ترجمة المؤلف
" قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان " (١)
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي، ولد بإربل سنة ثمان وستمائة وسمع بها " صحيح البخاري " من أبي محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي وأجاز له المؤيد الطوسي وعبد المعز الهروي وزينب الشعرية. روى عنه المزي والبرزالي والطبقة، وكان فاضلاً بارعاً متفنناً عارفاً بالمذهب حسن الفتاوي جيد القريحة بصيراً بالعربية علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة وافر الحرمة، فيه رياسة كبيرة، له كتاب " وفيات الأعيان " وقد اشتهر كثيراً وله مجاميع أدبية. قد الشام في شبيبته وقد تفقه بالموصل على كمال الدين ابن يونس وأخذ بحلب عن القاضي بهاء الدين ابن شداد وغيرهما. ودخل مصر وسكنها مدة وتأهل بها وناب بها في القضاء عن القاضي بدر الدين السنجاري ثم قد الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفرداً بالأمر ثم أقيم معه في القضاء ثلاثة سنة أربع وستين وكان ذلك في جمادى الأولى جاء من مصر ثلاثة تقاليد لشمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي ولزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي ولشمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي فلم يقبل المالكي ووافق الحنفي والحنبلي، وكان الحنفي قبل ذلك نائبا للشافعي، ثم إن الأمر من مصر ورد بإلزام المالكي وامتنع المالكي والحنبلي من أخذ الجامكية وقالا نحن في كفاية. قال شهاب الدين أبو
стр. 2
شامة: ومن العجيب اجتماع ثلاثة من قضاة القضاة لقب كل واحد منهم شمس الدين في زمن واحد. واتفق أن الشافعي استناب نائباً لقبه شمس الدين فقال بعض الأدباء الظرفاء:
أهل دمشق استرابوا ... من كثرة الحكام
إذ هم جميعاً شموس ... وحالهم في الظلام وقال أيضاً:
بدمشق آية قد ... ظهرت للناس عاما
كلما ازدادوا شموسا ... زادت الدنيا ظلامها ثم عزل عن القضاء سنة تسع وستين بالقاضي عز الدين ابن الصائغ، ثم عزل ابن الصائغ بعد سبع سنين به، وقدم من مصر فدخل دخولا لم يدخل غيره مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغال والشهود وكان يوما مشهودا وجلس في منصب حكمه وتكلم الشعراء. ولما قدم ابن خلكان إلى دمشق ثانياً وكان لثامن سنة قال رشيد الدين الفارقي في ذلك:
أنت في الشام مثل يوسف في مص ... ر وعندي أن الكرام جناس
ولكل سبع شداد وبعد ال ... سبع عام يغاث فيه الناس وقال سعد الدين الفارقي:
أذقت الشام سبع سنين جدبا ... غداة هجرته هجرا جميلا
فلما زرته من أرض مصر ... مددت عليه من كفيك نيلا وقال ابن جعوان:
لما تولى قضاء الشام حاكمه ... قاضي القضاة أبو العباس ذو الكرم
من بعد سبع شداد قال خادمه ... ذا العام فيه يغاث الناس بالنعم وقال نور الدين ابن مصعب:
رأيت أهل الشام طرا ... ما فيهم قط غير راض
стр. 3
نالهم الخير بعد شر ... فالوقت بسط بلا انقباض
وعوضوا فرحة بحزن ... مذ أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غم ... قدوم قاض وعزل قاض
فكلهم شاكر وشاك ... بحال مستقبل وماض قلت: بيتا رشيد الدين الفارقي خير هذه المقاطيع.
وكان كريما جوادا ممدوحا فيه ستر وحلم وعفو، وحكايته في ذلك مشهورة. ثم عزل بابن الصائغ ودرس بالأمينية إلى أن مات عشية نهار السبت سادس عشرين شهر رجب سنة إحدى وثمانين بالنجيبية النورية وشيعة الخلائق.
أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين أحمد بن غانم كاتب الإنشاء يرثي قاضي القضاة شمس الدين:
يا شمس علوم في الثرى قد غابت ... كم نبت عن الشمس وهي ما [إن] نابت
لم تأت بمثلك الليالي أبدا ... إما قصرت عنه وإما هابت وكان وجيه الدين محمد بن سويد صاحبه وكان يسومه قضاء أشغال كثيرة ويقضيها، فحضر في بعض الأيام ورام منه أمراً متعذرا فاعتذر، فقال: ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال القاضي: بلى يا وجيه الدين، صرنا معك قشلمشا وما ترضى. ويقال إنه عمل تاريخا للملك الظاهر ووصل نسبه بجنكزخان، فلما وقف عليه قال: هذا يصلح أن يكون وزيراً، اطلبوه، فطلب وبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين ابن حنا فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك، وناسى السلطان عليه، فبقى في القاهرة يركب كل يوم ويقف في باب القرافة ويمشي قدام الصاحب إلى أن يوصله بيته، وافتقر حتى لم يكن له غير البغلة لركوبه، وكان له عبد يعمل بابا ويطعمه، والشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره، ومع ذلك فلا يحنو عليه الصاحب ولا يحن إلى الإحسان إليه، حتى فاوضه الدوادار وقال له: إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة فجهز إلى مكانه بدمشق على القضاء. وحضر إليه وهو بالقاهرة عز الدين
стр. 4
محمد بن شداد بكتب فقارس من الغور وانتقالها إلى الظاهر وقد ثبتت عليه بالشام وطلب منه الإشهاد عليه بما فيها لتثبت بمصر، قال: كيف اشهد علي قال: يأذن لك قاضي القضاة ابن رزين. فقال: لو كنت مولياً ما كنت آذن له، أفأكون مولى من جهته هذا لا يكون أبداً. واطلع الظاهر على ذلك فعظم عنده وتحقق شرف نفسه. وأمر له بدر الدين بيليك الخزندار تلك الأيام بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من قبولها وتلطف معه مع القاصد، فقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ولم يقبل وأصر على الامتناع مع الفاقة الشديدة. وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك وله فيه الأشعار الرائقة، يقال إنه أول يوم جاء إليه بسط له الطرحة وقال: ما عندي أعز من هذه، طأ عليها، ولما فشا أمرهما وعلم به أهله منعوه من الركوب فقال:
يا سادتي إني قنعت وحقكم ... في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من ألمٍ إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالةٍ ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
قسماً بوجهك وهو بدر طالع ... وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامةٍ لك كالقضيب ركبت في ... أخطارها في الحب أصعب مركب
وبطيب مبسمك الشهي البادر ال ... عذب النمير اللؤلؤي الأشنب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها ال ... عهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذ لي ... خلع العذار ولو ألح مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي ... قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقة (١) قد قاربت ... كشف القناع بحق ذياك النبي
لا تفضحن محبك الصب الذي ... جرعته في الحب أكدر مشرب أخبرني من لفظه القاضي جمال الدين عبد القاهر التبريزي قال: كان الذي
стр. 5
يهواه القاضي شمس الدين هو الملك المسعود وكان قد تيمه حبه فكنت أنام عنده في العادلية فتحدثنا في بعض الليالي إلى أن راح الناس من عنده فقال لي: نم أنت، وألقي علي فروة، وقام يدور حول البركة في بيت العادلية، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبح وتوضأ. والبيتان المذكوران:
أنا والله هالك ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي ويقال إنه سأل بعض أصحابه عما يقوله أهل دمشق عنه فاستعفاه فألح عليه فقال: يقولون إنك تكذب في نسبك وتأكل الحشيشة وتحب الغلمان. فقال: أما النسب والكذب فيه فإذا كان ولا بد منه فكنت أنتسب إلى العباس أو إلى علي بن أبي طالب أو إلى أحد الصحابة، وأما النسب إلى قوم لم يبق لهم بقية وأصلهم فرس مجوس فما فيه فائدة. وأما الحشيشة فالكل ارتكاب محرم وإذا كان ولا بد فكنت أشرب الخمر لأنه ألذ. وأما محبة الغلمان فإلى غد أجيبك عن هذه المسألة. قال قطب الدين البونيني: سمعت من يذكر إنما خرج له النسب إلى البرامكة أبو شامة، وليس كذلك. ووقفت على مجلدة من " تاريخ إربل " لوزيرها شرف الدين وقد ذكر وفاة ابن عم قاضي القضاة وقد نسبه إلى البرامكة ولعل ذلك قبل خروجه من إربل. وذكره الصاحب كمال الدين في " تاريخ حلب " ونسبه إلى البرامكة.
