في دخوله إليه وأكرمه واحترمه، وكان من أكبر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده اطلاع على شيء من التواريخ والاحاديث، وكان حسن التأتي لما حضر بين يدي السلطان وأكل معه الطعام، ثم خلا به وذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق فإنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الفرنج، وإقطاعاً يقوم به وبأهله، وشروطاً غير ذلك، فأجابه إلى ذلك.
وفي أثناء شهر ربيع الاول وصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان السلطان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفذ زاد من كان فيه، فسلموه بالأمان.
ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب الشقيف كان خديعة، فرسم عليه.
ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا، ونزلوا عليها يوم الإثنين ثالث عشر رجب سنة خمس وثمانين. وفي ذلك اليوم سير صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة.
وأتى عكا، ودخلها بغتة لتقوى قلوب من بها، وسير استدعى العساكر من كل ناحية فجاءته، وكان العدو بمقدار ألفي فارس وثلاثين ألف راجل، ثم تكاثر الفرنج واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، وذلك يوم الخميس سلخ رجب، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهد في فتح الطريق إليها لتستمر السابلة بالميرة والنجدة، وشاور الامراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك، وانفتح الطريق وسلكه المسلمون، ودخل السلطان عكا فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، وتأخر الناس إلى تل العياضية، وهو مشرف على عكا. وهي هذه المنزلة توفي الأمير حسام الدين طمان - المقدم ذكره في هذه الترجمة - وذلك في ليلة نصف شعبان من سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وكان من الشجعان.
стр. 3047
ثم إن شيخنا ابن شداد ذكر بعد هذا وقعات ليس لنا غرض في ذكرها، وتطول هذه الترجمة باستيفاء الكلام فيها، إذ ليس الغرض سوى المقاصد لا غير، وإنما ذكرت فتوحات هذه الحصون لأن الحاجة قد تدعو إلى الوقوف على تواريخها، مع أني لم أذكر إلا ما يكثر التطلع إلى الوقوف عليه وأضربت إن الباقي.
قال ابن شداد (١) : سمعت السلطان ينشد وقد قيل له: أن الوخم قد عظم بمرج عكا وإن الموت قد فشا في الطائفتين:
اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي يريد بذلك أن قد رضي أن يتلف إذا أتلف الله أعداءه.
قلت: وهذا البيت له سبب يحتاج إلى شرح، وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي، كان من الشجعان والأبطال المشهورين، وهو من خواص أصحاب علي بن أبي طالب ﵁، تماسك في يوم وقعة الجمل المشهورة وهو وعبد الله بن الزبير بن العوام، وكان أيضاً من الأبطال، وابن الزبير يومئذ مع خالته عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير ﵃ أجمعين، وكانوا يحاربون علياً ﵁، فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته وركب صدره، وفعلا ذلك مراراً، وابن الزبير ينشد:
اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي يريد الأشتر النخعي، هذه خلاصة القول في ذلك وإن كانت القصة طويلة، وهي في التواريخ مبسوطة.
وقال عبد الله بن الزبير: لاقيت الأشتر النخعي يوم الجمل. فما ضربته ضربة حتى ضربني ستاً أو سبعاً، ثم أخذ برجلي فألقاني في الخندق وقال:
стр. 3048
والله لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبداً.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة ﵂ الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم.
وقيل أيضاً إن الأشتر دخل على عائشة ﵂ بعد وقعة الجمل، فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة، فأنشدها:
أعائش، لولا أنني كنت طاويا ... ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه ... بآخر صوتٍ اقتلوني ومالكا
فنجاه مني أكله وشبابه ... وخلوة جوف لم يكن متماسكا وقال زجر بن قيس: دخلت مع عبد الله بن الزبير الحمام، فإذا في رأسه ضربة لو صب فيها قارورة دهن لاستقر، فقال لي: أتدري من ضربني هذه الضربة قلت: لا، قال: ابن عمك الأشتر النخعي.
رجعنا إلى ما كنا عليه:
قال ابن شداد (١) : ثم إن الفرنج جاءهم الأمداد من داخل البحر واستظهروا على الحماعة الإسلامية بعكا، وكان فيهم الأمير سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب الهكاري، والأمير بهاء الدين قراقوش الخادم الصلاحي، وضايقوهم أشد مضايقة إلى أن غلبوا عن حفظ البلد. فلما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة خرج من عكا رجل عوام، ومعه كتب من المسلمين يذكرون حالهم وما هم فيه، وأنهم قد تيقنوا الهلاك، ومتى أخذوا البلد عنوةً ضربت رقابهم، وأنهم صالحوا على أن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدة والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار، وخمسمائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين من جهتهم
стр. 3049
وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم، وضمنوا للمركيس - لأنه كان الواسطة في هذا الأمر - أربعة آلاف دينار، ولما وقف السلطان على الكتب المشار إليها انكر ذلك إنكاراً عظيماً وعظم عليه الأمر، وجمع أهل الرأي من أكابر دولته وشاورهم فيما يصنع، واضطربت آراؤه وتقسم فكره وتشوش حاله، وعزم على أن يكتب في تلك الليلة مع العوام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه، وهو يتردد في هذا، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت اعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد، وذلك في ظهيرة يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من السنة، وصاح الفرنج صيحة عظيمة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حزنهم، ووقع فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب.
ثم ذكر ابن شداد (١) بعد هذا أن الفرنج خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها، وساروا على الساحل، والسلطان وعساكره في قبالتهم، إلى أن وصلوا إلى أرسوف، فكان بينهما قتال عظيم، ونال المسلمين منه وهن شديد، ثم ساروا على تلك الهيئة تتمة عشر منازل من مسيرهم من عكا، فأتى السلطان الرملة، وأتاه من اخبره بأن القوم على عزم عمارة يافا وتقويتها بالرجال والعدد والآلات، فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وهل الصواب خرابها ام بقاؤها فاتفقت آراؤهم أن يبقى الملك العادل في قبالة العدو، ويتوجه هو بنفسه ويخربها خوفاً من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة، ويأخذ بها القدس وتنقطع بها طريق مصر. وامتنع العسكر من الدخول وخافوا مما جرى على المسلمين بعكا، ورأوا أن حفظ القدس أولى، فتعين خرابها من عدة جهات، وكان هذا الاجتماع يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فسار إليها سحرة الأربعاء ثامن عشر الشهر. قال ابن شداد (٢) : وتحدث معي في معنى خرابها بعد أن تحدث
стр. 3050
مع ولده الملك الأفضل في أمرها أيضاً ثم قال: لأن أفقد ولدي جميعهم أحب إلي من أن أهدم منها حجراً، ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك وكان فيه مصلحة للمسلمين فما الحيلة في ذلك قال: ولما اتفق الرأي على إخرابها أوقع الله تعالى في نفسه ذلك، وان المصلحة فيه، لعجز المسلمين عن حفظها. وشرع في إخرابها سحرة يوم الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة، وقسم السور على الناس، وجعل لكل أمير وطائفة من العسكر بدنةً معلومة وبرجاً معيناً يخربونه، ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضجيج والبكاء، وكان بلداً خفيفاً على القلب محكم الأسوار عظيم البناء، مرغوباً في سكنه، فلحق الناس على خرابه حزن عظيم، وعظم عويل أهل البلد عليه لفراق أوطانهم، وشرعوا في بيع ما لا يقدرون على حمله، فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم واحد، واختبط البلد، وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم وتشتتوا، فذهب قوم منهم إلى مصر وقوم إلى الشام، وجرت عليهم أمور عظيمة، واجتهد السلطان وأولاده في خراب البلد كي لا يسمع العدو فيسرع إليه ولا يمكن من إخرابه، وبات الناس على أصعب حال وأشد تعب مما قاسوه في خرابها. وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل من أخبر أن الفرنج تحدثوا معه في الصلح وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم من نفس الناس من الضجر من القتال وكثرة ما عليهم من الديون، وكتب إليه يأذن له في ذلك، وفوض الأمر إلى رأيه، وأصبح يوم الجمعة العشرين من شعبان وهو مصرٌّ على الخراب، واستعمل الناس عليه وحثهم على العجلة فيه، وأباحهم ما في الهري الذي كان مدخراً للميرة (١) خوفاً من هجوم الفرنج والعجز عن نقله. وأمر بإحراق البلد فأضرمت النيران في بيوته. وكان سورها عظيماً، ولم يزل الخراب يعمل في البلد إلى سلخ شعبان من السنة، وأصبح يوم الإثنين مستهل شهر رمضان أمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه، ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه لأجل الإحراق.
стр. 3051
وفي يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان أتى الرملة ثم خرج إلى لد، وأشرف عليها وأمر بإخرابها وإخراب قلعة الرملة، ففعل ذلك، وفي يوم السبت ثالث عشر شهر رمضان تأخر السلطان بالعسكر إلى جهة الجبل ليتمكن الناس من تسيير دوابهم لإحضار ما يحتاجون إليه (١) ، ودار السلطان حول النطرون، وهي قلعة منيعة، فأمر بإخرابها، وشرع الناس في ذلك.
ثم ذكر ابن شداد (٢) بعد هذا أن الانكتار، وهو من أكابر ملوك الفرنج، سير رسوله إلى الملك العادل يطلب الاجتماع به، فأجابه إلى ذلك واجتمعا يوم الجمعة ثامن عشر شوال من السنة وتحادثا معظم ذلك النهار، وانفصلا عن مودة اكيدة، والتمس الانكتار من العادل أن يسأل السلطان أن يجتمع به، فذكر العادل ذلك للسلطان، فاستشار أكابر دولته في ذلك، ووقع الاتفاق على انه جرى الصلح بيننا يكون الاجتماع بعد ذلك، ثم وصل رسول الانكتار، وقال: إن الملك يقول: إني أحب صداقتك ومودتك، وأنت تذكر أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك، فأريد أن تكون حكماً بيني وبينه وتقسم البلاد بيني وبينه ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس، وأطال الحديث في ذلك، فأجابه السلطان بوعد جميل، وأذن له في العود في الحال وتأثر لذلك تأثراً عظيماً.
قال ابن شداد: وبعد انفصال الرسول قال لي السلطان: متى صالحناهم لم تؤمن غائلتهم، ولو حدث بي حادث الموت ما كانت تجتمع هذه العساكر، وتقوى الفرنج، والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت، هذا كان رأيه وإنما غلب على الصلح.
قال ابن شداد: ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح، وأطال القول في ذلك فتركته إذ لا حاجة إليه، وجرت بعد ذلك وقعات أضربت عن ذكرها لطول الكلام فيها، وحاصل الأمر أنه تم الصلح بينهم، وكانت الأيمان يوم
стр. 3052
الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ونادى المنادي بانتظام الصلح، وان البلاد الإسلامية والنصرانية واحدة في الأمن والمسالمة، فمن شاء من كل طائفة يتردد إلى بلاد الطائفة الأخرى من غير خوف ولا محذور، وكان يوماً مشهوداً نال الطائفتين فيه من المسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وقد علم الله تعالى أن الصلح لم يكن عن مرضاته وإيثاره، ولكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر ومظاهرتهم بالمخالفة، وكان مصلحةً في علم الله تعالى، فإنه اتفقت وفاته بعد الصلح، فلو اتفق ذلك في أثناء وقعاته كان الإسلام على خطر.
ثم أعطى للعساكر الواردة عليه من البلاد البعيدة برسم النجدة دستوراً فساروا عليه، وعزم على الحج لما فرغ باله من هذه الجهة. وتردد المسلمون إلى بلادهم، وجاءوا هم إلى بلاد المسلمين، وحملت البضائع والمتاجر إلى البلاد، وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس.
وتوجه السلطان إلى القدس ليتفقد احوالها، واخوه الملك العادل إلى الكرك، وابنه الملك الظاهر إلى حلب، وابنه الأفضل إلى دمشق. وأقام السلطان بالقدس يقطع الناس ويعطيهم دستوراً، ويتأهب للمسير إلى الديار المصرية، وانقطع شوقه عن الحج، ولم يزل كذلك إلى أن صح عنده مسير مركب الانكتار متوجها إلى بلاده في مستهل شوال، فعند ذلك قوي عزمه أن يدخل الساحل جريدة يتفقد القلاع البحرية إلى بانياس، ويدخل دمشق ويقيم بها أياماً قلائل، ويعود إلى القدس ومنه إلى الديار المصرية.
قال شيخنا ابن شداد (١) : وأمرني بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه به، وتكميل المدرسة التي أنشأها فيه. وسار منه ضاحي نهار الخميس السادس من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. ولما فرغ من افتقاد (٢) أحوال القلاع وإزاحة خللها دخل دمشق بكرة
стр. 3053
الأربعاء سادس عشر شوال، وفيها أولاده: الملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك الظافر مظفر الدين الخضر المعروف بالمشمر، وأولاده الصغار. وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد. وجلس للناس في بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه، وحضروا عندهم وبلوا شوقهم منه، وأنشده الشعراء، ولم يتخلف أحد عنه من الخاص والعام، وأقام ينشر جناح عدله ويهطل سحاب إنعامه وفضله، ويكشف مظالم الرعايا. فلما كان يوم الاثنين مستهل ذي القعدة عمل الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر، لانه لما وصل إلى دمشق وبلغه حركة السلطان أقام بها ليتملى بالنظر إليه ثانياً، وكأن نفسه كانت قد أحست بدنو أجله، فودعه في تلك الدفعة مراراً متعددة. ولما عمل الملك الأفضل الدعوة أظهر فيها من الهمم العالية ما يليق بهمته، وكأنه أراد بذلك مجازاته عما خدمه به حين وصل إلى بلده، وحضر الدعوة المذكورة أرباب الدنيا والآخرة، وسأل السلطان الحضور فحضر جبراً لقلبه، وكان يوماً مشهوداً على ما بلغني.
ولما تصفح الملك العادل أحوال الكرك وأصلح ما قصد إصلاحه فيه، سار قاصداً إلى البلاد الفراتية، فوصل إلى دمشق في يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة وخرج السلطان إلى لقائه، وأقام يتصيد حوالي غباغب إلى الكسوة حتى لقيه، وسارا جميعاً يتصيدان. وكان دخولهما إلى دمشق آخر نهار يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة (١) سنة ثمان وثمانين، وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده، ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الصبا، وكأنه وجد راحة مما كان به من ملازمة التعب والنصب وسهر الليل، وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه، ونسي عزمه إلى مصر، وعرضت له أمور أخرى وعزمات غير ما تقدم.
قال ابن شداد (٢) : ووصلني كتابه إلى القدس يستدعيني لخدمته، وكان شتاء شديداً ووحلاً عظيماً، فخرجت من القدس في يوم الجمعة الثالث والعشرين
стр. 3054
من المحرم سنة تسع وثمانين، وكان الوصول إلى دمشق في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من السنة. وركب السلطان لملتقى الحاج يوم الجمعة خامس عشر صفر، وكان ذلك آخر ركوبه.
ولما (١) كان ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً، وما تنصف الليل حتى غشيته حمى صفراوية، وكانت في باطنه أكثر منها في ظاهره، وأصبح يوم السبت متكسلاً عليه أثر الحمى، ولم يظهر ذلك للناس، لكن حضرت عنده أنا والقاضي الفاضل، ودخل ولده الملك الأقضل وطال جلوسنا عنده، وأخذ يشكو قلقه في الليل، وطاب له الحديث إلى قريب الظهر، ثم انصرفنا وقلوبنا عنده، فتقدم إلينا بالحضور على الطعام في خدمة ولده الملك الأفضل ولم تكن للقاضي الفاضل في ذلك عادة فانصرف، ودخلت إلى الإيوان القبلي وقد مد السماط، وابنه الملك الأفضل قد جلس في موضعه، فانصرفت. وما كانت لي قوة في الجلوس استيحاشاً له، وبكى في ذلك اليوم جماعة تفاؤلاً لجلوس ولده في موضعه. ثم أخذ المرض يتزيد من حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار، وندخل إليه أنا والقاضي الفاضل في النهار مراراً، وكان مرضه في رأسه، وكان من أمارات انتهاء العمر غيبة طبيبه الذي كان قد عرف مزاجه سفراً وحضرا، ورأى الأطباء فصده ففصدوه في الرابع فاشتد مرضه وقلت رطوبات بدنه، وكان يغلب عليه اليبس، ولم يزل المرض يتزايد حتى انتهى إلى غاية الضعف. واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن، ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه. ولما كان التاسع حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب واشتد الخوف في البلد، وخاف الناس ونقلوا أقمشتهم من الأسواق، وعلا الناس من الكآبة والحزن ما لا تمكن حكايته. ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين، وحصل من الحقن بعض الراحة وفرح الناس بذلك، ثم اشتد مرضه وأيس منه الأطباء، ثم شرع الملك الأفضل في تحليف الناس.
ثم إنه توفي بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر
стр. 3055
سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وكان يوم موته يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدون ﵃، وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من الناس أنهم يتمنون فداء من يعز عليهم بنفوسهم، وكنت أتوهم أن هذا الحديث على ضرب من التجوز والترخص، إلى ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالأنفس.
ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء، وغسله الدولعي.
(٣٩١) قلت: الدولعي المذكور (١) ، هو ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين بن زيد بن قائد بن جميل التغلبي الأرقمي الدولعي الشافعي، خطيب جامع دمشق. توفي في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وسئل عن مولده فقال: في سنة سبع وخمسمائة، ثم ذكر غير هذا، والله أعلم؛ ودفن بمقابر الشهداء بباب الصغير.
قال: وأخرج بعد صلاة الظهر، ﵀، في تابوت مسجى بثوب فوط، فارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم الضجيج وأخذ الناس في البكاء والعويل، وصلوا عليه أرسالاً، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان، وهي التي كان متمرضاً بها، ودفن في الضفة الغربيةمنها، وكان نزوله في حفرته قريباً من صلاة العصر.
ثم أطال ابن شداد القول في ذلك فحذفته خوفاً من الملالة، وأنشد في آخر " السيرة " (٢) بيت أبي تمام الطائي، وهو:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
стр. 3056
رحمه الله تعالى وقدس روحه، فلقد كان من محاسن الدنيا وغرائبها.
وذكر سبط ابن الجوزي في تاريخه في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ما مثاله (١) : وفي خامس المحرم خرج صلاح الدين من مصر، فنزل البركة قاصداً الشام، وخرج أعيان الدولة لوداعه، وانشده الشعراء أبياتاً في الوداع، فسمع قائلاً يقول في ظاهر الخيمة:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار فطلب القائل فلم يوجد، فوجم السلطان وتطير الحاضرون، فكان كما قال، فإنه اشتغل ببلاد الشرق والفرنج، ولم يعد بعدها إلى مصر.
قلت: وهذا البيت من جملة أبيات في " الحماسة " في باب النسيب (٢) .
وذكر شيخنا عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير هذه القضية على صورة أخرى، فقال (٣) : ومن عجيب ما يحكى من التطير أنه لما برز عن القاهرة أقام بخيمته حتى تجتمع العساكر، وعنده أعيان دولته والعلماء وأرباب الآداب، فمن بين مودع له وسائر معه، وكل واحد منهم يقول شيئاً في الوداع والفراق، وفي الحاضرين معلم لبعض أولاده، فأخرج رأسه من بين الحاضرين، وأنشد هذا البيت، فانقبض صلاح الدين وتطير بعد انبساطه وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم يعد إليها إلى أن مات مع طول المدة.
وذكر ابن شداد أيضاً في أوائل " السيرة " أنه مات ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية، وجرماً واحداً ذهباً صورياً، ولم يخلف ملكا: لا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولامزرعة.
وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (الأحزاب:
стр. 3057
٢١ - (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) (الحج: ١) كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديداً، وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعاً لا تلاقي بعده، وقد قبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة، راضياً عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المعدة ما لم يدفع البلاء، ولا ملك يرد القضاء، وتدمع العين ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا عليك لمحزونون يا يوسف. وأما الوصايا فما تحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم، والسلام ".
قلت: لله دره، فلقد أبدع في هذه الرسالة الوجيزة، مع ما تضمنته من المقاصد السديدة، في مثل تلك الحالة التي يذهل فيها الإنسان عن نفسه.
قلت: وقد ذكرت كل واحد من أولاده المذكورين، وهم الأفضل والظاهر والعزيز في ترجمة مستقلة، وعينت تاريخ مولده وموته، سوى الملك الظافر المشهور بالمشمر، فإني لم أذكر له ترجمة مستقلة، وقد ذكرته ها هنا فيحتاج إلى ذكر شيء من أحواله، فأقول:
(٣٩٢) لقبه مظفر الدين وكنيته أبو الدوام، وأبو العباس الخضر، وإنما قيل له المشمر لأن أباه، رحمه الله تعالى، لما قسم البلاد بين أولاده الكبار قال: وأنا مشمر، فغلب عليه هذا اللقب. وكان مولده بالقاهرة في سنة ثمان وستين وخمسمائة، في خامس شعبان، وهو شقيق الملك الأفضل، وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وستمائة بحران، عند ابن عمه الملك الأشرف ابن الملك العادل، ولم يكن الأشرف يومئذ ملكاً وإنما كان مجتازاً بها عند دخوله بلاد الروم لأجل الخوارزمية.
стр. 3058
قال غير ابن شداد: ثم إن السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، بقي مدفوناً بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة في شمالي الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، ولها بابان أحدهما إلى الكلاسة والآخر في زقاق غير نافذ، وهو مجاور المدرسة العزيزية - قلت: ولقد دخلت إلى هذه القبة من الباب الذي في الكلاسة، وقرأت عنده وترحمت عليه، وأحضر لي القيم ومتولي القبة بقجة فيها ملبوس بدنه وكان في جملته قباء أصفر قصير ورأس كميه بأسود فتبركت به - قال: ثم نقل من مدفنه بالقلعة إلى هذه القبة في يوم عاشوراء، وكان الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان. ثم إن ولده الملك العزيز عماد الدين عثمان - المقدم ذكره (١) - لما أخذ دمشق من أخيه الملك الأفضل بنى إلى جانب هذه القبة المدرسة العزيزية (٢) ، ووقف عليها وقفاً جيداً. وللقبة المذكورة شباك إلى هذه المدرسة، وهي من أعيان مدارس دمشق.
وزرت قبره في أول جمعة من شهر رمضان سنة ثمانين وستمائة فقرأت على صندوق قبره بعد تاريخ وفاته ما مثاله: اللهم فارض عن تلك الروح، وافتح له أبوب الجنة فهي آخر ما كان يرجوه من الفتوح، وذكر قيم المكان أن هذا من كلام القاضي الفاضل.
قلت: ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء من المدارس، فإن الدولة المصرية كان مذهبها مذهب الإمامية، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فعمر في القرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي ﵁ وقد تقدم ذكرها في ترجمة نجم الدين الخبوشاني - وبنى مدرسة بالقاهرة في جوار المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي ﵄، وجعل عليها وقفاً كبيراً، وجعل دار سعيد السعداء خادم المصريين خانقاه، ووقف عليها وقفاً طائلاً، وجعل دار عباس المذكور في ترجمة الظافر العبيدي والعادل ابن السلار مدرسة للحنفية، وعليها وقف جيد أيضاً،
стр. 3059
والمدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار وقفاً على الشافعية ووقفها جيد أيضاً، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستانا، وله وقف جيد، وله بالقدس مدرسة أيضاً، وقفها كثير، وخانقاه بها أيضاً، وله بمصر مدرسة للمالكية.
ولقد فكرت في نفسي في أمور هذا الرجل وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكبيرة وغيرها، ورتب هذه الأوقاف العظيمة، وليس فيها شيء منسوباً إليه في الظاهر، فإن المدرسة التي في القرافة ما يسميها الناس إلا بالشافعي، والمجاورة للمشهد لا يقولون إلا المشهد، والخانقاه لا يقولون إلا خانقاه سعيد السعداء، والمدرسة الحنفية لا يقولون أيضاً إلا مدرسة السيوفية، والتي بمصر لا يقولون إلا مدرسة زين التجار، والتي بمصر مدرسة المالكية، وهذه صدقة السر على الحقيقة. والعجب أن له بدمشق في جوار البيمارستان النوري مدرسة يقال لها الصلاحية فهي منسوبة إليه وليس لها وقف، وله بها مدرسة للمالكية أيضاً ولا تعرف به، وهذه النعم من ألطاف الله تعالى به.
وكان، مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العظيمة، كثير التواضع واللطف قريباً من الناس رحيم القلب كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلماء وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم، وكان يميل إلى الفضائل، ويستحسن الأشعار الجيدة، ويرددها في مجالسه، حتى قيل إنه كان كثيراً ما ينشد قول أبي منصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن إسحاق الحميري، وقيل إنها لأبي محمد أحمد بن علي بن خيران العامري، وكان أميراً بالمرية من بلاد الأندلس، وكان جده خيران من سبي المنصور بن أبي عامر فنسب إليه، والله أعلم، وهي هذه:
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحاً ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تخيل لي ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا وقيل إنه كان أيضاً يعجبه قول نشؤ الملك أبي الحسن علي بن مفرج
стр. 3060
المعروف بابن المنجم المعري الأصل المصري الدار والوفاة، وهو في خضاب الشيب، ولقد أحسن فيه:
وما خضب الناس البياض لقبحه ... وأقبح منه حين يظهر ناصله
ولكنه مات الشباب فسودت (١) ... على الرسم من حزن عليه منازله قالوا: فكان إذا قال ولكنه مات الشباب يمسك كريمته وينظر إليها ويقول: أي والله مات الشباب.
وذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة " أن السلطان صلاح الدين في أول ملكه كتب إلى بعض أصحابه بدمشق هذين البيتين:
أيها الغائبون عنا وإن كن ... تم لقلبي بذكركم جيرانا
إنني مذ فقدتكم لأراكم ... بعيون الضمير عندي عيانا وأما القصيدتان اللتان ذكرت أن سبط ابن التعاويذي أنفذهما إليه من بغداد، فإن إحداهما وازن بها قصيدة صردر - المقدم ذكره - وقد ذكرت منا أبياتاً في ترجمة الوزير الكندري، وأولها:
أكذا يجازى ود كل قرين ... وقصيدة سبط ابن التعاويذي أولها (٢) :
إن كان دينك في الصبابة ديني ... فقف المطي برملتي يبرين
والثم ثرى لو شارفت بي هضبه ... أيدي المطي لثمته بجفوني
وانشد فؤادي في الظباء معرضاً ... فبغير غزلان الصريم جنوني
ونشيدتي بين الخيام، وإنما ... غالطت عنها بالظباء العين
لولا العدا لم أكن عن ألحاظها ... وقدودها بجوازىءٍ وغصون
стр. 3061
لله ما اشتملت عليه قبابهم ... يوم النوى من لؤلؤ مكنون
من كل تائهة على أترابها ... في الحسن غانية عن التحسين
خود ترى قمر السماء إذا بدت ... ما بين سالفة لها وجبين
غادين ما لمعت بروق ثغورهم ... إلا استهلت بالدموع شؤوني
إن تنكروا نفس الصبا فلأنها ... مرت بزفرة قلبي المحزون
وإذا الركائب في الحبال تلفتت ... فحنينها لتلفتي وحنيني
يا سلم إن ضاعت عهودي عندكم ... فأنا الذي استودعت غير أمين
أو عدت مغبوناً فما أنا في الهوى ... لكم بأول عاشق مغبون رفقاً فقد عسف الفراق بمطلق العبرات في أسر الغرام رهين ...
ما لي ووصل الغانيات أرومه ... ولقد بخلن علي بالماعون
وعلام أشكو والدماء مطاحة ... بلحاظهن إذا لوين ديوني
هيهات ما للبيض في ود امرىء ... أرب وقد أربى على الخمسين
ومن البلية أن تكون مطالبي ... جدوى بخيل أو وفاء خؤون
ليت الضنين على المحب بوصله ... لقن السماحة من صلاح الدين وأما القصيدة الثانية فهي (١) :
حتام أرضى في هواك وتغضب ... وإلى متى تجني علي وتعتب (٢)
ما كان لي لولا ملالك زلة ... لما مللت زعمت أني مذنب
خذ في أفانين الصدود فإن لي ... قلباً على العلات لا يتقلب
أتظنني أضمرت بعدك سلوة ... هيهات عطفك من سلوي أقرب
لي فيك نار جوانح ما تنطفي ... حرقاً وماء مدامع ما تنضب
أنسيت أياماً لنا وليالياً ... للهو فيها والبطالة ملعب
أيام لا الواشي يعد ضلالة ... ولهي عليك ولا العذول يؤنب
стр. 3062
قد كنت تنصفني المودة راكباً ... في الحب من اخطاره ما أركب
واليوم أقنع أن يمر بمضجعي ... في النوم طيف خيالك المتأوب
ما خلت أن جديد أيام الصبا ... يبلى ولا ثوب الشبيبة يسلب
حتى انجلى ليل الغواية واهتدى ... ساري الدجى وانجاب ذاك الغيهب
وتنافر البيض الحسان فأعرضت ... عني سعاد وأنكرتني زينب
قالت وريعت من بياض مفارقي ... ونحول جسمي: بان منك الأطيب
إن تنقمي سقمي فخصرك ناحل ... أو تنكري شيبي فثغرك أشنب قلت: لله دره، فلقد أجاد في هذا المعنى كل الإجادة، غير أنه قد ظن أن الشنب بياض الثغر، وعليه بنى هذا المعنى حتى تم له مقصوده، فإنها لما عيرته بالسقم قابلها بنحول الخصر، فقال لها: إن كنت نحيلاً فخصرك أيضاً نحيل، فلما أنكرت شيبه قابلها بأن ثغرها أشنب، فكأنه قال لها: بياض شيبي في مقابلة ثغرك الأشنب، وليس الأمر كما ظن، فإن الشنب في اللغة ليس البياض، وإنما هو حدة الأسنان، ويقال: بردها وعذوبتها، والصحيح أنه حدتها، وهو دليل على الحداثة، لأن الأسنان في أول طلوعها تكون حادة، فإذا مرت عليها السنون احتكت وذهبت حدتها. وهذا المعنى ينظر إلى قول النابغة الذبياني في جملة قصيدته المشهورة وهو (١) :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وقد تقدم ذكر هذا البيت في ترجمة عروة بن الزبير فيكشف هناك (٢) . ومثله أيضاً ما أنشدني بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب - المقدم ذكره - لنفسه من جملة أبيات، وهو قوله (٣) :
ما فيه من عيب سوى ... فتور عينيه فقط
стр. 3063
رجع:
يا طالباً بعد المشيب غضارة ... من عيشه ذهب الزمان المذهب
أتروم بعد الأربعين تعدها ... وصل الدمى (١) هيهات عز المطلب
ومن السفاه وقد شآك طلابه ... يفعاً تطلبه وفودك أشيب
لولا الهوى العذري يا دار الهوى ... ما هاج لي طرياً وميض خلب
كلا ولا استجديت أخلاف الحيا ... وندى صلاح الدين هام صيب وقد مدحه جميع شعراء عصره وانتجعوه من البلاد؛ فمنهم العلم الشاتاني، واسمه الحسن - وقد تقدم ذكره (٢) - مدحه بقصيدته الرائية التي أولها:
أرى النصر مقروناً برايتك الصفرا ... فسر واملك الدنيا فأنت بها أحرى ومدحه المهذب أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر المعروف بابن الشحنة الموصلي الشاعر المشهور (٣) بقصيدته التي أولها:
سلام مشوق قد براه التشوق ... على جيرة الحي الذين تفرقوا وعدة أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتاً، وفيها البيتان السائران، أحدهما:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها، والأذن كالعين تعشق وقد أخذه من قول بشار بن برد - المقدم ذكره - وهو:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا والبيت الثاني من قصيدة ابن الشحنة قوله:
وقالت لي الآمال إن كنت لاحقاً ... بأبناء أيوب فأنت الموفق [ومما قيل فيه لبعض أهل المشرق:
стр. 3064
الله اكبر، جاء القوس باريها ... ورام أسهم دين الله راميها
فكم لمصر على الأمصار من شرف ... باليوسفين فهل أرض تدانيها
فبإبن يعقوب هزت جيدها طربا ... وبابن أيوب هزت عطفها تيها
قل للملوك تخلى عن ممالكها ... فقد أتي آخذ الدنيا ومعطيها فلما أنشدها إياه أعطاه ألف دينار] (١) .
ومدحه ابن قلاقس وابن الذروي وابن المنجم وابن سناء الملك وابن الساعاتي والبحراني الإربلي، وابن دهن الحصى الموصلي (٢) ، ومحمد بن إسماعيل بن حمدان الحيزاني وغير هؤلاء، وقد ذكرت أكثر هذه الجماعة في هذا التاريخ. وعذري في تطويل هذه الترجمة قول المتنبي:
وقد أطال ثنائي طول لابسه ... إن الثناء على التنبال تنبال التنبال: الرجل القصير، وهو بكسر التاء المثناة من فوقها وبعدها نون ساكنة وباء موحدة وبعد الألف لام.
قلت: قد تقدم في هذه الترجمة عند ذكر إرسال العاضد إلى صلاح الدين وطلبه إياه ليخلع عليه ويوليه الوزارة ذكر المثل المشهور، وهو " أردت عمراً وأراد الله خارجة " وقد يقف عليه من لا يعرف سبب هذا المثل، ولا المراد منه، فأحببت أن أشرحه كيلا يحتاج من يقف عليه إلى كشفه من مكان آخر، فأقول:
(٣٩٣) عمرو المذكور (٣) هو عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي،
стр. 3065
كنيته أبو عبد الله، وقيل أبو محمد، أحد الصحابة ﵃، أسلم سنة ثمان من الهجرة قبل فتح مكة، ومكة فتحها رسول الله ﷺ في شهر رمضان من هذه السنة، وقيل بل أسلم بين الحديبية وخيبر، والأول أصح، وقدم هو وخالد بن الوليد المخزومي وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة القرشي العبدري على رسول الله ﷺ بالمدينة مسلمين، فلما دخلوا عليه ونظر إليهم قال لهم: قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها. وقال الواقدي: قدم عمرو بن العاصي مسلماً على رسول الله صلى اله عليه وسلم، قد أسلم عند النجاشي ملك الحبشة، وقدم معه عثمان بن طلحة وخالد بن الوليد، فقدموا المدينة في صفر سنة ثمان من الهجرة، وقيل إنه لم يأت من أرض الحبشة إلا معتقداً الإسلام، وذلك أن النجاشي قال له: يا عمرو، كيف يعزب عنك أمر ابن عمك فوالله إنه لرسول الله حقاً، قال: أتحقق ذلك قال: أي والله، فأطعني، فخرج من عنده مهاجراً إلى النبي ﷺ .
وبعثه رسول الله ﷺ على سرية إلى الشام يدعو أخوال أبيه إلى الإسلام، فبلغ السلاسل من بلاد قضاعة، وهو ماء بأرض جذام، وبذلك سميت تلك الغزوة " ذات السلاسل " وكان معه ثلثمائة رجل، فخاف عمرو، فكتب إلى رسول الله ﷺ يستمده، فأمده بجيش مائتي فارس من المهاجرين والأنصار أهل الشرف، فيهم أبو بكر وعمر ﵄، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ﵁، فلما قدموا على عمرو بن العاصي قال: أنا أميركم وإنما أنتم مددي، فقال أبو عبيدة: بل أنت أمير من معك وأنا أمير من معي، فأبى عمرو، فقال أبو عبيدة، إن رسول الله ﷺ عهد إلي إذا قدمت على عمرو فتطاوعا ولا تختلفا، فإن خالفتني أطعتك، قال عمرو: فإني أخالفك، فسلم إليه أبو عبيدة، وصلى خلفه في الجيش كله، وكانوا خمسمائة. وولى رسول الله ﷺ عمرو بن العاصي على عمان، فلم يزل عليها حتى قبض رسول الله ﷺ .
وفي سنة اثنتي عشرة بعث أبو بكر ﵁ عمرو بن العاصي ويزيد
стр. 3066
بن أبي سفيان الأموي، وأبا عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، إلى الشام، وسار إليهم خالد بن الوليد ﵁ من العراق، وأول شيء فتحوا من الشام بصرى صلحاً. وتوفي أبو بكر ﵁، واستخلف عمر ﵁ فولى أبو عبيدة على الجيش، وفتح الله تعالى عليه الشام، فولى يزيد بن أبي سفيان على فلسطين، وهي كورة قصبتها الرملة. ولما مات أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل، ومات معاذ فاستخلف يزيد بن أبي سفيان، ومات يزيد فاستخلف أخاه معاوية بن أبي سفيان، وكتب إليه عمر ﵁ بعهده على ما كان عليه أخوه يزيد، وكان موت هؤلاء كلهم في طاعون عمواس، في سنة ثماني عشرة للهجرة.
وعمواس: بفتح العين المهملة والميم وفي آخرها سين مهملة، وهي قرية بالشام بين نابلس والرملة، وكان الطاعون بها في العام المذكور. وقيل بل مات يزيد بن أبي سفيان في ذي الحجة من سنة تسع عشرة بدمشق، والله أعلم، وذلك بعد فتح قيسارية.
وكان عمر ﵁ قد ولى عمرو بن العاصي بعد موت يزيد بن أبي سفيان فلسطين والأردن، وولى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وولى سعيد بن عامر بن حذيم حمص، ثم جمع الشام كلها لمعاوية، وكتب إلى عمرو فسار إلى مصر فافتتحها في سنة عشرين للهجرة، فلم يزل عليها والياً حتى مات عمر ﵁، فأقره عثمان ﵁ عليها أربع سنين أو نحوها، ثم عزله وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وكان أخا عثمان ﵁ من الرضاعة، فاعتزل عمرو بن العاصي في ناحية فلسطين وكان يأتي المدينة أحياناً.
فلما قتل عثمان ﵁ سار إلى معاوية باستجلاب معاوية إياه، وشهد صفين مع معاوية وكان منه في صفين وقضية التحكيم ما هو مشهور عند أهل العلم بهذا الفن، وكان قد طلب من معاوية أنه إذا تم له الأمر يوليه مصر، وكتب إليه في بعض أيام طلبه:
стр. 3067
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل ... به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة ... أخذت بها شيخاً يضر وينفع ثم ولاه معاوية مصر، فلم يزل بها أميراً إلى أن مات يوم عيد الفطر من سنة ثلاث وأربعين للهجرة، وقيل سنة اثنتين وأربعين، وقيل سنة ثمان وأربعين، وقيل سنة إحدى وخمسين، والأول أصح، وعمره تسعون سنة، ودفن بسفح المقطم، وصلى عليه ابنه عبد الله. ولما رجع صلى بالناس العيد، ثم عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاصي، وولى أخاه عتبة بن أبي سفيان، فمات عتبة بعد سنة أو نحوها فولى معاوية مسلمة بن مخلد.
وكان عمرو بن العاصي من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، وكان من الدهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي، وكان عمر ﵁ إذا استضعف رجلاً في رأيه قال: أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد، يريد خالق الأضداد.
وذكر أبو العباس المبرد في كتاب " الكامل " (١) أن عمرو بن العاصي لما حضرته الوفاة دخل عليه ابن عباس ﵄، فقال له: يا أبا عبد الله، كنت أسمعك كثيراً ما تقول: وددت لو رأيت رجلاً عاقلاً حضرته الوفاة حتى أسأله عما يجد، فكيف تجد فقال: أجد كأن السماء مطبقة على الأرض وكأني بينهما، وكأنما أتنفس من خرت إبرة، ثم قال: اللهم خذ مني حتى ترضى. فدخل عليه ولده عبد الله فقال له: يا ولدي، خذ ذلك الصندوق قال: لا حاجة لي به، فقال: إنه مملوء مالاً، فقال: لا حاجة لي به، فقال: ليته مملوء بعراً، ثم رفع يديه وقال: اللهم إنك أمرت فعصينا، ونهيت فارتكبنا، فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا أنت، ثم فاظ.
قلت: يقال فاظ وفاض، بالظاء والضاد، أي مات، قال الشاعر:
стр. 3068
لا يدفنون منهم من فاظا ... (٣٩٤) وأما خارجة المذكور في هذا المثل فإنه خارجة بن حذافة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي، شهد فتح مصر واختط بمصر، وكان أمير ربع المدد الذين أمد بهم عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن العاصي في فتح مصر، وكان على شرط مصر في إمرة عمرو بن العاصي لمعاوية بن أبي سفيان الأموي. قتله خارجي بمصر سنة أربعين للهجرة، وهو يحسب انه عمرو بن العاصي، هكذا قاله ابن يونس في " تاريخ مصر ".
وذكره في كتاب " الاستيعاب " (١) لابن عبد البر، وساق نسبه على هذه الصورة. ثم قال: يقال إنه كان يعد بألف فارس؛ ذكر بعض أهل النسب والأخبار أن عمرو بن العاصي كتب إلى عمر ﵁ يستمده بثلاثة آلاف فارس، فأمده بخارجة بن حذافة والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود الكندي، وشهد خارجة فتح مصر، وقيل إنه كان قاضياً لعمرو بن العاصي بها، وقيل إنه كان على شرطة عمرو، ولم يزل بها إلى أن قتل، قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين كانوا انتدبوا لقتل علي بن أبي طالب، ﵁، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاصي، فأراد الخارجي قتل عمرو فقتل خارجة هذا وهو يظنه عمراً، وذلك أنه كان استخلفه عمرو بن العاصي على صلاة الصبح ذلك اليوم، فلما قتله أخذ وأدخل على عمرو، فقال: من هذا الذي أدخلتموني عليه، فقالوا عمرو بن العاص، فقال: ومن قتلت فقالوا: خارجة، فقال: أردت عمراً وأراد الله خارجة. وقد قيل إن الخارجي الذي قتله لما أدخل على عمرو، قال له عمرو: أردت عمراً وأراد الله خارجة، والله أعلم من قال ذلك منهما. والذي قتل خارجة هذا رجل من بني العنبر بن عمرو بن تميم، يقال له داذويه. وقيل إنه مولى لبني العنبر. وقد قيل إن خارجة الذي قتله الخارجي بمصر،
стр. 3069
على أنه عمرو بن العاصي، رجل يسمى خارجة من بني سهم رهط عمرو بن العاصي، وليس بشيء؛ انتهى ما قاله صاحب " الاستيعاب ".
