← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رأى، وهن: سر من رأى - بضم السين المهملة وفتحها - وسر من راء - بضم السين وفتحها وتقديم الألف على الهمزة في اللغتين - وساء من رأى، وسامرا، واستعمله البحتري ممدوداً في قوله: ونصبته علماً بسامراء ... ولا أعلم هل هي لغة شائعة أو استعمله كذلك ضرورة. وسر من رأى: مدينة بالعراق، بناها المعتصم في سنة عشرين ومائتين وفيها السرداب الذي ينتظر الإمامية خروج الإمام منه، وسيأتي ذكره في حرف الميم في المحمدين إن شاء الله تعالى. ١٠ - (١) ابراهيم النديم الموصلي أبو إسحاق إبراهيم بن ماهان - ويقال له أيضا: ميمون - بن بهمن بن نسك، التميمي بالولاء، الأرجاني، المعروف بالنديم، الموصلي: ولم يكن من الموصل، وإنما سافر إليها وأقام بها مدة، فنسب إليها، هكذا ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني ". وهو من بيت كبير في العجم. وانتقل والده ماهان إلى الكوفة وأقام بها. وأول خليفة سمعه المهدي بن المنصور، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع الألحان وكان إذا غنى إبراهيم، وضرب له منصور المعروف بزلزل، اهتزلهما المجلس، وكان إبراهيم زوج أخت زلزل المذكور، وأخباره ومجالسه مشهورة. وحكي أن هارون الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديداً، فتغاضبا

стр. 37

مرة ودام بينهما الغضب، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئا، فعمل (١) : راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قلما يتجنب إن التجنب إن تطاول منكما ... دب السلو له فعز المطلب وأمر إبراهيم الموصلي فغنى به الرشيد، فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك، فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، وسألت الرشيد أن يكافئهما، فأمر لهما بأربعين ألف درهم. وكان هارون قد حبس إبراهيم في المطبق، فأخبر سلم الخاسر أبا العتاهية بذلك، فأنشده (٢) : سلم يا سلم ليس دونك سر ... حبس الموصلي فالعيش مر ما استطاب اللذات مذ غاب في المط ... بق رأس اللذات في الناس حر ترك الموصلي من خلق الله ... جمعا وعيشهم مقشعر حبس اللهو والسرور فما في ال ... أرض شيء يلهى به ويسر ولد إبراهيم المذكور بالكوفة سنة خمس وعشرين ومائة، وتوفي ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائة بعلة القولنج، وقيل: سنة ثلاث عشرة ومائتين، والأول أصح، رحمة الله تعالى. وفي ترجمة العباس بن الأحنف خبر وفاته أيضاً فلينظر فيها، وقيل: مات إبراهيم الموصلي وأبو العتاهية الشاعر وأبو عمرو الشيباني النحوي في سنة ثلاث عشرة ومائتين في يوم واحد ببغداد، وإن أباه مات وهوصغير فكفله بنو تميم وربوه، ونشأ فيهم فنسب إليهم، والله أعلم. وسيأتي ذكر ولده إسحاق. وأرجان: بتشديد الراء المهملة، حكاه الجوهري والحازمي، وهي مذكرة في ترجمة أحمد الأرجاني.

стр. 38

١١ - (١) إبراهيم الصولي إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول تكين الصولي، الشاعر المشهور؛ كان أحد الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر كله نخب، وهو صغير، ومن رقيق شعره: دنت بأناس عن تناءٍ زيارة ... وشط بليلى عن دنو مزارها (٢) وإن مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها وله نثر بديع، فمن ذلك ما كتبه (٣) عن أمير المؤمنين، إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم، وهو أما بعد، فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن أغنت عزائمه، والسلام وهذا الكلام مع وجازته في غاية الإبداع، فإنه ينشأ منه بيت شعر له أوله: أناة فإن لم تغن عقب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه وكان يقول: ما اتكلت في مكاتبتي قط إلا على ما يجلبه خاطري ويجيش به صدري، إلا قولي: وصار ما يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم، وقولي في رسالة أخرى: " فأنزلوه من معقل إلى عقال، وبدلوه آجالاً من آمال " فإني ألممت بقولي " آجالا من آمال " بقول مسلم بن الوليد الأنصاري، المعروف بصريع الغواني، وهو (٤) :

стр. 39

موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل (١) وفي المعقل والعقال بقول أبي تمام (٢) : فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا ... قراه، وأحواض المنايا مناهله (٣) وإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله (٤) وإلا فأعلمه بأنك ساخط ... عليه فإن الخوف لاشك قاتله وهو ابن أخت العباس بن الأحنف الحنفي الشاعر المشهور. ونسبته إلى جده صول المذكور، وكان أحد ملوك جرجان، وأسلم على يد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وقال الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في " تاريخ جرجان (٥) ": الصولي جرجاني الأصل، وصول من بعض ضياع جرجان، ويقال لها جول (٦) ، وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولي، صاحب كتاب الوزراء وغيره من المصنفات، فإنهما يجتمعان في العباس المذكور. وقد ذكره أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة فقال (٧) : إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول، بغدادى أصله من خراسان، يكنى أبا إسحاق، أشعر نظرائه الكتاب وأرقهم لساناً، وأشعاره قصار ثلاثة أبيات ونحوها إلى العشرة، وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع، وأصله تركي، وكان صول وفيروز وأخوين ملكا جرجان، تركيان، تمجسا وصارا أشباه الفرس، فلما حضر يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان أمنهما، فلم يزل

стр. 40

صول معه، وأسلم على يده حتى قتل معه يوم العقر. وكان أبو عمارة محمد بن صول أحد جلة الدعاة، وقتله عبد الله بن علي العباسي، عم السفاح والمنصور، لما خلع مع مقاتل بن حكيم العكي وغيره. واتصل إبراهيم وأخوه عبد الله بذي الرياستين الفضل بن سهل، ثم تنقل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفي وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات بسر من رأى للنصف من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين. قال دعبل بن علي الخزاعي: لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا في غير شيء، هذا آخر ما نقلته من كتاب الورقة. وقد وقفت على ديوانه، ونقلت منه أشياء، منها قوله، وهذان البيتان يوجدان في ديوان مسلم بن الوليد الأنصاري، والله أعلم (١) : لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاً بأهل وجيراناً بجيران وله - ويقال: إنه ما رددهما من نزلت به نازلة إلا فرج الله تعالى عنه -: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعاً وعند الله منها المخرج (٢) ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج ومن شعره: أولى البرية طراً أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن وله - ويقال: إنه كتبها إلى محمد بن عبد الملك الزيات، وزير المعتصم -: وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا

стр. 41

وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا وله أيضاً: كنت السواد لمقلتي ... فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر وأورد له أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في باب النسيب: ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلي، فهلا نفس ليلى شفيعها أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرءاً لا أطيعها وله كل مقطوع بديع، والاختصار أولى بالمختصر. وسيأتي ذكر ابن أخيه بن يحيى الصولي في المحمدين، إن شاء الله تعالى. توفي إبراهيم الصولي المذكور منتصف شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين بسر من رأى، رحمه الله تعالى. ١٢ - (١) نفطويه أبو عبد الله (٢) إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب ابن أبي صفرة الأزدي، الملقب نفطويه النحوي الواسطي؛ له التصانيف الحسان في الآداب، وكان عالماً بارعاً، ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل: سنة خمسين ومائتين بواسط وسكن بغداد. وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين

стр. 42

وثلثمائة يوم الأربعاء، لست خلون منه، بعد طلوع الشمس بساعة. وقيل؛ توفي سنة أربع وعشرين وهو ابن مجاهد المقرىء ببغداد، والله أعلم، ودفن ثاني يوم بباب الكوفة، رحمه الله تعالى. قال ابن خالويه: ليس في العلماء من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سوى (١) نفطويه. ومن شعره ما ذكره أبو علي القالي في كتاب الأمالي (٢) : قلبي عليك أرق من خديكا ... وقواي أوهى من قوى جفنيكا لم لا ترق لمن يعذب نفسه ... ظلماً وبعطفه هواه عليكا وفيه يقول أبو عبد الله محمد بن زيد (٣) بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور، صاحب الإمامة وكتاب إعجاز القرآن الكريم في نظمه وغيرهما: من سره أن لا يرى فاسقاً ... فليجتهد أن لا يرى نفطويه أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقي صراخاً عليه وتوفي أبو عبد الله محمد (٤) المذكور سنة سبع - وقيل: سنة ست - وثلثمائة رحمة الله تعالى. حكى عبد العزيز بن الفضل قال: خرج القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، وأبو بكر محمد بن داود الظاهري، وأبو عبد الله نفطويه إلى وليمة دعوا لها، فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيق، فأراد كل واحد منهم صاحبه أن يتقدم عليه، فقال ابن سريج: ضيق الطريق يورث سوء الأدب، وقال ابن داود: لكنه يعرف مقادير الرجال، فقال نفطويه: إذا استحكمت المودة بطلت التكاليف. ونفطويه - بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفاء ساكنة - قال أبو

стр. 43

منصور الثعالبي في أوائل كتاب لطائف المعارف (١) : إنه لقب نفطويه لدمامته وأدمته تشبيها له بالنفط، وهذا اللقب على مثال سيبويه، لأنه كان ينسب في النحو إليه، ويجري على طريقته، ويدرس كتابه، والكلام في ضبط نفطويه ونظائره كالكلام على سيبويه، وهو مذكور في ترجمته، واسمه عمرو، فليكشف منه. ١٣ - (٢) أبو إسحاق الزجاج أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السرى بن سهل الزجاج النحوي؛ كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، وصنف كتاباً في معاني القرآن وله كتاب الأمالي، وكتاب مافسر من جامع المنطق، وكتاب الاشتقاق، وكتاب العروض، وكتاب القوافي وكتاب الفرق، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب خلق الفرس، وكتاب مختصر في النحو، وكتاب فعلت وأفعلت، وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف، وكتاب شرح أبيات سيبويه، وكتاب النوادر، وكتاب الأنواء، وغير ذلك. وأخذ الأدب عن المبرد وثعلب، رحمهما الله تعالى، وكان يخرط الزجاج، ثم تركه واشتغل بالأدب، فنسب إليه. روى أبو سليمان الخطابي عن أحمد بن الحسين الفرائضي قال: كان أصحاب المبرد إذا اجتمعوا واستأذنوا يخرج الآذن فيقول: إن كان فيكم أبو إسحاق الزجاج وإلا انصرفوا، فحضروا مرة ولم يكن الزجاج معهم؛ فقال لهم ذلك فانصرفوا، وثبت رجل منهم يقال له عثمان، فقال للآذن: قل لأبي العباس: انصرف القوم كلهم إلا عثمان فإنه لم

стр. 44

ينصرف، فعاد إليه الآذن وأخبره، فقال: قل له إن عثمان إذا كان نكرة انصرف، ونحن لا نعرفك فانصرف راشدا] . واختص بصحبة الوزير عبيد الله ابن سليمان بن وهب، وعلم ولده القاسم الأدب، ولما استوزر القاسم بن عبيد الله أفاد بطريقه مالاً جزيلاً. وحكى الشيخ أبو علي الفارسي النحوي قال (١) : دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجاج على القاسم بن عبيد الله الوزير فورد إليه الخادم فساره بسراستبشر له، ثم نهض، فلم يكن بأسرع من أن عاد وفي وجهه أثر الوجوم، فسأله شيخنا عن ذلك لأنس كان بينهما، فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى القينات فسمتها أن تبيعني إياها، فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها بأن تهديها إلي رجاء أن أضاعف لها ثمنها، فلما جاءت أعلمني الخادم بذلك، فنهضت مستبشراً لافتضاضها فوجدتها قد حاضت، فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه، وكتب: فارس ماض بحربته ... حاذق بالطعن في الظلم رام أن يدمي فريسته ... فاتقته من دمٍ بدم قلت: وسيأتي في ترجمة بوران بنت الحسن بن سهل ذكر هذين البيتين على صورة أخرى، فيما جرى لها مع المأمون، والله أعلم بالصواب، ويحتمل أن تكون قضية المأمون مع بوران هي الأصل، وأن الزجاج تمثل بالبيتين لما جرى للوزير هذه القضية، والله أعلم. توفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة سنة عشر - وقيل: سنة إحدى عشرة، وقيل: سنة ست عشرة - وثلثمائة، ببغداد، رحمة الله تعالى، وقد أناف على ثمانين سنة. وإليه ينسب أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي صاحب كتاب الجمل في النحو، لأنه كان تلميذه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته، ﵀؛ وعنه أخذ أبو علي الفارسي أيضاً.

стр. 45

١٤ - (١) الافليلي أبو القاسم إبراهيم بن زكرياء (٢) بن مفرج بن يحيى بن زياد بن عبد الله بن خالد بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المعروف بالإفليلي من أهل قرطبة؛ كان من أئمة النحو واللغة، وله معرفة تامة بالكلام على معاني الشعر، وشرح ديوان المتنبي شرحاً جيداً، وهو مشهور، وروى عن أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي كتاب الأمالي لأبي علي القالي، وكان متصدراً بالأندلس لإقراء الأدب، وولي الوزارة للمكتفي بالله بالأندلس، وكان حافظاً للأشعار ذاكراً للأخبار وأيام الناس، وكان عنده من أشعار أهل بلاده قطعة صالحة، وكان أشد الناس انتقادا للكلام، صادق اللهجة، حسن الغيب، صافي الضمير، عني بكتب جمة كالغريب المصنف، والألفاظ، وغيرهما. وكانت ولادته في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، وتوفي في آخر الساعة الحادية عشرة من يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ودفن يوم الأحد بعد العصر في صحن مسجد خرب عند باب عامر بقرطبة، رحمة الله تعالى. والإفليلي - بكسر الهمزة وسكون الفاء وكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدهالام ثانية - هذه النسبة إلى الإفليل (٣) ، وهي قرية بالشام كان أصله منها.

стр. 46

١٥ - (١) الصابىء صاحب الرسائل أبو إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حبون الحراني الصابىء، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع؛ كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه الديلمي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وتقلد ديوان الرسائل سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وكانت تصدر عنه مكاتبات إلى عضد الدولة بن بويه بما يؤلمه، فحقد عليه، فلما قتل عز الدولة وملك عضد الدولة بغداد اعتقله في سنة سبع وستين وثلثمائة، وعزم على إلقائه تحت أيدي (٢) الفيلة، فشفعوا فيه، ثم أطلقه في سنة إحدى وسبعين، وكان قد أمره أن يصنع له كتاباً في أخبار الدولة الديلمية، فعمل الكتاب التاجي فقيل لعضد الدولة: إن صديقا للصابىء دخل عليه فرآه في شغل شاغل من التعليق والتسويد والتبيض فسأله عما يعمل (٣) ، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب (٤) ألفقها، فحركت ساكنه وهيجت (٥) حقده، ولم يزل مبعدا في أيامه. وكان متشددا في دينه، وجهد عليه عز الدولة أن يسلم فلم يفعل. وكان يصوم شهر رمضان مع المسلمين، ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ، وكان يستعمله في رسائله، وكان له عبد أسود اسمه يمن، وكان يهواه، وله فيه المعاني البديعة، فمن جملة ماذكره له الثعالبي في كتاب الغلمان، قوله: قد قال يمن وهو أسود للذي ... ببياضه استعلى علو الخاتن

стр. 47

ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى ... أن قد أفدت به مزيد محاسن ولو أن مني فيه خالاً زانه ... ولو أن منه في خالاً شانني قلت: ومعنى البيت الثالث ينظر إلى قول ابن الرومي من جملة أبيات في جاريته السوداء، وهو قوله: وبعض ما فضل السواد به ... والحق ذو سلم وذو نفق أن لا يعيب السواد حلكته (١) ... وقد يعاب البياض بالبهق وهي أبيات مشهورة أحسن فيها كل الإحسان. وذكر له الثعالبي فيه أيضاً: لك وجه كأن يمناي خطت ... هـ بلفظ تمله آمالي فيه معنى من البدور ولكن ... نفضت صبغها عليه الليالي لم يشنك السواد بل زدت حسناً ... إنما يلبس السواد الموالي فبما لي أفديك إن لم تكن لي ... وبروحي أفديك إن كنت مالي وله كل شيْ حسن، من المنظوم والمنثور (٦) . وتوفي يوم الاثنين - وقيل: يوم الخميس - لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وثمانين وثلثمائة، ببغداد، وعمره إحدى وسبعون سنة. وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق الوراق المعروف بابن أبي يعقوب النديم البغدادي في كتابه " الفهرست " (٢) ، أن الصابىء المذكور ولد سنة نيف وعشرين وثلثمائة وتوفي قبل سنة ثمانين وثلثمائة ودفن بالشونيزي. ورثاه الشريف الرضي بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها (٣) : أرأيت (٤) من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي

стр. 48

وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفاً يرثي صابئاً، فقال: إنما رثيت فضله. وزهرون: بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء وضم الراء المهملة وبعد الواو نون. وحبون: بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الواو نون. والصابىء: بهمزة آخره. وقد اختلفوا في هذه النسبة، فقيل: إنها إلى صابىء بن متوشلح (١) بن إدريس ﵇، وكان على الحنيفية الأولى. وقيل: إلى صابىء بن ماري، وكان في عصر الخليل ﵇، وقيل: الصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه، ولذلك كانت قريش تسمي رسول الله، ﷺ ، صابئا لخروجه عن دين قومه، والله أعلم. ١٦ - (٢) الحصري صاحب زهر الآدب أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم، المعروف بالحصري، القيرواني الشاعر المشهور، وله ديوان شعر، وكتاب زهر الآداب وثمر الألباب جمع فيه كل غريبة في ثلاثة أجزاء، وكتاب المصون في سر الهوى المكنون في مجلد واحد فيه ملح وآداب. ذكره ابن رشيق في كتابه الأنموذج، وحكى شيئاً من أخباره وأحواله، وأنشد جملة من أشعاره، وقال: كان شبان القيروان يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، ورأس عندهم، وشرف لديهم، وسارت تأليفاته وانثالت عليه الصلات من الجهات، واورد من شعره: إني أحبك حباً ليس يبلغه ... فهم، ولا ينتهي وصفي إلى صفته

стр. 49

أقصى نهاية علمي فيه معرفتي ... بالعجز مني عن إدراك معرفته وأورد له أبو الحسن علي بن بسام صاحب كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " بيتين في ضمن حكاية، وهما: أورد قلبي الردى ... لام عذارٍ بدا أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى وهو ابن أبي الحسن علي الحصري الشاعر، وستأتي ترجمته في حرف العين. توفي أبو إسحاق المذكور بالقيروان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وقال ابن بسام في الذخيرة: بلغني أنه توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، والأول أصح، رحمه الله تعالى. وذكر القاضي الرشيد بن الزبير في كتاب الجنان في الجزء الأول في ترجمة أبي الحسن علي بن عبد العزيز المعروف بالفكيك أن الحصري المذكور ألف كتاب زهر الآداب في سنة خمسين وأربعمائة، وهذا يدل على صحة ما قاله ابن بسام، والله أعلم. والحصري - بضم الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة - نسبة إلى عمل الحصر أو بيعها. والقيروان - بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء المهملة وبعد الواوألف ونون - مدينة بإفريقية، بناها عقبة بن عامر الصحابي (١) ، ﵁. وإفريقية سميت باسم إفريقين بن قيس بن صيفي الحميري، وهو الذي افتتح إفريقية، وسميت به، وقتل ملكها جرجير، ويومئذ سميت البربر، قال لهم: ما أكثر بربرتكم، ويقال: إفريقس، والله أعلم. والقيروان في اللغة: القافلة، وهوفارسي معرب، يقال: إن قافلة نزلت بذلك المكان، ثم بنيت المدينة في موضعها فسميت باسمها، وهو اسم للجيش أيضا، وقال ابن القطاع اللغوي: القيروان بفتح الراء الجيش، وبضمها القافلة، نقله عن بعضهم، والله أعلم.

стр. 50

١٧ - (١) ابن خفاجة الأندلسي أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الأندلسي الشاعر؛ ذكره ابن بسام في الذخيرة وأثنى عليه، وقال: كان مقيماً بشرق الأندلس ولم يتعرض لاستماحة ملوك طوائفها مع تهافتهم على أهل الأدب، وله ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان، ومن شعره في عشية أنس، وقد أبدع فيه (٢) : وعشي أنس أضجعتني نشوة ... فيه تمهد مضجعي وتدمث خلعت علي به الأراكة ظلها ... والغصن يصغي والحمام يحدث والشمس تجنح للغروب مريضة ... والرعد يرقي والغمامة تنفث وله أيضاً، وهو معنى حسن: ما للعذار كأن وجهك قبلة ... قد خط فيه من الدجى محرابا وأرى الشباب وكان ليس بخاشع ... قد خر فيه راكعاً وأنابا ولقد علمت بكون ثغرك بارقاً ... أن سوف يزجي للعذار سحابا (٨) وله أيضاً: أقوى محل من شبابك آهل ... فوقفت أندب منه رسماً عافيا مثل العذار هناك نؤياً داثراً ... واسودت الخيلان فيه أثافيا وقد أخذ بعض المتأخرين - وهو العماد أبو علي (٣) بن عبد النور اللزني نزيل

стр. 51

الموصل، وهو المذكور في ترجمة الشيخ كمال الدين موسى بن يونس - هذا المعنى فقال: ومعقرب الصدغين خلت عذاره ... نؤياً أثافي رسمه الخيلان فوقفت أبكيه بعيني عروة ... أسفاً عليه كأنه غيلان ولد أبو إسحاق المذكور بجزيرة شقر من أعمال بلنسية من بلاد الأندلس في سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي بها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، لأربع بقين من شوال يوم الأحد. وشقر - بضم الشين المثلثة وسكون القاف والراء المهملة - وهي بليدة بين شاطبة وبلنسبة، وإنما قيل لها جزيرة لأن الماء محيط بها. وبلنسية - بفتح الباء الموحدة وفتح اللام وسكون النون وكسر السين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها. والأندلس - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال المهملة وضم اللام والسين المهملة - وهي جزيرة متصلة بالبر الطويل، والبر الطويل متصل بالقسطنطينية العظمى، وإنما قيل للأندلس جزيرة لأن البحر محيط بها من جهاتها إلاالجهة الشمالية، وهي مثلثة الشكل، فالركن الشرقي منها متصل بجبل يسلك منه إلى فرنجة، ولولاه لاختلط البحران. وحكي أن أول من عمرها بعد الطوفان أندلس بن يافث بن نوح ﵇، فسميت باسمه. ١٨ - (١) ابراهيم الغزي الشاعر أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد الكلبي الأشهبي، وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: هو إبراهيم بن عثمان بن عباس بن محمد

стр. 52

ابن عمر بن عبد الله الأشهبي، الكلبي، الغزي الشاعر المشهور. شاعر محسن، ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فقال: دخل دمشق وسمع بها من الفقيه نصر المقدسي، سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ورحل إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة، ومدح ورثى غير واحد من المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل (١) إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك، وذكر له عدة مقاطيع من الشعر، وأثنى عليه. انتهى كلام الحافظ. وله ديوان شعر اختاره لنفسه، وذكر في خطبته أنه ألف بيت. وذكره العماد الكاتب في الخريدة، وأثنى عليه، وقال: إنه جاب البلاد وتغرب، وأكثر النقل والحركات، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ولقي الناس، ومدح ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان بقصيدته البائية التي يقول فيها، ولقد أبدع فيه (٢) : حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصائبا ومنها في قصر الليل، وهو معنى لطيف: وليل رجونا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالفجر (٣) شائبا وهي قصيدة طويلة. ومن جيد شعره المشهور: قالوا هجرت الشعر، قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق خلت الديار فلا (٤) كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أنه لا يشترى (٥) ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق

стр. 53

ومن شعره، وفيه صناعة مليحة: وخز الأسنة والخضوع لناقص ... أمران في ذوق النهى مران والرأي أن يختار فيما دونه ال ... مران وخز أسنة المران ومن شعره أيضاً (١) : من آلة الدست لم يعط الوزير سوى ... تحريك لحيته في حال إيماء إن الوزير ولا أزر (٢) يشد به ... مثل العروض له بحر بلا ماء وله أيضاً: وجف الناس حتى لو بكينا ... تعذر ما يبل به الجفون فما يندى لممدوح بنان ... ولا يندى لمهجو جبين وله في القصائد المطولات كل بديع. ومن شعره أيضاً وهو مما تستملحه الأدباء وتستظرفه قوله من جملة قصيدة: إشارة منك تغنيني وأحسن ما ... رد السلام غداة البين بالعنم حتى إذا طاح عنها المرط من دهش ... وانحل بالضم سلك العقد في الظلم تبسمت فأضاء الليل فالتقطت ... حبات منتثر في ضوء منتظم والبيت الأخير منها ينظر إلى قول الشريف الرضي، من جملة قصيدة: وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم وقد ألم به بعض البغاددة في مواليا على اصطلاحهم، فإنهم ما يتقيدون بالإعراب فيه، بل يأتون به كيفما اتفق، وهو:

стр. 54

ظفرت ليلة بليلى ظفرة المجنون ... وقلت وافى لحظي طالع ميمون تبسمت فأضاء اللؤلؤ المكنون ... صار الدجى كالضحى فاستيقظ الواشون والأصل في هذا المعنى بيت أبي الطمحان القيني، وهو قوله (١) : أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وهذا البيت من جملة أبيات، وهي: وإني من القوم الذين هُمُ هُمُ ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه ويقال: إن هذا البيت أمدح بيت قيل في الجاهلية، وقيل: هو أكذب بيت قيل. وما زال منهم حيث كانوا مسود ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه وهذا أبو الطمحان هو: حنظلة بن الشرقي، من شعراء الجاهلية. ولد الغزي المذكور بغزة، وبها قبر هاشم جد النبي ﷺ ، سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وتوفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة مابين مرو وبلخ، من بلاد خراسان، ونقل إلى بلخ ودفن بها، ونقل عنه أنه كان يقول لما حضرته الوفاة: أرجو أن يغفر الله لي لثلاثة أشياء: كوني من بلد الإمام الشافعي، وأني شيخ كبير، وأني غريب، رحمه الله تعالى وحقق رجاءه. وغزة - بفتح الغين وتشديد الزاء المعجمتين وبعدها هاء - وهي البليدة المعروفة في الساحل الشامي، وقد يقع هذا الكتاب في يد من يكون بعيداعن بلادنا، ولا يعرف أين تقع هذه البليدة، ويتشوق إلى معرفة ذلك، فأقول:

стр. 55

هي من أعمال فلسطين، على البحر الشامي، بالقرب من عسقلان، وهي في أوائل بلاد الشام من جهة الديار المصرية، وهي إحدى الرحلتين المذكورتين في كتاب الله العزيز في قوله تعالى: رحلة الشتاء والصيف وأتفق أرباب التفسير أن رحلة الصيف بلاد الشام، ورحلة الشتاء بلاد اليمن، وقد كانت قريش في متاجرها تأتي إلى الشام في فصل الصيف لأجل طيبة بلادها في هذا الفصل، وتأتي اليمن في فصل الشتاء، لأنها بلاد حارة لا تستطيع الدخول إليها في فصل الصيف، وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام، في أوائل سيرة رسول الله، ﷺ : أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء والصيف هاشم جد النبي، ﷺ ، ثم ذكر بعد هذا بقليل: قال ابن إسحاق: ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة، من أرض الشام، تاجراً ثم قال بعد هذا بقليل: وقال مطرود بن كعب الخزاعي (١) يبكي بني عبد مناف جميعا، وذكر القصيدة، ومن جملتها: وهاشم في ضريح وسط بلقعةٍ ... تسفي الرياح عليه بين غزات قال أهل العلم باللغة: إنما قال غزات، وهي غزة واحدة، كأنه سمى كل ناحية منها باسم البلدة، وجمعها على غزات، وصارت من ذلك الوقت تعرف بغزة هاشم، لأن قبره بها، لكنه غير ظاهر ولا يعرف، ولقد سألت عنه لما اجتزت بها، فلم يكن عندهم منه علم. ولما توجه أبو نواس الشاعر المشهور من بغداد إلى مصر ليمدح (٢) الخصيب بن عبد الحميد، صاحب ديوان الخراج بمصر، ذكر المنازل التي في طريقه، فقال: طوالب بالركبان غزة هاشمٍ ... وبالفرما من حاجهن شعور وفي بيت أبي نواس لفظتان تحتاجان إلى التفسير، إحداهما: الفرما وهي - بفتح الفاء والراء - المدينة العظمى التي كانت كرسي الديار المصرية في

стр. 56

زمن إبراهيم الخليل ﵊، ومن قراها أم العرب التي منها هاجر أم إسماعيل بن الخليل ﵉، والفرما في اول الرمل: بين السائح والقصير، المنزلة المعروفة على يسار المتوجه إلى الشام من مصر، على ساحل البحر، رأيتها وقد خربت، ولم يبق منها سوى الآثار، وموضعها تل عال. ومن الاتفاق الغريب: أن إسماعيل أبو العرب، وأمه من أم العرب: القرية المذكورة؛ واللفظ الثاني قوله في آخر البيت شقور بضم الشين المعجمة والقاف - ويقال بفتح الشين أيضاً، والضم أصح - لأن الشقور بالضم بمعنى الأمور اللاصقة بالقلب المهمة، الواحد شقر، والله أعلم. ١٩ - (١) ابن قرقول أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد الحمزى، المعروف بابن قرقول صاحب كتاب مطالع الأنوار الذي وضعه على مثال كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض. كان من الأفاضل، وصحب جماعة من علماء الأندلس، ولم أقف على شيء من أحواله سوى هذا القدر، وكانت ولادته بالمرية من بلاد الأندلس، في صفر سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمدينة فاس يوم الجمعة أول وقت العصر سادس شوال (٢) سنة تسع وستين وخمسمائة، وكان قد صلى الجمعة في الجامع، فلما

стр. 57

حضرته الوفاة تلا سورة الإخلاص، وجعل يكررها بسرعة، ثم تشهد ثلاث مرات، وسقط على وجهه ساجداً فوقع ميتاً، رحمة الله تعالى. وقرقول: بضم القافين، وسكون الراء المهملة بينهما، وبعد الواو لام والمرية - بفتح الميم وكسر الراء المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها، وبعدها هاء - وهي مدينة كبيرة بالأندلس على شاطىء البحر، من مراسي المراكب. وفاس - بالفاء والسين المهملة - وهي مدينة عظيمة بالمغرب بالقرب من سبتة. ونسبته الحمزي - بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة زاء معجمة - إلى حمزة (١) آشير - بمد الهمزة وكسر الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها راء مهملة - وحمزة هي بليدة بإفريقية، مابين بجاية وقلعة بني حماد، كذا ذكر لي جماعة من أهل تلك البلاد، وآشير مذكورة في ترجمة زيري بن مناد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -. ٢٠ - (٢) أحمد بن حنبل الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان ابن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن

стр. 58

عدنان، الشيباني، المروزي الأصل. هذا هو الصحيح في نسبه، وقيل: إنه من بني مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة، وهو غلط، لأنه من بني شيبان بن ذهل لا من بني ذهل بن شيبان، وذهل بن ثعلبة المذكور هو عم ذهل بن شيبان، فليعلم ذلك والله أعلم. وخرجت أمه من مرو وهي حامل به، فولدته في بغداد، في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وقيل: إنه ولد بمرو وحمل إلى بغداد وهو رضيع. وكان إمام المحدثين، صنف كتابه المسند، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنهما - وخواصه، ولم يزل مصاحبه (١) إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، وقال في حقه: خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل، ودعي إلى القول بخلق القرآن [أيام المعتصم وكان أمياً لايقرأ ولا يكتب فقال أحمد: أنا رجل علمت علما ولم أعلم فيه بهذا، فأحضر له الفقهاء والقضاة فناظروه ... ] فلم يجب، فضرب وحبس وهو مصر على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة عشرين ومائتين [وكانت مدة حبسه إلى أن خلي عنه ثمانية وعشرين يوماً وبقي إلى أن مات المعتصم فلما ولي الواثق منعه من الخروج من داره إلى أن أخرجه المتوكل وخلع عليه وأكرمه ورفع المحنة في خلق القرآن] . وكان حسن الوجه، ربعة يخضب بالحناء خضبا ليس بالقاني، في لحيته شعرات (٢) سود. أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم محمد بن اسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع. توفي ضحوة نهار الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقين من الشهر المذكور، وقيل: من ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب، وباب

стр. 59

حرب منسوب إلى حرب بن عبد الله، أحد أصحاب أبي جعفر المنصور، وإلى حرب هذا تنسب المحلة المعروفة بالحربية، وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يزار، رحمه الله تعالى. وحزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفا، وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون (١) ألفاً من النصارى واليهود والمجوس. وذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الذي صنفه في أخبار بشر بن الحارث الحافي ﵁ في الباب السادس والأربعين ما صورته: حدث إبراهيم الحربي قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام كأنه خارج من باب مسجد الرصافة وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: مافعل الله بك فقال: غفرلي وأكرمني، فقلت: ماهذا الذي في كمك قال: قدم علينا البارحة روح أحمد بن حنبل فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا مما التقطت، قلت: فما فعل يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قال: تركتهما وقد زارا رب العالمين ووضعت لهما الموائد، قلت: فلم لم تأكل معهما أنت قال: قد عرف هوان الطعام علي فأباحني النظر إلى وجهه الكريم. وفي أجداده حيان - بفتح الحاء المهملة وتشديدالياء المثناة من تحتها، وبعد الألف نون، وبقية الأجداد لاحاجة إلى ضبط أسمائهم لشهرتها وكثرتها، ولولا خوف الإطالة لقيدتها. ورأيت في نسبه اختلافاً، وهذا أصح الطرق التي وجدتها. وكان له ولدان عالمان، وهما صالح وعبد الله، فأما صالح فتقدمت وفاته في شهر رمضان سنة ست وستين ومائتين، وكان قاضي أصبهان فمات بها، ومولده في سنة ثلاث ومائتين، وأما عبد الله فإنه بقي إلى سنة تسعين ومائتين، وتوفي يوم الأحد لثمان بقين من جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - وله سبع وسبعون سنة، وكنيته أبو عبد الرحمن، وبه كان يكنى الإمام أحمد، ﵏ أجمعين.

стр. 60

٢١ - (١) ابن سريج أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، الفقيه الشافعي؛ قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في حقه في كتاب الطبقات: كان من عظماء الشافعيين، وأئمة المسلمين، وكان يقال له: الباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الإمام الشافعي، حتى على المزني، وإن فهرست كتبه كانت تشتمل على أربعمائة مصنف، وقام بنصرة مذهب الشافعي ورد على المخالفين، وفرع على كتب محمد بن الحسن الحنفي. وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه أخذ فقهاء الإسلام، ومنه انتشر مذهب الشافعي في أكثر الآفاق. وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكي أنه قال له أبو بكر يوماً [أنت تقول بالظاهر، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فمن يعمل نصف مثقال فسكت محمد طويلا، فقال له أبو العباس لم لا تجيب فقال] أبلعني ريقي، فقال له أبو العباس: أبلعتك دجلة، وقال له يوماً: أمهلني ساعة، فقال: أمهلتك من الساعة إلى أن تقوم (٢) الساعة، وقال له يوماً: أكلمك من الرجل فتجيبني (٣) من الرأس، فقال له: هكذا البقر، إذا حفيت أظلافها دهنت قرونها. وكان يقال له في عصره: إن الله بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة

стр. 61

من الهجرة، أظهر كل سنة وأمات كل بدعه، ومن الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة، ومن الله تعالى بك على رأس الثلثمائة حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة، وكان له مع فضائله نظم حسن. وتوفي لخمس بقين من جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة، وقيل: يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول ببغداد، ودفن في حجرته بسويقة غالب بالجانب الغربي بالقرب من محلة الكرخ، وعمره سبع وخمسون سنة وستة أشهر، رحمه الله تعالى. وقبره ظاهر في موضعه يزار، ولم يبق عنده عمارة ولا قبر، بل هو منفرد هناك. [رأى أبو العباس المذكور في مرضه الذي مات فيه كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه يقول: أين العلماء فجاءوا؛ فقال: ماذا عملتم في ما عملتم فقالوا: يارب قصرنا وأسأنا، فأعاد السؤال كأنه لم يرضى به، وأراد جوابا آخر، فقلت: أما أنا فليس في صحيفتي الشرك وقد وعدت أن تغفر ما دونه، فقال: اذهبوا فقد غفرت لكم؛ ومات بعد ذلك بثلاثة أيام، رحمه الله تعالى] . وكان جده سريج رجلاً مشهوراً بالصلاح الوافر - وهو بضم السين المهملة وفتح الراء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها والجيم - ورأيت في بعض الأجزاء أنه كان أعجمياً لايعرف بالعربية شيئاً، وأنه رأى الباري في النوم وحادثه وقال له في الآخر: ياسريج طلب كن، فقال: ياخدا سر بسر، قالها ثلاثا، وهذا لفظ عجمي معناه بالعربية: ياسريج اطلب، فقال: يارب رأس برأس، كما يقال: رضيت أن أخلص رأسا برأس، ثم وجدت في تاريخ بغداد أن صاحب المنام المذكورهو سريج بن يونس بن إبراهيم بن الحارث المروزي الزاهد العابد صاحب الكرامات، وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ومائتين ببغداد، رحمه الله تعالى، ورأيت بالمنام جزءا منفردا متصل السماع بالإسناد إلى سريج المذكور، والقول الأول كنت سمعته من بعض المشايخ. والله أعلم.

стр. 62

٢٢ - (١) ابن القاص أبو العباس أحمدبن أبي أحمد المعروف بابن القاص، الطبري، الفقيه الشافعي؛ كان إمام وقته في طبرستان، وأخذ الفقه عن ابن سريج المقدم ذكره، وصنف كتباً كثيرة: منها التلخيص، وأدب القاضي، والمواقيت والمفتاح، وغير ذلك، وقد شرح التلخيص أبو عبد الله الختن، والشيخ أبو علي السنجي، وهو كتاب صغير ذكره الإمام في النهاية في مواضع، وكذلك الغزالي، وجميع تصانيفه صغيرة الحجم كثيرة الفائدة، وكان يعظ الناس، فانتهى في بعض أسفاره إلى طرسوس، وقيل: إنه تولى بها القضاء، فعقد له مجلس وعظ، وأدركته رقة وخشية وروعة من ذكر الله تعالى، فخر مغشيا عليه، ومات سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وقيل: سنة ست وثلاثين، رحمة الله تعالى. وعرف والده بالقاص (٢) لأنه كان يقص الأخبار والآثار. وطبرستان - بفتح الطاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون - وهو إقليم متسع ببلاد العجم يجاور خراسان. وله كرسيان: سارية وآمل، وهومنيع بالأودية والحصون. وطرسوس - بفتح الطاء والراء المهملتين، وضم السين المهملة، وبعد الواو سين مهملة - وهي مدينة في الثغور الرومية عند المصيصة وأذنة، وبها

стр. 63

قبر المأمون بن هارون الرشيد، وقد جاء ذكرها في كتاب المهذب، والوسيط، في باب الوقف. ٢٣ - (١) المروروذي القاضي أبو حامد أحمد بن عامر بن بشر بن حامد المروروذي، الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وصنف الجامع في المذهب، وشرح مختصر المزني، وصنف في أصول الفقه، وكان إماما لايشق غباره، ونزل البصرة ودرس بها، وعنه أخذ فقهاء البصرة. وقال أبو حيان التوحيدي: سمعت أبا حامد المروروذي يقول: ليس ينبغي أن يحمد الإنسان على شرف الأب ولا يذم عليه، كما لا يمدح الطويل على طوله، ولا يذم القبيح على قبحه. وتوفي سنة اثنتين وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. ونسبته إلى مروروذ - بفتح الميم وسكون الراء المهملة وفتح الواو وتشديد الراء المهملة المضمومة، وبعد الواو ذال معجمة - وهي مدينة مبنية على نهر، وهي أشهر مدن خراسان بينها وبين مرو الشاهجان أربعون فرسخاً، والنهر يقال له بالعجمية الروذ - بضم الراء، وسكون الواو، وبعدها ذال معجمة - وهاتان المدينتان هما المروان وقد جاء ذكرهما في الشعر كثيراً، أضيفت إحداهما إلى الشاهجان وهي العظمى، والنسبة إليها مروزي (٢) ، والثانية إلى النهر المذكور، ليحصل الفرق بينهما، والنسبة إليها مروروذي ومروزي أيضاً، قاله السمعاني، وهي من فتوح الأحنف بن قيس، ومذكورة في ترجمته،

стр. 64

وكان على مقدمة (١) الجيش الذي كان أميره عبد الله بن عامر، وهو الذي سيره إليها، ومعنى الشاهجان روح الملك، وإنما أطلت الكلام في هذا لئلايقع الالتباس على أحد بين البلدين (٢) فيقع الخطأ عند ذلك. ٢٤ - (٣) ابن القطان أبو الحسين أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن القطان البغدادي الفقيه الشافعي؛ كان من كبار أئمة الصحاب، أخذ الفقه عن ابن سريج، ثم من بعده عن أبي إسحاق المروزي، ودرس ببغداد، وأخذ عنه العلماء، وله مصنفات كثيرة؛ وكانت الرحلة إليه بالعراق مع أبي القاسم الداركي، فلما توفي الداركي استقل بالرياسة. وذكره الشيخ أبو إسحاق في الطبقات وقال: مات سنة تسع وخمسين وثلثمائة، رحمة الله تعالى، وزاد الخطيب: في جمادى الأولى، وقال: هو من كبراء الشافعيين، وله مصنفات في أصول الفقه وفروعه، وذكر بناء بغداد في شذور العقود سنة ست وأربعين ومائة.

стр. 65

٢٥ - (١) الطحاوي أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، الفقيه الحنفي؛ انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه بمصر، وكان شافعي المذهب يقرأ على المزني، فقال له يوماً: والله لاجاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك، وانتقل إلى أبي جعفر ابن أبي عمران الحنفي، واشتغل عليه، فلما صنف مختصره قال: رحم الله أبا إبراهيم - يعني المزني - لو كان حياً لكفر عن يمينه. وذكر أبو يعلى الخليلي في كتاب " الإرشاد " (٢) في ترجمة المزني أن الطحاوى المذكور كان ابن أخت المزني، وأن محمد بن أحمد (٣) الشروطي قال: قلت للطحاوي: لم خالفت خالك واخترت (٤) مذهب أبي حنيفة فقال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه، وصنف كتباً مفيدة منها أحكام القرآن، واختلاف العلماء، وومعاني الآثار، والشروط، وله تاريخ كبير، وغير ذلك. وذكره القضاعي في كتاب " الخطط " (٥) فقال: كان قد أدرك المزني وعامة طبقته، وبرع في علم الشروط، وكان قد استكتبه أبو عبيد الله محمد بن

стр. 66

عبدة القاضي وكان صعلوكاً فأغناه، وكان أبو عبيد الله سمحاً جواداً، ثم عدله أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي عقيب القضية التي جرت لمنصور الفقيه مع أبي عبيد، وذلك في سنة ست وثلثمائة، وكان الشهود يتعسفون (١) عليه بالعدالة لئلا تجتمع له رياسة العلم وقبول الشهادة، وكان جماعة من الشهود قد جاوروا بمكة في هذه السنة فاغتنم أبو عبيد غيبتهم وعدل أبا جعفر المذكور بشهادة أبي القاسم المأمون وأبي بكر بن سقلاب. وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقال أبو سعد السمعاني: ولد سنة تسع وعشرين ومائتين، وهو الصحيح، وزاد غيره فقال: ليلة الأحد لعشرخلون من ربيع الأول، وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، ليلة الخميس مستهل ذي القعدة بمصر ودفن بالقرافة، وقبره مشهور بها، وله ذكر في ترجمة الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير، فينظر هناك، وتوفي والده سنة أربع وستين ومائتين، رحمه الله تعالى. ونسبته إلى طحا - بفتح الطاء والحاء المهملتين، وبعدهما ألف - وهي قرية بصعيد مصر، وإلى الأزد - بفتح الهمزة وسكون الزاء المعجمة وبالدال المهملة - وهي قبيلة مشهورة من قبائل اليمن. ٢٦ - (٢) أبو حامد الإسفرايني الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الإسفرايني، الفقيه الشافعي؛ انتهت إليه رياسة الدنيا والدين ببغداد، وكان يحضر مجلسه أكثر من ثلثمائة

стр. 67

فقيه، وعلق على مختصر المزني تعاليق، وطبق الأرض بالأصحاب، وله في المذهب التعليقة الكبرى، وكتاب البستان، وهو صغير، وذكر فيه غرائب، وأخذ الفقه عن ابي الحسن بن المرزبان، ثم عن أبي القاسم الداركي، واتفق أهل عصره على تفضيله وتقديمه في جودة (١) النظر. وقال الخطيب في تاريخ بغداد: إن أبا حامد حدث بشيء يسير عن عبد الله بن عدي وأبي بكر الإسماعيلي وإبراهيم بن محمد بن عبدل الإسفرايني وغيرهم، وكان ثقة، ورأيته غير مرة، وحضرت تدريسه في مسجد عبد الله ابن المبارك، وهوالمسجد الذي في صدر قطيعة الربيع، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة (٢) متفقه، وكان الناس يقولون: لورآه الشافعي لفرح به. وحكى الشيخ أبو إسحاق في الطبقات أن أبا الحسين (٣) القدوري الحنفي كان يعظمه ويفضله على كل أحد، وأن الوزير أبا القاسم علي بن الحسين حكى له عن القدوري أنه قال: أبو حامد عندي أفقه وانظر من الشافعي، قال الشيخ: فقلت له: هذا القول من القدوري حمله عليه اعتقاده في الشيخ أبي حامد وتعصبه بالحنفية على الشافعي ﵁، ولايلتفت إليه، فإن أباحامد ومن هو اعلم منه وأقدم على بعد من تلك الطبقة، وما مثل الشافعي ومثل من بعده إلا كما قال الشاعر: نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل وروي عنه انه كان يقول: ما قمت من مجلس النظر قط فندمت على معنى ينبغي أن يذكر فلم اذكره، وروي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق، ثم أتاه في الليل معتذرا إليه، فأنشده يقول: جفاء جرى جهرا لدى الناس وانبسط ... وعذر أتى سرا فأكد ما فرط

стр. 68

ومن ظن أن يمحو جلي جفائه ... خفي اعتذار فهو في أعظم (١) الغلط وكانت ولادته سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وقدم بغداد في سنة ثلاث وستين وثلثمائة، وقال الخطيب: سنة أربع وستين، ودرس الفقه بها من سنة سبعين إلى أن توفي ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وأربعمائة ببغداد، ودفن من الغد في داره ثم نقل إلى باب حرب في سنة عشر وأربعمائة، رحمه الله تعالى. قال الخطيب: وصليت على جنازته في الصحراء وراء جسر أبي الدن (٢) . وكان الإمام في الصلاة عليه أبا عبد الله بن المهتدى (٣) خطيب جامع المنصور، وكان يوماً مشهوداً بكثرة الناس وعظم الحزن وشدة البكاء. ونسبته إلى إسفراين - بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء المهملة وكسر الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون - وهي بلدة بخراسان بنواحي نيسابور، على منتصف الطريق إلى جرجان. والبيت الذي تمثل به الشيخ أبو إسحاق له ثان، وهو: حذرا عليها من مقالة كاشح ... ذرب اللسان يقول ما لم أفعل (٤) ٢٧ (٥) أبو الحسن المحاملي أبو الحسن (٦) أحمد بن محمد بن احمد بن القاسم بن إسماعيل

стр. 69

ابن سعيد (١) بن أبان الضبي المحاملي الفقيه الشافعي؛ أخذ الفقه عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني، وله عنه تعليقة انسب إليه، ورزق من الذكاء وحسن الفهم ما أربى على أقرانه، وبرع في الفقه، ودرس في حياة شيخه أبي حامد وبعده، وسمع الحديث من محمد بن المظفر وطبقته، ورحل به أبوه إلى الكوفة وسمعه بها، وصنف في المذهب المجموع وهو كتاب كبير، والمقنع وهو مجلد واحد، واللباب وهو صغير، والأوسط. وصنف في الخلاف كثيراً، ودرس ببغداد، ذكره الخطيب في تاريخه. توفي يوم الأربعاء (٢) لتسع (٣) بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة، رحمه الله تعالى، وكانت ولادته سنة ثمان وستين وثلثمائة. والضبي - بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الباء الموحدة - نسبة إلى قبيلة كبيرة مشهورة. والمحاملي - بفتح الميم والحاء المهملة وكسر الميم الثانية واللام - ونسبته إلى المحامل التي يحمل عليها الناس في السفر. ٢٨ - (٤) أبو بكر البيهقي أبو بكر احمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي الخسروجردي الفقيه الشافعي الحافظ الكبير المشهور، وأحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله ابن البيع في الحديث، ثم الزائد عليه في

стр. 70

أنواع العلوم؛ أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي، غلب عليه الحديث، واشتهربه، ورحل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره وكذلك ببقية البلاد التي انتهى إليها، وشرع في التصنيف فصنف فيه كثيراً حتى قيل: تبلغ تصانيفه ألف جزء، وهو أول من جمع نصوص الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، في عشر مجلدات (١) ، ومن مشهور مصنفاته السنن الكبير السنن الصغير ودلائل النبوة، والسنن، والآثار وشعب الايمان، ومناقب الشافعي المطلبي ومناقب أحمد بن حنبل وغير ذلك. وكان قانعاً من الدنيا بالقليل، وقال إمام الحرمين في حقه: مامن شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منة، إلا أحمد البيهقي فإن له على الشافعي منة، وكان من أكثر الناس نصراً (٢) لمذهب الشافعي، وطلب إلى نيسابور لنشر (٣) العلم فأجاب وانتقل إليها، وكان على سيرة السلف، وأخذ عنه الحديث جماعة من العيان، منهم زاهر الشحامي ومحمد الفراوي وعبد المنعم القشيري وغيرهم. وكان مولده في شعبان سنة اربع وثمانين وثلثمائة، وتوفي في العاشر من جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، بنيسابور، ونقل إلى بيهق، رحمه الله تعالى. ونسبته إلى بيهق - بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعد الهاء المفتوحة قاف - وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخا منها، وخسر وجرد (٤) من قراها، وهي بضم الخاء المعجمة.

стр. 71

٢٩ - (١) النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، الحافظ؛ كان إمام أهل عصره في الحديث، وله كتاب السنن، وسكن بمصر وانتشرت (٢) بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس. قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وماروي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج (٣) رأساً برأس، حتى يفضل وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك. وكان يتشيع، فمازالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، وفي روية أخرى: يدفعون في خصييه وداسوه، ثم حمل إلى الرملة فمات بها. وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها فتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته في شعبان من سنة ثلاث وثلثمائة. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس، وهو منقول، قال: وكان قد صنف كتاب الخصائص في فضل علي بن أبي طالب ﵁ وأهل البيت، وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى. فقيل له: ألا تصنف كتاباً في فضائل الصحابة رضي

стр. 72

الله عنهم، فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي ﵁ كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان موصوفاً بكثرة الجماع. قال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر الدمشقي (١) : كان له أربع زوجات يقسم لهن وسراري، وقال الدارقطني: امتحن بدمشق، فأدرك الشهادة، رحمه الله تعالى. وتوفي يوم الاثنين، لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، سنة ثلاث وثلثمائة بمكة، حرسها الله تعالى، وقيل: بالرملة من أرض فلسطين. وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس، صاحب تاريخ مصر، في تاريخه: إن أبا عبد الرحمن النسائي قدم مصر قديماً، وكان إماما في الحديث، ثقة ثبتا حافظا، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة، سنة اثنتين وثلثمائة. ورأيت بخطي في مسوداتي أن مولده بنسأ في سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة ومائتين، والله تعالى أعلم. ونسبته إلى نسأ - بفتح النون وفتح السين المهملة وبعدها همزة - وهي مدينة بخراسان خرج منها جماعة من الأعيان. ٣٠ - (٢) القدوري أبو الحسين أحمد بن محمد بن احمد بن جعفر بن حمدان الفقيه الحنفي، المعروف بالقدوري؛ انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق. وكان حسن العبارة

стр. 73

في النظر. وسمع الحديث، وروى عنه أبو بكر الخطيب صاحب التاريخ، وصنف في مذهبه المختصر المشهور وغيره. وكان يناظر الشيخ أبا حامد الإسفرايني الفقيه الشافعي، وقد تقدم ذكره في ترجمة أبي حامد وما بالغ في حقه. وكانت ولادته سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد الخامس من رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد. ودفن من يومه بداره في درب (١) أبي خلف ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور، ودفن هناك بجنب (٢) أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي، رحمهما الله تعالى. ونسبته بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء مهملة إلى القدور التي هي جمع قدر. ولا أعلم سبب نسبته إليها (٣) ، بل هكذا ذكره السمعاني في كتاب الأنساب (٤) . ٣١ - (٥) الثعلبي أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المفسر المشهور؛ كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير. وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه

стр. 74

عليهم، وغير ذلك. ذكره السمعاني وقال: يقال له: الثعلبي والثعالبي، وهو لقب له وليس بنسب، قاله بعض العلماء. وقال أبو القاسم القشيري: رأيت رب العزة في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الرب تعالى اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفت فإذا أحمد الثعالبي مقبل. وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه، وقال: هو صحيح النقل موثوق به. حدث عن أبي طاهر ابن خزيمة والإمام أبي بكر ابن مهران المقرىء، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ. توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقال غيره: توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وقال غيره: توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، رحمة الله تعالى. والثعلبي - بفتح الثاء المثلثة وسكون العين المهملة وبعد اللام المفتوحة باء موحدة، والنيسابوري - بفتح النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة، وبعد الألف باء موحدة مضمومة، وبعد الواو الساكنة راء - هذه النسبة إلى نيسابور. وهي من احسن مدن خراسان، وأعظمها وأجمعها للخيرات، وإنما قيل لها: نيسابور لأن سابور ذا الأكتاف أحد ملوك الفرس المتأخرة لما وصل إلى مكانها أعجبه، وكان مقصبة، فقال: يصلح أن يكون ههنا مدينة، وأمر بقطع القصب وبنى المدينة، فقيل لها نيسابور. والني: القصب بالعجمي، هكذا قاله السمعاني في كتاب " الأنساب " (١) .

стр. 75

٣٢ - (١) ابن أبي دواد أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد فرج بن جرير بن مالك بن عبد الله بن عباد ابن سلام بن مالك بن عبد هند بن لخم بن مالك بن قنص بن منعة بن برجان بن دوس ابن الديل بن أمية بن حذافة بن زهر بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان الإيادي القاضي؛ كان معروفاً بالمروءة والعصبية، وله مع المعتصم في ذلك أخبار مأثورة، ذكره أبو عبيد الله المرزباني في كتاب المرشد في أخبار المتكلمين فقال: قيل: إن أصلهم من قرية بقنسرين، واتجر (٢) أبوه إلى الشام، وأخرجه معه وهو حدث فنشأ أحمد في طلب العلم وخاصة الفقه والكلام، حتى بلغ ما بلغ، وصحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء، فصار إلى الاعتزال. قال أبو العيناء: مارأيت رئيسا قط أفصح ولا أنطق من ابن أبي دواد، وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: سمعت ابن أبي دواد في مجلس المعتصم وهو يقول: إني لأمتنع من تكليم الخلفاء بحضرة محمد بن عبد الملك الزيات الوزير في حاجة كراهة أن أعلمه ذلك، ومخافة أن أعلمه التأتي لها؛ وهو أول من افتتح الكلام مع الخلفاء، وكانوا لايبدؤهم أحد حتى يبدؤوه، وقال أبو العيناء: كان ابن ابي دواد شاعراً مجيداً فصيحاً بليغاً. وقال المرزباني: وقد ذكره دعبل بن علي الخزاعي في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء وروى له أبياتاًحساناً، وكان يقول: ثلاثة ينبغي أن يبجلوا وتعرف أقدارهم: العلماء وولاة العدل والإخوان، فمن استخف بالعلماء
следующие страницы →