← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

فقال: الثالث رمادة المغرب، ينسب إليها يوسف بن هارون الكندي الرمادي الشاعر القرطبي. وكلع: بفتح الكاف واللام وبعدها عين مهملة، وهي مقبرة قرطبة والله أعلم. وذكر ابن سعيد (١) في كتاب " المغرب في أشعار أهل المغرب " أن الرمادي المذكور اكتسب صناعة الأدب من شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف (٢) علم أدباء الأندلس، وهو القائل: لا تلمني على الوقوف بدار ... أهلها صيروا السقام ضجيعي جعلوا لي إلى هواهم سبيلاً ... ثم سدوا علي باب الرجوع ثم قال: وتوفي يحيى بن هذيل المذكور في سنة ست أو خمس وثمانين وثلثمائة وهو ابن ست وثمانين، رحمه الله تعالى.

стр. 3082

٨٤٩ - (١) ابن الدرى يوسف بن درة، الشاعر المعروف بابن الدري، الموصلي الأصل؛ كان شاباً ذكياً، ذكره أبو شجاع محمد بن علي بن الدهان في تاريخه وقال: إنه هلك مع الحاج سنة خمس وأربعين وخمسمائة لما خرجت عليهم زعب، وقد ذكره عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب " خريدة القصر " وذكره أبو المعالي سعد بن علي الحظيري - المقدم ذكره (٢) - في كتاب " زينة الدهر " ومن مشهور شعره قوله في رجل أرجل وقد أحسن فيه (٣) : مدور الكعب فاتخذه ... لتل غرس وثل عرش لو نظرت (٤) عينه الثريا ... أخرجها في بنات نعش (٥) وله غير هذا أشياء حسنة. قال شيخنا الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري في مختصر كتاب الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني الذي عمله

стр. 3083

في الأنساب، ما مثاله (١) : قلت: الزعبي: بكسر الزاي وسكون العين المهملة وآخره باء موحدة، نسبة إلى زعب بن مالك بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم، بطن مشهور من سليم، وهذه زعب هي التي أخذت الحاج سنة خمس وأربعين وخمسمائة، فهلك منهم خلق كثير قتلا وجوعاً وعطشاً، ثم إن الله تعالى رمى زعباً بالقلة والذلة بعده إلى الآن. ودرة: بضم الدال المهملة، والدرى: بفتحها وتشديد الراء وبعدها ألف مقصورة. ٨٥٠ - (٢) أبو المحاسن الشواء أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالشواء، الملقب شهاب الدين، الكوفي الأصل الحلبي المولد (٣) والمنشأ والوفاة؛ كان أديباً فاضلاً متقناً لعلم العروض والقوافي شاعراً، يقع له في النظم معان بديعة في البيتين والثلاثة، وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات، وكان زيه على زي الحلبيين الأوائل في اللباس والعمامة المشقوقة. وكان كثير الملازمة لحلقة الشيخ تاج الدين أبي القاسم أحمد بن هبة الله بن سعد الله بن سعيد بن سعد بن مقلد المعروف بابن الجبراني الحلبي النحوي

стр. 3084

اللغوي الفاضل، وأكثر ما أخذ الأدب عنه وبصحبته انتفع، وعاشر التاج أبا الفتح مسعود بن أبي الفضل النقاش الحلبي (١) الشاعر المشهور زماناً، وتخرج عليه في عمل الشعر. وكان بيني وبين الشهاب الشواء مودة اكيده ومؤانسة كثيرة، ولنا اجتماعات في مجالس نتذاكر فيها الأدب، وأنشدني كثيراً من شعره، وما زال صاحبي منذ أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة إلى حين وفاته، وقبل ذلك كنت أراه قاعداً عند ابن الجبراني المذكور في موضع تصدره بجامع حلب، وكان يكثر التمشي في الجامع أيضاً على جاري عادتهم في ذلك كما يعملون (٢) في جامع دمشق، ولم يكن بيننا إذ ذاك معرفة. وكان حسن المحاورة مليح الإيراد مع السكون والتاني وجميل التأتي، وأول شيء أنشدني من شعره قوله: هاتيك يا صاح ربا لعلع ... ناشدتك الله فعرج معي وانزل بنا بين بيوت النقا ... فقد غدت آهلة المربع حتى نطيل اليوم وقفاً على الساكن أو عطفاً على الموضع ...

стр. 3085

وأنشدني لنفسه أيضاً: ومهفهف عني الزمان بخده ... فكساه ثوبي ليله ونهاره لا مهدت عذري محاسن وجهه ... إن غض عندي منه غض عذاره وأنشدته يوماً في أثناء مناشدة جرت بيننا قول شرف الدين أبي المحاسن محمد المعروف بابن عنين الدمشقي - المقدم ذكره (١) - في صدر جهان المعروف بابن مازه البخاري وقيل السرخسي (٢) : مال ابن مازه دونه لعفاته ... خرط القتادة أو منال الفرقد مالٌ لزوم الجمع يمنع صرفه ... في راحةٍ مثل المنادى المفرد فقال: هذا ليس بجيد، فقلت له: ولم ذاك فقال: ليس من شرط المنادى المفرد أن يكون مضموماً، ولابد، فقد يكون المنادى مفرداً ولا يكون مضموماً بأن يكون نكرة غير معين كما تقول: يا رجلاً، ولكن أنا أعمل في هذا شيئاً. ثم إننا اجتمعنا بعد ذلك في الجامع فقال: قد عملت في ذلك المعنى شيئاً فاسمعه، ثم أنشد: لنا خليل له خلال ... تعرب عن أصله الأخس أضحت له مثل حيث كف ... وددت لو أنها كأمس فقلت له: وهذا أيضاً فيه كلام، فقال: وما هو فقلت: حيث فيها لغات، فمن العرب من يبنيها على الضم، ومنهم من يبنيها على الفتح، ومنهم من بينيها على الكسر، وفيها لغات أخر غير هذه، وأما أمس فمنهم من بينيها على الكسر، ومنهم من يقول: إنها اسم معرب لكنه لا ينصرف، وأنشدوا على هذه اللغة: لقد رأيت عجباً مذ أمسا ... عجائزاً مثل السعالي خمساً

