الرخص والضرورات وكتاب " الرياحين " وكتاب " صدق المدائح " وكتاب " الأسماء المعربة " وكتاب " إثبات المنازعة " وكتاب " معالم التاريخ " وكتاب " التوسع في مضايق القول " وكتاب " الحيلة والاحتراس "] (١) .
[وكانت بينه وبين أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد المعروف بابن شرف القيرواني وقائع وماجريات يطول شرحها، وقصدنا الاختصار] (٢) .
ورشيق: بفتح الراء وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف.
والمسيلة: قد تقدم ذكرها فلا حاجة إلى إعادته.
١٦٦ - (٣)
ابن أبي الشخباء
الشيخ المجيد أبو علي الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشخباء العسقلاني صاحب الخطب المشهور والرسائل المحبرة؛ كان من فرسان النثر، وله فيه اليد الطولى. ويقال: إن القاضي الفاضل، رحمه الله تعالى، كان جل اعتماده على حفظ كلامه وإنه كان يستحضر أكثره. وذكره عماد الدين الأصبهاني في " الخريدة " فقال: " المجيد مجيد كنعته، قادر على ابتداع الكلام ونحته، له " الخطب البديعة والملح الصنيعة "، وذكره ابن بسام في الذخيرة وسرد له جملة من الرسائل، وذكر هذا المقطوع من نظمه، وهو من بعض قصيد:
стр. 562
ما زال يختار الزمان ملوكه ... حتى أصاب المصطفى المتخيرا
قل للألى ساسوا الورى وتقدموا ... قدما هلموا شاهدوا المتأخرا
تجدوه أوسع في السياسة منكم ... صدراً وأحمد في العواقب مصدرا
إن كان رأي شاوروه أحنفاً ... أو كان بأس نازلوه عنترا
قد صام والحسنات ملء كتابه ... وعلى مثال صيامه قد أفطر
ولقد تخوفك العدو بجهده ... لو كان يقدر أن يرد مقدرا
إن أنت لم تبعث إليه ضمراً ... جرداً بعثت إليه كيداً مضمرا
يسري ما حملت رجال أبيضاً ... فيه ولا ادرعت كماة أسمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم ... وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا
عجبوا لحلمك أن تحول سطوة ... وزلال خلقك كيف عاد مكدرا
لا تعجبوا من رقة وقساوة ... فالنار تقدح من (١) قضيب أخضرا وقد اقتصرت منها على هذا القدر خوفاً من التطويل (٢) .
ومن المنسوب إلى ابن أبي الشخباء أيضاً قوله:
يا سيف نصري والمهند يانع ... وربيع أرضي والسحاب مصاف
أخلاقك الغر النميرة ما لها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف
والإفك في مرآة رأيك ما له ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف ورأيت في ديوانه البيتين المشهورين:
حجاب وإعجاب وفرط تصلف ... ومد يد نحو العلا بتكلف
ولو كان هذا من وراء كفاية ... عذرنا ولكن من وراء تخلف [ومن شعره أيضاً:
يجود بالماء غيث السحب منقطعاً ... وغيث كفك بالأموال متصل
стр. 563
جاري نداك ولم يظفر ببغيته ... فحمرة البرق في حافاته خجل ومن شعره:
ومهفهف علق السقام بطرفه ... وسرى فخيم في معاقد خصره
مزقت أثواب الظلام بثغره ... ثم انثنيت أحوكها من شعره] (١) وذكر أنه توفي مقتولاً بخزانة البنود، وهي سجب بمدينة القاهرة المعزية، سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والشخباء: بفتح الشين المثلثة وسكون الخاء المعجمة وبعد الباء الموحدة ألف ممدودة.
والعسقلاني: نسبة إلى مدينة عسقلان وهي مشهورة على الساحل.
١٦٧ - (٢)
ابن زولاق
أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد (٣) بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي مولاهم (٤) المصري، كان فاضلاً في التاريخ، وله فيه مصنف جيد، وله كتاب في خطط مصر استقصى فيه، وكتاب " أخبار قضاة مصر " جعله ذيلاً على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي الذي ألفه في
стр. 564
أخبار قضاة مصر وانتهى فيه إلى سنة ست وأربعين ومائتين، فكمله ابن زولاق المذكور، وابتدأ بذكر القاضي بكار بن قتيبة، وختمه بذكر محمد بن النعمان، وتكلم على أحواله إلى رجب سنة ست وثمانين وثلثمائة؛ وكان جده الحسن بن علي من العلماء المشاهير.
وكانت وفاته - أعني أبا محمد - يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
ورأيت في كتابه الذي صنفه في أخبار قضاة مصر، في ترجمة القاضي أبي عبيد، أن الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة، ثم قال: قبل مولدي بثلاثة أشهر، فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور في شعبان سنة ست وثلثمائة. وروى عن الطحاوي.
وزولاق: بضم الزاي وسكون الواو وبعد اللام ألف قاف.
والليثي - بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة - هذه النسبة إلى ليث بن كنانة، وهي قبيلة كبيرة.
قال ابن يونس المصري: هو ليثي بالولاء.
١٦٨ - (١)
ملك النحاة
أبو نزار الحسن بن أبي الحسن صافي بن عبد الله بن نزار بن أبي الحسن النحوي المعروف بملك النحاة؛ ذكره العماد الكاتب في " الخريدة " فقال: كان من الفضلاء المبرزين، وحكى ما جرى بينهما من المكاتبات بدمشق، وبرع في
стр. 565
النحو حتى صار أنحى أهل طبقته (١) ، وكان فهماً فصيحاً ذكياً إلا أنه كان عنده عجب بنفسه وتيه، لقب نفه ملك النحاة، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك. وخرج عن بغداد بعد العشرين (٢) وخمسمائة، وسكن واسط مدة، وأخذ عنه جماعة من أهلها أدباً كثيراً، واتفقوا على فضله ومعرفته.
وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " فقال: ورد إربل وتوجه إلى بغداد سومع بها الحديث، وقرأ مذهب الإمام الشافعي ﵁ وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، والخلاف على أسعد الميهني، وأصول الفقه على أبي الفتح ابن برهان صاحب " الوجيز " و " الوسيط " في أصول الفقه، وقرأ النحو على الفصيحي، وكان الفصيحي قد قرأ على عبد القاهر الجرجاني صاحب " الجمل الصغرى " (٣) . ثم سافر إلى خراسان وكرمان وغزنة، ثم رحل إلى الشام واستوطن دمشق، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثامن شوال، ودفن يوم الأربعاء تاسعه سنة ثمان وستين وخمسمائة وقد ناهز الثمانين، ودفن بمقبرة باب الصغير، رحمه الله تعالى.
[ثم ظفرت بمولده في سنة تسع وثمانين وأربعمائة، بالجانب الغربي من بغدادبشارع دار الرقيق] (٤) .
وله مصنفات كثيرة في الفقه والأصلين والنحو (٥) ، وله ديوان شعر، ومدح النبي ﷺ بقصيدة (٦) ، ومن شعره:
سلوت بحمد الله عنها فأصبحت ... دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها
стр. 566
على أنني لا شامت إن أصابها ... بلاء، ولا راض بواش يعيبها وله أشياء حسنة، وكان مجموع فضائل.
١٦٩ - (١)
أبو محمد العسكري
أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃؛ أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، وهو والد المنتظر صاحب السرداب ويعرف بالعسكري، وأبوه علي يعرف أيضاً بهذه النسبة - وسيأتي ذكره وذكر بقية الأئمة إن شاء الله تعالى -.
وكانت ولادة الحسن المذكور يوم الخميس في بعض شهور سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقيل سادس شهر ربيع الأول، وقيل الآخر، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (٢) . وتوفي يوم الجمعة، وقيل يوم الأربعاء لثماني ليال خلون من شهر ربيع الأول، وقيل جمادى الأولى سنة ستين ومائتين بسر من رأى، ودفن بجنب (٣) قبر أبيه، رحمهما الله تعالى.
والعسكري - بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وفتح الكاف وبعدها راء - هذه النسبة إلى سر من رأى. ولما بناها المعتصم وانتقل إليها بعسكره
стр. 567
قيل لها العسكر (١) ، وإنما نسب الحسن المذكور إليها لأن المتوكل أشخص أباه عليا إليها (٢) وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، فنسب هو وولده إليها.
١٧٠ - (٣)
أبو نواس
أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح المعروف بأبي نواس الحكمي الشاعر المشهور؛ كان جده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان، ونسبته إليه.
ذكر محمد بن داود بن الجراح في كتاب " الورقة " (٤) أن أبا نواس ولد بالبصرة ونشأ بها، ثم خرج إلى الكوفة مع والبة بن الحباب، ثم صار إلى بغداد. وقال غيره: إنه ولد بالأهواز ونقل منها وعمره سنتان. وأمه أهوازية اسمها جلبان، وكان أبوه من جند مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، وكان من أهل دمشق، وانتقل إلى الأهواز للرباط فتزوج جلبان وأولدها عدة أولاد منهم: أبو نواس وأبو معاذ؛ فأما أبو نواس فأسلمته أمه إلى بعض العطارين، فرآه أبو أسامة والبة بن الحباب، فاستحلاه (٥) ، فقال له: إني أرى فيك مخايل،
стр. 568
أرى لك أن لا تضيعها، وستقول الشعر، فاصحبني أخرجك (١) ، فقال لهك ومن أنت فقال: أنا أبو أسامة والبة بن الحباب، فقال: نعم، أنا والله في طلبك، ولقد أردت الخروج إلى الكوفة بسبب لآخذ عنك وأسمع منك شعرك؛ فصار أبو نواس معه وقدم به بغداد، فكان أول ما قاله من الشعر، وهو صبي (٢) :
حامل الهوى تعب ... يستخفه (٣) الطرب
إن بكى يحق له (٤) ... ليس ما به لعب
تضحكين لاهية ... والمحب ينتحب
تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب وهي أبيات مشهورة.
وروى أن الخصيب صاحب ديوان الخراج بمصر سأل أبا نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي، فأمسك عنه.
وقال إسماعيل بن لوبخت: ما رأيت قط أوسع علماً من أبي نواس، ولا أحفظ منه مع قلة كتبه، ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قمطراً فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو لا غير.
وهو في الطبقة الأولى من المولدين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في العشرة، وقد اعتنى بجمع شعره جماعة من الفضلاء: منهم أبو بكر الصولي وعلي بن حمزة وإبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري المعروف بتوزون، فلهذا يوجد ديوانه مختلفاً، ومع شهرة ديوانه لا حاجة إلى ذكر شيء منه.
[وكان أبو نواس قوي البديهة والارتجال؛ روي أن الخصيب قال له مرة
стр. 569
وهو بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في الشعر ولكنك لا تخطب، فقام من فوره فقال مرتجلاً:
نحلتكم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصح بنصيب
رماكم أمير المؤمنين بحية ... أكول لحيات البلاد شروب
فإن يك باقي إثم فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب ثم التفت إليه وقال: والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف رأيت فاعتذر إليه وحلف: ما كنت إلا مازحاً] (١) .
ورأيت في بعض الكتب أن المأمون كان يقول: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي نواس (٢) :
ألا كل حي هالك (٣) وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق والبيت الأول ينظر إلى قول امرئ القيس (٤) :
فبعض اللوم عاذلتي فإني ... سيكفيني التجارب وانتسابي
إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي وقد سبق في ترجمة الحسن البصري نظير هذا المعنى.
وما أحسن ظنه بربه حيث يقول (٥) :
[تكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم وقال وهي من رواية أخرى:]
стр. 570
تكثر ما استطعت من الخطايا ... فإنك بالغ ربا غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفواً ... وتلقى سيداً ملكاً كبيرا
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا (١) وهذا من أحسن المعاني وأغربها؛ وأخباره كثيرة.
ومن شعره الفائق المشهور قصيدته الميمية التي حسده عليها أبو تمام حبيب المقدم ذكره ووازنها بقوله (٢) :
دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام وأول قصيدة أبي نواس المشار إليها، وهي مما مدح به الأمين محمد بن هارون الرشيد أيام خلافته (٣) :
يا دار ما صنعت (٤) بك الأيام ... لم يبق فيك بشاشة تستام (٥) يقول من جملتها في صفة ناقته:
وتجشمت بي هول كل تنوفة ... هوجاء فيها جرأة إقدام
تذر المطي وراءها فكأنها ... صف تقدمهن وهي إمام
وإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام وهذا البيت له حكاية سيأتي ذكرها في ترجمة ذي الرمة غيلان الشاعر المشهور.
(١٨) وقد أذكرني هذا البيت واقعة جرت لي مع صاحبنا جمال الدين محمود
стр. 571
ابن عبد الله الإربلي الأديب المجيد في صناعة الألحان وغير ذلك، فإنه جاءني إلى مجلس الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة في بعض شهور سنة خمس وأربعين وستمائة وقعد عندي ساعة، وكان الناس يزدحمون (١) لكثرة أشغالهم حينئذ، ثم نهض وخرج، فلم أشعر إلا وقد حضر غلامه وعلى يده رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات:
يا أيها المولى الذي بوجوده ... أبدت محاسنها لنا الأيام
إني حججت إلى مقامك حجة ال ... أشواق لا ما يوجب الإسلام
وأنخت بالحرم الشريف مطيتي ... فتسربت واستاقها الأقوام
فظللت أنشد عند نشداني لها ... بيتاً لمن هو في القريض إمام
" وإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام " فوقفت عليها وقلت لغلامه: ما الخبر فذكر أنه لما قام من عندي وجد مداسة قد سرق، فاستحسنت منه هذا التضمين. والعرب يشبهون النعل بالراحلة، وقد جاء هذا في شعر المتقدمين والمتأخرين، واستعمله المتنبي في مواضع من شعره.
ثم جاءني من بعد جمال الدين المذكور، وجرى ذكر هذه الأبيات، فقلت له: ولكن أنا اسمي أحمد، لا محمد، فقال: علمت ذلك، ولكن أحمد ومحمد سواء، وهذا التضمين حسن ولو كان الاسم أي شيء كان.
وكان محمد الأمين المقدم ذكره قد سخط على أبي نواس لقضية جرت له معه، فتهدده بالقتل وحبسه، فكتب إليه من السجن (٢) :
بك أستجير من الردى ... متعوذاً من سطو باسك
وحياة رأسك لا أعو ... ذ لمثلها، وحاية رأسك
من ذا يكون أبا نوا ... سك إن قتلت أبا نواسك (٣)
стр. 572
وله معه وقائع كثيرة.
[حدث أحمد بن معاوية الباهلي عن عطاء الملك قال: دخلنا المسجد الجامع فإذا على السارية - مكتوب بخط جليل - التي إليها أبو عبيدة يجلس:
صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا قال: فقال لي أبو عبيدة: امحه، قلت: لا أناله، فركع وارتفعت على ظهره حتى محوته فقلت: لم يبق إلا الطاء، فقال: الطامة في الطاء، فمحوتها، فلما جلس قال: والله ما أتهم بهذا إلا الخبيث الماجن المتهنك - يعني أبا نواس -؛ قال: فبلغ قوله أبا نواس، فحلف أنه لم يفعل ذلك، فقبل يمينه.
وكان أبو عبيدة يحب أبا نواس ويقدمه لظرفه وأدبه، وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويشنأ الأصمعي ويهجوه، فقيل له: ما تقول في الأصمعي فقال: بلبل في قفص؛ قيل: فما تقول في خلف الأحمر قال: جمع العلم وفهمه؛ قيل: فما تقول في أبي عبيدة قال: ذاك أديم طوي على علم] (١) .
[وكان بمصر رجل يعرف بالحسن بن عمر الأجهري يقول الشعر الضعيف، وكان ناقص العقل، فقيل له: إن أردت أن يعلو شأنك في الشعر فاهج أبا نواس، فأتاه وهو جالس في المجلس والناس حوله فأنشده:
ألا قل للنواسي الض ... عيف الحال والقدر
خبرنا منك أحوالاً ... فلم نحمدك في الخبر
وما روعت بالمنظ ... ر ولكن رعت بالكدر قال: وكان هذا الشاعر من أوحش الناس صورة، فنظر إليه أبو نواس وقال: بم أهجوك وبأي شيء أصفك وقد سبقني الله تعالى إلى توحش منظرك وتقبيح مخبرك وهل أكون إن قلت شيئاً إلا سارقاً من ربي ومتكلفاً
стр. 573
على ما قد كفاني فقال له بعض من معه: اهجه على حال لا نقول إنه أفحمك، فقال من وزن شعره:
بما أهجوك لا أدري ... لساني فيك لا يجري
إذا فكرت في هجو ... ك أبقيت على شعري قال: فقاموا على أبي نواس فقبلوا رأسه وصفقوا الأيدي جهرا] (١) .
[حدث الصولي عن عبد الله بن محمد بن حفص قال: غلست يوماً إلى المسجد فإذا بأبي نواس يكلم امرأة عند باب المسجد، وكنت أعرفه في مجالس الحديث والآداب، فقلت له: مثلك يقف هذا الموقف بحق أو باطل فاعتذر ثم كتب إلي ذلك اليوم هذه الأبيات:
إن التي أبصرتها ... سحراً تكلمني رسول
دست إلي رسالة ... كادت لها نفسي تزول
من واضح الخدين يق ... صر خطوه ردف ثقيل
متنكب قوس الصبا ... يرمي وليس له رسيل
فلو أن أذنك عندنا ... حتى تسمع ما تقول
لرأيت ما استقبحت من ... أمري لديك هو الجميل] (٢) [وحكى الصولي عن إسماعيل بن نصر أخي محمد بن نصر الذي يقول فيه أبو نواس من جملة قصيد:
فصلى هذه في وقت هذي ... فكل صلاته أبداً قضاء
وذاك محمد تفديه نفسي ... وحق له وقل له الفداء] قال: رأيت أبا نواس وقد صلى الظهر وقام يتطوع فقلت له: ما بدا لك في
стр. 574
هذا قال: ليصعد إلى السماء اليوم خبر ظريف.
حكى الصولي عن أبي العتاهية قال: لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته وقلت له: أما آن لك أن ترعوي أما حان لك أن تزدجر فرفع رأسه إلي وقال:
أتراني يا عتاهي ... تاركاً تلك الملاهي
أتراني مفسداً بالنس ... ك عند القوم جاهي قال: فلما ألححت عليه بالعذل أنشأ يقول:
لن ترجع الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر قال: فوددت اني قلت هذا البيت بكل شيء قلته.
وقال أبو العتاهية: قد قلت عشرين ألف بيت في الزهد وددت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي:
يا نواسي توقر ... وتعز وتصبر
إن يكن ساءك دهر ... فلما سرك أكثر يا كبير الذنب عفو الله عن ذنبك أكبر ... وأشيع عن أبي نواس أنه رجع عما كان عليه من البطالة وشرب الخمر وزهد في اللذات، فاجتمع أصحابه وأقبلوا عليه يهنئونه بذلك، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل عليه أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلاً وأنشد:
قالوا نزعت ولما يعلموا وطري ... في كل أغيد ساجي الطرف مياس
كيف النزوع وقلبي قد تقسمه ... لحظ العيون وقرع السن بالكاس قال محمد بن نافع: كان أبو نواس لي صديقاً، فوقع بيني وبينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغتني وفاته فتضاعف علي الحزن؛ فبينا أنا بين النائم واليقظان إذا رأيته فقلت: أبا نواس قال: لات حين كنية، قلت: الحسن بن هانئ
стр. 575
قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك قال: غفر لي بأبيات قلتها في علتي قبل موتي وهي تحت الوسادة؛ فأتيت أهله فلما رأوني أجهشوا بالبكاء فقلت لهم: قال أخي شعراً قبل موته، قالوا: لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئاً لا ندري ما هو، قلت: ايذنوا لي أدخل؛ قال: فدخلت إلى مرقده فإذا ثيابه لم تحرك بعد، فرفعت وسادة فلم أر شيئاً ثم رفعت أخرى فإذا أنا برقعة فيها مكتوب:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يدعوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
أدعوك رب كما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم أني مسلم] (١) وقد سبق في ترجمة أبي عرم أحمد بن دراج القسطلي ذكر بعض قصيدة أبي نواس الرائية (٢) .
وذكره الخطيب أبو بكر في " تاريخ بغداد " وقال: ولد في سنة خمس وأربعين وقيل سنة ست وثلاثين ومائة، وتفي في سنة خمس، وقيل ست، وقيل ثمان وتسعين ومائة ببغداد، ودفن في مقابر الشونيزي، رحمه الله تعالى.
وإنما قيل له أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه.
والحكمي - بفتح الحاء المهملة والكاف وبعدها ميم - هذه النسبة إلى الحكم بن سعد الشعيرة، قبيلة كبيرة باليمن منها الجراح بن عبد الله الحكمي، وكان أمير خراسان، وقد تقدم أن أبا نواس من مواليه فنسب إليه. وقد تقدم الكلام على سعد العشيرة في ترجمة المتنبي في حرف الهمزة.
وأما الصولي فتأتي ترجمته في المحمدين، وعلي بن حمزة لم أقف له على ترجمة (٣) .
стр. 576
(١٩) وتوزون أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد وبرع فيه، وكان يسكن بغداد، وتوفي في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
١٧١ - (١)
ابن وكيع التنيسي
أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد الضبي المعروف بابن وكيع التنيسي الشاعر المشهور؛ أصله من بغداد ومولده بتنيس. ذكره أبو منصور الثعالبي في " يتيمة الدهر "، وقال في حقه: " شاعر بارع، وعالم جامع، قد برع على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه، وله كل بديعة تسحر (٢) الأوهام، وتستعبد الأفهام "، وذكر مزدوجته المربعة (٣) ، وهي من جيد النظم، وأورد له غيرها، وله ديوان شعر جيد، وله كتاب بين فيه سرقات ابي الطيب المتنبي سماه " المنصف " (٤) ، وكان في لسانه عجمة، ويقال له العاطس، ومن شعره (٥) :
سلا عن حبك القلب المشوق ... فما يصبو إليك ولا يتوق
جفاؤك كان عنك لنا عزاء ... وقد يسلي عن الولد العقوق وله أيضاً:
стр. 577
[كأنها في الكؤوس إذ جليت ... من عسجد رق لونه وصفا
أغضبها الماء حين مازجها ... وأزبدت في كؤوسها أنفا
در حباب يود مبصره ... لو كان يوماً لأذله شنفا وله أيضاً] (١) :
إن كان قد بعد اللقاء فودنا ... دان، ونحن على النوى أحباب
كم قاطع للوصل يؤمن وده ... ومواصل بوداده يرتاب وله أيضاً:
لقد شمت بقلبي ... لا فرج الله عنه
كم لمته في هواه ... فقال لابد منه ولقد ألم به بعضهم فقال:
لا رعى الله عزمة ضمنت لي ... سلوة القلب والتصبر عنه
ما وفت غير ساعة ثم عادت ... مثل قلبي تقول لابد منه ومثله قول أسامة بن منقذ الشيزري المقدم ذكره (٢) :
لا تستعر جلداً عن هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعاً، وغلا عدت عودة راغم وقال بعض الفقهاء: أنشدت الشيخ مرتضى الدين أبا الفتح نصر بن محمد بن مقلد القضاعي الشيزري المدرس كان بتربة الإمام الشافعي ﵁ بالقرافة لابن وكيع المذكور:
لقد قنعت همتي بالخمول ... وصدت عن الرتب العاليه
стр. 578
وما جهلت طيب طعم العلا ... ولكنها تؤثر العافية فأنشدني لنفسه على البديهة:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العاليه
وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافيه وله أيضاً - أعني ابن وكيع (١) -:
أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبل ذا رآه
فقال لي لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواه
فظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاه وكنت أنشدت هذه الأبيات لصاحبنا الفقيه شهاب الدين محمد ولد الشيخ تقي الدين عبد المنعم المعروف بالخيمي فأنشدني لنفسه في المعنى:
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفاصلنا على وجهٍ جميل وهذا البيت من جملة أبيات، ولقد أجاد فيه وأحسن في التورية.
وله كل معنى حسن.
وكانت وفاة ابن وكيع المذكور يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بمدينة تنيس، ودفن في المقبرة الكبرى في القبة التي بنية له بها، رحمه الله تعالى.
(٢٠) ووكيع (٢) - بفتح الواو وكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها
стр. 579
وبعدها عين مهملة - وهو لقب جده أبي بكر محمد بن خلف، وكان نائباً في الحكم بالأهواز لعبدان الجواليقي. وكان فاضلاً نبيلاً فصيحاً من أهل القرآن والفقه والنحو والسير وأيام الناس وأخبارهم، وله مصنفات كثيرة، فمنها: كتاب " الطريق " (١) وكتاب " الشريف " (٢) وكتاب " عدد آي القرآن والاختلاف فيه " وكتاب " الرمي والنضال " وكتاب " المكاييل والموازين " وغير ذلك، وله شعر كشعر العلماء. وتوفي يوم الأحد لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلثمائة ببغداد.
وقال ابن قانع: توفي عبدان الأهوازي سنة سبع وثلثمائة بعسكر مكرم، رحمه الله تعالى.
والتنيسي - بكسر التاء المثناة من فوقها وكسر النون المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة - نسبة إلى تنيس مدينة بديار مصر بالقرب من دمياط، بناها تنيس بن حام بن نوح ﵇ فسميت باسمه.
(٢١) وتوفي المرتضى الشيزري المذكور في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بمصر، ودفن بسفح المقطم، رحمه الله تعالى.
١٧٢ - (٣)
ابن العلاف الشاعر
أبو بكر الحسن بن علي بن أحمد بن بشار بن زياد المعروف بابن العلاف الضرير النهرواني الشاعر المشهور؛ كان من الشعراء المجيدين، وحدث عن أبي عمر
стр. 580
الدوري المقرئ وحميد بن مشعدة البصري ونصر بن علي الجهضمي ومحمد بن إسماعيل الحساني، وروى عنه عبد الله بن الحسن بن النخاس وأبو الحسن الخراجي القاضي وابو حفص ابن شاهين وغيرهم (١) ، وكان ينادم الإمام المعتضد بالله.
وقال (٢) : بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندامائه، فأتانا خادم ليلاً فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت الليلة بعد انصرافكم فقلت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد وقد أرتج علي تمامه، فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة، قال: فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر فاضل، فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود فرجع الخادم إليه ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت، وقد أمر لك بجائزة.
وكان لأبي بكر المذكور هر يأنس به، وكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل فراخها، وكثر ذلك منه، فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بهذه القصيدة وقد قيل: إنه رثى بها عبد الله بن المعتز - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وخشي من الإمام المقتدر أن يتظاهر بها لأنه هو الذي قتله، فنسبها إلى الهر وعرض به في أبيات منها، وكانت بينهما صحبة أكيدة.
وذكر محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه الصغير الذي سماه " المعارف المتأخرة " في ترجمة الوزير أبي الحسن علي بن الفرات ما مثاله: قال الصاحب أبو القاسم ابن عباد: أنشدني أبو الحسن ابن أبي بكر العلاف وهو الأكول المقدم في الأكل في مجالس الرؤساء والملوك قصائد أبيه في الهر، وقال: إنما كنى بالهر عن المحسن بن الفرات أيام محنته لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه.
قلت أنا: وهذا المحسن ولد الوزير المذكور، وسيأتي خبر ذلك في ترجمة
стр. 581
أبيه أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات إن شاء الله تعالى.
وذكر صاعد اللغوي في كتاب " الفصوص " قال: حدثني أبو الحسن المرزباني قال: هويت جارية لعلي بن عيسى غلاماً لأبي بكر ابن العلاف الضرير، ففطن بهما فقتلا جميعاً وسلخا وحشيت جلودهما تبناً، فقال أبو بكر مولاه هذه القصيدة يرثيه بها وكنى عنه بالهر، والله أعلم.
وهي من أحسن الشعر وأبدعه، وعددها خمسة وستون بيتاً، وطولها يمنع من الإتيان بجميعها فنأتي بمحاسنها، وفيها أبيات مشتملة على حكم فنأتي بها، وأولها:
يا هر فارقتنا ولم تعد ... وكنت عندي بمنزل الولد
فكيف ننفك عن هواك وقد ... كنت لنا عدة من العدد
تطرد عنا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من حية ومن جرد
وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السدد
يلقاك في البيت منهم مدد ... وأنت تلقاهم بلا مدد
لا عدد كان منك متفلتاً (١) ... منهم ولا واحد من العدد
لا ترهب الصيف عند هاجرة ... ولا تهاب (٢) الشتاء في الجمد
وكان يجري ولا سداد لهم ... أمرك في بيتنا على سدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الردى بظلمهم ... ومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبي عليك مرتعداً ... وأنت تنساب غير مرتعد
تدخل برج الحمام متئداً ... وتبلغ الفرخ غير متئد
وتطرح الريش في الطريق لهم ... وتبلغ اللحم بلع مزدرد
أطعمك الغي لحمها فرأى ... قتلك أربابها (٣) من الرشد
стр. 582
حتى إذا داوموك واجتهدوا ... وساعد النصر كيد مجتهد
كادوك دهراً فما وقعت وكم ... أفلت من كيدهم ولم تكد
فحين أخفرت وانهمكت وكا ... شفت وأسرفت غير مقتصد
صادوك غيظاً عليك وانتقموا ... منك وزادوا ومن يصد يصد
ثم شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يرعووا على أحد ومنها:
فلم تزل للحمام مرتصداً ... حتى سقيت الحمام بالرصد
لم يرجموا صوتك الضعيف كما ... لم ترث منها لصوتها الغرد
أذاقك الموت ربهن كما ... أذقت أفراخه يداً بيد ومنها:
كأن حبلاً حوى بجودته ... جيدك للخنق كان ممن مسد
كأن عيني تراك مضطرباً ... فيه وفي فيك رغوة الزبد
وقد طلبت الخلاص منه فلم ... تقدر على حيلة ولم تجد
فجدت بالنفس والبخيل بها ... أنت ومن لم يجد بها يجد
فما سمعنا بمثل موتك إذ ... مت ولا مثل عيشك النكد
عشت حريصاً يقوده طمع ... ومت ذا قاتل بلا قود ومنها:
يا من لذيذ الفراخ أوقعه ... ويحك هلا قنعت بالغدد
ألم تخف وثبة الزمان كما ... وثبت في البرج وثبة الأسد
عاقبة الظلم لا تنام وإن ... تأخرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ ولا ... يأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وما ... أعزه في الدنو والبعد
لا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعد
стр. 583
كم دخلت لقمة حشا شره ... فأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تسورك ال ... برج ولو كان جنة الخلد
قد كنت في نعمة وفي دعة ... من العزيز المهيمن الصمد
تأكل من فأر بيتنا رغداً ... وأين بالشاكرين للرغد
وكنت بددت شملهم زمناً ... فاجتمعوا بعد ذلك البدد
فلم يبقوا لنا على سبد ... في جوف أبياتنا ولا لبد
وفرغوا قعرها وما تركوا ... ما علقته يد على وتد
وفتتوا الخبز في السلال فكم ... تفتتت للعيال من كبد
ومزقوا من ثيابنا جدداً ... فكلنا في المصائب الجدد ونقتصر من هذه القصيدة على هذا القدر فهو زبدتها.
وكانت وفاته سنة ثماني عشرة، وقيل تسع عشرة وثلثمائة، وعمره مائة سنة، رحمه الله تعالى.
والنهرواني - بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء والواو وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى النهروان، وهي بليدة قديمة بالقرب من بغداد، وقال السمعاني: هي بضم الراء، وليس بصحيح.
١٧٣ - (١)
أبو الجوائز الواسطي
أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد بن باري الكاتب الواسطي؛ كان من الفضلاء، سكن بغداد دهراً طويلاً، وذكره الخطيب في تاريخه فقال: وعلقت
стр. 584
عنه أخباراً وحكايات وأناشيد وأمالي عن ابن شكرة الهاشمي وغيره، ولم يكن ثقة، فإنه ذكر لي أنه من ابن سكرة وكان يصغر عن ذلك. وكان أديباً شاعراً حسن الشعر في المديح والأوصاف وغير ذلك، فمما أنشدنيه لنفسه قوله:
دع الناس طراً واصرف الود عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح
ولا تبغ من دهر تظاهر رنقه ... صفاء بنيه فالطباع جوامح
وشيئان معدومان في الأرض: درهم ... حلال وخل في الحقيقة ناصح انتهى قول الخطيب.
وله تواليف حسان وخط جيد وأشعار رائقة، وقفت له على مقاطيع كثيرة ولم أر له ديواناً ولا أعلم هل دون شعره أم لا. ومن أشعاره السائرة قوله:
براني الهوى بري المدى وأذابني ... صدودك حتى صرت أمحل من أمس
فلست أرى حتى أراك وإنما ... يبين هباءُ الذر في ألق الشمس [ومن شعره:
أقول وجرس الحلي يمنع وصلها ... وقد عاد ذاك القرب وهو بعاد
هبي كل ذي نطق يغار عليكم ... فكيف يغار الحلي وهو جماد] (١) ومن شعره أيضاً وفيه لزوم ما لا يلزم:
واحزني من قولها ... خان عهودي ولها
وحق من صيرني ... وقفاً عليها ولها
ما خطرت بخاطري ... إلا كستني ولها وكانت وفاته سنة ستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وقال الخطيب:
стр. 585
سمعت أبا الجوائز يقول: ولدت في سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، وغاب عني خبره في سنة ستين وأربعمائة، انتهى كلام الخطيب.
قلت: وقد صح أن وفاته كانت في سنة ستين كما ذكرته أولاً، والله أعلم، وإن كان الخطيب لم يصرح به بل اقتصر على انقطاع خبره لا غير.
١٧٤ - (١)
العلم الشاتاني
أبو علي الحسن بن سعيد بن عبد الله بن بندار بن إبراهيم الشاتاني الملقب علم الدين؛ كان فقيهاً غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به، وكان قد ترك بلده ونزل الموصل واستوطنها (٢) ، وكان يتردد منها إلى بغداد، وكان الوزير أبو المظفر ابن هبيرة كثير الإقبال عليه والإكرام له.
وذكره العماد الكاتب في " الخريدة " [وأثنى عليه] وأورد له أشعاراً، وقال: مدح صلاح الدين بقصيدة أولها:
أرى النصر معقوداً برايتك الصفرا ... فسر وافتح (٣) الدنيا فأنت بها أحرى ومنها:
стр. 586
يمينك فيها اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى بهما بشرى وكان مولده في سنة عشر وخمسمائة وتوفي في شعبان سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالموصل، رحمه الله تعالى.
وذكره ابن الدبيثي في ذيله، وأثنى عليه.
وشاتان - بفتح الشين المعجمة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها وبعد الألف الثانية نون - وهي بلد بنواحي ديار بكر (١) .
١٧٥ - (٢)
ناصر الدولة ابن حمدان
أبو محمد الحسن الملقب ناصر الدولة ابن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون ابن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحارث بن غطيف بن محربة بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، التغلبي؛ كان صاحب الموصل وما والاها، وتنقلت به الأحوال تارات إلى أن ملك الموصل بعد أن كان نائباً بها عن أبيه، ثم لقبه الخليفة المتقي لله " ناصر الدولة " وذلك في مستهل شعبان سنة ثلاثين وثلثمائة، ولقب أخاه " سيف الدولة " في ذلك اليوم أيضاً، وعظم شأنهما. وكان الخليفة المكتفي بالله قد ولى أباهما عبد الله بن حمدان الموصل وأعمالها في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فسار إليها ودخلها في أول سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وكان ناصر الدولة أكبر سناً من أخيه سيف الدولة وأقدم منزلة عند
стр. 587
الخلفاء، وكان كثير التأدب معه؛ وجرت بينهما يوماً وحشة، فكتب إليه سيف الدولة:
لست أجفو وإن جفيت ولا أت ... رك حقاً علي في كل حال
إنما أنت والد والأب الجا ... في يجازى بالصبر والإحتمال [ (١) حكى هلال بن المحسن عن معز الدولة ابن بويه وكان منازلاً لناصر الدولة أبي محمد بن حمدان، فجاءه غلام فقال: إن اغتلت ابن حمدان وقتلته ما يكون لي عليك قال: اقتراحك؛ ووعده وعداً ملأ به صدره، فمضى واختلط بعكسر ناصر الدولة وتوصل إلى أن عرف موضع منامه ليلاً من خيمته، ثم جاء وقد اشتمل على دشنة فدخل الخيمة من تحت الطنب وقد تفرق الناس ونام الحراس فوجد ناصر الدولة نائماً على سرير وفي جانب الخيمة شمعة وعلى بعد منه جماعة، فتأمل موضع رأسه من رجليه ثم أطفأ الشمعة لئلا يصيح إذا جرحه فينذر به ويؤخذ، وجاءه يريد الموضع الذي فيه رأسه، فاتفق أن ناصر الدولة تقلب من جنب إلى جنب فزال عن المكان وجاء الغلام يريد موضعه فغرز الدشنة غرزاً استقصى فيه وظن أنه قد بلغ المراد، فأحسن ناصر الدولة بعدوه فانتبه فرأى الشمعة وقد أطفئت وأطناب الخيمة مرفوعة، فصاح بالغلمان فبادروا وجاءوا بضوء وشاهدوا الصورة فجزع، وأمر بالزيادة في الاحتراس ولم يعلم كيف جرى الأمر، وعاد الرجل فأخبر معز الدولة أنه قد قتل ناصر الدولة فلم يعطه ما وعده به لكنه أطلق له شيئاً وقال لأبي جعفر الصيمري: من يقدم على الملوك مثل إقدام هذا لا يجوز استبقاؤه فضلاً أن يوثق بمكانه، وما الذي يؤمننا أن يبذل لأعدائنا مثل ما بذل لنا فأرحني منه كيف شئت، فأخذه الصيمري فغرقه] .
وكتب إليه مرة أخرى وذكرها الثعالبي في " اليتيمة " (٢) :
стр. 588
رضيت لك العليا وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
ولم يك بي (١) عنها نكول وإنما ... تجافيت (٢) عن حقي فتم لك الحق
ولا بد لي من أن أكون مصلياً ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق [وأورد له أيضاً قوله:
قد جرى في دمعه دمه ... فإلى كم أنت تظلمه
رد عنه الطرف منك فقد ... خرقته منك أسهمه
كيف يسطيع التجلد من ... خطرات الوهم تؤلمه] (٣) وكان ناصر الدولة شديد المحبة لأخيه سيف الدولة، فلما توفي سيف الدولة - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - تغيرت أحوال ناصر الدولة وساءت أخلاقه وضعف عقله، إلى أن لم يبق له حرمة عند أولاده وجماعته، فقبض عليه ولده أبو تغلب فضل الله الملقب عدة الدولة المعروف بالغضنفر بمدينة الموصل باتفاق من إخوته، وسيره إلى قلعة أردمشت (٤) في حصن السلامة، وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن هذه القلعة هي التي تسمى الآن قلعة كواشي، وذلك في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلثمائة، ولم يزل محبوساً بها إلى أن توفي يوم الجمعة وقت العصر ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، ونقل إلى الموصل ودفن بتل توبة شرقي الموصل؛ وقيل إنه توفي سنة سبع وخمسين.
وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني في كتاب " عنوان السير " في آخر ترجمة ناصر الدولة ما مثاله: ولم يزل - يعني ناصر الدولة - مستولياً على ديار الموصل وغيرها حتى قبض عليه ابنه الغضنفر في سنة ست وخمسين وثلثمائة، وكانت
стр. 589
إمارته هناك اثنتين وثلاثين سنة، وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثلثمائة (١) ، رحمه الله تعالى، وقتل أبوه ببغداد وهو يدافع عن الإمام القاهر بالله - وقصته مشهورة - لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة سبع عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
(٢٢) وأما الغضنفر (٢) بن ناصر الدولة فإنه جرت له مع عضد الدولة ابن بويه لما ملك بغداد بعد قتله بختيار ابن عمه المقدم ذكره - وقد كان معه في الواقعة التي قتل فيها - قضايا يطول شرحها، وحاصلها أن عضد الدولة قصده بالموصل فهرب منه إلى الشام ونزل بظاهر دمشق، والمستولي عليها قسام العيار، فكتب إلى العزيز بن المعز صاحب مصر يسأله تولية الشام، فأجابه إلى ذلك ظاهراً ومنعه باطناً. فتوجه إلى الرملة في المحرم سنة سبع وستين، وبها المفرج بن الجراح البدوي الطائي، فهري منه ثم جمع له جموعاً وعاد إليه، فالتقيا على بابها في يوم الاثنين لليلة خلت من صفر من السنة، فانهزم أصحابه وأسر وقتل يوم الثلاثاء ثاني صفر المذكور، ومولده يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلثمائة (٣) .
ونقلت نسبهم على هذه الصورة من كتاب " أدب الخواص " للوزير أبي القاسم الحسين ابن المغربي، وقال محمد بن أحمد (٤) الأسدي النسابة: اسم تغلب دثار، وإنما سمي تغلب لأن أباه وائلاً قصدته اليمن في داره لتسبي أهله، فصرخ في أهله وعشيرته، فنصر على اليمن، وكان تغلب طفلاً، فتبرك به وقال: هذا تغلب، فسمي به (٥) .
стр. 590
١٧٦ - (١)
ركن الدولة ابن بويه
أبو علي الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي الملقب ركن الدولة؛ وقد تقدمت تتمة نسبه في حرف الهمزة عند ذكر أخيه معز الدولة أحمد. وكان ركن الدولة المذكور صاحب أصبهان والري وهمذان وجميع عراق العجم، وهو والد عضد الدولة فناخسرو ومؤيد الدولة أبي منصور بويه وفخر الدولة أبي الحسن علي، وكان ملكاً جليل القدر عالي الهمة، وكان أبو الفضل ابن العميد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وزيره، ولما توفي استوزر ولده أبا الفتح علياً؛ وكان الصاحب بن عباد وزير ولده مؤيد الدولة، ولما توفي وزر لفخر الدولة - وقد تقدم ذلك في حرف الهمزة في ترجمة الصاحب -. وكان مسعوداً ورزق السعادة في أولاده الثلاثة، وقسم عليهم الممالك فقاموا بها أحسن قيام. وكان ركن الدولة المذكور أوسط الأخوة الثلاثة، وهم عماد الدولة أبو الحسن علي وركن الدولة المذكور ومعز الدولة أبو الحسين أحمد - وقد سبق ذكره - وكان عماد الدولة أكبرهم، ومعز الدولة أصغرهم.
[ولما كان في سنة ٣٣٩ سار الخراسانيون منصور بن قراتكين ومن معه إلى الري، وكان ركن الدولة ببلاد فارس، فلما وصل جرت بينه وبينهم حروب عدة، وضاقت الميرة على الطائفتين وذبحوا دوابهم، ولو أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل، فاستشار وزيره أبا الفضل ابن العميد في بعض الليالي في الهرب، فقال: لا ملجأ لك إلا إلى الله تعالى، فانو للمسلمين خيراً وصمم العزم على حسن السيرة والإحسان فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا وإن انهزمنا تبعونا وأهلكونا وهم أكثر منا فلا يفلت منا أحد، فقال له: قد سبقتك إلى هذا،
стр. 591
فلما كان ثلث الليل الأخير أتاهم الخبر أن منصوراً وعسكره قد عادوا إلى الري وتركوا خيامهم، وكان سبب ذلك أن الميرة والعلوفة ضاقت عليهم أيضاً إلا أن الديلم كانوا يصبرون ويقتنعون بالقليل من الطعام وكان الخراسانية بالضد منهم.
وحكى أبو الفضل ابن العميد (١) قال: استدعاني ركن الدولة تلك الليلة في الثلث الأخير وقال لي: قد رأيت الساعة في منامي كأني على دابتي فيروز وقد انهزم عدونا وأنت تسير إلى جانبي وقد جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب فممدت عيني فرأيت على الأرض خاتماً فأخذته وإذا فصه من فيروز فجعلته في إصبعي فتبركت به وانتبهت وقد أيقنت بالظفر، فإن الفيروزج معناه الظفر، وكذلك لقب الدابة فيروز، قال ابن العميد: فأتانا الخبر والبشارة بأن العدو قد رحل فما صدقنا حتى تواردت الأخبار، فركبنا ولا نعرف سبب هزيمتهم، وسرنا حذرين من كمين، وسرت إلى جانب ركن الدولة وهو على فرسه فيروز، فصاح ركن الدولة لغلام بين يديه: ناولني ذلك الخاتم، فأخذ خاتماً من الأرض فناوله إياه فإذا هو من فيروزج فجعله في إصبعه وقال: هذا تأويل رؤياي، وهذا الخاتم الذي رأيت من ساعة، وهذا من أحسن ما يحكى وأعجبه.
وكان ركن الدولة يقول: مثل خراسان في صعوبة فتحها ونزارة دخلها كابن آوى: يصعب صيده ولا يحصل خيره؛ وهو معنى قول الشاعر:
إن ابن آوى لشديد المقتنص ... هو إذا ما صيد ريح في قفص] (٢) وتوفي ركن الدولة ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ست وستين وثلثمائة بالري، ودفن في مشهده. ومولده تقديراً في سنة أربع وثمانين ومائتين، قاله أبو إسحاق الصابئ، وملك أربعاً وأربعين سنة وشهراً وتسعة أيام، وتوى بعده ولده مؤيد الدولة، رحمه الله تعالى.
стр. 592
١٧٧ - (١)
الحسن بن سهل
أبو محمد الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسي؛ تولى وزارة المأمون بعد أخيه ذي الرياستين الفضل وحظي عنده، وقد تقدم في حرف الباء ذكر ابنته بوران وصورة زواجها من المأمون والكلفة التي احتفل بها والدها الحسن فلا حاجة إلى إعادتها. وكان المأمون قد ولاه جميع البلاد التي فتحها طاهر بن الحسين - وقد ذكرته في ترجمته - وكان عالي الهمة كثير العطاء للشعراء وغيرهم، وقصده بعض الشعراء وأنشده:
تقول خليلتي لما رأتني ... أشد مطيتي من بعد حل
أبعد الفضل ترتحل المطايا ... فقلت نعم إلى الحسن بن سهل فأجزل عطيته. وخرج مع المأمون يوماً يشيعه، فلما عزم على مفارقته قال له المأمون: يا أبا محمد، الك حاجة قال: نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك. وقال بعضهم: حضرت مجلس الحسن ابن سهل وقد كتب لرجل كتاب شفاعة، فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن: يا هذا، علام تشكرنا إنا نرى الشفاعات زكاة مروءاتنا [ثم أنشأ يقول:
فرضت علي زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطيع ... فاجهد بوسعك كله أن تنفعا] (٢)
стр. 593
قال الحاكي: وحضرته يوماً وهو يملي كتاب شفاعة، فكتب في آخره: إنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضل جاهه يوم القيامة، كما يسأل عن فضل ماله. وقال لبنيه: يا بني تعلموا النطق، فإن فضل الإنسان على سائر البهائم به، وكلما كنتم بالنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق.
[وكان سهل والد الحسن المذكور يتقهرم (١) ليحيى بن خالد بن برمك، وضم يحيى الحسن والفضل ابني سهل إلى ابنيه الفضل وجعفر يكونان معهما، فضم جعفر بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد فغلب عليه ولم يزل معه إلى أن قتل بخراسان، فكتب المأمون إلى الحسب بن سهل وهو ببغداد يعزيه بأخيه ويعلمه أنه قد استوزره وأجراه مجراه، فلم يكن أحد من بني هاشم ولا من القواد يخالف للحسن أمراً ولا يخرج له من طاعة، إلى أن بايع المأمون لعلي بن موسى الرضا بالعهد، فغضب بنو العباس وخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي، فحاربه الحسن بن سهل، فضعف عنه، فانحدر الحسن إلى فم الصلح فأقام به، ووجه من فم الصلح من حارب إبراهيم، فضعف أمر إبراهيم واستتر، وقد تقدم ذكر ذلك. ثم دخل المأمون بغداد وكتب إلى الحسن بن سهل فقدم عليه، فزاد المأمون في كرامته وتشريفه عند تسليمه عليه وذلك في سنة أربع ومائتين.
قال ثعلب: قيل للحسن وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السرف خير، فقال: بل ليس في الخير سرف. فرد اللفظ واستوفى المعنى.
ودخل على الحسن أعرابي مدحه بشعر استحسنه، فلما فرغ منه قال له الحسن: اجلس واحتكم، وهو يظن أن الأعرابي صغير الهمة؛ فقال: ألف ناقة، فوجم الحسن ولم تكن في وسعه يومئذ، وكره أن يفتضح، فأطرق إطراقة ثم قال: يا أعرابي، ليس بلدنا بلد إبل ولكن كما قال امرؤ القيس (٢) :
إذا ما لم تكن إبلاً فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي قال: قد رضيت، قال: فالحق يحيى بن خاقان يعطك ألف شاة، فصار إلى
стр. 594
يحيى فأعطاه عن كل شاة ديناراً.
وكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم غنيم لم يمطر: أما ترى تكافؤ الطمع واليأس في يومنا هذا بقرب المطر وبعده كأنه قول كثير (١) :
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... [تخليت مما بيننا] وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت وأمنيتي إلا في لقائك، ورقعتي هذه الأبيات، وقد أدرت زجاجات أخذت من عقلي ولم تتحيفه، وبعثت نشاطاً حركني على الكتاب إليك، فرأيك في إمطاري سروراً بسار خبرك، إذ حرمت السرور بالمطر في هذا اليوم، موفقاً إن شاء الله تعالى. فأجابه الحسن بن وهب: وصل كتاب الأمير أيده الله ويدي عاملة وفمي طاعم، فلذلك تأخر الجواب قليلاً، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته وما استحق ذماً لأنه إن أشمس حكى ضيائك وحسنك، وإن أمطر أشبه سخاءك وجودك، وإن أغام فلم يشمس ولم يمطر فقد أشبه طيب ظلك ولذة فنائك؛ وسؤال الأمير أيده الله عني نعمة من الله أعفي بها آثار الزمان المسيء، وأنا كما يحب الأمير، صرف الله الحوادث عنه وعن حظي منه.
ووقع الحسن بن سهل في رقعة: وقد أمرنا لك بشيء هو دون قدرك إلى استحقاق وفوق الكفاية مع الاقتصار.
وتعرض إليه رجل فقال له: من أنت قال: أنا الذي أحسنت إلي عام كذا، فقال: مرحباً بمن توسل إلينا بنا.
وافتعل رجل على الحسن كتاباً إلى إبراهيم الرازي - وكان أمير الأهواز - فقال له: والله لئن كنت صادقاً فما في ملكي ما يفي بحق الوزير، وإن كنت مفتعلاً فما في قدرتي ما يفي بعقوبتك، فحبسه وبعث يستعلم أمر الكتاب، وبلغ ذلك الحسن فأمر أن يكتب إليه: أما كان في صغير ما أنعمنا به عليك ما تصدق به مخلية رجل توسل بنا إن كان مبطلاً فكيف وهو محق
стр. 595
وكان الحسن بن سهل يقول: عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه.
ونظر يوماً إلى رجل في مجلسه يعبس في كأسه فقال: ما أنصفتها: تضحك في وجهك وتعبس في وجهها.
وكان يقول: من أدمن شم النرجس في الشتاء أمن البرسام في الصيف] (١) .
ولم يزل على وزارة المأمون إلى أن ثارت عليه المرة السوداء، وكان سببها كثرة جزعه على أخيه الفضل لما قتل - وسيأتي خبره في حرف الفاء إن شاء الله تعالى - واستولت عليه حتى حبس في بيته ومنعته من التصرف. وذكر الطبري في تاريخه أن الحسن بن سهل في سنة ثلاث ومائتين غلبت عليه السوداء، وكان سببها أنه مرض مرضاً شديداً فهاج به من مرضه تغير عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيت، فاستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد. وكانت وفاته سنة ست وثلاثين في مستهل ذي الحجة، وقيل خمس وثلاثين ومائتين، بمدينة سرخس، رحمه الله تعالى. ومدحه يوسف الجوهري بقوله:
لو أن عين زهير عاينت حسناً ... وكيف يصنع في أمواله الكرم
إذا لقال زهير حين يبصره ... هذا الجواد على العلات، لا هرم قلت: وحديث زهير وهرم بن سنان مذكور في آخر هذا الكتاب في ترجمة يحيى بن عيسى المعروف بابن مطروح فليكشف منه؛ وللحسن بن سهل في ترجمة أبي بكر محمد الخوارزمي الشاعر ذكر فلينظر هناك.
والسرخسي - بفتح السين والراء المهملتين وسكون الخاء المعجمة وبعدها سين مهملة - هذه النسبة إلى سرخس وهي من بلاد خراسان.
стр. 596
١٧٨ - (١)
الوزير المهلبي
أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي المهلبي الوزير؛ كان وزير معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي - المقدم ذكره في حرف الهمزة - تولى وزارته يوم الاثنين لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلثمائة. وكان من ارتفاع القدر واتساع الصدر وعلو الهمة وفيض الكف على ما هو مشهور به، وكان غاية في الأدب والمحبة لأهله. وكان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة والضائقة، وكان قد سافر مرة ولقي في سفره مشقة صعبة واشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال ارتجالاً (٢) :
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصني من العيش الكريه
إذا أبصرت قبراً من بعيد ... وددت لو أنني مما يليه
ألا رحم المهيمن نفس (٣) حر ... تصدق بالوفاة على أخيه وكان معه رفيق يقال له: ابو عبد الله الصوفي، وقيل أبو الحسين العسقلاني، فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحماً وطبخه وأطعمه، وتفارقا. وتنقلت بالمهلبي الأحوال، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة المذكور، وضاقت الحال
стр. 597
برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم (١) ، وبلغه وزارة المهلبي فقصده وكتب إليه:
ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقالة مذكر (٢) ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لنضك عيش (٣) ... " ألا موت يباع فأشتريه " فلما وقف عليه تذكره وهزته أريحية الكرم، فأمر له في الحال بسبعمائة درهم ووقع في رقعته (٤) (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) ثم دعا به فخلع عليه وقلده عملاً يرتفق به.
ولما ولي المهلبي الوزارة بعد تلك الإضاقة عمل:
رق الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرقي
فأنالني ما أرتجيه ... وحاد عما (٥) أتقى
فلأطفحن عما أتا ... هـ (٦) من الذنوب السبق
حتى جنايته بما ... صنع المشيب بمفرقي وله أيضاً (٧) :
قال لي من أحب والبين قد ج ... د وفي مهجتي لهيب الحريق (٨)
ما الذي في الطريق تصنع بعدي ... قلت أبكي عليك طول الطريق ومن المنسوب إليه في وقت الإضاقة من الشعر ما كتبه إلى بعض الرؤساء،
стр. 598
وقيل إنهما لأبي نواس:
ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياة ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا وقال أبو إسحاق الصابئ صاحب الرسائل: كنت يوماً عند الوزير المهلبي فأخذ ورقة وكتب، فقلت بديها (١) :
له يد برعت جوداً بنائلها ... ومنطق دره في الطرس ينتثر
فحاتم كامن في بطن راحته ... وفي أناملها سحبان مستتر وكان لمعز الدولة (٢) مملوك تركي في غاية الجمال، يدعى تكين الجامدار، وكان شديد المحبة له، فبعث سرية لمحاربة بعض بني حمدان وجعل المملوك (٣) المذكور مقدم الجيش، وكان الوزير المهلبي يستحسنه ويرى أنه من أهل الهوى لا مدد الوغى، فعمل فيه:
طفل يرق الماء في ... وجناته ويرف عوده
ويكاد من شبه العذا ... رى فيه أن تبدو نهوده
ناطوا بمعقد خصره ... سيفاً ومنطقة تؤوده
جعلوه قائد عسكر ... ضاع الرعيل ومن يقوده وكذا كان، فإنه ما أنجح في تلك الحركة، وكانت الكرة عليهم.
ومن شعره النادر في الرقة قوله (٤) :
تصارمت الأجفان لما صرمتني ... فما نلتقي إلا على عبرة تجري
стр. 599
ومحاسن الوزير المهلبي كثيرة.
وكانت ولادته ليلة الثلاثاء لأربع بقين من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين بالبصرة. وتوفي يوم السبت لثلاث بقين من شعبان (١) سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة في طريق واسط، وحمل إلى بغداد، فوصل إليها ليلة الأربعاء لخمس خلون من شهر رمضان من السنة المذكورة، ودفن في مقابر قريش في مقبرة النوبختية، رحمه الله تعالى.
والمهلبي - بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام المفتوحة وبعدها باء موحدة - هذه النسبة إلى المهلب المذكور أولاً، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ولما مات الوزير المذكور رثاه أبو عبد الله الحسين بن الحجاج الشاعر المشهور (٢) - وسيأتي ذكره - بقوله:
يا معشر الشعراء دعوة موجع ... لا يرتجى فرج السلو لديه
عزوا القوافي بالوزير فإنها ... تبكي دماً بعد الدموع عليه
مات الذي أمسى الثناء وراءه ... والعفو عفو الله (٣) بين يديه
هدم الزمان بموته الحصن الذي ... كنا نفر من الزمان إليه
فليعلمن بنو بويه أنه ... فجعت به أيام آل بويه
стр. 600
١٧٩ - (١)
الوزير نظام الملك
أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الملقب نظام الملك قوام الدين الطوسي؛ ذكر السمعاني، في كتاب " الأنساب " في ترجمة الراذ كان، أنها بليدة صغيرة بنواحي طوس، قيل إن نظام الملك كان في نواحيها (٢) ، وكان من أولاد الدهاقين، واشتغل بالحديث والفقه، ثم اتصل بخدمة علي بن شاذان المعتمد عليه بمدينة بلخ - وكان يكتب له - فكان يصادره في كل سنة، فهرس منه وقصد داود بن ميكائيل بن سلجوق، والد السلطان ألب أرسلان فظهر له منه النصح والمحبة، فسلمه إلى ولده ألب أرسلان وقال له: اتخذه والداً ولا تخالفه فيما يشير به، فلما ملك ألب أرسلان - كما سيأتي في موضعه من حرف الميم إن شاء الله تعالى - دبر أمره فأحسن التدبير، وبقي في خدمته عشر سنين، فلما مات ألب أرسلان وازدحم أولاده على الملك وطد المملكة لولده ملك شاه فصار الأمر كله لنظام الملك، وليس للسلطان إلا التخت والصيد، وأقام على هذا عشرين سنة.
ودخل على الإمام المقتدى بالله، فأذن له في الجلوس بين يديه، وقال له: يا حسن، رضي الله عنك برضاء أمير المؤمنين عنك.
وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والصوفية، وكان كثير الإنعام على الصوفية، وسئل عن سبب ذلك فقال: أتاني صوفي وأنا في خدمة بعض الأمراء فوعظني وقال: اخدم من تنفعك خدمته ولا تشتغل بمن تأكله الكلاب غداً، فلم أعلم