوب الملقب نجم الدين ابن السلطان
стр. 2679
الملك الكامل ابن السلطان الملك العادل بن أيوب وكان إذ ذاك نائباً عن أبيه الملك الكامل بالديار المصرية، ولما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد المصرية بل بالبلاد الشرقية، فصار له آمد وحصن كيفا وحران والرها والرقة ورأس عين وسروج وما انضم إلى ذلك، سير إليها ولده الملك الصالح المذكور نائباً عنه، وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة، فكان ابن مطروح المذكور في خدمته، ولم يزل يتنقل في تلك البلاد إلى أن وصل الملك الصالح إلى مصر مالكاً لها، وكان دخوله القاهرة يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة، ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة، فرتبه ناظراً في الخزانة، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية، وكان ذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
ثم إن السلطان بعد ذلك رتب لدمشق نواباً (١) ، فكان ابن مطروح في صورة وزير لها، ومضى إليها وحسنت حالته وارتفعت منزلته.
ثم إن الملك الصالح توجه إلى دمشق فوصلها في شعبان سنة ست وأربعين، وجهز عسكراً إلى حمص لاستنقاذها من يدي نواب الملك الناصر أبي المظفر يوسف الملقب صلاح الدين بن الملك العزيز بن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، فإنه قد انتزعها من صاحبها الملك الأشرف مظفر الدين أبي الفتح موسى ابن الملك المنصور إبراهيم ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه عنوة، وكان منتمياً إلى الملك الصالح، فخرج من مصر لاسترداد حمص له، فعزل ابن مطروح عن ولايته بدمشق (٢) ، وسيره مع العسكر المتوجه إلى حمص، وأقام الملك الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له ما يكون من أمر حمص، فبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا بجزيرة قبرص على عزم قصد الديار المصرية، فسير إلى عسكره المحاصرين بحمص وأمرهم أن يتركوا ذلك المقصد ويعودوا إلى لحفظ الديار المصرية، فعاد بالعسكر وابن مطروح في الخدمة، والملك
стр. 2680
الصالح متغير عليه متنكر له لأمور نقمها عليه، وطرق الفرنج البلاد في أوائل سنة سبع وأربعين، وملكوا دمياط يوم الأحد الثاني والعشرين من صفر من السنة، وخيم الملك الصالح بعسكره على المنصورة، وابن مطروح مواظب على الخدمة مع الإعراض عنه، ولما مات الملك الصالح ليلة النصف من شعبان سنة سبع وأربعين بالمنصورة وصل ابن مطروح إلى مصر وأقام في داره إلى أن مات.
هذه جملة حاله على الإجمال.
وكانت أدواته جميلة وخلاله حميدة، جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية، وكان بيني وبينه مودة أكيدة ومكاتبات في الغيبة، ومجالس في الحضرة تجري فيها مذاكرات أدبية لطيفة، وله ديوان شعر أنشدني أكثره، فمن ذلك قوله في أول قصيدة طويلة (١) :
هي رامة فخذوا يمين الوادي ... وذروا السيوف تقر في الأغماد
وحذار من لحظات أعين عينها ... فلكم صرعن بها من الآساد
من كان منكم واثقاً بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادي
يا صاحبي ولي بجرعاء الحمى ... قل أسير ما له من فادي
سلبته مني يوم بانوا مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد
وبحي من أنا في هواه ميت ... عين على العشاق بالمرصاد
وأغن مسكي اللمى معسوله ... لولا الرقيب بلغت منه مرادي
كيف السبيل إلى وصال محجبٍ ... ما بين بيض ظباً وسمر صعاد
في بيت شعرٍ نازل من شعره ... فالحسن منه عاكف في بادي
حرسوا مهفهف قده بمثقف ... فتشابه المياس بالمياد
قالت لنا ألف العار بخده ... في ميم مبسمه شفاء الصادي وهي طويلة اقتصرت منها على هذا القدر للاختصار.
стр. 2681
ومن ذلك قوله:
علقته من آل يعرب لحظه ... أمضى وأفتك من سيوف عريبه
أسكنته في المنحنى من أضلعي ... شوقاً لبارق ثغره وعذيبه
يا عائبي ذاك الفتور بطرفه ... خلوه لي أنا قد رضيت بعيبه
لدن وما مر النسيم بعطفه ... أرج وما نفح العبير بجيبه وكان في بعض أسفاره قد نزل في طريقه بمسجد وهو مريض فقال:
يا رب إن عجز الطبيب فداوني ... بلطيف صنعك واشفني يا شافي
أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من ... شيم الكرام البر بالأضياف ووجدت بعد موته رقعة فيها مكتوب هذان البيتان (١) .