ومن شعره:
وسرب ظباء في غدير تخالعوا (١) ... بدور بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول عذولي والغرام مصاحبي ... أما لك عن هذي الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى ... فقلت له: ذرهم يخوضوا ويلعبوا ومنه مضمناً:
كم قلت لما أطلعت وجناته ... حول الشقيق الغض دوحة آس
стр. 6
لعذاره (١) الساري العجول بخده ... ما في وقوفك ساعة من باس ومنه:
لما بدا العارض في خده ... بثرت قلبي بالنعيم المقيم
وقلت هذا عارض ممطر ... فجاءني فيه العذاب الأليم ومنه على ما قيل:
انظر إلى عارضه فوقه ... لحاظه ترسل منها الحتوف
تشاهد (٢) الجنة في وجهه ... لكنها تحت ظلال السيوف ومنه:
ولما أن تفرقنا ... وحالت نوب الدهر
رأيت الشهد لا يحلو ... فما ظنك بالصبر ومنه:
وما سر قلبي منذ شطت بم النوى ... نعيم ولا لهو ولا متصرف
ولا ذقت طعم الماء إلا وجدته ... سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلفا ... وأي سرور يقتضيه التكلف ومنه:
أحبابنا لو لقيتم في إقامتكم ... من الصبابة ما لا قيت في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبساً ... والبر من أدمعي ينشق بالسفن ومنه:
تمثلتم لي وبالبلاد (٣) بعيدة ... فخيل لي أن الفؤاد لكم مغنى
وناجاكم قلبي على البعد والنوى ... فأوحشتم لفظاً وآنستم معنى
стр. 7
وقال في ملاح أربعة يلقب أحدهم بالسيف:
ملاك بلدتنا بالحسن أربعة ... بحسنهم في جميع الخلق قد فتكوا
تملكوا منهج العشاق وافتتحوا ... بالسيف قلبي ولولا السيف ما ملكوا ومنه:
أي ليل على المحب أطاله ... سائق الظعن يوم زم جماله
يزجر العيس طاوياً يقطع المه ... مه عسفاً وسهوله ورماله
أيها السائق المجد ترفق ... بالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخها هنيهة وأرحها ... قد براها السرى وفرط الكلاله (١)
لا تطل سيرها العنيف فقد بر ... ح بالصب في سراها الإطاله
وتركتم وراءهم حلف وجد ... نادباً في محلكم أطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلى ... ما على الربع لو أجاب سؤاله
ومحال من المحيل جواب ... غير أن الوقوف فيها غلاله
هذه سنة المحبين يبكو ... ن على كل منزل لا محاله
يا ديار الأحباب لا زالت الأد ... مع في ترب ساحتيك مذاله (٢)
وتمشى النسيم وهو عليل ... في مغانيك ساحباً أذياله
أين عيش مضى لنا فيك ما أس ... رع عنا ذهابه وزواله
حيث وجه الشباب طلق نضير ... والتصابي غصونه مياله
ولنا فيك طيب أوقات أنس ... ليتنا في المنام نلقي مثاله
وبأرجاء جوك الرحب سرب ... كل عين تراه تهوى جماله
من فتاة بديعة الحسن ترنو ... من جفون لحاظها مغتاله
ورحيم الدلال حلو المعاني ... تتثنى أعطافه مختاله
ذي قوام تود كل غصون ال ... بان لو أنها تحاكي اعتداله
وجهه في الظلام بدر تمام ... وعذاراه حوله كالهاله
стр. 8
ومن ذلك:
كأنني يوم بان الحي عن إضم ... والقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء ظلت لفقد الإلف ساجعة ... تبكي عليه اشتياقاً وهو مأسور
يا جيرة الحي هل من عودة فعسى ... يفيق من نشوات الشوق مخمور
إذا ظفرت من الدنيا بقربكم ... فكل ذنب جناه الدهر مغفور وله في الدوبيت شيء كثير من أحسنه قوله:
في هامش خدك البديع القاني ... أسرار هوى لكل (١) صب عان
قد خرجها الباري فما أحسنها ... من حاشية بالقلم الريحاني وقوله:
روحي بك يا معذبي قد شقيت ... في جنب رضاك في الهوى ما لقيت
لا تعجل بالله عليها فعسى ... أن تدركها برحمة إن بقيت وقوله:
يا سعد عساك تطرق الحي عساك ... قصداً فإذا رأيت من حل هناك
قل صبك ما زال به الوجد إلى ... أن مات غراماً أحسن الله عزاك وكتب إليه السراج الوراق لغزاً في مئذنة:
يا إماماً له ضياء ذكاء ... يتلاشى له ضياء ذكاء
ما مسمى بالرفع يعرب والنص ... ب وإن كان مستقر البناء
علم مفرد فإن رفعوه ... رفعوه عمداً لأجل النداء
أنثوه ومنه قد عرف التذكي ... ر فانظر تناقض الأشياء
وهو ظرف فأين من فيه ظرف ... ليجلي من هذه العمياء فأجاب (٢) :.
стр. 9
قال شمس الدين أحمد بن المنير في قاضي القضاة المذكور:
ليس شمس الضحى كأوصاف شمس الدي ... ن قاضي القضاة حاشا وكلا
تلك مهما علت محلا ثنت ظ ... لا وهذا مهما علا مد ظلا
стр. 10
تحقيق الكتاب
بين عامي ١٨٣٥ و ١٨٥٠، قام الأستاذ فردينند وستنفيلد بنشر كتاب ((وفيات الأعيان)) في اثني عشر جزءاً، وخصص الجزء الثالث عشر لاختلاف القراءات وللزيادات في النسخ المختلفة وللفهارس العامة. وقد اعتمد في طبعته هذه على النسخ الآتية:
١ - النسخة " أ ": وهي من مخطوطة بليدن نسخ القسم الأعظم منها لورسباخ من مخطوطة كان يملكها شولتز وأخيراً اشترتها مكتبة جوتنجن سنة ١٩١٧؛ وتتألف من ست مجلدات متوسطة الحجم من قطع الربع وفيها بعض صفحات خالية. وكان ما نسخه لورسباخ منها جيداً مساوياً مساوياً للأصل في دقته.
٢ - النسخة " ب ": وهي من غوطا، وتشمل ما يقارب نصف الكتاب وتنتهي بترجمة أبي محمد عبد الملك بن هشام وتعد من اقدم المخطوطات إذ أنها كتبت بعد وفاة المؤلف باثنتى عشرة سنة إذ في آخرها: " كتب هذا الكتاب في مساء الأحد لثلاث بقين من جمادى الأول سنة ٦٩٣، وكتبه العبد الفقير أبو الرحى ابن أبي الحسن بن يوسف ابن أبي الرحى بن سعيد الاسرائيلي بدمشق المحروسة عن اصل يملكه القاضي علاء الدين علي بن شمس الدين محمد بن غانم كاتب الديوان ". وهذه النسخة التي كان يملكها القاضي علاء الدين نسخت سنة ٦٩٢ بخط تاج الدين معتوق بن سعد الاسعردي السميساطي وعلى النسخة تملكات مؤرخة آخرها سنة ١٠٣٦، وعلى الصفحة الأولى منها ترجمة لابن خلكان مأخوذة من كتاب " تذكرة النبيه " لحسن بن حبيب الكلبي، وعلى هوامشها حواش وتعليقات لبعض العلماء تتفاوت في قيمتها.
٣ - النسخة " ج ": وهي من برلين، كتبت بخط دقيق وجاءت في مجلد
стр. 11
واحد يشمل الكتاب كله وتاريخ نسخها سنة ١٠٨٣، فهي حديثة نسبيا كما أن تراجمها كثيرا ما تكون موجزة.
٤ - النسخة " د ": وهي من برلين أيضاً وتقع في أربعة أجزاء إلا أن الجزء الرابع فيها ناقص، وهي من أشد النسخ إسهابا في الترجمات ومن أكثرها عدد تراجم وكثيرا ما يختلف ترتيب التراجم فيها عن النسخ الأخرى وقد كتب الجزء الثاني منها سنة ١١٢٦هـ وفي آخر الجزء الثالث عبارة هامة يذكر فيها المؤلف أنه ترك القاهرة لأنه عين قاضيا بدمشق ولهذا توقف عن إتمام الكتاب.
٥ - النسخة " هـ ": وهي مخطوطة أخرى من غوطا وتاريخ نسخها ١٢٠١.
وقد اختار الأستاذ وستنفيلد الاعتماد على نسخة " ب " لأنها أقدم النسخ وخاصة حين تتفق معها نسخة أخرى، ولم يكن يفارق قراءة " ب " إلا إذا اتفقت فيها النسخ الأخرى دونها، ويقول أن " ب " و " د " تتفقان كثيرا في القراءة بينما تتفق " أ " و " ج " في قراءة أخرى.
وبعد أن مضى شوطا في العمل، اعتمد على مخطوطات أخرى منها " ف "، التي تمثل نسخة لبعض أصدقاء المحقق نسخها بخطه عن أصل في باريس. ثم حصل على نسخة ثالثة من غوطا - رقم ٤١٧ - وهي قطعة ناقصة من أولها وآخرها إلا أنها قديمة جيدة الخط والقراءة وهي تكمل النسخة " ب "، ويقول أنه لم يستطع الحصول على جميع المخطوطة عند تحقيقه الكتاب وإنما قرأ معضمها وقيد الخلاف بينها وبين سائر المخطوطات.
ويبدو من هذا العرض أن طبعة وستنفيلد تمثل تلفيقا بين هذه المخطوطات العديدة في عدد التراجم لأنه ليست هناك نسخة من النسخ المذكورة قد استوفت ذلك العدد كاملاً. وقد انتهى عدد تراجم الكتاب في هذه الطبعة إلى ٨٦٥ ترجمة، إلا أن بعضها لم يذكر منه إلا الاسم ولم يكتب المؤلف عنه شيئا من الخبر. ويبدو أن هذه العملية التلفيقية أمر لا معدا عنه لأن النسخ الخطية من الكتاب كثيرة جدا ولسنا نعلم أيها يمثل المرحلة الأولى في التأليف وأيها يمثل المرحلة الأخيرة وأيها هو الواقع بين المرحلتين؛ ولهذا آثرت إبقاء ما أختاره وستنفيلد على حاله واستأنست في مراجعة عمله بمخطوطتين:
стр. 12
١ - النسخة " م ": وهي نسخة المتحف البريطاني - رقم ١٥٠٥ التكملة ٦٠٧ - وتحتوي التراجم من أول الكتاب وحتى آخره حرف الميم، تشبه أن تكون مسودة أولية للمؤلف لأن تراجمها شديدة الإيجاز وهي تنقص عددا كبيرا من التراجم التي وردت في النسخ الاخرى.
٢ - النسخة " ط ": وهي أيضا في المتحف البريطاني وتحمل رقم ٦٠٨/١٢ وتمثل الجزء الرابع من كتاب " الوفيات " وقد كتب على الورقة الأولى منها: " هذا الجزء فيه التكملة التي ألحقها بحرف الياء رحمة الله تعالى على مصنفه ورضوانه " وهي تقع في ١٥٣ ورقة، وفي آخرها: " تم الجزء الرابع من وفيات الأعيان وبه يتم الكتاب ". وتاريخ نسخها الخامس عشر من شهر رمضان المعظم قدره سنة ٩٩١، والتراجم فيها لا تعتمد الإيجاز كما هي حال القطعة السابقة.
وقد جرى عملنا في تحقيق الجزئين الأولين بالاعتماد على طبعة وستنفيلد ونسخة " م "، ولهذا أثبت فروق القراءات بين النسخ في حواشي هذين الجزئين. ولما كانت نسخة " د " من أكثر النسخ زيادات، فقد أدرجت في المتن من زياداتها ما لا يخل بالسياق العام في التراجم، وأرجأت ما كان صورة أخرى فيها وجعلته ملحقا بآخر كل جزء. وتنتهي هذه الزيادات الملحقة التي أثبتها وستنفيلد في آخر الجزء الثاني. وأحيانا أشرت إلى بعض الزيادات التي وردت في " أ " و " ج " إذا كانت ذات أهمية واضحة. أما زيادات " ف " فإني لم أعتمدها في هذه الطبعة لأنه من التجوز أن تعد " ف " أصلا معتمدا.
وقد قدرت أن يجيء هذا الكتاب في سبعة أجزاء، وأن يكون الجزء الثامن خاصاً بالفهارس المفصلة، وأنا أتوقع أن يكون اعتمادي في الأجزاء الأخرى بعد الثاني على مخطوطات جديدة بالإضافة إلى المخطوطة " ط ". وعند الحصول على ما يسعف في تحقيق هذا الكتاب من مخطوطات جديدة، ستتم الإشارة إلى ذلك تباعا، وسيدرج في الجزء الثامن ترجمة تفصيلية للمؤلف ودراسة لكتاب " وفيات الأعيان " وإني لأرجو أن أوضح هنالك شيئا من طبيعتي التأليف المتدرج الذي جرى عليه المؤلف في كتابه هذا.
стр. 13
ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بوافر الشكر إلى كل من الصديقين العزيزين: الأستاذ الدكتور يوسف فإن أس على مساعدته في توضيح المقدمات اللاتينية التي كتبها وستنفيلد في مطالع الأجزاء الاثني عشر؛ والأستاذ الدكتور وليد عرفات الذي تفضل فأرسل إلي فلمين مصورين عن نسختي المتحف البريطاني. ويطيب لي أيضاً في إخراج هذا الكتاب أثناء تغيبي عن بيروت في رحلة علمية طويلة.
والله أسأل أن يعينني على إتمام الأجزاء الباقية منه بمنه وكرمه.
بيروت في ٣ آب (أغسطس) ١٩٦٨
إحسان عباس
стр. 14
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الفقير إلى رحمة الله تعالى شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، الشافعي، رحمه الله تعالى:
بعد حمد الله تفرد بالبقاء، وحكم على عباده بالموت والفناء، وكتب لكل نفس أجل لا تجاوزه عند الانقضا، وسوى فيه بين الشريف والمشروف والأقوياء والضعفاء، أحمده على سوائغ النعم وضوافي الآلاء، حمد معترف بالقصور عن إدراك أقل مراتب الثناء، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص في جميع الآناء، راجٍ رحمة ربه في الإصباح والإمساء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الأنبياء، وأكرم الأصفياء، والداعي إلى سلوك المحجة البيضاء، صلى الله عليه وعلى آله السادة النجباء، صلاة دائمة بدوام الأرض والسماء، ورضي الله عن أزواجه وأصحابه البررة الأتقياء.
هذا مختصر في التاريخ، دعاني إلى جمعه أني كنت مولعاً بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولي النباهة وتواريخ (١) وفياتهم وموالدهم (٢) ، ومن جمع منهم كل عصر فوقع لي منهم شيء حملني على الاستزادة وكثرة التتبع، فعمدة إلى مطالعة الكتب الموسومة بهذا الفن، وأخذت من أفواه الأئمة (٣) المتقنين (٤) له ما لم أجده في كتاب، ولم أزل على ذلك حتى حصل عندي منه مسودات
стр. 15
كثيرة في سنين عديدة (١) ، وغلق على خاطري بعضه فصرت إذا احتجت إلى معاودة شيء منه لا أصل إليه إلا بعد التعب في استخراجه، لكونه غير مرتب، فاضطررت إلى ترتيبه، فرأيت على حروف المعجم أيسر منه على السنين، فعدلت إليه، والتزمت فيه تقديم من كان أول اسمه الهمزة، ثم من كان ثاني حرف من اسمه الهمزة أو ما هو أقرب إليها، على غيره، فقدمت إبراهيم على أحمد لأن الباء أقرب إلى الهمزة من الحاء، وكذلك فعلت إلى آخره، ليكون أسهل للتناول (٢) ، وإن كان هذا (٣) يفضي إلى تأخير المتقدم وتقديم المتأخر في العصر (٤) وإدخال من ليس من الجنس بين المتجانسين، لكن هذه المصلحة أحوجت إليه (٥) .
ولم أذكر في هذا المختصر أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا من التابعين ﵃، إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثير من الناس إلى معرفة أحوالهم، وكذلك الخلفاء: ولم أذكر أحداً منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب، لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم ونقلت عنهم، أو كانوا في زمني ولم أرهم، ليطلع على حالهم من يأتي بعدي.
ولم اقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء أو الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو الشعراء، بل كل من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه ذكرته وأتيت من أحواله بما وفقت عليه، مع الإيجاز كيلا يطول الكتاب، أثبت وفاته ومولده إن قدرت عليه، ورفعت نسبه على ما ظفرت به، وقيدت من الألفاظ ما لا يؤمن تصحيفه، وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمة أو نادرة أو شعر أو رسالة ليتفكه به متأمله ولا يراه مقصوراً على أسلوب واحد فيمليه، والدواعي إنما تنبعث لتصفح الكتاب إذا كان مفنناً.
стр. 16
وبعد أن صار كذلك لم يكن بد من استفتاحه بخطبة وجيزة للتبرك بها؛ فنشأ من مجموع ذلك هذا الكتاب، وجعلته تذكرة لنفسي. وسميته كتاب " وفيات الأعيان، وأبناء أبناء الزمان، مما ثبت بالنقل أو السماع أو أثبته العيان " ليستدل على مضمون الكتاب بمجرد العنوان.
فمن وقف عليه من أهل الدراية بهذا الشأن ورأى فيه خللاً فهو المثاب في إصلاحه بعد التثبيت فيه، فإني بذلت (١) الجهد في التقاطه من مظان الصحة، ولم أتساهل في نقله ممن لا يوثق به، بل تحريت فيه حسبما وصلت القدرة إليه.
وكان ترتيبي له في شهور سنة أربع وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة مع شواغل عائقة، وأحوال عن مثل هذا متضايقة، فليعذر الواقف عليه، وليعلم أن الحاجة المذكورة ألجأت إليه، لا أن النفس تحدثها الأماني من الانتظام في سلك المؤلفين بالمحال، ففي أمثالهم السائرة " لكل عمل رجال " ومن أين لي ذلك والبضاعة من هذا العلم قدر منزور، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، حرسنا الله تعالى من التردي في مهاوي الغواية، وجعل لنا من العرفان بأقدارنا أمنع وقاية، بمنه وكرمه، آمين.
стр. 17
حرف الهمزة
стр. 18
فراغ
стр. 19
(١)
إبراهيم النخعي
أبو عمران، وأبو عمار، إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة (٢) بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، الفقيه، الكوفي، النخعي؛ أحد الأئمة المشاهير، تابعي رأي عائشة ﵂ ودخل عليها، ولم يثبت له منها سماع [وكان إبراهيم إذا طلبه إنسان لا يحب أن يلقاه خرجت الخادم فقالت اطلبه في المسجد؛ وقال آخر: كنا إذا خرجنا من عند إبراهيم يقول: إن سئلتم عني فقولوا لا ندري أين هو، فإنكم إذا خرجتم لا تدرون أين أكون] (٣) . توفي سنة ست وقيل خمس وتسعين للهجرة، وله تسع وأربعون سنة، وقيل: ثمان وخمسون سنة، والأول أصح. ولما حضرته الوفاة (٤) جزع جزعاً شديداً، فقيل له في ذلك، فقال: وأي خطر أعظم مما أنا فيه إنما أتوقع رسولاً يأتي علي من ربي إما بالجنة، وإما بالنار، والله لوددت أنها تلجلج في حلقي (٥) إلى يوم القيامة.
وأمه مليكة بنت يزيد بن قيس النخعية، أخت الأسود بن يزيد النخعي، فهو خاله ﵁.
ونسبته إلى النخع - بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة - وهي قبيلة كبيرة من مذحج باليمن. واسم النخع جسر بن عمرو بن علة بن خالد ابن مالك بن أدد، وإنما قيل له النخع لأنه انتخع من قومه: أي بعد عنهم،
стр. 20
وخرج منهم خلق كثير، وقيل في نسبه غير هذا، هذا هو الصحيح، نقلته من جمهرة النسب لابن الكلبي.
٢ - (١)
أبو ثور صاحب الشافعي
أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي الفقيه البغدادي صاحب الإمام الشافعي ﵁ وناقل الأقوال القديمة عنه؛ وكان أحد الفقهاء الأعلام والثقات المأمونين في الدين، له الكتب المصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث والفقه، وكان أول اشتغاله بمذهب أهل الرأي، حتى (٢) قدم الشافعي العراق فاختلف إليه واتبعه ورفض مذهبه الأول، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي لثلاث بقين من صفر سنة ست وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب الكناس (٣) ، رحمه الله تعالى. وقال أحمد بن حنبل: هو عندي في مسلاخ سفيان الثوري، أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة.
٣ - (٤)
أبو إسحاق المروزي
أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي الفقيه الشافعي؛ إمام
стр. 21
عصره في الفتوى والتدريس، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج وبرع فيه، وانتهت إليه الرياسة بالعراق بعد ابن سريج، وصنف كتباً كثيرة، وشرح مختصر المزني، وأقام ببغداد دهراً طويلاً يدرس ويفتي، وأنجب من أصحابه خلق كثير، وإليه ينسب درب المروزي ببغداد الذي في قطيعة الربيع (١) . ثم ارتحل إلى مصر في أواخر عمره فأدركه أجله بها فتوفي لتسع خلون من رجب سنة أربعين وثلثمائة، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي، ﵁؛ وقيل: إنه توفي بعد العتمة (٢) من ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة وذكره الخطيب في تاريخه.
والمروزي - بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو وبعدها زاء معجمة - نسبة إلى مرو الشاهجان، وهي إحدى كراسي خراسان أربع مدن: هذه، ونيسابور، وهراة وبلخ. إنما قيل لها مروالشاهجان لتتميز عن مرو الروذ، والشاهجان: لفظ عجمي، تفسيره روح الملك، فالشاه: الملك، والجان: الروح، وعادتهم أن يقدموا ذكر المضاف إليه على المضاف، ومرو هذه بناها الإسكندر ذو القرنين، وهي سرير الملك بخراسان، وزادوا في النسبة إليها زاء كما قالوا في النسبة إلى الري: رازي، وإلى إصطخر: إصطخرزي، على إحدى النسبتين، إلا أن هذه الزيادة تختص ببني آدم عند أكثر أهل العلم بالنسب، ماعدا ذلك لا يزاد فيه الزاء، فيقال: فلان المروزي والثوب وغيره من المتاع مروي - بسكون الراء - وقيل: إنه يقال في الجميع بزيادة الزاء، ولا فرق بينهما، وهو من باب تغيير النسب، وسيأتي في ترجمة القاضي أبي حامد أحمد بن عامر المروروذي الفقيه الشافعي بقية الكلام على هذين البلدين، إن شاء الله تعالى.
стр. 22
٤ - (١)
الأستاذ الإسفرايني
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفرايني الملقب بركن الدين، الفقيه الشافعي المتكلم الأصولي؛ ذكره الحاكم أبو عبد الله، وقال: أخذ عن الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور، وأقر له بالعلم أهل العراق، وخراسان، وله التصانيف الجليلة، منها: كتابه الكبير الذي سماه جامع الحلى في أصول الدين والرد على الملحدين رأيته في خمسة مجلدات، وغير ذلك من المصنفات، وأخذ عنه القاضي أبو الطيب الطبري أصول الفقه بإسفراين (٢) وبنيت له المدرسة المشهورة بنيسابور، وذكره أبو الحسن عبد الغافر الفارسي، في سياق تاريخ نيسابور، فقال في حقه: أحد من بلغ حد الاجتهاد من العلماء لتبحره في العلوم واستجماعه شرائط الإمامة، وكان طراز ناحية الشرق، وكان يقول: أشتهي أن أموت بنيسابور حتى يصلي علي جميع أهل نيسابور فتوفي بها يوم عاشوراء، سنة ثماني عشرة وأربعمائة، ثم نقلوه إلى إسفراين، ودفن في مشهده، رحمة الله تعالى. واختلف إلى مجلسه أبو القاسم القشيري، وأكثر الحافظ أبو بكر البيهقي الرواية عنه في تصانيفه وغيره من المصنفين، ﵏ أجمعين، وسمع بخراسان أبا بكر الإسماعيلي، وبالعراق أبا محمد دعلج بن أحمد السجزي وأقرانهما، وسيأتي الكلام على إسفراين في ترجمة الشيخ أبي أحمد بن محمد الإسفرايني.
стр. 23
٥ - (١)
أبو اسحاق الشيرازي
الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف، الشيرازي، الفيروزأبادي الملقب جمال الدين؛ سكن بغداد، وتفقه على جماعة من الأعيان منهم أبو أحمد عبد الوهاب بن محمد بن أمين وأبو عبد الله محمد بن عبد الله البيضاوي وأبو القاسم منصور بن عمر الكرخي وغيرهم وصحب القاضي أبا الطيب الطبري كثيراً، وانتفع به، وناب عنه في مجلسه، ورتبه معيداً في حلقته، وصار إمام وقته ببغداد، ولما بنى نظام الملك مدرسته ببغداد، ساله أن يتولاها، فلم يفعل، فولاها لأبي نصر ابن الصباغ صاحب الشامل مدة يسيرة، ثم أجاب إلى ذلك فتولاها، ولم يزل بها إلى أن مات، وقد بسطت القول في ذلك في ترجمة الشيخ أبي نصر عبد السيد بن الصباغ، صاحب الشامل، فليطلب منه. وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني الحافظ وأبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزار وأبي الفرج محمد بن عبد الله الخرجوشي الشيرازى وغيرهم. وصنف التصانيف المباركة المفيدة، منها: المهذب في المذهب، والتنبيه في الفقه، واللمع وشرحها في أصول الفقه، والنكت في الخلاف، والتبصرة، والمعونة، والتلخيص (٢) ، في الجدل، وغير ذلك، وانتفع به خلق كثير.
وله الشعر الحسن، فمنه:
سألت الناس عن خلٍ وفيٍ ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت (٣) بذيل (٤) حر ... فإن الحر في الدنيا قليل
стр. 24
وقال الشيخ أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى: كان ببغداد شاعراً مفلق، يقال له عاصم، فقال يمدح الشيخ أبا إسحاق قدس الله سره (١) :
تراه من الذكاء نحيف جسمٍ ... عليه من توقده دليل
إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضره (٢) الجسم النحيل وكان في غاية من الورع والتشدد (٣) في الدين، ومحاسنه أكثر من أن تحصر.
ولد في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بفيروزاباذ، وتوفي ليلة الأحد، الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، قاله السمعاني في الذيل، وقيل: في جمادى الأولى، قاله السمعاني أيضا، سنة ست وسبعين وأربعمائة، ببغداد، ودفن من الغد بباب أبرز (٤) ، رحمة الله.
ورثاه أبو القاسم ابن ناقياء، واسمه عبد الله، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، بقوله:
أجرى المدامع بالدم المهراق ... خطب أقام قيامة الآماق
ما لليالي لا تؤلف شملها (٥) ... بعد ابن بجدتها أبي إسحاق
إن قيل مات فلم يمت من ذكره ... حي على مر الليالي باقي وذكره محب الدين النجار في تاريخ بغداد، فقال في حقه: إمام أصحاب الشافعي، ومن انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد، وأكثر علماء الأمصار (٦) من تلامذته. ولد بفير وزاباذ، بلدة بفارس، ونشأ بها، ودخل شيراز، وقرأ بها الفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وعلى أبي أحمد
стр. 25
عبد الوهاب بن رامين، ثم دخل البصرة وقرأ على الحوزي، ودخل بغداد في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة وقرأ على أبي الطيب الطبري، ومولده في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة.
وقال أبو عبد الله الحميدي: سألته عن مولده، فذكر دلائل دلت علىسنة ست وتسعين، قال: ورحلت (١) في طلب العلم إلى شيراز، في سنة عشر وأربعمائة، وقيل: إن مولده في سنة خمس وتسعين، والله أعلم.
وجلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية، ولما انقضى العزاء رتب مؤيد الملك بن نظام الملك أبا سعد (٢) المتولي مكانه، ولما بلغ الخبر نظام الملك كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة لأجله، وزرى على من تولى موضعه، وأمرأن يدرس الشيخ أبو نصر عبد السيد بن الصباغ في مكانه، رحمهم الله تعالى.
وفير وزاباذ - بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحت وضم الراء المهملة وبعد الواو الساكنة زاء مفتوحة معجمة وبعد الألف باء موحدة وبعدالألف ذال معجمه - بلدة بفارس، ويقال: هي مدينة جور، قاله الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتابه الأنساب (٣) ، وقال غيره: هي بفتح الفاء، والله أعلم.
٦ - (٤)
ابراهيم بن أدهم
[أبوإسحاق إبراهيم بن منصور بن زيد بن جابر العجلي ويقال التميمي؛ أصله
стр. 26
من بلخ وكان من أولاد الملوك، روى عن جماعة من التابعين كأبي إسحاق السبيعي وأبي حازم وقتادة ومالك بن دينار والأعمش وأبان (١) ، واشتغل بالزهد عن الرواية وكان يكون بالكوفة ثم بالشام؛ مر به يوماً بريد وهو ينطر كرماً فقال: ناولني من هذا العنب، فقال: ما أذن لي صاحبه، فقلب السوط وجعل يقنع رأسه، فطأطأ إبراهيم رأسه وقال: اضرب رأساً طال ما قد عصىالله، قال: فانخذل ومضى.
