خارجة، فطلق الهندين اعتقاداً منه أن رؤياه تتأول بهما، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه محمد من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد، فقال: والله هذا تأويل رؤياي، محمد ومحمد في يوم واحد، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: من يقول شعراً يسليني به فقال الفرزدق (١) :
إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمد ومحمد
ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد (١٥) وكانت وفاة أخيه محمد لليال خلت من رجب سنة إحدى وتسعين للهجرة، وهو والي اليمن، فكتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يعزيه، فكتب الحجاج جوابه: يا أمير المؤمنين، ما التقيت أنا ومحمد منذ كذا وكذا سنة إلا عاماً واحداً، وما غاب عني غيبة أنا لقرب اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا يتفرق فيها مؤمنان.
ومعتب: بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوقها وكسرها وبعدها الباء الموحدة.
والثقفي - بفتح الثاء المثلثة والقاف وبعدها الفاء - هذه النسبة إلى ثقيف، وهي قبيلة كبيرة مشهورة بالطائف.
١٥٠ - (٢)
حجاج بن أرطاة
حجاج بن أرطاة أبو أرطاة النخعي الكوفي، سمع عطاء بن أبي رباح وغيره، وروى عنه الثوري وشعبة وحماد بن زيد وهشيم وابن المبارك وزيد بن هارون،
стр. 527
وكان من حفاظ الحديث ومن الفقهاء، واستفتي وهو ابن ست عشرة سنة، وولي القضاء بالبصرة إلا أنه كان مدلساً عمن لم يلقه فيرسل تارة عن مجاهد وتارة عن الزهري ولم يلقهما. قال أبو العباس المبرد في " الكامل " (١) [وغيره] : وخبرت أن قاصاً كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان، فاتفق هرم معه مرة في المسجد وهو يقول: حدثنا هرم بن حيان، فقال له: يا هذا أتعرفني أنا هرم بن حيان ما حدثتك من هذا بشيء قط، قال له القاص: وهذا من عجائبك أيضاً؛ إنه ليصلي معنا في مسجدنا خمسة عشر رجلاً اسم كل رجل منهم هرم بن حيان، فكيف توهمت أنه ليس في الدنيا هرم بن حيان غيرك ويقرب من هذا أنه كان في الرقة قاص يكنى أبا عقيل يكثر من التحدث عن بني إسرائيل فنظن به الكذب، فقال له يوماً الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل قال: حنتمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أي الكتب وجدت هذا قال: في كتاب عمرو بن العاص؛ انتهى كلام المبرد.
وكان الحجاج بن أرطاة المذكور مع المنصور في وقت بناء مدينته وتولى خطها ونصب قبلة مسجدها، وهو أول من ولي القضاء لبني العباس بالبصرة، وكان فيه تيه كثير خارج عن الحد؛ جاء يوماً إلى حلقة البتي فجلس في عرض الحلقة، فقيل له: ارتفع إلى الصدر، فقال: أنا صدر حيث كنت؛ وقال أبو يوسف: كان الحجاج بن أرطاة لا يشهد جمعة ولا جماعة ويقول: أكره مزاحمة الأنذال.
وقال عبد الملك بن عبد الحميد: حدثني أبي غير مرة قال: مكث الحجاج ابن أرطاة يتعيش من غزل أمة له كذا وكذا سنة، وكأنه قال ستين سنة، ثم أخرجه أبو جعفر المنصور مع ابنه المهدي إلى خراسان فقدم بسبعين مملوكاً. وقال: ربما رأيته - يعني الحجاج - يضع يده على رأسه ويقول: قتلني حب الشرف.
стр. 528
وكان حجاج بن أرطاة يقع في أبي حنيفة ﵁ ويقول: إن أبا حنيفة لا يعقل لله عقلة. وكان في اصحاب أبي جعفر وضمه إلى المهدي فلم يزل معه حتى توفي في سنة خمسين ومائة بالري، رحمه الله تعالى، والمهدي بها يومئذ في خلافة أبي جعفر. وكان ضعيفاً في الحدث.
١٥١ - (١)
ابن مسكين
أبو عمر الحارث بن مسكين المصري مولى محمد بن زياد بن عبد العزيز بن مروان؛ رأى الليث بن سعد وسأله وسمع سفيان بن عيينة الهلالي وعبد الرحمن ابن القاسم العتقي وعبد الله بن وهب القرشي وروى عنه كافة المصريين. وكان فقيهاً على مذهب مالك بن أنس ﵁، وكان ثقة في الحديث ثبتاً، حمله المأمون إلى بغداد في ايام المحنة وسجنه لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل ببغداد محبوساً إلى أن ولي جعفر المتوكل فأطلقه وأطلق جميع من كان في السجن.
حدث الحارث ببغداد ورجع إلى مصر وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر فلم يزل يتولاه من سنة سبع وثلاثين ومائتين إلى أن صرف في سنة خمس وأربعين. ولما خرج الحارث من بغداد إلى مصر اغتنم عليه أبو علي ابن الجوري غماً شديداً، فكتب إلى سعدان بن يزيد وهو مقيم بمصر يشكو ما نزل به من غم لفقد الحارث بن مسكين، وكان كتب في أسفل كتابه:
من كان يسليه نأي عن أخي ثقةٍ ... فإنني غير سالٍ آخر الأبدِ
стр. 529
ففرقت بيننا الأقدار واضطربت ... بالوجد والشوق نار الحزن في الكبد فأجابه سعدان بن يزيد:
أيها الشاكي إلينا وحشة ... من حبيب نأيه عنه بعد
حسبك الله أنيساً فبه ... يأنس المرء إذا المرء سعد
كل أنس بسواه زائل ... وأنيس الله في عز الأبد وكانت ولادة الحارث بن مسكين في سنة أربع وخمسين ومائة، وتوفي لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومائتين، وصلى عليه يزيد بن عبد الله - أمير كان على مصر - وكبر عليه خمساً، رحمه الله تعالى.
١٥٢ - (١)
المحاسبي
أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري الأصل الزاهد المشهور؛ أحد رجال الحقيقة (٢) ، وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن، وله كتب في الزهد والأصول وكتاب " الرعاية " له، وكان قد ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئاً، قيل: لأن أباه كان يقول بالقدر، فرأى من الورع أن لا يأخذ ميراثه، وقال: صحت الرواية عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يتوارث أهل ملتين شتى) ، ومات وهو محتاج إلى درهم.
стр. 530
ويحكى عنه أنه كان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على إصبعه عرق، فكان يمتنع منه. وسئل عن العقل ما هو، فقال: نور الغريزة مع التجارب، يزيد ويقوى بالعلم والحلم. وكان يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء (١) .
وتوفي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والمحاسبي: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف سين مهملة مكسورة وبعدها باء موحدة. قال السمعاني (٢) : وعرف بهذه النسبة، لأنه كان يحاسب نفسه، وقال: كان أحمد بن حنبل ﵁ يكرهه لنظره في علم الكلام وتصنيفه فيه، وهجره فاستخفى من العامة، فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة نفر. وله مع الجنيد بن محمد حكايات مشهورة.
١٥٣ - (٣)
أبو فراس ابن حمدان
أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان - وسيأتي تتمة نسبه عند ذكرهما إن شاء الله تعالى -؛ قال الثعالبي في وصفه (٤) : " كان فرد (٥) دهره، وشمس
стр. 531
عصره، أدباً وفضلاً، وكرماً ومجداً، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر (١) ، بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة، ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعد اشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان الصاحب بن عباد يقول: بدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيباً له وإجلالاً، لا إغفالاً وإخلالاً. وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته وستخلفه في أعماله ".