وأخبرني أنه جرى بينه وبين أبي الفضل جعفر بن شمس الخلافة الشاعر - المقدم ذكره (٢) - منازعة في بيت هو من جملة قصيدته التي أولها:
من لي بغصنٍ باللحاظ ممنطق ... حلو الشمائل واللمى والمنطق
مثري الروادف مملق من خصره ... أسمعت في الدنيا بمثر مملق والبيت الذي قد وقع فيه النزاع قوله:
وأقول يا أخت الغزال ملاحةً ... فتقول لا عاش الغزال ولا بقي فزعم ابن شمس الخلافة أن هذا البيت له من جملة قصيدة هي في ديوانه، وعمل كل واحد منهما محضراً شهد فيه جماعة بأن البيت له، وحلف لي ابن مطروح أن البيت له، وكان محترزاً في أقواله، ولم تعرف منه الدعوى بما ليس له، والله المطلع على السرائر.
وأنشدني له بعض أصحابنا قال: أنشدني لنفسه:
стр. 2682
يا من لبست عليه أثواب الضنى ... صفراً موشعةً بحمر الأدمع
أدرك بقية مهجة لو لم تذب ... أسفاً عليك نفيتها عن أضلعي (١) وكان في مدة انقطاعه في داره وضيق صدره بسبب عطلته وكثرة كلفه قد حدث في عينيه ألم انتهى به إلى مقاربة العمى، وكنت أجتمع به في كل وقت، فتأخرت عنه مديدة لعذر أوجب ذلك، وكنت في ذلك الوقت أنوب في الحكم بالقاهرة المحروسة عن قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن الحسن بن علي الحاكم بالديار المصرية المعروف بقاضي سنجار، فكتب إلي ابن مطروح يقول:
يا من إذا استوحش طرفي له ... لم يخل قلبي منه من أنس
والطرف والقلب، على ما هما ... عليه، مأوى البدر والشمس وله من جملة قصيدة طويلة (٢) :
ملك الملاح ترى العيو ... ن عليه دائره يطق
ومخيم بين الضلو ... ع وفي الفؤاد له سبق والبيت الأول مأخوذ من قول المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدقٍ نطاقا واليطق: بفتح الياء المثناة من تحتها والطاء المهملة وبعدها قاف، وهو عبارة عن جماعة من الجند يبيتون كل ليلة حول خيمة الملك محيطين به يحرسونه إذا كان مسافراً، وهو لفظ تركي.
والسبق: بفتح السين المهملة والباء الموحدة وبعدها قاف، وهي خيمة الملك إذا كان مسافراً، فإنه تقدم له خيمة إلى المنزلة التي يتوجه إليها، حتى إذا جاءها له ينزل فيها، ولا يتوقف على انتظار وصول الخيمة التي
стр. 2683
كان بها [في تلك المنزلة التي رحل منها] (١) .
وله بيتان ضمنهما بيت المتنبي وأحسن فيهما، وهما:
إذا ما سقاني ريقه وهو باسم ... " تذكرت ما بين العذيب وبارق "
ويذكرني من قده ومدامعي ... " مجر عوالينا ومجرى السوابق " وهذا المعنى للمتنبي في أول قصيدة بديعة طويلة، وهي:
تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق وكانت بينه وبين بهاء الدين زهير - المقدم ذكره في حرف الزاي - صحبة قديمة من زمن الصبا، وإقامتهما ببلاد الصعيد، حتى كانا كالأخوين، وليس بينهما فرق في أمور الدنيا، ثم اتصلا بخدمة الملك الصالح وهما على تلك المودة، وبينهما مكاتبات بالأشعار فيما يجري لهما، فأخبرني بهاء الدين زهير أن جمال الدين ابن مطروح كتب إليه بعض الأيام يطلب منه درج ورق، وكان قد ضاق به الوقت، وأظنهما كانا ببلاد الشرق معاً (٢) :
أفلست يا سيدي من الورق ... فجد بدرج كعرضك اليقق
وإن أتى بالمداد مقترناً ... فمرحباً بالخدود والحدق قال بهاء الدين زهير، وقد فتح الراء من " الورق " وكسرها تنبيهاً على حاله، فكتبت إليه:
مولاي سيرت ما رسمت به ... وهو يسير المداد والورق
وعز عندي تسيير ذاك وقد ... شبهته بالخدود والحدق (٣)
стр. 2684
وقد سبق في ترجمة بهاء الدين ذكر بيتين كتبهما ابن مطروح إلى بهاء الدين وذكرت السبب في نظم ذينك البيتين على ما حكاه لي بهاء الدين، ثم بعد ذلك وصل إلى الديار المصرية من الموصل بعض الأدباء وجرى حديث ما ذكره لي بهاء الدين زهير وأنه أنشدني بيت ابن الحلاوي وهو قوله:
تجيزها وتجيز المادحين (١) بها ... فقل لنا أزهير أنت أم هرم فقال ذلك الأديب: هذه القصيدة أنشدنيها ناظمها ابن الحلاوي ونحن بالموصل، وأروي عنه هذا البيت على خلاف هذه الرواية فإنه أنشدني:
تجيدها ثم تجدو من أتاك بها ... فقل لنا أزهير أنت أم هرم فما أدري: هل ابن الحلاوي أنشدها أولاً كما رواه بهاء الدين زهير ثم غير البيت كما رواه هذا الأديب أم حصل الغلط لأحدهما والله تعالى أعلم، مع أن كل واحد من الطريقين حسن.
