← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

فبع فرسه وسلاحه وأثاثه واقسم ثمنها بين غرمائه، ففعل ذلك وبقيت عليه بقية حبسه بها، فقال ابن مفرغ في بيعهما: شريت برداً ولو ملكت صفقته ... لما تطلبت في بيعٍ له رشدا لولا الدعي ولولا ما تعرض لي ... من الحوادث ما فارقته أبدا يا برد ما مسنا دهر أضر بنا ... من قبل هذا ولا بعنا له ولدا معنى شريت: بعت، وهو من الأضداد يقع على الشراء والبيع. والأبيات أكثر من هذا فتركت الباقي. وعلم ابن مفرغ أنه إن أقام على ذم عباد وهجائه وهو في حبسه زاد في نفسه شراً، فكان يقول للناس إذا سألوه عن حبسه ما سببه: رجل أدبه أميره ليقوم من أوده ويكف من غربه، وهذا لعمري خير من جر الأمير ذيله على مداهنة صاحبه. فلما بلغ ذلك عباد رق له وأخرجه من السجن، فهرب حتى أتى البصرة ثم خرج منها إلى الشام، وجعل يتنقل في مدنها هارباً ويهجو زياداً وولده، فمن ذلك قوله في ترك سعيد بن عثمان بن عفان، ﵁، وأتباعه عباد بن زياد ويذكر بيع برد عليه: أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيامٍ برامه فالريح تبكي شجوها ... والبرق يضحك في الغمامه لهفي على الأمر الذي ... كانت عواقبه ندامه تركي سعيداً ذا الندى ... والبيت ترفعه الدعامه ليثاً إذا شهد الوغى ... ترك الهوى ومضى أمامه فتحت سمرقند له ... وبنى بعرصتها خيامه وتبعت عبد بني علا ... جٍ، تلك أشراط القيامه جاءت به حبشية ... سكاء تحسبها نعامه من نسوةٍ سود الوجو ... هـ ترى عليهن الدمامه وشريت برداً ليتني ... من بعد بردٍ كنت هامه

стр. 2767

هامة إذ (١) تدعو صدى ... بين المشقر واليمامه فالهول يركبه الفتى ... حذر المخازي والمآمه والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامه قلت، قوله: وتبعت عبد بني علاج، بنو علاج بطن من ثقيف - وسيأتي ذكره عند ذكر الحارث بن كلدة في هذه الترجمة إن شاء الله - قاله أبو بكر بن دريد في كتاب " الاشتقاق " (٢) وأنشد عليه: آل أب بكارة استفيقوا ... هل تعدل الشمس بالسراج إن ولاء النبي أعلى ... من دعوةٍ في بني علاج وهذا القول له سبب يذكر عند أبي بكرة نفيع بن الحارث في هذه الترجمة، إن شاء الله تعالى. وقوله في البيت الآخر: سكاء تحسبها نعامة، يقال أذن سكاء، إذا كانت صغيرة، والسكاء أيضاً التي لا أذن لها، والعرب تقول: كل سكاء تبيض، وكل شرفاء تلد، والشرفاء: التي لها أذن طويلة، والسكاء، بفتح السين المهملة وتشديد الكاف، والشرفاء، بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وبعدها فاء، والضابط عندهم فيه أن كل حيوان له أذن ظاهرة فإنه يلد، وكل حيوان ليست له أذن ظاهرة فإنه يبيض. قال الراوي: ثم إن ابن مفرغ في هجاء بني زياد، حتى تغنى أهل البصرة في أشعاره، فطلبه عبيد الله طلباً شديداً حتى كاد يؤخذ، فلحق بالشام واختلف الرواة فيمن رده إلى ابن زياد، فقال بعضهم: رده معاوية بن أبي سفيان، وقال بعضهم: بل رده زيد بن معاوية، والصحيح أنه يزيد لأن عباداً إنما ولي سجستان في أيام يزيد.

стр. 2768

قلت: ثم ذكر صاحب " الأغاني " عقيب هذا الفصل (١) أن سعيد بن عثمان بن عفان، ﵁، دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال له: علام جعلت ولدك يزيد ولي عهدك دوني فوالله لأبي خير من أبيه وأمي خير من أمه وأنا خير منه، وقد وليناك فما عزلناك وبنا نلت ما نلت، فقال له معاوية: أما قولك إن أباك خير من أبيه فقد صدقت، لعمر الله إن عثمان لخير مني، وأما قولك إن أمك خير من أمه فحسب المرأة أن تكون في بيت قومها وأن يرضاها بعلها وينجب ولدها، وأما قولك إنك خر من يزيد، فوالله يا بني ما يسرني أن لي بيزيد ملء الغوطة مثلك، وأما قولك: إنكم وليتموني فما عزلتموني، فما وليتموني وإنما ولاني من هو خير منكم عمر بن الخطاب، ﵁، فأقررتموني، وما كنت بئس الوالي لكم، لقد قمت بثأركم وقتلت قتلة أبيكم وجعلت الأمر فيكم، وأغنيت فقيركم ورفعت الوضيع منكم، فكلمه يزيد في أمره فولاه خراسان. رجعنا إلى حديث ابن مفرغ: قال الراوي (٢) : ولم يزل يتنقل في قرى الشام ويهجو بني زياد، وأشعاره تنقل إلى البصرة. فكتب عبيد الله بن زياد أمير العراقين إلى معاوية - وقيل يزيد وهو الأصح - يقول: إن ابن مفرغ هجا زياداً وبني زياد بما هتكه في قبره وفضح بنية طول الدهر، وتعدى إلى أبي سفيان فقذفه بالزنا وسب ولده، وهرب من سجستان وطلبته حتى لفظته الأرض، وهرب من الشام يتمضغ لحومنا ويهتك أعراضنا، وقد بعثت إليك بما هجانا به لتنتصف لنا منه. ثم بعث بجميع ما قاله ابن مفرغ فيهم، فأمر يزيد بطلبه، فجعل يتنقل في البلاد حتى لفظته الشام، فأتى البصرة ونزل على الأحنف بن قيس - قلت: وهو الذي يضرب به المثل في الحلم، وقد سبق ذكره واسمه الضحاك (٣) - قال: فاستجار

стр. 2769

به، فقال له الأحنف: إني لا أجير على ابن سمية فأغرك، وإنما يجير الرجل على عشيرته وأما على سلطانه فلا. ثم إنه مشى على غيره فلم يجره أحد، فأجاره المنذر بن الجارود العبدي، وكانت ابنته تحت عبيد الله بن زياد، وكان المنذر من أكرم الناس عليه، فاغتر بذلك وأدل بموضعه منه، وطلبه عبيد الله وقد بلغه وروده من البصرة، فقيل له: أجاره المنذر بن الجارود، فبعث عبيد الله إلى المنذر فأتاه، فلما دخل عليه بعث عبيد الله بالشرط فكبسوا داره وأتوه بابن مفرغ، فلم يشعر ابن الجارود إلا بابن مفرغ قد أقيم على رأسه، فقام ابن الجارودي إلى عبيد الله فكلمه فيه، فقال: أذكرك الله أيها الأمير أن تخفر جواري فإني قد أجرته، فقال عبيد الله: يا منذر، الله، ليمدحن أباك ويمدحنك وقد هجاني وهجا آبي ثم تجيره علي!! لاها الله، لا يكون ذلك أبداً ولا أغفرها له، فغضب المنذر، فقال له: لعلك تدلي بكريمتك عندي، إن شئت والله لأبيتها (١) بتطليق البتة؛ فخرج المنذر من عنده. وأقبل عبيد الله على ابن مفرغ فقال له: بئس ما صحبت به عباداً، فقال: بل بئس ما صحبني عباد، اخترته على سعيد بن عثمان وأنفقت على صحبته جميع ما أملكه، وظننت أنه لا يخلو من عقل زياد وحلم معاوية وسماحة قريش، فعدل عن ظني كله، ثم عاملني بكل قبيح وتناولتني بكل مكروه من حبس وغرم وشتم وضرب، فكنت كمن شام برقاً خلباً في سحاب جهام فأراق ماءه طمعاً فيه فمات عطشاً، وما هربت من أخيك إلا لما خفت أن يجري في ما يندم عليه، وقد صرت الآن في يديك فشأنك فاصنع بي ما شئت. فأمر بحبسه وكتب إلى يزيد بن معاوية يسأله أن يأذن له في قتله، فكتب إليه يزيد: إياك وقتله، ولكن تناوله بما ينكله ويشد سلطانك ولا يبلغ نفسه، فإن له عشيرة هي جندي وبطانتي ولا ترضى بقتله مني ولا تقنع إلا بالقود منك، فاحذر ذلك واعلم أنه الجد منهم ومني وأنك مرتهن بنفسه، ولك في دون تلفها مندوحة تشفي من الغيظ. فورد الكتاب على عبيد الله، فأمر بابن مفرغ فسقي نبيذاً حلواً قد خلط معه الشبرم، وقيل التربذ (٢) فأسهل بطنه فطيف به وهو على

стр. 2770

تلك الحال، وقرن بهرة وخنزيرة، فجعل يسلح والصبيان يتبعونه ويصيحون، وألح عليه ما يخرج منه حتى أضعفه فسقط، فقيل لعبيد الله: لا نأمن أن يموت، فأمر به أن يغسل، ففعلوا، فلما اغتسل قال: يغسل الماء ما فعلت وقولي ... راسخ منك في العظام البوالي فرده عبيد الله إلى الحبس، وقيل لعبيد الله: كيف اخترت له هذه العقوبة فقال: لأنه سلح علينا، فأحببت أن تسلح الخنزيرة عليه. وكان مما قال ابن مفرغ في عباد بن زياد من جملة أبيات عديدة: إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشر شعب تغبك بالصداع فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمراً (١) فيه لبس ... على وجلس شديدٍ وارتياع وقال أيضاً: ألا أبلغ معاوية بن صخر ... مغلغلة عن الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان وأشهد أنها ولدت زياداً ... وصخر من سمية غير دان قلت، قوله: فأشهد أن رحمك من زياد، البيت الثالث، أخذه من قول أبي الوليد، وقيل أبي عبد الرحمن، حسان بن ثابت الأنصاري ﵁، في بيت من جملة أبيات وهي قوله (٢) : لعمرك إن إلك من قريشٍ ... كإل السقب من رأل النعام الإل: بكسر الهمزة وتشديد اللام، وهو الرحم، والسقب: بفتح السين

стр. 2771

المهملة وسكون القاف وبعدها باء موحدة، وهو الذكر من ولد الناقة، والرأل: بفتح الراء وبعدها همزة وفي آخره لام، وهو ولد النعام. (٣٤٠) وهذه الأبيات قالها حسان في أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن الهاشم، وهو ابن عم النبي ﷺ ، وكان أخاه من الرضاعة، أرضعتهما حليمة ابنة أبي ذؤيب السعدية، وكان من أكثر الناس شبهاً برسول الله ﷺ ، وكان له فيه هجاء، وكان حسان يجاوب عنه، فمن ذلك الأبيات الميمية - المقدم ذكرها - ومنها قوله (١) : ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلةً فقد برح الخفاء هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشركما لخيركما الفداء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمدٍ منكم وقاء وقوله: فشركما لخيركما الفداء، فيه كلام لأهل العلم لأجل شر وخير لأنهما من أداة التفضيل، وتقتضي المشاركة. وإنما أجابه حسان بأمر النبي ﷺ في ذلك. قلت: والجماعة الذين كانوا يشبهون رسول الله ﷺ من أهله خمسة: أبو سفيان المذكور والحسن بن علي بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب وقثم بن العباس بن عبد المطلب والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وهو جد الإمام الشافعي، ﵃ أجمعين. ثم إن أبا سفيان أسلم عام الفتح، وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة، وحسن إسلامه، وخرج مع النبي ﷺ إلى الطائف وحنين. ولما انهزم المسلمون يوم حنين كان أبو سفيان أحد السبعة الذين ثبتوا مع النبي ﷺ حتى رجع إليهم المسلمون وكانت النصرة لهم وكسبوا من الغنائم ستة آلاف رأس من الرقيق. ثم منّ النبي ﷺ عليهم فأطلقهم، والشرح في ذلك يطول وليس هذا موضعه. وكان أبو سفيان

стр. 2772

المذكور يومئذ ممسكاً لجام بغلة النبي ﷺ ، ولم يفارقها، وكان النبي ﷺ يقول: إني لأرجو أن يكون فيه خلف من حمزة بن عبد المطلب، وشهد له بالجنة فقال: أبو سفيان بن الحارث من شباب أهل الجنة، أو سيد فتيان أهل الجنة، والله أعلم. وأكثر العلماء يقولون: اسمه كنيته ليس له اسم سواها، وقيل إن اسمه المغيرة، وقيل المغيرة أخوه، وهو أبو سفيان لا غير. ويقال إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه لما تقدم من هجائه. رجعنا إلى حديث ابن مفرغ: وهو من شعراء الحماسة، وهو القائل (١) : ألا طرقتنا آخر الليل زينب ... عليك سلام هل لما فات مطلب قيل أراد بالليل الشباب. وقالت تجنبنا ولا تقربننا ... فكيف وأنتم حاجتي أتجنب يقولون: هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب لقد جل خطب الشيب إن كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب وذكر المظفري (٢) الأندلسي في تاريخه الكبير في جملة هذه الأبيات: فلو أن لحمي إذ وهى لعبت به ... كرام ملوكٍ أو أسود وأذؤب لهون من وجدي وسلى مصيبتي ... ولكنما أودى بلحمي أكلب

стр. 2773

(٣٤١) ولما بلغ الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵄، وفاة معاوية بن أبي سفيان وبيعة ولده يزيد بن معاوية عزم على قصد الكوفة بمكاتبة جماعة من أهلها كما هو مشهور في هذه الواقعة التي قتل فيها الحسين ﵁، فكان في تلك المدة يتمثل كثيراً بقول يزيد بن مفرغ المذكور من جملة أبيات (١) : لا ذعرت السوام في غلس الصب ... ح مغيراً ولا دعيت (٢) يزيدا يوم أعطي على مخافة ضيماً ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا فعلم من سمع ذلك منه أنه سينازع (٣) يزيد بن معاوية في الأمر. فخرج الحسين إلى الكوفة وأميرها يومئذ عبيد الله بن زياد، فلما قرب منها سير إليه جيشاً مقدمه عمر بن سعد بن أبي وقاص، ﵁ (٤) فقتل الحسين ﵁ بالطف، وجرى ما جرى. وروي أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى الحسين ﵁: إني لأظن في رأسك نزوة، ولا بد لك من إظهارها، وددت لو أدركتها فأغتفرها لك (٥) . وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قال: لو كنت من قتلة الحسين وغفر الله لي وأدخلني الجنة لما دخلتها حياء من رسول الله ﷺ . وقال عبيد الله بن زياد لحارثة بن بدر الغداني: ما تقول فيّ وفي الحسين يوم القيامة، قال: يشفع له أبوه وجده ﷺ ، ويشفع لك أبوك وجدك، فاعرف من هاهنا ما تريد. نقلت من كتاب تاريخ شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قزعلي المعروف بسبط الحافظ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي الواعظ الذي سماه " مرآة الزمان " ورأيته بخطه في أربعين مجلداً بدمشق، وقد رتبه على السنين فقال، في السنة التاسعة والخمسين للهجرة، بعد أن قص حديث يزيد بن مفرغ مع بني

стр. 2774

زياد، فقال في آخر الحديث: ومات يزيد بن مفرغ في سنة تسع وستين يعني للهجرة، والله أعلم. وقال أبو اليقظان في كتاب " النسب ": مات عباد بن زياد في سنة مائة للهجرة بجرود. قلت، وجرود (١) : بفتح الجيم وضم الراء وسكون الواو وبعدها دال مهملة، وهي قرية من أعمال دمشق من جهة حمص، ويكون في أرضها من حمير الوحش شيء كثير يجاوز الحصر، ولما وصل بعض عسكر الديار المصرية إلى الشام في أثناء سنة ستين وستمائة وتوجهوا بعسكر الشام إلى أنطاكية، وكنت يومئذ بدمشق، أقاموا عليها قليلاً، ثم عادوا فدخلوا دمشق في سلخ شعبان من السنة، وأخبرني بعضهم بقضية غريبة يصلح أن تذكر هاهنا لغرابتها، وهي أنهم نزلوا على جرود المذكورة، واصطادوا من الحمر الوحشية شيئاً كثيراً على ما قالوا، فذبح واحد من الجماعة حماراً وطبخ لحمه الطبخ المعتاد، فلم ينضج ولا قارب النضج، فزاد في الحطب والإيقاد فلم يؤثر فيه شيئاً، ومكث يوماً كاملاً يفعل ذلك وهو لا يفيد، فقام شخص من الجند واخذ الرأس يقلبه فوجد على أذنه وسماً فقرأه، فإذا هو " بهرام جور " فلما وصلوا إلى دمشق أحضروا تلك الأذن عندي، فوجدت الوسم ظاهراً، وقد رق شعر الأذن إلى أن بقي كالهباء (٢) وبقي موضع الوسم أسود، وهو بالقلم الكوفي. (٣٤٢) وهذا بهرام جور من ملوك الفرس، وكان قبل مبعث النبي ﷺ بزمان طويل، وكان من عاداته أنه إذا كثر عليه ما يصطاده وسمه وأطلقه، والله أعلم كم كان عمر ذلك الحمار لما وسمه، والله يعلم لو تركوه ولم يذبحوه كم كان يعيش. وعلى الجملة فإن حمار الوحش من الحيوانات المعمرة، وهذا الحمار لعله عاش ثمانمائة سنة أو أكثر. وهذه جرود في أرضها جبا المدخن المشهور، وقد ذكره أبو نواس في قصيدته التي ذكر فيها المنازل لما قصد الخصيب بمصر فقال (٣) :

стр. 2775

ووافين إشراقاً كنائس تدمرٍ ... وهن إل رعن المدخن صور والمدخن: بضم الميم وبالدال المهملة وفتح الخاء المعجمة المشددة وبعدها نون، وسمي المدخن لأنه لا يزال عليه مثل الدخان من الضباب. ثم بعد هذا وجدت في كتاب " مفاتيح العلوم " (١) تأليف محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الخوارزمي بن بهرام بن سابور الجنود بن سابور ذو الأكتاف، سمي بهرام حور لأنه كان مولعاً بصيد العير، وهو الحمار الوحشي والأهلي أيضاً، انتهى كلامه، ثم إني حسبت مدة ملكهم بعد هذا فكانت إلى سنة الهجرة النبوية مقدار مائتين وست عشرة سنة، فقد عاش هذا الحمار منذ وسمه بهرام جور إلى أن ذبح في سنة ستين وستمائة مقدار ثمانمائة وأكثر، والله أعلم (٢) . قلت: وقد تكرر في هذه الترجمة حديث زياد وبنيه وسمية وأبي سفيان ومعاوية، وهذه الأشعار التي قالها يزيد بن مفرغ فيهم، ومن لا يعرف هذه الأسباب قد يتشوف إلى الاطلاع عليها، فنورد منها شيئاً مختصراً، فأقول: (٣٤٣) إن أبا الجبر (٣) الملك الذي ذكره أبو بكر ابن دريد في المقصورة المشهورة في البيت الذي يقوله فيها، وهو (٤) : وخامرت نفس أبي الجبر الجوى ... حتى حواه الحتف فيمن قد حوى كان أحد ملوك اليمن واسمه كنيته، وقيل هو أبو الجبر يزيد بن شرحيبل الكندي، وقيل أبو الجبر بن عمرو، وتغلب عليه قومه فخرج إلى بلاد فارس يستجيش كسرى عليهم فبعث معهم جيشاً من الساورة، فلما صاروا إلى كاظمة ونظروا إلى وحشة بلاد العرب وقلة خيرها قالوا: إلى أين نمضي مع هذا

стр. 2776

فعمدوا إلى سم فدفعوه إلى طباخه، ووعدوه بالإحسان إليه إن ألقى ذلك السم في طعام الملك ففعل ذلك، فما استقر الطعام في جوفه حتى اشتد وجعه، فلما علم الأساورة ذلك دخلوا عليه فقالوا له: إنك قد بلغت إلى هذه الحالة، فاكتب لنا إلى الملك كسرى أنك قد أذنت لنا في الرجوع، فكتب لهم بذلك. ثم إن أبا الجبر خف ما به، فخرج إلى الطائف، البليدة التي بالقرب من مكة، وكان بها الحارث بن كلدة طبيب العرب الثقفي، فعالجه فأبرأه، فأعطاه سمية - بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وفي آخره هاء - وعبيداً - بضم العين المهملة تصغير عبد - وكان كسرى قد أعطاهما أبا الجبر في جملة ما أعطاه، ثم ارتحل أبو الجبر يريد اليمن، فانتفضت عليه العلة فمات في الطريق. (٣٤٤) ثم إن الحارث بن كلدة الثقفي زوج عبيداً المذكور سمية المذكورة فولدت سمية زياداً على فراش عبيد، وكان يقال له زياد بن عبيد، وزياد بن سمية، وزياد بن أبيه، وزياد بن أمه، وذلك قبل أن يستلحقه معاوية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - وولدت سمية أيضاً أبا بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة المذكور، ويقال نفيع بن مسروح، وهو الصحابي المشهور بكنيته ﵁، وولدت أيضاً شبل بن معبد ونافع بن الحارث، وهؤلاء الإخوة الأربعة هم الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا - وسيأتي خبر ذلك بعد الفراغ من حديث زياد إن شاء الله تعالى، وكان أبو سفيان صخر بن حرب الأموي والد معاوية بن أبي سفيان يتهم في الجاهلية بالترداد إلى سمية المذكورة، فولدت سمية زياداً في تلك المدة، لكنها ولدته على فراش زوجها عبيد. ثم إن زياداً كبر وظهرت منه النجابة والبلاغة، وهو أحد الخطباء المشهورين في العرب بالفصاحة والدهاء والعقل الكثير حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ كان قد استعمل أبا موسى الأشعري ﵁ على البصرة، فاستكتب زياد ابن أبيه. ثم إن زياداً قدم على عمر ﵁ من عند أبي موسى، فأعجب به عمر ﵁، فأمر له بألف درهم، ثم تذكرها بعدما مضى فقال: لقد ضاع ألف أخذها زياد، فلما

стр. 2777

قدم عليه بعد ذلك قال له: ما فعل ألفك يا زياد قال: اشتريت بها عبيداً فأعتقته، يعني أباه، قال: ما ضاع ألفك يا زياد، هل أنت حامل كتابي إلى أبي موسى في عزلك عن كتابته قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن لم يكن ذلك عن سخطة، قال: ليس عن سخطة، قال: فلم تأمره بذلك قال: كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك. واستكتب أبو موسى بعد زياد أبا الحصين ابن أبي الحر العنبري، فكتب إلى عمر ﵁ كتاباً فلحن في حرف منه، فكتب إليه أن قنع كاتبك سوطاً. وكان عمر ﵁ إذا وفد إليه من البصرة رجل أحب أن يكون زياداً ليشفيه من الخبر. وكان عمر ﵁ قد بعثه في إصلاح فساد وقع باليمن، فرجع من وجهه، وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها، فقال عمرو بن العاص: أما والله لو كان هذا الغلام من قريش لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه، فقال له علي بن أبي طالب ﵁: ومن هو يا أبا سفيان قال: أنا، قال: مهلاً أبا سفيان، فقال أبو سفيان: أما والله لولا خوف شخصٍ ... يراني يا علي من الأعادي لأظهر سره صخر بن حربٍ ... ولم يكن المقالة عن زياد وقد طالت مجاملتي ثقيفاً ... وتركي فيهم ثمر الفؤاد فلما صار الأمر إلى علي ﵁ وجه زياداً إلى فارس، فضبط البلاد وحمى وجبى وأصلح الفساد، فكاتبه معاوية يروم إفساده على علي، ﵁، فلم يفعل ووجه بكتابه إلى علي وفيه شعر تركته، فكتب إليه علي: إنما وليتك ما وليتك وأنت أهل لذلك عندي، ولن تدرك ما تريده مما أنت فيه إلا بالصبر واليقين، وإنما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر ﵁ لا تستحق بها نسباً ولا ميراثاً، وإن معاوية يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه فاحذره ثم احذره، والسلام. فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد لي أبو الحسن

стр. 2778

ورب الكعبة، فذلك الذي جرأ زياداً ومعاوية على ما صنعا (١) . فلما قتل علي ﵁، وتولى ولده الحسن ﵁، ثم فوض الأمر إلى معاوية كما هو مشهور، أراد معاوية استمالة زياد إليه وقصد تأليف قلبه ليكون معه كما كان مع علي، ﵁، فتعلق بذلك القول الذي صدر من أبيه بحضرة علي وعمرو بن العاص، فاستلحق زياداً في سنة أربع وأربعين للهجرة، فصار يقال له زياد بن أبي سفيان. فلما بلغ أخاه أبا بكرة أن معاوية استلحقه وأنه رضي ذلك حلف يميناً أن لا يكلمه أبداً، وقال: هذا زنى أمه وانتفى أبيه، والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط، ويله ما يصنع بأم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ ، أيريد أن يراها، فإن حجبته فضحته وإن رآها فيا لها مصيبة، يهتك من رسول الله ﷺ حرمةً عظيمة. وحج زياد في زمن معاوية ودخل المدينة، فأراد الدخول على أم حبيبة لأنها أخته على زعمه وزعم معاوية، ثم ذكر قول أخيه أبي بكرة، فانصرف عن ذلك. وقيل إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها، وقيل إنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة، وقال: جزى الله أبا بكرة خيراً، فما يدع النصيحة على حال (٢) . وقدم زياد على معاوية وهو نائب عنه

стр. 2779

وحمل معه هدايا جليلة، من جملتها عقد نفيس، فأعجب به معاوية، فقال زياد: يا أمير المؤمنين، دوخت لك العراق، وجبيت لك برها وبحرها وحملت إليك لبها وسرها، وكان يزيد بن معاوية جالساً فقال له: أما إنك إذ فعلت فإنا نقلناك من ثقيف إلى قريش، ومن عبيد إلى أبي سفيان، ومن القلم إلى المنابر، فقال له معاوية: وريت بك زنادي. وقال أبو الحسن المدائني: أخبرنا أبو الزبير الكاتب عن ابن إسحاق قال: اشترى زياد أباه عبيداً، فقدم زياد على عمر ﵁، فقال له: ما صنعت بأول شيء أخذت من عطائك قال: اشتريت به أبي، قال: فأعجب ذلك عمر ﵁، وهذا ينافي استلحاق معاوية إياه، والله أعلم. ولما ادعى معاوية زياداً دخل عليه بنو أمية، وفيهم عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان بن الحكم الأموي، فقال: يا معاوية، لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلةً وذلة، فأقبل معاوية على أخيه مروان بن الحكم وقال: أخرج عنا هذا الخليع، فقال مروان: والله إنه لخليع ما يطاق، قال معاوية: والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطاق، ألم يبلغني شعره فيّ وفي زياد ثم قال لمروان: أسمعنيه، فقال: ألا أبلغ معاوية بن صخر ... لقد ضاقت بما تأتي اليدان أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زان وقد تقدم ذكر بقية هذه الأبيات منسوبةً إلى يزيد بن مفرغ، وفيها خلاف هل هي ليزيد بن مفرغ أم لعبد الرحمن بن الحكم، فمن رواها لابن مفرغ روى البيت الأول على تلك الصورة، ومن رواها لعبد الرحمن بن الحكم رواها على هذه الصورة. ولما استلحق معاوية زياداً وقربه وأحسن إليه وولاه، صار من أكبر الأعوان على بني علي ابن أبي طالب، ﵁، حتى قيل إنه لما كان أمير العراقين طلب رجلاً من أصحاب الحسن بن علي ﵄ يعرف بابن سرح وكان في الأمان الذي كتب لأصحاب الحسن ﵁ لما نزل

стр. 2780

عن الخلافة لمعاوية، فكتب الحسن إلى زياد: من الحسن إلى زياد، أما بعد، فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا من الأمان، وقد ذكر لي ابن سرح أنك عرضت له فأحب أن لا تعرض له إلا بخير، والسلام. فلما أتاه الكتاب وقد بدأ فيه بنفسه، ولم ينسبه إلى أبي سفيان غضب وكتب إليه: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن، أما بعد، فإنه أتاني كتابك في فاسق تؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك، وايم الله لأطلبنه ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن أحب الناس إلي لحماً أن آكله للحم أنت منه. فلما قرأه الحسن ﵁ بعث به إلى معاوية، فلما قرأه غضب وكتب إلى زياد: من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد، أما بعد، فإن الحسن بن علي بعث إلي كتابك إليه، جواب كتابه إليك في ابن سرح، فأكثرت التعجب منه، وقد علمت أن لك رأيين: رأي من أبي سفيان، ورأي من سمية، فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما رأيك من سمية فكما يكون رأي مثلها، ومن ذلك كتابك إلى الحسن تسميه وتعرض له بالفسق، ولعمري لأنت أولى بذلك منه، فإن كان الحسن بدأ بنفسه ارتفاعاً عنك فإن ذلك لن يضعك، وأما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك، فإذا أتاك كتابي فخل ما بيدك لابن سرح ولا تعرض له فيه، فقد كتبت إلى الحسن يخيره: إن شاء أقام عنده وإن شاء رجع إلى بلده، وإنه ليس لك عليه سبيل بيد ولا لسان. وأما كتابك إلى الحسن باسمه ولا تنسبه إلى أبيه، فإن الحسن ويحك ممن لا يرمى به الرجوان، أفاستصغرت أباه، وهو علي بن أبي طالب أم إلى أمه وكلته وهي فاطمة بنت رسول الله ﷺ فذلك أفخر له إن كنت (١) عقلت، والسلام. قوله: لا يرمى به الرجوان، بفتح الراء والجيم، وهو لفظ مثنى، ومعناه المهالك. قلت: وقد رويت هذه الحكاية على صورة أخرى وهي (٢) : كان سعيد

стр. 2781

ابن سرح مولى كريز بن حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي طالب، ﵁، فلما قدم زياد بن أبيه الكوفة والياً عليها أخافه وطلبه، فأتى المدينة ونزل على الحسين بن علي، ﵁، فقال له الحسين: ما السبب الذي أشخصك وأزعجك فذكر له قضيته وصنيع زياد به، فكتب إليه الحسين: أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره وأخذت ماله وعياله، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره واردد عليه ماله وعياله، فإني قد أجرته فشفعني فيه، فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسين بن فاطمة، أما بعد، فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة، وكتابك إلي في فاسق لا يؤويه إلا فاسق مثله، وشر من ذلك توليه أباك، وقد آويته إقامةً منك على سوء الرأي ورضىً بذلك، وايم الله لا تسبقني إليه ولو كان بين جلدك ولحمك، فإن أحب لحم إلي أن آكله للحم أنت منه، فأسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن في شفعتك، وإن قتلته لم أقتله إلا بحبه أباك. فلما قرأ الحسين، ﵁ الكتاب كتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح وكتابه إلى زياد فيه وإجابة زياد إياه، ولف كتابه في كتابه وبعث به إليه، وكتب الحسين إلى زياد: من الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى زياد بن سمية عبد بني ثقيف " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". فلما قرأ معاوية كتاب الحسين، ﵁، ضاقت به الشام، وكتب إلى زياد: أما بعد، فإن الحسين بن علي بعث إلي بكتابك جواب كتابه إليك في ابن سرح، فأكثرت التعجب، وعلمت أن لك رأيين: أحدهما من أبي سفيان، وآخر من سمية، فأما الذي من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما الذي من سمية فكما يكون رأي مثلها، ومن ذلك كتابك إلى الحسين تشتم أباه وتعرض له بالفسق، ولعمري لأنت أولى بالفسق من الحسين، ولأبوك إذا كنت تنسب إلى عبيد أولى بالفسق من أبيه، وإن كان الحسن بدأ بنفسه ارتفاعاً عنك فإن ذلك لم يضعك، وأما تشفيعه فيما شفع إليك فيه فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك، فإذا قدم عليك كتابي هذا فخل ما في يدك لسعيد بن سرح وابن له

стр. 2782

داره ولا تعذر له واردد عليه ماله، فقد كتبت إلى الحسين أن يخبر صاحبه بذلك، فإن شاء أقام عنده وإن شاء رجع إلى بلده، فليس لك عليه سلطان بيد ولا لسان. وأما كتابك إلى الحسين باسمه واسم أمه، لا تنسبه إلى أبيه، فإن الحسين ويلك ممن لا يرمى به الرجوان (١) ، إلى أمه وكلته لا أم لك فهي فاطمة بنت رسول الله ﷺ فتلك أفخر له إن كنت تعقل، والسلام. وقال عبيد الله بن زياد: ما هجيت بشيء أشد علي من قول ابن مفرغ (٢) : فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر ... هل نلت مكرمةً إلا بتأمير عاشت سمية ما عاشت وما علمت ... أن ابنها من قريشٍ في الجماهير وقال قتادة، قال زياد لبنيه وقد احتضر: ليت أباكم كان راعياً في أدناها وأقصاها ولم يقع بالذي وقع به. قلت: فبهذا الطريق كان ينظم ابن مفرغ هذه الأشعار في زياد وبينه ويقول إنهم أدعياء، حتى قال في زياد وأبي بكرة ونافع أولاد سمية (٣) : إن زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من اعجب العجب هم رجال ثلاثة خلقوا ... في رحم أنثى وكلهم لأب ذا قرشي كما يقول، وذا ... مولى، وهذا بزعمه عربي (٣٤٥) وهذه الأبيات تحتاج إلى زيادة إيضاح فأقول، قال أهل العلم بالأخبار: إن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قسي، وهو ثقيف - هكذا النسب ابن الكلبي في كتاب " الجمهرة " - وهو طبيب العرب المشهور، ومات في أول الإسلام، وليس يصح إسلامه؛ وروي أن رسول الله ﷺ أمر سعد بن أبي وقاص

стр. 2783

أن يأتي الحارث يستوصفه في مرض نزل به، فدل ذلك على أنه جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله. وكان ولده الحارث بن الحارث من المؤلفة قلوبهم، وهو معدود في جملة الصحابة، ﵃؛ ويقال، الحارث بن كلدة كان رجلاً عقيماً لا يولد له، وإنه مات في خلافة عمر ﵁. (٣٤٦) ولما حاصر رسول الله ﷺ الطائف، قال: أيما عبد تدلى إلي فهو حر، فنزل أبو بكرة ﵁ من الحصن في بكرة. قلت: وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وبعدها راء ثم هاء، وهي التي تكون على البئر، وفيها الحبل يستقى به، والناس يسمون بكرة، بفتح الكاف، وهو غلط، إلا أن صاحب كتاب " مختصر العين " حكاها بالفتح أيضاً، وهي لغة ضعيفة لم يحكها غيره؛ قال: فكناه رسول الله ﷺ أبا بكرة لذلك، وكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . وأراد أخوه نافع أن يدلي نفسه في البكرة أيضاً، فقال له الحارث بن كلدة: أنت ابني فأقم، فأقام ونسب إلى الحارث، وكان أبو بكرة قبل أن يحسن إسلامه ينسب إلى الحارث أيضاً. فلما حسن إسلامه ترك الانتساب إليه. ولما هلك الحارث بن كلدة لم يقبض أبو بكرة من ميراثه شيئاً تورعاً، هذا عند من يقول: إن الحارث أسلم، وإلا فهو محروم من الميراث لاختلاف الدين (١) . فلهذا قال ابن مفرغ الأبيات الثلاثة البائية، لأن زياداً ادعى أنه قرشي باستلحاق معاوية له، وأبو بكرة اعترف بولاء رسول الله ﷺ ، ونافع كان يقول إنه ابن الحارث بن كلدة الثقفي، وأمهم واحدة، وهي سمية المذكورة. وهذا سبب نظم البيتين في آل أبي بكرة - كما تقدم ذكره - وعلاج جد الحارث بن كلدة كما ذكرته.

стр. 2784

هذه قصة زياد وأولاده ذكرتها مختصرة. قلت: إلا أن قول ابن مفرغ في البيت الثاني " وكلهم لأب "، ليس بجيد، فإن زياداً ما نسبه أحد إلى الحارث بن كلدة، بل هو ولد عبيد، لأنه ولد على فراشه. وأما أبو بكرة ونافع فقد نسبا إلى الحارث، فكيف يقول: " وكلهم لأب " فتأمله. وذكر ابن النديم في كتابه الذي سماه " الفهرست " (١) : أن أول من ألف كتاباً في المثالب زياد ابن أبيه، فإنه لما طعن عليه وعلى نسبه عمل ذلك لولده، وقال لهم: استظهروا به على العرب فإنهم يكفون عنكم. وأما حديث المغيرة بن شعبة الثقفي والشهادة عليه، فإن عمر بن الخطاب ﵁ كان قد رتب المغيرة أميراً على البصرة، وكان يخرج من دار الإمارة نصف النهار، وكان أبو بكرة المذكور يلقاه فيقول: أين يذهب الأمير فيقول: في حاجة، فيقول: إن الأمير يزار ولا يزور. قالوا: وكان يذهب إلى امرأة يقال لها أم جميل بنت عمرو، وزوجها الحجاج بن عتيك بن الحارث بن وهب الجشمي. وقال ابن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب ": هي أم جميل بنت الأفقم بن محجن بن أبي عمرو بن شعيثة (٢) بن الهزم، وعدادهم في الأنصار. وزاد غير اببن الكلبي فقال: الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، والله أعلم. قال الراوي: فبينما أبو بكرة في غرفة مع إخوته، وهم نافع وزياد المذكوران وشبل بن معبد، والجميع أولاد سمية المذكورة فهم إخوة لأم، وكانت أم جميل المذكورة في غرفة أخرى قبالة هذه الغرفة، فضربت الريح باب غرفة أم جميل ففتحته، ونظر القوم فإذا هم بالمغيرة مع المرأة على هيئة الجماع، فقال أبو بكرة: هذه بلية قد ابتليتم بها فانظروا، فنظروا حتى أثبتوا، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال له: إنه قد كان أمرك ما قد علمت فاعتزلنا، قال: وذهب المغيرة ليصلي بالناس الظهر،

стр. 2785

ومضى أبو بكرة فقال: لا والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت، فقال الناس: دعوه فليصل فإنه الأمير، واكتبوا بذلك إلى عمر ﵁، فكتبوا إليه، فأمرهم أن يقدموا عليه جميعاً المغيرة والشهود، فلما قدموا عليه جلس عمر ﵁، فدعا بالشهود والمغيرة فتقدم أبو بكرة فقال له: رأيته بين فخذيها قال: نعم والله لكأني أنظر إلى تشريم جدري فخذيها، فقال له المغيرة: لقد ألطفت في النظر، فقال له أبو بكرة: لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به، فقال عمر ﵁: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة، فقال: نعم أشهد على ذلك، فقال: فاذهب عنك مغيرة ذهب ربعك، ثم دعا نافعاً فقال له: علام تشهد قال: على مثل شهادة أبي بكرة، قال: لا، حتى تشهد أنه ولج فيها ولوج الميل في المكحلة، قال: نعم حتى بلغ قذذه - قلت، القذذ بالقاف المضمومة وبعدها ذالان معجمتان وهي ريش السهم - قال الراوي: فقال له عمر ﵁: اذهب مغيرة ذهب نصفك، ثم دعا الثالث فقال له: على ما تشهد فقال: على مثل شهادة صاحبي، فقال له عمر ﵁: اذهب عنك مغيرة ذهب ثلاث أرباعك. ثم كتب إلى زياد، وكان غائباً فقدم، فلما رآه جلس له في المسجد واجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار، فلما رآه مقبلاً قال: إني أرى رجلاً لا يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين. ثم إن عمر ﵁ رفع رأسه إليه فقال: ما عندك يا سلح الحبارى فقيل إن المغيرة قام إلى زياد فقال: لا مخبأ لعطر بعد عروس (١) - قلت: وهذا مثل للعرب لا حاجة إلى الكلام عليه، فقد طالت هذه الترجمة كثيراً، قال الراوي: فقال له المغيرة: يا زياد، اذكر الله تعالى واذكر موقف يوم القيامة، فإن الله تعالى وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي، إلا أن تتجاوز إلى ما لم تر مما رأيت، فلا يحملنك سوء منظر رأيته على أن تتجاوز إلى ما لم تر، فوالله لو كنت بين بطني وبطنها ما رأيت أن (٢) يسلك ذكري فيها، قال فدمعت عينا زياد واحمر وجهه وقال: يا أمير

стр. 2786

المؤمنين أما إن أحق ما حق القوم فليس عندي، وكن رأيت مجلساً وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً ورأيته مستبطنها، فقال عمر ﵁: رأيته يدخل كالميل في المكحلة فقال: لا، وقيل قال زياد: رأيته رافعاً رجليها فرأيت رجليها خصييه تتردد إلى بين فخذيها ورأيت حفزاً شديداً وسمعت نفساً عالياً (١) ، فقال عمر ﵁ رأيت يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة فقال: لا، فقال عمر ﵁: الله أكبر قم إليهم فاضربهم، فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد، ودرأ الحد عن المغيرة. فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا، فهم عمر ﵁ أن يضربه حداً ثانياً، فقال له علي بن أبي طالب ﵁: إن ضربته فارجم صاحبك، فتركه. واستتاب عمر أبا بكرة فقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي، فقال: أجل، فقال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا. فلما ضربوا الحد قال المغيرة: الله أكبر، الحمد لله الذي أخزاكم، فقال عمر ﵁: بل أخزى الله مكاناً رأوك فيه. وذكر عمر بن شبة في كتاب " أخبار البصرة " أن أبا بكرة لما جلد أمرت أمه بشاة فذبحت وجعلت جلدها على ظهره، فكان يقال ما ذاك إلا من ضرب شديد. وحكى عبد الرحمن بن أبي بكرة أن أباه حلف لا يكلم زياداً ما عاش، فلما مات أبو بكرة كان قد أوصى أن لا يصلي عليه زياد وان يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، وكان النبي ﷺ آخى بينهما، وبلغ ذلك زياداً فخرج إلى الكوفة. وحفظ المغيرة بن شعبة ذلك لزياد وشكره. ثم إن أم جميل وافقت عمر بن الخطاب ﵁ بالموسم، والمغيرة هناك فقال له عمر: أتعرف هذه المرأة يا مغيرة قال: نعم هذه أم كلثوم بنت علي، فقال له عمر: أتتجاهل علي والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء. قلت: ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في أول باب عدد الشهود في كتاب " المهذب ": وشهد على المغيرة ثلاثة: أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد،

стр. 2787

وقال زياد: رأيت استاً تنبو ونفساً يعلو ورجلين كأنهما أذنا حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فجلد عمر الثلاثة ولم يحد المغيرة. قلت: وقد تكلم الفقهاء على قول علي ﵁ لعمر ﵁ إن ضربته فارجم صاحبك، فقال أبو نصر ابن الصباغ - المقدم ذكره (١) - وهو صاحب كتاب " الشامل " في المذهب: يريد أن هذا القول إن كان شهادة أخرى فقد تم العدد، وإن كان هو الأول فقد جلدته عليه، والله أعلم. وذكر عمر بن شبة في " أخبار البصرة " أن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال لعمر بن الخطاب ﵁: إن رسول الله ﷺ أقطعني البحرين، فقال: ومن يشهد لك بذلك قال: المغيرة بن شعبة، فأبى أن يجيز شهادته (٢) . قلت وقد طالت هذه الترجمة، وسببه أنها اشتملت على عدة وقائع، فدعت الحاجة إلى الكلام على كل واحدة منها فانتشر القول لأجل ذلك، ما خلا عن فوائد. ٨٢٢ - (٣) يزيد بن الطثرية الشاعر المشهور أبو المكشوح يزيد بن سلمة بن سمرة بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر، المعروف بابن الطثرية، الشاعر المشهور؛ هكذا ساق نسبه أبو عمرو الشيباني، وإنما قيل لجده " سلمة الخير " لأنه كان لقشير ولد آخر يقال له سلمة الشر، قال: وقد قيل إنه يزيد بن المنتشر بن

стр. 2788

سلمة. وذكر ابن الكلبي أنه يزيد بن الصمة أحد بني سلمة الخير بن قشير. وذكر البصريون أنه من ولد الأعور بن قشير. ذكر أبو الحسن علي بن عبد الله الطوسي في أول ديوان يزيد بن الطثرية المذكور، وكان الطوسي قد اعتنى به وجمعه، فقال: كان ابن الطثرية شاعراً مطبوعاً عاقلاً فصيحاً كامل الأدب وافر المروءة لا يعاب ولا يطعن عليه، وكان سخياً شجاعاً له أصل ومحل في قومه من قشير، وكان من شعراء بني أمية مقدماً عندهم. وقال غير الطوسي: كان يزيد بن الطثرية يسمى مودقا، سمي بذلك لحسن وجهه وحسن شعره وحلاوة حديثه، فكانوا يقولون إنه إذا جلس بين النساء ودقهن - يقال استودقت المرأة وودقت إذا مالت إلى الفحل لأجل الجماع - والأصل في هذه اللفظة أن تكون لذوات الحافر، ثم نقلت إلى بني آدم، وهي بالدال المهملة والقاف، والمودق: هو الذي يجعل النساء يملن عليه - وكان يزيد كثيراً ما يجلس عند النساء ويتحدث معهن، ويقال إنه كان عنيناً لا يأتي النساء. وليس له عقب، وهو من أعيان الشعراء، ذكره أبو تمام الطائي في كتاب " الحماسة " (١) في عدة مواضع، فمن ذلك قوله في باب النسيب: عقيلية أما ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل تقيظ أكناف الحمى ويظلها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكل ليس منك قليل فيا خلة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلاء الصفاء خليل ويا من كتمنا حبه لم يطع به ... عدو ولم يؤمن عليه دخيل أما من مقام أشتكي غربة النوى ... وخوف العدا فيه إليك سبيل فديتك أعدائي كثير، وشقتي ... بعيد، وأشياعي لديك قليل فلا تحمل ذنبي وأنت ضعيفة ... فحمل دمي يوم الحساب ثقيل

стр. 2789

وكنت إذا ما جئت جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فكيف أقول فما كل يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يوم لي إليك رسول (١) وكان أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب " الأغاني " قد جمع شعر يزيد بن الطثرية أيضاً في ديوان، وأورد له قوله (٢) . ألا بأبي قد برى الجسم حبه ... ومن هو موموق (٣) إلى حبيب ومن هو لا يزداد إلا تشوقاً ... وليس يرى عليه رقيب وإني وإن أحموا علي كلامها ... وحالت أعادٍ دوننا وحروب لمثنٍ على ليلى ثناءً يزينها ... قوافٍ بأفواه الرجال تطيب أليلى أحذري نقض القوى لا يزل لنا ... على النأي والهجران منك نصيب وكوني على الواشين لداء شغبةً ... كما أنا للواشي ألد شغوب فإن خفت ألا تحكمي مرة الهوى ... فردي فؤادي والمزار قريب وأورد له أيضاً (٤) : بنفسي من لو مر برد بنانه ... على كبدي كانت شفاءً أنامله ومن هابني في كل شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله أما أبو الحسن الطوسي فإنه أورد له: وإني لأستحيي من الله أن أرى ... رديفاً لوصل أو علي رديف وأن أرد الماء الموطا حنيه ... وأتبع وصلاً منك وهو ضعيف قلت: ورأيت في موضع آخر بعد البيت الأول:

стр. 2790

وإني للماء المخالطه القذى ... وإن كثرت وراده لعيوف وأورد له الطوسي أيضاً: ألا رب راج حاجةً لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو جالس يجول لها هذا وتقضى لغيره ... وتأتي الذي تقضى له وهو آيس وأورد له أيضاً من جملة أبيات: برغمي أطيل الصد عنها إذا نأت ... أحاذر أسماعاً عليها وأعينا أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا وأورد له أيضاً أبياتاً منها قوله: وقولا إذا عدت ذنوباً كثيرة ... علينا تجناها ذري ما تغيبا هبيني امرأ إما بريئاً ظلمته ... وإما مسيئاً تاب بعد وأعتبا فلما أبت لا تقبل العذر وارتمى ... بها كذب الواشين شأوا مغربا (١) تعزيت عنها بالسلو ولم أكن ... لمن ضن عني بالمودة أقربا وكنت كذي داء تبغى لدائه ... طبيباً فلما لم يجده تطببا وأورد له أبو عبد الله المرزباني في كتاب " معجم الشعراء " وهي في " الحماسة " أيضاً، وقد رويت أيضاً لعبد الله بن الدمينة الخثعمي، والله أعلم (٢) : بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب ولم يعتذر عذر البرئ ولم تزل ... به رعدة حتى يقال مريب وأورد له المرزباني في " المعجم " أيضاً: حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا

стр. 2791

[فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعى الصبابة أسمعا قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وجالت بنات الشوق يحنن نزعا بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تقطعا وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا] (١) قلت: وهي أبيات في غاية الرقة واللطافة، وذكرها أبو تمام الطائي في كتاب " الحماسة " (٢) في أول باب النسيب وقال إنها للصمة بن عبد الله القشيري، والله أعلم بالصواب في ذلك. وقال أبو عمر يوسف بن عبد البر - صاحب كتاب " الاستيعاب " في أخبار الصحابة ﵃، وقد تقدم ذكره - في كتاب " بهجة المجالس " ما مثاله: للصمة بن عبد الله القشيري: أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا فقالت بلى والله ذكراً لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تصدعا ثم قال بعد ذلك: وأكثرهم ينسبون إليه في هذا الشعر: حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا وذكر الأبيات بكمالها كما ذكرها في " الحماسة " وبعد الفراغ منها قال: ومنهم من ينسبها إلى قيس بن ذريح وإلى المجنون أيضاً، والأكثر أنها للصمة، والله أعلم.

стр. 2792

قلت: فقد وقع الاختلاف في أن هذه الأبيات العينية هل هي ليزيد بن الطثرية أم للصمة بن عبد الله القشيري أم لقيس بن ذريح أم للمجنون، والله أعلم. قلت: وذكره المرزباني أيضاً في كتاب " المونق " فقال: أنشدني أبو الخنبش لابن الطثرية: وحنت قلوصي بعد هذا صبابةً ... فيا روعةً ما راع قلبي حنينها فقلت لها صبراً فكل قرينة ... مفارقها، لا بد يوماً، قرينها وأورد له أيضاً: كيف العزاء وأنت أومق من مشى ... والنفس معولة ودارك نائيه بيديك قتلي إن أردت منيتي ... وشفاء نفسي إن أردت شفائيه ولقد عرفت فما أويت لمدنفٍ ... ما النفس عنك وإن نأيت بساليه وأورد له أيضاً: إذا نحن جئنا لم تجمل بزينة ... حذار العادي وهي بادٍ جمالها ولا نبتديها بالسلام ولم نقل ... لهم من توقي شرهم: كيف حالها وأورد له أشياء كثيرة غير هذا فنقتصر على هذا القدر. وقال (١) أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب " أنساب الأشراف " بعد ما ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي الحكمي ووقائع جرت في سنة ست وعشرين ومائة: فكان في أثناء ذلك وقعة قتل فيها المندلث بن إدريس الحنفي، وقتل معه يزيد بن الطثرية المذكور على قرية يقال لها الفلج - بفتح الفاء واللام وفي آخره - وأظنها من قرى اليمامة. ثم وجدت في كتاب أبي بكر الحازمي الذي صنفه في أسماء المواضع أن فلج بفتح الفاء واللام وآخره جيم قرية عظيمة لبني جعدة بها منبر يقال لها فلج الأفلاج

стр. 2793

من ناحية اليمامة، وقال غيره: فلج بينها وبين هجر التي هي قصبة البحرين ستة أيام وبينها وبين مكة تسعة أيام، والله أعلم (١) . وذكر أبو إسحاق الزجاج في كتاب " معاني القرآن الكريم " في سورة الفرقان أن الرس قرية باليمامة يقال لها فلج، فتكون وهي هذه القرية على ما قال، وأما الذي جاء في قول الشاعر (٢) : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد فإنه بفتح الفاء وسكون اللام، وهو واد بين البصرة وحمى ضرية، وضرية قرية على القرب من مكة شرفها الله تعالى. وأما فلجة الذي جاء في شعر بعض العرب: ألا حبذا أعلام فلجة بالضحى ... وخيم روابي جلهتيها المنصب يقولون ملح ماء قلجة آجن ... أجل هو مملوح إلى القلب طيب فهذا الاسم يقع على موضعين، أحدهما منزل بين مكة والبصرة، والثاني موضع بالعقيق، وكانت به الواقعة في السنة التي قتل فيها الوليد بن يزيد الأموي المذكور. رجعنا إلى ما كنا فيه: وكان قتل الوليد في جمادى الآخرة يوم الخميس لليلتين بقيتا منها من سنة ست وعشرين ومائة بالبخراء - بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعد الراء ألف ممدودة (٣) -. وذكر أبو الحسن الطوسي المذكور في هذه الواقعة أن الراية كانت مع يزيد بن الطثرية، فلما قتل المندلث وهر بأصحابه ثبت يزيد بن الطثرية بالراية، وكانت عليه جبة خز فتشبثت في عشرة - قلت:

стр. 2794

وهي بضم العين المهملة وفتح الشين وبعدها راء مفتوحة ثم هاء، وهي الشجرة لها صمغ من شجر العضاه - قال: فعثر فضربه بنو حنيفة حتى قتلوه. قلت: وذكر هذه الواقعة بعد قتل الوليد في التاريخ المذكور، فيكون قتل يزيد بن الطثرية بين تاريخ قتل الوليد بن يزيد وبين آخر سنة ست وعشرين ومائة والله أعلم. وذكر أبو الفرج الأصبهاني في أول الديوان الذي جمعه من شعر يزيد بن الطثرية أن بني حنيفة قتلته في خلافة بني العباس، والأول أصح. ولما قتل ابن الطثرية رثاه القحيف بن حمير بن سليم الندى بن عبد الله العقيلي بقوله: ألا تبكي سراة بني قشيرٍ ... على صنديدها وعلى فتاها أبا المكشوح بعدك من يحامي ... ومن يرجي المطي على وجاها ورثى القحيف أيضاً الوليد بن زياد. ورثاه أخوه ثور بن سلمة بقوله: أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... مقيماً وقد غالت يزيد غوائله وهي من الشعر المختار. وذكر أبو تمام الطائي في " الحماسة " (١) أن هذه الأبيات لأخته زينب بنت الطثرية وقيل إنها لأمه، والله أعلم. وذكر الطوسي المذكور أن هذه الواقعة كانت بالعقيق، وقال ياقوت الحموي في كتاب " المشترك وضعاً " (٢) : إن العقيق عشرة مواضع، قال الأصمعي: الأعقة الأودية التي تشقها السيول، ثم عد المواضع فقال: الثالث " عقيق عارض " بأرض اليمامة، وهو واد واسع مما يلي العرمة تندفق فيه شعاب العارض، وفيه عيون وقرى، ثم قال: والعقيق من قرى اليمامة لبني عقيل، وهو عقيق نمرة (٣) في طريق اليمن من اليمامة.

стр. 2795

قلت: فيحتمل أن يكون المراد بقوله " بطن العقيق " في هذا البيت العقيق الأول، ويحتمل العقيق الثاني، والله أعلم. وإنما كني ابن الطثرية بأبي المكشوح لأنه كان على كشحه كي نار، والكشح - بفتح الكاف وسكون الشين المعجمة وبعدها الحاء المهملة - وهي الخاصرية. والطثرية: بفتح الطاء المهملة وسكون الثاء المثلثة وبعدها راء ثم ياء النسب وهاء التأنيث، وهي أمه، ينسب يزيد المذكور إليها، وهي من بني طثر بن عنز بن وائل (١) ، والطثر: الخصب وكثرة اللبن يقال إن أمه ولدت في عام هذا وصفه، وقيل بل ولدته في عام هذا شأنه، ويقال إن أمه كانت مولعة بإخراج زبد اللبن، فسميت الطثرية، وطثرة اللبن زبدته، والله أعلم. قلت: وهذا الكلام في النفس منه شيء، فإنهم قالوا: إن أمه من بني طثر بن عنز بن وائل، فعلى هذا تكون أمه منسوبة إلى هذه القبيلة، في معنى حينئذ لقولهم: إن أمه ولدت في عام هذا وصفه، أو ولد هو في عام هذا شأنه، أو كانت أمه تخرج الزبد من اللبن، فتأمله، إلا أن يكون عندهم فيه خلاف: هل هو منسوب إلى القبيلة أم إلى هذا المعنى الثاني، والله أعلم بالصواب في ذلك (٢) . ويروى لزينب بنت الطثرية أخت يزيد المذكور شيء كثير من الشعر، فمن ذلك قولها في المديح: أشم إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحنو عليه أنامله ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله وينسب هذان البيتان إلى زياد الأعجم أيضاً، والبيت الثاني منهما يوجد في ديوان أبي تمام الطائي أيضاً في قصيدته التي أولها (٣) : أجل أيها الربع الذي خف آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله والله أعلم بالصواب.

стр. 2796

٨٢٣ - (١) الماجشون أبو يوسف يعقوب بن أبي سلمة دينار، وقيل ميمون، الملقب بالماجشون القرشي التيمي، من موالي آل المكندر من أهل المدينة، سمع ابن عمر ﵄، وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن المنكدر وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج؛ روى عنه أباه: يوسف وعبد العزيز، وابن أخيه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة. وقال يعقوب بن شيبة: الماجشون يعقوب بن أبي سلمة مولى آل الهدير (٢) . وكان يعقوب مع عمر بن عبد العزيز ﵁ في ولاية عمر المدينة يحدثه ويأنس به، فلما استخلف عمر ﵁ قدم عليه الماجشون فقال له عمر: إنا تركناك حيث تركنا لبس الخز، فانصرف عنه. وذكره محمد بن سعد في كتاب " الطبقات ". وقال يعقوب بن شيبة، قال مصعب: وكان الماجشون يعين ربيعة الرأي على أبي الزناد، لأن أبا الزناد كان معادياً لربيعة الرأي، فكان أبو الزناد يقول: مثلي ومثل الماجشون مثل ذئب كان يلح على أهل قرية فيأكل صبيانهم، فاجتمعوا له وخرجوا في طلبه، فهرب منهم فانقطعوا عنه، إلا صاحب فخار، فإنه ألح في طلبه، فوقف له الذئب فقال: هؤلاء أعذرهم، فأنت ما لي ولك ما كسرت لك فخارة قط، والماجشون ما كسرت له كبراً ولا بربطاً قط (٣) . وقال ابن الماجشون: عرج بروح الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل

стр. 2797

وقلنا للناس: نروح به، فدخل غاسل إليه يغسله، فرأى عرقاً يتحرك في أسفل قدمه فأقبل علينا وقال: أرى عرقاً يتحرك ولا أرى أن أعجل عليه، فاعتللنا على الناس بالمر الذي رأيناه، وفي الغد جاء الناس وغدا الغاسل عليه فرأى العرق على حاله، فاعتذرنا إلى الناس، فمكث ثلاثاً على حاله، ثم إنه استوى جالساً فقال: آتوني بسويق، فأتي به فشربه، فقلنا له: خبرنا ما رأيت، قال: نعم عرج بروحي، فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا فاستفتح ففتح له، ثم هكذا في السموات حتى انتهى بي إلى السماء السابعة، فقيل له: من معك قال: الماجشون، فقيل له: لم يأن له بعد، بقي من عمره كذا كذا سنة وكذا كذا شهراً وكذا كذا يوماً وكذا كذا ساعة، ثم هبط فرأيت النبي ﷺ وأبا بكر على يمينه وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك الذي معي: من هذا قال: هذا عمر بن عبد العزيز، قلت: إنه لقريب المقعد من رسول الله ﷺ قال: إنه عمل بالحق في زمن الجور، وإنهما عملا بالحق في زمن الحق، ذكر هذا يعقوب بن شيبة في ترجمة الماجشون. وذكر أبو الحسن محمد بن القواس الوراق أن يعقوب الماجشون مات سنة أربع وستين ومائة (١) ، رحمه الله تعالى؛ هذا كله نقلته من تاريخ الحافظ أبي القاسم المعروف بابن عساكر الذي جعله تاريخاً لدمشق. وذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " في ترجمة محمد بن المنكدر (٢) أن الماجشون من مواليه، واسمه يعقوب، وكان فقيهاً؛ ثم قال بعد ذلك: وكان للماجشون أخ يقال له عبد الله بن أبي سلمة. (٣٤٧) وابنه عبد العزيز بن عبد الله يكنى أبا عبد الله، توفي ببغداد وصلى عليه المهدي، ودفنه في مقابر قريش، وذلك في سنة أربع وستين ومائة - قلت: وقد تقدم في هذا الكتاب ترجمة ولده عبد الملك بن عبد العزيز بن

стр. 2798

عبد الله، وذكرت ما قاله العلماء في معنى الماجشون، فأغنى عن الإعادة هاهنا والله أعلم. قوله ما كسرت له كبراً ولا بربطاً، الكبر بفتح الكاف والباء الموحدة، وبعدها راء، وهو طبل ذو وجه واحد، والبربط: بفتح الباءين الموحدتين بينهما راء ساكنة، وفي آخره طاء مهملة، وهو نوع من العود الذي للغناء، وأصله بر، وهو الصدر بالفارسي، وبط، الطائر المعروف، فلما كان هذا الملهى يشبه صدر البط سمي به، واسمه بالعربي العود. والمزهر أيضاً: بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء، وبالعجمي البربط كما ذكرناه. ٨٢٤ - (١) القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبتة الأنصاري - وسعد بن حبتة أحد الصحابة ﵃، وهو مشهور في الأنصار بأمه، وهي حبتة بنت مالك من بني عمرو بن عوف. وأما أبو سعد ابن حبتة: فهو عوف بن بحير بن معاوية بن سلمى بن بجيلة، حليف بني عمرو بن عوف الأنصاري، هكذا ساق نسب سعد بن حبتة في " الاستيعاب " (٢) ؛ وأما الخطيب أبو بكر البغدادي فإنه قال في تاريخه (٣) : هو سعد بن بجير بن معاوية بن قحافة بن بليل بن سدوس بن عبد مناف بن أبي

стр. 2799

أسامة بن سحمة بن سعد بن عبد اله بن قداد (١) بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث (٢) بن بجيلة. كان القاضي أبو يوسف المذكور من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة ﵁، كان فقيهاً عالماً حافظاً، سمع أبا إسحاق الشيباني وسليمان التيمي ويحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش وهشام بن عروة وعطاء بن السائب ومحمد بن إسحاق بن يسار، وتلك الطبقة. وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة وخالفه في موضع كثيرة. روى عنه محمد بن الحسن الشيباني الحنفي وبشر بن الوليد الكندي وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في آخرين. وكان قد سكن بغداد وتولى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء: المهدي وابنه الهادي ثم هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجله، وكان عنده حظياً مكيناً، وهو أول من دعي بقاضي القضاة، ويقال إنه أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس الناس قبل ذلك شيئاً واحداً، لا يتميز أحد عن أحد بلباسه. ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني في ثقته في النقل. وذكر أبو عمر ابن عبد البر صاحب كتاب " الاستيعاب " في كتابه الذي سماه كتاب " الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء " (٣) أن أبا يوسف المذكور كان حافظاً وأنه كان يحضر المحدث ويحفظ خمسين ستين حديثاً، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث. وقال محمد بن جرير الطبري: وتحامى حديثه قوم من أهل الحديث من أجل غلبة الرأي عليه وتفريعه الفروع والأحكام، مع صحبة السلطان وتقلده القضاء. وحكى أبو بكر الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " (٤) أن أبا يوسف قال:

стр. 2800

كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل رث الحال، فجاء أبي يوماً وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني، لا تمد رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش، فقصرت عن كثير من الطلب وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه قال لي: ما شغلك عنا قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي، فجلست، فلما انصرف الناس دفع إلي صرة وقال: استمتع بها، فنظرت فغذا فيها مائة درهم، فقال لي: الزم الحلقة وإذا فرغت هذه فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلة قط ولا أخبرته بنفاد شيء، وكأنه كان يخبر بنفادها، حتى استغنيت وتمولت. ثم قال الخطيب (١) : وحكي أن والد أبي يوسف مات وخلف أبا يوسف طفلاً صغيراً، وأن أمه هي التي أنكرت عليه حضور حلقة أبي حنيفة، ثم روى الخطيب أيضاً بإسناد متصل إلى علي بن الجعد قال: أخبرني أبو يوسف القاضي قال: توفي أبي وخلفني صغيراً في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع، فكانت أمي تجيء خلفي فتأخذ بيدي فتذهب [بي] إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي، لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي وكطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقاً يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك. ثم لزمته فنفعني الله تعالى بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدم إلى هارون فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب كل منها فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق،

стр. 2801

فضحكت، فقال لي: مم ضحكك (١) ! فقلت: خيراً، أبقى الله أمير المؤمنين، قال: لتخبرني، وألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم لينفع دنيا وديناً، وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه. وحكى علي بن المحسن التنوخي عن أبي عن جده قال: كان سبب اتصال أبي يوسف بالرشيد أنه كان قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة رحمه الله تعالى فحنث بعض القواد في يمين، فطلب فقيهاً يستفتيه، فجيء بأبي يوسف فأفتاه أنه لم يحنث، فوهب له دنانير وأخذ له داراً بالقرب منه. ودخل القائد يوماً على الرشيد فوجده مغموماً، فسأله عن سبب غمه فقال: شيء من أمر الدين قد حزنني فاطلب فقيهاً كي أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف. قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممر بين الدور رأيت فتى حسناً عليه أثر الملك، وهو في حجرة محبوس، فأومأ إلي بأصبعه مستغيثاً فلم أفهم منه إرادته، وأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه سلمت ووقفت فقال لي: ما اسمك فقلت: يعقوب أصلح الله أمير المؤمنين، قال: ما تقول في إمام شاهد رجلاً يزني هل يحده قلت: لا، فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي أنه قد رأى بعض أهله على ذلك وأن الذي أشار إلي بالاستغاثة هو الزاني. ثم قال الرشيد: من أين قلت هذا قلت: لأن النبي ﷺ قال: " ادرأوا نهالحدود بالشبهات " وهذه شبهة يسقط الحد معها، قال: وأي شبهة في المعاينة قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحدود لا تكون إلا بالعلم، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه، فسجد مرة أخرى، وأمر لي بمال جزيل وأن ألزم الدار، فما خرجت حتى جاءتني هدية الفتى وهدية أمه وجماعته، وصار ذلك أصلاً للنعمة، ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني وهذا يشاورني، ولم يزل حالي يقوى عند الرشيد حتى قلدني القضاء. قلت: وهذا يخالف ما نقلته قبل هذا من أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء، والله أعلم بالصواب.

стр. 2802

وقال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث على أبي حنيفة في أقطار الأرض. وقال عمار بن أبي مالك: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة ولا محمد بن أبي ليلى، ولكنه هو نشر قولهما وبث علمهما. وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة (١) : مرض أبو يوسف في زمن أبي حنيفة مرضاً خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة ونحن معه، فلما خرج من عنده وضع يده على عتبة بابه وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض. وقال أبو يوسف: سألني الأعمش عن مسألة، فأجبته فيها فقال لي: من أين لك هذا فقللت: من حديثك (٢) الذي حدثتنا أنت، ثم ذكرت له الحديث، فقال لي: يا يعقوب إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك وما عرفت تأويله حتى الآن. وقال هلال بن يحيى: كان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب، وكان أقل علومه الفقه، ولم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف (٣) . وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب " الجليس والأنيس " عن الشافعي ﵁ أنه قال: مضى أبو يوسف ليسمع المغازي من محمد بن إسحاق أو من غيره، وأخل بمجلس أبي حنيفة أياماً، فلما أتاه قال له أبو حنيفة: يا أبا يوسف، من كان صاحب راية جالوت فقال له أبو يوسف: إنك إمام وإن لم تمسك عن هذا سألتك والله على رؤوس الملأ أيما

стр. 2803

كان أولاً وقعة بدر أو أحد فإنك لا تدري أيهما كان قبل الآخر، فأمسك عنه. وذكر في الكتاب المذكور أيضاً عن علي بن الجعد أن القاضي أبا يوسف كتب يوماً كتاباً، وعن يمينه إنسان يلاحظ ما يكتبه، ففطن له أبو يوسف، فلما فرغ من الكتابة التفت إليه وقال له: هل وقفت على شيء من خطأ فقال: لا والله ولا حرف واحد، فقال له أبو يوسف: جزيت خيراً حيث كفيتنا مؤونة قراءته، ثم أنشد: كأنه من سوء تأديبه ... أسلم في كتاب سوء الأدب وقال حماد بن أبي حنيفة (١) : رأيت أبا حنيفة يوماً وعن يمينه أبو يوسف وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولاً إلا أفسده زفر، ولا يقول زفر قولاً إلا أفسده أبو يوسف، إلى وقت الظهر، فلما أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده فضرب بها فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رياسة ببلدة فيها أبو يوسف، وقضى لأبي يوسف على زفر، ولم يكن بعد أبي يوسف في أصحاب أبي حنيفة مثل زفر. وقال طاهر بن أحمد الزبيري (٢) : كان يجلس إلى أبي يوسف رجل فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: ألا تتكلم، فقال: بلى، متى يفطر الصائم فقال: إذا غابت الشمس، فقال: فإن لم تغب إلى نصف الليل، فضحك أبو يوسف وقال: أصبت في صميك وأخطأت أنا في استدعاء نطقك، ثم تمثل: عجبت إزراء الغبي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما وفي الصمت ستر للغبي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما ومن كلام أبي يوسف (٣) : صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة. وكان يقول: رؤوس النعم ثلاثة: فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها،

стр. 2804

والثانية: نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها، والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها. وقال علي بن الجعد: سمعت أبا يوسف يقول: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كذلك، وأنت إذا أعطيته كذلك من إعطائه البعض كنت على غرر. وكان أبو يوسف (١) راكباً وغلامه يعدو وراءه، فقال له رجل: أتستحل أن تعدي غلامك وراءك لم لا تركبه فقال له: أيجوز عندك أن أسلم غلامي مكارباً قال: نعم، قال أبو يوسف: فيعدو معي كما كان يعدو لو كان مكارباً. وقال يحيى بن عبد الصمد (٢) : خوصم أمير المؤمنين الهادي إلى القاضي أبي يوسف في بستانه (٣) ، وكان الحكم في الظاهر للهادي وفي الباطن خلاف ذلك، فقال الهادي للقاضي أبي يوسف: ما صنعت في الأمر الذي نتنازع إليك فيه فقال: خصم أمير المؤمنين يسألني أن أحلف أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق، فقال له الهادي: وترى ذلك قال: فقد كان ابن أبي ليلى يراه، فقال: اردد البستان عليه، وإنما احتال عليه أبو يوسف لعلمه أن الهادي لا يحلف (٤) . وقال بشر بن الوليد الكندي، قال لي القاضي أبو يوسف (٥) : بينا أنا البارحة قد أويت إلى فراشي فإذا داق يدق الباب دقاً شديداً، فأخذت علي إزاري وخرجت، فإذا هرثمة بن أعين، فسلمت عليه، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت: يا أبا حاتم، لي بك رحمة، وهذا وقت كما ترى، ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين قد دعاني لأمر من الأمور، فإن أمكنك أن تدفع بذلك إلى غد فلعله أن يحدث له رأي، فقال: ما لي إلى ذلك سبيل، قلت: كيف كان السبب

стр. 2805

قال: خرج إلي مسرور فامرني أن آتي بك أمير المؤمنين، فقلت: تأذن لي أن أصب علي ماء وأتحنط فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني وإن رزق (١) الله العافية فلن يضرني، فأذن لي، فدخلت فلبست ثياباً جدداً، وتطيبت بما أمكن من الطيب، ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين هارون الرشيد فإذا مسرور واقف، فقال له هرثمة: قد جئت به، فقلت لمسرور: يا أبا هاشم خدمتي وحرمتي وميلي، وهذا وقت ضيق، فتدري لم طلبني أمير المؤمنين قال: لا، فقلت: فمن عنده قال: عيسى بن جعفر، قلت: ومن قال: ما عندهما ثالث، ثم قال لي: مر، فإذا صرت في الصحن فإنه في الرواق، وهو ذاك جالس فحرك رجلك بالأرض، فإنه سيسألك فقل: أنا. قال أبو يوسف: فجئت ففعلت ذلك فقال: من هذا، فقلت: يعقوب، فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جال وعن يمينه عيسى بن جعفر، فسلمت فرد السلام علي وقال: أظننا روعناك فقلت: إي والله وكذلك من خلفي، فقال: اجلس، فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إلي وقال: يا يعقوب، تدري لم دعوتك قلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا إن عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع، وسألته أن يبيعها فأبى، والله لئن لم يفعل لأقتلنه، قال أبو يوسف: فالتفت إلى عيسى فقلت له: وما بلغ الله بجارية تمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه المنزلة قال فقال لي: عجلت علي في القول قبل أن تعرف ما عندي، قلت: وما في هذا من الجواب قال: إن علي يميناً بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع في هذه الجارية ولا أهبها، فالتفت إلي الرشيد فقال: هل له في ذلك من مخرج (٢) قلت: نعم، قال: وما هو قلت: يهب لك نصفها ويبيعك نصفها، فيكون لم يهب ولم يبع، فقال عيسى: ويجوز ذلك قلت: نعم، قال: فأشهدك أني قد وهبت له نصفها وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار، فقال له الرشيد: قبلت الهبة واشتريت نصفها بمائة ألف دينار، ثم طلب منه الجارية (٣) ، فأتى بالجارية وبالمال، فقال: خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها، فقال الرشيد: يا يعقوب
следующие страницы →