وكانت الروم (٢) قد أسرته في بعض وقائعها، وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه، ونقلته إلى خرشنة، ثم منها قسطنطينية، وذلك في سنة ثمان. وأربعين وثلثمائة، وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسين.
قلت: هكذا قال أبو الحسن علي بن الزراد الديلمي، وقد نسبوه في ذلك إلى الغلط، وقالوا: أسر أبو فراس مرتين، فالمرة الأولى بمغارة الكحل في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وما تعدوا به خرشنة، وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها، وفيها يقال: إنه ركب فرسه وركضه برجله، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات، والله أعلم، والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوال سنة إحدى وخمسين، وحملوه إلى قسطنطينية. وأقام في الأسر أربع سنين، وله في السر أشعار كثيرة مثبتة في ديوانه. وكانت مدينة منبج إقطاعاً له، ومن شعره (٣) :
قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
стр. 532
فرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال البارد
فصبرت كالولد التقي لبره ... أغضى على ألم لضرب الوالد وله أيضاً (١) :
أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان منه حبيب
يعد علي الواشيان (٢) ذنوبه ... ومن أين للوجه الجميل (٣) ذنوب وله أيضاً (٤) :
سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله
فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمائله
ألوى بعزمي (٥) أصداغ لوين له ... وغال قلبي بما (٦) تحوي غلائله ومحاسن شعره كثيرة.
وقتل في واقعة جرت بينه وبين موالي أسرته في سنة سبع وخمسين وثلثمائة.
ورأيت في ديوانه أنه لما حضرته الوفاة كان ينشد مخاطباً ابنته (٧) :
أبنيتي لا تجزعي (٨) ... كل الأنام إلى ذهاب
نوحي علي بحسرة ... من خلف سترك والحجاب
قولي إذا كلمتني ... فعييت عن رد الجواب
زين الشباب أبو فرا ... س لم يمتع بالشباب
стр. 533
وهذا يدل على أنه لم يقتل، أو يكون قد جرح وتأخر هوته، ثم مات من الجراحة.
[وقيل إن هذا الشعر قاله وهو أسير في أيدي الروم، وكان قد جرح ثم أسر ثم خلص من الأسر، فداه سيف الدولة مع من فودي من أسرى المسلمين] .
قال ابن خالويه: لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص، فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة وغلام أبيه قرغويه، فأنفذ إليه من قاتله، فأخذ وقد ضرب ضربات فمات (١) في الطريق.
وقرأت في بعض التعاليق: أن أبا فراس قتل يوم الأربعاء لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وثلثمائة، في ضيعة تعرف بصدد.
وذكر ثابت بن سنان الصابئ في تاريخه (٢) ، قال: في يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وثلثمائة، جرت حرب بين أبي فراس، وكان مقيماً بحمص، وبين أبي المعالي بن سيف الدولة، واستظهر عليه أبو المعالي وقتله في الحرب وأخذ رأسه وبقيت جثته مطروحة في البرية إلى أن جاءه بعض الأعراب فكفنه ودفنه.
قال غيره: وكان أبو فراس خال أبي المعالي، وقلعت أمه سخينة عينها لما بلغها وفاته، وقيل إنها لطمت وجهها فقلعت عينها. وقيل لما قتله قرغويه لم يعلم به أبو المعالي، فما بلغه الخبر شق عليه.
ويقال: إن مولده كان في سنة عشرين وثلثمائة، والله أعلم. وقيل: سنة إحدى وعشرين.
(١٦) وقتل أبوه سعيد في رجب سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة، قتله ابن أخيه ناصر الدولة بالموصل، عصر مذاكيره حتى مات لقصة يطول شرحها، وحاصلها أنه شرع في ضمان الموصل وديار ربيعة من جهة الراضي بالله، ففعل ذلك سراً، ومضى إليها في خمسين غلاماً، فقبض ناصر الدولة عليه حين وصل
стр. 534
إليها ثم قتله، فأنكر ذلك الراضي حين بلغه، رحمهم الله تعالى.
[وحكى ابن خالويه أيضاً (١) قال: كتب أبو فراس إلى سيف الدولة وقد شخص من حضرته إلى منزله بمنبج كتاباً صدره: كتابي أطال الله بقاء مولانا من المنزل وقد وردته ورود السالم الغانم مثقل الظهر والظهر وفراً وشكراً، فاستحسن سيف الدولة بلاغته ووصف براعته، وبلغ ذلك أبا فراس فكتب إليه:
هل للفصاحة والسما ... حة والعلا عني محيد
إذ أنت سيدي الذي ... ربيتني وأبي سعيد
في كل يوم أستفي ... د من العلاء وأستزيد
ويزيد في إذا رأي ... تك للندى خلق جديد وكان سيف الدولة قلما ينشط لمجلس الأنس لاشتغاله عنه بتدبير الجيوش وملابسة الخطوب وممارسة الحروب، فوافت حضرته إحدى المحسنات من قيان بغداد، فتاقت نفس أبي فراس إلى سماعها ولم ير أن يبدأ باستدعائها قبل سيف الدولة، فكتب إليه يستحثه على استحضارها:
محلك الجوزاء أو أرفع ... وصدرك الدهناء أو أوسع
وقلبك الرحب الذي لم يزل ... للجد والهزل به موضع
رفه بقرع العود سيفاً غدا ... قرع العوالي جل ما يسمع فبلغت هذه الأبيات الوزير المهلبي فأمر القيان والقوالين بتحفظها وتلحينها، وصار لا يشرب إلا عليها.
وأهدى الناس إلى سيف الدولة فأكثروا، فكتب إليه أبو فراس:
نفسي فداؤك قد بعث ... ت بعهدتي بيد الرسول
أهديت نفسي إنما يه ... دى الجليل إلى الجليل
стр. 535
وجعلت ما ملكت يدي ... صلة المبشر بالقبول وعزم سيف الدولة على غزو واستخلاف أبي فراس على الشام فكتب إليه قصيدة منها:
قالوا المسير فهز الرمح عامله ... وارتاح في جفنه الصمصامة الخذم
حقاً لقد ساءني أمر ذكرت له ... لولا فراقك لم يوجد له ألم
لا تشغلن بأمر الشام تحرسه ... إن الشآم على من حله حرم
وإن للثغر سوراً من مهابته ... صخوره من أعادي أهله القمم
لا يحرمني سيف الدين صحبته ... فهي الحياة التي تحيا بها النسم
وما اعترضت عليه في أوامره ... لكن سألت ومن عاداته نعم وكتب إليه يعزيه:
لابد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد
كن المعزى لا المعزى به ... إن كان لابد من الواحد وله أيضاً:
المرء نصب مصايب ما تنقضي ... حتى يوارى جسمه في رمسه
فمؤجل يلقى الردى في أهله ... ومعجل يلقى الردى في نفسه وله أيضاً وقد سمع حمامة تنوح بقربه على شجرة عالية وهو في الأسر فقال:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتا هل بات حالك حالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ... ولا خطرت منك الهموم ببال
أتحمل محزون الفؤاد قوادم ... على غصن نائي المسافة عالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي تري روحا لدي ضعيفة ... تردد في جسم يعذب بالي
стр. 536
أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكن دمعي في الحوادث غالي] (١) وخرشنة - بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح الشين المثلثة والنون - وهي بلدة بالشام على الساحل، وهي للروم (٢) .