وقصة زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر الجاهلي المشهور معلومة فلا حاجة إلى شرحها والخروج عما نحن بصدده، فإنه كان يمدح هرم بن سنان المري أحد أمراء العرب في الجاهلية، وكان هرم كثير العطاء له، حتى آلى على نفسه أنه لا يسلم عليه زهير إلا أعطاه غرة من ماله فرساً أو بعيراً أو عبداً أو أمة، فأجحف ذلك بهرم، فجعل زهير يمر بالجماعة فيهم هرم فيقول: عموا صباحاً خلا هرماً، وخيركم تركت.
стр. 2685
ونعود إلى ما كنا فيه من حديث ابن مطروح:
بلغني أنه كتب قبل ارتفاع درجته رقعة تتضمن شفاعة في قضاء شغل بعض أصحابه، أرسلها إلى بعض الرؤساء، فكتب ذلك الرئيس في جوابه " هذا الأمر فيه علي مشقة " فكتب جوابه ثانية " لولا المشقة " فلما وقف عليها ذلك الرئيس قضى شغله وفهم قصده، وهو قول المتنبي:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال وهذا من لطيف الإشارات.
وأنشدني الأديب الفاضل جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي المعروف بالجزار المصري (١) قصيدة بديعة مدح بها جمال الدين ابن مطروح المذكور، وهي بديعة فاقتصرت منها على ذكر غزلها، وهو هذا:
هو ذا الربيع ولي نفس مشوقه ... فاحبس الركب عسى أقضي حقوقه
فقبيح بي في شرع الهوى ... بعد ذلك البر أن أرضى عقوقه
لست أنسى فيه ليلاتٍ مضت ... مع من أهوى وساعاتٍ أنيقه
ولئن أضحى مجازاً بعدهم ... فغرامي فيه ما زال حقيقه
يا صديقي والكريم الحر في ... مثل هذا الوقت لا ينسى صديقه
ضع يداً منك على قلبي عسى ... أن تهدي بين جنبي خفوقه
فاض دمعي مذ رأى ربع الهوى ... ولكم فاض وقد شام بروقه
نفد اللؤلؤ من أدمعه ... فغدا ينثر في الترب عقيقه
قف معي واستوقف الركب فإن ... لم يقف فاتركه يمضي وطريقه
стр. 2686
فهي أرض قلما يلحقها ... آمل والركب لم أعدم لحوقه
طالما استجليت في أرجائها ... من يتيه البدر إذ يدعى شقيقه
يفضح الورد احمراراً خده ... وتود الخمر لو تشبه ريقه
فبه الحسن خليق لم يزل ... والمعالي بابن مطروح خليقه وكانت ولادته يوم الاثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بأسيوط، وتوفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة بمصر، ودفن بسفح الجبل المقطم، وحضرت الصلاة عليه ودفنه، وأوصى أن يكتب عند رأسه دوبيت نظمه في مرضه، وهو:
أصبحت بقعر حفرةٍ مرتهناً ... لا أملك من دنياي إلا كفنا
يا من وسعت عبادة رحمته ... من بعض عبادك المسيئين أنا ومما ذكر أنه وجد في رقعة مكتوبة تحت رأسه بعد موته:
أتجزع مِ الموت (١) هذا الجزع ... ورحمة ربك فيها الطمع
ولو بذنوب الورى جئته ... فرحمته كل شيء تسع رحمه الله تعالى.
(٣٣٠) وتوفي قاضي القضاة بدر الدين يوسف (٢) المذكور يوم السبت رابع عشر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة بالقاهرة، ودفن في تربته المجاورة لمدرسته بالقرافة الصغرى. وأخبرني مراراً عديدة أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسمائة في جبال إربل، وهو زرزاري النسب، رحمه الله تعالى (٣) .
وأسيوط: بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الياء المثناة من تحتها وبعدها واو ساكنة ثم طاء مهملة، وهي بليدة بالصعيد الأعلى من ديار مصر ومنهم من يسقط الهمزة ويضم السين فيقول: سيوط، والله تعالى أعلم.