وقال شقيق البلخي: قال لي إبراهيم أخبرني عما أنت عليه، فقلت: إذا رزقت أكلت وإذا منعت صبرت، قال: هكذا تعمل كلاب بلخ عندنا (٢) . قلت له: فكيف (٣) تعمل أنت قال: إذا رزقت آثرت وإذا منعت شكرت.
وكان إبراهيم في البحر وهبت ريح (٤) واضطربت السفن وبكى الناس فقيل لبعضهم (٥) : هذا إبراهيم بن أدهم لو سألته أن يدعو الله، وكان (٦) قائما في ناحية من السفينة ملفوف رأسه، فدنا إليه وقال: يا أبا إسحاق، ماترى ما فيه الناس فرفع رأسه وقال: اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا رحمتك، فهدأت السفن.
قال رجل لبشر بن الحارث: إني أحب أن أسلك طريق إبراهيم بن أدهم، قال: لا تقوى، قال: ولم قال: لأن إبراهيم بن أدهم عمل ولم يقل وأنت قلت ولم تعمل.
قال أبو سليمان الداراني: صلى إبراهيم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد، وتوفي سنة١٤٠في الجزيرة وحمل إلى صور فدفن هناك، رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته، إنه على مايشاء قدير] .
стр. 27
٧ - (١)
العراقي الخطيب
أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن المسلم، الفقيه الشافعي المصري المعروف بالعراقي، الخطيب بجامع مصر؛ كان فقيهاً فاضلاً، وشرح كتاب المهذب، تصنيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي - رحمة الله تعالى - في عشرة أجزاء شرحاً جيداً، ولم يكن من العراق، وإنما سافر إلى بغداد، واشتغل بها مدة، فنسب إليها لإقامته بها تلك المدة، وعاد إلى مصر وتولى الخطابة بجامعها العتيق والإمامة به والتصدر، ولم يزل على الخطابة والإمامة به والإفادة إلى حين وفاته ومضى على سداد وأمر جميل. قرأ ببغداد الفقه على أبي بكر محمد بن الحسين الأرموي، وكان من أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعلى أبي الحسن محمد بن المبارك بن الخل البغدادي، وتفقه ببلده على القاضي أبي المعالي مجلي بن جميع الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وكان في بغداد يعرف بالمصري، فلما رجع إلى مصر قيل له: العراقي، والله أعلم.
وقد روي عن الخطيب أبي إسحاق المذكور أنه كان يقول: أنشدني شيخنا ابن الخل المذكور ببغداد، ولم يسم قائلاً:
في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن ذممت تقل قيء الزنابير
مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... حسن البيان يري الظلماء كالنور وكانت ولادته بمصر، سنة عشر وخمسمائة، وتوفي يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الأولى، سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر، ودفن بسفح المقطم، رحمة الله تعالى.
стр. 28
والمسلم: بضم الميم وتشديد اللام.
(١) وكان له ولد فاضل، نبيل القدر، اسمه أبو محمد عبد الحكم (١) ، ولي الخطابة بجامع مصر بعد وفاة والده، وكانت له خطب جيدة، وشعر لطيف.
فمن شعره في العماد ابن جبريل، المعروف بابن أخي العلم - وكان صاحب ديوان بيت المال بمصر، وكان قد وقع فانكسرت يده - قوله:
إن العماد بن جبريل أخي علمٍ ... له يد أصبحت مذمومة الأُثر
تأخر القطع عنها وهي سارقة ... فجاءها الكسر يستقصي عن الخبر وله غير ذلك أشعار نادرة، ثم وجدت هذين البيتين في ديوان جعفر بن شمس الخلافة الآتي ذكره؛ والله أعلم.
ومن شعر عبد الحكم المذكور في رجل وجب عليه القتل، فرماه المستوفي للقصاص بسهم فأصاب كبده فقتله، فقال عبد الحكم (٢) :
أخرجت من كبد القوس ابنها فغدت ... تئن والأم قد تحنو على الولد
وما درت أنه لما رميت به ... ما سار من كبد إلا إلى كبد قلت: البيت الأول من هذين البيتين مأخوذ من قول بعض المغاربة:
لا غرو من جزعي لبينهم ... يوم النوى وأنا أخوالهم
فالقوس من خشب تئن إذا ... ما كلفوها فرقة السهم والبيت الثاني مأخوذ من قول الفقيه عمارة اليمني، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، في قصيدته الميمية التي ذكرتها هناك، وقد قدم من مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية، وامتدح بها مليكها يومئذ، - وهو الفائز عيسى بن الظافر العبيدي، ووزيره الصالح طلائع بن رزيك، وكلاهما مذكوران في هذا التاريخ، فقال من جملة القصيدة، يمدح العيس التي حملته إلى مصر:
стр. 29
ورحن من كعبة البطحاء والحرم ... وفداً إلى كعبة المعروف والكرم
فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم ومن شعر عبد الحكم أيضا:
قامت تطالبني بلؤلؤ نحرها ... لما رأت عيني تجود بدرها
وتبسمت عجباً فقلت لصاحبي ... هذا الذي اتهمت به في ثغرها قلت: وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي الحسن علي بن عطية المعروف بابن الزقاق الأندلسي البلنسي (١) :
وشادن (٢) طاف بالكؤوس ضحىً ... فحثها والصباح قد وضحا
والروض يبدي لنا شقائقه (٣) ... وآسه العنبري قد نفحا
قلت: وأين الأقاح قال لنا: ... أودعته ثغر من سقى القدحا
فظل ساقي المدآم يجحد ما ... قال، فلما تبسم افتضحا وكان الوزير صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر وزيرالملك العادل بن أيوب بمصر، قد عزل عبد الحكم المذكور عن خطابة جامع مصر، فكتب إليه (٤) :
فلأي بابٍ غير بابك أرجع ... وبأي جود غير جودك أطمع
سدت علي مسالكي ومذاهبي ... إلا إليك فدلني ما أصنع
فكأنما الأبواب بابك وحده ... وكأنما أنت الخليقة أجمع قلت: والبيت الأخير مأخوذ من قول السلامي الشاعر المشهور، وهو:
فبشرت آمالي بملكٍ هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر (٥)
стр. 30
وسيأتي ذكرها في ترجمة عضد الدولة بن بويه في حرف الفاء، إن شاء الله تعالى.
[ولعبد الحكم المذكور يستجلي زوجته:
سترت وجهها بكف عليه ... شبك النقش وهي تجلى عروسا
قلت لم يغن عنك سترك شيئاً ... ومتى غطت الشباك الشموسا وله أيضاً:
ومأدبة بتنا بها في لذاذة ... يخيل لي أنا على الماء نوم
فمن فوقنا الأفلاك والفلك تحتنا ... ففي تلك أقمار وفي تيك أنجم وله أيضاً:
على مهل ففي الأحوال ريث ... أتخشى أن تضام وأنت ليث
بمصر إن أقمت فأنت نيل ... وإن سرت الشآم فأنت غيث] وكانت ولادته ليلة الأحد تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
وتوفي سحرة الثامن والعشرين من شعبان سنة ثلاث عشرة وستمائة، بمصر، ودفن من الغد بسفح المقطم، رحمة الله تعالى عليه.
وأنشدني ولده شيئاً كثيراً من شعره، وطريقته فيه لطيفة.
(٢) وأما العماد المذكور فهو أبو عبد الله محمد بن أبي الأمانة جبريل بن المغيرة بن سلطان بن نعمة، وكان فاضلاً مشهوراً بكثرة الأمانة فيما يتولاه، وتقلب في الخدم الديوانية بمصر والإسكندرية، وكانت ولادته سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وتوفي في خامس شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة بالقاهرة، رحمة الله تعالى.
стр. 31
٨ - ابن عسكر الموصلي
أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر، الملقب ظهير الدين، قاضي السلامية، الفقيه الشافعي الموصلي؛ ذكره ابن الدبيثي (١) في تاريخه، فقال: أبو إسحاق من أهل الموصل، تفقه على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الموصلي، بالموصل، وسمع منه، قدم بغداد وسمع بها من جماعة، وعاد إلى بلده، وتولى قضاء السلامية إحدى قرى الموصل، وروى بإربل عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي شيئاً من مصنفاته. سمع منه ببغداد، وسمع منه جماعة من أهلها. انتهى كلامه.
وكان فقيهاً فاضلاً أصله من العراق من السندية، تفقه بالمدرسة النظامية ببغداد وسمع الحديث ورواه. وتولى القضاء بالسلامية - وهي بلدة بأعمال الموصل - وطالت مدته بها. وغلب عليه النظم، ونظمه رائق. فمن شعره:
لا تنسبوني يا ثقاتي إلى ... غدر فليس الغدر من شيمتي
أقسمت بالذاهب من عيشنا ... وبالمسرات التي ولت
أني على عهدكم لم أحل ... وعقدة الميثاق ما حلت ومن شعره أيضا:
جود الكريم إذا ما كان عن عدة ... وقد تأخر لم يسلم من الكدر
إن السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعاً إذا هي لم تمطر على الأثر
وما طل الوعد مذموم وإن سمحت ... يداه من بعد طول المطل (٢) بالبدر
стр. 32
يا دوحة الجود لا عتب (١) على رجل ... يهزها وهو محتاج إلى الثمر وكان بالبوازيج - وهي بليدة بالقرب من السلامية - زواية لجماعة من الفقراء اسم شيخهم مكي، فعمل فيهم:
ألا قل لمكي قول النصوح ... فحق النصيحة أن تستمع
متى سمع الناس في دينهم ... بأن الغنا سنة تتبع
وأن يأكل المرء أكل البعير ... ويرقص في الجمع حتى يقع
ولو كان طاوي الحشا جائعا ... لما دار من طرب واستمع
وقالوا سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القصع
كذاك الحمير إذا أخصبت ... ينقزها ريها والشبع ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل، وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع عديدة ومكاتبات جرت بينهما. وذكره العماد الكاتب في الخريد فقال: شاب فاضل، ومن شعره قوله:
أقول له صلني فيصرف وجهه ... كأني أدعوه لفعل محرم
فإن كان خوف الإثم يكره وصلتي ... فمن أعظم الآثام قتلة مسلم توفي يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة عشر وستمائة بالسلامية، رحمه الله تعالى.
وكان له ولد اجتمعت به في حلب، وأنشدني من شعره وشعرأبيه كثيراً، وكان شعره جيداً، ويقع له المعاني الحسنة.
والسلامية: بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء مثناة من تحتها ثم هاء، وهي بليدة على شط الموصل من الجانب الشرقي أسفل الموصل، بينهما مسافة يوم، فالموصل في الجانب الغربي. وقد خربت السلامية القديمة التي كان الظهير قاضيها، وأنشئت بالقرب منها بليدة أخرى وسموها السلامية أيضا.
стр. 33
٩ - (١)
إبراهيم بن المهدي
أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن المنصور أبي جعفر بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أخو هارون الرشيد؛ كانت له اليد الطولى في الغناء والضرب بالملاهي وحسن المنادمة، وكان أسود اللون لأن أمه كانت جارية سوداء، واسمها شكلة - بفتح الشين المعجمة وكسرها، وسكون الكاف، وبعد اللام هاء - وكان مع سواده عظيم الجثة، ولهذا قيل له التنين، وكان وافر الفضل (٢) ، غزير الأدب، واسع النفس، سخي الكف، ولم ير في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لساناً، ولا أحسن منه شعراً، بويع له بالخلافة ببغداد (٣) بعد المائتين (٤) والمأمون يومئذ بخراسان، وقصته مشهورة، وأقام خليفة بها مقدار سنتين، وذكر الطبري في تاريخه أن أيام إبراهيم بن المهدي كانت سنة واحد عشر شهراً واثني عشر يوماً.
وكان سبب خلع المأمون وبيعة إبراهيم بن المهدي أن المأمون لما كان بخراسان جعل ولي عهده علي بن موسى الرضا الآتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى، فشق ذلك على العباسيين ببغداد خوفاً من انتقال الأمر عنهم إلى العلويين فبايعوا إبراهيم بن المهدي المذكور، وهوعم المأمون، ولقبوه المبارك. وقيل سموه المرضي، وكانت مبايعته يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين ببغداد، بايعه العباسيون في الباطن ثم بايعه أهل بغداد في أول يوم من المحرم سنة اثنتين ومائتين، وخلعوا المأمون، فلما كان يوم الجمعة
стр. 34
لخمس خلون من المحرم أظهروا ذلك، وصعد إبراهيم المنبر، وكان المأمون لما بايع علي بن موسى الرضا بولاية العهد أمر الناس بترك لباس السواد الذي هو شعار بني العباس، وأمرهم بلباس الخضرة، فعز ذلك على بني العباس أيضاً، وكان من جملة الأسباب التي نقموها على المأمون، ثم أعاد لبس السواد يوم الخميس لليلة بقيت من ذي القعدة سنة سبع ومائتين لسبب اقتضى ذلك، ذكره الطبري في تاريخه فلما توجه المأمون من خراسان إلى بغداد خاف إبراهيم على نفسه، فاستخفى، وكان استخفاؤه ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، وذلك بعد أمور يطول شرحها، ولايحتمل هذا المختصر ذكرها، ثم دخل المأمون بغداد يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر سنة أربع ومائتين، ولما استخفى إبراهيم عمل فيه دعبل الخزاعي:
نعر (١) ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا إليه كل أطلس مائق
إن كان، إبراهيم مضطلعاً بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق
أنى يكون وليس ذاك بكائن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق ومخارق: بضم الميم وفتح الخاء المعجمة، وزلزل: بضم الزاءين المعجمتين، والمارق: هؤلاء الثلاثة كانوا مغنين في ذلك العصر.
وأخبار إبراهيم طويلة شهيرة.
وقال إبراهيم: قال لي المأمون، وقد دخلت عليه بعد العفو عني: أنت الخليفة الأسود، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا الذي مننت عليه بالعفو، وقد قال عبد بني الحسحاس (٢) :
أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبداً فنفسي حرة كرما ... أو أسود الخلق إني أبيض الخلق
стр. 35
فقال لي: يا عم أخرجك الهزل إلى الجد، وأنشد يقول:
ليس يزرى السواد بالرجل الشه ... م ولا بالفتى الأديب الأريب
إن يكن لسواد فيك نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي قلت: وقد نظم بعض المتأخرين، وهو الأعز وأبو الفتوح نصر الله بن قلاقس الإسكندري - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف النون - هذا المعنى وزاد فيه وأحسن كل الإحسان، وهو قوله (١) :
رب سوداء وهي بيضاء فعل ... حسد المسك عندها الكافور
مثل حب العيون يحسبه النا ... س سواداً وإنما هو نور وجلس (٢) المعتصم يوماً - وقد تولى الخلافة بعد المأمون - وعن يمينه العباس بن المأمون، وعن يساره إبراهيم بن المهدي، فجعل إبراهيم يقلب خاتماً في يده، فقال له العباس: يا عم ما هذا الخاتم فقال: خاتم رهنته في أيام أبيك فما فككته إلا في أيام أمير المؤمنين، فقال له العباس: والله لئن لم تشكر أبي على حقن دمك مع عظيم جرمك لا تشكر أمير المؤمنين على فك خاتمك، فأفحمه.
وهذا إبراهيم في حديثه طول كثير (٢) أورده أرباب التواريخ في كتبهم، لكن اختصرته، ونبهت على المقصود منه، وقد استوفى الطبرى وغيره الكلام فيه.
ولما ظفر المأمون بإبراهيم شاور فيه أحمد بن أبي خلد الأحول الوزير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قتلته فلك نظراء، وإن عفوت عنه فما لك نظير.
وكانت ولادته غرة ذي القعدة سنة اثنتين وستين ومائة، وتوفي يوم الجمعة لتسع خلون من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين بسر من رأى، وصلى عليه ابن أخيه المعتصم، رحمه الله تعالى.
وسر من رأى فيها ست لغات حكاها الجوهري في كتاب الصحاح في فصل
стр. 36
رأى، وهن: سر من رأى - بضم السين المهملة وفتحها - وسر من راء - بضم السين وفتحها وتقديم الألف على الهمزة في اللغتين - وساء من رأى، وسامرا، واستعمله البحتري ممدوداً في قوله:
ونصبته علماً بسامراء ... ولا أعلم هل هي لغة شائعة أو استعمله كذلك ضرورة.
وسر من رأى: مدينة بالعراق، بناها المعتصم في سنة عشرين ومائتين وفيها السرداب الذي ينتظر الإمامية خروج الإمام منه، وسيأتي ذكره في حرف الميم في المحمدين إن شاء الله تعالى.
١٠ - (١)
ابراهيم النديم الموصلي
أبو إسحاق إبراهيم بن ماهان - ويقال له أيضا: ميمون - بن بهمن بن نسك، التميمي بالولاء، الأرجاني، المعروف بالنديم، الموصلي: ولم يكن من الموصل، وإنما سافر إليها وأقام بها مدة، فنسب إليها، هكذا ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني ".
وهو من بيت كبير في العجم. وانتقل والده ماهان إلى الكوفة وأقام بها. وأول خليفة سمعه المهدي بن المنصور، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع الألحان وكان إذا غنى إبراهيم، وضرب له منصور المعروف بزلزل، اهتزلهما المجلس، وكان إبراهيم زوج أخت زلزل المذكور، وأخباره ومجالسه مشهورة.
وحكي أن هارون الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديداً، فتغاضبا
стр. 37
مرة ودام بينهما الغضب، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئا، فعمل (١) :
راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قلما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما ... دب السلو له فعز المطلب وأمر إبراهيم الموصلي فغنى به الرشيد، فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك، فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، وسألت الرشيد أن يكافئهما، فأمر لهما بأربعين ألف درهم.
وكان هارون قد حبس إبراهيم في المطبق، فأخبر سلم الخاسر أبا العتاهية بذلك، فأنشده (٢) :
سلم يا سلم ليس دونك سر ... حبس الموصلي فالعيش مر
ما استطاب اللذات مذ غاب في المط ... بق رأس اللذات في الناس حر
ترك الموصلي من خلق الله ... جمعا وعيشهم مقشعر
حبس اللهو والسرور فما في ال ... أرض شيء يلهى به ويسر ولد إبراهيم المذكور بالكوفة سنة خمس وعشرين ومائة، وتوفي ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائة بعلة القولنج، وقيل: سنة ثلاث عشرة ومائتين، والأول أصح، رحمة الله تعالى. وفي ترجمة العباس بن الأحنف خبر وفاته أيضاً فلينظر فيها، وقيل: مات إبراهيم الموصلي وأبو العتاهية الشاعر وأبو عمرو الشيباني النحوي في سنة ثلاث عشرة ومائتين في يوم واحد ببغداد، وإن أباه مات وهوصغير فكفله بنو تميم وربوه، ونشأ فيهم فنسب إليهم، والله أعلم.
وسيأتي ذكر ولده إسحاق.
وأرجان: بتشديد الراء المهملة، حكاه الجوهري والحازمي، وهي مذكرة في ترجمة أحمد الأرجاني.
стр. 38
١١ - (١)
إبراهيم الصولي
إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول تكين الصولي، الشاعر المشهور؛ كان أحد الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر كله نخب، وهو صغير، ومن رقيق شعره:
دنت بأناس عن تناءٍ زيارة ... وشط بليلى عن دنو مزارها (٢)
وإن مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها وله نثر بديع، فمن ذلك ما كتبه (٣) عن أمير المؤمنين، إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم، وهو أما بعد، فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن أغنت عزائمه، والسلام وهذا الكلام مع وجازته في غاية الإبداع، فإنه ينشأ منه بيت شعر له أوله:
أناة فإن لم تغن عقب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه وكان يقول: ما اتكلت في مكاتبتي قط إلا على ما يجلبه خاطري ويجيش به صدري، إلا قولي: وصار ما يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم، وقولي في رسالة أخرى: " فأنزلوه من معقل إلى عقال، وبدلوه آجالاً من آمال " فإني ألممت بقولي " آجالا من آمال " بقول مسلم بن الوليد الأنصاري، المعروف بصريع الغواني، وهو (٤) :
стр. 39
موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل (١) وفي المعقل والعقال بقول أبي تمام (٢) :
فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا ... قراه، وأحواض المنايا مناهله (٣)
وإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله (٤)
وإلا فأعلمه بأنك ساخط ... عليه فإن الخوف لاشك قاتله وهو ابن أخت العباس بن الأحنف الحنفي الشاعر المشهور.
ونسبته إلى جده صول المذكور، وكان أحد ملوك جرجان، وأسلم على يد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وقال الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في " تاريخ جرجان (٥) ": الصولي جرجاني الأصل، وصول من بعض ضياع جرجان، ويقال لها جول (٦) ، وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولي، صاحب كتاب الوزراء وغيره من المصنفات، فإنهما يجتمعان في العباس المذكور.
وقد ذكره أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة فقال (٧) : إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول، بغدادى أصله من خراسان، يكنى أبا إسحاق، أشعر نظرائه الكتاب وأرقهم لساناً، وأشعاره قصار ثلاثة أبيات ونحوها إلى العشرة، وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع، وأصله تركي، وكان صول وفيروز وأخوين ملكا جرجان، تركيان، تمجسا وصارا أشباه الفرس، فلما حضر يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان أمنهما، فلم يزل
стр. 40
صول معه، وأسلم على يده حتى قتل معه يوم العقر.
وكان أبو عمارة محمد بن صول أحد جلة الدعاة، وقتله عبد الله بن علي العباسي، عم السفاح والمنصور، لما خلع مع مقاتل بن حكيم العكي وغيره.
واتصل إبراهيم وأخوه عبد الله بذي الرياستين الفضل بن سهل، ثم تنقل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفي وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات بسر من رأى للنصف من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
قال دعبل بن علي الخزاعي: لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا في غير شيء، هذا آخر ما نقلته من كتاب الورقة.
وقد وقفت على ديوانه، ونقلت منه أشياء، منها قوله، وهذان البيتان يوجدان في ديوان مسلم بن الوليد الأنصاري، والله أعلم (١) :
لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاً بأهل وجيراناً بجيران وله - ويقال: إنه ما رددهما من نزلت به نازلة إلا فرج الله تعالى عنه -:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعاً وعند الله منها المخرج (٢)
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج ومن شعره:
أولى البرية طراً أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن وله - ويقال: إنه كتبها إلى محمد بن عبد الملك الزيات، وزير المعتصم -:
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا
وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا