العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم ". ثم قال العماد بعد كثرة الثناء عليه وتعداد محاسنه: " وكنت أحب لقاءه، وأحدث نفسي عند وصولي إلى الموصل به، وأنا شغف بالاستفادة، كلف بمجالسة الفضلاء للاستزادة، فعاق دون لقائه بعد الشقة، وضعفي عن تحمل المشقة " ثم ذكر له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله:
وخليعٍ بت أعذله ... ويرى عذلي من العبث
قلت: إن الخمر مخبئة ... قال: حاشاها من الخبث
قلت: فالأرفاث تتبعها ... قال: طيب العيش في الرفث
قلت: منها القيء، قال: أجل ... شرفت عن مخرج الحدث
وسأجفوها، فقلت: متى ... قال: عند الكون في الجدث قلت أنا: ولقد أخذ الخطيب المذكور قوله:
شرفت عن مخرج الحدث ... من قول بعضهم ولا أعرفه، لكنها أبيات سائرة، وهي:
ولائم لامني في الخمر، قلت له ... إني سأشربها حياً وفي جدثي
فأسقني (١) قهوةً حمراء صافيةً ... صرفاً حراماً فإنني غير مكترث
فإن يكن حللوها بالطبيخ ففي ... حشاي نار تبقيها على الثلث
قالوا: فلم تتقاياها فقلت لهم ... إني أنزهها عن مخرج الحدث ثم قال العماد الأصبهاني: وأنشدني له بعض الفضلاء ببغداد خمسة أبيات كالخمسة السيارات (٢) مستحسنات مطبوعات مصنوعات، وهي:
أشكو الله من نارين: واحدة ... في وجنتيه وأخرى منه في كبدي
стр. 2627
ومن سقامين: سقم قد أحل دمي ... من الجفون وسقم حل في جسدي
ومن نمومين: دمعي حين أذكره ... يذيع سرى، وواشٍ منه بالرصد
ومن ضعيفين: صبري حين أذكره (١) ... ووده (٢) ويراه الناس طوع يدي
مهفهف رق حتى قلت من عجبٍ ... أخصره خنصري أم جلده جلدي ومن مليح شعره أبيات في هجو مغن وهي:
ومسمع غناؤه ... يبدل بالفقر الغنى
شهدته في عصبةٍ ... رضيتهم لي قرنا
أبصرته فلم تخب ... فراستي لما دنا
وقلت من ذا وجهه ... كيف يكون محسنا
ورمت أن أروح لل ... ظن به ممتحنا
فقلت من بينهم ... هات أخي غن لنا
ويوم سلعٍ لم يكن ... يومي بسلعٍ هينا
فانشال منه حاجب ... وحلجب منه انحنى
وامتلأ المجلس من ... فيه نسيماً منتنا
أوقع إذ وقع في الأن ... فس أسباب العنا
وقال لما قال من ... يسمع في ظل الفنا
وما اكتفى باللحن وال ... تخليط حتى لحنا
هذا وكم تكشخن ال ... وغد وكم تقرنننا (٣)
يوهم زمراً (٤) أنه ... قطعه ودندنا
стр. 2628
وصاح صوتاً نافراً ... يخرج عن حد البنا
وما درى محضره ... ماذا على القوم جنى
فذا يسد أنفه ... وذا يسد الأذنا
ومنهم جماعة ... تستر عنه الأعينا
فاغتظت حتى كدت من ... غيظٍ أبث الشجنا
وقلت يا قوم اسمعوا ... إما المغني أو أنا
أقسمت لا أجلس أو ... يخرج هذا من هنا جروا برجل الكلب إن السقم هذا والضنا ...
قالوا لقد رحمتنا ... وذدت عنا المحنا
فحزت في إخراجه ... راحة نفسي والثنا (١)
وحين ولى شخصه ... قرأت فيهم معلنا
الحمد لله الذي ... أذهب عنا الحزنا ولم أسمع، مع كثرة ما قيل في هذا الباب مثل هذا المقطوع في هذا المعنى.
وللخطيب المذكور أيضاً في هذا المعنى (٢) :
ومسمعٍ قوله بالكره مسموع ... محجب عن بيوت الناس ممنوع
غنى فبرق عينيه وحرك لح ... ييه فقلنا الفتى لا شك مصروع
وقطع الشعر حتى ود أكثرنا ... أن اللسان الذي في فيه مقطوع
لم يأت دعوة أقوامٍ بأمرهم ... ولا مضى قط إلا وهو مصفوع وقد سبق له في ترجمة الشيخ الشاطبي في حرف القاف مقطوع لغز في نعش وهو معنى مليح، وأكثر شعره على هذا الأسلوب في اللطافة وجودة المقاصد،
стр. 2629
وكان يتشيع (١) وهو في شعره ظاهر.
وكان (٢) بمدينة آمد شابان بينهما مودة أكيدة ومعاشر كثيرة، فركب أحدهما ظاهر البلد وطرد فرسه فتقنطر فمات، وقعد الآخر يستعمل الشراب، فشرق فمات في ذلك النهار، فعمل فيهما بعض الأدباء:
تقاسما العيش صفواً والردى كدراً ... وما عهدنا المنايا قط تقتسم
وحافظا الود حتى في حمامهما ... وقلما في المنايا تحفظ الذمم فلما وقف الخطيب المذكور على البيتين قال: هذا الشاعر قصر إذ لم يذكر سبب موتهما، وقد قلت فيهما:
بنفسي أخيان من أمدٍ ... أصيبا بيوم مشوم عبوس
دهى ذا كميت من الصافنات ... وهذا كميت من الخندريس قلت: ولو قال:
دهى ذا كميت من الصافنات ... وهذا كميت من الصافيات لكان أحسن لأجل المجانسة، وكان يجعل البيت الأول:
بنفسي أخيان من آمدٍ ... أصيبا بيوم شديد الأذاة أو ما يناسب هذا، ثم وجدت البيتين الأولين في كتاب " الجنان " تأليف القاضي الرشيد ابن الزبير - المقدم ذكره في حرف الهمزة (٣) - وقد نسبهما إلى الفقيه أبي علي الحسن بن أحمد المعلم المعري، لكن هذا وجدت الحكاية بخط
стр. 2630
بعض المتأدبين (١) ، والله أعلم.
وللخطيب المذكور الخطب المليحة والرسائل المنتقاة. ولم يزل على رياسته وجلالته وإفادته إلى أن توفي سنة إحدى، وقيل ثلاث، وخمسين وخمسمائة.
وكانت ولادته في حدود سنة ستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والحصكفي: بفتح الحاء وسكون الصاد المهملة وفتح الكاف وفي آخرها فاء، هذه النسبة إلى حصن كيفا، وهي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابني عمر وميافارقين، وكان القياس أن ينسبوا إليه الحصني، وقد نسبوا إليه أيضاً كذلك، لكن إذا نسبوا إلى اسمين أضيف أحدهما إلى الآخر ركبوا من مجموع الاسمين اسماً واحداً ونسبوا إليه كما فعلوا هاهنا، وكذلك نسبوا إلى رأس عين " رسعني " وإلى عبد الله وعبد شمس وعبد الدار: عبدلي وعبشمي وعبدري، وكذلك كل ما هو نظيره.
وأما طنزة: بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي في آخرها هاء ساكنة، فهي بليدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة العمرية، خرج منها جماعة من المحدثين وغيرهم، ونسبوا إليها (٢) .
(٣١٩) قال عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب " الخريدة " (٣) : منها إبراهيم بن عبد الله إبراهيم الطنزي، وهو القائل:
وإني لمشتاق إلى أرض طنزة ... وإن خانني بعد التفرق إخواني
سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربتها ... كحلت به من شدة الشوق أجفاني ثم قال عماد الدين المذكور بعد هذا: كان الشاعر حياً في شهر رمضان (٤) سنة ثمان وستين وخمسمائة.
стр. 2631
٨٠٥ - (١)
يحيى بن تميم الصنهاجي
أبو طاهر (٢) يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الحميري الصنهاجي صاحب إفريقية وما والاها - قد تقدم ذكر والده ورفعت نسبه هناك، وتقدم ذكر جماعة من أجداده في هذا الكتاب.
وكانت ولاية الأمير يحيى المذكور بالمهدية خلافةً عن أبيه تميم يوم الجمعة لأربع بقين من شهر ذي الحجة سنة سبع وتسعين وأربعمائة والطالع الدرجة السابعة من الجدي، ثم استقل بالأمر يوم وفاة والده، وقد سبق ذلك في ترجمته.
وكان عمر الأمير يحيى يوم الاستقلال ثلاثاً وأربعين سنة وستة أشهر وعشرين يوماً، وركب على العادة، وأهل دولته محتفون به، ورجع إلى قصره فغير لباس أهل الدولة من الخواص والجند بخلع سنية، وكانوا قد غيروا لباسهم لموت أبيه، ووهب للأجناد والعبيد أموالاً كثيرة، ووعدهم مواعد سارة.