стр. 2687
٨١٢ - (١)
ابن جزلة صاحب المنهاج
أبو علي يحيى بن جزلة الطبيب، صاحب كتاب " المنهاج " الذي رتبه على الحروف، وجمع فيه أسماء الحشائش والعقاقير والأدوية وغير ذلك شيئاً كثيراً، كان نصرانياً ثم أسلم وصنف رسالة في الرد على النصارى وبيان عوار مذاهبهم، ومدح فيها الإسلام وأقام الحجة على أنه الدين الحق، وذكر فيها ما قرأه في التوراة والإنجيل من ظهور النبي ﷺ ، وأنه نبي مبعوث وأن اليهود والنصارى أخفوا ذلك ولم يظهروه، ثم ذكروا فيها معايب اليهود والنصارى. وهي رسالة حسنة أجاد فيها وقرئت عليه في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وأربعمائة. وكان سبب إسلامه أنه كان يقرأ على أبي علي ابن الوليد المعتزلي ويلازمه، فلم يزل يدعوه إلى الإسلام ويذكر له الدلائل الواضحة حتى هداه الله تعالى، وحسن إسلامه، وهو تلميذ أبي الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسن، وبه انتفع في الطب، وكان له نظر في علم الأدب، وكتب الخط الجيد.
وصنف للإمام المقتدي بأمر الله كثيراً من الكتب، فمن ذلك كتاب " تقويم الأبدان " وكتاب " منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان "، وكتاب " الإشارة في تلخيص العبارة " ورسالة في مدح الطب وموافقته للشرع والرد على من طعن عليه، ورسالة كتبها إلى إليا القس لما أسلم، وغير ذلك من التصانيف. وهو من المشاهير في علم الطب وعمله، وذكره أبو المظفر يوسف سبط أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه الذي سماه " مرآة الزمان " فقال: إنه لما أسلم استخلفه أبو الحسن القاضي ببغداد (٢) في كتب السجلات، وكان يطبب
стр. 2688
أهل محلته ومعارفه بغير أجرة، ويحمل إليهم الأشربة والأدوية بغير عوض، ويتفقد الفقراء ويحسن إليهم. ووقف كتبه قبل وفاته، وجعلها في مشهد أبي حنيفة ﵁، ذكر هذا كله في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وعادته أن يذكر الإنسان ويشرح أحواله في سنة وفاته، فإن كتابه مرتب على السنين.
وذكر صاحب كتاب " البستان الجامع لتواريخ الزمان " أن ابن جزلة مات سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وزاد أبو الحسن الهمذاني: في أواخر شعبان، نقله عنه ابن النجار في " تاريخ بغداد "، وذكره غيره أن إسلامه كان في سنة ست وستين وأربعمائة، زاد ابن النجار في تاريخ: يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخر، رحمه الله تعالى.
وجزلة: بفتح الجيم وسكون الزاي وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة، والله تعالى أعلم.
٨١٣ - (١)
السهروردي المقتول
أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك، الملقب شهاب الدين، السهروردي الحكيم المقتول بحلب، وقيل اسمه أحمد، وقيل كنيته اسمه وهو أبو الفتوح، وذكر أبو العباس أحمد بن أبي أصيبعة الحزرجي الحكيم في كتاب " طبقات الأطباء " أن اسم السهروردي المذكور عمر، ولم يذكر اسم أبيه (٢) ، والصحيح الذي ذكرته أولاً، فلهذا بنيت الترجمة عليه، فإني وجدته بخط جماعة من أهل المعرفة بهذا الفن وأخبرني به جماعة أخرى لا أشك في معرفتهم،
стр. 2689
فقوي عندي ذلك، فترجمت عليه، والله أعلم.
كان المذكور من علماء عصره، قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدين الجيلي بمدينة المراغة من أعمال أذربيجان، إلى أن برع فيهما وهذا مجد الدين الجيلي هو شيخ فخر الدين الرازي (١) ، وعليه تخرج وبصحبته انتفع، وكان إماماً في فنونه.
وقال في " طبقات الأطباء ": كان السهروردي المذكور أوحد أهل زمانه في (٢) العلوم الحكمية، جامعاً للفنون الفلسفية بارعاً في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء فصيح العبارة، وكان علمه أكثر من عقله، ثم ذكر أنه قتل في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة، والصحيح ما سنذكره في أواخر هذه الترجمة إن شاء الله تعالى، وعمره نحو ست وثلاثين سنة، ثم قال: ويقال إنه كان يعرف علم السيمياء.