стр. 3086

هذا إذا كانت (١) معرفة، فأما إذا كانت نكرة فإنها معربة قولاً واحداً، فسكت. وكان كثيراً ما يستعمل العربية في شعره، فمن ذلك قوله، ولا أدري هل أنشدنيه أم لا، فإنه أنشدني شيئاً كثيراً من شعره وما ضبطت كل ما أنشدني، وكذلك كل شيء أذكره بعد هذا لا أتحقق الحال في سماعي منه، فأورد مهملاً فمنه: وكنا خمس عشرة في التئامٍ ... على رغم الحسود بغير آفه فقد أصبحت تنويناً وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافه وله أيضاً في غلام أرسل أحد صدغيه وعقد الآخر: أرسل صدغاً ولوى قاتلي ... صدغاً فأعيا بهما واصفه فخلت ذا في خده حيةً ... تسعى وهذا عقرباً واقفه ذا ألفٌ ليس لوصلٍ، وذا ... واوٌ ولكن ليس العاطفه ومن هذا النمط ما أنشدنيه بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب - المقدم ذكره (٢) - رحمه الله تعالى، لنفسه من جملة أبيات وهو: عسى عطفة بالوصل يا واو صدغه ... علي فإني أعرف الواو تعطف ولأبي المحاسن الشواء أيضاً قوله: ناديت وهو الشمس في شهرة ... والجسم للخفية كالفيء يا زاهياً أعرف من مضمرٍ ... صل واهياً أنكر من شيء وله في المديح (٣) :

стр. 3087

فتىً فاق الورى كرماً وبأساً ... عزيز الجار مخضر الجناب ترى في السلم منه غيث جود ... وفي يوم الكريهة ليث غاب إذا ما سل صارمه لحربٍ ... أراك البرق في كف السحاب وله أيضاً في شخص لا يكتم السر (١) : لي صديقٌ غدا وإن كان لا ... ينطق إلا بغيبةٍ أو محال أشبه الناس بالصدى إن ... تحدثه حديثاً أعاده في الحال وله أيضاً (٢) : قالوا حبيبك قد تضوع نشره ... حتى غدا منه الفضاء معطرا فأجبتهم والخال يعلو خده ... أو ما ترون النار تحرق عنبرا قلت: وقد تقدم في ترجمة يحيى بن نزار المنبجي (٣) عدة مقاطيع من شعر العماد المحلي وغيره وفيها إلمام بهذا المعنى. ولأبي المحاسن أيضاً: هواك يا من له اختيال ... ما لي على مثله احتيال قسمة أفعاله لحيني ... ثلاثةُ ما لها انتقال وعدك مستقبل، وصبري ... ماضٍ، وشوقي إليك حال وله أيضاً: فديت بنفسي رأس عينٍ ومن فيها ... وبيض السواقي حول زرق سواقيها إذا راقني منها جواري عيونها ... أراتق دمي منها عيون جواريها وله أيضاً: إن كان قد حجبوه عني غيرةً ... منهم عليه فقد قنعت بذكره

стр. 3088

كالمسك ضاع لنا وضاع مكانه ... عنا فأغنى نشره عن نشره وله في غلام قد ختن: هنأت من أهواه عند ختانه ... فرحاً وقلبي قد عراه وجوم يفديك من ألم ألمّ بك امرؤ ... يخشى عليك إذا ثناك نسيم أمعذبي كيف استطعت على الأذى ... جلداً، وأجزع ما يكون الريم لو لم تكن هذي الطهارة سنةً ... قد سنها من قبل (١) إبراهيم لفتكت جهدي بالمزين إذ غدا ... في كفه موسى وأنت كليم ومعظم شعره على هذا الأسلوب، وقد أوردت منه أنموذجاً فيه كفاية. وكان من المغالين في التشيع. وأكثر أهل حلب ما كانوا يعرفونه إلا بمحاسن الشواء. والصواب فيه هو الذي ذكرته هاهنا، وأن اسمه يوسف، وكنيته أبو المحاسن. وبعد هذا رأيت في كتاب " عقود الجمان " الذي وضعه صاحبنا الكمال بن الشعار الموصلي، وقد بنى ترجمة المذكور على يوسف، وكنيته أبو المحاسن، وكان صاحبه وأخذ عنه كثيراً من شعره، وهو من أخبر الناس بحاله وأعلم ذلك في وقته (٢) . وكان مولده تقديراً في سنة اثنتين وستين وخمسمائة، فإنه كان لا يحقق مولده. وتوفي يوم الجمعة تاسع عشر المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، بحلب، ودفن ظاهرها بمقبرة باب إنطاكية غربي البلد، ولم أحضر الصلاة عليه لعذر عرض لي في ذلك الوقت، رحمه الله تعالى، فلقد كان نعم الصاحب.

стр. 3089

(٣٩٥) وأما شيخه ابن الجبراني المذكور (١) : فهو طائي بحتري، وكان من قرية من أعمال عزاز، يقال لها جبرين قورسطايا. نسب إليها، هكذا أخبر عن نفسه، وكان متضلعاً من علم الأدب، خصوصاً اللغة فإنها كانت غالبة عليه، وكان متبحراً فيها، وكان له تصدر في جامع حلب في المقصورة الشرقية على صحن الجامع قبالة المقصورة التي يصلي فيها قضاة حلب يوم الجمعة. ولقد كنت يوماً قاعداً في هذه المقصورة، عند الدرابزين الذي إلى جهة الصحن، وإذا به قد حضر ومعه جماعة من أصحابه، وفيهم الشهاب أبو المحاسن الشواء المذكور، وجلس إلى المحراب الصغير الذي في هذه المقصورة، وهو موضع تصدره، فجعلت بالي من كلامه، وأنا في ذلك الوقت مشتغل بالأدب، فسمعته يتكلم في قاعدة الأفعال الثلاثية التي أولها واو، وهي على فعل، بكسر العين، مثل وجل وغيره، وأن مضارعه فيه أربع لغات: يوجل، ويَيجل، وياجل، ويِيجل، إلا ما شذ من الأفعال الثمانية التي هي: ورم، وورث، وورع، ووري، وومق، ووثق، ووفق، وولي، فإن مضارعها أيضاً بالكسر كماضيها، وشذ من ذلك قولهم: وسع يسع، ووطئ يطأ، وإنما انفتح هذان الفعلان في المضارع لآجل حرفي الحلق، وأطال الكلام في ذلك بما لم أقدر على حفظه في ذلك الوقت، ولم أسمع منه غير هذا الفصل. وكان مولده يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شوال سنة إحدى وستين وخمسمائة، وتوفي يوم الاثنين سابع (٢) رجب من سنة ثمان وعشرين وستمائة بحلب، ودفن في سفح جبل جوشن، رحمه الله تعالى.