وقال غيره: إن عمرو بن العاصي أصابه شيء في بطنه فتخلف في منزله تلك الليلة. وكان خارجة يعشي الناس، فضربه الخارجي، وكان عمرو يقول: ما نفعني بطني قط إلا تلك الليلة.
قلت: فهذا أصل المثل في قولهم " أردت عمراً وأراد الله خارجة ". وإلى هذا أشار أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الأندلسي في قصيدته التي رثى بها بني الأفطس ملوك بطليوس وأولها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... بقوله:
وليتها إذا فدت عمراً بخارجة ... فدت علياً بمن شاءت من البشر وهي من غرر القصائد جمعت تاريخاً كثيراً، وشرحها الأديب أبو مروان عبد الملك بن عبد الله بن بدرون الحضرمي الشلبي، شرحاً مستوفى.
وهذا البيت يحتاج إلى شرح أيضاً وهو من تتمة الكلام على المثل المذكور لكني أذكره مختصراً فإنه طويل:
ذكر أهل علم التاريخ أن علي بن أبي طالب ﵁ لما بويع بالخلافة في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان ﵁ خرج عليه من قاتله في وقعة الجمل - وقد ذكرت طرفاً من هذه الوقعة في ترجمة يموت بن المزرع، ساقها الكلام هناك فذكرت المقصود منه - ثم كانت وقعة صفين عند خروج معاوية بن أبي سفيان الأموي، وعمرو بن العاصي، على علي بن أبي طالب، ﵁ فتوجه إليهم من العراق، وجاءوه من الشام، والتقوا على صفين، وهو موضع على شاطئ الفرات بالقرب من الرحبة، وهي واقعة مشهورة، وكانت في سنة سبع وثلاثين من الهجرة. ولما غلب
стр. 3070
أهل الشام طلبوا من علي بن أبي طالب ﵁ التحكيم، فأجابهم إليه بعد معاودات كثيرة، فخرج على علي جماعة من أصحابه، وقالوا حكمت في دين الله، ولا حكم إلا لله، ورحلوا إلى النهروان، فمضى إليهم وقاتلهم واستأصلهم إلا اليسير منهم، وهي أيضاً واقعة مشهورة بقتال الخوارج. ولما طال الأمر في ذلك اجتمعوا وقالوا: إن علياً ومعاوية وعمرو بن العاصي قد أفسدوا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهم لعاد الأمر إلى حقه، فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي: أنا أقتل علياً قالوا فكيف لك بذلك قال: أغتاله، وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي: أنا أقتل معاوية ويعرف هذا الصريمي بالبرك، وقال داذويه، وقيل زاذويه - وقد تقدم الكلام عليه في الكلام على خارجة بن حذافة -: أنا أقتل عمراً، وأجمعوا آرائهم على أن يكون ذلك في ليلة واحدة، فدخل ابن ملجم الكوفة، وعلي ﵁ بها، فاشترى سيفاً بألف درهم وسقاه السم حتى لفظه. فلما خرج علي لصلاة الصبح كان ابن ملجم قد كمن له فضربه على رأسه وقال: الحكم لله يا علي، لا لك، وقيل إنه ضربه وهو في صلاة الصبح، وذلك في صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة، وقيل غير هذا التاريخ.
وقدم البرك الصريمي على معاوية بدمشق فضربه فجرح أليته، وهو في الصلاة، ويقال إنه قطع عرق النسل، فما أحبل بعدها.
وأما عمرو فقد سبق الكلام عليه عند قتل خارجة وهذا تفسير المثل والبيت الشعر على سبيل الاختصار، والله أعلم.
стр. 3071
٨٤٧ - (١)
الموفق بن الخلال الكاتب
أبو الحجاج يوسف بن محمد المعروف بابن الخلال، الملقب بالموفق، صاحب ديوان الإنشاء بمصر في دولة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد العبيدي - المقدم ذكره (٢) - ومن بعده؛ قال عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة " في حقه (٣) : " هو ناظر مصر وإنسان ناظره، وجامع مفاخره، وكان إليه الإنشاء، وله قوة على الترسل يكتب كما يشاء، عاش كثيراً وعطل في آخر عمره وأضر، ولزم بيته إلى أن تعوض منه القبر، وتوفي بعد ملك الملك الناصر مصر بثلاث أو أربع سنين " وذكر له عدة مقاطيع من الشعر نورد شيئاً منها بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وذكره ضياء الدين أبو الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الجزري ثم الموصلي - المقدم ذكره (٤) - في الفصل الأول من كتابه الذي سماه " الوشي المرقوم في حل المنظوم " فقال: حدثني القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني، رحمه الله تعالى، بمدينة دمشق في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وكان إذ ذاك كاتب الدولة الصلاحية فقال: كان فن الكتابة بمصر في زمن الدولة العلوية غضاً طرياً، وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس
стр. 3072
مكاناً وبياناً، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطاناً، وكان (١) من العادة أن كلا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئاً من علم الأدب أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرب ويرى ويسمع (٢) قال: فأرسلني والدي، وكان إذ ذاك قاضياً بثغر عسقلان، إلى الديار المصرية في أيام الحافظ، وهو أحد خلفائها، وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجلاً يقال له " ابن الخلال "؛ فلما حضرت الديوان ومثلت بين يديه وعرفته من أنا وما طلبتي، رحب بي وسهل، ثم قال لي: ما الذي أعددت لفن الكتابة من الآلات فقلت: ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن الكريم، وكتاب " الحماسة " فقال (٣) : في هذا بلاغ، ثم أمرني بملازمته، فلما ترددت إليه وتدربت بين يديه، أمرني بعد ذلك أن أحل شعر الحماسة، فحللته من أوله إلى آخره، ثم أمرني أن أحله مرة ثانية فحللته؛ انتهى ما ذكره ابن الأثير.
قلت: وبعد أن نقلت ما قاله ضياء الدين بن الأثير على هذه الصورة، اجتمع بي من له عناية بالأدب خصوصاً هذا الفن. وهو من أعرف الناس بأحوال القاضي الفاضل، وقال لي: هذا الذي ذكره ابن الأثير ما يمكن تصحيحه ولعله قد غلط في النقل، فإن القاضي الفاضل لم يدخل إلى الديار المصرية إلا في أيام الظافر ابن الحافظ، وكان وصوله إليها مع أبيه في أمر يختص بهم. ثم إني وجدت في بعض تعاليقي بخطي، وما أدري من أين نقلته، أن القاضي الأشرف والد القاضي الفاضل كان من أهل عسقلان، وكان ينوب في الحكم والنظر (٤) بمدينة بيسان، فدخل إلى مصر في زمان الظافر بن الحافظ لكلام جرى بينه وبين والي الناحية من أجل كند (٥) كبير كان عندهم
стр. 3073
له قيمة كبيرة، فداجى الوالي في حقه واطلقه، فاستدعي الوالي إلى مصر لذلك وطولب بمال طائل، فاحتمى ببعض أمراء الدولة، وجعلوا الأقاويل في حق القاضي الأشرف، فاستدعي وصودر إلى أن لم يبق له شي، ولم يكن معه من الأولاد سوى القاضي الفاضل، فحمل على قلبه وتوفي بالقاهرة ليلة الأحد حادي عشر شهر ربيع الأول من سنة ست وأربعين وخمسمائة، ودفن بسفح المقطم. ثم توجه القاضي الفاضل إلى ثغر الإسكندرية، وحضر عند ابن حديد قاضي البلد وناظره، فعرفه بوالده، فعرفه بالسمعة واستكتبه، وأخذ الفرنج عسقلان فحضر إخوته إليه. وكانت مكاتبات ابن حديد ترد إلى مصر بخطه، وهي في غاية البلاغة، فحسده كتاب الإنشاء بها (١) على فضله وخافوا من تقدمه عليهم، فسعوا إلى الظافر به فقالوا: إنه قصر في المكاتبة، وكان صاحب ديوان الإنشاء القاضي الأثير ابن بنان، فيحكى أنه دخل على الظافر فقال له: تكتب إلى ابن حديد بقطع يد كاتبه، فتعصب له ابن بنان وقال: يا مولانا هذا الرجل ما منه تقصير، وإنما حسده هؤلاء الكتاب فسعوا به ليؤذيه مولانا، قال له الظافر: فتكتب إلى ابن حديد ليرسله إلينا ويكتب لنا.
قال ابن بنان: وكنت بعد ذلك في مجلس الظافر، فرأيت القاضي الفاضل وقد حضر وهو قائم بين يديه، ثم استخدمه، والله أعلم.