وقسطنطينية - بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون النون وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون - من أعظم مدائن الروم بناها قسطنطين، وهو أول من تنصر من ملوك الروم.
١٥٤ - (٣)
حرملة
أبو حفص وأبو عبد الله حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران بن قراد مولى سلمة بن مخرمة التجيبي (٤) الزميلي المصري صاحب الإمام الشافعي ﵁؛ كان أكثر أصحابه اختلافاً إليه واقتباساً منه، وكان حافظاً للحديث، وصنف " المبسوط " و " المختصر ". وروى عنه مسلم بن الحجاج فأكثر في
стр. 537
صحيحه من ذكره [روى عن محمد بن وهب المصري وغيره] (١) ، ومولده في سنة ست وستين ومائة، وتوفي ليلة الخميس لتسع بقين من شوال سنة ثلاث وأربعين ومائتين بمصر، وقيل أربع وأربعين، رحمه الله تعالى.
والتجيبي - بضم التاء المثناة من فوقها وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها باء موحدة - هذه النسبة إلى تجيب، وهو اسم امرأة نسبة إليها أولادها.
وقراد - بضم القاف وفتح الراء المهملة وبعد الألف دال مهملة.
والزميلي - بضم الزاي وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام - هذه النسبة إلى بني زميل، وهو بطن من تجيب.
(١٧) وتوفي حرملة بن عمران، جد حرملة المذكور، في صفر سنة ستين ومائة، ومولده سنة ثمانين للهجرة، رحمه الله تعالى.
١٥٥ - (٢)
الحسن بن علي بن أبي طالب
أو بمحمد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، وأمه فاطمة صلوات الله عليها بنت رسول الله ﷺ ؛ بويع له يوم مات أبوه ﵁، وكان أشبه الناس برسول الله ﷺ ، وأقام بالكوفة إلى شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وقتل عبد الرحمن بن ملجم، يقال إنه ضربه
стр. 538
بالسيف فاتقاه بيده فندرت وقتله، ثم سار إلى معاوية فالتقيا بمسكن من أرض الكوفة، فاصطلحا وسلم إليه الأمر وبايعه لخمس بقين من شهر ربيع الأول، ويقال إنه أعطاه خمس آلاف درهم ورجع إلى المدينة، وقال قوم انه صالحه بأذرح في جمادى الأولى وأخذ مائة ألف دينار، روى ذلك كله الدولابي. وكانت خلافته ستة أشهر وخمسة أيام؛ روى الشعبي قال: أنا شهدت خطبة الحسن - يعني حين سلم الأمر إلى معاوية -: قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، إن أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إنما هو حق لامرئ كان أحق بحقه مني أو حق لي تركته لمعاوية إرادة لصالح الأمة وحقنا لدمائهم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
روى سفينة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الخلافة بعدي ثلاثون عاماً ثم تكون ملكاً أو ملوكاً. وكان آخر ولاية الحسن ﵁ تمام ثلاثين سنة وثلاثة عشر يوماً من أول خلافة أبي بكر الصديق ﵁. ولم يزل الحسن بالمدينة إلى أن مات بها في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وله سبع وأربعون سنة، وقيل مات سنة خمسين، وهو أشبه بالصواب، وصلى عليه سعيد بن العاص ودفن بالبقيع، ويقال إنه دفن مع أمه صلوات الله عليها. وقال القتبي: يقال ان امرأته جعدة بنت الأشعث سمته ومكث شهرين، وأنه ليرفع من تحته كل يوم كذا وكذا طست من دم. وكان يقول: سقيت السم مراراً ما أصابني ما أصابني في هذه المرة. وخلف عليها رجل من قريش فأولدها غلاماً، فكان الصبيان يقولون له: يا ابن مسمة الأزواج.
ولما كتب مروان إلى معاوية بشكاته كتب إليه أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن؛ ولما بلغه موته سمع تكبيراً من الحضر، فكبر أهل الشام لذلك التكبير فقالت فاختة زوجة معاوية: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين، ما الذي كبرت له قال: مات الحسن، قالت: أعلى موت ابن فاطمة تكبر قال: والله ما كبرت شماتة بموته ولكن استراح قلبي. وكان ابن عباس بالشام، فدخل عليه فقال: يا ابن عباس، هل تدري ما حدث في أهل بيتك قال: لا أدري ما حدث
стр. 539
إلا أني أراك مستبشراً وقد بلغني تكبيرك وسجودك، قال: مات الحسن، قال: إنا لله، يرحم الله أبا محمد، ثلاثاً؛ ثم قال: والله يا معاوية لا تسد حفرته حفرتك ولا يزيد نقص عمره في يومك، وإن كنا أصبنا بالحسن لقد أصبنا بإمام المتقين وخاتم النبيين، فسكن الله تلك العبرة وجبر تلك المصيبة وكان الله الخلف علينا من بعده.
وكان أوصى لأخيه الإمام الحسين: إذا أنا مت فادفني مع رسول الله ﷺ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، وإن منعوك فادفني ببقيع الغرقد، فلبس الحسين ومواليه السلاح وخرجوا ليدفنوه مع رسول الله ﷺ ، فخرج مروان بن الحكم في بني أمية فمنعوهم من ذلك.
وقيل: لما احتضر الحسن ﵁ قال: أخرجوني إلى الصحراء لعلي أنظر في ملكوت السموات، يعني الآيات؛ فلما أخرج قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس علي، فكان مما صنع الله له أنه احتسب نفسه.
ومن طريف أخباره ما ذكره أبو العباس المبرد (١) أن مروان بن الحكم قال يوماً: إني مشغوف ببغلة الحسن، فقال له ابن أبي عتيق: إن دفعتها إليك أتقضي لي ثلاثين حاجة قال: نعم، قال: فإذا اجتمع الناس عندك العشية فإني آخذ في مآثر قريش ثم أمسك عن الحسن، فلمني على ذلك؛ فلما أخذ القوم مجالسهم أفاض في أولية قريش؛ قال له مروان: ألا تذكر أولية أبي محمد وله في هذا ما ليس لأحد قال: إنما كنا في ذكر الأشراف ولو كنا في ذكر الأنبياء لقدمنا ما لأبي محمد؛ فلما خرج ليركب تبعه ابن أبي عتيق فقال له الحسن وتبسم: ألك حاجة قال: نعم، البغلة، فنزل عنها ودفعها إليه.
وذكر ابن عائشة أن رجلاً من أهل الشام قال: دخلت المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فرأيت رجلاً راكباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابة منه، فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل: هذا الحسن بن علي ابن أبي طالب، فامتلأ قلبي له بغضاً وحسدت علياً أن يكون له ابن مثله،
стр. 540
فصرت إليه وقلت له: أأنت ابن علي بن أبي طالب قال: أنا ابنه، قلت: فعل بك وبأبيك - أسبهما؛ فلما انقضى كلامي قال لي: أحسبك غريباً قلت: أجل، قال: مل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة عاوناك؛ قال: فانصرفت عنه وما على الأرض أحب ألي منه وما فكرت فيما صنع وصنعت إلا شكرته وخزيت نفسي.