стр. 3090

٨٥١ - (١) البياسي صاحب الحماسة أبو الحجاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البياسي، أحد فضلاء الأندلس وحفاظها المتقنين؛ كان أديباً بارعاً فاضلاً، مطلعاً على أقسام كلام العرب من النظم والنثر، وراوياً لوقائعها وحروبها وأيامها، بلغني أنه كان يحفظ كتاب " الحماسة " تأليف أبي تمام الطائي، والأشعار الستة، وديوان أبي تمام المذكور، وديوان أبي الطيب المتنبي، و " سقط الزند " ديوان أبي العلاء المعري، إلى غير ذلك من الأشعار من شعراء الجاهلية والإسلام. وتنقل في بلاد الأندلس وطاف بأكثرها. ولما قدم من جزيرة الأندلس إلى مدينة تونس، جمع للأمير أبي زكريا يحيى بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر، صاحب إفريقية، ﵏ أجمعين، كتاباً سماه " الإعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام " (٢) ابتدأ فيه بمقتل عمر بن الخطاب ﵁، وختمه بخروج الوليد بن طريف الشاري على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة الفراتية - وقد ذكرت ترجمة الوليد المذكور وخبره وما جرى له ومقتله على يد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني وذكرت يزيد المذكور في ترجمة مستقلة أيضاً قبل هذا، واستوفيت القصة في الترجمتين (٣) - ورأيت هذا الكتاب وطالعته، وهو في مجلدين، أجاد في تصنيفه وكلامه فيه كلام عارف بهذا الفن.

стр. 3091

ورأيت له أيضاً كتاب " الحماسة " في مجلدين، وقد قرئت النسخة عليه وعليها خطه، كتبه في أواخر شهر ربيع الآخر سنة خمسين وستمائة، وقال في آخر الكتاب: وكان الفراغ من تأليفه وترتيبه بمدينة تونس، حرسها الله تعالى، في شوال سنة ست وأربعين وستمائة؛ ونقلت من أوله بعد الحمدلة ما مثاله: أما بعد فإني قد كنت في أوان حداثتي وزمان شبيبتي، ذا ولوع بالأدب ومحبة في كلام العرب، ولم أزل متتبعاً لمعانيه، ومفتشاً عن قواعده ومبانيه، إلى أن حصلت لي جملة منه لا يسع الطالب المجتهد جهلها، ولا يصلح بالناظر في هذا العلم إلا أن يكون عنده مثلها، وحملتني المحبة في ذلك العلم والولوع به على أن جمعت مما اخترته واستحسنته من أشعار العرب: جاهليها ومخضرميها وإسلاميها ومولدها، ومن أشعار المحدثين من أهل المشرق والأندلس وغيرهم، ما تحسن به المحاضرة وتجمل عليه المناظرة. ثم إني رأيت أن بقاءها دون أن تدخل تحت قانون يجمعها، وديوان يؤلفها، مؤذن بذهابها ومؤدٍ إلى فسادها، فرأيت أن أضم مختارها وأجمع مستحسنها، تحت أبواب تقيد نافرها وتضم نادرها، ونظرت في ذلك، فلم أجد أقرب تبويبٍ، ولا أحسن ترتيبٍ، مما بوبه ورتبه أبو تمام حبيب بن أوس رحمه الله تعالى في كتابه المعروف بكتاب " الحماسة " وحسن الإقتداء به والتوخي لمذهبه، لتقدمه في هذه الصناعة، وانفراده منها بأوفر حظ وأنفس بضاعة، فاتبعت في ذلك مذهبه ونزعت منزعه، وقرنت الشعر بما يجانسه، ووصلته بما يناسبه (١) ونقحت ذلك، واخترته على قدر استطاعتي، وبلوغ جهدي وطاقتي. قلت: وأطال القول بعد هذا بما لا حاجة بنا إلى ذكره. ونقلت منه شيئاً، فمن ذلك ما ذكره في باب المراثي: قال أبو علي القالي البغدادي، أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا أبو حاتم السجستاني (٢) : ألا في سبيل الله ماذا تضمنت ... بطون الثرى واستودع البلد القفر

стр. 3092

بدور إذا الدنيا دجت أشرقت بهم ... وإن أجدبت يوماً فأيديهم القطر فيا شامتاً بالموت لا تشتمن بهم ... حياتهم فخرٌ وموتهم ذكر حياتهم كانت لأعدائهم عمى ... وموتهم للفاخرين بهم فخر أقاموا بظهر الأرض فاخضر عودها ... وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الطهر (١) ونقلت من باب النسيب قول العباس بن الأحنف (٢) - المقدم ذكره (٣) -: تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل أنا ظالم فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم وقول الوأواء الدمشقي، هكذا قال، وغالب ظني أنها لأبي فراس بن حمدان، والله أعلم (٤) : بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه وعرضا بي وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه فإن تبسم قولاً في ملاطفةٍ ... ما ضر لو بوصالٍ منك تسعفه وإن بدا لكما من سيدي غضبٌ ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه وقول المجنون (٥) : تعلقت ليلى وهي بكرٌ (٦) صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم البهم: الصغار من أولاد الضأن، الواحدة بهمة، بفتح الباء الموحدة