وحكى بعض فقهاء العجم: أنه كان في صحبته، وقد خرجوا من دمشق، قال: فلما وصلنا إلى القابون، القرية التي على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب، لقينا قطيع غنم مع تركماني، فقلنا للشيخ: يا مولانا نريد من هذه الغنم رأساً نأكله، فقال: معي عشرة دراهم، خذوها واشتروا بها رأس غنم، وكان هناك تركماني فاشترينا منه رأساً بها، ومشينا قليلاً فلحقنا رفيق له وقال: ردوا هذا الرأس، خذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم، يساوي هذا الرأس أكثر من ذلك، وتقاولنا نحن وإياه، فلما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدمنا نحن، وبقي الشيخ يتحدث معه ويطيب قلبه، فلما أبعدنا قليلاً تركه وتبعنا، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، وهو لا يلتفت إليه، فلما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى، وقال: أين تروح وتخليني وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت في يد التركماني ودمها يجري، فبهت التركماني وتحير في أمره، فرمى اليد وخاف، فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا، وبقي التركماني راجعاً وهو يتلفت
стр. 2690
إليه حتى غاب عنه، ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديلاً لا غير.
قلت: ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة، والله أعلم بصحتها.
وله تصانيف، فمن ذلك كتاب " التنقيحات " (١) في أصول الفقه، وكتاب " التلويحات "، وكتاب " الهياكل "، وكتاب " حكمة الإشراق "، وله الرسالة المعروفة " بالغربة الغريبة " على مثال " رسالة الطير " لأبي علي ابن سينا، ورسالة " حي بن يقظان " لابن سينا أيضاً، وفيها بلاغة تامة أشار فيها إلى حديث النفس وما يتعلق بها اصطلاح الحكماء.
ومن كلامه: الفكر في صورة قدسية، يتلطف بها طالب الأريحية، ونواحي القدس دار لا يطؤها القوم الجاهلون، وحرام على الأجساد المظلمة أن تلج ملكوت السموات، فوجد الله وأنت بتعظيمه (٢) ملآن، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان، ولو كان في الوجود شمسان لانطمست الأركان، فأبى النظام أن يكون غير ما كان:
فخفيت حتى قلت لست بظاهر ... وظهرت من سعتي على الأكوان [آخر] (٣) :
لو علمنا أننا ما نلتقي ... لقضينا من سليمى وطرا اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف.
وتنسب إليه أشعار: فمن ذلك ما قاله في النفس على مثال أبيات ابن سينا العينية، وهي مذكورة في ترجمته في حرف الحاء، واسمه الحسين (٤) ، فقال هذا الحكيم:
خلعت هياكلها بجرعاء الحمى ... وصبت لمغناها القديم تشوقا
стр. 2691
وتلفتت نحو الديار فشاقها ... ربع عفت أطلاله فتمزقا
وقفت تسائله فرد جوابها ... رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللقا
فكأنما (١) برق تألق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه ما أبرقا ومن شعره المشهور:
أبداً تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لذيذ لقائكم ترتاح (٢)
وارحمة (٣) للعاشقين تكلفوا ... ستر المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السفاح (٤)
وبدت شواهد للسقام عليهم ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكم ... للصب في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة ... وإلى رضاكم طرفه طماح
عودوا بنور الوصل من غسق الجفا ... فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له فقلوبهم ... في نورها المشكاة والمصباح
وتمتعوا فالوقت طاب بقربكم ... راق الشراب ورقت الأقداح (٥)
يا صاح ليس على المحب ملامة ... إن لاح في أفقٍ الوصال صباح
لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى ... كتمانهم فنما الغرام وباحوا
سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها ... لما دروا أن السماح رباح
стр. 2692
ودعاهم داعي الحقائق دعوة ... فغدوا بها مستأنسين وراحوا
ركبوا على سنن الوفا فدموعهم ... بحر وشدة شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه ... حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم ... أبداً فكل زمانهم أفراح
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم ... فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
قم يا نديم إلى المدام فهاتها ... في كاسها قد دارت الأقداح
من كرم إكرام بِدنّ ديانة ... لا خمرة قد داسها الفلاح وله في النظم والنثر أشياء لطيفة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها. وكان شافعي المذهب، ويلقب بالمؤيد بالملكوت، وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل ويعتقد مذهب الحكماء المتقدمين، واشتهر ذلك عنه، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها بإباحة قتله بسبب اعتقاده وما ظهر لهم من سوء مذهبه، وكان أشد الجماعة عليه الشيخين: زين الدين ومجد الدين ابني جهبل.
وقال الشيخ سيف الدين الآمدي - المقدم ذكره في حرف العين (١) -: اجتمعت بالسهروردي في حلب، فقال لي: لا بد أن أملك الأرض، فقلت له: من أين لك هذا قال: رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر، فقلت: لعل هذا يكون اشتهار العلم وما يناسب هذا، فرأيته لا يرجع عنا وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل، ويقال: إنه لما تحقق القتل كان كثيراً ما ينشد:
أرى قدمي أراق دمي ... وهان دمي فها ندمي والأول مأخوذ من قول أبي الفتح علي بن محمد السبتي - المقدم ذكره (٢) -:
إلى حتفي مشى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي
стр. 2693
فلم أنفك من ندم ... وليس بنافعي ندمي وكان ذلك في دولة الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين ﵀، فحبسه ثم خنقه بإشارة والده السلطان صلاح الدين، وكان ذلك في خامس رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب، وعمره ثمان وثلاثون سنة.