وحكى صاحب " العقد " قال (١) : بينا معاوية جالس في أصحابه إذ قيل له: الحسن بالباب، فقال معاوية: إنه إن دخل علينا أفسد ما نحن فيه، فقال له مروان بن الحكم: ايذن له فإني أسأله عما ليس عنده فيه جواب، قال معاوية: لا تفعل فإنهم قوم ألهموا الكلام، وأذن له، فلما دخل وجلس قال له مروان: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن، إن ذلك من الخوف، قال الحسن: ليس كما بلغك ولكنا معشر بني هاشم طيبة أفواهنا، عذبة شفاهنا، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن وقبلهن، وأنتم معشر بني أمية فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن عنكم إلى أصداغكم، فإنما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك؛ قال مروان: أما إن فيكم يا بني هاشم خصلة سوء، قال: ما هي قال: الغلمة، قال: أجل، نزعت الغلمة من نسائنا ووضعت في رجالنا ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام لأموية إلا هاشمي؛ فغضب معاوية وقال: قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم وافسد مجلسكم؛ فخرج الحسن رضوان الله عليه وهو يقول:
ومارست هذا الدهر خمسين حجة ... وخمساً أرجي قابلاً بعد قابل
فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها ... ولا في الذي أهوى كدحت بطائل
وقد أشرعت في المنايا أكفها ... وأيقنت أني رهن موت معاجل قال الحسن ﵁ لحبيب بن مسلمة الفهري (٢) : رب مسير لك في غير
стр. 541
طاعة الله، قال: أما مسيري إلى أبيك فلا، قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك، فلو كنت إذ فعلت شراً قلت خيراً كنت كما قال الله تعالى: (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا) (التوبة: ١٠٢) . ولكنك كما قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففون: ١٤) .
وقيل: دار بين الحسن والحسين كلام فتقاطعا فقيل للحسين: لو أتيت أخاك فهو أكبر سناً منك، فقال: إن الفضل للمبتدئ وأنا أكره أن يكون لي الفضل على أخي، فبلغ ذلك الحسن فأتاه.
وكان الحسن إذا فرغ من الوضوء تغير لونه، فقيل له في ذلك فقال: حق على من أراد أن يدخل على ذي العرض أن يتغير لونه.
١٥٦ - (١)
الحسن البصري
أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري؛ كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة. وأوبه مولى زيد بن ثابت الأنصاري ﵁، وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وربما غابت في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة، ﵂، ثديها (٢) تعلله به إلى أن تجيء أمه، فدر عليه ثديها فشربه، فيرون أن تلك
стр. 542
الحكمة والفصاحة من بركة ذلك.
قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج ابن يوسف الثقفي، فقيل له: فأيهما كان أفصح قال: الحسن.
ونشأ الحسن بوادي القرى، وكان من أجمل أهل البصرة، حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث.
وحكى الأصمعي عن أبيه قال: ما رأيت أعرض زنداً من الحسن، كان عرضه شبراً.
[وكان الحسن يقص في الحج، فمر به علي بن الحسين ﵉، فقال له: يا شيخ أترضى نفسك للموت قال: لا، قال: فلله في أرضه معاد غير هذا البيت قال: لا، قال: فثم دار للعمل غير هذه الدار قال: لا، قال: فعملك للحساب قال: لا، قال: فلم تشغل الناس عن طواف البيت قال: فما قص الحسن بعدها.
وقيل إن رجلاً أتى الحسن فقال: يا أبا سعيد إني حلفت بالطلاق ان الحجاج في النار فما تقول اقيم مع امرأتي أم أعتزلها فقال له: قد كان الحجاج فاجراً فاسقاً وما أدري ما أقول لك، إن رحمة الله وسعت كل شيء؛ وإن الرجل أتى محمد بن سيرين فأخبره بما حلف فرد عليه شبيهاً بما قاله الحسن؛ وإنه أتى عمرو بن عبيد فقال له: أقم مع زوجتك فإن الله تعالى إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا، ذكر ذلك المختار في تاريخه.
وكان في جنازة وفيها نوائح ومعه رجل فهم الرجل بالرجوع فقال له الحسن: يا أخي إن كنت كلما رأيت قبيحاً تركت له حسناً أسرع ذلك في دينك.
وقيل له: ألا ترى كثرة الوباء فقال: انفق ممسك واقلع مذنب، واتعظ جاحد.
ونظر إلى جنازة قد ازدحم الناس عليها فقال: مالكم تزدحمون ها تلك هي ساريته في المسجد، اقعدوا تحتها حتى تكونوا مثله؛ وحدث الحسن بحديث فقال له رجل: يا أبار سعيد عن من فقال: وما تصنع بعمن أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت عليك حجته؛ وقال له رجل: أنا أزهد منك
стр. 543
[وأفصح] ، قال أما أفصح فلا، قال: فخذ علي كلمة واحدة، قال: هذه؛ وقال لفرقد بن يعقوب: بلغني أنك [لا تأكل] الفالوذج، فقال: يا أبا سعيد أخاف ألا اؤدي شكره، قال الحسن: يا لكع هل تقدر تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه وقيل للحسن: إن فلاناً اغتابك، فبعث إليه طبق حلوى وقال: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك؛ وقريب من هذا قول سفيان بن الحسين، قال: كنت جالساً عند إياس بن معاوية فنلت من إنسان فقال: هل غزوت العام الترك والروم ولم يسلم منك أخوك المسلم وسمع رجلاً يشكو عليه إلى آخر فقال: أما إنك تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك] (١) .
ومن كلامه: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت (٢) . ولما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان، وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر، فما ترون فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تقية، فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك؛ يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصراً لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛
стр. 544
فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن، فقال الشعبي لابن سيرين: سفسفنا له فسفسف لنا (١) .
ورأى الحسن يوماً رجلاً وسيماً حسن الهيئة، فسأل عنه فقيل: إنه يسخر للملوك ويحبونه، فقال: لله أبوه، ما رأيت أحداً طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا.
وكانت أمه تقص للنساء، ودخل عليها يوماً وفي يدها كراثة تأكلها، فقال لها: يا أماه، ألقي هذه البقلة الخبيثة من يدك، فقالت: يا بني إنك شيخ قد كبرت وخرفت، فقال: يا أماه، أينا أكبر (٢) وأكثر كلامه حكم وبلاغة. وكان أبوه من سبي ميسان، وهو صقع بالعراق.
ومولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة، ويقال إنه ولد على الرق، وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة عشر ومائة، ﵁، وكانت جنازته مشهودة؛ قال حميد الطويل: توفي الحسن عشية الخميس، وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره، وحملناه بعد صلاة الجمعة، ودفناه فتبع الناس كلهم جنازته واشتغلوا به، فلم تقم صلاة العصر بالجامع، ولا أعلم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ، لأنهم تبعوا كلهم الجنازة حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر.
وأغمي على الحسن عند موته، ثم أفاق فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم.
وقال رجل قبل موت الحسن لابن سيرين: رأيت كأن طائراً أخذ أحسن حصاة بالمسجد، فقال: إن صدقت رؤياك مات الحسن، فلم يكن إلا قليلاً حتى مات الحسن (٣) .
стр. 545
ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما، ثم توفي بعده بمائة يوم، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وميسان - بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وبعد الألف نون - قال السمعاني: هي بليدة بأسفل البصرة.
