← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

لأكره أن أستنصر بجيش هو فيهم. ونقل الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في " تاريخ دمشق " في ترجمة يزيد المذكور عن يعقوب أنه قال: في سنة إحدى ومائة أمر يزيد بن أبي مسلم على إفريقية، ونزع إسماعيل بن عبيد بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم، فسار أحسن سيرة، وفي سنة اثنتين ومائة قتل يزيد. وقال الطبري في تاريخه الكبير: وكان سبب ذلك أنه كان فيما ذكر عزم أن يسير فيهم بسيرة الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق، ممن ردهم إلى قرارهم ورساتيقهم، ووضع على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم على كفرهم، فلما عزم على ذلك توامروا، فأجمع رأيهم على قتله (١) فقتلوه، وولوا على أنفسهم الوالي الذي كان قبل يزيد بن أبي مسلم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا عن الطاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى به الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك، فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إنني لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم. وأقر محمد بن يزيد على إفريقية، وكان ذلك في سنة اثنتين ومائة. قال الوضاح بن خيثمة: أمرني عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بإخراج قوم من السجن، وفيهم يزيد بن أبي مسلم، فأخرجتهم وتركته فحقد علي، وإني بإفريقية إذ قيل قدم يزيد والياً، فهربت منه، وعلم بمكاني وأمر بطلبي، فظفر بي وحملت إليه، فلما رآني قال: طالما سألت الله تعالى أن يمكنني منك، فقلت: وأنا والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك، فقال: ما أعاذك الله، والله لأقتلنك والله لأقتلنك ولو سابقني فيك ملك الموت لسبقته. ثم دعا بالسيف والنطع فأتي بهما، وأمر بالوضاح فأقيم على النطع وكتف، وقام وراءه رجل بالسيف؛ وأقيمت الصلاة فخرج يزيد إليها، فلما سجد أخذته السيوف. ودخل إلى الوضاح من قطع كتافه وأطلقه، وأعيد إلى الولاية محمد بن يزيد مولى الأنصار، والله أعلم.

стр. 2732

قلت: كان الوضاح حاجب عمر بن عبد العزيز، فلما مرض أمر الوضاح بإخراج المحابيس، فأخرجهم سوى يزيد المذكور، فلما مات عمر هرب الوضاح إلى إفريقية خوفاً من يزيد، وجرى ما جرى، وكان مرض عمر بخناصرة (١) . هكذا قاله الطبري: محمد بن يزيد، وابن عساكر قال: إسماعيل بن عبيد الله، والله أعلم بالصواب؛ وقوله " وأحضر إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة " فالجامعة: الغل، لأنها تجمع اليدين إلى العنق، وقوله " وكان رجلاً قصيراً دميماً " الدميم: بالدال المهملة، القبيح المنظر، ومنه قول عمر ﵁ " لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن " وأما الذميم بالذال المعجمة فإنه المذموم، وكذا قول ابن الرومي الشاعر المشهور: كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم - بالدال المهملة أيضاً - وإنما قيدته بالضبط لأنه يتصحف على الناس كثيراً (٢) . وخناصرة: بضم الخاء المعجمة ثم نون وبعد الألف صاد مهملة مكسورة ثم راء بعدها هاء، وهي بلدة قديمة من أعمال الأحص من ولاية حلب من جهتها القبلية بشرق، بالقرب من قنسرين، كان عمر بن عبد العزيز أميراً بها من جهة عبد الملك بن مروان ثم من جهة سليمان بن عبد الملك، وهي التي عناها المتنبي بقوله: أحب حمصاً إلى خناصرة ... وكل نفس تحب محياها وذكرها عدي بن الرقاع العاملي الشاعر المشهور في قصيدته الدالية المشهورة فقال: وإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... فسقى خناصرة الأحص وجادها

стр. 2733

٨١٨ - (١) يزيد بن عمر بن هبيرة أبو خالد يزيد بن أبي المثنى عمر بن هبيرة بن معية بن سكين بن خديج بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة؛ ونسب فزارة معروف فلا حاجة إلى الإطالة بذكره. قال ابن دريد: معية تصغير معىً، وهو الواحد من أمعاء البطن، وقد ردوا على ابن دريد هذا القول فقالوا: بل صوابه أنه تصغير معاوية. وسكين: بضم السين المهملة وفتح الكاف؛ وخديج: بفتح الخاء المعجمة؛ وبغيض: بفتح الباء الموحدة؛ والباقي معلوم لا حاجة إلى ضبطه. ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخ الكبير أن أصله من الشام، وأنه ولي قنسرين للوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان مع مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يوم غلب على دمشق وجمع له ولاية العراق. مولده سنة سبع وثمانين. وذكره ابن عياش في تسمية من ولي العراق وجمع له المصران، وهما البصرة والكوفة، وكذلك ذكره ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٢) في تسمية من ولي العراقين، وعد الولاة الذين جمع لهم العراقان فكان أولهم زياد بن أبيه الذي استلحقه معاوية بن أبي سفيان، وآخرهم يزيد بن عمر بن هبيرة صاحب هذه الترجمة؛ ثم قال: ولم يجمع العراقان لأحد بعد هؤلاء، وذكره أيضاً قبل هذا في ترجمة أبيه عمر، فقال (٣) : وكان أبو جعفر المنصور حصر يزيد بواسط شهوراً ثم آمنه، وافتتح البلد صلحاً، وركب إليه يزيد في أهل بيته، وكان جعفر يقول: لا يعز ملك هذا فيه، ثم قتله.

стр. 2734

وقال خليفة بن خياط (١) : وفي سنة ثمان وعشرين ومائة وجه مروان بن محمد يزيد بن عمر بن هبيرة والياً على العراق، وذلك قبل قتل الضحاك - يعني ابن قيس الشيباني الخارجي - فسار حتى نزل هيت. وكان سخياً جسيماً طويلاً خطيباً أكولاً شجاعاً وكان فيه حسد؛ وذكره أبو جعفر الطبري في تاريخه في سنة ثمان وعشرين ومائة، فقال (٢) : وفي هذه السنة وجه مروان بن محمد يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج، ثم ذكر في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٣) خروج قحطبة بن شبيب أحد دعاة بني العباس لما ظهروا أمرهم بخراسان وتلك النواحي، وكان أبو مسلم الخراساني - المقدم ذكره في حرف العين (٤) - أعظم الأعوان وأصل تلك القضية حتى انتظمت أمورها كما هو مشهور، وقد سبق في ترجمة أبي مسلم طرف من هذا الحديث، ولا حاجة إلى التطويل فيه. وكان خروج قحطبة بأرض العراق وقصد محاربة يزيد بن عمر بن هبيرة، وجرت وقائع يطول شرحها، وحاصل الأمر أن قحطبة خاض الفرات عند الفلوجة القرية المشهورة بالعراق، ليقاتل ابن هبيرة، وكان في قبالته، فغرق قحطبة في عشية الأربعاء عند غروب الشمس لثمان خلون من المحرم من هذه السنة، وقام ولده الحسن بن قحطبة مقامه في تقدمة الجيش، وهي واقعة مشهورة طويلة وليس هذا موضع ذكرها. وكان معن بن زائدة الشيباني - المقدم ذكره (٥) - من أتباع يزيد بن هبيرة المذكور ومن أكبر أعوانه في الحروب وغيرها، فيقال إنه في تلك الليلة ضرب قحطبة بن شبيب بالسيف على رأسه، وقيل على عاتقه، فوقع في الماء، فأخرجوه حياً فقال: إن مت فادفنوني في الماء لئلا يقف أحد على خبري وقيل في غرقه غير ذلك، والله أعلم.

стр. 2735

عدنا إلى حديث ابن هبيرة: وكان من خبره أن جيوش خراسان التي كان مقدمها قحطبة ثم ولده الحسن من بعد استظهرت عليه فهزمت عسكره، ولحق ابن هبيرة بمدينة واسط فتحصن فيها ثم وصل أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁ الملقب بالسفاح وأخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد الملقب بالمنصور من الحميمة، بضم الحاء المهملة، القرية التي كانت مسكن بني العباس في أطراف الشام من أرض البلقاء إلى الكوفة، وبها جماعة من أشياعهم ونوابهم ومن قام معهم بإقامة دولتهم وإزالة دولة بني أمية التي أميرها إذ ذاك مروان بن محمد بن الحكم الأموي المعروف بالجعدي والمنبوز بالحمار آخر ملوكهم، فلما وصلوا إلى الكوفة بويع أبو العباس السفاح بها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل إن المبايعة كانت في شهر ربيع الأول، والأول أصح. وظهر أمر بني العباس وقويت شوكتهم، وأدبرت دولة بني مروان، فعند ذلك وجه السفاح أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة، فجاء المنصور إلى المعسكر الذي مقدمه الحسن بن قحطبة، وهو مقابل يزيد بن هبيرة (١) بواسط، فنزل فيه. قال أبو جعفر الطبري في تاريخ الكبير (٢) : وجرت السفراء بين أبي جعفر المنصور وبين ابن هبيرة، حتى جعل له أماناً وكتب به كتاباً، فمكث يشاور فيه العلماء أربعين ليلة حتى رضيه ابن هبيرة، ثم أخذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس السفاح فأمر بإمضائه له، وكان رأى أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه. وكان أبو العباس السفاح لا يقطع أمراً دون أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة، وكان لأبي مسلم عين على السفاح يكتب إليه بأخباره كلها،

стр. 2736

فكتب أبو مسلم إلى السفاح: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، لا والله لا صلح (١) طريق فيه ابن هبيرة. ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلثمائة من البخارية، فأرارد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب فقال: مرحباً با أبا خالد، انزل راشداً، وقد أطاف بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل ودعا له بوسادة ليجلس عليها، ثم دعا له بالقواد فدخلوا، ثم قال له الحاجب: ادخل أبا خالد، فقال: أنا ومن معي فقال: إنما استأذنت لك وحدك، فقام فدخل، ووضعت له وسادة وحادثه ساعة، ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصره حتى غاب عنه، ثم مكث يقيم عنه (٢) يوماً ويأتيه يوماً في خمسمائة فارس وثلثمائة راجل، فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر: أيها المير، إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شيء، فقال أبو جعفر للحاجب: قل لابن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته، فقال له الحاجب ذلك، فتغير وجهه، وجاء في حاشيته نحواً من ثلاثين، فقال له الحاجب: كأنك تأتي متأهباً (٣) فقال: إن أمرتم أن نمشي إليكم مشينا، فقال: ما أردنا بك استخفافاً ولا أمر الأمير بما أمر به إلا نظراً لك، فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة. وقال محمد بن كثير: كلم ابن هبيرة يوماً أبا جعفر فقال: يا هياه (٤) ، أو يا أيها المرء، ثم رجع فقال: أيها الأمير إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به حديث فسبقني لساني بما لم أرده. وألح أبو العباس السفاح على أبي جعفر يأمره بقتله، وهو يراجعه، فكتب إليه: والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجنه من حجرتك ثم يقتله، فأزمع على قتله، فبعث أبو جعفر من ختم بيوت المال، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة فحضروا، وخرج الحاجب من عند أبي جعفر وطلب ابن الحوثرة ومحمد بن نباتة وهما من العيان، فقاما فدخلا، وقد أجلس أبو جعفر ثلاثة من خواصه في مائة من خواصه من جماعته في حجرة، فنزعت

стр. 2737

سيوفهما وكتفا، ثم أدخلوا بعدهما اثنين ففعل بهما كذلك، وبعدهم جماعة أخرى فعل بهم كذلك، فقال موسى بن عقيل: أعطيتمونا عهد الله ثم خستم به، إنا لنرجوا أن يدرككم الله، وجعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه، فقال له: [ابن] (١) الحوثرة: إن هذا لا يغني عنك شيئاً، فقال: كأني كنت أنظر إلى هذا، فقتلوا وأخذت خواتيمهم. وانطلق حازم والهيثم بن شعبة والأغلب بن سالم في نحو من مائة، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد هذا المال، فقال ابن هبيرة لحاجبه: انطلق فدلهم عليه، فأقاموا عند كل بيت نفراً ثم جعلوا ينظرون من نواحي الدار، ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيوب وحاجبه وعدة من مواليه وبني صغير له في حجره، فجعل ينكر نظرهم، فقال: أقسم بالله إن في وجوه القوم لشراً، فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه في وجوههم فقال: وراءكم، فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتل، وقتل مواليه، ونحى الصبي من حجره، وقال: دونكم هذا الصبي، وخر ساجداً فقتل وهو ساجد، ومضوا برؤوسهم إلى أبي جعفر فنادى بالأمان للناس. وقال أبو العطاء السندي، واسمه مرزوق، وقيل أفلح، مولى بني أسد يرثي ابن هبيرة (٢) : ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطٍ ... عليك بجاري دمعها لجمود عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود وإنك لم تبعد على متعهدٍ ... بل كلٌّ من تحت التراب بعيد قلت: وهذه المرثية ذكرها أبو تمام الطائي في كتاب " الحماسة " (٣) في باب المراثي. قلت: إلى هنا انتهى ما نقلته من تاريخ الطبري مقتضباً فإنني جمعته من

стр. 2738

عدة مواضع حتى انتظم على هذه الصورة. وأما غير الطبري فإنه قال: لما قدم أبو جعفر على الحسن بن قحطبة تحول له الحسن من سرادقه فأنزله فيه، وأقاموا يقتتلون أياماً، وثبت معن بن زائدة مع ابن هبيرة، وطال الحصار عليهم، وكان أبو جعفر المنصور يقول: ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء، وبلغ ابن هبيرة ذلك، فأرسل إليه: أنت القائل كذا ابرز إلي لترى، فأرسل إليه المنصور: ما أجد لك ولي مثلاً إلا كأسد لقي خنزيراً، فقال له الخنزير: بارزني، فقال الأسد: ما أنت لي بكفؤ فإن بارزتك فنالني منك سوء كان عاراً، وإن قتلتك قتلت خنزيراً، فلم أحصل على حمد، ولا في قتلك فخر، فقال له الخنزير: لئن لم تبارزني لأعرفن السباع أنك جبنت عني، فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر من تلطيخ براثني بدمك. ثم إن المنصور كاتب القواد، وفهم ابن هبيرة فطلب الصلح، فأجابه المنصور، وكتبوا كتاب الصلح والأمان، وبعثه المنصور إلى أخيه السفاح فأمضاه، وكتب فيه: فإن غدر ابن هبيرة أو نكث فلا عهد له ولا أمان، وكان من رأي المنصور الوفاء له. وقال أبو الحسن المدائني: لما كتب المنصور بينه وبين ابن هبيرة كتاب الصلح خرج إلى المنصور وبينه وبينه ستر، فقال ابن هبيرة: أيها الأمير إن دولتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنبوهم مرارتها، تصل محبتكم إلى قلوبهم ويعذب ذكركم على ألسنتهم، وما زلنا منتظرين لدعوتكم، قال: فرفع المنصور الستر بينه وبينه وقال في نفسه: عجباً لمن يأمرني بقتل مثل هذا. وصار ابن هبيرة يخرج إلى المنصور في آخر أمره في ثلاثة من أصحابه يتغدى ويتعشى عنده وكان يثني له وساده. فيقال إنه كان يكاتب عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، ويدعو إليهم وإلى خلع السفاح، وجاءه كتاب أبي مسلم يحثه على قتل ابن هبيرة، فكتب السفاح إلى المنصور يأمره بقتله، فقال: لا أفعل وله في عنقي بيعة وأيمان فلا أضيعها بقول أبي مسلم، فكتب السفاح: ما أقتله بقول أبي مسلم بل بنكثه وغدره ودسيسه إلى آل أبي طالب، وقد أبيح لنا

стр. 2739

دمه، فلم يجبه المنصور وقال: هذا فساد الملك، فكتب إليه السفاح: لست مني ولست منك إن لم تقتله، فقال المنصور للحسن بن قحطبة: اقتله أنت، فامتنع، فقال خازم بن خزيمة (١) : أنا أقتله، فدخل عليه في جماعة من قواد خراسان، وهو في القصر وعنده ابنه داود وكاتبه ومواليه، وعليه قميص مصري وملاءة موردة، وعنده الحجام وهو يريد أن يحجمه، فلما رآهم سجد، فقتلوه وقتلوا ابنه وكاتبه ومن كان معه، وحملوا رأسه إلى المنصور. وكان معن بن زائدة غائباً عند السفاح فسلم. وبعث المنصور برأسه إلى السفاح، وكان ذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة. قال الهيثم بن عدي: لما قتل ابن هبيرة قال بعض الخراسانيين لبعض أصحاب ابن هبيرة: ما كان أكبر رأس صاحبكم، فقال له الرجل: أمانكم له كان أكبر. وذكر الخطيب أبو زكريا التبريزي، في كتاب " شرح الحماسة " (٢) في باب المراثي، عند ذكره أبيات أبي عطاء السندي الدالية - المقدم ذكرها - التي رثى بها يزيد المذكور، فقال: وكان المنصور قد حلف له وأكد الأيمان، فلما قتله وحمل رأسه إليه قال المنصور للحرسي: أترى طينة رأسه ما أعظمها! فقال الحرسي: طينة أيمانه من طينة رأسه. وهدم المنصور قصر واسط. وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير: كان ابن هبيرة إذا أصبح أتي بعس - قلت: العس، بضم العين المهملة وبعدها سين مهملة مشددة، هو القدح الكبير - قال: وفيه لبن قد حلب على عسل وأحياناً سكر فيشربه، فإذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تحل الصلاة فيصلي، ثم يدخل، فيحركه اللبن فيدعو بالغداء فيأكل دجاجتين وناهضتين ونصف جدي وألواناً من اللحم - والناهض، بالنون وبعد الهاء المكسورة ضاد معجمة، وهو الفرخ من الحمام - قال: ثم يخرج فينظر في أمور الناس إلى نصف النهار،

стр. 2740

ثم يدخل فيدعم جماعة من خواصه وأعيان الناس، ويدعو بالغداء فيتغدى ويضع منديلاً على صدره، ويعظم اللقم ويتابع، فإذا فرغ من الغداء تفرق من كان عنده، ودخل إلى نسائه، حتى يخرج إلى صلاة الظهر، ثم ينظر بعد الظهر في أمور الناس، فإذا صلى العصر وضع له سرير ووضعت الكراسي للناس، فإذا أخذ الناس مجالسهم أتوهم بعساس اللبن والعسل وألوان الأشربة - قلت: والعساس، بكسر العين، جمع عس، وقد تقدم الكلام عليه - ثم توضع السفرة والطعام للعامة ويوضع له ولأصحابه خوان مرتفع، فيأكل معه الوجوه إلى المغرب، ثم يفرقون للصلاة، ثم تأتيه سماره فيحضرون مجلساً يجلسون فيه حتى يدعوهم فيسامروه حتى يذهب عامة الليل. وكان يسأل في كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصبحوا قضيت، وكان رزقه ستمائة ألف درهم، فكان يقسم كل شهر في أصحابه من قومه ومن الفقهاء والوجوه وأهل البيوتات، فقال عبد الله بن شبرمة الضبي القاضي الفقيه الكوفي وكان من سماره: إذا نحن أعتمنا ومال بنا الكرى ... أتانا بإحدى الراحتين عياض وعياض بوابه، وإحدى الراحتين: الدخول أو الانصراف، ولم يكن له منديل، فكان إذا دعا بالمنديل قام الناس. وقال شيخ من قريش: أذن يزيد بن عمر بن هبيرة في يوم صائف شديد الحر للناس، فدخل (١) عليه وعليه قميص خلق مرقوع الجيب، فجعلوا ينظرون إليه ويعجبون منه، ففطن لهم، فتمثل بقول إبراهيم بن هرمة (٢) : قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع [وحكي أن شريك بن عبد الله النميري سايره يوماً فبدرت دابة شريك فقال له يزيد: غض من لجامها، فقال شريك: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير، فقال

стр. 2741

له يزيد: ذهبت حيث أردت؛ قول يزيد " غض من لجامها " يشير إلى قول جرير: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا فعرض له شريك بقول ابن دارة: لا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار وكان بنو فزارة في العرب يرمون بإتيان الإبل] (١) . وأخباره ومحاسنه كثيرة مشهورة. وقال خليفة بن خياط (٢) : قتل ابن هبيرة بواسط يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، رحمه الله تعالى. وقال أبو جعفر الطبري في تاريخه: توفي الحسن بن قحطبة في سنة إحدى وثمانين ومائة. ٨١٩ - (٣) يزيد بن حاتم المهلبي أبو خالد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الآزدي. قد سبق ذكر بقية نسبه في ترجمة جده المهلب بن أب صفرة، قد ذكرت أخاه روح بن حاتم في حرف الراء (٤) ، وعم أبيه يزيد بن المهلب، ومن ولده الوزير أبو

стр. 2742

محمد الحسن بن محمد المهلبي - المقدم ذكره (١) - وهم أهل بيت كبير، اجتمع فيه خلق كثير من الأعيان الأمجاد النجباء. ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن الخليفة أبا جعفر المنصور عزل حميد بن قحطبة عن ولاية مصر، فولاها نوفل بن الفرات، ثم عزله وولى يزيد بن حاتم، وذلك في سنة ثلاث وأربعين ومائة، ثم إن المنصور عزله عن مصر في سنة اثنتين وخمسين ومائة، وجعل مكانه محمد بن سعيد؛ وقال أبو سعيد بن يونس في تاريخه: ولي يزيد بن حاتم مصر في سنة أربع وأربعين ومائة، وزاد غيره: في منتصف ذي القعدة. ثم إن المنصور خرج إلى الشام وزيارة بيت المقدس في سنة أربع وخمسين ومن هناك سير يزيد بن حاتم إلى إفريقية لحرب الخوارج الذين قتلوا عامله عمر بن حفص، وجهز معه خمسين ألف مقاتل، واستقر يزيد المذكور والياً بإفريقية من يومئذ، وكان وصوله إليها واستظهاره على الخوارج في سنة خمس وخمسين، ودخل مدينة القيروان في هذا التاريخ. وكان جوادا سرياً مقصوداً ممدحاً، قصده جماعة من الشعراء فأحسن جوائزهم، وكان أبو أسامة ربيعة بن ثابت الأسدي الرقي (٢) ، وقيل أنه إنه من موالي سليم (٣) ، قد قصد يزيد بن أسيد، بضم الهمزة وفتح السين المهملة، ابن زافر ابن أسماء بن أسيد بن قنفذ بن جابر بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو يومئذ والٍ على أرمينية، وكان قد وليها زماناً طويلاً لأبي جعفر المنصور، ثم من بعده لولده المهدي، وكان يزيد المذكور من أشراف قيس وشجعانهم، ومن ذوي الآراء الصائبة، ومدحه ربيعة المذكور بشعر أجاد فيه، فقصر في حقه، ومدح يزيد بن حاتم المذكور، فبالغ في الإحسان إليه، فقال ربيعة قصيدة يفضل فيها يزيد بن حاتم على يزيد بن أسيد، وكان

стр. 2743

في لسان يزيد بن أسيد تمتعة، فعوض بذكرها في هذه الأبيات، فقال: حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... يمين امرئ آل بها غير آثم لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد بن سليم والأغر ابن حاتم يزيد سليم سالم المال، والفتى ... أخو الأزد للأموال غير مسالم فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم فيا أيها الساعي الذي ليس مدركاً ... بمسعاته سعي البحور الخضارم سعيت ولم تدرك نوال ابن حاتم ... لفكِّ أسير واحتمال العظائم كفاك بناء المكرمات ابن حاتم ... ونمت وما الأزدي بنائم فيا ابن أسيد لا تساهم ابن حاتم ... فتقرع إن ساميته سنَّ نادم هو البحر إن كلفت نفسك خوضه ... تهالكت في آذيّه المتلاطم تمنيت مجداً في سليمٍ سفاهة ... أماني خالٍ أو أماني حالم ألا إنما آل المهلب غرة ... وفي الحرب قادات لكم بالخزائم هم الأنف في الخرطوم والناس بعدهم ... مناسم. والخرطوم فوق المناسم قضيت لكم آل المهلب بالعلا ... وتفضيلكم حتى على كل حالم لكم شيم ليست لخلقٍ سواكم ... سماح وصدق البأس عن الملاحم مهينون للأموال فيما بينكم ... مناعيش دفاعون عن كل جارم قال دعبل بن علي الخزاعي - المقدم ذكره (١) -: قلت لمروان بن أبي حفصة الشاعر - وقد تقدم ذكره أيضاً (٢) -: يا أبا السمط، من أشعركم جماعة المحدثين قال: أسيرنا بيتاً، قلت: ومن هو قال: الذي يقول: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد بن سليمٍ والأغر ابن حاتم

стр. 2744

وكنت قد ذكرت بعض هذه الأبيات في ترجمة أخيه روح بن حاتم (١) ، ثم إني ظفرت بها أكمل من تلك فأحببت أن أفرد له ترجمة وأذكر ما جرى له، أن مثله لا يصلح لأن يكون ضميمة في ترجمة أخيه. وكان ربيعة بن ثابت الرقي قد قصده قبل هذه المرة، فلم ير منه من الإحسان ما كان يرجوه، فنظم أبياتاً من جملتها: أراني ولا كفران لله راجعاً ... بخفي حنينٍ من نوال ابن حاتم ولما عقد أبو جعفر المنصور ليزيد المهلبي المذكور على بلاد إفريقية وليزيد السلمي المذكور على ديار مصر خرجا معاً، فكان يزيد المهلبي يقوم بكفاية الجيشين فقال ربيعة الرقي المذكور: يزيد الخير، إن يزيد قومي ... سميك لا يجود كما تجود تقود كتيبةً ويقود أخرى ... فترزق من تقود ومن يقود قلت: وهذا يدل على أن ربيعة المذكور مولى بني سليم لقوله: " يزيد قومي "، والله أعلم. وقدم أشعب المشهور بالطمع على يزيد وهو بمصر، فجلس في مجلسه، ودعا بغلامه فساره، فقام أشعب فقبل يده، فقال له يزيد: لم فعلت هذا فقال: إني رأيتك تسار غلامك فظننت أنك أمرت لي بشيء، فضحك منه وقال: ما فعلت هذا ولكنني أفعل، ووصله وأحسن إليه. وقال الطرطوشي في كتاب " سراج الملوك " (٢) قال سحنون بن سعيد: كان يزيد بن حاتم حكيماً يقول: والله ما هبت شيئاً قط هيبتي لرجل ظلمته وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله تعالى، فيقول: حسبك الله، الله بيني وبينك. وذكر أبو سعد السمعاني في كتاب " الأنساب " أن المشهر التميمي الشاعر وفد على يزيد بن حاتم بإفريقية فأنشده:

стр. 2745

إليك قصرنا النصف من صلواتنا ... مسيرة شهر ثم شهرٍ نواصله فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا ... لديك، ولكن أهنأ البرِّ عاجله فأمر يزيد بوضع العطاء في جنده وكان معه خمسون ألف مرتزق، فقال: من أحب أن يسرني فليضع هذا من عطائه درهمين، فاجتمع له مائة ألف درهم، وضم يزيد إلى ذلك مائة ألف درهم أخرى ودفعها إليه. قلت: ثم وجدت البيتين المذكورين لمروان بن أبي حفصة، والله أعلم. وقد ذكره الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في " تاريخ دمشق " فقال بعد ذكر أحواله وولاياته: إن يزيد بن حاتم قال لجلسائه: استنقوا لي ثلاثة أبيات، فقال صفوان بن صفوان من بني الحارث بن الخزرج: أفيك فقال: فيمن شئتم، فكأنها كانت في كمه: لم أدر ما الجود إلا ما سمعت به ... حتى لقيت يزيداً عصمة الناس لقيت أجود من يمشي على قدمٍ ... مفضلاً برداء الجود والباس لو نيل بالجود مجد (١) كنت صاحبه ... وكنت أولى به: ثم كففت، فقال: أتمم، من آل عباس، فقلت: لا يصلح، فقال: لا يسمعن هذا منك أحد. وقال يموت بن المزرع: قال لي الأصمعي (٢) يوماً، وقد جئته مسلماً إلى أن ذكر الشعراء المحسنين المداحين (٣) من المولدين، فقال لي: يا أبا عثمان، ابن المولى من المحسنين المداحين، ولقد أسهرني في ليلتي هذه حسن مديحه يزيد بن حاتم حيث يقول: وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري وإذا تخيل من سحابك لامع ... سبقت مخيلته يد المستمطر

стр. 2746

وإذا صنعت صنيعةً اتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدر وإذا الفوارس عددت أبطالها ... عدوك في أبطالهم بالخنصر ولما قدم عليه ابن المولى المذكور أنشده وهو أمير مصر (١) : يا واحد العرب الذي ... أضحى وليس له نظير لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير فدعا يزيد بخازنه وقال: كم في بيت مالي قال: فيه من العين والورق ما مبلغه عشرون ألف دينار، فقال: ادفعها إليه، ثم قال: يا أخي، المعذرة إلى الله تعالى وإليك، والله لو أن في ملكي غيرها لما ادخرتها عنك، وهذا ابن المولى هو أبو عبد الله محمد بن مسلم، وعرف بابن المولى (٢) . وروى الأصمعي أيضاً أن يزيد لما كان بإفريقية جاءه البشير يخبره أنه ولد له مولود بالبصرة، فقال: قد سميته المغيرة، وكان عنده المشهر التميمي فقال: بارك الله لك أيها الأمير فيه وبارك له في بنيه كما بارك لجده في أبيه. ولم يزل والياً بإفريقية إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة سبعين ومائة بالقيروان، ودفن بباب سلم، واستخلف على إفريقية ولده داود بن يزيد فعزله هارون الرشيد في سنة اثنتين وسبعين ومائة، وولاها عمه روح بن حاتم - المقدم ذكره -.

стр. 2747

٨٢٠ - (١) يزيد بن مزيد الشيباني أبو خالد وأبو الزبير، يزيد بن مزيد بن زائدة، وهو ابن أخي معن بن زائدة الشيباني - المقدم ذكره -، وقد استوفيت ذكر نسبه هناك فلا حاجة إلى إعادته هاهنا. كان يزيد المذكور من المراء المشهورين والشجعان المعروفين، كان والياً بأرمينية فعزله عنها هارون الرشيد سنة اثنتين وسبعين ومائة، ثم ولاه إياها وضم إليها أذربيجان في سنة ثلاث وثمانين. وقد سبق طرف من خبره في ترجمة الوليد بن طريف الشيباني الخارجي فإنه الذي تولى محاربته وقتله: ذكر أرباب التاريخ أن الوليد بن طريف الشيباني لما خرج على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة، وهي فيما بين الفرات وشط الموصل، وذلك في سنة ثمان وسبعين ومائة، وكثر جمعه من الشراة حتى انتشروا في تلك البلاد، ونهض إليهم عامل ديار ربيعة فقتلوه، وصاروا إلى ديار مصر، فحصروا عبد الملك بن صالح بن علي العباسي بالرقة، فاستشار هارون الرشيد يحيى بن خالد البرمكي فيمن يوجهه لحرب الوليد بن طريف، فقال له يحيى بن خالد البرمكي: وجه موسى بن حازم التميمي، فإن فرعون كان اسمه الوليد فغرقه موسى ﵇، فوجهه إليه الرشيد في جيش كثيف، فلاقاه الوليد في أصحابه فهزمه الوليد وقتله، فلما بلغ الرشيد ذلك وجه إليه معمر بن عيسى العبدي، فكانت بينهما عدة وقائع بناحية دارا من ديار ربيعة، فلما اتصل ذلك وكثرت جموع الوليد وظهر هذا الظهور العظيم، قال الرشيد: ليس لها إلا الأعرابي يزيد بن مزيد الشيباني، فقال بكر بن النطاح الشاعر (٢) :

стр. 2748

لا تبعثن إلى ربيعة غيرها ... إن الحديد بغيره لا يفلح فوجه الرشيد إليه يزيد المذكور في عسكر ضخم وأمره بمناجزته، فقصده يزيد وجعل الوليد يراوغه ويزيد يتبعه، وكان الوليد ذا مكر ودهاء. ثم كانت بينهما حرب صعبة، وبلغ الرشيد مماطلة يزيد بن مزيد له، فوجه إليه خيلاً بعد خيل، ثم بعث إليه من يعنفه، فسار يزيد في طلبه، ثم نزل يصلي الصبح، فلم يستتم صلاته حتى طلع الوليد عليه في عسكره، واصطفت الخيلان وتزاحف الناس؛ فلما شبت الحرب ناداه يزيد: يا وليد، ما حاجتك إلى التستر بالرجال ابرز إلي، قال: نعم والله، فبرز الوليد وبرز إليه يزيد، ووقف العسكران فلم يتحرك منهما أحد، فتطاردا ساعة، وكل واحد منهما لا يقدر على صاحبه، حتى مضت ساعات من النهار، فأمكنت يزيد فيه الفرصة فضرب رجله فسقط، وصاح (١) بخيله فسقطوا عليه واحتزوا رأسه. ذكر أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن القراب (٢) الهروي في تاريخه أن الوليد بن طريف قتله يزيد بن مزيد بالحديثة من أرض الجزيرة، قلت: وهذه الجزيرة هي الجزيرة الفراتية، والحديثة بالقرب من عانة، وتعرف بحديثة النورة، وهي على فراسخ من الأنبار، وهي غير حديثة الموصل. ووجه يزيد برأس الوليد إلى الرشيد، وبكتاب الفتح مع ابنه أسد بن يزيد، وفي ذلك يقول أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر المشهور، وكان منقطعاً إلى يزيد ومختصاً به (٣) : سل الخليفة سيفاً من بني مطرٍ ... يمضي فيخترق الأجسام والهاما لولا يزيد ومقدار له سبب ... عاش الوليد مع العامين أعواما أكرم به وبآباءٍ له سلفوا ... أبقوا من المجد أياماً وأياما

стр. 2749

ولما انصرف يزيد إلى باب الرشيد قدمه ورفع مرتبته وقال له: يا يزيد، ما أكثر أمراء المؤمنين (١) في قومك قال: نعم، إلا أن منابرهم الجذوع، يعني الجذوع التي يصلبون عليها إذا قتلوا. وكان قتل الوليد في سنة تسع وسبعين ومائة - كما سبق ذكره في ترجمته - ورثته أخته بتلك البيات الفائية المذكورة هناك، وقال أخته الفارعة فيه أيضاً: يا بني وائلٍ لقد فجعتكم ... من يزيدٍ سيوفه بالوليد لو سيوف سوى سيوف يزيد ... قاتلته لاقت خلاف السعود وائل بعضها يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد غير الحديد وقد روي أن هارون الرشيد لما جهز يزيد بن مزيد إلى حرب الوليد بن طريف أعطاه ذا الفقار (٢) سيف النبي (٣) ﷺ ، وقال له: خذه يا يزيد فإنك ستنصر به، فأخذه ومضى، وكان من هزيمة الوليد وقتله ما قد شرحناه، وفي ذلك يقول مسلم بن الوليد الأنصاري من جملة قصيدة يمدح بها يزيد بن مزيد المذكور: أذكرت سيف رسول الله سنته ... وبأس أوَّل من صلى وصاما يعني بأس علي بن أبي طالب ﵁ إذ كان هو الضارب به. وقد ذكر هشام بن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب " شيئاً يتعلق بذي الفقار، وهي فائدة يحسن ذكرها هاهنا، فإنه قال في نسب قريش: منبه ونبيه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم القرشي، كانا سيدي بني سهم في الجاهلية قتلا يوم بدر كافرين، وكانا من المطعمين، والعاص ابن نبيه قتل مع أبيه، وكان له ذو الفقار، قتله علي بن أبي طالب رضي الله

стр. 2750

عنه يوم بدر وأخذه منه، وقال غير [ابن] الكلبي: إن ذا الفقار أعطاه النبي ﷺ لعلي ﵁. والفقار: بفتح الفاء، جمع فقارة الظهر، يقال في جمعها فقار، وفقارات، ويقال ذو الفقار، بكسر الفاء أيضاً، والفقار: جمع فقرة، بكسر الفاء وسكون القاف، ولم يات مثله في الجموع إلا قولهم إبرة وإبار. رجعنا إلى حديث ذي الفقار: وكان سبب وصوله إلى هارون الرشيد فيما ذكره أبو جعفر الطبري (١) بإسناد متصل إلى عمر (٢) بن المتوكل [عن أمه] وكانت أمه تخدم فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، قالت: كان ذو الفقار مع محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ يوم قتل في محاربته لجيش أبي جعفر المنصور العباسي، والواقعة مشهورة، فلما أحس محمد بالموت دفع ذا الفقار إلى رجل من التجار كان معه، وكان عليه أربعمائة دينار، وقال له: خذ هذا السيف فإنك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه منك وأعطاك حقك، فكان السيف عند ذلك التاجر حتى ولي جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب ﵁ اليمن والمدينة، فأخبر عنه، فدعا بالرجل فأخذ منه السيف وأعطاه أربعمائة دينار، فلم يزل عنده حتى قام المهدي بن منصور، واتصل خبره به فأخذه، ثم صار إلى موسى الهادي ثم إلى أخيه هارون الرشيد. وقال الأصمعي: رأيت الرشيد بطوس متقلداً سيفاً، فقال: يا أصمعي، ألا أريك ذا الفقار قلت: بلى جعلني الله فداك، فقال: استل (٣) سيفي هذا، فاستللته، فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة.

стр. 2751

قلت: خرجنا عن المقصود، فلنرجع إلى تتمة حديث يزيد بن مزيد: ذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي في " تاريخ بغداد " (١) أن يزيد المذكور دخل على الرشيد، فقال له الرشيد: يا يزيد، من الذي يقول فيك: لا يعبق الطيب كفيه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل قد عوّد الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل فقال: لا أدري يا أمير المؤمنين، قال: أفيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله فانصرف خجلاً، فقال لحاجبه من بالباب من الشعراء فقال: مسلم بن الوليد الأنصاري، قال: ومنذ كم هو مقيم بالباب قال: منذ زمان طويل منعته من الوصول إليك لما عرفته من إضاقتك، قال: أدخله (٢) فأدخله، فأنشده هذه القصيدة حتى ختمها، فقال للوكيل: بع ضيعتي الفلانية وأعطه نصف ثمنها واحتبس نصفاً لنفقتنا، فباعها بمائة ألف درهم، فأعطى مسلماً خمسين ألفاً، ورفع الخبر إلى الرشيد فاستحضر يزيد وسأله عن الخبر فأعلمه الحديث، فقال: قد أمرت لك بمائتي ألف درهم لتسترجع الضيعة بمائة ألف درهم وتزيد الشاعر خمسين ألفاً وخمسين ألفاً لنفسك. قال أبو بكر ابن الأنباري، قال أبي: سرق مسلم بن الوليد هذا المعنى من قول النابغة الذبياني حيث يقول (٣) : إذا غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب

стр. 2752

الكواثب: بالثاء المثلثة وبعدها الباء الموحدة، جمع كاثبة، وهي ما يقرب من منسج الفرس أمام قربوس السرج. قلت: وأول قصيدة مسلم بن الوليد الأنصاري (١) : أجررت حبل خليعٍ في الصبا غزل ... وقصرت همم العذال عن عذلي ومن مديحها (٢) : حاط الخلافة سيف من بني مطر ... أقام قائمه من كان ذا ميل كم صائلٍ في ذرا علياء مملكةٍ ... لولا يزيد بني شيبان لم يصل ناب الإمام الذي يفتر عنه إذا ... ما افترت الحرب عن أنيابها العصل يفتر عند افترار الحرب مبتسماً ... إذا تغير وجه الفارس البطل ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلاً يأتي على مهل لا يرحل الناس إلا عند حجرته ... كالبيت يضحي إليه ملتقى السبل يكسو نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل يغدو فتغدو المنايا في أسنته ... شوارعاً تتحدى الناس بالأجل إذا طغت فئة عن عبّ طاعته ... عبّا لها الموت بين البيض والأسل تراه في الأمن في درعٍ مضاعفةٍ ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " (٣) في ترجمة مسلم بن الوليد الأنصاري، قال يزيد بن مزيد: أرسل إلي الرشيد يوماً في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي، فأتيته لابساً سلاحي مستعداً لأمرٍ (٤) إن أراده، فلما رآني ضحك إلي وقال: من الذي يقول فيك:

стр. 2753

تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل لله من هاشم في أرضه جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل فقلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: سوأةً لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا الشعر ولا يعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله، هو مسلم بن الوليد، فانصرفت ودعوت به ووصلته ووليته. قلت: وهذان البيتان من جملة القصيدة التي ذكرت منها الأبيات قبلها. وقد روي أن عمه معن بن زائدة كان يقدمه على أولاده، فعاتبته امرأته في ذلك وقالت له: كم تقدم يزيد ابن أخيك وتؤخر بنيك، ولو قدمتهم لتقدموا ولو رفعتهم لارتفعوا، فقال لها: إن يزيد قريب مني وله علي حق الولد إذ كنت عمه، وبعد فإن بني ألوط بقلبي وأدنى من نفسي، ولكني لا أجد عندهم من الغناء ما عنده، ولو كان ما يضطلع به يزيد في بعيد لصار قريباً أو عدم لصار حبيباً، وسأريك في هذه الليلة ما تبسطين به عذري، يا غلام اذهب فادع جساساً وزائدة وعبد الله وفلاناً وفلاناً، حتى أتى على جميع أولاده، فلم يلبثوا أن جاؤوا في الغلائل المطيبة والنعال السندية، وذلك بعد هدأة من الليل، فسلموا وجلسوا، ثم قال معن: يا غلام ادع يزيد، فلم يلبث أن دخل عجلاً وعليه سلاحه، فوضع رمحه بباب المجلس ثم دخل، فقال له معن: ما هذه الهيئة يا أبا الزبير فقال: جاءني رسول الأمير فيبق وهمي إلى أنه يريدني لمهم، فلبست سلاحي وقلت: إن كان الأمر كذلك مضيت ولم أعرج، وإن كان على غير ذلك فنزع هذه الآلة عني من أيسر شيء، فقال معن: انصرفوا في حفظ الله، فلما خرجوا قالت زوجته: قد تبين لي عذرك، فأنشد متمثلاً: نفس عصامٍ سودت عصاما ... وعلمته الكر والأقداما وصيرته ملكاً هماماً ... وإلى هذه الحالة أشار مسلم بن الوليد بقوله: تراه في الأمن في درع مضاعفة (١) ... .........

стр. 2754

وقد روي أن مسلم بن الوليد لما انتهى في إنشاء هذه القصيدة إلى هذا البيت قال له يزيد بن مزيد الممدوح: هلا قلت كما قال أعشى بكر بن وائل في مديح قيس بن معدي كرب: وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... شهباء تجتنب الكماة نزالها كنت المقدم غير لابس جنّة ... بالسيف تضرب معلماً أبطالها فقال مسلم: قولي أحسن من قوله، لأنه وصفه بالخرق وأنا وصفتك بالحزم (١) . الخرق: بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبعدها قاف، وهو الاسم من عدم معرفة العمل. قلت: وقيس الذي مدحه الأعشى هو والد الأشعث بن قيس الكندي أحد الصحابة رضوان الله عليهم. قلت: وقد تقدم الكلام على قوله: قد عود الطير عادات وثقن بها ... وأنه أخذ هذا المعنى من أبيات النابغة البائية التي تقدم ذكرها، وقد وافقه في أخذ هذا المعنى جماعة منهم أبو فراس، قال عمر الوراق: سمعت أبا نواس ينشد قصيدته الرائية التي أولها (٢) : أيها المنتاب من عفره ... لست من ليلي ولا سمره لا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بلوت المر من ثمره فحسدته عليها، فلما بلغ إلى قوله: وإذا مج القنا علقاً ... وتراءى الموت في صوره راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره

стр. 2755

تتأي الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره قلت له: ما تركت للنابغة شيئاً حيث يقول: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب فقال: اسكت، فلئن أحسن الاختراع لما أسأت الاتباع. وأخذ هذا المعنى أبو تمام حبيب بن أوس الطائي فقال (١) : وقد ظللت عقبان أعلامه ضحىً ... بعقبان طيرٍ في الدماء نواهل أقامت على الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل وقال المتنبي أيضاً (٢) : يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع وللمتنبي أيضاً في صفة جيش وقد ألم بهذا المعنى (٣) : وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناجٍ ولا الوحش المثار بسالم تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم إذا ضوءها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم ولما كان يزيد والياً على اليمن قصده أبو الشمقمق مروان بن محمد - مولى مروان بن محمد الجعدي آخر ملوك بني أمية - الشاعر المشهور الكوفي، وكنيته أبو محمد، وكان مشهوراً بأبي الشمقمق، وهو في حال رثة، وكان راجلاً، فمدحه وشرح حاله بقوله (٤) : رحل المطي إليك طلاب الندى ... ورحلت نحوك ناقةً نعليه

стр. 2756

إذا لم تكن لي يا يزيد مطية ... فجعلتها لي في السفار مطيه تخدي أمام اليعملات وتغتلي ... في السير تترك خلفها المهريه من كل طاوية الصوى مزورةٍ ... قطعاً لكل تنوفةٍ دويه ومنها: تنتاب أكرم وائل في بيتها ... حسباً وقبة مجدها مبنيه أعني يزيداً سيف آل محمد ... فرّاج كل شديدة مخشيه يوماه يوم للمواهب والجدا ... خضل ويوم دمٍ وخطف منيه ولقد أتيتك واثقاً بك عالماً ... أن لست تسمع مدحة بنسيه فقال: صدقت يا شمقمقي ولست أقبل مدحة بسيئة، أعطوه ألف دينار ومدحه أبو الفضل منصور بن سلمة النمري الشاعر المشهور (١) بقصيدة طويلةٍ بائية أحسن فيها كل الإحسان منها قوله: لو لم يكن لبني شيبان من حسبٍ ... سوى يزيد لفاتوا الناس بالحسب ما أعرف الناس أن الجود مدفعة ... للذم لكنه يأتي على النشب وذكر أبو العباس المبرد في كتاب " الكامل " (٢) أن يزيد بن مزيد المذكور نظر إلى رجل ذي لحية عظيمة وقد تلففت على صدره، وإذا هو خاضب، فقال له: إنك من لحيتك في مؤنة، فقال: أجل ولذلك أقول: لها درهم للدهن في كل ليلةٍ (٣) ... وآخر للحناء يبتدران ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصوّت في حافاتها الجلمان قلت، الجلمان: بفتح الجيم واللام، تثنية جلم، وهو المقص.

стр. 2757

وقال له هارون الرشيد يوماً: يا يزيد، إني قد أعددتك لأمر كبير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قد أعد لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك، ويداً مبسوطة لطاعتك (١) ، وسيفاً مشحوذاً على عدوك، فإذا شئت فقل. وذكر المسعودي في كتاب " مروج الذهب ومعادن الجوهر " (٢) أن هذه المقالة دارت بين هارون الرشيد ومعن بن زائدة عم يزيد المذكور، ثم قال بعد هذا: وقيل إن هذا الكلام من كلام يزيد بن مزيد. قلت أنا: وهذا لا يمكن أن يكون بين الرشيد ومعن أصلاً، لأن معناً قتل في خلافة أبي جعفر المنصور - حسبما تقدم ذكره في ترجمته - على الاختلاف في السنة، وهو بعد الخمسين ومائة، فكيف يمكن أن يقول له الرشيد ذلك والرشيد ولي الخلافة في سنة سبعين ومائة وذكر ابن أبي عون (٣) في كتاب " الأجوبة المسكتة " أن الرشيد قال ليزيد المذكور في لعب الصوالجة: كن مع عيسى بن جعفر، فأبى يزيد فغضب الرشيد وقال: تأنف أن تكون معه فقال: قد حلفت لأمير المؤمنين أن لا أكون عليه في جد ولا هزل. ورأيت في بعض المجاميع حكاية عن بعضهم أنه قال: كنت مع يزيد بن مزيد، فإذا صائح في الليل: يا يزيد بن مزيد، فقال يزيد: علي بهذا الصائح، فلما جيء به قال له: ما حملك على أن (٤) ناديت بهذا الاسم فقال: نفقت دابتي ونفدت نفقتي، وسمعت قول الشاعر فتيمنت به، فقال: وما قال الشاعر فأنشد: إذا قيل من للمجد والجود والندى ... فناد بصوتٍ يا يزيد بن مزيد فلما سمع يزيد مقالته هش له وقال له: أتعرف يزيد بن مزيد قال: لا والله، قال: أنا هو، وأمر له بفرسٍ أبلق (٥) كان معجباً به وبمائة دينار.

стр. 2758

وقد أطلنا القول في هذه الترجمة، لكن الكلام شجون يتعلق بعضه ببعض، ومحاسن يزيد كثيرة، وتوفي في سنة خمس وثمانين ومائة، ورثاه أبو محمد عبد الله بن أيوب التيمي الشاعر المشهور، وقيل بل هذه المرثية لأبي الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر المذكور، والصحيح أنها للتيمي المذكور، وهي (١) : أحقاً أنه أودى يزيد ... تبيّن أيها الناعي المشيد أتدري من نعيت وكيف فاهت ... به شفتاك كان بها الصعيد أحامي المجد والإسلام أودى ... فما للأرض ويحك لا تميد تأمل هل ترى الإسلام مالت ... دعائمه وهل شاب الوليد وهل شيحت سيوف بني نزار ... وهل وضعت عن الخيل اللبود وهل تسقي البلاد ثقال مزن ... بدرتها وهل يخضر عود أما هدُّت لمصرعه نزار ... بلى، وتقوض المجد المشيد وحل ضريحه إذا حل فيه ... طريف المجد والحسب التليد أما والله ما تنفك عيني ... عليك بدمعها أبداً تجود وإن تجمد دموع لئيم قوم ... فليس لدمع ذي حسب جمود أبعد يزيد تحزن البواكي ... دموعاً أو يصان لها حدود لتبكك قبة الإسلام لما ... وهت أطنابها ووهى العمود ويبكي شاعر لم يبق دهر ... له نشباً وقد كسد القصيد فإن يهلك يزيد فكل حي ... فريس للمنية أو طريد لقد عزى ربيعة أن يوماً ... عليها مثل يومك لا يعود قلت: وهذا البيت الأخير قد استعمله الشعراء كثيراً، فمن ذلك قول مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد الحارثي من جملة أبيات: فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به ... ما بعد يحيى في الرزء من ألم

стр. 2759

وقول أبي النواس يرثي الأمين (١) : وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر وقول إبراهيم بن العباس الصولي يرثي ابنه: أنت السواد لمقلة ... تبكي عليك وناظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " (٢) في ترجمة مسلم بن الوليد بإسناد متصل إلى أحمد بن أبي سعد (٣) قال: أهديت إلى يزيد بن مزيد جارية وهو يأكل، فلما رفع يده من الكعام وطئها فلم ينزل عنها إلا ميتاً، وهو ببردعة، فدفن في مقابر بردعة، وكان مسلم بن الوليد معه في جملة أصحاب فقال يرثيه: قبر ببردعة استمر ضريحه ... خطراً تقاصر دونه الخطار أبقى الزمان على ربيعة بعده ... حزناً لعمر الله ليس يعار سلكت بك العرب السبيل إلى العلا ... حتى إذا سبق الردى بك حاروا نفضت بك الأحلام آمال الغنى ... واسترجعت زوارها المصار فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍ ... أثني عليها السهل والأوعار قد قيل إن هذا البيت الأخير أبلغ شيء في المراثي، وهذه الأبيات في كتاب " الحماسة " (٤) في باب المراثي. وبردعة: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبعدها دال مهملة ثم عين مهملة، وهي مدينة من أقصى بلاد أذربيجان. قلت: هكذا رأيته في التواريخ،

стр. 2760

وأهل تلك البلاد يقولون بردعة من إقليم إران، والله أعلم؛ ويقال برذعة أيضاً، بالذال المعجمة، وكذلك بردعة الدابة يقال بالدال والذال (١) . وقد قيل إن مسلم بن الوليد إنما رثى بهذه الأبيات يزيد بن أحمد السلمي، وقيل بل رثى بها مالك بن علي الخزاعي، وإن أول الأبيات: قبر بحلوان استسر ضريحه ... لأن الذي قيلت فيه مات بحلوان، بضم الحاء المهملة، وهي آخر مدينة بأرض السواد من أعمال العراق، والله أعلم بالصواب في ذلك كله. وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتاب " معجم الشعراء " أن أبا البلهاء (٢) عمير بن عامر مولى يزيد بن مزيد الشيباني هو القائل: نعم الفتى فجمعت به إخوانه ... يوم البقيع حوادث الأيام سهل الفناء إذا حللت ببابه ... طلق اليدين مؤدب الخدام وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما ذوو الأرحام وذكر أبو تمام الطائي هذه الأبيات في كتاب " الحماسة " في باب المراثي لمحمد بن بشير الخارجي، وقيل ابن يسير بالسين المهملة وهو فعل من اليسر، وبشير (٣) من البشارة، وهو من خارجة عدوان، قبيلة، وليس من الخوارج، والله أعلم بالصواب في ذلك كله. ورثاه منصور النمري، وهي في كتاب " الحماسة " (٤) بقوله: أبا خالد، ما كان أدهى مصيبةً ... أصابت معداً يوم أصبحت ثاويا لعمري لئن سر الأعادي فأظهروا ... شماتاً لقد مروا بربعك خاليا فإن يك أفتنه الليالي وأوشكت ... فإن له ذكر سيفني اللياليا

стр. 2761

وكان ليزيد (١) ولدان نجيبان جليلان سيدان: (٣٣٦) أحدهما خالد بن يزيد وهو ممدوح أبي تمام الطائي، وله فيه أحسن المدائح، وقد تضمنها ديوانه، فلا حاجة إلى ذكر شيء منها لشهرة ديوانه. (٣٣٧) والآخر محمد بن يزيد، كان موصوفاً بالكرم وأنه لا يرد طالباً، فإن لم يحضره مال لم يقل لا، بل يعد ثم يعجل العدة، ومدحه أحمد بن أبي فنن صالح بن سعيد (٢) بقوله، ثم وجدت هذه الأبيات لأبي الشيص الخزاعي في كتاب " البارع " (٣) : عشق المكارم فهو مشتغل بها ... والمكرمات قليلة العشاق وأقام سوقاً للثناء ولم تكن ... سوق الثناء تعد في الأسواق بث الصنائع في البلاد فأصبحت ... تجنى إليه محامد الآفاق وكان خالد بن يزيد قد تولى الموصل من جهة المأمون، فوصل إليها وفي صحبته أبو الشمقمق الشاعر الذي ذكرته في هذه الترجمة، فلما دخل خالد إلى الموصل نشب اللواء الذي لخالد في سقف باب المدينة فاندق، فتطير خالد من ذلك، فأنشده أبو الشمقمق ارتجالاً (٤) : ما كان مندق اللواء لريبةٍ ... تخشى ولا سوءٍ يكون معجلا لكن هذا الرمح أضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا فبلغ الخليفة ما جرى، فكتب إلى خالد بن يزيد: قد زدنا في ولايتك ديار ربيعة كلها لكون رمحك استقل الموصل، ففرح بذلك وأجزل جائزة أبي الشمقمق. ولما انتفض أمر أرمينية في أيام الواثق جهز إليها خالد بن يزيد المذكور في

стр. 2762

جيش عظيم فاعتل في الطريق ومات في سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمدينة دبيل أرمينية، ﵏ أجمعين. ٨٢١ - (١) يزيد بن مفرغ الحميري أبو عثمان يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ بن ذي العشيرة بن الحارث بن دلال بن عوف بن عمرو بن يزيد بن مرة بن مرثد بن مسروق بن يزيد بن يحصب الحميري - وبقية النسب من يحصب معروفة فلا حاجة إلى ذكرها - هكذا ساق هذا النسب ابن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب " غير أنه لم يذكر كنية يزيد، بل ذكرها صاحب " الأغاني "، وأكثر العلماء يقولون: هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ ويسقطون زياداً. (٣٣٨) وقال صاحب " الأغاني ": إنما لقب جده مفرغاً لأنه راهن على سقاء من لبن يشربه كله، فشربه حتى فرغه فسمي مفرغاً. وذكر في ترجمة حفيده السيد الحميري في كتاب " الأغاني " (٢) أيضاً أن ابن عائشة قال: مفرغ هو ربيعة، ومفرغ لقبه، ومن قال ربيعة بن مفرغ فقد أخطأ، والله أعلم. وقال الفضل بن عبد الرحمن النوفلي: كان مفرغ المذكور حداداً باليمن، فعمل لامرأة قفلاً وشرط عليها عند فراغه منه أن تجيئه بلبن كرش (٣) ، ففعلت، فشرب منه ووضعه، فقالت له: رد علي الكرش، فقال: ما عندي شيء أفرغه فيه، قالت: لا بد منه، ففرغه في جوفه فقالت: إنك لمفرغ، فعرف به، وهو

стр. 2763

من حمير فيما يزعم أهله. وذكر ابن الكلبي وأبو عبيدة أن مفرغاً كان شعاباً بتبالة. قلت، تبالة: بفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها باء موحدة ثم ألف ولام وفي آخرها هاء، وهي بليدة على طريق اليمن للخارج من مكة، وهذا المكان كثير الخصب، له ذكر في الأخبار والأمثال والأشعار، وهي أول ولاية وليها الحجاج بن يوسف الثقفي، ولم يكن رآها قبل ذلك، فخرج إليها، فلما قرب منها سأله عنها، فقيل له إنها وراء تلك الأكمة، فقال: لا خير في ولاية تسترها أكمة، ورجع عنها محتقراً لها وتركها، فضربت العرب بها المثل وقالت للشيء الحقير: أهون من تبالة على الحجاج. قال الراوي: فادعى يزيد أنه من حمير، وهو حليف آل خالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي، وقيل إنه كان عبداً للضحاك بن عوف الهلالي، فأنعم عليه. وكان يزيد شاعراً غزلاً محسناً. (٣٣٩) والسيد الحميري الشاعر المشهور من ولده، وهو إسماعيل بن محمد بن بكار بن يزيد المذكور، كذا ذكره ابن ماكولا في كتاب " الإكمال " ولقبه السيد وكنيته أبو هاشم، وهو من كبار الشيعة، وله في ذلك أخبار وأشعار مشهورة. ومن محاسن شعر يزيد المذكور قوله من جملة قصيدة يمدح بها مروان بن الحكم الأموي، وكان قد أحسن مروان إليه: وأقمتم سوق الثناء ولم تكن ... سوق الثناء تقام في الأسواق فكأنما جعل الإله إليكم ... قيض النفوس وقسمة الأرزاق والبيت الأول من هذين البيتين تقدم ذكره في ترجمة يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني منسوباً إلى أحمد بن أبي فنن يمدح به خالد بن يزيد بن مزيد المذكور من جملة أبيات (١) ، والله أعلم بالصواب في ذلك. ولما ولي (٢) سعيد بن عثمان بن عفان، ﵁، خراسان عرض على

стр. 2764

يزيد بن مفرغ أن يصحبه فأبى ذلك، وصحب عباد بن زياد بن أبيه، فقال له سعيد: أما إذ أبيت أن تصحبني وآثرت صحبة عباد فاحفظ ما أوصيتك (١) به: إن عباداً رجل لئيم فإياك والدالة عليه وإن دعاك إليها من نفسه، فإنها خدعة منه لك عن نفسك، وأقلل زيارته فإنه ملول، ولا تفاخره وإن فاخرك فإنه لا يحتمل لك ما كنت أحتمله. ثم دعا سعيد بمال فدفعه له وقال له: استعن به على سفرك فإن صح لك مكانك من عباد، وإلا فمكانك عندي ممهد فائتني. ثم سار إلى خراسان وخرج ابن مفرغ مع عباد، فلما بلغ عبيد الله بن زياد العراقين أمير العراقين صحبة يزيد أخاه عباداً شق عليه، فلما سار عباد شيعه أخوه عبيد الله وشيعه الناس وجعلوا يودعونه، فلما أراد عبد الله أن يودع أخاه دعا ابن مفرغ فقال له: إنك سألت عباداً أن يصحبك فأجابك، وقد شق علي، فقال له: ولم أصلحك الله قال: لأن الشاعر لا يقنعه من الناس ما يقنع بعضهم من بعض، لأنه يظن فيجعل الظن يقيناً ولا يعذر في موضع العذر، وإن عباداً يقدم على أرض حرب فيشتغل بحروبه وخراجه عنك، فلا تعذره أنت وتكسونا شراً وعاراً، فقال له: لست كما ظن المير، وإن لمعروفه عندي لشكراً كثيراً، وإن عندي إن أغفل أمري عذراً ممهداً، فقال: لا، ولكن تضمن لي إن أبطأ عنك ما تحبه أن لا تعجل عليه حتى تكتب إلي، قال: نعم، قال: امض إذاً على الطائر الميمون. قال: فقدم عباد خراسان، وقيل سجستان، فاشتغل بحروبه وخراجه، فاستبطأه ابن مفرغ ولم يكتب لأخيه عبيد الله بن زياد يشكوه كما ضمن له، ولكنه بسط لسانه فذمه وهجاه. وكان عباد كبير اللحية كأنها جوالق، فسار ابن مفرغ مع عباد فدخلت الريح فيها فنفشتها، فضحك ابن مفرغ وقال لرجل من لخم كان إلى جانبه: ألا ليت اللحى كانت حشيشا ... فنعلفها خيول المسلمينا فسعى به اللخمي إلى عباد، فغضب من ذلك غضباً شديداً، وقال: لا تجمل بي عقوبته في هذه الساعة مع صحبته لي، وما أؤخرها إلا لأشفي نفسي

стр. 2765

منه، فإنه كان يقوم فيشتم أبي في عدة مواضع. وبلغ الخبر ابن مفرغ فقال: إني لأجد ريح الموت من عباد، ثم دخل عليه فقال: أيها الأمير، إني قد كنت مع سعيد بن عثمان، وقد بلغك رأيه في وجميل أثره علي، وقد اخترتك عليه فلم أحظ منك بطائل، وأريد أن تأذن لي بالرجوع فلا حاجة لي في صحبتك، فقال له: أما اختيارك إياي فقد اخترتك كما اخترتني، واستصحبتك حين سألتني، وقد أعجلتني عن بلوغ حجتي فيك، وطلبت الإذن لترجع إلى قومك فتفضحني فيهم وأنت على الإذن قادر بعد أن أقضي حقك. وبلغ عباداً أنه يسبه ويذكره وينال من عرضه، فدس إلى قوم كان لهم عليه دين أن يقدموه إليه، ففعلوا فحبسه وأضر به، ثم بعث إليه بعني الراكة وبرداً، وكانت الراكة قينة لابن مفرغ، وبرد غلامه، رباهما وكان شديد الضن بهما، فبعث إليه ابن مفرغ مع الرسول: أيبيع المرء نفسه وولده فأخذهما عباد منه، وقيل أنه باعهما عليه، فاشتراهما رجل من أهل خراسان. فلما دخلا منزله قال له برد، وكانت داهية أديباً (١) : أتدري ما اشتريت قال: نعم اشتريتك وهذه الجارية، قال: لا والله، ما اشتريت إلا العار والدمار والفضيحة أبداً ما حييت، فجزع الرجل وقال له: كيف ذاك ويلك قال: نحن ليزيد بن مفرغ، ووالله ما أصاره إلى هذه الحال إلا لسانه وشره، أفتراه يهجو عباداً وهو أمير خراسان، وأخوه عبيد الله أمير العراقين، وعمه الخليفة معاوية بن أبي سفيان في أن استبطأوه، ويمسك عنك وقد ابتعتني وابتعت هذه الجارية وهي نفسه التي بين جنبيه ووالله ما أرى أحداً أدخل بيته أشأم على نفسه وأهله ما أدخلته منزلك، فقال: أشهدك أنك وإياها له، فإن شئتما أن تمضيا إليه فامضيا، وعلى أني أخاف على نفسي إن بلف ذلك ابن زياد، وإن شئتما أن تكونا له عندي فافعلا، قال: فاكتب إليه بذلك، فكتب الرجل إلى ابن مفرغ إلى الحبس بما فعله، فكتب إليه يشكر فعله، وسأله أن يكونا عنده حتى يفرج الله عنه. وقال عباد لحاجبه: ما أرى هذا، يعني ابن مفرغ، يبالي بالمقام في الحبس،

стр. 2766

فبع فرسه وسلاحه وأثاثه واقسم ثمنها بين غرمائه، ففعل ذلك وبقيت عليه بقية حبسه بها، فقال ابن مفرغ في بيعهما: شريت برداً ولو ملكت صفقته ... لما تطلبت في بيعٍ له رشدا لولا الدعي ولولا ما تعرض لي ... من الحوادث ما فارقته أبدا يا برد ما مسنا دهر أضر بنا ... من قبل هذا ولا بعنا له ولدا معنى شريت: بعت، وهو من الأضداد يقع على الشراء والبيع. والأبيات أكثر من هذا فتركت الباقي. وعلم ابن مفرغ أنه إن أقام على ذم عباد وهجائه وهو في حبسه زاد في نفسه شراً، فكان يقول للناس إذا سألوه عن حبسه ما سببه: رجل أدبه أميره ليقوم من أوده ويكف من غربه، وهذا لعمري خير من جر الأمير ذيله على مداهنة صاحبه. فلما بلغ ذلك عباد رق له وأخرجه من السجن، فهرب حتى أتى البصرة ثم خرج منها إلى الشام، وجعل يتنقل في مدنها هارباً ويهجو زياداً وولده، فمن ذلك قوله في ترك سعيد بن عثمان بن عفان، ﵁، وأتباعه عباد بن زياد ويذكر بيع برد عليه: أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيامٍ برامه فالريح تبكي شجوها ... والبرق يضحك في الغمامه لهفي على الأمر الذي ... كانت عواقبه ندامه تركي سعيداً ذا الندى ... والبيت ترفعه الدعامه ليثاً إذا شهد الوغى ... ترك الهوى ومضى أمامه فتحت سمرقند له ... وبنى بعرصتها خيامه وتبعت عبد بني علا ... جٍ، تلك أشراط القيامه جاءت به حبشية ... سكاء تحسبها نعامه من نسوةٍ سود الوجو ... هـ ترى عليهن الدمامه وشريت برداً ليتني ... من بعد بردٍ كنت هامه

стр. 2767

هامة إذ (١) تدعو صدى ... بين المشقر واليمامه فالهول يركبه الفتى ... حذر المخازي والمآمه والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامه قلت، قوله: وتبعت عبد بني علاج، بنو علاج بطن من ثقيف - وسيأتي ذكره عند ذكر الحارث بن كلدة في هذه الترجمة إن شاء الله - قاله أبو بكر بن دريد في كتاب " الاشتقاق " (٢) وأنشد عليه: آل أب بكارة استفيقوا ... هل تعدل الشمس بالسراج إن ولاء النبي أعلى ... من دعوةٍ في بني علاج وهذا القول له سبب يذكر عند أبي بكرة نفيع بن الحارث في هذه الترجمة، إن شاء الله تعالى. وقوله في البيت الآخر: سكاء تحسبها نعامة، يقال أذن سكاء، إذا كانت صغيرة، والسكاء أيضاً التي لا أذن لها، والعرب تقول: كل سكاء تبيض، وكل شرفاء تلد، والشرفاء: التي لها أذن طويلة، والسكاء، بفتح السين المهملة وتشديد الكاف، والشرفاء، بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وبعدها فاء، والضابط عندهم فيه أن كل حيوان له أذن ظاهرة فإنه يلد، وكل حيوان ليست له أذن ظاهرة فإنه يبيض. قال الراوي: ثم إن ابن مفرغ في هجاء بني زياد، حتى تغنى أهل البصرة في أشعاره، فطلبه عبيد الله طلباً شديداً حتى كاد يؤخذ، فلحق بالشام واختلف الرواة فيمن رده إلى ابن زياد، فقال بعضهم: رده معاوية بن أبي سفيان، وقال بعضهم: بل رده زيد بن معاوية، والصحيح أنه يزيد لأن عباداً إنما ولي سجستان في أيام يزيد.

стр. 2768

قلت: ثم ذكر صاحب " الأغاني " عقيب هذا الفصل (١) أن سعيد بن عثمان بن عفان، ﵁، دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال له: علام جعلت ولدك يزيد ولي عهدك دوني فوالله لأبي خير من أبيه وأمي خير من أمه وأنا خير منه، وقد وليناك فما عزلناك وبنا نلت ما نلت، فقال له معاوية: أما قولك إن أباك خير من أبيه فقد صدقت، لعمر الله إن عثمان لخير مني، وأما قولك إن أمك خير من أمه فحسب المرأة أن تكون في بيت قومها وأن يرضاها بعلها وينجب ولدها، وأما قولك إنك خر من يزيد، فوالله يا بني ما يسرني أن لي بيزيد ملء الغوطة مثلك، وأما قولك: إنكم وليتموني فما عزلتموني، فما وليتموني وإنما ولاني من هو خير منكم عمر بن الخطاب، ﵁، فأقررتموني، وما كنت بئس الوالي لكم، لقد قمت بثأركم وقتلت قتلة أبيكم وجعلت الأمر فيكم، وأغنيت فقيركم ورفعت الوضيع منكم، فكلمه يزيد في أمره فولاه خراسان. رجعنا إلى حديث ابن مفرغ: قال الراوي (٢) : ولم يزل يتنقل في قرى الشام ويهجو بني زياد، وأشعاره تنقل إلى البصرة. فكتب عبيد الله بن زياد أمير العراقين إلى معاوية - وقيل يزيد وهو الأصح - يقول: إن ابن مفرغ هجا زياداً وبني زياد بما هتكه في قبره وفضح بنية طول الدهر، وتعدى إلى أبي سفيان فقذفه بالزنا وسب ولده، وهرب من سجستان وطلبته حتى لفظته الأرض، وهرب من الشام يتمضغ لحومنا ويهتك أعراضنا، وقد بعثت إليك بما هجانا به لتنتصف لنا منه. ثم بعث بجميع ما قاله ابن مفرغ فيهم، فأمر يزيد بطلبه، فجعل يتنقل في البلاد حتى لفظته الشام، فأتى البصرة ونزل على الأحنف بن قيس - قلت: وهو الذي يضرب به المثل في الحلم، وقد سبق ذكره واسمه الضحاك (٣) - قال: فاستجار

стр. 2769

به، فقال له الأحنف: إني لا أجير على ابن سمية فأغرك، وإنما يجير الرجل على عشيرته وأما على سلطانه فلا. ثم إنه مشى على غيره فلم يجره أحد، فأجاره المنذر بن الجارود العبدي، وكانت ابنته تحت عبيد الله بن زياد، وكان المنذر من أكرم الناس عليه، فاغتر بذلك وأدل بموضعه منه، وطلبه عبيد الله وقد بلغه وروده من البصرة، فقيل له: أجاره المنذر بن الجارود، فبعث عبيد الله إلى المنذر فأتاه، فلما دخل عليه بعث عبيد الله بالشرط فكبسوا داره وأتوه بابن مفرغ، فلم يشعر ابن الجارود إلا بابن مفرغ قد أقيم على رأسه، فقام ابن الجارودي إلى عبيد الله فكلمه فيه، فقال: أذكرك الله أيها الأمير أن تخفر جواري فإني قد أجرته، فقال عبيد الله: يا منذر، الله، ليمدحن أباك ويمدحنك وقد هجاني وهجا آبي ثم تجيره علي!! لاها الله، لا يكون ذلك أبداً ولا أغفرها له، فغضب المنذر، فقال له: لعلك تدلي بكريمتك عندي، إن شئت والله لأبيتها (١) بتطليق البتة؛ فخرج المنذر من عنده. وأقبل عبيد الله على ابن مفرغ فقال له: بئس ما صحبت به عباداً، فقال: بل بئس ما صحبني عباد، اخترته على سعيد بن عثمان وأنفقت على صحبته جميع ما أملكه، وظننت أنه لا يخلو من عقل زياد وحلم معاوية وسماحة قريش، فعدل عن ظني كله، ثم عاملني بكل قبيح وتناولتني بكل مكروه من حبس وغرم وشتم وضرب، فكنت كمن شام برقاً خلباً في سحاب جهام فأراق ماءه طمعاً فيه فمات عطشاً، وما هربت من أخيك إلا لما خفت أن يجري في ما يندم عليه، وقد صرت الآن في يديك فشأنك فاصنع بي ما شئت. فأمر بحبسه وكتب إلى يزيد بن معاوية يسأله أن يأذن له في قتله، فكتب إليه يزيد: إياك وقتله، ولكن تناوله بما ينكله ويشد سلطانك ولا يبلغ نفسه، فإن له عشيرة هي جندي وبطانتي ولا ترضى بقتله مني ولا تقنع إلا بالقود منك، فاحذر ذلك واعلم أنه الجد منهم ومني وأنك مرتهن بنفسه، ولك في دون تلفها مندوحة تشفي من الغيظ. فورد الكتاب على عبيد الله، فأمر بابن مفرغ فسقي نبيذاً حلواً قد خلط معه الشبرم، وقيل التربذ (٢) فأسهل بطنه فطيف به وهو على

стр. 2770

تلك الحال، وقرن بهرة وخنزيرة، فجعل يسلح والصبيان يتبعونه ويصيحون، وألح عليه ما يخرج منه حتى أضعفه فسقط، فقيل لعبيد الله: لا نأمن أن يموت، فأمر به أن يغسل، ففعلوا، فلما اغتسل قال: يغسل الماء ما فعلت وقولي ... راسخ منك في العظام البوالي فرده عبيد الله إلى الحبس، وقيل لعبيد الله: كيف اخترت له هذه العقوبة فقال: لأنه سلح علينا، فأحببت أن تسلح الخنزيرة عليه. وكان مما قال ابن مفرغ في عباد بن زياد من جملة أبيات عديدة: إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشر شعب تغبك بالصداع فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمراً (١) فيه لبس ... على وجلس شديدٍ وارتياع وقال أيضاً: ألا أبلغ معاوية بن صخر ... مغلغلة عن الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان وأشهد أنها ولدت زياداً ... وصخر من سمية غير دان قلت، قوله: فأشهد أن رحمك من زياد، البيت الثالث، أخذه من قول أبي الوليد، وقيل أبي عبد الرحمن، حسان بن ثابت الأنصاري ﵁، في بيت من جملة أبيات وهي قوله (٢) : لعمرك إن إلك من قريشٍ ... كإل السقب من رأل النعام الإل: بكسر الهمزة وتشديد اللام، وهو الرحم، والسقب: بفتح السين
следующие страницы →