стр. 3093

وسكون الهاء، وهذان البيتان يستدل بهما النجاة على انتصاب الحال (١) من الفاعل والمفعول به معاً بلفظ واحد، فإن " صغيرين " انتصب على الحال من التاء في قوله " تعلقت " وهي فاعلة، ومن ليلى، وهي مفعولة، ومثله قول عنترة العبسي (٢) : متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا نصب " فردين " على الحال من ضمير الفاعل والمفعول في " تلقني "، ذكره ابن الأنباري في كتاب " أسرار العربية " في باب الحال (٣) . وقال الوأواء الدمشقي أيضاً، ذكره في حماسته البياسي المذكور أيضاً (٤) : وزائرٍ راع كل الناس منظره ... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل ألقى على الليل ليلاً من ذوائبه ... فهابه الصبح أن يبدو من الخجل أراد بالقتل هجري فاستجرت به ... فاستل بالوصل روحي من يدي أجلي فصرت فيه أمير العاشقين فقد ... صارت ولاية أهل العشق من قبلي وقال علي بن عطية البلنسي ابن الزقاق (٥) : ومرتجة الأعطاف أما قوامها ... فلدنٌ وأما ردفها فرداح ألمت فبات الليل من قصرٍ بها ... يطير وما غير السرور جناح وبت وقد زارت بأنعم ليلةٍ ... تعانقني حتى الصباح صباح على عاتقي من ساعديها حمائلٌ ... وفي خصرها من ساعديَّ وشاح وقال أحمد بن الحسين بن خلف المعروف بابن البني اليعمري - قلت:

стр. 3094

هو المقدم ذكره في ترجمة يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب (١) - وكان قد أخرجه صاحب ميورقة، وسير في البحر، فساروا يومهم، فهبت عليهم الريح فردتهم فقال: أحبتنا الأولى عتبوا علينا ... فأقصونا وقد أزف الوداع لقد كنتم لنا جذلاً وأنساً ... فهل في العيش بعدكم انتفاع أقول وقد صدرنا بعد يومٍ ... أشوقٌ بالسفينة أم نزاع إذا طارت لنا حامت عليكم ... كأن قلوبنا فيها شراع وقال الواثق بالله وله فيه غناء: ما كنت أعرف ما في البين من حزن ... حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن قامت تودعني والدمع يغلبها ... فجمجمت بعض ما قالت ولم تبن مالت علي تفديني وترشفني ... كما يميل نسيم الريح بالغصن فأعرضت ثم قالت وهي باكية: ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن وأورد في باب القرى والأضياف والفخر والمديح قول أبي الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي (٢) : عجباً لمن طلب المحا ... مد وهو يمنع ما لديه ولباسطٍ آماله ... للمجد لم يبسط يديه لم لا أحب الضيف أو ... أرتاح من طرب إليه والضيف يأكل رزقه ... عندي ويحمدني عليه ومما ينسب إلى عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال حين كف بصره (٣) :

стр. 3095

إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وذهني غير ذي دخلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيف مطرور وذكر في باب الهجاء والعتاب وما يتعلق بهما لأبي العالية أحمد بن مالك الشامي (١) : أذم بغداد والمقام بها ... من بعد ما خبرةٍ وتجريب ما عند أملاكها لمرتقبٍ ... رفد ولا فرجةٌ لمكروب خلوا سبيل العلى لغيرهم ... ونازعوا في الفسوق والحوب يحتاج راجي النجاح عندهم ... إلى ثلاثٍ من بعد تقريب كنوز قارون أن تكون له ... وعمر نوح وصبر أيوب وأنشد أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأبي العطاف الكوفي صالح بن عبد الرحمن بن نشيط: يا ابن الوليد أبن لنا ... إن البيان له حدود مالي أراك مسيباً ... أين السلاسل والقيود أغلا الحديد بأرضكم ... أم ليس يضبطك الحديد قلت: إلى هنا نقلت من كتاب " الحماسة " المذكور، وفيه كفاية، إذ كان الغرض إيراد شيء من أخبار هذا الرجل ليستدل به على معرفته بالشعر. وكان مولده يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وتوفي يوم الأحد الرابع من ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وستمائة، بمدينة تونس، رحمه الله تعالى. والبياسي: بفتح الباء الموحدة والياء المشددة المثناة من تحتها، هذه النسبة

стр. 3096

إلى بياسة (١) ، وهي مدينة كبيرة بالأندلس معدودة في كورة جيان، هكذا قاله ياقوت الحموي في كتابه " المشترك وضعا " (٢) . ٨٥٢ - (٣) يونس بن حبيب أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي؛ قال أبو عبيد الله المرزباني في كتابه " المقتبس في أخبار النحويين " (٤) : هو مولى ضبة، وقيل هو مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل مولى بلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة، وهو من أهل جبل، ومولده سنة تسعين ومات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان يقول: أذكر موت الحجاج، وقيل مولده سنة ثمانين وأنه رأى الحجاج وعاش مائة سنة وسنتين، وقيل عاش ثمانيا وتسعين سنة. وقال غير المرزباني: أخذ يونس الأدب عن أبي عمرو بن العلاء وحماد بن سلمة، وكان النحو أغلب عليه، وسمع من العرب، وروى سيبويه عنه كثيراً، وسمع منه الكسائي والفراء، وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها، وكان من الطبقة الخامسة في الأدب، وكانت حلقته بالبصرة ينتابها الأدباء وفصحاء العرب وأهل البادية. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: اختلفت إلى يونس أربعين سنة

стр. 3097

أملأ كل يوم ألواحي من حفظه. وقال أبو زيد الأنصاري النحوي: جلست إلى يونس بن حبيب عشر سنين، وجلس إليه قبلي خلف الأحمر عشرين سنة. وقال يونس، قال لي رؤبة بن العجاج: حتام تسألني عن هذه البواطل. وأزخرفها لك أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك وليونس من الكتب التي صنفها كتاب " معاني القرآن الكريم " وكتاب " اللغات " وكتاب " الأمثال " وكتاب " النوادر " الصغير. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: عاش يونس مائة سنة وستين. وقيل عاش ثمانياً وتسعين سنة، وقيل ثمانياً وثمانين سنة، لم يتزوج ولم يتسر. ولم تكن له همة إلا طلب العلم ومحادثة الرجال. وقال يونس: لو تمنيت أن أقول الشعر لما تمنيت أن أقول إلا مثل قول عدي بن زيد العبادي (١) : أيها الشامت المعير بالدهر ... أأنت المبرأ الموفور قلت: وهذا البيت من جملة أبيات سائرة بين الأدباء فيها مواعظ وعبر، وبعد هذا البيت: أم لديك العهد القديم من الأيام بل أنت جاهلٌ مغرور ... من رأيت المنون أخلدن أم من ... ذا عليه أن يضام خفير أين كسرى كسرى الملوك أنو شر ... وان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور ... وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور ... شاده مرمراً وجلله كلساً فللطير في ذراه وكور ... لم يهبه صرف الزمان فباد الملك عنه فبابه مهجور ... وتفكر رب الخورنق إذا أشرف يوماً وللهدى تفكير ...

стр. 3098

سره (١) ملكه وكثرة ما يملك والبحر معرض والسدير ... فارعوى قلبه فقال: وما غبطة حي إلى الممات يصير ... ثم بعد الفلاح والملك والأمة وارتهم هناك القبور ... ثم صاروا كأنهم ورقٌ جف فألوت به الصبا والدبور ... قلت: وهذه الأبيات تحتاج إلى تفسير طويل (٢) . ولو شرعت فيه لطال الكلام وخرجنا عن المقصود، فإن أكثرها يتعلق بالتاريخ، وفيها شيء يتعلق بالأدب، فاقتصرت على الإتيان بالغرض (٣) وتركت الباقي خوفاً من الإطالة، فلعل الشرح يدخل في أربع خمس كراريس، وليس هذا موضعه. وروى محمد بن سلام الجمحي عن يونس أنه قال: ما بكت العرب على شيء في أشعارها كبكائها على الشباب، وما بلغت كنهه، فاتبع هذا الكلام منصور النمري (٤) فقال من جملة قصيدة طويلة يمدح بها هارون الرشيد بيتاً وهو (٥) : ما كنت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع وقال يونس: تقول العرب: فرقة الأحباب سقم الألباب، وأنشد: شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى يؤذنا بذهاب لم يبلغا المعشار من حقيهما ... شرخ الشباب وفرقة الأحباب وقال يونس: لم يقل لبيد في الإسلام سوى بيت واحد وهو:

стр. 3099

الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا (١) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قدم جعفر بن سليمان العباسي من عند المهدي الخليفة، فبعث إلى يونس بن حبيب فقال له: أنا وأمير المؤمنين اختلفنا في هذا البيت (٢) : والشيب ينهض في السواد كأنه ... ليلٌ يصيح بجانبيه نهار فما الليل والنهار فقال يونس: الليل الليل الذي تعرف، والنهار النهار الذي تعرف، فقال: زعم المهدي أن الليل فرخ الكروان والنهار فرخ الحبارى، فقال أبو عبيدة: القول في البيت ما قاله يونس، والذي قاله المهدي معروف في الغريب من اللغة. وقال يونس: كان جبلة بن عبد الرحمن (٣) يخرج إلى طباخه الرقاع يستدعي بها الطعام، وفيها الألفاظ الغريبة الحوشية، فلا يدري الطباخ ما فيها، حتى يمضي بها إلى ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر وغيرهما يفسرون له ما فيها من الألفاظ، فإذا عرف الطباخ ما فيها أتاه بما استدعاه. فقال له يوماً: ويحك، إني أصوم معك، فقال له الطباخ: سهل كلامك حتى يسهل طعامك، فيقول: يا بن اللخناء أفأدع عربيتي لعيك وكان يونس من أهل جبل، وهي بليدة على دجلة بين بغداد وواسط، وكان لايؤثر أن ينسب إليها، فلقيه رجل من بني أبي عمير فقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في جبل أتنصرف أم لا فشتمه يونس. فالتفت العميري فلم ير أحداً يشهده عليه. حتى إذا كان الغد مجلس للناس أتاه العميري فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في جبل. أتنصرف أم لا فقال له يونس: الجواب ما قلته لك أمس.

стр. 3100

وجبل: بفتح الجيم وضم الباء الموحدة المشددة، كذا قال الحافظ بن السمعاني في كتاب " الأنساب " (١) . وهذه جبل منها أبو الخطاب الجبلي الشاعر المشهور (٢) ، ومن شعره قوله: كم جبت نحوك مهمهاً لو لم يعن ... شوقي عليه لما قدرت أجوبه وركبت أخطاراً إليك مخوفة ... ولحبذا خطرٌ إليك ركوبه قال السمعاني: وتوفي أبو الخطاب المذكور في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وكان بينه وبين أبو العلاء المعري مشاعرة، وكتب إليه أبو العلاء قصيدته التي أولها: غير مجد في ملتي واعتقادي ... قلت: وهذا غلط منه، بل كتبها أبو العلاء المعري إلى أبي حمزة الحسن بن عبد الله الفقيه الحنفي قاضي منبج، كان، وقد ذكر ذلك الفقيه القاضي كمال الدين عرف بابن العديم الحلبي (٣) . وحبيب: اسم أمه ولهذا لا يصرفونه، فإنه لا يعرف له أب، ويقال إنه ولد ملاعنة، ويقال إنه اسم أبيه فينصرف، والله أعلم، وكذلك محمد بن حبيب النسابة أيضاً. ودخل يونس المسجد يوماً وهو يتهادى بين اثنين من الكبر، فقال له رجل كان يتهمه في مودته: بلغت ما أرى يا أبا عبد الرحمن، فقال:

стр. 3101

هو الذي ترى، لا بلغته، فأخذ هذا المعنى جماعة من الشعراء فنظموه. وقال أبو الخطاب زياد بن يحيى: مثل يونس كمثل كوز ضيق الرأس لا يدخله شيء إلا بعسر، فإذا دخله لم يخرج منه، يعني أنه لا ينسى شيئاً. وقد ذكرت تاريخ مولده وموته في أول الترجمة، وقيل إنه توفي سنة ثلاث وثمانين، وقيل خمس وثمانين، وقال عبد الباقي بن قانع، سنة أربع وثمانين ومائة، والله أعلم. وقيل إنه عاش ثمانياً وتسعين سنة، رحمه الله تعالى. ٨٥٣ - (١) يونس بن عبد الأعلى الصدفي أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حيان، الصدفي المصري الفقيه الشافعي؛ أحد أصحاب الشافعي ﵁، والمكثرين في الرواية عنه والملازمة له، وكان كثير الورع متين الدين، وكان علامة في علم الأخبار والصحيح والسقيم، لم يشاركه في زمانه في هذا أحد - وقد سبق في هذا الكتاب ذكر حفيده أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس (٢) ، وهو المنجم المشهور، صاحب الزيج، وكل واحد منهما إمام في فنه -.