١٥٧ - (١)
الزعفراني
أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني صاحب الإمام الشافعي ﵁؛ برع في الفقه والحديث وصنف فيهما كتباً، وسار ذكره في الآفاق، ولزم الشافعي حتى تبحر، وكان يقول: أصحاب الأحاديث كانوا رقوداً حتى أيقظهم الشافعي، وما حمل أحد محبرة إلا وللشافعي عليه منة. وكان يتولى قراءة كتب الشافعي عليه، وسمع من سفيان بن عيينة ومن في طبقته مثل وكيع ابن الجراح وعمرو بن الهيثم ويزيد بن هارون وغيرهم، وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي (٢) ﵁، ورواتها أربعة: هو وأبو ثور وأحمد بن حنبل والكرابيسي، ورواة الأقوال الجديدة ستة: المزني والربيع بن سليمان
стр. 546
الجيزي والربيع بن سليمان المرادي والبويطي وحرملة ويونس بن عبد الأعلى - وقد تقدم ذكر بعضهم والباقي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وروى عنه البخاري في صحيحه وابو داود السجستاني والترمذي وغيرهم.
وتوفي سلخ شعبان - وقال ابن قانع: في شهر رمضان - سنة ستين ومائتين، وذكر السمعاني في كتاب " الأنساب " (١) أنه توفي في شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والزعفراني - بفتح الزاي وسكون العين المهملة وفتح الفا والراء وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى الزعفرانية، وهي قرية بقرب بعداد، والمحلة التي ببغداد تسمى درب الزعفران منسوبة إلى هذا الإمام لأنه أقام بها. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: وفيه مسجد الشافعي ﵁، وهو المسجد الذي كنت أدرس فيه بدرب الزعفراني، ولله الحمد والمنة.
١٥٨ - (٢)
أبو سعيد الإصطخري
أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل الإصطخري الفقيه الشافعي؛ كان من نظراء أبي العباس ابن سريج وأقران أبي علي ابن أبي هريرة، وله مصنفات حسنة في الفقه منها كتاب الأقضية، وكان قاضي قم،
стр. 547
وتولى حسبة بغداد، وكان ورعاً (١) متقللاً، واستقضاه المقتدر على سجستان فسار إليها فنظر في مناكحاتهم (٢) فوجد معظمها على غير اعتبار الولي، فأنكرها وأبطلها عن آخرها.
وكانت ولادته في سنة أربع وأربعين ومائتين، وتوفي في جمادى الآخرة يوم الجمعة ثاني عشرة، وقيل رابع عشرة، وقيل مات في شعبان سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والإصطخري - بكسر الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون الخاء المعجمة وبعدها راء - هذه النسبة إلى إصطخر، وهي من بلاد فارس، خرج منها جماعة من العلماء (٣) رحمهم الله تعالى، وقد قالوا في النسبة إلى إصطخر إصطخرزي أيضاً بزيادة الزاي، كما زادوها في النسبة إلى مرو والري فقالوا مروزي ورازي.
١٥٩ - (٤)
أبو علي ابن أبي هريرة
أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي؛ أخذ الفقه عن أبي العباس ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، وشرح مختصر المزني وعلق عنه الشرح أبو علي الطبري، وله مسائل في الفروع، ودرس ببغداد وتخرج عليه خلق كثير، وانتهت إليه إمامة العراقيين، وكان معظماً عند السلاطين والرعايا إلى أن توفي في رجب سنة خمس وأربعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 548
١٦٠ - (١)
أبو علي الطبري
أبو علي الحسن بن القاسم الطبري الفقيه الشافعي؛ أخذ الفقه عن أبي علي ابن أبي هريرة المقدم ذكره، وعلق عنه التعليقة المشهورة المنسوبة إليه، وسكن ببغداد ودرس بها بعد أستاذه أبي علي المذكور، وصنف كتاب " المحرر " في النظر، وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرد، وصنف أيضاً كتاب " الافصاح " في الفقه، وكتاب " العدة " وهو كبير يدخل في عشرة أجزاء، وصنف كتاباً في الجدل، وكتاباً في أصول الفقه. وتوفي ببغداد سنة خمس وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والطبري - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها راء - هذه النسبة إلى طبرستان - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها راء والسين المهملة الساكنة والتاء المثناة من فوقها المفتوحة وبعد الألف نون - وهي ولاية كبيرة تشتمل على بلاد كثيرة أكبرها آمل، خرج منها جماعة من العلماء، والنسبة إلى طبرية الشام " طبراني " - على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى - ورأيت في عدة كتب من طبقات الفقهاء أن اسمه الحسن كما هو هاهنا، ورأيت الخطيب في تاريخ بغداد قد عده في جملة من اسمه الحسين [والله أعلم بالصواب] .
стр. 549
١٦١ - (١)
أبو علي الفارقي
أبو علي الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون الفارقي الفقيه الشافعي؛ كان مبدأ اشتغاله بميافارقين على أبي عبد الله محمد الكازروني، فلما توفي انتقل إلى بغداد واشتغل على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب المهذب وعلى أبي نصر ابن الصباغ صاحب " الشامل "، وتولى القضاء بمدينة واسط.
حكى الحافظ أبو طاهر السلفي، رحمه الله تعالى، قال: سألت الحافظ أبا الكرم خميس بن علي بن أحمد الحوزي (٢) بواسط عن جماعة منهم القاضي أبو علي الفارقي المذكور، فقال: هو متقدم في الفقه، وقضى بواسط بعد أبي تغلب فظهر من عقله وعدله وحسن سيرته ما زاد على الظن به. وسمع الحديث من الخطيب أبي بكر ومن في طبقته، وكان زاهداً متورعاً. له كتاب " الفوائد " على المهذب وعنه أخذ القاضي (٣) أبو سعد عبد الله بن أبي عصرون - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكان يلازم ذكر الدرس من الشامل إلى أن توفي. وكانت وفاته يوم الأربعاء الثاني والعشرين من المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بواسط؛ ومولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بميافارقين في شهر ربيع الآخر؛ ودفن في مدرسته، رحمه الله تعالى.
وبرهون: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وضم الهاء وبعد الواو الساكنة نون؛ والفارقي: معروف فلا حاجة إلى ضبطه.
стр. 550
١٦٢ - (١)
السيرافي
أبو سعيد الحسن بن عبد الله المرزبان السيرافي النحوي المعروف بالقاضي؛ سكن بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي محمد ابن معروف، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وشرح كتاب سيبويه فأجاد فيه، وله كتاب " الفات الوصل والقطع "، وكتاب " أخبار النحويين البصريين "، وكتاب " الوقف والابتداء "، وكتاب " صنعة الشعر والبلاغة "، و " شرح مقصورة ابن دريد "، وقرأ القرآن الكريم على أبي بكر ابن مجاهد، واللغة على ابن دريد، والنحو على أبي بكر ابن السراج النحوي، وكان الناس يشتغلون عليه بعدة فنون: القرآن الكريم والقراءات (٢) وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافي. وكان نزهاً عفيفاً جميل الأمر حسن الأخلاق، وكان معتزلياً، ولم يظهر منه شيء (٣) ، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، ينسخ ويأكل منه، وكان أبوه مجوسياً اسمه بهزاد (٤) فأسلم فسماه ابنه أبو سعيد المذكور عبد الله، وكان كثيراً ما ينشد في مجالسه:
اسكن إلى سكن تسر به ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غداً وغد كحاملة ... في الحي لا يدرون ما تلد
стр. 551
وكان بينه وبين أبي الفرج الأصبهاني صاحب كتاب " الأغاني " ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس، فعمل فيه أبو الفرج (١) :
لست صدراً ولا قرأت على صد ... ر ولا علمك البكي بشاف
لعن الله كل نحو وشعر ... وعروض يجيء من سيراف وتوفي يوم الاثنين ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلثمائة ببغداد، وعمره أربع وثمانون سنة، ودفن بمقبرة الخيرزان، رحمه الله تعالى، وقيل أنه توفي سنة أربع وستين، وقيل سنة خمس وستين، والصحيح هو الأول والله أعلم.
وقال ولده أبو محمد يوسف (٢) : أصل أبي من سيراف، وبها ولد وبها ابتدأ بطلب العلم، وخرج منها قبل العشرين ومضى إلى عمان وتفقه بها، ثم عاد إلى سيراف، ومضى إلى عسكر مكرم فأقام بها عند أبي محمد ابن عمر المتكلم، وكان يقدمه ويفضله على جميع أصحابه، ودخل بغداد، وخلف القاضي أبا محمد ابن معروف على قضاء الجانب الشرقي ثم الجانبين.
والسيرافي - بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعد الألف فاء - هذه النسبة إلى مدينة سيراف، وهي من بلاد فارس على ساحل البحر مما يلي كرمان، خرج منها جماعة (٣) من العلماء، رحمهم الله تعالى؛ وسيأتي في ترجمة ولده يوسف تتمة الكلام على سيراف، إن شاء الله تعالى.
стр. 552
١٦٣ - (١)
أبو علي الفارسي
أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي النحوي؛ ولد بمدينة فسا واشتغل ببغداد، ودخل إليها سنة سبع وثلثمائة، وكان إمام وقته في علم النحو، ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان مدة، وكان قدومه عليه في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وجرت بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فارس وصحب عضد الدولة ابن بويه وتقدم عنده وعلت منزلته حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو، وصنف له كتاب الإيضاح، والتكملة في النحو، وقصته فيه مشهورة.
ويحكى أنه كان يوماً في ميدان شيراز يساير عضد الدولة، فقال له: لم انتصب المستثنى في قولنا: قام القوم إلا زيداً فقال الشيخ: بفعل مقدر، فقال لهك كيف تقديره (٢) فقال: أستثني زيداً، فقال له عضد الدولة: هلا رفعته وقدرت الفعل امتنع زيد فانقطع الشيخ، وقال له: هذا الجواب ميداني. ثم إنه لما رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاماً حسناً وحمله إليه فاستحسنه، وذكر في كتاب الإيضاح أنه انتصب بالفعل المتقدم بتقوية إلا.
وحكى أبو القاسم ابن أحمد الأندلسي قال (٣) : جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي وأنا حاضر، فقال: إني لأغبطكم على قول الشعر، فإن خاطري لا يوافقني على قوله مع تحقيقي العلوم التي هي من مواده، فقال له رجل: فما قلت قط
стр. 553
شيئاً منه قال: ما أعلم أن لي شعراً إلا ثلاثة أبيات في الشيب، وهي قولي:
خضبت الشيب لما كان عيباً ... وخضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خل ... ولا عيباً خشيت ولا عتابا
ولكن المشيب بدا ذميماً ... فصيرت الخضاب له عقابا ويقال إن السبب في استشهاده في باب كان من كتاب " الإيضاح " ببيت أبي تمام الطائي وهو قوله (١) :
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا لم يكن ذلك لأن أبا تمام ممن يستشهد بشعره، لكن عضد الدولة كان يحب هذا البيت وينشده كثيراً، فلهذا استشهد به في كتابه.
ومن تصانيفه كتاب " التذكرة " وهو كبير، وكتاب " المقصور والممدود "، وكتاب " الحجة " في القراءات، وكتاب " الإغفال " فيما أغفله الزجاج من المعاني، وكتاب " العوامل المائة " وكتاب " المسائل الحلبيات " وكتاب " المسائل البغداديات " وكتاب " المسائل الشيرازيات " وكتاب " المسائل القصريات " وكتاب " المسائل العسكرية " وكتاب " المسائل البصرية " وكتاب " المسائل المجلسيات " وغير ذلك (٢) .
وكنت رأيت في المنام في سنة ثمان وأربعين وستمائة وأنا يومئذ بمدينة القاهرة كأنني قد خرجت إلى قليوب ودخلت إلى مشهد بها فوجدته شعثاً، وهو عمارة قديمة، ورأيت به ثلاثة أشخاص مقيمين مجاورين، فسألتهم عن المشهد وأنا متعجب لحسن بنائه وإتقان تشييده: ترى هذا عمارة من فقالوا: لا نعلم، ثم قال أحدهم: إن الشيخ أبا علي الفارسي جاور في هذا المشهد سنين عديدة،
стр. 554
وتفاوضنا في حديثه، فقال: وله مع فضائله شعر حسن، فقلت: ما وقفت له على شعر، فقال: أنا أنشدك من شعره، ثم أنشد بصوت رقيق طيب إلى غاية ثلاثة أبيات، فاستيقظت في أثر الإنشاد ولذة صوته في سمعي، وعلق على خاطري منها البيت الأخير وهو:
الناس في الخير لا يرضون عن أحد ... فكيف ظنك سيموا الشر أو ساموا وبالجملة فهو أشهر من أن يذكر فضله ويعدد، وكان متهماً بالاعتزال (١) . وكانت ولادته في سنة ثمان وثمانين ومائتين. وتوفي يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، وقيل ربيع الأول، سنة سبع وسبعين وثلثمائة رحمه الله تعالى ببغداد، ودفن بالشونيزي.
والفارسي: لا حاجة إلى ضبطه لشهرته.
ويقال له أيضاً ابو علي الفسوي - بفتح الفاء والسين المهملة وبعدها واو - هذه النسبة إلى مدينة فسا (٢) من أعمال فارس، وقد تقدم ذكرها في ترجمة البساسيري.
وقليوب - بفتح القاف وسكون اللام وضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبعدها باء موحدة - وهي بليدة صغيرة بينها وبين القاهرة مقدار فرسخين أو ثلاثة ذات بساتين كثيرة.
стр. 555
١٦٤ - (١)
أبو أحمد العسكري
أبو أحمد بن عبد الله بن سعيد العسكري؛ أحد الأثمة في الآداب والحفظ، وهو صاحب أخبار ونوادر، وله رواية متسعة، وله التصانيف المفيدة: منها كتاب التصحيف الذي جمع فيه فأوعب وغير ذلك، وكان (٢) الصاحب بن عباد يود الاجتماع به ولا يجد إليه سبيلاً، فقال لمخدومه مؤيد الدولة بن بويه: إن عسكر مكرم قد اختلت أحوالها، وأحتاج إلى كشفها بنفسي، فأذن له في ذلك، فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور فلم يزره، فكتب الصاحب إليه:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعفنا فلم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بعد أرض نزوركم ... وكم منزل بكر لنا وعوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم (٣) ... بملء جفون لا بملء جفان وكتب مع هذه الأبيات شيئاً من النثر، فجاوبه أبو أحمد عن النثر بنثر مثله، وعن هذه الأبيات بالبيت المشهور، وهو:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان فلما وقف الصاحب على الجواب عجب عن اتفاق هذا البيت له، وقال: والله
стр. 556
لو علمت أنه يقع له هذا البيت لما كتبت إليه على هذا الروي.