وذكره القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد قاضي حلب في أوائل سيرة صلاح الدين (١) ، وقد ذكر حسن عقيدته (٢) فقال: كان كثير التعظيم لشعائر الدين، وأطال الكلام في ذلك، ثم قال: ولقد أمر ولده صاحب حلب بقتل شاب نشأ يقال له " السهروردي " قيل عنه: إنه معاند (٣) للشرائع، وكان قد قبض عليه ولده المذكور لما بلغه خبره، وعرف السلطان به فأمر بقتله، فقتله وصلبه أياماً.
ونقل سبط ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد المذكور أنه قال: لما كان يوم الجمعة بعد الصلاة سلخ ذي الحجة سنة سبع وثمانين وخمسمائة أخرج الشهاب السهروردي ميتاً من الحبس بحلب فتفرق عنه أصحابه.
قلت: وأقمت بحلب سنين للاشتغال بالعلم الشريف، ورأيت أهلها مختلفين في أمره، وكل واحد يتكلم على قدر هواه: فمنهم من ينسبه إلى الزندقة والإلحاد، ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات، ويقولون: ظهر لهم بعد قتله ما يشهد له بذلك، وأكثر الناس على أنه كان ملحداً لا يعتقد شيئاً، نسأل الله تعالى العفو والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وأن يتوفانا على مذهب أهل الحق والرشاد، وهذا الذي ذكرته في تاريخ قتله هو الصحيح، وهو خلاف ما نقلته في أول هذه الترجمة، وقد قيل إن ذلك كان في سنة ثمان وثمانين، وليس بشيء أيضاً.
وحبش: بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة.
وأميرك: بفتح الهمزة وبعدها ميم مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة
стр. 2694
وبعدها راء مفتوحة ثم كاف، وهو اسم أعجمي معناه أمير تصغير أمير، وهم يلحقون الكاف في آخر الاسم للتصغير.
وقد تقدم الكلام على سهرورد في ترجمة الشيخ أبي النجيب عبد القاهر السهروردي فليطلب منه، إن شاء الله تعالى.
٨١٤ - (١)
يزيد بن القعقاع القارئ
أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي عتاقة، ويعرف أبو جعفر المذكور بالمدني؛ أخذ القراءة عرضاً عن عبد الله بن عباس ﵄، وعن مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وعن أبي هريرة ﵁؛ وسمع عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، ومروان بن الحكم، ويقال قرأ على زيد بن ثابت ﵁، وروى القراءة عنه عرضاً نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم وسليمان بن مسلم بن جماز وعيسى بن وردان الحذاء وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وله قراءة.
قال أبو عبد الرحمن النائي: يزيد بن القعقاع ثقة، وكان يقرئ الناس بالمدينة قبل وقعة الحرة، وقال محمد بن القاسم المالكي: أبو جعفر يزيد بن القعقاع مولى أم سلمة ﵂، زوج النبي ﷺ ، وقال: ويقال إنه جندب بن فيروز مولى عبد الله بن عياش المخزومي، وكان من أفضل الناس، وقال سليمان بن مسلم: أخبرني أبو جعفر يزيد بن القعقاع أنه كان يقرئ في مسجد رسول الله ﷺ قبل الحرة، وكانت الحرة على
стр. 2695
رأس ثلاث وستين سنة من مقدم رسول الله ﷺ المدينة، وأخبرني أنه كان يمسك المصحف على مولاه عبد الله بن عياش، وكان من أقرأ الناس وكنت أرى كل يومٍ ما يقرأ وأخذت عنه قراءته، وأخبرني أنه أتى به إلى أم سلمة ﵂ وهو صغير، فمسحت على رأسه ودعت له بالبركة، قال سليمان المذكور: وسألته متى أقرأت القرآن فقال: أقرأت أو أقرأت فقلت: لا بل أقرأت، فقال: هيهات قبل الحرة في زمان يزيد بن معاوية، وكانت الحرة بعد وفاة رسول الله ﷺ بثلاث وخمسين سنة.
وقال نافع بن أبي نعيم: لما غسل أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ بعد وفاته نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شك أحد ممن حضره أنه نور القرآن.
وقال سليمان بن مسلم: أخبرني أبو جعفر يزيد بن القعقاع حين كان نافع يمر به فيقول: أترى هذا كان يأتيني وهو غلام له ذؤابة فيقرأ علي ثم كفرني، وهو يضحك. قال سليمان، وقالت أم ولد أبي جعفر: إن ذلك البياض الذي كان بين نحره وفؤاده صار غرة بين عينيه. وقال سليمان: رأيت أبا جعفر بعد موته في المنام وهو على الكعبة فقلت له: أبا جعفر قال: نعم اقرئ إخواني عني السلام، وأخبرهم أن الله تعالى جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، واقرئ أبا حازم السلام وقل له: يقول لك أبو جعفر: الكيس الكيس، فإن الله وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات.
وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كان أبو جعفر القارئ رجلاً صالحاً يفتي (١) الناس بالمدينة.
وقال خليفة بن خياط (٢) : مات أبو جعفر يزيد بن القعقاع سنة اثنتين وثلاثين ومائة بالمدينة، وقال غيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال أبو علي الأهوازي في أول كتاب " الإقناع " في القراءات، قال ابن جماز: ولم يزل أبو جعفر إمام الناس في القراءة إلى أن توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالمدينة،
стр. 2696
وقيل إنه توفي في سنة ثلاثين ومائة، والله أعلم.
قلت: وقد تكرر ذكر الحرة في هذه الترجمة في مواضع، وقد يتشوف إلى الوقوف على معرفة ذلك من لا علم له به.
والحرة في الأصل اسم لكل أرض ذات حجارة سود، فمتى كانت بهذه الصفة قيل لها حرة، والحرار كثيرة، والمراد بهذه الحرة حرة واقم، بالقاف المكسورة، وهي بالقرب من المدينة في جهتها - كان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان في مدة ولايته قد سير إلى المدينة جيشاً مقدمه مسلم بن عقبة المري فنهبها، وخرج أهلها إلى هذه الحرة، فكانت الواقعة بها، وجرى فيها ما يطول شرحه وهو مسطور في التواريخ، حتى قيل إنه بعد وقعة الحرة ولدت أكثر من ألف بكر من أهل المدينة، ممن ليس لهن أزواج، بسبب ما جرى فيها من الفجور.
ثم إن مسلم بن عقبة المري لما قتل أهل المدينة وتوجه إلى مكة، نزل به الموت بموضع يقال له: ثنية هرشى، فدعا حصين بن نمير السكوني وقال له: يا برذعة الحمار، إن أمير المؤمنين عهد إلي إن نزل بي الموت أن أوليك، وأكره خلافه عند الموت. ثم إنه أوصى إليه بأمور يعتمدها ثم قال: لئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرة إني إذاً لشقي.
وأما واقم فإنه اسم أطم من آطام المدينة، والأطم: بضم الهمزة والطاء المهملة، شبيه بالقصر، وكان مبنياً عند هذه الحرة فأضيفت الحرة إليه، فقيل حرة واقم، والله أعلم.
стр. 2697
٨١٥ - (١)
يزيد بن رومان
أبو روح يزيد بن رومان القارئ مولى آل الزبير بن العوام المدني، أخذ القراءة عوضاً عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وسمع ابن عباس وعروة بن الزبير ﵃، وروى القراءة عنه نافع ابن أبي نعيم، قال يحيى بن معين: يزيد بن رومان ثقة، وقال وهب بن جرير: حدثنا أبي قال: رأيت محمد بن سيرين ويزيد بن رومان يعقدان الآي في الصلاة.
وقال يزيد بن رومان: كنت أصلي إلى جانب نافع بن جبير بن مطعم، فيغمزني فأفتح عليه ونحن نصلي.
وروى يزيد أنه كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب ﵁ بثلاث وعشرين ركعة في شهر رمضان. وتوفي يزيد في سنة ثلاثين ومائة، رحمه الله تعالى (٢) .
ورومان: بضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم ثم ألف ونون.
стр. 2698
٨١٦ - (١)
يزيد بن المهلب
أبو خالد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي - قد تقدم ذكر أبيه في حرف الميم (٢) ورفعت نسبه وتكلمت عليه فأغنى عن الإعادة هاهنا؛ ذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٣) وجماعة من المؤرخين: أنه لما مات أبوه - في التاريخ المذكور في ترجمته - كان قد استخلف ولده يزيد مكانه، ويزيد ابن ثلاثين سنة يومئذ (٤) ، فعزله عبد الملك بن مروان برأي الحجاج بن يوسف الثقفي، وولى مكانه في خراسان قتيبة بن مسلم الباهلي - قلت: وقد تقدم ذكره في حرف القاف (٥) - وصار يزيد في يد الحجاج - قلت: وكان الحجاج زوج أخته هند بنت المهلب - وكان الحجاج يكره يزيد لما يرى فيه من النجابة فيخشى منه لا يترتب مكانه، فكان يقصده بالمكروه في كل وقت كي لا يثب عليه، وكان الحجاج في كل وقت يسأل المنجمين ومن يعاني هذه الصناعة عمن يكون مكانه، فيقولون: رجل اسمه يزيد، فلا يرى من هو أهل لذلك سوى يزيد المذكور، والحجاج يومئذ أمير العراقين، وكذا وقع، فإنه لما مات الحجاج ولي يزيد مكانه، هذا قول المؤرخين.
نعود إلى تتمة ما ذكره في " المعارف " - قال: فعذبه الحجاج، وهرب يزيد من حبسه إلى الشام يريد سليمان بن عبد الملك، فأتاه فشفع له إلى أخيه
стр. 2699
الوليد بن عبد الملك، فأمنه وكف عنه، ثم ولاه سليمان خراسان حين أفضت إليه الخلافة، فافتتح جرجان ودهستان وأقبل يريد العراق، فتلقاه موت سليمان بن عبد الملك، فصار إلى البصرة، فأخذ عدي بن أرطأة، فأوثقه وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، فحبسه عمر، فهرب من حبسه وأتى البصرة، ومات عمر، فخالف يزيد [وخلع يزيد] (١) بن عبد الملك، فوجه إليه أخاه مسلمة فقتله.
وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير: يزيد بن المهلب ولي إمرة البصرة لسليمان بن عبد الملك، ثم نزعه عمر بن عبد العزيز وولى عدي بن أرطأة، وقدم به إلى عمر مسخوطاً عليه، حكى عن أنس بن مالك وعمر بن عبد العزيز وأبيه المهلب، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وأبو عيينة ابن المهلب وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم، وقال الأصمعي: إن الحجاج قبض على يزيد وأخذه بسوء العذاب، فسأله أن يخفف العذاب عنه على أن يعطيه كل يوم مائة ألف درهم ليشتري بها عذابه، فإن أداها وإلا عذبه إلى الليل، قال: فجمع يوماً مائة ألف درهم ليشتري بها عذابه، فدخل عليه الأخطل الشاعر فقال (٢) :
أبا خالد بادت خراسان بعدكم ... وصاح ذوو الحاجات أين يزيد
فلا مطر المروان بعدك مطرةً ... ولا اخضر بالمروين بعدك عود
فما لسرير الملك بعدك بهجة ... ولا لجواد بعد جودك جود - قوله في البيت الثاني " فلا مطر لمروان، ولا اخضر بالمروين " هما تثنية مرو، إحداهما مرو الشاهجان، وهي العظمى، والأخرى مرو الروذ، وهي الصغرى، وكلتاهما مدينتان مشهورتان بخراسان، وقد تكرر ذكرهما في هذا الكتاب - قال: فأعطاه مائة الألف، فبلغ ذلك الحجاج، فدعا به وقال: يا مروزي، أكل هذا الكرم وأنت بهذه الحالة قد وهبت لك عذاب اليوم وما بعده.
стр. 2700
قلت: هكذا ذكر ابن عساكر، والمشهور أن صاحب هذه الواقعة والأبيات هو الفرزدق، ثم إني رأيت هذه الأبيات في ديوان زياد الأعجم، والله أعلم بالصواب.
وذكر الحافظ أيضاً أن يزيد لما هرب من الحجاج قاصداً سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ بالرملة، فاجتاز في طريقه بالشام على أبيات عرب، فقال لغلامه: استقنا (١) هؤلاء لبناً، فأتاه بلبن فشربه، فقال: أعطهم ألف درهم، فأعطاهم.
وقال الحافظ أيضاً: حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقاً، فجاء فحلق رأسه، فأمر له بألف درهم، فتحير ودهش، وقال: هذا الألف أمضي إلى أمي فلانة وأشتريها، فقال: أعطوه ألفاً آخر، فقال: امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك، فقال: أعطوه ألفين آخرين.
وقال المدائني: وكان سعيد بن عمر بن العاص مؤاخياً ليزيد بن المهلب، فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد منع الناس من الدخول إليه، فأتاه سعيد فقال: يا أمير المؤمنين، لي على يزيد خمسون ألف درهم، وقد حلت بيني وبينه، فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه، فأذن له، فدخل عليه، فسر به يزيد وقال: كيف دخلت إلي فأخبره سعيد، فقال: والله لا تخرج إلا وهي معك، فامتنع سعيد، فحلف يزيد ليقبضها، فوجه إلى منزله، حتى حمل إلى سعيد خمسون ألف درهم.
وزاد ابن عساكر فقال: وفي ذلك قال بعضهم:
فلم أر محبوساً من الناس ماجداً ... حبا زائراً في السجن غير يزيد
سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه ... بخمسين ألفاً عجلت لسعيد [وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب " الجليس والأنيس " عن عبد الله الكوفي قال: أغرم سليمان بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن غزاة