стр. 3102

وأخذ يونس القراءة عرضا عن ورش وسقلاب بن شيبة (١) ومعلى بن دحية (٢) ، عن نافع وعن علي بن أبي كيسة (٣) عن سليم (٤) عن حمزة بن حبيب الزيات. وسمع سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب المصري. وروى القراءة عنه مواس بن سهل ومحمد بن الربيع وأسامة بن أحمد ومحمد بن إسحاق بن خزيمة (٥) ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم. وكان محدثاً جليلاً. وذكره أبو عبد الله القضاعي في كتاب " خطط مصر "، فقال: كان من أفضل أهل زمانه وكان من العقلاء، يروى عن الشافعي ﵁ أنه قال: ما رأيت بمصر أعقل من يونس بن عبد الأعلى. وصحب الشافعي وأخذ عنه الحديث والفقه، وحدث بهما عنه جماعة، وله حبس في ديوان الحكم وعقب، وله دار مشهورة في خطة الصدف مكتوب عليها اسمه، وتاريخها سنة خمس عشرة ومائتين، وكان أحد الشهود بمصر، أقام شاهداً ستين سنة. وذكر غير القضاعي أن يونس بن عبد الأعلى روى عنه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو عبد الله بن ماجه وغيرهم. وقال أبو الحسن ابن زولاق في كتاب " أخبار قضاة مصر ": إن القاضي بكار بن قتيبة لما تولى قضاء مصر وتوجه إليها من بغداد لقي في طريقه محمد بن الليث، قاضي مصر كان قبله، بالحفار خارجاً من مصر إلى العراق مصروفاً، فقال له بكار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفت البلد فدلني على من أشاوره وأسكن إليه، فقال له: عليك برجلين: أحدهما عاقل وهو

стр. 3103

يونس بن عبد الأعلى، فإني سعيت في دمه فقدر علي فحقن دمي، والآخر أبو هارون موسى بن عبد الرحمن بن القاسم فإنه رجل زاهد. فقال له بكار: صف لي الرجلين فقال له: أما يونس فرجل طوال أبيض، ووصفه ووصف موسى. فلما دخل بكار مصر ودخل الناس إليه دخل شيخ فيه صفة يونس، فرفعه بكار وأقبل يحدثه، ويقول: يا أبا موسى في كل حديثه، فبينا بكار كذلك إذ قيل له: قد جاء يونس، فأقبل على الرجل وقال له: يا هذا من أنت وما سكوتك كذا لو أفشيت إليك سراً لي! ثم دخل يونس فأكرمه ورفعه، وأتاه موسى بن عبد الرحمن فاختص بهما وأخذ رأيهما. وقيل أن موسى المذكور اختص به القاضي بكار، وكان يتبرك به لزهده، فقال له يوماً: يا أبا هارون من أين المعيشة قال: من وقف وقفة أبي، فقال له بكار: أيكفيك قال: قد تكفيت به، وقد سألني القاضي فأريد أن أسأله، قال: سل، قال: هل ركب القاضي دينٌ بالبصرة حتى تولى بسببه القضاء قال: لا، قال: فهل رزق ولداً أحوجه إلى ذلك، قال: لا، ما نكحت قط، قال: فهل لك عيال كثيرة قال: لا، قال: فهل أجبرك السلطان وعرض عليك العذاب وخوفك قال: لا، قال: فضربت آباط الإبل من البصرة إلى مصر لغير حاجة ولا ضرورة، لله علي لا دخلت عليك أبداً. فقال: يا أبا هارون أقلني، قال: أنت بدأت بالمسألة، ولو سكت لسكت. ثم انصرف عنه ولم يعد إليه بعدها. وقال يونس: رأيت في المنام قائلاً يقول لي: إن اسم الله الأكبر " لا إله إلا الله ". ونقلت من كتاب " المنتظم في أخبار من سكن المقطم " قال في ترجمة يونس المذكور: ومن حكاياته التي حكاها عن غيره، أن رجلاً جاء إلى نحاس، فقال له: أسلفني ألف دينار إلى أجل، فقال له النحاس: من يضمن المبلغ قال: الله تعالى، فأعطاه ألف دينار، فسافر بها الرجل

стр. 3104

يتجر (١) ، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه، فحبسه عدم الريح، فعمل تابوتاً وجعل فيه ألف دينار، وأغلقه وسمره وألقاه في البحر، فقال: اللهم هذا الذي ضمنته لي، فخرج صاحب المال ينتظر قدوم الذي معه المال، فرأى سواداً في البحر فقال: ايتوني بهذا، فأتي بالتابوت ففتحه، فإذا فيه ألف (٢) دينار. ثم إن الرجل جمع ألفاً بعد ذلك، وطابت الريح، فجاء إلى النحاس وسلم عليه، فقال له النحاس: من أنت فقال: أنا صاحب الألف، هذه ألفك، فقال النحاس: لا أقبلها منك حتى تخبرني ما صنعت بها، فأخبره بالذي صنع، وأن الريح لم تطب، فقال له النحاس: قد أدى الله عنك الألف ووصلت. وله أخبار كثيرة، وروايات مأثورة. وكان يونس يروي للشافعي ﵁: ما حك جلدك مثل ظفرك ... فتول أنت جميع أمرك وإذا قصدت لحاجةٍ ... فاقصد لمعترفٍ بقدرك وقال يونس: قال لي الشافعي ﵁: يا يونس، دخلت بغداد قلت: لا، قال: ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس. وقال يونس: سمعت من الشافعي كلمة لا تسمع إلا من مثله، وهي " رضى الناس غاية لا تدرك، فانظر ما فيه صلاح نفسك في أمر دينك ودنياك فالزمه ". وقال علي بن قديد: كان يونس بن عبد الأعلى يحفظ الحديث ويقوم به. وذكره أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسوي فقال: هو ثقة؛ وقال غيره: ولد يونس في ذي الحجة سنة سبعين ومائة، وتوفي يوم الثلاثاء ليومين

стр. 3105

بقيا من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، وهي السنة التي مات فيها المزني رحمه الله تعالى، وكانت وفاته بمصر، ودفن بمقابر الصدف، وقبره مشهور بالقرافة. (٣٩٦) وأما أبوه عبد الأعلى فإنه يكنى أبا سلمة، وكان رجلاً صالحاً، ومن كلامه: من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه، وقال ولده يونس: والأمر عندي كما قال. وتوفي عبد الأعلى المذكور في المحرم سنة إحدى ومائتين، ومولده سنة إحدى وعشرين ومائة. (٣٩٧) وأما ابنه أبو الحسن أحمد بن يونس، والد أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد صاحب " تاريخ مصر "، فإن ابنه أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد ذكر في تاريخه أنه ولد في ذي القعدة سنة أربعين ومائتين، وتوفي يوم الجمعة أول يوم من رجب سنة اثنتين وثلثمائة، وقال: هو عديد للصدف، وليس من أنفس الصدف، ولا من مواليهم. والصدفي: بفتح الصاد والدال المهملتين وبعدهما فاء. هذه النسبة إلى الصدف، بكسر الدال، وذكر السهيلي أنه بكسر الدال وفتحها، وإنما فتحوا الدال قي النسب مع كسرها في غير النسب كي لا يوالوا بين كسرتين قبل ياءين كما قالوا في النسبة إلى النمر نمري وغير ذلك. واختلفوا في اسم الصدف فقيل: هو مالك بن سهيل بن عمرو بن قيس، هكذا قاله القضاعي في كتاب - الخطط - وزاد السمعاني في كتاب " الأنساب " (١) على هذا النسب، فقال: الصدف بن سهيل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع بن حمير بن سبأ، وقال الدارقطني: واسم الصدف شهال (٢) بن دعمي بن زياد بن حضرموت، وقال الحازمي في كتاب " العجالة في النسب " (٣) : هو

стр. 3106

عمرو بن مالك والله أعلم. وقال القضاعي: دعوتهم مع كندة، وإنما سمي الصدف لأنه صدف بوجهه عن قومه حين أتاهم سيل العرم، فأجمعوا على ردمه، فصدف عنهم بوجهه تلقاء حضرموت فسمي الصدف. وقيل إنما سمي الصدف لأنه كان رجلاً شجاعاً لا يذعن لأحد من العرب، فبعث إليه بعض ملوك غسان رسولاً ليقدم به عليه. فعدا على الرسول فقتله وخرج هارباً، فبعث الملك إليه رجلاً في خيل عظيمة، فكان كلما جاء حياً من أحياء العرب سأل عن الصدف، فيقولون: صدف عنا، وما رأينا له وجهاً، فسمي الصدف من يومئذ، ثم لحق بكندة فنزل فيهم. قال أرباب علم النسب: أكثر الصدف بمصر وبلاد المغرب، والله أعلم. قلت: قد خرجنا عن المقصود لكنه ما يخلو عن فائدة. ٨٥٤ - (١) رضي الدين الإربلي أبو الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن قيس، الملقب رضي الدين الإربلي، والد الشيخين عماد الدين أبي حامد محمد، وكمال الدين أبي الفتح موسى - وقد تقدم ذكرهما (٢) - قلت: هكذا وجدت نسبه بخط بعض أصحابنا المتأدبين، ولم أعلم من أين له هذه الزيادة، والذي أعرفه من نسبه هو الذي ذكرته في ترجمة ولديه، والله أعلم. كان الشيخ يونس المذكور من أهل إربل ومولده بها، وقدم الموصل

стр. 3107

فتفقه بها على تاج الإسلام أبي عبد الله الحسين بن نصر المعروف بابن خميس الكعبي الجهني - المقدم ذكره (١) - وسمع عليه كثيراً من كتبه ومسموعاته، ثم انحدر إلى بغداد وتفقه بها على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن عمر المعروف بابن الرزاز مدرس النظامية، ثم أصعد إلى الموصل وتديرها وصادف بها قبولاً تاماً عند المتولي بها الأمير زين الدين أبي الحسن علي بن بكتكين والد الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل - المقدم ذكره في حرف الكاف (٢) - وفوض له تدريس مسجده المعروف به وجعل نظره إليه، فكان يدرس ويفتي ويناظر، وتقصده الطلبة للاشتغال عليه والمباحثة مع ولديه المذكورين، ولم يزل على قدم الفتوى والتدريس والمناظرة إلى أن توفي بالموصل يوم الإثنين سادس المحرم سنة ست وسبعين وخمسمائة. وسمعت بعض خواصهم يقول: توفي سنة خمس وسبعين. وأما ولده الشيخ كمال الدين فكان يقول: بل توفي سنة ست وسبعين، وهو أعلم بذلك. ودفن بتربته المجاورة لمسجد زين الدين المذكور، رحمه الله تعالى، وكان عمره ثمانيا وستين سنة. وقد تقدم ذكر حفيده أيضاً شرف الدين أحمد بن الشيخ كمال الدين موسى بن يونس المذكور (٣) ، رحمهم الله تعالى. وعلى الجملة فإنه خرج من بيتهم جماعة من الفضلاء، وانتفع بهم أهل تلك البلاد وغيرهم، وكانوا مقصودين من بلاد العراق والعجم وغيرها. رحمهم الله تعالى أجمعين (٤) . وله شعر، فمن ذلك قوله: لها زورةٌ في كل عامٍ وتارةً ... تمر شهور الحول لا نتجمع وصالٌ وصدٌ لا لشيءٍ سوى أنها ... على خلق الدنيا تجود وتمنع وله غير ذلك، والله أعلم.

стр. 3108

٨٥٥ - (١) يونس المخارقي يونس بن يوسف بن مساعد الشيباني ثم المخارقي، شيخ الفقراء اليونسية، وهم منسوبون إليه ومعروفون به، كان رجلاً صالحاً وسألت جماعة من أصحابه عن شيخه من كان فقالوا: لم يكن له شيخ، بل كان مجذوباً، وهم يسمون من لا شيخ له بالمجذوب، يريدون بذلك أنه جذب إلى طريق الخير والصلاح، ويذكرون له كرامات. أخبرني الشيخ محمد بن أحمد بن عبيد، كان قد رآه وهو صغير، وذكر أن أباه أحمد كان صاحبه، فقال: كنا مسافرين والشيخ يونس معنا، فنزلنا في الطريق على عين بوار، وهي التي يجلب منها الملح البواري، وهي بين سنجار وعانة، قال: وكانت الطريق مخوفة، فلم يقدر أحد منا أن ينام من شدة الخوف ونام الشيخ يونس، فلما انتبه قلت له: كيف قدرت تنام فقال لي: والله مانمت حتى جاء إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وتدرك القفل. فلما أصبحنا رحلنا سالمين ببركة الشيخ يونس. قال: وعزمت مرة على دخول نصيبين، وكنت عند الشيخ يونس في قريته، فقال: إذا دخلت البلد فاشتر لأم مساعد كفناً، قال: وكانت في عافية، وهي أم ولده، فقلت له: وما بها حتى نشتري لها كفناً فقال: ما يضر، فذكر أنه لما عاد وجدها قد ماتت. وذكر له غير هذا من الأحوال والكرامات.

стр. 3109

وأنشد له مواليا، وهو: أنا حميت الحمى وانا سكنتو فيه ... وأنا رميت الخلايق في بحار التيه من كان يبغي العطا مني أنا أعطيه ... أنا فتى ما أداني من به تشبيه وذكر لي الشيخ محمد المذكور أن الشيخ يونس توفي سنة تسع عشرة وستمائة في قريته، وهي القنية من أعمال دارا، وهي بضم القاف وفتح النون وتشديد الياء المثناة من تحتها، تصغير قناة، وقبره مشهور بها يزار، وكان قد ناهز تسعين سنة من عمره، رحمه الله تعالى.

стр. 3110

قال المصنف ما مثاله: نجز الكتاب الذي سميته " وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان " بحمد الله ومنه، وذلك في يوم الإثنين العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وستمائة بالقاهرة المحروسة. يقول الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان مؤلف هذا الكتاب: إنني كنت قد شرعت في هذا الكتاب في التاريخ المذكور في أوله على الصورة التي شرحتها هناك، مع استغراق الأوقات في فصل القضايا الشرعية والأحكام الدينية بالقاهرة المحروسة، فلما انتهيت فيه إلى آخر ترجمة يحيى بن خالد بن برمك حصلت لي حركة إلى الشام المحروس في خدمة الركاب العالي المولوي السلطاني المجاهدي المرابطي المفاخري المؤيدي المنصوري الغيائي المنعمي المحسني الملكي الظاهري، ركن الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، أبي الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين، خلد الله سلطانه، وشيد بدوام دولته قواعد الملك وثبت أركانه، وكان الخروج من القاهرة المحروسة يوم الأحد سابع شوال سنة تسع وخمسين وستمائة، ودخلنا دمشق يوم الإثنين سابع ذي القعدة من السنة المذكورة، وقلدني الأحكام بالبلاد الشامية يوم الخميس ثامن ذي الحجة من السنة المذكورة، فتراكمت الأشغال، وكثرت الموانع الصارفة عن إتمام هذا الكتاب، فاقتصرت على ما كنت قد أثبته من ذلك، وختمت الكتاب، واعتذرت في آخره بهذه الشواغل عن إكماله وقلت: إن قدر الله تعالى مهلة في الأجل وتسهيلاً في العمل، أستأنف كتاباً يكون جامعاً لجميع ما تدعو الحاجة إليه في هذا الباب.

стр. 3111

ثم حصل الانفصال عن الشام والرجوع إلى الديار (١) المصرية، وكان مدة المقام بدمشق المحروسة مدة عشر سنين كوامل لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً، فإني دخلتها في التاريخ المذكور، وخرجت منها بكرة نهار الخميس ثامن ذي القعدة من سنة تسع وستين وستمائة. فلما وصلت إلى القاهرة صادفت بها كتباً كنت أوثر الوقوف عليها، وما كنت أتفرغ لها، فلما صرت أفرغ من حجام ساباط بعد أن كنت أشغل من ذات النحيين، كما يقال في هذين المثلين، طالعت تلك الكتب، وأخذت منها حاجتي ثم تصديت لإتمام هذا الكتاب حتى كمل على هذه الصورة، وأنا على عزم الشروع في الكتاب الذي وعدت به إن قدر الله تعالى ذلك، والله يعين عليه ويسهل الطرق المؤدية إليه، فمن وقف على هذا الكتاب من أهل العلم، ورأى فيه شيئاً من الخلل، فلا يعجل بالمؤاخذة فيه، فإني توخيت فيه الصحة حسبما ظهر لي، مع أنه كما يقال: أبى الله أن يصح إلا كتابه، لكن هذا جهد المقل، وبذل الاستطاعة، وما يكلف الإنسان إلا ما تصل قدرته إليه، وفوق كل ذي علم عليم، وقد تقدم في أول هذا الكتاب الاعتذار عن الدخول في هذا الأمر والحامل عليه، فأغنى عن إعادته ها هنا، والله يستر عيوبنا بستر كرمه الضافي، ولا يكدر علينا ما منحنا من مشرع إغضائه النمير الصافي، إن شاء الله تعالى.

стр. 3112

نماذج من صور المخطوطات

стр. 3113

صورة

стр. 3114

صورة

стр. 3115

صورة

стр. 3116

صورة

стр. 3117

صورة

стр. 3118

صورة

стр. 3119

صورة

стр. 3120

صورة
следующие страницы →