وهذا البيت لصخر بن عمرو بن الشريد أخي الخنساء (١) ، وهو من جملة أبيات مشهورة، وكان صخر المذكور قد حضر محاربة بني أسد، فطعنه ربيعة ابن ثور الأسدي فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه. وبقي مدة حول في اشد ما يكون من المرض، وامه وزوجته سليمى تمرضانه (٢) ، فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة فسألتها عن حاله، فقالت: لا هو حي فيرجى، ولا ميت فينسى (٣) ، فسمعها صخر فأنشد:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى موضعي (٤) ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغتر بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
وأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقاً وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فللموت خير من حياة كأنها ... معرس يعسوب برأس سنان وكانت ولادته يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
وأخذ عن أبي بكر ابن دريد؛ وله من التصانيف كتاب " المختلف والمؤتلف " وكتاب " علم المنطق " (٥) وكتاب " الحكم والأمثال " وكتاب " الزواجر " وغير ذلك.
والعسكري - بفتح العين المهملة وشكون السين المهملة وفتح الكاف وبعدها
стр. 557
راء - هذه النسبة إلى عدة مواضع، فأشهرها عسكر مكرم، وهي مدينة من كور الأهواز، ومكرم الذي تنسب إليه مكرم الباهلي، وهو أول من اختطها فنسبت إليه، وأبو أحمد المذكور من هذه المدينة، وسيأتي العسكري منسوباً إلى شيء آخر إن شاءالله تعالى.
١٦٥ - (١)
ابن رشيق القيروان
أبو علي الحسن بن رشيق المعروف بالقيرواني؛ أحد الأفاضل البلغاء، له التصانيف المليحة منها: كتاب العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه، وكتاب الأنموذج والرسائل الفائقة والنظم الجيد.
قال ابن بسام في كتاب " الذخيرة ": بلغني أنه ولد بالمسيلة وتأدب بها قليلاً، ثم ارتحل إلى القيروان سنة ست وأربعمائة. وقال غيره: ولد بالمهدية سنة تسعين وثلثمائة،، وأبوه مملوك رومي من موالي الأزد، وتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وكانت صنعة أبيه في بلدة - وهي المحمدية - الصياغة، فعلمه أبوه صنعته، وقرأ الأدب بالمحمدية، وقال الشعر، وتاقت نفسه إلى التزيد منه وملاقاة أهل الأدب، فرحل إلى القيروان واشتهر بها ومدح صاحبها واتصل بخدمته، ولم يزل بها إلى أن هاجم العرب القيروان وقتلوا أهلها وأخربوها، فانتقل إلى جزيرة صقلية، وأقام بمازر إلى أن مات (٢) .
стр. 558
ورأيت بخط بعض الفضلاء أنه توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة بمازر، والأول أصح، رحمه الله تعالى، وهي قرية بجزيرة صقلية - وسيأتي ذكرها في ترجمة المازري إن شاء الله تعالى - وقيل إنه توفي ليلة السبت غرة ذي القعدة سنة ست وخمسين وأربعمائة بمازر -، والله أعلم.
[وكانت بينه وبين ابن شرف القيروان وقائع وماجريات وهما أديبا بلاد المغرب وشاعراها. وكان ابن شرف أعور؛ قيل: مر يوماً وبيده كتاب فقال له ابن رشيق: ما في كتابك قال: الدريدية، يعرض بقول ابن دريد فيها:
والعبد لا يردعه إلا العصا ... يشير إلى أنه مولى، فقال له ابن رشيق:
أما أبي فرشيق لست أنكره ... قل لي أبوك وصوره من الخشب ومن شعره أيضاً وقد غاب المعز بن باديس عن حضرته وكان العيد ماطراً:
تجهم العيد وانهلت بوادره ... وكنت أعهد منه البشر والضحكا
كأنه جاء يطوي الأرض من بعد ... شوقاً إليك فلما لم يجدك بكى وقال أيضاً وقد أمره المعز بوصف أترجة مصبعة كانت بين يديه بديهاً:
أترجة سبطة الأطراف ناعمة ... تلقى العيون بحسن غير منحوس
كأنها بسطت كفاً لخالقها ... تدعو بطول بقاء لابن باديس ومن شعره أيضاً:
لو اورقت من دم الأبطال سمر قنا ... لأورقت عنده سمر القنا الذبل
إذا توجه في أولى كتائبه ... لم تفرق العين بين السهل والجبل
стр. 559
فالجيش ينفض حوليه أسنته ... نفض العقاب جناحيها من البلل هذا البيت من فرائده وهو ملتفط من قول أبي صخر الهذلي:
وإني لتعروني لذكرك فترة ... كما انتفض العصفور بلله القطر ولابن رشيق المذكور رحمه الله تعالى:
ومن حسنات الدهر عندي ليلة ... من العلم لم تترك لأيامها ذنبا
خلونا بها ننفي الكرى عن جفوننا ... بلؤلؤة مملوءة ذهباً سكبا
وملنا لتقبيل الخدود ولثمها ... مميل جياع الطير تلتفط الحبا ومن شعره أيضاً:
صنم من الكافور بات معانقي ... في حلتين تعفف وتكرم
فكرت ليلة وصله في صده ... فجرت بقايا أدمعي كالعندم
فطفقت أمسح ناظري في نحره ... إذ شيمة الكافور إمساك الدم ومن شعره ﵀:
قالوا رأينا فلاناً ليس يوجعه ... ما يوجع الناس من هجو به قذفا
فقلت لو أنه حي لأوجعه ... لكنه مات من جهل وما عرفا
وما هجوت فلاناً غير تجربة ... وذو الرماية لا يستشعر الهدفا] (١) ومن شعره (٢) :
أحب أخي وإن أعرضت عنه ... وقيل على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيب راض ... كما قطبت في وجه المدام
ورب تقطب من غير بغض ... وبغض كامن تحت ابتسام
стр. 560
ومن شعره:
يا رب لا أقوى على دفع (١) الأذى ... وبك استعنت على الضعيف الموذي
ما لي بعثت إلي ألف بعوضة ... وبعثت واحدة إلى نمروذ ومن شعره على ما حكاه ابن بسام في " الذخيرة " (٢) :
أسلمني حب سليمانكم ... إلى هوى أيسره القتل
قالت لنا جند ملاحاته ... لما بدا ما قالت النمل
قوموا ادخلوا مسكنكم قبل أن ... تحطمك أعينه النجل وله وقد كبر وضعف مشيه، وهو معنى غريب:
إذا ما خففت كعهد الصبا ... أبت ذلك الخمس والأربعونا
وما ثقلت كبراً وطأتي ... ولكن أجر ورائي السنينا وله أيضاً:
وقائلة ماذا الشحوب وذا الضنى ... فقلت لها قول المشوق المتيم
هواك أتاني وهو ضيف أعزه ... فأطعمته لحمي واسقيته دمي ومن تصانيفه أيضاً: " قراضة الذهب "، وهو لطيف الجرم (٣) كبير الفائدة، وله كتاب " الشذوذ " في اللغة، يذكر فيه كل كلمة جاءت شاذة في بابها. [وكتاب " طراز الأدب " وكتاب " الممادح والمذام " وكتاب " متفق التصحيف " وكتاب " تحرير الموازنة " وكتاب " الاتصال " وكتاب " المن والفداء " وكتاب " غريب الأوصاف التشبيهات لما انفرد به المحدثون " وكتاب " أرواح الكتب " وكتاب " شعراء الكتاب " وكتاب " المعونة " في
стр. 561
الرخص والضرورات وكتاب " الرياحين " وكتاب " صدق المدائح " وكتاب " الأسماء المعربة " وكتاب " إثبات المنازعة " وكتاب " معالم التاريخ " وكتاب " التوسع في مضايق القول " وكتاب " الحيلة والاحتراس "] (١) .
[وكانت بينه وبين أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد المعروف بابن شرف القيرواني وقائع وماجريات يطول شرحها، وقصدنا الاختصار] (٢) .
ورشيق: بفتح الراء وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف.
والمسيلة: قد تقدم ذكرها فلا حاجة إلى إعادته.
١٦٦ - (٣)
ابن أبي الشخباء
الشيخ المجيد أبو علي الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشخباء العسقلاني صاحب الخطب المشهور والرسائل المحبرة؛ كان من فرسان النثر، وله فيه اليد الطولى. ويقال: إن القاضي الفاضل، رحمه الله تعالى، كان جل اعتماده على حفظ كلامه وإنه كان يستحضر أكثره. وذكره عماد الدين الأصبهاني في " الخريدة " فقال: " المجيد مجيد كنعته، قادر على ابتداع الكلام ونحته، له " الخطب البديعة والملح الصنيعة "، وذكره ابن بسام في الذخيرة وسرد له جملة من الرسائل، وذكر هذا المقطوع من نظمه، وهو من بعض قصيد:
стр. 562
ما زال يختار الزمان ملوكه ... حتى أصاب المصطفى المتخيرا
قل للألى ساسوا الورى وتقدموا ... قدما هلموا شاهدوا المتأخرا
تجدوه أوسع في السياسة منكم ... صدراً وأحمد في العواقب مصدرا
إن كان رأي شاوروه أحنفاً ... أو كان بأس نازلوه عنترا
قد صام والحسنات ملء كتابه ... وعلى مثال صيامه قد أفطر
ولقد تخوفك العدو بجهده ... لو كان يقدر أن يرد مقدرا
إن أنت لم تبعث إليه ضمراً ... جرداً بعثت إليه كيداً مضمرا
يسري ما حملت رجال أبيضاً ... فيه ولا ادرعت كماة أسمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم ... وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا
عجبوا لحلمك أن تحول سطوة ... وزلال خلقك كيف عاد مكدرا
لا تعجبوا من رقة وقساوة ... فالنار تقدح من (١) قضيب أخضرا وقد اقتصرت منها على هذا القدر خوفاً من التطويل (٢) .
ومن المنسوب إلى ابن أبي الشخباء أيضاً قوله:
يا سيف نصري والمهند يانع ... وربيع أرضي والسحاب مصاف
أخلاقك الغر النميرة ما لها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف
والإفك في مرآة رأيك ما له ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف ورأيت في ديوانه البيتين المشهورين:
حجاب وإعجاب وفرط تصلف ... ومد يد نحو العلا بتكلف
ولو كان هذا من وراء كفاية ... عذرنا ولكن من وراء تخلف [ومن شعره أيضاً:
يجود بالماء غيث السحب منقطعاً ... وغيث كفك بالأموال متصل
стр. 563
جاري نداك ولم يظفر ببغيته ... فحمرة البرق في حافاته خجل ومن شعره:
ومهفهف علق السقام بطرفه ... وسرى فخيم في معاقد خصره
مزقت أثواب الظلام بثغره ... ثم انثنيت أحوكها من شعره] (١) وذكر أنه توفي مقتولاً بخزانة البنود، وهي سجب بمدينة القاهرة المعزية، سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والشخباء: بفتح الشين المثلثة وسكون الخاء المعجمة وبعد الباء الموحدة ألف ممدودة.
والعسقلاني: نسبة إلى مدينة عسقلان وهي مشهورة على الساحل.
١٦٧ - (٢)
ابن زولاق
أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد (٣) بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي مولاهم (٤) المصري، كان فاضلاً في التاريخ، وله فيه مصنف جيد، وله كتاب في خطط مصر استقصى فيه، وكتاب " أخبار قضاة مصر " جعله ذيلاً على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي الذي ألفه في
стр. 564
أخبار قضاة مصر وانتهى فيه إلى سنة ست وأربعين ومائتين، فكمله ابن زولاق المذكور، وابتدأ بذكر القاضي بكار بن قتيبة، وختمه بذكر محمد بن النعمان، وتكلم على أحواله إلى رجب سنة ست وثمانين وثلثمائة؛ وكان جده الحسن بن علي من العلماء المشاهير.
وكانت وفاته - أعني أبا محمد - يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
ورأيت في كتابه الذي صنفه في أخبار قضاة مصر، في ترجمة القاضي أبي عبيد، أن الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة، ثم قال: قبل مولدي بثلاثة أشهر، فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور في شعبان سنة ست وثلثمائة. وروى عن الطحاوي.
وزولاق: بضم الزاي وسكون الواو وبعد اللام ألف قاف.
والليثي - بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة - هذه النسبة إلى ليث بن كنانة، وهي قبيلة كبيرة.
قال ابن يونس المصري: هو ليثي بالولاء.
١٦٨ - (١)
ملك النحاة
أبو نزار الحسن بن أبي الحسن صافي بن عبد الله بن نزار بن أبي الحسن النحوي المعروف بملك النحاة؛ ذكره العماد الكاتب في " الخريدة " فقال: كان من الفضلاء المبرزين، وحكى ما جرى بينهما من المكاتبات بدمشق، وبرع في
стр. 565
النحو حتى صار أنحى أهل طبقته (١) ، وكان فهماً فصيحاً ذكياً إلا أنه كان عنده عجب بنفسه وتيه، لقب نفه ملك النحاة، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك. وخرج عن بغداد بعد العشرين (٢) وخمسمائة، وسكن واسط مدة، وأخذ عنه جماعة من أهلها أدباً كثيراً، واتفقوا على فضله ومعرفته.
وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " فقال: ورد إربل وتوجه إلى بغداد سومع بها الحديث، وقرأ مذهب الإمام الشافعي ﵁ وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، والخلاف على أسعد الميهني، وأصول الفقه على أبي الفتح ابن برهان صاحب " الوجيز " و " الوسيط " في أصول الفقه، وقرأ النحو على الفصيحي، وكان الفصيحي قد قرأ على عبد القاهر الجرجاني صاحب " الجمل الصغرى " (٣) . ثم سافر إلى خراسان وكرمان وغزنة، ثم رحل إلى الشام واستوطن دمشق، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثامن شوال، ودفن يوم الأربعاء تاسعه سنة ثمان وستين وخمسمائة وقد ناهز الثمانين، ودفن بمقبرة باب الصغير، رحمه الله تعالى.
[ثم ظفرت بمولده في سنة تسع وثمانين وأربعمائة، بالجانب الغربي من بغدادبشارع دار الرقيق] (٤) .
وله مصنفات كثيرة في الفقه والأصلين والنحو (٥) ، وله ديوان شعر، ومدح النبي ﷺ بقصيدة (٦) ، ومن شعره:
سلوت بحمد الله عنها فأصبحت ... دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها