هو ووالده في الأحوال ويتقلدان للسلطان الأعمال.
ولما اضطربت أمور الدولة السامانية خرج أبو علي من بخارى إلى كركانج، وهي قصبة خوارزم، واختلف إلى خوارزم شاه علي بن مأمون بن محمد، وكان أبو علي على زي الفقهاء ويلبس الطيلسان، فقرروا له في كل شهر ما يقوم به، ثم انتقل إلى نسا وأبيورد وطوس وغيرها من البلاد، وكان يقصد حضرة الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير في أثناء هذه الحال، فلما أخذ قابوس وحبس في بعض القلاع حتى مات - كما سيأتي شرحه في ترجمته في حرف القاف من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى - ذهب أبو علي إلى دهستان ومرض بها مرضاً صعباً، وعاد إلى جرجان، وصنف بها الكتاب الأوسط - ولهذا يقال له " الأوسط الجرجاني " - واتصل به الفقيه أبو عبيد الجوزجاني، واسمه عبد الواحد، ثم انتقل إلى الري واتصل بالدولة، ثم إلى قزوين ثم إلى همذان، وتولى الوزارة لشمس الدولة، ثم تشوش العسكر عليه، فأغاروا على داره ونهبوها وقبضوا عليه وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع، ثم أطلق فتوارى، ثم مرض شمس الدولة بالقولنج فأحضره لمداواته واعتذر إليه وأعاده وزيراً، ثم مات شمس الدولة وتولى تاج الدولة فلم يستوزره، فتوجه إلى أصبهان وبها علاء الدولة أبو جعفر ابن كاكويه، فأحسن إليه.
وكان أبو علي قوي المزاج، وتغلب عليه قوة الجماع حتى أنهكته ملازمته وأضعفته ولم يكن يداوي مزاجه، وعرض له قولنج، فحقن نفسه في يوم واحد ثماني مرات فقرح بعض أمعائه وظهر له سحج، واتفق سفره مع علاء الدولة، فحصل له الصرع الحادث عقيب القولنج، فأمر باتخاذ دانقين من كرفس في جملة ما يحقن به، فجعل الطبيب الذي يعالجه فيه خمسة دراهم منه، فازداد السحج به من حدة الكرفس فطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئاً كبيراً من الأفيون، وكان سببه أن غلمانه خانوه في شيء، فخافوا عاقبة أمره عند برئه؛ وكان مذ حصل له الألم يتحامل ويجلس مرة بعد أخرى ولا يحتمي ويجامع، فكان يمرض أسبوعاً ويصلح أسبوعاً، ثم قصد علاء الدولة همذان من أصبهان ومعه الرئيس أبو علي، فحصل له القولنج في الطريق ووصل إلى همذان وقد
стр. 632
ضعف جداً وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال: المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء، ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات في التاريخ الذي يأتي في آخر ترجمته إن شاء الله تعالى] (١) .
وكان نادرة عصره في علمه وذكائه وتصانيفه، وصنف كتاب " الشفاء " في الحكمة، و " النجاة " و " الإشارات " و " القانون " وغير ذلك مما يقارب مائة مصنف ما بين مطول ومختصر ورسالة في فنون شتى، وله رسائل بديعة: منها رسالة " حي بن يقظان " ورسالة " سلامان وابسال " ورسالة " الطير " وغيرها، وانتفع الناس بكتبه، وهو أحد فلاسفة المسلمين.
وله شعر، فمن ذلك قوله في النفس:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف ... وهي التي سفرت فلم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما ألفت فلما واصلت ... ألف مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهوداً بالحمى ... ومنازلاً بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بين المعالم والطلول الخضع
تبكي وقد نسيت عهوداً بالحمى ... بمدامع تهمي ولما تقلع
حتى إذا قرب المسير إلى الحمى ... ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت تغرد فوق ذروة شاهق ... والعلم يرفع كل من لم يرفع
وتعود عالمة بكل خفية ... في العالمين فخرقها لم يرقع
فهبوطها إذ كان ضربة لازم (٢) ... لتكون سامعة لما لم تسمع
فلأي شيء أهبطت من شاهق ... سام إلى قعر الحضيض الأوضع
стр. 633
إن كان أهبطها الإله لحكمه ... طويت عن الفطن اللبيب الأروع (١)
إذ عاقها الشرك الكثيف فصدها ... قفص عن الأوج الفسيح الأربع
فكأنها برق تألق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع ومن المنسوب إليه أيضاً، ولا أتحققه، قوله:
اجعل غذاءك كل يوم مرة ... واحذر طعاماً قل هضم طعام
واحفظ منيك ما استطعت فإنه ... ماء الحياة يراق في الأرحام وينسب إليه البيتان اللذان ذكرهما الشهرستان في أول كتاب " نهاية الأقدام " وهما (٢) :
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم [ومن شعره أيضاً:
هذب النفس بالعلوم لترقى ... فترى الكل فهي للكل بيت
إنما النفس كالزجاجة والعل ... م سراج وحكمة الله زيت
فهي إن أشرقت فإنك حي ... وهي إن أظلمت فإنك ميت] (٣) وفضائله كثيرة ومشهورة.
وكانت ولادته في سنة سبعين وثلثمائة في شهر صفر، وتوفي بهمذان يوم الجمعة من شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ودفن بها. وحكى شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير في تاريخه الكبير (٤) أنه توفي بأصبهان، والأول أشهر، رحمه الله تعالى.
стр. 634
وكان الشيخ كما الدين بن يونس (١) رحمه الله تعالى يقول: إن مخدومه سخط عليه واعتقله، ومات في السجن، وكان ينشد:
رأيت ابن سينا يعادي الرجال ... وفي السجن مات أخس الممات
فلم يشف ما نابه بالشفا ... ولم ينج من موته بالنجاة وسينا: بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها ألف ممدودة.
١٩١ - (٢)
الخليع الشاعر
أبو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر الشاعر البصري المعروف بالخليع، مولى لولد سلمان بن ربيعة الباهلي الصحابي ﵁، وأصله من خراسان؛ وهو شاعر ماجن مطبوع حسن الافتنان في ضروب الشعر وأنواعه، واتصل في مجالسه الخلفاء إلى ما لم يتصل إليه إلا إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي، فإنه قاربه في ذلك أو ساواه، وأول من صحب منهم الأمين محمد بن هارون الرشيد، وكان اتصاله به في سنة ثمان وتسعين ومائة وهي السنة التي قتل فيها الأمين، ولم يزل مع الخلفاء بعده إلى أيام المستعين، [ما عدا المأمون، فإنه لم يدخل
стр. 635
عليه ولم يختلط به وذلك لأنه رثى الأمين فقال:
هلا بقيت لسد فاقتنا ... أبداً وكان لغيرك التلف
وقد كان فيك لمن مضى خلف ... فاليوم أعوز بعدك الخلف فلما ورد المأمون بغداد أمر أن يكتب من يصلح لمنادمته من أهل الأدب فأثبت له قوم وذكر فيهم الحسين بن الضحاك فقال: أليس القائل: وكان لغيرك التلف والله لا أرى وجهه على الطريق؛ فلم يحظ في أيام المأمون بشيء] (١) .
[وقد كان وقت خدمته للمتوكل ضعف كبراً فكتب إليه يستعفيه من الخدمة بأبيات (٢) :
أسلفت أسلافك من خدمتي ... في مدتي إحدى وستينا
وكنت ابن عشرين وخمس وقد ... وفيت بضعاً وثمانينا
إني لمعروف بضعف القوى ... وإن تجلدت أحايينا
فإن تحملت على كبرتي ... خدمة أبناء الثلاثينا
هدت قواي ووهت أعظمي ... وصرت في العلة عزونا وعزون هذا كان نديماً للمعتصم ثم للمتوكل] (٣) .
وهو في الطبقة الأولى من الشعراء المجيدية وبينه وبين أبي نواس ماجريات لطيفة ووقائع حلوة. وسمي بالخليع لكثرة مجونه وخلاعته. ذكره ابن المنجم في كتابه " البارع " وأبو الفرج الأصبهاني في " الأغاني " وكل منهما أورد طرفاً من محاسن شعره، فمن ذلك قوله (٤) :
стр. 636
صل بخدي تلق عجيبا ... من معان يحار فيها الضمير
فبخديك للربيع رياض ... وبخدي للدموع غدير وله أيضاً:
أيا من طرفه سحر ... ويا من ريقه خمر
تجاسرت فكاشفت ... ك لما غلب الصبر
وما أحسن في مثل ... ك أن ينتهك الستر
فإن عنفني الناس ... ففي وجهك لي عذر وله:
لا وحبيك لا أصا ... فح بالدمع مدمعا
من بكى شجوه استرا ... ح وإن كان موجعا
كبدي في يهواك أس ... قم من أن تقطعا
لم تدع صورة الضنى ... في السقم موضعا وذكر في كتاب " الأغاني " أن هذه الأبيات أوردها أبو العباس ثعلب النحوي - المقدم ذكره - للخليع المذكور وقال: ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا.
وله:
إذا خنتم بالغيب عهدي فمالكم (١) ... تدلون إدلال المقيم على العهد
صلوا وافعلوا فعل المدل بوصله ... وإلا فصدوا وافعلوا فعل ذي الصد وله من قصيدة:
سقى الله عصراً لم أبت فيه ليلة ... من الدهر إلا من حبيب على وعد وذكر أبو عبد الله ابن حمدون عن الحسين بن الضحاك قال: كان يألفني
стр. 637
فتى من أهل الشام عجيب الخلقة والشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك منه وكان حظي التعجبن منه، وكان يأتيني بكتب عشقية له ما رأيت كتبا أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها فأجهد نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي أن الشامي بجهله لا يميز بين الخطإ والصواب، ولا يفرق بين الابتداء والجواب، فلما طال ذلك علي حسدته وتنبهت على إفساد حاله عندها فسألته عن اسمها فقال: بصبص، فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها كان جاءني به:
أرقصني حبك يا بصبص ... والحب يا سيدتي يرقص
أرمصت أجفاني لطول البكا ... فما لأجفانك لا ترمص
أوحشني وجهك كذاك الذي ... كأنه من حسنه عصعص قال: فجاءني بعد ذلك فقال: يا أبا علي ما كان ذنبي إليك وما أردت بما صنعت بي فقلت له: وما ذاك عافاك الله فقال: ما هو إلا أن وصل إليها ذلك الكتاب حتى بعثت إلي: إني مشتاقة إليك والكتاب لا ينوب عن الرؤية، فتعالى إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا، فقف بحياله حتى أراك؛ فتزينت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع، فبينا أنا واقف أنتظر مكلماً لي أو مشيراً إلي وإذا شيء قد صب علي فملأني من فرقي إلى قدمي فأفسد ثيابي وسرجي وصبرني وجميع ما علي ودابتي في نهاية السواد والنتن والقذر، وإذا هو ماء قد خلط ببول وسواد وسرجين، وانصرفت بخزى وكان ما مر بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز والضحك والصياح أعظم مما جرى علي ولحقني من أهلي ومن منزلي، وشر من ذلك وأعظم من كل ما ذكرت أن رسلها انقطعت عني جملة، قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول: إن الآفة أنها لم تفهم الشعر لجودته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسر بالشماتة به] (١) .
[حدث محمد بن جعفر بن قدامة عن محمد بن عبد الملك قال: كنا في مجلس
стр. 638
ومعنا الحسين بن الضحاك ونحن على شراب وعندنا مغنية فعبث الخليع بالمغنية وجمشها فصاحت بالحسين واستخفت به، فأنشأ الخليع يقول (١) :
لها في خدها عكن ... وثلثا وجهها ذقن
وأسنان كريش البط ... بين أصولها عفن قال: فضحكنا وبكت المغنية حتى قلنا إنها عميت وما انتفعنا بها بقية يومنا؛ وشاع هذان البيتان فكسدت من أجلهما، وكانت إذا حضرت في مجلس أنشدوا البيتين فتجن؛ ثم إنها هربت من سر من رأى فما عرفنا لها بعد ذلك خبراً.
حدث الصولي عن أحمد بن حمدون قال: أمر المتوكل بأن ينادمه الحسين بن الضحاك ويلازمه فلم يطق ذلك لكبر سنه، فقيل له: هو يطيق الذهاب إلى القرى والمواخير فيشرب فيها ويعجز عن خدمتك، فبلغه ذلك؛ قال ابن حمدون: فدفع إلي أبياتاً فأوصلتها إلى المتوكل وهي قوله (٢) :
أما في ثمانين وفيتها ... عذير وإن أنا لم أعتذر
فكيف وقد جزتها صاعداً ... مع الصاعدين بتسع أخر
وقد رفع الله أقلامه ... عن ابن ثمانين دون البشر
سوى من أصر على فتنة ... وألحد في دينه أو كفر
وإني لمن أسراء الإله ... في الأرض نصب صروف القدر
فإن يقض لي عملاً صالحاً ... أناب وإن يقض سوءاً غفر
وقد بسط الله لي عذره ... فمن ذا يلوم إذا ما عذر
وما للحسود وأشياعه ... وكذب بالوحي إلا حجر (٣) قال ابن حمدون: فلما أوصلتها شفعتها بكلام أعتذر وأقول: لو أطاق خدمة
стр. 639
أمير المؤمنين لكان أسعد بها، فقال المتوكل: صدقت، خذ له عشرة آلاف درهم فاحملها إليه، فأخذتها وحملتها (١) .
حدث أبو العيناء قال: حج الحسين بن الضحاك فمر في منصرفه على موضع يعرف بالقريتين، وإذا جارية كأنها القمر في ليلة التم تتطلع من تحت ثيابها وتنظر إلى حرها ثم تضربه بيدها وهي تقول: ما أضيعني وأضيعك، فأنشأ الحسين يقول (٢) :
مررت بالقريتين منصرفاً ... من حيث يقضي ذوو الهوى النسكا
إذا فتاة كأنها قمر ... للتم لما توسط الفلكا
واضعة كفها على حرها ... تقول واضيعتي وضيعتكا قال: فلما سمعت قوله ضحكت وغطت وجهها وقالت: وافضيحتاه وقد سمعت ما قلت!
وقال الحسين بن الضحاك: كنت جالساً في داري في يوم شات وقد أفطر المأمون وأمر الناس بالإفطار فجاءتني رقعة الحسن بن رجاء يقول فيها (٣) :
هززتك للصبوح وقد نهاني ... أمير المؤمنين عن الصيام
وعندي من قيان الكرخ عشر ... يطيب بها مصافحة المدام
ومن أمثالهن إذا انتشينا ... ترانا نجتني ثمر الحرام
فكن أنت الجواب فليس شيء ... أحب إلي من حذف الكلام فوردت رقعته وقد أرسل إلى محمد بن الحارث غلاماً له نظيف الوجه ومعه ثلاثة غلمان حسان، ومعه رقعة منشورة قد ختم أسفلها مثل المناشير فيها (٤) :
سر على اسم الله يا أحسن من غصن لجين ...
стр. 640
في ثلاث من بني الروم إلى دار حسين ... فاسخص الكهل إلى مولاك يا قرة عيني ... أره العنف إن استعصى وطالبه بدين ... ودع اللفظ وكلمه بغمز الحاجبين ... واحذر الرجعة من وجهك في خفي حنين ... قال: فمضيت مع غلمان محمد بن الحارث وتركت الحسن] (١) .
وكانت وفاته سنة خمسين ومائتين وقد قارب مائة سنة، رحمه الله تعالى. وقال الخطيب في " تاريخ بغداد "، يقال: إنه ولد في سنة اثنتين وستين ومائة.
١٩٢ - (٢)
ابن الحجاج الشاعر
أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحجاج؛ الكاتب الشاعر المشهور ذو المجون والخلاعة والسخف في شعره، كان فرد زمانه في فنه، فإنه لم يسبق إلى تلك الطريقة، مع عذوبة الألفاظ وسلامة شعره من التكلف، ومدح الملوك والأمراء والوزراء والرؤساء، وديوانه كبير، أكثر ما يوجد في عشر مجلدات، والغالب عليه الهزل، وله في الجد أيضاً أشياء حسنة.
وتولى حسبة بغداد وأقام بها مدة، ويقال: إنه عزل بأبي سعيد
стр. 641
الإصطخري الفقيه الشافعي، وله في عزله أبيات مشهورة لا حاجة إلى إثباتها ها هنا.
ويقال: إنه في الشعر في درجة امرئ القيس، وإنه لم يكن بينهما مثلهما لأن كل واحد منهما مخترع طريقة.
[وقد أفرد أبو الحسن الموسوي المعروف بالرضي من شعره في المديح والغزل وغيرهما ما جانب السخف، وكان شعراً متخيراً حسناً جيداً] (١) ومن جيد شعره وجده هذه الأبيات:
يا صاحبي استيقظا من رقدة ... تزري على عقل اللبيب الأكيس
هذي المجرة والنجوم كأنها ... نهر تدفق في حديقة نرجس
وأرى الصبا قد غلست بنسيمها ... فعلام شرب الراح (٢) غير مغلس
قوما اسقياني قهوة رومية ... من عهد قيصر دنها لم يمس
صرفا تضيف إذا تسلط حكمها ... موت العقول إلى حياة الأنفس [وأورد له أيضاً:
نمت بسري في الهوى أدمعي ... ودلت الواشي على موضعي
يا معشر العشاق إن كنتم ... مثلي وفي حالي فموتوا معي وأورد له أيضاً:
يا من إليها من ظلمها الهرب ... ردي فؤادي فقل ما يجب
ردي حياتي إن كنت منصفة ... ثم إليك الرضا أو الغضب
طلبت قلبي فلم أفتك به ... سبحان من لا يفوته الطلب] (٣) ومن شعره:
стр. 642
قال قوم لزمت حضرة حمد ... وتجنبت سائر الرؤساء
قلت ما قاله الذي أحرز المع ... نى قديماً قبلي من الشعراء
" يسقط الطير حيث يلتقط الحب ... وتغشى منازل الكرماء " وهذا البيت الثالث لبشار بن برد، وقد ضمنه شعره.
[وأورد له أيضاً في الورد:
جنى في البستان لي وردة ... أحسن من إنجازه وعدي
وقال والوردة في كفه ... من قدح أذكى من الند
اشرب هنيئاً لك يا عاشقي ... ريقي من كفي على خدي ودعي ابن الحجاج إلى دعوة وتأخر عنه الطعام قليلاً فقال:
يا ذاهباً في داره جائياً ... بغير معنى وبلا فائدة
قد جن أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة] (١) [ومثل هذا ما ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " قال: دعانا أبو محمد ابن الشاب يوماً ودعا جحظة البرمكي وأطال حبس الطعام جداً، وجاع جحظة فأخذ دواة وقرطاساً وكتب:
ما لي وللشاب وأولاده ... لا قدس الوالد والوالده
قد حفظوا القرآن واستعملوا ... ما فيه إلا سورة المائدة] ورمى بها إلي فقرأتها ودفعتها إلى ابن الشاب فقرأها ووثب مسرعاً وقدم الطعام وأكلنا وانصرفنا وقطعة جحظة بعد ذلك، فكان يجهد جهده في أن يجيبه فلا يفعل، فإذا عاتبناه قال: حتى يحفظ تلك السورة] (٢) .
стр. 643
وكانت وفاة ابن الحجاج يوم الثلاثاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلثمائة بالنيل، وحمل إلى بغداد، رحمه الله تعالى، ودفن عند مشهد موسى بن جعفر، ﵁. وأوصى أن يدفن عند رجليه، وأن يكتب على قبره " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ".
وكان من كبار الشعراء الشيعة، ورآه (١) بعد موته بعض أصحابه في المنام، فسأله عن حاله، فأنشد:
أفسد سوء مذهبي ... في الشعر حسن مذهبي
[وحملي الجد على ... ظهر حصان اللعب]
لم يرض مولاي علي ... سبي لأصحاب النبي
[وقال لي ويحك يا ... أحمق لم لم تتب
من سب قوم من رجا ... آلاءهم لم يخب
رمت الرضا جهلاً بما ... أصلاك نار اللهب] (٢) ورثاه الشريف الرضي بقصيدة من جملتها (٣) :
نعوه على حسن ظني به ... فلله ماذا نعي الناعيان
رضيع ولاء له شعبة ... من القلب مثل رضيع اللبان
وما كنت أحسب أن الزمان ... يفل مضارب ذاك اللسان
بكيتك للشرد السائرات ... تعنق ألفاظها بالمعاني
ليبك الزمان طويلاً عليك ... فقد كنت خفة روح الزمان والنيل - بكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام - وهي بلدة على الفرات بين بغداد والكوفة خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم، والأصل
стр. 644
فيه نهر حفرة الحجاد بن يوسف في هذا المكان ومخرجه من الفرات وسماه باسم نيل مصر، وعليه قرى كثيرة.
١٩٣ - (١)
الوزير المغربي
أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام ابن المرزبان بن ماهان بن باذان بن ساسان بن الحرون بن بلاش بن جاماس ابن فيروز بن يزدجر بن بهرام جور المعروف بالوزير المغربي؛ ورأي جماعة من أهل الأدب يقولون: إن أبا علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الذي مدحه المتنبي بقصيدته التي أولها:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء خاله، ثم إني كشفت عنه فوجدت المذكور خال أبيه، وأما هو فأمه بنت محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني، ذكره في " أدب الخواص ". وكانت وفاة الأوارجي المذكور في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثلثمائة (٢) .
والوزير أبو القاسم المغربي المذكور هو صاحب الديوان: الشعر والنثر، وله " مختصر إصلاح المنطق " (٣) وكتاب " الإيناس "، وهو مع صغر حجمه كثير الفائدة ويدل على كثرة اطلاعه، وكتاب " أدب الخواص " وكتاب " المأثور في ملح الخدور " وغير ذلك.
стр. 645
وجدت في بعض المجاميع ما صورته: وجد بخط والد الوزير المعروف بالمغربي على ظهر " مختصر إصلاح المنطق " الذي اختصره ولده الوزير ما مثاله: " ولد - سلمه الله تعالى، وبلغه مبالغ الصالحين - أول وقت طلوع الفجر من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلثمائة، واستظهر القرآن العزيز وعدة من الكتب المجردة في النحو واللغة ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم، ونظم الشعر وتصرف في النثر وبلغ من الخط إلى ما يقصر عن نظراؤه، ومن حساب المولد والجبر والمقابلة إلى ما يستقل بدونه (١) الكاتب، وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة. واختصر هذا الكتاب، فتناهى في اختصاره وأوفى على جميع فوائده حتى لم يفته شيء من ألفاظه، وغير من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إلى الاختصار، وجمع كل نوع إلى ما يليق به. ثم ذكرت له نظمه بعد اختصاره فابتدأ به، وعمل منه عدة أوراق في ليلة، وكان جميع ذلك قبل استكماله سبع عشرة سنة، وأرغب إلى الله سبحانه في بقائه ودوام سلامته ". انتهى كلام والده.
ومن شعر الوزير المذكور (٢) :
أقول لها والعيس تحدج للسرى ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
سأنفق ريعان الشبيبة آنفاً ... على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران (٣) أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري ومن شعره أيضاً:
أرى الناس في الدنيا كراع تنكرت ... مراعيه حتى ليس فيهن مرتع
فماء بلا مرعى ومرعى بغير ما ... وحيث ترى ماء ومرعى فمسبع وله في غلام حسن الوجه حلق شعره:
стр. 646
حلقوا شعره ليكسوه قبحا ... غيرة منهم عليه وشحا
كان صبحاً عليه ليل بهيم ... فمحوا ليله وابقوه صبحا ومن شعره أيضاً:
إني أبثك عن حدي ... ثي والحديث له شجون
غيرت موضع مرقدي ... ليلاً ففارقني السكون
قل لي فأول ليلة ... في القبر كيف ترى أكون (١) ولما ولد للوزرير المذكور ولده أبو يحيى عبد الحميد كتب إليه أبو عبد الله محمد بن أحمد صاحب ديوان الجيش بمصر أبياتاً منها:
قد أطلع الفأل منه معنى ... يدركه العالم الذكي
رأيت جد الفتى علياً ... فقلت جد الفتى علي وكان الوزير المذكور من الدهاة العارفين [وكان خبيث الباطن، إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو وإذا دخل عليه النحوي سأله عن الفقه والفرائض] .
ولما قتل الحاكم صاحب مصر أباه وعمه وأخويه، وهرب الوزير وصل إلى الرملة، واجتمع بصاحبها المتغلب عليها حسان (٢) بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي وبنيه وبني عمه، وأفسد نياتهم على الحاكم صاحب مصر المذكور (٣) .
стр. 647
ثم توجه إلى الحجاز، وأطمع صاحب مكة في الحاكم ومملكة الديار المصرية، وعمل في ذلك عملاً قلق الحاكم بسببه وخاف على ملكه، وقصته في ذلك طويلة إلى أن (١) أرضى الحاكم بني الجراح ببذل الأموال لهم، واستمالهم إليه.
وكان صاحب مكة - وهو أبو الفتح الحسن بن جعفر العلوي - قد استدعوه ووصل إليهم وبايعوه بالخلافة ولقبوه بالرشيد بتدبير أبي القاسم المذكور، فلم يزل الحاكم يعمل الحيل حتى استمال بني الجراح إليه، وانتقض أمر أبي الفتوح وهرب إلى مكة.
وقصد الوزير أبو القاسم العراق هارباً من الحاكم ومفارقاً لبني الجراح، وقصد فخر الملك أبا غالب ابن خلف الوزير، ورفع خبره إلى الإمام القادر بالله فاتهمه أنه ورد لإفساد الدولة العباسية، وراسل فخر الملك في إبعاده، فاعتذر عنه فخر الملك وقام في أمره. واتفق انحدار فخر الملك من بغداد إلى واسط، فأخذ أبا القاسم في جملته، وأقام معه بواسط على جملة من الرعاية، إلى أن توفي فخر الملك مقتولاً، وشرع الوزير أبو القاسم في استعطاف قلب الإمام القادر بالله
стр. 648
والتنصل مما نبذل به، حتى صلح له بعض الصلاح، وعاد إلى بغداد وأقام قليلاً، ثم أصعد إلى الموصل.
واتفق موت أبي الحسن ابن أبي الوزير كاتب معتمد الدولة أبي المنيع قرواش أمير بني عقيل، فتقلد كتابته موضعه، ثم شرع أبو القاسم يسعى في وزارة الملك مشرف الدولة البويهي، ولم يزل يعمل السعي إلى أن قبض على الوزير مؤيد الملك أبي علي، فكوتب الوزير أبو القاسم بالحضور من الموصل إلى الحضرة، وقلد الوزارة من غير خلع ولا لقب ولا مفارقة الدراعة، وأقام كذلك حتى جرى من الأحوال ما أوجب مفارقة مشرف الدولة بغداد، فخرج معه منها وقصدا أبا سنان غريب بن محمد بن مقن ونزلا عليه وأقاما بأوانا. وبينا هو على ذلك إذ عرض له إشقاق من مخدومه مشرف الدولة دعاه إلى مفارقته، فانتقل بعد ذلك إلى أبي المنيع قرواش بالموصل، وأقام عنده، ثم تجدد من سوء رأي الإمام القادر فيه ما ألجأته الضرورة بسبب ما كوتب به قرواش وغريب في معناه إلى مفارقته والإبعاد عنه، وقصد أبا نصر ابن مروان بميافارقين وأقام عنده على سبيل الضيافة إلى أن توفي، وقيل: إنه لما توجه إلى ديار بكر وزر لسلطانها أحمد بن مروان المقدم ذكره، فأقام عنده إلى أن توفي في ثالث عشر شهر رمضان (١) سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وقيل: ثمان وعشرين، والأول أصح، وكانت وفاته بميافارقين، وحمل إلى الكوفة بوصية منه، وله في ذلك حديث يطول شرحه، ودفن بها في تربة مجاورة لمشهد الإمام علي بن أبي طالب ﵁، وأوصى أن يكتب على قبره (٢) :
كنت في سفرة الغواية والجه ... ل مقيماً (٣) فحان مني قدوم
تبت من كل مأثم فعسى يم ... حى بهذا الحديث ذاك القديم
بعد خمس وأربعين، لقد ما ... طلت، إلا أن الغريم كريم
стр. 649
وكان قتل أبيه وعمه وأخويه في الثالث من ذي القعدة سنة أربعمائة، رحمهم الله تعالى.
ورأيت في بغض المجاميع أنه لم يكن مغربياً، وإنما أحد أجداده، وهو أبو الحسن علي بن محمد كانت له ولاية في الجانب الغربي ببغداد، وكان يقال له: المغربي، فأطلق عليهم هذه النسبة، ولقد رأيت خلقاً كثيراً يقولون هذه المقالة، ثم بعد ذلك نظرت في كتابه الذي سماه " أدب الخواص " فوجدت في أوله " وقد قال المتنبي: وإخواننا المغاربة يسمونه المتنبه، فأحسنوا ":
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم (١) فهذا يدل على أنه مغربي حقيقة لا كما قالوه، والله أعلم. ثم أعاد هذا القول بعينه لما ذكر النابغة الجعدي وشعره وأنشد عنده قول المتنبي:
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ... ولو أن ما في الوجه منه حراب (٢) ونقلت نسبه المذكور في الأول من خط أبي القاسم علي بن منجب بن سليمان المعروف بابن الصيرفي المصري صاحب الرسائل، وذكر أنه منقول من خط الوزير المذكور، والله أعلم بصحته.
стр. 650
١٩٤ - (١)
ابن خالويه
أبو عبد الهل الحسين بن أحمد بن خالويه النحوي اللغوي؛ أصله من همذان ولكنه دخل بغداد وأدرك جلة العلماء بها مثل أبي بكر ابن الأنباري وابن مجاهد المقرئ وأبي عمر الزاهد وابن دريد، وقرأ على أبي سعيد السيرافي، وانتقل إلى الشام واستوطن حلب، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب، وكانت إليه الرحلة من الآفاق، وآل حمدان يكرمونه ويدرسون عليه ويقتبسون منه. وهو القائل: دخلت يوماً على سيف الدولة بن حمدان فلما مثلت بين يديه قال لي: اقعد، ولم يقل اجلس، فتبينت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب، واطلاعه على أسرار كلام العرب، وإنما قال ابن خالويه هذا لأن المختار عند أهل الأدب أن يقال للقائم: اقعد، وللنائم أو الساجد: اجلس، وعلله بعضهم بأن القعود هو الانتقال من العلو إلى السفل، ولهذا قيل لمن أصيب برجله مقعد، والجلوس هو الانتقال من السفل إلى العلو، ولهذا قيل لنجد: جلسا لارتفاعها، وقيل لمن أتاها: جالس، وقد جلس، ومنه قول مروان بن الحكم لما كان والياً بالمدينة يخاطب الفرزدق:
قل للفرزدق والسفاهة (٢) كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس أي: اقصد الجلسا، وهي نجد. وهذا البيت من جملة أبيات ولها قصة طويلة، وهذا كله وإن جاء في غير موضعه لكن الكلام شجون.
стр. 651
ولابن خالويه المذكور كتاب كبير (١) في الأدب سماه " كتاب ليس " وهو يدل على اطلاع عظيم، فإن مبنى الكتاب (٢) من أوله إلى آخره على أنه ليس في كلام العرب كذا وليس كذا، وله كتاب لطيف سماه " الآل " وذكر في أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً، وما أقصر فيه، وذكر فيه الأئمة الاثني عشر وتواريخ مواليدهم ووفياتهم وأمهاتهم، والذي دعاه إلى ذكرهم أنه قال في جملة أقسام الآل " وآل محمد بنو هاشم ". وله كتاب " الاشتقاق " وكتاب " الجمل " في النحو، وكتاب " القراءات " وكتاب " إعراب ثلاثين سورة من الكتاب العزيز " وكتاب " المقصور والممدود " وكتاب " المذكر والمؤنث " وكتاب " الألفات " (٣) وكتاب " شرح المقصورة لابن دريد " وكتاب " الأسد "، وغير ذلك.
ولابن خالويه مع أبي الطيب المتنبي مجالس ومباحث عند سيف الدولة، ولولا خوف الإطالة لذكرت شيئاً منها.
وله شعر حسن، فمنه قوله على ما نقله الثعالبي في كتاب " اليتيمة " (٤) :
إذا لم يكن صدر المجالس سيد ... فلا خير فيمن صدرته المجالس
وكم قائل: ما لي رأيتك راجلاً ... فقلت له: من أجل أنك فارس وخالويه: بفتح الخاء الموحدة وبعد الألف لام مفتوحة وواو مفتوحة أيضاً وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم هاء ساكنة.
وكانت وفاة ابن خالويه في سنة سبعين وثلثمائة بحلب، رحمه الله تعالى.
стр. 652
١٩٥ - (١)
أبو علي الجياني
أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني (٢) الأندلسي المحدث؛ كان إماماً في الحديث والأدب، وله كتاب مفيد سماه " تقييد المهمل " ضبط فيه كل لفظ يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين، وما أقصر فيه، وهو في جزأين، وكان من جهابذه المحدثين، وكبار العلماء المسندين (٣) ، وكان حسن الخط جيد الضبط، وكان له معرفة بالغريب والشعر والأنساب، وكان يجلس في جامع قرطبة ويسمع منه أعيانها، ولم أقف على شيء من أخباره حتى أذكر طرفاً منها.
وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وطلب الحديث سنة أربع وأربعين، وتوفي ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والجياني - بفتح الجيم وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى جيان، وهي مدينة كبيرة بالأندلس، وبأعمال الري قرية يقال لها جيان أيضاً.
والغساني: قد تقدم الكلام عليه.
стр. 653
١٩٦ - (١)
البارع الدباس
أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عبيد الله بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير الحارثي من بني الحارث ابن كعب بن عمرو الدباس البدري المنعوت بالبارع الشاعر المشهور الأديب النديم البغدادي؛ كان نحوياً لغوياً مقرئاً حسن المعرفة بصنوف الآداب، وأفاد خلقاً كثيراً، خصوصاً بإقراء القرآن الكريم.
وهو من بيت الوزارة، فإن جده القاسم كان وزير المعتضد [والمكتفي بعده] وهو الذي سم ابن الرومي الشاعر - كما سيأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - وعبيد الله كان وزيراً أيضاً، وسليمان بن وهب الوزير تغني شهرته عن ذكره - وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى -.
والبارع المذكور من أرباب الفضائل، وله مصنفات حسان وتواليف غريبة، وديوان شعر جيد، وكان بينه وبين الشريف أبي يعلى ابن الهبارية مداعبات لطيفة، فإنهما كانا رفيقين ومتحدين في الصحبة، فاتفق أن البارع المذكور تعلق بخدمة بعض الأمراء، وحج، فلما عاد حضر الشريف إليه مراراً فلم يجده، فكتب إليه قصيدة طويلة دالية يعاتبه فيها إلى أنه تغير عليه بسبب الخدمة، وأولها:
يا ابن ودي وأين مني ابن ودي ... غيرت طرفه الرياسة بعدي (٢)
стр. 654
ولولا ما أودعها من السخف والفحش لذكرتها (١) ، فكتب إليه البارع المذكور جوابها، وأطال فيها، وضمنها أيضاً شيئاً من الفحش، وأولها:
وصلت رقعة الشريف أبي يع ... لى فحلت محل لقياه عندي
فتلقيتها (٢) بأهلاً وسهلاً ... ثم ألصقتها بطرفي وخدي
وفضضت الختام عنها فما ظن ... ك بالصاب إذ يشاب بشهد
بين حلو من العتاب ومر ... هو أولى به وهزل وجد
وتجن (٣) علي من غير جرم ... بملام يكاد يحرق جلدي
يدعي أنني حجبت (٤) وقد زا ... ر مراراً، حاشاه من قبح رد
ثم دع ذا، ما للرياسة والحج ... أبن لي من حل أنف وعقد
فبماذا علمت بالله أني ... قد تنكرت (٥) أو تغير عهدي
من تراني: أعامل أم وزير ... لأمير أم عارض للجند
أنا إلا ذاك الخليع الذي تع ... رف أرضى ولو بجرة دردي
وإذا صح لي مليح فذاك ال ... يوم عيدي وصاحب الدست عبدي
أتراني لو كنت في النار مع ها ... مان أنساك في جنان الخلد
стр. 655
أو لو أني عصبت بالتاج أسلو ... ك ولو كنت عانياً في القد
أنا أضعاف ما عهدت على العه ... د وإن كنت لا تجازي بود ومنها:
أم لأني من سائر النا ... س بفرد بين الأكارم فرد
صان وجهي عن اللئام وأولا ... ني جميلاً منه إلى غير حد
فتعففت واقتنعت بتدفي ... ع زماني وقلت إني وحدي
لا لأني أنفت مع ذا من الكد ... ية، أين الكرام حتى أكدي ونقتصر من هذه القصيدة على هذه الأبيات، ففيها سخف لا يليق ذكره وغيره مما لا حاجة إليه.
ومن شعره أيضا (١) :
أفنيت ماء الوجه من طول ما ... أسأل من لا ماء في وجهه
أنهي إليه شرح حالي الذي ... يا ليتني مت ولم أنهه
فلم ينلني كرما رفده ... ولم أكد أسلم من جبهه
والموت من دهر نحاريره ... ممتدة الأيدي إلى بلهه [وأورد له الحظيري في كتاب " زينة الدهر " وذكر أنه نقلها من خطه وذكر أنه قال هذه القصيدة بمكة في سنة ٤٧٢:
ذكر الأحباب والوطنا ... والهوى والإلف والسكنا
فبكى شجواً وحق له ... مدنف بالشوق حلف ضنى
أبعدت مرمى يد رجمت ... من خراسان به اليمنا
خلست من بين أضلعه ... بالنوى قلباً له ضمنا
стр. 656
من لمشتاق يميله ... ذات سجع ميلت فننا
كلما هاج الهديل به ... طرباً هاجت له شجنا
لم تعرض بالحنين بمن ... مسعد إلا وقال أنا
لك يا ورقاء أسوة من ... لم تذيقي جفنه الوسنا
بك أنسي مثل أنسك بي ... فتعالي نبد ما كمنا
نتشاكى ما نجن إذا ... نحت شجواً صحت واحزنا
غير أني منك أعدل إن ... عاد سري في الهوى علنا
أنا لا أنت البعيد هوى ... أنا لا أنت الغريب هنا
أنا فرد يا حمام وها ... أنت وألإلف القرين ثنا
أنصفونا يا بني حسن ... ليس هذا منكم حسنا
كم أحلت محرماتكم ... بالعيون النجل أنفسنا
نحن وفد الله عندكم ... ما لكم جيرانه ولنا
لم يجرنا منكم حرم ... من أتاه خائفاً أمنا] (١) وكانت ولادته في العاشر من صفر سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ببغداد. وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة، وقيل الأولى، سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وكان قد عمي في آخر عمره، رحمه الله تعالى.
والدباس - بفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف سين مهملة - وهذا يقال لمن يعمل الدبس أو يبيعه.
والبدري - بفتح الباء الموحدة وسطون الدال المهملة وبعدها راء - هذه النسبة إلى البدرية، وهي محلة ببغداد المحروسة وكان البارع المذكور يسكنها فنسب إليها.
стр. 657
١٩٧ - (١)
الطغرائي
السيد فخر الكتاب أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الملقب مؤيد الدين الأصبهاني المنشئ المعروف بالطغرائي؛ كان غزير الفضل لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر.
ذكره أبو سعد ابن السمعاني في نسبة المنشئ من كتاب " الأنساب "، وأثنى عليه، وأورد قطعة من شعره في صفة الشمعة، وذكر أنه قتل في سنة خمس عشرة وخمسمائة.
والطغرائي المذكور له ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة بلامية العجم، وكان عملها ببغداد في سنة خمس وخمسمائة يصف حاله ويشكو زمانه، وهي التي أولها (٢) :
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
[مجدي أخيراً ومجدي أولاً شرع ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفرد ... كالسيف عري متناه عن الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي
стр. 658
طال اغترابي حتى حن راحلتي ... ورحلها وقرى العسالة الذبل
وضج من لغب نضوي وعج لما ... يلقى ركابي ولح الركب في عذلي
أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلا قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني ... من الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل ... بمثله غير هياب ولا وكل
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت ... بشدة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقلته ... والليل أغرى سوام النوم بالمقل
والركب ميل على اكوار من طرب ... صاح وآخر من خمر الهوى ثمل
فقلت أدعوك للجلى لتنصرني ... وأنت تخذلني في الحادث الجلل
تنام عيني وعين النجم ساهرة ... وتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين على غي هممت به ... والغي يزجر أحياناً عن الفشل
إني أريد طروق الحي من إضم ... وقد حماه رماة من بين ثعل
يحمون بالبيض والسمر اللدان به ... سود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في ذمام الليل معتسفاً ... فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
فالحب حيث العدا والأسد رابضة ... حول الكناس لها غاب من الأسل
نؤم ناشئة بالجزع قد سقيت ... نصالها بمياه الغنج والكحل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ... ما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهن في كبد ... حرى ونار القرى منهم على قلل
يقتلن أنضاء حب لا حراك بها ... وينحرون كرام الخيل والإبل
يشفى لديغ العوالي في بيوتهم ... بنهلة من غدير الخمر والعسل
لعل إلمامة بالجزع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في عللي
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل
ولا أخل بغزلان تغازلني ... ولو دهتني أسود الغيل بالغيل
стр. 659
حب السلامة يثني هم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقاً ... في الأرض أو سلماً في الجو واعتزل
ودع غمار العلا للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهن بالبلل
رضى الذليل بخفض العيش مسكنة ... والعز تحت رسيم الأينق الذلل
فادرأ بها في نحور البيد حافلة ... معارضات مثاني اللجم بالجدل
إن العلا حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً ... والحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلي ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم أرض بالعيش والأيام مقبلة ... فكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالى بنفسي عرفاني بقيمتها ... فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة النصل أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم ... وراء خطوي إذ أمشي على مهل
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل
أعدى عدوك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظن شراً وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول العمل
وشان صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
إن كان ينجع شيء في ثباتهم ... على العهود فسبقُ السيف للعذَل
стр. 660
يا وارداً سؤر عيش كله كدر ... أنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبه ... وأنت يكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والحول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها ... فهل سمعت بظل غير منتقل
ويا خبيراً على الأسرار مطلعاً ... أصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ومن رقيق شعره قوله:
يا قلب مالك والهوى من بعد ما ... طاب السلو وأقصر العشاق
أو ما بدا لك في الإفاقة والألى ... نازعتهم كأس الغرام أفاقوا
مرض النسيم وصح والداء الذي ... تشكوه لا يرجى له إفراق
وهذا خفوق البرق والقلب الذي ... تطوى عليه أضالعي خفاق وله أيضاً:
أجما البكا يا مقلتي فإننا ... على موعد للبين لا شك واقع
إذا جمع العشاق موعدهم غداً ... فواخجلتا إن لم تعني مدامعي ومن شعره:
ولا غرو إن أهديت من فيض بره ... إليه قليلاً ليس يعتده نزرا
فإني رأيت الغيم يحمل ماءه ... من البحر غمراً ثم يهدي له قطرا ومن شعره:
لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكم الصواب وإن بدا من ناقص
فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط رتبته هوان الغائص وله أيضاً:
أخاك أخاك فهو أجل ذخر ... إذا نابتك نايبة الزمان
стр. 661
وإن رابت إساءته فهبها ... لما فيه من الشيم الحسان
تريد مهذباً لا غش فيه ... وهل عود يفوح بلا دخان ومن شعره:
ما فلان: إلا كجيفة ميت ... والضرورات أحوجتنا إليه
فمن اضطر غير باغ ولا عا ... د فلا إثم في الكتاب عليه وله من أبيات:
لا غرو إن حزت المروءة والتقى ... والدين والدنيا لم تتصدع
إن النواظر والقلوب صغيرة ... تحوي الكبيرة وليس بالمستبدع وله:
جامل أخاك إذا استربت بوده ... وانظر به عقب الزمان يعاد
فإن استمر على الفساد فخله ... فالعضو يقطع للفساد الزائد (١) وذكره أبو المعالي الحظيري في كتاب " زينة الدهر " وذكر له مقاطيع، وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وقال: إنه ولي الوزارة بمدينة إربل مدة، وذكر العماد الكاتب في كتاب " نصرة الفترة وعصرة الفطرة " - وهو تاريخ الدولة السلجوقية - أن الطغرائي المذكور كان ينعت بالأستاذ، وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وأنه لما جرى المصاف بينه وبين أخيه السلطان محمود بالقرب من همذان وكانت النصرة لمحمود، فأول من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود، فأخبر به وزير محمود، وهو الكمال نظام الدين أو طالب علي بن أحمد بن حرب السميرمي، فقال الشهاب أسعد - وكان طغرائياً في ذلك الوقت نيابة عن النصير الكاتب -: هذا الرجل ملحد، يعني الأستاذ، فقال وزير محمود: من يكن ملحداً يقتل، فقتل ظلماً.
стр. 662
وقد كانوا خافوا منه، ولا قبل عليه لفضله، فاعتدوا قتله بهذه الحجة، وكانت هذه الواقعة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقيل إنه قتل سنة أربع عشرة، وقيل ثماني عشرة، وقد جاوز ستين سنة، وفي شعره ما يدل على أنه بلغ سبعاً وخمسين سنة لأنه قال وقد جاءه مولود (١) :
هذا الصغير الذي وافى على كبري ... أقر عيني ولكن زاد في فكري
سبع وخمسون لو مرت على حجر ... لبان تأثيرها في صفحة الحجر والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك، رحمه الله تعالى.
(٢٨) وقتل الكمال السميرمي الوزير المذكور يوم الثلاثاء سلخ صفر سنة ست عشرة وخمسمائة في السوق ببغداد عند المدرسة النظامية، وقيل: قتله عبد أسود كان للطغرائي المذكور، لأنه قتل أستاذه.
والطغرائي - بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الراء وبعدها الف مقصورة - هذه النسبة إلى من يكتب الطغري، وهي الطرة التي تكتب في أعلى الكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ، ومضمونها نعوت الملك الذي صدر الكتاب عنه، وهي لفظة أعجمية.
والسميرمي - بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ثم ميم - هذه النسبة إلى سميرم، وهي بلدة بين أصبهان وشيراز، وهي آخر حدود أصبهان.
стр. 663
١٩٨ - أبو الفوارس ابن الخازن
أبو الفوارس الحسين بن علي بن الحسين المعروف بابن الخازن الكاتب؛ كان فريد عصره في الكتابة، وكتب ما لم يكتبه أحد، فإنه كتب فيما كتب خمسمائة نسخة من كتاب الله العزيز ما بين ربعة وجامع، وله شعر حسن، فمن ذلك قوله:
عنت الدنيا لطالبها ... واستراح الزاهد الفطن
كل ملك نال زخرفتها ... حسبه مما حوى كفن
يقتني مالاً ويتركه ... في كلا الحالين مفتتن
أملي كوني على ثقة ... من لقاء الله مرتهن
أكره الدنيا وكيف بها ... والذي تسخو به وسن
لم تدم قبلي على أحد ... فلماذا الهم والحَزَن قال محمد بن أبي الفضل (١) الهمذاني المؤرخ في " ذيل تجاب الأمم " لمسكويه: توفيابن الخازن المذكور في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة فجأة، رحمه الله تعالى. وقال الشريف أبو العمر المبارك بن أحمد الأنصاري: توفي ليلة الثلاثاء، ودفن من الغد، وهو اليوم السادس والعشرون من الشهر المذكور.
стр. 664
١٩٩ - (١)
أبو عبد الله الشيعي
أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا المعروف بالشيعي القائم بدعوة عبيد الله المهدي جد ملوك مصر؛ وقصته في القيام بالغرب مشهورة، وله بذلك سيرة مسطورة، وسيأتي في حرف العين عند ذكر المهدي عبيد الله طرف من أخباره إن شاء الله تعالى.
وأبو عبد الله المذكور من أهل صنعاء اليمن، وكان من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون، فإنه دخل إفريقية وحيداً بلا مال ولا رجال، ولم يزل يسعى إلى أن ملكها، وهرب ملكها أبو مضر زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب منه إلى بلاد المشرق وهلك هناك، وحديثه يطول.
ولما مهد القواعد للمهدي ووطد له البلاد وأقبل المهدي من المشرق، وعجز عن الوصول إلى أبي عبد الله المذكور، وتوجه إلى سجلماسة، وأحس به صاحبها اليسع آخر ملوك بني مدرار، فأمسكه واعتقله، ومضى إليه أبو عبد الله وأخرجه من الاعتقال وفوض إليه أمر المملكة - اجتمع به أخوه أبو العباس أحمد، وكان هو الأكبر، أعني أحمد، وندمه على ما فعل، وقال له: تكون أنت صاحب البلاد والمستقل بأمورها وتسلمها إلى غيرك وتبقى من جملة الأتباع، وكرر عليه القول، فندم أبو عبد الله على ما صنع واضمر الغدر، واستشعر منهما المهدي، فدس عليهما من قتلهما في ساعة واحدة، وذلك في منتصف جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة بين القصرين، رحمهما الله تعالى.
стр. 665
والشيعي - بكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها عين مهملة - هذه النسبة إلى من يتولى شيعة الإمام علي بن أبي طالب، ﵁.
ورقادة - بفتح الراء وتشديد القاف وبعد الألف دال مهملة وبعد الدال هاء ساكنة - مدينة من أعمال القيروان من بلاد إفريقية (١) .
(٢٩) وأما زيادة الله فقد ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " فقال (٢) : هو أبو مضر زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب ابن إبراهيم بن سالم بن عقال بن خفاجة، وهو زيادة الله الأصغر، آخر ملوك بني الأغلب بإفريقية، التميمي، وقال: قدم دمشق سنة اثنتين وثلثمائة مجتازاً إلى بغداد حين غلب على ملكه بإفريقية، ثم قال في آخر الترجمة: بلغني أن زيادة الله توفي بالرملة في سنة أربع وثلثمائة في جمادى الأولى منها، ودفن بالرملة، فساخ قبره فسقف عليه وترك مكانه، وهو من ولد الأغلب بن عمرو المازني البصري، وكان الرشيد ولى عمراً المغرب بعد أن مات إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵃، فما زال بالمغرب إلى أن توفي وخلف ولده الأغلب ثم أولاده إلى أن صار الأمر إلى زيادة الله هذا. انتهى ما ذكره ابن عساكر.
وفي ترجمة أبي القاسم علي بن القطاع اللغوي هذا النسب، وبينهما اختلاف قليل، لكني نقلته على ما وجدته في الموضعين.
وقال غير ابن عساكر: توفي أبو مضر زيادة الله بن محمد بن إبراهيم بن الأغلب بالرقة، وحمل تابوته إلى القدس الشريف، ودفن بها في سنة ست وتسعين ومائتين، وكانت مدة مملكته إلى أن خرج عن القيروان خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة عشر يوماً. وكان سبب خروجه من القيروان أن أبا عبد الله الشيعي المذكور لما هزم إبراهيم بن الأغلب (٣) ، بلغ الخبر زيادة الله المذكور فشد
стр. 666
أمواله وأخذ خواص حرمه وخرج من رقادة ليلاً، وبعد خروجه بويع إبراهيم بن الأغلب (١) . وكانت مملكة بني الأغلب مائتي سنة واثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً، والشرح في ذلك يطول فاختصرته.
٢٠٠ - (٢)
حسان التنوخي
أبو ليلى حسان بن سنان بن أوفى بن عوف التنوخي وهو جد إسحاق بن البهلول؛ [سمع أنس بن مالك ﵁؛ روى عنه ابن ابنه إسحاق، وقال أبو حاتم محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول: قال جدي إسحاق عن جدي حسان] (٣) قال: خرجت في وفد من أهل الأنبار إلى الحجاج إلى واسط نتظلم إليه من عامله علينا الرقيل، فدخلنا ديوانه فرأيت شيخاً والناس حوله يكتبون عنه، فسألت عنه فقيل لي: أنس بن مالك، فوقفت عليه فقال لي: من أين فقلت: من الأنبار، جئنا إلى الأمير نتظلم إليه، فقال لي: بارك الله فيك، فقلت: حدثني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ يا خادم رسول الله ﷺ ، فقال: سمعته يقول: مر بالمعروف وأنه عن المنكر ما استطعت؛ وأعجلني أصحابي فلم أسمع منه غير هذا الحديث؛ [قال أبو حاتم] وكان إسحاق (٤) يقول: أرجو أن أكون ممن سبقت [فيه] دعوة
стр. 667
رسول الله ﷺ بقوله: طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني. وكان من بركة دعاء أنس لحسان أنه عاش مائة سنة وعشرين سنة، وخرج من أولاده جماعة فقهاء وقضاة ورؤساء وصلحاء [وكتاب وزهاد؛ ولذ حسان سنة ستين من الهجرة] ، وتوفي سنة ١٨٠ رحمه الله تعالى [وكان أحياناً يكنى أبا العلاء] ولد بالأنبار على النصرانية وكانت دينه ودين آبائه [وكانت له حين أسلم ابنه بالغة فأقامت على النصرانية فلما حضرتها الوفاة أوصت لدير تنوخ بالأنبار] ؛ وكان حسان يتكلم ويقرأ ويكتب بالفارسية والسريانية والعربية ولحق الدولتين، فلما قلد أبو العباس السفاح ربيعة الرأي قضاء الأنبار، أتي بكتب مكتوبة بالفارسية فلم يحسن أن يقرأها، [فطلب رجلاً] ثقة ديناً يحسن قراءتها فدل على حسان بن سنان فجيء به فكان يقرأ له الكتب الفارسية، فلما اختبره رضي مذهبه واستكتبه على جميع أمره.
٢٠١ - (١)
أبو سلمة الخلال
أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال الهمداني مولى السبيع وزير أبي العباس السفاح أول خلفاء بني العباس؛ وأبو سلمة أول من وقع عليه اسم الوزير (٢) ، وشهر بالوزارة في دولة بني العباس ولم يكن من قبله يعرف بهذا النعت، لا في دولة بني أمية ولا في غيرها من الدول. وكان السفاح يأنس به، لأنه كان ذا مفاكهة
стр. 668
حسنة وممتعاً في حديثه، أديباً، عالماً بالسياسة والتدبير، وكان ذا يسار ويعالج الصرف بالكوفة، وأنفق أموالاً كثيرة في إقامة دولة بني العباس، وصار إلى خراسان في هذا المعنى، وأبو مسلم الخراساني يومئذ تابع له في هذا الأمر، وكان يدعو إلى بيعة إبراهيم الإمام أخي السفاح، فلما قتله مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية بحران وانقلبت الدعوة إلى السفاح، توهموا من أبي سلمة المذكور أنه مال إلى العلويين، فلما ولي السفاح واستوزره بقي في نفسه منه شيء، فيقال: إن السفاح سير إلى أبي مسلم وهو بخراسان يعرفه بفساد نية أبي سلمة ويحرضه على قتله، ويقال: إن أبا مسلم لم اطلع على ذلك كتب إلى السفاح وعرفه بحاله وحسن له قتله، فلم يفعل، وقال: هذا الرجل بذل ماله في خدمتنا ونصحنا، وقد صدرت منه هذه الزلة، فنحن نغتفرها له.
فلما رأى أبو مسلم امتناعه من ذلك سير جماعة كمنوا له ليلاً، وكانت عادته أن يسمر عند السفاح، فلما خرج من عنده وهو في مدينته بالأنبار ولم يكن معه أحد وثبوا عليه وخبطوه بأسيافهم، وأصبح الناس يقولون: قتلته الخوارج، وكان قتله بعد خلافة السفاح بأربعة أشهر، وولي السفاح الخلافة ليلة الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ولما سمع السفاح بقتله أنشد:
إلى النار فليذهب ومن كان مثله ... على أي شيء فاتنا منه نأسف وذكر في كتاب " أخبار الوزراء " أن قتله كان في رجب سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وكان أبو سلعة يقال له: وزير آل محمد، فلما قتل عمل في ذلك سليمان ابن المهاجر البجلي:
إن المساءة قد تسر وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا
إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا ولم يكن خلالاً، وإنما كان منزله بالكوفة في حارة الخلالين، فكان يجلس
стр. 669
عندهم لقرب داره منهم، فسمي خلالاً (١) .
والهمداني - بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون - وهذه النسبة إلى همدان، وهي قبيلة عظيمة باليمن.
والسبيع: يذكر في حرف العين عند ذكر أبي إسحاق السبيعي إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف أرباب اللغة في اشتقاق الوزارة على قولين: أحدهما أنها من الوزر - بكسر الواو - وهو الحمل، وكأن الوزير قد حمل عن السلطان الثقل، وهذا قول ابن قتيبة، والثاني: أنها من الوزر - بفتح الواو والزاي - وهو الجبل الذي يعتصم به لينجى به من الهلاك، وكذلك الوزير معناه الذي يعتمد عليه الخليفة أو السلطان ويلتجئ إلى رأيه، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج، والله أعلم (٢) .
٢٠٢ - (٣)
حفص بن غياث القاضي
أبو عمرو بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة ابن عامر بن ربيعة بن جشم بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع بن مذحج
стр. 670
النخعي الكوفي؛ سمح عبد الله بن عمر العمري وهشام بن عمرو وإسماعيل بن أبي خالد وأبا إسحاق الشيباني والأعمش وخلقاً سواهم؛ روى عنه ابنه عمر وأبو نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلمة وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعامة الكوفيين. ولي القضاء ببغداد وحدت بها ثم عزل وولي قضاء الكوفة؛ قال حميد بن الربيع: لما جيء بعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث ووكيع ابن الجراح إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ليوليهم القضاء دخلوا عليه، فأما ابن إدريس فقال: السلام عليكم، وطرح نفسه كأنه مفلوج، فقال هارون: خذوا بيد الشيخ، لا فضل في هذا؛ وأما وكيع فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أتصرف بها منذ سنة، ووضع إصبعه على عينه، وعنى إصبعه، فأعفاه؛ وأما حفص بن غياث فقال: لولا غلبة الدين والعيال ما وليت.
وكان حفص المذكور لما قربوا من بغداد طرى خضابه فالتفت ابن إدريس إلى وكيع فقال: أما هذا فقد قبل.
وقال حفص وهو قاض على الشرقية لرجل يسأل عن مسائل القضاء: لعلك تريد أن تكون قاضياً لأن يدخل الرجل إصبعه في عينه فيقلعها فيرمي بها خير له من أن يكون قاضياً.
وكان حفص يقول: لو رأيت أني اسر بما أنا فيه هلكت.
قال عمرو بن حفص بن غياث: لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه، فبكيت عند رأسه فأفاق فقال: ما يبكيك قلت: أبكي لفراقك ولما دخلت فيه من هذا الأمر، يعني القضاء، فقال لابنه: يا بني ما حللت سراويلي على حرام قط ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم بينهما.
وقال الخطيب: كان حفص بن غياث المذكور جالساً في الشرقية للقضاء، فأرسلإليه الخليفة يدعوه، فقال لرسوله: حتى أفرغ من أمر الخصوم، إذ كنت أجيراً لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين؛ ولم يقم حتى تفرق الخصوم.
وقال غنام بن حفص: مرض أبي خمسة عشر يوماً، فدفع إلي مائة درهم وقال: امض بها إلى العامل وقل له هذه رزق خمسة عشر يوماً لم أحكم فيها بين المسلمين لاحظ لي فيها.