ورأيت في كتاب " الجمع والبيان في أخبار القيروان " الذي ألفه ولد أخيه عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن بادي، أن الأمير تميماً قبل وفاته بمدة يسيرة ودعا ولده يحيى المذكور، وكان في دار الإمارة مع خاصته وجلسائه، فمضى يحيى ومن معه إليه، فوجدوا تميماً في بيت المال، فأمرهم بالجلوس ثم قال لأحدهم: قم فادخل ذلك البيت وخذ منه الكتاب الذي صفته كذا في مكان كذا (٣) ، فقام وأتى به، فإذا هو كتاب ملحمة، فقال له:
стр. 2632
عد من أوله كذا وكذا ورقة، واقرأ الصفحة التي تنتهي إليها، فقرأها (١) وإذا فيها " الملك المغدور، وهو الطويل القامة الذي على ورطه الأيمن خال وفي جنبه الأيسر شامة " فقال الأمير تميم: أطبق الكتاب واردده إلى موضعه، ففعل، ثم قال تميم: أما العلامتان فقد رأيتهما، وبقيت علي الثالثة، قم أنت يا شريف وأنت يا فلان حتى تحققا عندي خبر العلامة الثالثة، فقاموا وقام يحيى معهم إلى موضع مستور عن تميم، فكشف لهم عن جسمه، فرأوا شامة على جنبه الأيسر هلالية الشكل، فأتوا تميماً فعرفوه، فقال: لم أعطه أنا شيئاً، الله تعالى الذي أعطاه، ثم قال: إني أخبركم بحديث عجيب، وذلك أنه عرض علي النخاس والدته، فاستحسنتها ومالت نفس إليها فاشتريتها، وسلمتها إلى خدام القصر، وأمرت النخاس أن يرجع إلى قبض الثمن، ثم دبرت في مال طيب حلال أخرج ثمنها منه، فبينما أنا مفكر في ذلك إذ سمعت السائل (٢) يصيح ويرفع صوته في الإذن على مطالعتي، فأخرجت رأسي من الطاق وقلت له: ما شأنك فقال: كنت الساعة أحفر في قصر المهدي إذ وجدت صندوقاً عليه قفل، فتركته على حاله وجئت مطالعاً بأمره، فأنفذت معه من أثق به، فإذا فيه أثواب مذهبات الأعلام قد أفناها الدهر، فأمرت بسبك أعلامها، فلم تزد ولم تنقص عن ثمن الجارية، فتعجب الحاضرون من ذلك ودعوا له، ثم أمر لهم بدنانير وكساء وانصرفوا. قال عبد العزيز المذكور: وقد أدركت هذا الكتاب المشار إليه عند السلطان الحسن، رحمه الله تعالى، يعني الحسن بن علي بن يحيى المذكور، وحكى عن الكتاب أموراً وقضايا ذكر أنها ستكون، وكانت كما ذكر.
رجعنا إلى حديث يحيى:
ولما جلس الملك قام بالأمر وعدل في الرعية وفتح قلاعاً لم يتمكن أبوه من فتحها، قال عبد العزيز المذكور في تاريخه: وفي أيامه - يعني يحيى (٣) -
стр. 2633
وصل إلى المهدية محمد بن تومرت - المقدم ذكره (١) - قادماً من الحج، فنزل بمسجد قبلي مسجد السبت، فاجتمع إليه جماعة من أهل المهدية وقرأوا عليه كتباً في علم أصول الدين، وشرع في تغيير المنكر، فرفع أمره إلى يحيى فأحضره وجماعة من الفقهاء، فرأى ما هو عليه من الخشوع والتقشف والعلم، فسأله الدعاء فقال له: أصلحك الله لرعيتك، ونفع بها ذريتك، وأقام مدة يسيرة بالمهدية ثم انتقل إلى المنستير فأقام بها مدة، ثم انتقل إلى بجاية - وقد تقدم في ترجمة والده الأمير تميم أن محمد بن تومرت المذكور اجتاز بتلك البلاد في أيامه، والله تعالى أعلم أي ذلك كان.
ثم قال عبد العزيز: وفي سنة سبع وخمسمائة أتى إلى المهدية قوم غرباء، فقصدوا يحيى بمطالعة زعموا فيها أنهم من أهل الصناعة الكبيرة من الواصلين إلى نهايتها، فأذن لهم بالدخول عليه، فلما مثلوا بين يديه طالبهم بأن يظهروا له من الصناعة ما يقف عليه فقالوا: نحن نزيل من القصدير التدخين والصرير حتى يرجع لا فرق بينه وبين الفضة، لمولانا من السروج والقصب والبنود والأواني قناطير من الفضة يجعل عوضاً منها ما يريده ويستعمل جميع ذلك في مهماته، وسألوه أن يكون ذلك في خلوة، فأجابهم وأحضرهم للعمل، ولم يكن عند الأمير يحيى سوى الشريف أبي الحسن علي والقائد إبراهيم قائد الأعنة، وكانوا هم ثلاثة، وكانت بينهم أمارة، فأمكنتهم الفرصة، فقال أحدهم: دارت البوتقة، فتواثبوا وقصد كل واحد منهم واحداً بسكاكينهم، فأما الذي قصد الأمير يحيى فقال: أنا سراج، وكان يحيى جالساً على مصطبة، فضربه فجاءت على أم رأسه، فقطعت طاقات في العمامة، ولم تؤثر في رأسه، واسترخت يده بالسكين على صدره فخدشته، وضربه يحيى برجله، فألقاه على ظهره، فسمع الخدم الجلبة ففتحوا باب القصر من عندهم، فدخل يحيى وأغلق الباب دونهم، وأما الشريف فلم يزل به الذي قصده حتى قتله، وأما القائد إبراهيم فإنه شهر سيفه، ولم يزل يقاتل الثلاثة، وكسر الجند الباب الذي كان بينهم، ودخلوا فقتلوهم، وكان زيهم زي أهل الأندلس، فقتل في البلد جماعة ممن
стр. 2634
يلبس ذلك الزي، وخرج (١) الأمير يحيى في الحال ومشى في البلد وسكن الفتنة.
وكان يحيى عادلاً في دولته ضابطاً لأمور رعيته عارفاً بخرجه ودخله، مدبراً في جميع ذلك على ما يوجبه النظر العقلي ويقتضيه الرأي الحكمي، ونعته في الملاحم " الملك المغدور " وتحقق له هذا النعت بهذه الواقعة التي ذكرناها. وكان كثير المطالعة لكتب الأخبار والسير عارفاً بها، رحيماً للضعفاء شفيقاً على الفقراء، يطعمهم في الشدائد فيرفق بهم، ويقرب أهل العلم والفضل من نفسه، وساس العرب في بلاده فهابوه وانكفت أطماعهم، وكان له نظر حسن في صناعة النجوم والأحكام، وكان حسن الوجه على حاجبه شامة، أشهل العينين مائلاً في قده إلى الطول دقيق الساقين، وكان عنده جماعة من الشعراء قصدوه ومدحوه، وخلدوا مديحه في دواوينهم، ومن جملة شعرائه أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الشاعر - المقدم ذكره - أقام تحت كنفه بعد أن جاب الأرض، وتقاذفت به البلدان، وله صنف الرسالة المشهورة التي وصف فيها مصر وعجائبها وشعراءها وغير ذلك (٢) ، وله فيه مدائح كثيرة أجاد فيها وأحسن، وله أيضاً مدائح في ولده أبي الحسن علي وولد ولده الحسن بن علي، ومن جملة قوله من مديحه قصيدة:
وارغب بنفسك إلا عن ندىً وغنىً ... فالمجد أجمع بين البأس والجود
كدأب يحيى الذي أحيت مواهبه ... ميت الرجاء بإنجاز المواعيد
معطي الصوارم والهيف النواعم وال ... جرد الصلادم والبزل الجلاعيد (٣)
أشم أشوس مضروب سرادقه ... على أشم بفرع النجم معقود
إذا بدا بسرير الملك محتبياً ... رأيت يوسف في محراب داوود
من أسرةٍ تخذوا الماذي لبسهم ... واستوطنوا صهوات الضمر القود
محسدون على أن لا نظير لهم ... وهل رأيت عظيماً غير محسود
стр. 2635
وإن تكن جمعتكم أسرة كرمت ... فليس في كل عود نفحة العود
أقول للراكب المزجي مطيته ... يطوي به الأرض من بيد إلى بيد
لا تترك الماء عداً (١) في مشارعه ... وتطلب الري من صم الجلاميد
هذي موارد يحيى غير ناضبة ... وذا الطريق إليها غير مسدود
حكم سيوفك فيما أنت طالبه ... فللسيوف قضاء غير مردود وله فيه غير ذلك.
ولما كان يوم الأربعاء (٢) ، وهو عيد النحر سنة تسع وخمسمائة، توفي يحيى فجأة، وذلك أن منجمه قال يوماً له: إن تسيير مولدك في هذا النهار عليك عكساً فلا تركب، فامتنع عن الركوب، وخرج أولاده ورجال دولته إلى المصلى، فلما انقضت الصلاة حضر رجال الدولة على ما جرت به العادة للسلام، وقرأ القرآن وأنشد الشعراء، وانصرفوا إلى الإيوان فأكل الناس، وقام يحيى إلى مجلس الطعام، فلما وصل إلى باب المجلس أشار إلى جارية من حظاياه فاتكأ عليها، فما خطا من باب البيت سوى ثلاث خطوات حتى وقع ميتاً.
وكان ولده علي نائبه على سفاقس، وهي بلدة من أعمال إفريقية، [وللشعراء فيها شعر فمن ذلك قول بعضهم وهو علي بن حبيب يصف بحرها في مده وجزره:
سقياً لأرض سفاقس ... ذات المصانع والمصلى
بلد يكاد يقول حي ... ن وروده أهلاً وسهلا
وكأن ماء البئر حي ... ن تراه ينضب ثم يملا
صب يريد زيارة ... فإذا رأى الرقباء ولى] (٣) فأحضر وعقدت له الولاية، ودفن يحيى في القصر على ما جرت به العادة، ثم نقل بعد سنة إلى قصر السيدة بالمنستير - وهي بلدة إفريقية أيضاً - وخلف ثلاثين ولداً ذكوراً.