وقال العماد في " الخريدة "؛ أنشدني مرهف بن أسامة بن منقذ قال، أنشدني الموفق بن الخلال لنفسه من قصيدة:
عذبت ليال بالعذيب حوالي ... وخلت مواقف بالوصال خوالي (٢)
стр. 3074
ومضت لذاذات تقضى ذكرها ... تصبي الخلي وتستهيم السالي
وجلت موردة الخدود فأوثقت ... في الصبوة الخالي بحسن الخال
قالوا سراة بني هلال أصلها ... صدقوا كذاك البدر فرع هلال قال العماد في " الخريدة " أيضاً (١) : ونقلت من كتاب " جنان الجنان ورياض الأذهان " - قلت: وهو تأليف الرشيد بن الزبير المقدم ذكره (٢) - من شعر ابن الخلال قوله:
وأغن سيف لحاظه ... يفري الحسام بحده
فضح الصوارم واللدا ... ن بقده وبقده عجب الورى لما حييت وقد منيت (٣) ببعده ...
وبقاء جسمي ناحلاً ... يصلى بوقدة صده
كبقاء عنبر خاله ... في نار صفحة خده وقوله (٤) :
أما اللسان فقد أخفى وقد كتما ... لو أمكن الجفن كف الدمع حين همى
أصبتم بسهام اللحظ مهجته ... فهل يلام إذا أجرى الدموع دما
قد صار بالسقم من تعذيبكم علماً ... ولم يبح بالذي من جوركم علما
فما على صامت أبدى لصدكم ... في كل جارحة منه السقام فما وأورد له في الشمعة (٥) :
وصحيحة بيضاء تطلع في الدجى ... صبحاً وتشفي الناظرين بدائها
стр. 3075
شابت ذوائبها أوان شبابها ... واسود مفرقها أوان فنائها
كالعين في طبقاتها ودموعها ... وسوادها وبياضها وضيائها وذكر العماد في " الخريدة " أيضاً في ترجمة القاضي أبي المعالي عبد العزيز بن الحسين بن الجباب أبياتاً كتبها ابن الجباب المذكور إلى الرشيد بن الزبير في نكبة جرت للموفق (١) بن الخلال المذكور، وقال العماد: كان خاله - ولم يذكر أيهما خال الآخر - وكان ابن الجباب قد حصل له بسبب نكبة ابن الخلال صداع، والأبيات المشار إليها (٢) :
تسمع مقالي يا ابن الزبير ... فأنت خليق بأن تسمعه
بلينا بذي نسب شابك ... قليل الجدى في زمان الدعه
إذا ناله الخير لم نرجه ... وإن صفعوه صفعنا معه وهذا من قول حصين بن خصفة السعدي الخارجي يخاطب قطري بن الفجاءة رئيس الخوارج - المقدم ذكره (٣) -:
وأنت الذي لا نستطيع فراقه ... حياتك لا نفع وموتك ضائر (٤) ثم إني كشفت عن قول العماد: كان خاله، ولم يبينه، فوجدت ابن الخلال المذكور خال ابن الجباب المذكور. وذكر العماد أيضاً في كتاب " السيل والذيل " الذي جعله ذيلاً على كتاب " الخريدة " ابن الخلال أيضاً، وأورد له:
وغزال نار وجنته ... أذكت النيران في كبدي
وله طرف لواحظه ... نصرت شوقي على جلدي
قذفت عيني سوالفه ... فتوارت منه بالزرد
стр. 3076
والبيت الأخير مأخوذ من قول أبي محمد الحسن بن جكينا (١) البغدادي الشاعر المشهور:
طرفك يرمي قلبي بأسهمه ... فما لخديك تلبس الزردا وقد روي لغيره أيضاً، والله اعلم.
ثم وجدت في كتاب " خريدة القصر " تأليف عماد الدين الكاتب الأصفهاني لعبد السلام بن الجكر (٢) المعروف بابن الصواف الواسطي:
لو كان أمري إلي أو بيدي ... أعددت لي قبل بينك العددا
طرفك يرمي قلبي بأسهمه ... فما لخديك تلبس الزردا
ريقته الشهد والدليل على ... ذلك نمل بخده صعدا وذكر أبو الحسن علي بن ظافر الأزدي المصري في كتاب " بدائع البدائه " (٣) أن أبا القاسم ابن هانئ (٤) الشاعر المتأخر هجا ابن الخلال المذكور، وبلغه هجوه فأضمر له حقداً، واتفق بعض المواسم التي جرت عادة ملوك مصر بالحضور فيه لاستماع المدائح، فجلس الحافظ أبو الميمون عبد المجيد ملك مصر إذ ذاك، فأنشده الشعراء، وانتهت النوبة إلى ابن هانىء المذكور، فأنشد وأجاد فيما قاله، فقال الحافظ للموفق المذكور: كيف تسمع فأثنى عليه واستجاد شعره وبالغ في وصفه، ثم قال له: ولو لم يكن له ما يمت به إلا انتسابه إلى أبي القاسم بن هانىء شاعر هذه الدولة ومظهر مفاخرها وناظم مآثرها، لولا بيت أظهره منه الضجر عند دخوله هذه البلاد، فقال له الحافظ: ما هو فتحرج من إنشاده، فأبى الحافظ إلا أن ينشده، وفي أثناء ذلك صنع بيتاً، وهو:
стр. 3077
تباً لمصر فقد صارت خلافتها ... عظماً تنقل من كلب إلى كلب فعظم ذلك على الحافظ، وقطع صلته وكاد يفرط في عقوبته، والله أعلم.
ولم يزل ابن الخلال بديوان الإنشاء إلى أن طعن في السن وعجز عن الحركة، فانقطع في بيته. ويقال إن القاضي كان يرعى له حق الصحبة والتعليم، فكان يجري عليه ما يحتاج إليه إلى أن مات في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
٨٤٨ - (١)
الرمادي الشاعر
أبو عمر يوسف بن هارون الكندي، المعروف بالرمادي، الشاعر المشهور؛ ذكره الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب " جذوة المقتبس " فقال (٢) : أظن أحد آبائه كان من أهل رمادة، موضع بالمغرب؛ شاعر قرطبي كثير الشعر سريع القول مشهور عند الخاصة والعامة هنالك لسلوكه في فنون من المنظوم مسالك تنفق عند الكل، حتى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون: فتح الشعر بكندة وختم بكندة، يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف بن هارون، وكانا متعاصرين، واستدللت على ذلك بمدحه أبا علي
стр. 3078
إسماعيل بن القاسم القالي عند دخوله الأندلس بالقصيدة التي أولها:
من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والعويل عويلي وكان وصول أبي علي القالي إلى الأندلس في سنة ثلاثين وثلثمائة - قلت: وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته (١) - ثم ذكر له الحميدي وقائع وعدة مقاطيع من الشعر، وأنه ألف كتاباً في الطير، وسجن مدة.
قلت: وقد ذكر أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " (٢) الأبيات التي مدح بها يوسف بن هرون أبا علي القالي، وأورد له بعد البيت المذكور قوله:
في أي جارحة أصون معذبي ... سلمت من التعذيب والتنكيل
إن قلت في بصري فثم مدامعي ... أو قلت في كبدي فثم غليلي
وثلاث شيبات نزلن بمفرقي ... فعلمت أن نزولهن رحيلي
طلعت ثلاثاً في نزول ثلاثة ... واش ووجه مراقب وثقيل فعزلنني عن صبوتي فلئن ذللت لقد سمعت بذلة المعزول ... قلت: ثم خرج بعد هذا إلى المدح، وكان قد وصف الصيد والروض فقال:
روض تعاهده السحاب كأنه ... متعاهد من عهد إسماعيل
قسه إلى الأعراب تعلم أنه ... أولى من الأعراب بالتفضيل
حازت قبائلهم لغات فرقت ... فيهم، وحاز لغات كل قبيل
فالشرق خال بعده فكأنما ... نزل الخراب بربعه المأهول
وكأنه الشمس بدت في غربنا ... وتغيبت عن شرقهم (٣) بأفول
стр. 3079
يا سيدي هذا ثنائي لم أقل ... زوراً ولا عرضت بالتنويل
من كان يأمل نائلاً فأنا امرؤ ... لم أرج غير القرب في (١) تأميلي وله في غلام ألثغ من جملة أبيات:
لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء
فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وبكيت منتحباً أنا والراء وله فيه أيضاً:
أعد لثغة في الراء لو أن واصلاً ... تسمعها ما أسقط الراء واصل قلت: وهذا واصل هو واصل بن عطاء - المقدم ذكره في حرف الواو وقد ذكرت هناك هذا الشاعر وشيئاً من شعره (٢) .
قلت: وذكره ابن بشكوال في كتاب " الصلة "، فقال: " يوسف بن هرون الرمادي الشاعر من أهل قرطبة، يكنى أبا عمر، كان شاعر أهل الأندلس المشهور المقدم على الشعراء، روى عن أبي علي البغدادي - يعني القالي - كتاب " النوادر " من تأليفه، وقد أخذ عنه أبو عمر بن عبد البر قطعة من شعره رواها عنه وضمنها بعض تواليفه. قال ابن حيان: وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة يوم العنصرة، فقيراً معدماً، ودفن بمقبرة كلع ". انتهى كلامه.
قلت: يوم العنصرة يوم مشهور ببلاد الأندلس، وهو موسم للنصارى، كالميلاد وغيره، وهو اليوم الرابع والعشرون من حزيران، فيه ولد يحيى بن زكريا ﵉ والعنصرة: بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الصاد المهملة والراء وفي آخرها هاء - وفي هذا اليوم حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون ﵇ حين بعثه موسى ﵊، وكان
стр. 3080
يوشع ابن أخته، إلى أريحا لقتال الجبابرة فقتلهم وبقيت منهم بقية، فخشي أن يحول الليل بينه وبينهم، فسأل الله تعالى أن يحبس عليهم الشمس حتى يفرغ، فحبسها بدعائه، وقد ذكر الشعراء ذلك في أشعارهم كثيراً، فقال أبو تمام الطائي الشاعر المشهور من جملة قصيدة طويلة (١) :
فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزع
فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع وقال أبو العلاء المعري من جملة قصيدة طويلة أيضاً (٢) :
ويوشع رد بوحا بعض يوم ... وأنت مني سفرت رددت بوحا وبوح: بالباء الموحدة وسكون الواو وبعدها حاء مهملة، اسم من أسماء الشمس، وكذلك " يوح " بالياء المثناة من تحتها.
وأريحا: بفتح الهمزة وكسر الراء ثم ياء ساكنة وبعدها حاء مهملة ثم ألف مقصورة، بلدة بين القدس والشريعة من أرض الشام، وهي قريبة من مدائن لوط ﵇.
والرمادي: بفتح الراء والميم وبعد الألف دال مهملة وبعدها ياء النسب، هذه النسبة إلى الرمادة، قال ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه " المشترك وضعا المختلف صقعا " (٣) في باب الرمادة: الرمادة عشرة مواضع، وعدها
стр. 3081
فقال: الثالث رمادة المغرب، ينسب إليها يوسف بن هارون الكندي الرمادي الشاعر القرطبي.
وكلع: بفتح الكاف واللام وبعدها عين مهملة، وهي مقبرة قرطبة والله أعلم.
وذكر ابن سعيد (١) في كتاب " المغرب في أشعار أهل المغرب " أن الرمادي المذكور اكتسب صناعة الأدب من شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف (٢) علم أدباء الأندلس، وهو القائل:
لا تلمني على الوقوف بدار ... أهلها صيروا السقام ضجيعي
جعلوا لي إلى هواهم سبيلاً ... ثم سدوا علي باب الرجوع ثم قال: وتوفي يحيى بن هذيل المذكور في سنة ست أو خمس وثمانين وثلثمائة وهو ابن ست وثمانين، رحمه الله تعالى.
стр. 3082
٨٤٩ - (١)
ابن الدرى
يوسف بن درة، الشاعر المعروف بابن الدري، الموصلي الأصل؛ كان شاباً ذكياً، ذكره أبو شجاع محمد بن علي بن الدهان في تاريخه وقال: إنه هلك مع الحاج سنة خمس وأربعين وخمسمائة لما خرجت عليهم زعب، وقد ذكره عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب " خريدة القصر " وذكره أبو المعالي سعد بن علي الحظيري - المقدم ذكره (٢) - في كتاب " زينة الدهر " ومن مشهور شعره قوله في رجل أرجل وقد أحسن فيه (٣) :
مدور الكعب فاتخذه ... لتل غرس وثل عرش
لو نظرت (٤) عينه الثريا ... أخرجها في بنات نعش (٥) وله غير هذا أشياء حسنة.
قال شيخنا الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري في مختصر كتاب الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني الذي عمله
стр. 3083
في الأنساب، ما مثاله (١) : قلت: الزعبي: بكسر الزاي وسكون العين المهملة وآخره باء موحدة، نسبة إلى زعب بن مالك بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم، بطن مشهور من سليم، وهذه زعب هي التي أخذت الحاج سنة خمس وأربعين وخمسمائة، فهلك منهم خلق كثير قتلا وجوعاً وعطشاً، ثم إن الله تعالى رمى زعباً بالقلة والذلة بعده إلى الآن.
ودرة: بضم الدال المهملة، والدرى: بفتحها وتشديد الراء وبعدها ألف مقصورة.
٨٥٠ - (٢)
أبو المحاسن الشواء
أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالشواء، الملقب شهاب الدين، الكوفي الأصل الحلبي المولد (٣) والمنشأ والوفاة؛ كان أديباً فاضلاً متقناً لعلم العروض والقوافي شاعراً، يقع له في النظم معان بديعة في البيتين والثلاثة، وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات، وكان زيه على زي الحلبيين الأوائل في اللباس والعمامة المشقوقة. وكان كثير الملازمة لحلقة الشيخ تاج الدين أبي القاسم أحمد بن هبة الله بن سعد الله بن سعيد بن سعد بن مقلد المعروف بابن الجبراني الحلبي النحوي
стр. 3084
اللغوي الفاضل، وأكثر ما أخذ الأدب عنه وبصحبته انتفع، وعاشر التاج أبا الفتح مسعود بن أبي الفضل النقاش الحلبي (١) الشاعر المشهور زماناً، وتخرج عليه في عمل الشعر.
وكان بيني وبين الشهاب الشواء مودة اكيده ومؤانسة كثيرة، ولنا اجتماعات في مجالس نتذاكر فيها الأدب، وأنشدني كثيراً من شعره، وما زال صاحبي منذ أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة إلى حين وفاته، وقبل ذلك كنت أراه قاعداً عند ابن الجبراني المذكور في موضع تصدره بجامع حلب، وكان يكثر التمشي في الجامع أيضاً على جاري عادتهم في ذلك كما يعملون (٢) في جامع دمشق، ولم يكن بيننا إذ ذاك معرفة. وكان حسن المحاورة مليح الإيراد مع السكون والتاني وجميل التأتي، وأول شيء أنشدني من شعره قوله:
هاتيك يا صاح ربا لعلع ... ناشدتك الله فعرج معي
وانزل بنا بين بيوت النقا ... فقد غدت آهلة المربع حتى نطيل اليوم وقفاً على الساكن أو عطفاً على الموضع ...
стр. 3085
وأنشدني لنفسه أيضاً:
ومهفهف عني الزمان بخده ... فكساه ثوبي ليله ونهاره
لا مهدت عذري محاسن وجهه ... إن غض عندي منه غض عذاره وأنشدته يوماً في أثناء مناشدة جرت بيننا قول شرف الدين أبي المحاسن محمد المعروف بابن عنين الدمشقي - المقدم ذكره (١) - في صدر جهان المعروف بابن مازه البخاري وقيل السرخسي (٢) :
مال ابن مازه دونه لعفاته ... خرط القتادة أو منال الفرقد
مالٌ لزوم الجمع يمنع صرفه ... في راحةٍ مثل المنادى المفرد فقال: هذا ليس بجيد، فقلت له: ولم ذاك فقال: ليس من شرط المنادى المفرد أن يكون مضموماً، ولابد، فقد يكون المنادى مفرداً ولا يكون مضموماً بأن يكون نكرة غير معين كما تقول: يا رجلاً، ولكن أنا أعمل في هذا شيئاً. ثم إننا اجتمعنا بعد ذلك في الجامع فقال: قد عملت في ذلك المعنى شيئاً فاسمعه، ثم أنشد:
لنا خليل له خلال ... تعرب عن أصله الأخس
أضحت له مثل حيث كف ... وددت لو أنها كأمس فقلت له: وهذا أيضاً فيه كلام، فقال: وما هو فقلت: حيث فيها لغات، فمن العرب من يبنيها على الضم، ومنهم من يبنيها على الفتح، ومنهم من بينيها على الكسر، وفيها لغات أخر غير هذه، وأما أمس فمنهم من بينيها على الكسر، ومنهم من يقول: إنها اسم معرب لكنه لا ينصرف، وأنشدوا على هذه اللغة:
لقد رأيت عجباً مذ أمسا ... عجائزاً مثل السعالي خمساً