стр. 2636
(٣٢٠) وأما علي المذكور القائم مقام أبيه يحيى فإن مولده بمدينة المهدية صبيحة يوم الأحد لخمس عشرة ليلة خلت من صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وكان أبوه قد ولاه سفاقس، فلما مات أبوه اجتمع أعيان دولته على كتاب كتبوه عن أبيه يأمره بالوصول إليه مسرعاً، فوصله الكتاب ليلاً فخرج لوقته ومعه طائفة من أمراء العرب، وجد في السير فوصل الظهر من يوم الخميس الثاني من العيد، ودخل القصر ولم يقدم شيئاً على تجهيز أبيه والصلاة عليه ودفنه، وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث عشر ذي الحجة جلس للناس، فدخلوا عليه وسلموا بالإمارة، ثم ركب في جيوشه وجموعه ثم عاد إلى قصره.
وفي أيامه توجه أخوه أبو الفتوح ابن يحيى إلى الديار المصرية ومعه زوجته بلارة (١) بنت القاسم وولده العباس الصغير على الثدي، فوصل إلى الإسكندرية، فأنزل وأكرم بأمر الآمر صاحب مصر يومئذ، فأقام بها مدة يسيرة وتوفي، فتزوجت بعده زوجته بلارة بالعادل بن السلار واسمه علي - المقدم ذكره في هذا الكتاب في حرف العين (٢) - وشب العباس وقدمه الحافظ صاحب مصر، وولي الوزارة بعد العادل المذكور.
وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه في حوادث سنة اثنتين وخمسمائة حديث الثلاثة الذين جاؤوا إلى يحيى في معنى الكيمياء، فقال (٣) : كان مجيئهم في هذه السنة، وأنهم لما وثبوا على يحيى وجرى ما ذكرته قبل هذا صادف ذلك مجيء أبي الفتوح المذكور وأصحابه إلى القصر وعليهم السلاح، فمنعوا من الدخول، وثبت عند يحيى أن ذلك كان باتفاق بينهم، فأخرج أبو الفتوح وزوجته وهي ابنة عمه إلى قصر زياد، ووكل بهما إلى أن مات يحيى وملك ابنه علي فسيرهما في البحر إلى الديار المصرية، فوصلا إلى الإسكندرية. انتهى كلامه.
ولم تزل أمور علي بن يحيى جارية على السداد، إلى أن توفي يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وخمسمائة، ودفن في القصر
стр. 2637
بعد أن فوض الأمر من بعده إلى ولده أبي يحيى الحسن بن علي بن يحيى.
(٣٢١) ومولد الحسن المذكور بمدينة سوسة في رجب سنة اثنتين وخمسمائة، فكان عمره يوم ولايته اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر، ولما كان ثاني يوم وفاة أبيه خرج للناس فسلموا عليه وهنئوه بما صار إليه، ثم ركب والجيوش محتفة به. وجرت في أيامه وقائع وأمور يطول شرحها، فمن ذلك أن رجار (١) الفرنجي صاحب صقلية أخذ طرابلس الغرب عنوة بالسيف في يوم الثلاثاء سادس المحرم سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقتل أهلها وسبى الحريم والأطفال وأخذ الأموال، ثم شرع في عمارتها وتحصينها بالرجال والعدد، ثم أخذ المهدية يوم الاثنين ثاني عشر صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وذلك أن الحسن بن علي لما علم عجزه عن مقاومته خرج من المهدية هارباً، وقد استصحب ما خف عليه حمله من النفائس، وخرج أهل البلد أيضاً هاربين، إلا من أقعده العجز عن الهرب، فدخل إليه الفرج وملكوه، وصادفوا فيه من الأموال والذخائر ما لا يعد ولا يحصى.
وكان عدة من ملك من أهل بيتهم، وأولهم زيري - المقدم ذكره في حرف الزاي (٢) - إلى هذا الحسن بن علي تسعة ملوك، ومدة ولايتهم مائتا سنة وثمان سنين، وانقرضت دولة بني باديس.
ثم إن الحسن بن علي توجه نحو المعلقة - وهي قلعة حصينة بإفريقية تجاور تونس، وكان صاحبها أبا محفوظ (٣) محرز بن زياد أحد أمراء العرب، فأقام عنده قليلاً ثم ظهر له منه الضجر والسآمة، فعزم على قصد الديار المصرية ليكون عند الحافظ العبيدي صاحبها يومئذ، فنمي خبره إلى نائب رجار بالمهدية، فجعل عليه العيون وعمل عشرين شينياً ليمسكه في البحر، فبلغ الحسن ذلك، فرجع عن هذا الرأي ثم قصد أن يتوجه إلى جهة عبد المؤمن بن علي بمراكش، وأنفذ ثلاثة من أولاده إلى صاحب بجاية، وهي آخر أعمال إفريقية، ليستأذنه في الوصول إليه، وبعد ذلك يتوجه إلى عبد المؤمن، فأضمر له الغدر وخاف من اجتماعه بعبد المؤمن أن يتفقا على ما فيه ضرره، فكتب إليه كتاباً على يد أولاده يقول له: لا حاجة لك في الرواح إلى
стр. 2638
بعبد المؤمن، ونحن نفعل معك ونصنع، وأجزل له من المواعيد الحسنة، فتوجه إليه، فلما قرب من بجاية لم يخرج للقائه وعدل به إلى الجزائر، وهي بلدة فوق بجاية من جهة الغرب، وأنزلوه بها في مكان لا يليق بمثله، ورتبوا له من الإقامة ما لا يصلح لبعض أتباعه، ومنعوه من التصرف، وكان وصوله إلى الجزائر في المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
ثم إن عبد المؤمن فتح بجاية في سنة سبع وأربعين وهرب صاحبها إلى القسطنطينية (١) .
(٣٢٢) ثم إن رجار صاحب صقلية هلك في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
(٣٢٣) ولما هلك رجار ملك بعده ابنه غنيم (٢) بن رجار، وعليه قدم أبو الفتوح نصر الله بن قلاقس الشاعر - المقدم ذكره - ومدحه وأجازه، وذلك في سنة ثلاث وستين وخمسمائة (٣) .
(٣٢٤) ولما هلك غنيم ملكت ابنته، وهي أم الأنبرور ملك ألمانية في زماننا، ثم هلكت أم الأنبرور وخلفته صغيراً فملك واستمر ملكه، وكان عاقلاً فاضلاً، وبينه وبين الملك الكامل صاحب مصر مراسلات وغيرها (٤) .
стр. 2639
ثم إن عبد المؤمن وصل إلى المهدية وملكها بعد جهد جهيد، وكان دخوله إليها بكرة يوم عاشوراء سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فولى بها نائباً، وكان الحسن بن علي قد وصل صحبته، فرتبه مع النائب لتدبير أمورها لكونه عارفاً بأحواله وأقطعه بها ضيعتين وأعطاه دوراً سكنها هو وأولاده وأتباعه. ولم أقف على تاريخ وفاة الحسن بن علي المذكور.
(٣٢٥) ثم قتل محرز بن زياد في وقعة سطيف يوم الخميس في العشر الأوسط من ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
وهذا الحسن بن علي هو الذي صنف له أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت كتاب " الحديقة ".
٨٠٦ - (١)
يحيى بن خالد البرمكي
أبو الفضل (٢) يحيى بن خالد بن برمك وزير هارون الرشيد - وقد تقدم ذكر ولديه جعفر والفضل كل واحد منهما في بابه؛ وكان جدهم برمك من مجوس بلخ، وكان يخدم النوبهار وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران، واشتهر برمك المذكور وبنوه بسدانته، وكان برمك عظيم المقدار عندهم، ولم أعلم هل أسلم أم لا.
(٣٢٦) وساد ابنه خالد وتقدم في الدولة العباسية، وتولى الوزارة لأبي
стр. 2640
العباس بعد أبي سلمة حفص الخلال - المقدم ذكره - وقد ذكرته في ترجمة جعفر وذكرت هناك تاريخ وفاته، وقال أبو الحسن المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (١) : لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جوده ورأيه وبأسه وعلمه وجميع خلاله، لا يحيى في رأيه ووفور عقله، ولا الفضل بن يحيى في جوده ونزاهته، ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحة لسانه، ولا محمد بن يحيى في سروه وبعد همته، ولا موسى بن يحيى في شجاعته وبأسه. ولما بعث أبو مسلم الخراساني قحطبة بن شبيب الطائي لمحاربة يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري عامل مروان بن محمد (٢) على العراقين، وكان خالد بن برمك في جملة من كان معه، فنزلوا في طريقهم بقرية، فبينما هم على سطح بعض دورها يتغدون إذ نظروا إلى الصحراء وقد أقبلت منها أقاطيع الوحش من الظباء وغيرها، حتى كادت تخالط العسكر، فقال خالد لقحطبة: أيها الأمير، ناد في الناس ومرهم أن يسرجوا ويلجموا قبل أن تهجم عليهم الخيل، فقام قحطبة مذعوراً، فلم ير شيئاً يروعه، فقال: يا خالد ما هذا الرأي فقال: قد نهد (٣) إليك العدو، أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت إن وراءها لجمعاً كثيفاً، فما ركبوا حتى رأوا الغبار، ولولا خالد لهلكوا (٤) .
стр. 2641
وأما يحيى فإنه كان من النبل والعقل وجميع الخلال على أكمل حال، وكان المهدي بن أبي جعفر المنصور قد ضم إليه ولده هارون الرشيد، وجعله في حجره، فلما استخلف هارون عرف له حقه، وقال له: يا أبت، أنت أجلستني في هذا المجلس ببركتك ويمنك وحسن تدبيرك، وقد قلدتك الأمر، ودفع له خاتمه، وفي ذلك يقول الموصلي، وأظنه إبراهيم النديم أو ابنه إسحاق:
ألم تر أن الشمس كانت سقيمةً ... فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهارون واليها ويحيى وزيرها وكان يعظمه، وإذا ذكره قال " أبي " وجعل إصدار الأمور وإيرادها إليه، إلى أن نكب البرامكة فغضب عليه، وخلده في الحبس إلى أن مات فيه، وقتل ابنه جعفراً - حسبما تقدم شرحه في ترجمته.
وكان من العقلاء الكرماء البلغاء، ومن كلامه: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الهدية والكتاب والرسول. وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون. وكان يقول: الدنيا دول والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وبمن بعدنا عبرة.
وقال الفضل بن مروان - المقدم ذكره: سمعت يحيى بن خالد يقول: من لم أحسن إليه فأنا مخير فيه، ومن أحسنت إليه فأنا مرتهن به.
وقال القاضي يحيى بن أكثم، سمعت المأمون يقول: لم يكن كيحيى بن خالد وكولده أحد في الكفاية والبلاغة والجود (١) والشجاعة، ولقد صدق القائل حيث يقول:
أولاد يحيى أربع ... كأربع الطبائع
فهم إذا اختبرتهم ... طبائع الصنائع قال القاضي: فقلت له يا أمير المؤمنين، أما الكفاية والبلاغة والسماحة
стр. 2642
فنعرفها فيهم، ففي من الشجاعة فقال: في موسى بن يحيى، وقد رأيت أن أوليه ثغر السند.
وقال إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي - المقدم ذكره (١) : حدثني أبي قال: أتيت يحيى بن خالد بن برمك فشكوت إليه ضيقة فقال: ويحك، ما أصنع بك ليس عندنا في هذا الوقت شيء، ولكن هاهنا أمر أدلك عليه فكن فيه رجلاً، قد جاءني خليفة صاحب مصر يسألني أن أستهدي صاحبه شيئاً، وقد أبيت ذلك عليه، فألح علي، وقد بلغني أنك قد أعطيت بجاريتك فلانة ثلاثة آلاف دينار، فهو ذا أستهديه إياها وأخبره أنها قد أعجبتني فإياك أن تنقصها من ثلاثين ألف دينار وانظر كيف تكون، قال: فوالله ما شعرت إلا بالرجل وافاني فساومني بالجارية، فقلت له: لا أنقصها من ثلاثين ألف دينار، فلم يزل يساومني حتى بذل لي عشرين ألف دينار، فلما سمعتها ضعف قلبي عن ردها، فبعتها وقبضت العشرين ألفاً، ثم صرت إلى يحيى بن خالد فقال لي: كيف صنعت في بيعك الجارية فأخبرته وقلت: والله ما ملكت نفسي أن أجبت إلى العرين ألفاً حين سمعتها، فقال: إنك لخسيس فخذ جاريتك بارك الله لك فيها، وهذا خليفة صاحب فارس قد جاءني في مثل هذا، فإذا ساومك بها فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فإنه لا بد أن يشتريها منك بذلك، فجاءني الرجل فاستمت عليه خمسين ألف دينار، فلم يزل يساومني حتى أعطاني ثلاثين ألف دينار، فضعف قلبي عن ردها ولم أصدق بها، فأوجبتها ثم صرت إلى يحيى بن خالد فقال لي: بكم بعت الجارية فأخبرته، فقال: ويحك! ألم تؤدبك الأولى عن الثانية، قال: فقلت: والله ضعفت عن رد شيء لم أطمع فيه، قال فقال: هذه جاريتك فخذها إليك، قال: فقلت: جارية أفدت بها خمسين ألف دينار، ثم أملكها، أشهدك أنها حرة، أني قد تزوجتها. هكذا رأيت هذه الحكاية، ثم نظرت في كتاب " أخبار الوزراء " تأليف الجهشياري فقال: إن يحيى قال لإبراهيم الموصلي: لا تقبل أقل من مائة ألف دينار، وأنه باعها بخمسين ألف دينار، وقال له في المرة الثانية
стр. 2643
لا تقبل أقل من خمسين ألف دينار فباعها بثلاثين ألف دينار (١) .
وقال الأصمعي (٢) : دخلت على يحيى يوماً فقال: يا أصمعي، هل لك زوجة فقلت: لا، فقال: فجارية فقلت: لكم منة، فأمر بإخراج جارية غاية في الحسن والجمال والظروف، فقال لها قد وهبتك لهذا، وقال: يا أصمعي، خذها فشكرته ودعوت له، فلما رأت الجارية ذلك بكت وقالت: يا سيدي، تدفعني إلى هذا، فما ترى سماجته وقبحه فقال لي: هل لك أن أعوضك عنها ألفي دينار قلت: ما أكره ذلك، ودخلت الجارية إلى داره فقال لي: أنكرت على هذه الجارية أمراً فأردت أن أعاقبها بك ثم رحمتها، فقلت له: هلا أعلمتني حتى كنت لحق بالباب على صورتي الأصلية من غير أن أسرح لحيتي وأصلح عمتي وأتطيب وأتجمل، فضحك، وأمر لي بألف دينار أخرى.
وحكى إسحاق النديم أيضاً قال: كانت صلات يحيى بن خالد إذا ركب لمن تعرض له مائتي درهم، فركب ذات يوم فتعرض لد أديب شاعر وأنشده:
يا سمي الحصور (٣) يحيى أتيحت ... لك من فضل ربنا جنتان
كل من مر في الطريق عليكم ... فله من نوالكم مائتان
مائتا درهم لمثلي قليل ... هي منكم للقابس العجلان قال له يحيى: صدقت، وأمر بحمله إلى داره، فلما رجع من دار الخلافة سأله عن حاله، فذكر أنه تزوج وقد أخذ بواحدة من ثلاث: إما أن يؤدي المهر وهو أربعة آلاف، وإما أن يطلق، وإما أن يقيم جارياً للمرأة يكفيها إلى أن يتهيأ له نقلها، فأمر يحيى بأربعة آلاف للمهر، وبأربعة آلاف لثمن منزل، وبأربعة آلاف لما يحتاج إليه المنزل، وبأربعة آلاف للبنية، وبأربعة آلاف يستظهر بها، فأخذ عشرين ألفاً وانصرف.
стр. 2644
وقال محمد بن مناذر الشاعر: حج هارون الرشيد ومعه ابناه الأمين محمد والمأمون عبد الله، وحج معه يحيى بن خالد وابناه الفضل وجعفر، فلما صاروا بالمدينة جلس الرشيد ومعه يحيى بن خالد، فأعطى الناس عطاءهم، ثم جلس الأمين ومعه الفضل فأعطاهم العطاء، ثم جلس المأمون ومعه جعفر بن يحيى فأعطاهم عطاياهم، ثم جلس المأمون ومعه جعفر بن يحيى فأعطاهم عطاياهم، وكان أهل المدينة يسمون ذاك العام عام الأعطية الثلاثة، ولم يروا مثل ذلك قط، فقلت في ذلك:
أتانا بنو الأملاك من آل برمكٍ ... فيا طيب أخبارٍ ويا حسن منظر
لهم رحلة في كل عام إلى العدى ... وأخرى إلى البيت العتيق المطهر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى ... بمكة ما حجوا ثلاثة أقمر
فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلا لأعواد منير
إذا راض يحيى ذلت صعابه ... فناهيك من راعٍ له ومدبر
ترى الناس إجلالاً له وكأنهم ... غرانيق ماء تحت باز مصرصر (١) وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) ، في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي أنه قال: كنت حناطاً (٣) بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد، فجلست في دهليزه وأنست بالخدم والحجاب وسألتهم أن يوصلوني إليه، فقالوا: إذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحد، ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت، فلما حضر طعامه أدخلوني فأجلسوني على المائدة، فسألني: من أنت؛ وما قصتك فأخبرته، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه، فاشمأز من ذلك، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار، فقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذا على أمرك
стр. 2645
وعد إلينا في اليوم الثاني، فأخذته وانصرفت، وعدت في اليوم الثاني فجلست معه على المائدة، فأنشأ يسألني كما يسألني في اليوم الأول، فلما رفع الطعام دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز مني، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار، فقال لي: الوزير يقرأ عليك السلام، ويقول لك: استعن بهذا على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت وعدت في اليوم الثالث كما أمر، فأعطيت مثل الذي أعطيت في اليوم الأول والثاني، فلما كان في اليوم الرابع أعطيت الكيس كما أعطيت قبل ذلك، وتركني بعد ذلك أقبل رأسه، وقال: إنما منعتك ذلك لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يوجب هذا، فالآن قد لحقك بعض النفع مني، يا غلام أعطه الدار الفلانية، يا غلام افرش له الفرش الفلاني، يا غلام أعطه مائتي ألف درهم يقضي دينه بمائة ألف ويصلح شأنه بمائة ألف، ثم قال لي: الزمني وكن في داري، فقلت: أعز الله الوزير، لو أذنت لي بالشخوص (١) إلى المدينة لأقضي الناس أموالهم ثم أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق بي، قال: قد فعلت، وأمر بتجهيزي، فشخصت إلى المدينة، فقضيت ديني ثم رجعت إليه فلم أزل في ناحيته (٢) .
ودخل عليه يوماً أبو قابوس الحميري فأنشده:
رأيت يحيى أتم (٣) الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه أبداً ... إلى الرجال ولا ينسى الذي بعد فقضى حوائجه ووصله بجملة من المال.
قلت: قد حل هذا البيت الثاني شرف الدولة مسلم بن قريش، وقد قال له رجل: لا تنس أيها الأمير حاجتي، فقال: إذا قضيتها أنسيتها (٤) .
стр. 2646
ولمسلم بن الوليد الأنصاري في يحيى بن خالد (١) :
أجدك هل تدرين إن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر
صبرت لها حتى تجلت بغرةٍ ... كفرة يحيى حين يذكر جعفر وكان يحيى يقول: إذا أقبلت الدنيا فأنفق فغنها لا تفنى، وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى، وقال: ذكر النعمة من المنعم تكدير، ونسيان المنعم عليه كفر وتقصير؛ وقال: النية الحسنة مع العذر الصادق يقومان مقام النجح؛ وقال: إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة.
وقال الحسن بن سهل - المقدم ذكره: ومن غيرته الولاية لإخوانه علمنا أن الولاية أكبر منه، أخذنا ذلك عن صاحب ديوان المكارم أبي علي يحيى بن خالد بن برمك.
[ولما عزم جعفر على بناء قصره شاور أباه يحيى بن خالد فيه فقال: هو قميصك إن شئت فوسعه وإن شئت فضيقه؛ وأتاه وهو يبني داره فإذا الصناع يبيضون حيطانها فقال: إنك تعطي بالفضة، فقال جعفر: ليس كل أوان يكون ظهور الذهب أصلح، ولكن هل ترى عيباً قال: نعم، فخالطتها لدور السفل والسوقة] (٢) .
وكان ليحيى كاتب يختص بخدمته ويقرب من حضرته، فعزم على ختان ولده، فاحتفل له الناس على طبقاتهم، وهاداه أعيان الدولة ووجوه الكتاب والرؤساء على اختلاف منازلهم، وكان له صديق قد اختلت أحواله وضاقت يده عما يريده مما دخل فيه غيره، فعمد إلى كيسين كبيرين نظيفين، فجعل في أحدهما ملحاً وفي الآخر أشناناً مكفراً، وكتب معهما رقعة نسختها: لو تمت الإرادة لأسعفت بالعادة، ولو ساعدت المكنة على بلوغ الهمة لاتبعت السابقين إلى برك وتقدمت المجتهدين في كرامتك، لكن قعدت القدرة عن البغية وقصرت الجدة عن مباراة أهل النعمة، وخفت أن تطوى صحائف البر
стр. 2647
وليس لي فيها ذكر، فأنفذت المبتدأ بيمنه وبركته والمختتم بطيبه ونظافته، صابراً على ألم التقصير، ومتجرعاً غصص الاقتصار على اليسير، فأما ما لم أجد إليه السبيل في قضاء حقك فالقائم فيه بعذري قول الله " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج " " التوبة: " والسلام. فلما حضر يحيى بن خالد الوليمة عرض عليه كاتبه الخدايا جميعها، حتى الكيسين والرقعة فاستظرفها، وأمر أن يملأ الكيسان مالاً ويردا عليه، فكان ذلك أربعة آلاف دينار.
وقال رجل ليحيى: والله لأنت أحلم من الأحنف بن قيس، فقال له: لا تقرب (١) إلي من أعطاني فوق حقي.
ونادى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أحد غلمانه فلم يجبه، فقال: سمعت يحيى بن خالد يقول: يدل على حلم الرجل سوء أدب غلمانه.
وكان يحيى يساير الرشيد يوماً فوقف له رجل فقال: يا أمير المؤمنين عطبت دابتي، فقال الرشيد: يعطى خمسمائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزلوا قال له الرشيد: يا أبت أومأت إلي بشيء ولو أعرفه، فقال: مثلك لا يجري هذا القدر على لسانه، إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف، عشرة آلاف ألف، فقال: إذا سئلت مثل هذا كيف أقول فقال: تقول: يشترى له دابة.
وبالجملة فإن أخبارهم كثيرة، ولا يحتمل هذا المختصر الإطالة أكثر من هذا.
ولما قتل هارون الرشيد جعفر بن يحيى البرمكي - كما ذكرناه في حرف الجيم من هذا الكتاب - نكب البرامكة وحبس يحيى وابنه الفضل - كما ذكرناه في حرف الفاء من هذا الكتاب - وكان حبسهما في الرافقة، وهي الرقة القديمة تجاور الرقة الجديدة، وهي البلد المشهور الآن على شاطئ الفرات، ويقال لهما الرقتان، تغليباً لأحد الاسمين على الآخر، كما قيل العمران والقمران وغير ذلك.
стр. 2648
وحكى الجهشياري في كتاب " أخبار الوزراء " (١) أن يحيى بن خالد اشتهى في وقت من الأوقات في محبسه وهو مضيق عليه سكباجة، فلم يطلق له اتخاذها إلا بمشقة، فلما فرغ من يد المتخذ لها فانكسرت، فأنشد يحيى أبياتاً يخاطب بها الدنيا، ومضمونها اليأس وقطع الأطماع (٢) .
ولم يزل يحيى في حبس الرافقة (٣) إلى أن مات في الثالث من المحرم سنة تسعين ومائة فجأة من غير علة، وهو ابن سبعين سنة، وقيل أربع وسبعين (٤) ، وصلى عليه ابنه الفضل، ودفن في شاطئ الفرات في ربض هرثمة، ووجد في جيبه رقعة مكتوب فيها بخطه: قد تقدم الخصم، والمدعي عليه في الأثر، والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا يحتاج إلى بينة. فحملت الرقعة إلى الرشيد، فلم يزل يبكي يومه وبقي أياماً يتبين الأسى في وجهه، رحمهم الله تعالى (٥) .
وكان يحيى يجري على سفيان الثوري، ﵁، في كل شهر ألف درهم، وكان سفيان يقول في سجوده: اللهم إن يحيى كفاني أمر دنياي، فاكفه أمر آخرته، فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في النوم فقال له: ما صنع الله بك قال: غفر لي بدعاء سفيان، وقيل إن صاحب هذه القضية هو سفيان بن عيينة لا سفيان الثوري، والله تعالى أعلم.
قال الجهشياري (٦) : ندم الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة وتحسر على ما فرط منه في أمرهم، وخاطب جماعة من إخوانه بأنه لو وثق منهم بصفاء النية منهم لأعادهم إلى حالهم. وكان الرشيد كثيراً ما يقول: حملونا على نصحائنا وكفاتنا، وأوهمونا أنهم يقومون مقامهم، فلما صرنا إلى ما أرادوا لم يغنوا عنا، وأنشد:
стр. 2649
أقلوا علينا لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا قلت: هذا البيت للحطيئة الشاعر، وبعده:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا (١) قلت: وذكر الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " ما مثاله: إنه وجد تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعة فيها مكتوب:
وحق الله إن الظلم لوم ... وإن الظلم مرتعه وخيم
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم (٢)
стр. 2650
٨٠٧ - (١)
الوزير ابن هبيرة
أبو المظفر الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة بن سعد (٢) بن الحسين بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمرو (٣) بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان
- وهو الحارث - بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل بن مرة بن همام بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، الشيباني، الملقب عون الدين، هكذا ساق نسبه جماهة منهم ابن الدبيبي في تاريخه وابن القادسي في كتاب " الوزراء " وغيرهما، وإنما أخرج له هذا النسب بعد سنين من وزارته، وذكره الشعراء في مدائحهم.
وهو من قرية من بلاد العراق تعرف بقرية بني أوقر، بالقاف، من أعمال دجيل، وهي دور عرمانيا (٤) ، بالعين المهملة والياء المثناة من تحت، وتعرف الآن بدور (٥) الوزير نسبة إليه، وكان والده من أجنادها (٦) .
стр. 2651
ودخل بغداد في صباه، واشتغل بالعلم، وجالس الفقهاء والأدباء وكان على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وسمع الحديث، وحصل من كل فن طرفاً، وقرأ الكتاب العزيز وختمه بالقراءات والروايات، وقرأ النحو، واطلع على أيام العرب وأحوال الناس، ولازم الكتابة، وحفظ ألفاظ البلغاء وتعلم على أيام صناعة الإنشاء، وكانت قراءته الأدب على أبي منصور ابن الجواليقي، وتفقه على أبي الحسين محمد بن محمد الفراء، وصحب الشيخ أبا عبد الله محمد بن يحيى بن علي بن مسلم بن موسى بن عمران الزبيدي الواعظ، وسمع الحديث النبوي من أبي عثمان إسماعيل بن محمد بن قيلة الأصبهاني ومن أبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحسين الكاتب ومن بعدهما، وحدث عن الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين (١) وعن غيره، وسمع منه خلق كثير منهم الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي.
وأول ولايته الإشراف بالأقرحة الغربية، ثم نقل إلى الأشراف على الإقامات المخزنية، ثم قلد الإشراف بالمخزن، ولم يطل في ذلك مكثه حتى قلد في سنة اثنتين وأربعين كتابة ديوان الزمام، ثم ترقى إلى الوزارة، وكان سبب توليته الوزارة ما حكاه الذي جمع سيرته أنه قال: من جملة ما رفع قدر الوزير ونقله إلى الوزارة ما جرى من مسعود البلالي شحنة بغداد نيابة عن السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي - وكان مسعود أحد الخدم الخصيان الحبشيين الكبار من أمراء دولته - من سوء أدبه في الحضرة وخروجه عن معتاد الواجب وانتشار مفسدي أصحابه، وكان وزير الخليفة إذ ذاك قوام الدين أبو القاسم علي بن صدقة بن علي بن صدقة قد كتب عن الخليفة إلى السلطان مسعود عدة كتب يعتمد الإنكار على مسعود البلالي على ما صدر منه، فلم يرجع بجواب، فلما قلد عون الدين ابن هبيرة كتابة ديوان الزمام خاطب الخليفة في مكاتبة السلطان مسعود بالقضية فوقع إليه: قد كان الوزير كتب في ذلك عدة كتب فلم يجيبوه، فراجع عون الدين في ذلك سؤاله إلى أن أجيب، فكتب من إنشائه رسالة، وهي طويلة فأضربت عن ذكرها، وحاصل الأمر فيها أنه دعا له، وأذكره ما كان أسلافه
стр. 2652
يعاملون الخلفاء به من حسن الطاعة والتأدب معهم والذب عنهم ممن يفتات عليهم، وشكا من مسعود البلالي، وأنه كاتب في ذلك عدة دفعات وما جاءه جواب، وأطال القول في ذلك، وكان هذا في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة في شهر ربيع الآخر، فما مضى على هذا إلا قليل حتى عاد الجواب بالاعتذار والذم لمسعود البلاني والإنكار لما اعتمده، فاستبشر المقتفي بإشارة عون الدين وعظم سروره بذلك وحسن موقع عون الدين من قلبه، ولم يزل عنده مكيناً حتى استوزره.
قال مصنف السيرة: وكان أيضاً من جملة أسباب وزارته أنه في سنة ثلاث وأربعين وصل إلى بغداد الأمير ابن ألقش (١) المسعودي صاحب اللحف، وهو صقع بالعراق، ويلدكز السلطاني، وقصداها في جموع كثيرة، وصدر منهم فتن عظيمة تضمنتها التواريخ، فشرع الوزير قوام الدين بن صدقة في تدبير الحال، فأخفق مسعاه، فحينئذ استأذن عون الدين في أمرهم فأذن له في ذلك، فخاطب هؤلاء الخارجين على الخليفة، وأحسن التدبير في ذلك حتى كف شرهم، ثم قوي عليهم حتى نهبت العامة أموالهم، وجرت المقادير بهذه الأحوال لرفع ابن هبيرة ووضع الوزير ابن صدقة، فإنه عند انقضاء هذا المهم استدعى الخليفة المقتفي عون الدين بمطالعة على يد أميرين من أمراء الدولة فتبين بقراءته لها التباشير في أسرته، فركب إلى دار الخليفة في جماعته، وتسامع الناس بوزارته، ولما وصل إلى باب الحجرة استدعي فدخل وقد جلس له المقتفي بميمنة التاج، فقبل الأرض وسلم، وتحدثا ساعة بما لم يحط به غيرهما علماً، ثم خرج وقد جهزوا له التشريف على عادة الوزراء، فلبسه، ثم استدعي ثانياً فقبل الأرض، ودعا بدعاء أعجب الخليفة، ثم أنشده:
سأشكر عمراً ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت بمرأىً منه حتى تجلت قلت: وهذان البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي - المقدم ذكره - وهي
стр. 2653
ثلاثة أبيات، والثاني منهما بعد الأول:
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت ولما أنشد عون الدين هذين البيتين غير نصف البيت الثاني منهما فإن الشاعر قال:
فكانت قذى عينيه حتى تجلت ... فلما رأى أنه يخاطب الخليفة بهذه العبارة فغيره تأدباً.
ثم إن عون الدين خرج فقدم له حصان أدهم سائل الغرة محجل، وعليه من الحلي ما جرت به عادتهم مع الوزراء، والشرح ذلك يطول فاختصرته، وخرج بين يديه أرباب المناصب وأعيان الدولة وأمراء الحضرة وجميع خدام الخلافة وسائر حجاب الديوان، والطبول تضرب أمامه، والمسند وراءه محمول على عادتهم في ذلك، حتى دخل الديوان ونزل على طرف الديوان وجلس في الدست، وقام لقراءة عهده الشيخ سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم بن الأنباري، ولولا خوف الإطالة لذكرت العهد فإنه بديع في بابه، لكن قصدي الاقتصار فأعرضت عن ذكره، وهو مشهور في أيدي الناس، فلما فرغ من قراءته قرأ القراء وأنشد الشعراء، وتولى الوزارة يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر من سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وكان لقبه جلال الدين، فلما ولي الوزارة لقبوه عون الدين.
وكان عالماً فاضلاً ذا رأي صائب وسريرة صالحة، وظهر منه في أيام ولايته ما شهد له بكفايته وحصن مناصحته، فشكر له ذلك ولحظه بعين الرعاية وتوفرت له أسباب السعادة، وكان مكرماً لأهل العلم يحضر مجلسه الفضلاء على اختلاف فنونهم، ويقرأ عنده الحديث عليه وعلى الشيوخ بحضوره، ويجري من البحث والفوائد ما يكثر ذكره.
وصنف كتباً، فمن ذلك كتاب " الإفصاح عن شرح معاني الصحاح " وهو يشتمل على تسعة عشر كتاباً، شرح الجمع بين الصحيحين وكشف عما فيه من الحكم النبوية، وكتاب " المقتصد " بكسر الصاد المهملة، وشرحه أبو
стр. 2654
محمد ابن الخشاب النحوي المشهور في أربع (١) مجلدات شرحاً مستوفىً، واختصر كتاب " إصلاح المنطق " لابن السكيت، وله كتاب " العبادات في الفقه على مذهب الإمام أحمد " وأرجوزة في المقصور والممدود، وأرجوزة في علم الخط، وغير ذلك.
وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري في تاريخه الصغير الأتابكي (٢) في فصل حصار الملك محمد وزين الدين بغداد، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، أن المقتفي لأمر الله جد في حفظ بغداد، وقام وزيره عون الدين بن هبيرة في هذا الأمر المقام الذي يعجز عنه غيره قال: وأمر المقتفي فنودي ببغداد: من جرح وقت القتال (٣) فله خمسة دنانير، فكان كل من جرح يوصل ذلك إليه، فحضر بعض العامة عند الوزير مجروحاً فقال الوزير: هذا جرح صغير لا تستحق عليه شيئاً، فعاد إلى القتال فضرب في جوفه فخرجت أمعاؤه، فعاد إلى الوزير فقال: يا مولانا الوزير يرضيك هذا فضحك منه وأمر له بصلة، وأحضر من يعالجه، انتهى كلام ابن الأثير.
قلت: وهذا محمد هو ابن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي، وزين الدين هو أبو الحسن علي بن بكتكين المعروف بكجك والد مظفر الدين صاحب إربل.
وقال غير ابن الأثير: إن الملك اسمه محمد شاه وإن هذه القضية كانت في سنة اثنتين وخمسين، والله أعلم، ذكر ذلك ابن الجوزي في كتاب " شذور العقود " وهو أخبر، لأنها بلده وهو بها، وقد ذكرت محمد شاه في ترجمة أبيه.
وتوفي الإمام المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر ليلة الأحد ثاني (٤) ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وبويع ولده المستنجد بالله أبو
стр. 2655
المظفر يوسف، فدخل عليه وبايعه وأقره على وزارته وأكرمه، وكان خائفاً منه أن يعزله فلم يعزله (١) ولم يتعرض له، ولم يزل مستمراً في وزارته إلى حين وفاته.
ومدحه جماعة من أماثل شعراء عصره: منهم أبو الفوارس سعد بن محمد المعروف بابن صيفي الملقب حيص بيص - المقدم ذكره (٢) - وله فيه مدائح منتخبة، فمن ذلك قوله:
يهز حديث الجود ساكن عطفه ... كما هز شرب الحي صهباء قرقف
ويرسو إذا طاشت حبا القوم واغتدت ... صعاب الذرا من زعزع الخطب ترجف
صروم الدنايا هاجر كل سنة ... ولكنه بالمجد صب مكلف
يضيق بأدنى العار ذرعاً وصدره ... بأهوال ما يدني من الحمد نفنف
إذا قيل عون الدين يحيى تألق ال ... غمام وماس السمهري المثقف وكانت عوائدهم في بغداد في شهر رمضان أن الأعيان يحضرون سماط الخليفة عند الوزير، وهم يسمون السماط " الطبق " وكان حيص بيص في جملة من يحضر الطبق، وكانت نفسه أبية وهمته عربية، وإذا أحضروا الطبق تخطاه وقعد فوقه من أرباب المراتب جماعة ليس فيهم فضل، فيجد في نفسه لذلك مشقة عظيمة فكتب إلى الوزير عون الدين يستعفيه عن الحضور (٣) :
يا باذل المال في عدمٍ وفي سعةٍ ... ومطعم الزاد في صبحٍ وفي غسق
وحاشر الناس أغنتهم فواضله ... إلى مزيدٍ من النعماء مندفق
في كل بيت خوان من مكارمه ... يميرهم وهو يدعمهم إلى الطبق
فاض النوال فلولا خوف منعمةٍ ... من بأس عدلك نادى الناس بالغرق
وكل أرض بها صوب وساكبة ... حتى الوغى من نجيع الخيل والعرق
стр. 2656
صن منكبي عن زحامٍ إن غضبت له ... تمكن الطعن من عرضي (١) ومن خلقي
وإن رضيت به فالذل منقصة ... فكم تكلفته حملاً فلم أطق
أنا المريض بأحداث وسورتها ... وليس غير إبائي حافظ رمقي
وهبه لي كعطاياك التي كثرت ... فالجود بالعز فوق الجود بالورق
إن اصفرار مجن الشمس من حزنٍ ... على علاها لمرماها إلى الأفق
وإن توهم قوم أنه حمق ... فربما اشتبه التوقير بالحمق وأهدي الوزير عون الدين دواة بلور مرصعة بمرجان، وفي مجلسه جماعة منهم حيص بيص، فقال الوزير: يحسن أن يقال في هذه الدواة شيء من الشعر، فقال بعض الحاضرين، وكان ضريراً، ولم أقف على اسمه:
ألين لداود الحديد كرامةً ... يقدره في السرد كيف يريد
ولان لك البلور وهي حجارة ... ومعطفه صعب المرام شديد فقال حيص بيص: إنما وصفت صانع الدواة ولم تصفها، فقال الوزير: من عير غير (٢) ، فقال الحيص بيص:
صيغت دواتك من يوميك فاشتبها ... على الأنام ببلور ومرجان
فيوم سلمك مبيض بفيض ندى ... ويوم حربك قانٍ بالدم القاني ثم وجدت البيتين الأولين في كتاب " الجنان " تأليف القاضي الرشيد أحمد بن الزبير - المذكور في أوائل هذا الكتاب (٣) - ونسبهما إلى القاضي الرشيد أحمد بن قاسم الصقلي قاضي مصر، وذكر أنه دخل على الأفضل شاهان شاه أمير الجيوش بمصر - وقد تقدم ذكره أيضاً (٤) - فرأى بين يديه دواة من
стр. 2657
عاج محلاة بمرجان، فقال بديهاً:
ألين لداود الحديد كرامةً ... يقدره في السرد كيف يريد
ولان لك البلور وهي حجارة ... ومعطفه صعب المرام شديد (١) ومدحه أبو عبد الله محمد بن بختيار المعروف بالأبله الشاعر - المقدم ذكره - بقصائد عديدة: منها وهي أحسنها فلهذا ذكرتها:
ولع النسيم وبانة (٢) الجرعا ... وصفاك إلا الحلي والودعا
يا دمية ضاقت خلاخلها ... عنها وضقت بحبها ذرعا
قد كنت ذا دمعٍ وذا جلد ... فبقيت لا جلدا ولا دمعا
صيرت جسمي للضنى سكنا ... وسكنت بعد تبالة الجزعا
يا من رأى أدماء سانحةً ... قلبي لها لا المنحنى مرعى
لاثت بمثل الغصن (٣) مئزرها ... وجلت بعود أراكةٍ طلعا
وإذا تراجعك الكلام فلا ... تعدد لأيام الصبا رجعى
ولقد سمعت بالكأس تصبحني (٤) ... سكرى اللواحظ وعثة المسعى
في مستنير الزهر ما صنعت ... أبراده عدن ولا صنعا
باكرت مفترعاً ثراه وما ... ركب الحمام لبانةٍ فرعا
سلت عليه البارقات ظباً ... لبس الغدير لخوفها درعا
يا عاذلي إن شئت تسمعني ... عذلاً فشق لصخرة سمعا
طبعاً جبلت على الغرام كما ... جبل الوزير على الندى طبعا
стр. 2658
وخرج بعد هذا إلى المديح فأضربت عنه، ولولا خوف الإطالة لذكرته. ومدحه أبو الفتح بن عبد الله سبط ابن التعاويذي - المقدم ذكره - بقصيدة واحدة وهي (١) :
سقاها الحيا من أربعٍ وطلول ... حكت دنفي من بعدهم ونجولي
ضمنت لها أجفان عينٍ قريحةٍ ... من الدمع مدرار الشؤون همول
لئن حال رسم الدار عما عهدته ... فعهد الهوى في القلب غير محيل
خليلي قد هاج الغرام وشاقني ... سنا بارقٍ بالأجرعين (٢) كليل
ووكل طرفي بالسهاد تنظري ... قضاء مليٍ بالديون مطول
إذا قلت أنحلت جسمي صبابة ... تقول وهل حب بغير نحول
وإن قلت دمعي بالأسى فيك شاهدي ... تقول شهود الدمع غير عدول
فلا تعذلاني إن بكيت صبابةً ... على ناقضٍ عهد الوفاء ملول
فأبرح ما يمنى به الصب في الهوى ... ملال حبيب أو ملام عذول
ودون الكثيب بيض عقائل ... لعبن بألباب لنا وعقول
غداة التقت ألحاظها وقلوبنا ... فلم تجل إلا عن دمٍ وقتيل
ألا حبذا وادي الأراك وقد وشت ... برياك ريحاً شمألٍ وقبول
وفي أبرديه كلما اعتلت الصبا ... شفاء فؤاد بالغرام عليل
دعوت سلواً فيك غير مساعدي (٣) ... وحاولت صبرا عنك غير جميل
تعرفت أسباب الهوى وحملته ... على كاهلٍ للنائبات حمول
فلم ألحظ في حب الغواني بطائلٍ ... سوى رعي ليلٍ بالغرام طويل ومنها:
إلى كم تمنيني الليالي بماجدٍ ... رزين وقار الحلم غير عجول
стр. 2659
أهز اختيالاً في هواه معاطفي ... وأسحب تيهاً في ثراه ذيولي
لقد طال عهدي بالنوال وإنني ... لصب إلى تقبيل كف منيل
وإن ندى يحيى الوزير لكافل ... بها لي، وعون الدين خير كفيل وكان عون الدين كثيراً ما ينشد:
ما ناصحتك خبايا الود من أحد ... ما لم ينلك بمكروهٍ من العذل
مودتي لك تأبى أن تسامحني ... بأن أراك على شيءٍ من الزلل وذكر الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي بن عبد الله سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه الذي سماه " مرآة الزمان " ورأيته في أربعين مجلداً وجميعه بخطه - وكان أبوه قزغلي مملوك عون الدين بن هبيرة المذكور، وزوجه (١) بنت الشيخ جمال الدين أبي الفرج المذكور، فأولدها شمس الدين فولاؤه له - إنه سمع مشايخه ببغداد يحكون أن عون الدين قال: كان سبب ولايتي المخزن أنني ضاق ما بيدي حتى فقدت القوت أياماً، فأشار علي بعض أهلي أن أمضي إلى قبر معروف الكرخي ﵁، فأسأل الله تعالى عنده، فإن الدعاء عنده مستجاب، قال: فأتيت قبر معروف فصليت عنده ودعوت، ثم خرجت لأقصد البلد، يعني بغداد، فاجتزت بقطفتا (٢) - قلت: وهي محلة من محال بغداد - قال: فرأيت مسجداً مهجوراً فدخلت لأصلي فيه ركعتين، وإذا بمريض ملقى على بارية، فقعدت عند رأسه وقلت: ما تشتهي فقال: سفرجلة، قال: فخرجت إلى بقال هناك فرهنت عنده مئزري على سفرجلتين وتفاحة وأتيته بذلك، فأكل من السفرجلة، ثم قال: أغلق باب المسجد، فأغلقته، فتنحى عن البارية وقال: احفر هاهنا، فحفرت وإذا بكوز، فقال خذ هذا فأنت أحق به، فقلت: أما لك وارث فقال: لا، وإنما كان لي أخ وعهدي بعيد وبلغني أنه مات، ونحن من الرصافة،
стр. 2660
قال: وبينما هو يحدثني إذ قضى نحبه، فغسلته وكفنته ودفنته، ثم أخذت الكوز وفيه مقدار خمسمائة دينار وأتيت إلى دجلة لأعبرها، وإذا بملاح في سفينة عتيقة وعليه ثياب رثة، فقال: معي معي، فنزلت معه، وإذا به من أكثر الناس شبهاً بذلك الرجل، فقلت: من أين أنت فقال: من الرصافة، ولي بنات، وأنا صعلوك، قلت: فما لك أحد قال: لا، كان لي أخ ولي عنه زمان ما أدري ما فعل الله به، فقلت: ابسط حجرك، فبسطه فصببت المال فيه، فبهت، فحدثته الحديث، فسألني أن آخذ نصفه فقلت: لا والله ولا حبة، ثم صعدت إلى دار الخليفة وكتبت رقعة فخرج عليها إشراف المخزن، ثم تدرجت إلى الوزارة.
وقال جدي الشيخ أبو الفرج في كتاب " المنتظم " (١) : وكان الوزير يسأل الله تعالى الشهادة ويتعرض لأسبابها، وكان صحيحاً يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى من سنة ستين وخمسمائة، فنام ليلة الأحد في عافية، فلما كان في وقت السحر قاء، فأحضر طبيباً (٢) كان يخدمه فسقاه شيئاً، فيقال إنه سمه فمات، وسقي الطبيب بعده بنحو ستة أشهرٍ سماً فكان يقول: سقيت كما سقيت، ومات الطبيب.
وقال في " المنتظم " أيضاً: وكنت ليلة مات الوزير نائماً على سطح مع أصحابي، فرأيت في المنام كأني في دار الوزير وهو جالس، فدخل رجل بيده حربة قصيرة (٣) فضربه بها بين أنثييه فخرج الدم كالفوارة فضرب الحائط، فالتفت فإذا بخاتم من ذهب ملقى، فأخذته وقلت: لمن أعطيه أنتظر خادماً يخرج فأعطيه إياه، وانتبهت وحدثت أصحابي بالرؤيا، فلم أستتم الحديث حتى جاء رجل فقال: مات الوزير، فقال بعض الحاضرين: هذا محال، أنا فارقته أمس العصر وهو في كل عافية، وجاء آخر وصح الحديث، وقال لي ولده: لا بد أن تغسله، فأخذت في غسله ورفعت يده لأغسل مغابنه - قلت:
стр. 2661
المغابن: مطاوي البدن مثل الإبط وغيره، واحدها مغبن، بفتح الميم وكسر الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة - قال: فسقط الخاتم من يده، فحين رأيت الخاتم تعجبت من المنام، قال: ورأيت في وقت غسله آثاراً في وجهه وجسده تدل على أنه مسموم، فلما خرجت جنازته غلقت أسواق بغداد (١) ، ولم يتخلف عن جنازته أحد، وصلى عليه في جامع القصر (٢) ، وحمل إلى باب البصرة، فدفن في مدرسته التي أنشأها، وقد دثرت الآن، ورثاه جماعة من الشعراء؛ انتهى كلام أبي الفرج ابن الجوزي.
وقال مؤلف سيرة الوزير المذكور: إن سبب موته كان بلغماً ثار بمزاجه وقد خرج مع المستنجد للصيد، فسقي مسهلاً فقصر عن استفراغه، فدخل إلى بغداد يوم الجمعة سادس جمادى الأولى راكباً متحاملاً إلى المقصورة لصلاة الجمعة فصلى بها وعاد إلى داره، فلما كان وقت صلاة الصبح عاوده الصبح عاوده البلغم، فوقع مغشياً عليه، فصرخ الجواري فأفاق فسكتهن، وبلغ الخبر ولده عز الدين أبا عبد الله محمداً، واكن ينوب عنه في الوزارة، فبادر إليه، فلما دخل عليه قال له: قد بث (٣) أستاذ الدار عضد الدين (٤) أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء المعروف بابن سلمة جماعة ليستعلم (٥) ما هذا الصياح، فتبسم الوزير على ما هو عليه من تلك الحال وأنشد:
وكم شامتٍ بي عند موتي جهالةً ... بظلمٍ يسل السيف بعد وفاتي
ولو علم المسكين ماذا يناله ... من الضر بعدي مات قبل مماتي ثم تناول مشروباً فاستفرغ به، ثم استدعى بماء فتوضأ للصلاة وصلى قاعداً فسجد فأبطأ عن القعود من السجود فحركوه فإذا هو ميت، فطولع به الإمام المستنجد فأمر بدفنه.
стр. 2662
وخلف ولدين: أحدهما عز الدين المذكور والآخر شرف الدين أبو الوليد مظفر (١) .
وأما مولده فقد ذكر أبو عبد الله محمد بن القادسي في " تاريخ الوزراء " (٢) أنه ولد في سنة وتسعين وأربعمائة على ما ذكره من لفظه، رحمه الله تعالى.
قال بعضهم: رأيته في المنام بعد موته، فسألته عن حاله، فقال:
قد سئلنا عن حالنا فأجبنا ... بعد ما حال حالنا وحجبنا
فوجدنا مضاعفاً ما كسبنا ... ووجدنا ممحصاً ما اكتسبنا ولما بلغ خبر موته عضد الدين ابن المظفر أستاذ الدار المذكور كان بحضرته سبط ابن التعاويذي - المذكور قبل هذا - وهو من موالي بني المظفر فإن أباه كان مملوكاً لبعض بني المظفر، واسمه نشتكين فسماه ابنه عبد الله، فأراد سبط بن التعاويذي أن يتقرب إلى عضد الدولة لعلمه ما بينه وبين الوزير، فأنشد مرتجلاً:
قال لي، والوزير قد مات، قوم ... قم لنبكي أبا المظفر يحيى
قلت أهون عندي بذلك رزأً ... ومصاباً وابن المظفر يحيا وقال آخر، ولا أذكر اسمه الآن، لكنه من الشعراء المشاهير:
أيا رب مثل الماجد ابن هبيرة ... يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر
يموت بيحيى كل فضلٍ وسؤدد ... ويحيا بيحيى كل جهل ومنكر والمقصود أن محاسنه كانت كثيرة، وقد أطلت هذه الترجمة حتى استوفيت مقاصدها.
ورأيت في كتاب " النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس " تأليف أبي الخطاب ابن دحية غلطة أحببت التنبيه عليها في هذا الكتاب كي لا يقف عليها
стр. 2663
أحد فيظنه مصيباً فيما ذكره، وهو أنه قال في خلافة المقتفي لأمر الله ما مثاله: وسعد بوزيره أبي المظفر عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة من ولد الأمير الكبير أبي حفص عمر بن هبيرة، وقد ذكر المؤرخون فصائل جده، التي حازها عون الدين من بعده، ثم ذكرت مكرمة لعمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين في دولة بني أمية، وظن ابن دحية أن الوزير المذكور من ذرية ذلك المتقدم، وعجبت منه من ذلك، فإن الوزير شيباني - كما شرحناه في أول الترجمة - وذاك فزاري النسب - كما يأتي في ترجمة ولده يزيد بن عمر بن هبيرة إن شاء الله تعالى - وأين شيبان من فزارة ولا شك أنه ما أوقعه في هذا الأمر إلا ما أراه في نسب الوزير، فقد جاء فيه عمر بن هبيرة، فتوهم أن هذا هو ذاك، وليس الأمر كما توهمه، ومثل ابن دحية لا يعذر فقد كان حافظاً ومطلعاً على أمور الناس، وهذا الأمر واضح لكن الخطأ موكل بالإنسان.
(٣٢٧) قلت: وأكثر من جرى ذكره في هذه الترجمة قد تقدم ذكره في هذا التاريخ، وأفردت لكل واحد منهم بترجمة مستقلة، سوى الشيخ الزبيدي، فإنه كان كبير القدر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما انتفع الوزير إلا بصحبته، وما ذكرته في هذا التاريخ، فينبغي التنبيه عليه، إذ مثله لا يهمل، وكان دخوله بغداد في سنة تسع وخمسمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وقال أبو عبد الله بن النجار في " تاريخ بغداد ": كان مولده بزبيد في ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من المحرم سنة ستين وأربعمائة، وتوفي ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ودفن بمقبرة جامع المنصور ببغداد، رحمه الله تعالى.
وقول الآخر:
أيا رب مثل الماجد ابن هبيرة ... يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر! (٣٢٨) فالمراد به أبو الفضل يحيى بن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن المعمر بن جعفر الملقب زعيم الدين، تولى النظر بالمخزن في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة إلى سنة سبع وستين، ففيها ناب في الوزارة بعد عزل
стр. 2664
أبي الفرج ابن المظفر، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي، وكان على ذلك إلى أن توفي، وكان مشكوراً محمود الطريقة محباً لأهل العلم، وكانت ولادته ليلة الجمعة بعد العشاء الأخير التاسع والعشرين من صفر سنة إحدى عشر وخمسمائة، وتوفي ليلة العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن من الغد في الحربية بتربة له، رحمه الله تعالى (١) .
٨٠٨ - (٢)
ابن زبادة
أبو طالب يحيى بن أبي الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن فرغلي (٣) بن زبادة الشيباني، الكاتب المنشيء الواسطي الأصل، البغدادي المولد والدار والوفاة، الملقب قوام الدين، وقيل عميد الدين، كان من الأعيان الماثل والصدور الأفاضل، انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء والحساب مع مشاركته في الفقه وعلم الكلام والأصول وغير ذلك، وله النظم الجيد. جالس أبا منصور ابن الجواليقي وقرأ عليه من بعده، وسمع الحديث من جماعة، وخدم الديوان من صباه إلى أن توفي عدة خدمات، وكان مليح العبارة في الإنشاء، جيد الفكرة حلو الترصيع لطيف الإشارة، وكان الغالب عليه في رسائله العناية بالمعاني أكثر من طلب التسجيع، وله رسائل بليغة (٤) وشعر رائق، وفضله أشهر من أن يذكر.
стр. 2665
وتولى النظر بديوان البصرة وواسط والحلة، ولم يزل على ذلك إلى أن طلب من واسط والحلة، ولم يزل على ذلك إلى المحرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ورتب حاجباً بباب النوبي، وقلد النظر في المظالم، ثم عزل عن ذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين، ثم أعيد إليه في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين، فلما قتل أستاذ الدار - وهو مجد الدين أبو الفضل هبة الله بن علي بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسن المعروف بابن الصاحب، وكان قتله يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ترتب ابن زبادة المذكور مكانه، ثم عزل في سنة خمس وثمانين، وعاد إلى واسط فأقام بها إلى أن استدعي في شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين، وقلد ديوان الإنشاء في يوم الاثنين والعشرين من شهر رمضان، ثم رد إليه النظر في ديوان المقاطعات، فكان على ذلك إلى حين وفاته.
وكان حسن السيرة محمود الطريقة متدنياً، حدث بشيء يسير وكتب الناس عنه كثيراً من نظمه ونثره، فمن ذلك قوله:
باضطراب الزمان ترتفع (١) الأنذال فيه حتى يعم البلاء ... وكذا الماء ساكناً (٢) فإذا حرك ثارت من قعره الأقذاء ... وله أيضاً:
إني لأعظم ما تلقونني جلدا ... إذا توسطت هول الحادث النكد
كذلك الشمس لا تزداد قوتها ... إلا إذا حصلت في زبرة الأسد وكتب إلى الإمام المستنجد يهنيه بالعيد:
يا ماجداً قدراً أن نهنيه ... لنا الهناء بظلٍ منك ممدود