أمواله وأخذ خواص حرمه وخرج من رقادة ليلاً، وبعد خروجه بويع إبراهيم بن الأغلب (١) . وكانت مملكة بني الأغلب مائتي سنة واثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً، والشرح في ذلك يطول فاختصرته.
٢٠٠ - (٢)
حسان التنوخي
أبو ليلى حسان بن سنان بن أوفى بن عوف التنوخي وهو جد إسحاق بن البهلول؛ [سمع أنس بن مالك ﵁؛ روى عنه ابن ابنه إسحاق، وقال أبو حاتم محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول: قال جدي إسحاق عن جدي حسان] (٣) قال: خرجت في وفد من أهل الأنبار إلى الحجاج إلى واسط نتظلم إليه من عامله علينا الرقيل، فدخلنا ديوانه فرأيت شيخاً والناس حوله يكتبون عنه، فسألت عنه فقيل لي: أنس بن مالك، فوقفت عليه فقال لي: من أين فقلت: من الأنبار، جئنا إلى الأمير نتظلم إليه، فقال لي: بارك الله فيك، فقلت: حدثني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ يا خادم رسول الله ﷺ ، فقال: سمعته يقول: مر بالمعروف وأنه عن المنكر ما استطعت؛ وأعجلني أصحابي فلم أسمع منه غير هذا الحديث؛ [قال أبو حاتم] وكان إسحاق (٤) يقول: أرجو أن أكون ممن سبقت [فيه] دعوة
стр. 667
رسول الله ﷺ بقوله: طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني. وكان من بركة دعاء أنس لحسان أنه عاش مائة سنة وعشرين سنة، وخرج من أولاده جماعة فقهاء وقضاة ورؤساء وصلحاء [وكتاب وزهاد؛ ولذ حسان سنة ستين من الهجرة] ، وتوفي سنة ١٨٠ رحمه الله تعالى [وكان أحياناً يكنى أبا العلاء] ولد بالأنبار على النصرانية وكانت دينه ودين آبائه [وكانت له حين أسلم ابنه بالغة فأقامت على النصرانية فلما حضرتها الوفاة أوصت لدير تنوخ بالأنبار] ؛ وكان حسان يتكلم ويقرأ ويكتب بالفارسية والسريانية والعربية ولحق الدولتين، فلما قلد أبو العباس السفاح ربيعة الرأي قضاء الأنبار، أتي بكتب مكتوبة بالفارسية فلم يحسن أن يقرأها، [فطلب رجلاً] ثقة ديناً يحسن قراءتها فدل على حسان بن سنان فجيء به فكان يقرأ له الكتب الفارسية، فلما اختبره رضي مذهبه واستكتبه على جميع أمره.
٢٠١ - (١)
أبو سلمة الخلال
أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال الهمداني مولى السبيع وزير أبي العباس السفاح أول خلفاء بني العباس؛ وأبو سلمة أول من وقع عليه اسم الوزير (٢) ، وشهر بالوزارة في دولة بني العباس ولم يكن من قبله يعرف بهذا النعت، لا في دولة بني أمية ولا في غيرها من الدول. وكان السفاح يأنس به، لأنه كان ذا مفاكهة
стр. 668
حسنة وممتعاً في حديثه، أديباً، عالماً بالسياسة والتدبير، وكان ذا يسار ويعالج الصرف بالكوفة، وأنفق أموالاً كثيرة في إقامة دولة بني العباس، وصار إلى خراسان في هذا المعنى، وأبو مسلم الخراساني يومئذ تابع له في هذا الأمر، وكان يدعو إلى بيعة إبراهيم الإمام أخي السفاح، فلما قتله مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية بحران وانقلبت الدعوة إلى السفاح، توهموا من أبي سلمة المذكور أنه مال إلى العلويين، فلما ولي السفاح واستوزره بقي في نفسه منه شيء، فيقال: إن السفاح سير إلى أبي مسلم وهو بخراسان يعرفه بفساد نية أبي سلمة ويحرضه على قتله، ويقال: إن أبا مسلم لم اطلع على ذلك كتب إلى السفاح وعرفه بحاله وحسن له قتله، فلم يفعل، وقال: هذا الرجل بذل ماله في خدمتنا ونصحنا، وقد صدرت منه هذه الزلة، فنحن نغتفرها له.
فلما رأى أبو مسلم امتناعه من ذلك سير جماعة كمنوا له ليلاً، وكانت عادته أن يسمر عند السفاح، فلما خرج من عنده وهو في مدينته بالأنبار ولم يكن معه أحد وثبوا عليه وخبطوه بأسيافهم، وأصبح الناس يقولون: قتلته الخوارج، وكان قتله بعد خلافة السفاح بأربعة أشهر، وولي السفاح الخلافة ليلة الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ولما سمع السفاح بقتله أنشد:
إلى النار فليذهب ومن كان مثله ... على أي شيء فاتنا منه نأسف وذكر في كتاب " أخبار الوزراء " أن قتله كان في رجب سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وكان أبو سلعة يقال له: وزير آل محمد، فلما قتل عمل في ذلك سليمان ابن المهاجر البجلي:
إن المساءة قد تسر وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا
إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا ولم يكن خلالاً، وإنما كان منزله بالكوفة في حارة الخلالين، فكان يجلس
стр. 669
عندهم لقرب داره منهم، فسمي خلالاً (١) .
والهمداني - بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون - وهذه النسبة إلى همدان، وهي قبيلة عظيمة باليمن.
والسبيع: يذكر في حرف العين عند ذكر أبي إسحاق السبيعي إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف أرباب اللغة في اشتقاق الوزارة على قولين: أحدهما أنها من الوزر - بكسر الواو - وهو الحمل، وكأن الوزير قد حمل عن السلطان الثقل، وهذا قول ابن قتيبة، والثاني: أنها من الوزر - بفتح الواو والزاي - وهو الجبل الذي يعتصم به لينجى به من الهلاك، وكذلك الوزير معناه الذي يعتمد عليه الخليفة أو السلطان ويلتجئ إلى رأيه، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج، والله أعلم (٢) .
٢٠٢ - (٣)
حفص بن غياث القاضي
أبو عمرو بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة ابن عامر بن ربيعة بن جشم بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع بن مذحج
стр. 670
النخعي الكوفي؛ سمح عبد الله بن عمر العمري وهشام بن عمرو وإسماعيل بن أبي خالد وأبا إسحاق الشيباني والأعمش وخلقاً سواهم؛ روى عنه ابنه عمر وأبو نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلمة وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعامة الكوفيين. ولي القضاء ببغداد وحدت بها ثم عزل وولي قضاء الكوفة؛ قال حميد بن الربيع: لما جيء بعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث ووكيع ابن الجراح إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ليوليهم القضاء دخلوا عليه، فأما ابن إدريس فقال: السلام عليكم، وطرح نفسه كأنه مفلوج، فقال هارون: خذوا بيد الشيخ، لا فضل في هذا؛ وأما وكيع فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أتصرف بها منذ سنة، ووضع إصبعه على عينه، وعنى إصبعه، فأعفاه؛ وأما حفص بن غياث فقال: لولا غلبة الدين والعيال ما وليت.
وكان حفص المذكور لما قربوا من بغداد طرى خضابه فالتفت ابن إدريس إلى وكيع فقال: أما هذا فقد قبل.
وقال حفص وهو قاض على الشرقية لرجل يسأل عن مسائل القضاء: لعلك تريد أن تكون قاضياً لأن يدخل الرجل إصبعه في عينه فيقلعها فيرمي بها خير له من أن يكون قاضياً.
وكان حفص يقول: لو رأيت أني اسر بما أنا فيه هلكت.
قال عمرو بن حفص بن غياث: لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه، فبكيت عند رأسه فأفاق فقال: ما يبكيك قلت: أبكي لفراقك ولما دخلت فيه من هذا الأمر، يعني القضاء، فقال لابنه: يا بني ما حللت سراويلي على حرام قط ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم بينهما.
وقال الخطيب: كان حفص بن غياث المذكور جالساً في الشرقية للقضاء، فأرسلإليه الخليفة يدعوه، فقال لرسوله: حتى أفرغ من أمر الخصوم، إذ كنت أجيراً لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين؛ ولم يقم حتى تفرق الخصوم.
وقال غنام بن حفص: مرض أبي خمسة عشر يوماً، فدفع إلي مائة درهم وقال: امض بها إلى العامل وقل له هذه رزق خمسة عشر يوماً لم أحكم فيها بين المسلمين لاحظ لي فيها.
стр. 671
وقال: باع رجل من أهل خراسان جمالاً بثلاثين ألف درهم من مرزبان المجوسي وكيل أم جعفر فمطله ثمنها وحبسه عن سفره، وطال ذلك على الرجل، فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره فقال له: اذهب إليه فقل له: أعطني ألف درهم وأحيل عليك ببقية المال وأخرج إلى خراسان، فإذا فعلت هذا فأخبرني حتى أشير عليك؛ ففعل الرجل وأتى مرزبان فأعطاه ألف درهم فرجع إلى الرجل فأخبره فقال: عد إليه فقل له: إذا ركبت غداً فطريقك على القاضي تحضر، وأوكل رجلاً بالقبض على المال واخرج فإذا جلس إلى القاضي فادع عليه بما بقي لك من المال، فإذا أقر حبسه القاضي وأخذت مالك. فرجع إلى مرزبان فسأله فقال: انتظرني بباب القاضي؛ فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل وقال: إن رأيت أن تترك إلي القاضي حتى أوكل بقبض المال وأخرج، فنزل مرزبان إلى حفص المذكور فقال الرجل: أصلح الله القاضي، لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف درهم، فقال حفص: ما تقول يا مجوسي قال: صدق، أصلح الله القاضي، فقال القاضي: ما تقول يا رجل فقد أقر لك، فقال: يعطيني مالي، فأقبل حفص على المجوسي فقال: ما تقول فقال: هذا المال على السيدة، فقال: أنت أحمق تقر ثم تقول على السيدة ما تقول يا رجل قال: أصلح الله القاضي إن أعطاني مالي وإلا حبسته، قال حفص: ما تقول يا مجوسي قال: المال على السيدة، فقال حفص: خذوا بيده إلى الحبس؛ فلما حبس بلغ الخبر أم جعفر فغضبت وبعثت إلى السندي: وجه إلى المرزبان، وكانت القضاة تحبس الغرماء في مجلس الشرط، فأخرجه. وبلغ الخبر حفصاً فقال: أحبس أنا ويخرج السندي لا جلست مجلسي هذا أو يرد مرزبان إلى الحبس، فجاء السندي إلى أم جعفر فقال: الله الله في، إنه حفص ابن غياث وأخاف من أمير المؤمنين أ، يقول لي: بأمر من أخرجته رديه إلى الحبس، وأنا أكلم حفصاً في أمره؛ فرجع مرزبان إلى الحبس فقالت أم جعفر لهارون: قاضيك هذا أحمق، حبس وكيلي واستخف به، فمره لا ينظر في الحكم وتولي أمره أبا يوسف، فأمر لها بالكتاب وبلغ حفصاً الخبر فقال: أحضري شهوداً حتى أسجل لك على المجوسي؛ وجلس حفص وسجل على المجوسي بالمال
стр. 672
وورد كتاب هارون مع خادم فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين، فقال: مكانك؛ نحن في شيء حتى نفرغ منه، فقال: كتاب أمير المؤمنين، فقال: انظر ما يقال لك، فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم فقرأه فقال: اقرأ على أمير المؤمنين السلام وقل له إن كتابه ورد وقد أنفذت الحكم، فقال الخادم: قد عرفت ما صنعت، أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد؛ والله لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت! فقال حفص: قل له ما أحببت، فجاء الخادم فأخبر هارون فضحك وقال للحاجب: مر لحفص بثلاثين ألف درهم، فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصاً منصرفاً من مجلس القضاء فقال: أيها القاضي قد سررت أمير المؤمنين وأمر لك بثلاثين ألف درهم فما السبب فقال: تمم الله سرور أمير المؤمنين وأحسن حفظه وكلاءته ما زدت على ما أفعل كل يوم، سجلت على مرزبان المجوسي بما وجب عليه؛ قال يحيى بن خالد: فمن هذا سر أمير المؤمنين، فقال حفص: الحمد لله كثيراً، فقالت أم جعفر لهارون: لا أنا ولا أنت إلا أن تعزل حفصاً، فأبى عليها، ثم ألحت عليه فعزله عن الشرقية وولاء قضاء الكوفة، فمكث عليها ثلاث عشرة سنة.
وكان أبو يوسف لما ولي حفص القضاء قال لأصحابه: تعالوا نكتب نوادر حفص، فلما وردت أحكامه وقضاياه على أبي يوسف قال له أصحابه: أين النوادر التي زعمت بكتبها قال: ويحكم إن حفصاً أراد الله فوفقه.
وقال حفص: والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة.
ومات ﵀ ولم يخلف درهماً وخلف عليه تسعمائة درهم ديناً.
وكان يقال: ختم القضاء بحفص بن غياث.
وقال الحسين بن المغيرة: رأى بعض الصالحين كأن زورقاً غرق بين الجسرين وفيه عشرون قاضياً، فما نجا منهم إلا ثلاثة على سوءاتهم: حفص بن غياث والقاسم بن معن وشريك.
وقال يحيى بن معين: جميع ما حدث به حفص بن غياث ببغداد والكوفة إنما هو من حفظه، لم يخرج كتاباً؛ كتبوا عنه ثلاثة آلاف وأربعة آلاف حديث من حفظه.
стр. 673
قال عبيد الله بن صالح العجلي: حدثني أبي قال: حفص بن غياث ثقة مأمون فقيه وكان على قضاء الكوفة، وكان وكيع ربما يسأل عن الشيء فيقول: اذهبوا إلى قاضينا فاسألوه، وكان شيخاً عفيفاً مسلماً.
ولد حفص بن غياث سنة سبع عشرة ومائة ومات سنة أربع وتسعين ومائة في العشر من ذي الحجة، وقيل مات سنة ست وتسعين ومائة، رحمه الله تعالى.
٢٠٣ - (١)
الحكم بن عبدل
الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن عقال بن بلال بن سعد بن حبال الأسدي؛ شاعر مجيد مقدم في طبقته هجاء خبيث اللسان من شعراء الدولة الأموية، وكان أعرج أحدب، ومنزله ومنشؤه الكوفة.
حدث العتبي قال: كان الحكم بن عبدل الشاعر الأسدي أعرج لا تفارقه العصا فترك الوقوف بأبواب الملوك، وكان يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع رسوله فلا يحبس له رسول ولا تؤخر له حاجة، فقال في ذلك يحيى بن نوفل:
عصا حكم في الدار أول داخل ... ونحن على الأبواب نقصى ونحجب
وكانت عصا موسى لفرعون آية ... وهذي لعمر الله أدهى وأعجب
تطاع فلا تعصى ويحذر سخطها ... ويرغب في المرضاة منها ويرهب
стр. 674
قال: فشاعت هذه الأبيات وضحك الناس منها، فكان ابن عبدل بعد ذلك يقول ليحيى: يا ابن الزانية ما أردت من عصاي حتى صيرتها ضحكة، واجتنب أن يكتب عليها كما كان يفعل وكاتب الناس بحوائجه في الرقاع.
وكان للحكم بن عبدل صديق أعمى يقال له أبو علية، وكان ابن عبدل قد أقعد، فخرجا ليلة من منزلهما إلى منزل بعض أخوانهما والحكم يحمل وأبو علية يقاد، فلقيهما صاحب العسس بالكوفة فأخذهما فحبسهما، فلما استقرا في الحبس نظر الحكم إلى عصا أبي علية موضوعة إلى جانب عصاه فضحك وأنشأ يقول:
حبسي وحبس أبي علي من أعاجيب الزمان ...
أعمى يقاد ومقعد ... لا الرجل ولا اليدان هذا بلا بصر هناك وبي يخب الحاملان ...
يا من رأى ضب الفلاة ... قرين حوت في مكان طرفي وطرف أبي علي دهرنا متوافقان ...
من يقتحم بجواده ... فجوادنا عكازتان
طرفان لا علفاهما ... بشرى ولا يتصاولان
هبني وإياه الحريق ... أكان يسطع بالدخان وكان اسم أبي علية يحيى، فقال الحكم فيه أيضاً:
أقول ليحيى ليلة السجن سادراً ... ونومي به نوم الأسير المقيد
أعني على رعي النجوم ولحظها ... أعنك على تحبير شعر مقصد
ففي حالتينا عبرة وتفكر ... وأعجب منها حبس أعمى ومقعد
كلانا إذا العكاز فارق كفه ... يخر صريعاً بل على الوجه يسجد
فعكازه يهدي إلى السبل اكمهاً ... وأخرى مقام الرجل قامت مع اليد قال: وولي الشرطة بالكوفة رجل أعرج ثم ولي الإمارة آخر أعرج وخرج ابن عبدل - وكان أعرج - فلقي سائلاً أعرج قد تعرض للأمير يسأله فقال ابن عبدل للسائل:
стр. 675
ألق العصا ودع التحامل (١) والتمس ... عملاً فهذي دولة العرجان
لأميرنا وأمير شرطتنا معاً ... يا قومنا لكليهما رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيره ... وأنا فإن الرابع الشيطان فبلغت أبياته ذلك الأمير فبعث له مائتي درهم وسأله أن يكف عنه.
وقيل: قدم الحكم بن عبدل واسطاً على ابن هبيرة وكان بخيلاً، فأقبل حتى وقف بين يديه فقال:
أتيتك في أمر من آمر عشيرتي ... وأعلى الأمور المفظعات جسيمها
فإن قلت لي في حاجتي أنا فاعل ... فقد ثلجت نفسي وولت همومها قال: أنا فاعل إن اقتصدت فما حاجتك قال: غرم لزمنا، قال: كم هو قال: أربعة آلاف درهم، قال: نحن مناصفوها، قال: أصلح الله الأمير، أتخاف علي التخمة إن أممتها قال: أكره أن أعود الناس هذه العادة، قال: فأعطني جميعها سراً وامنعني جميعها ظاهراً حتى تعود الناس المنع وإلا فالضرر واقع عليك إن عودتهم نصف ما يطلبون، فضحك ابن هبيرة وقال: ما عندنا غير ما بذلناه لك، فجثا بين يديه، وقال: امرأتي طالق إن أخذت أقل من أربعة آلاف درهم أو انصرفت وأنا غضبان، فقال: اعطوه إياها قبحه الله فإنه ما علمت حلاف مهين، فأخذها وانصرف.
وقيل لما وقع الطاعون بالكوفة ومات منهم بنو زر بن حبيش العامري صاحب علي بن أبي طالب ﵁ وكانوا ظرفاء وبنو عم لهم، فقال الحكم بن عبدل الغاضري يرثيهم:
أبعد بني زر وبعد ابن جندل ... وعمرو أرجي لذة العيش في خفض
مضوا وبقينا نأمل العيش بعدهم ... ألا إن من يبقى على إثر من يمضي حدث الأصمعي قال: كانت امرأة موسرة بالكوفة وكانت لها على الناس
стр. 676
ديون، فاستعانت بابن عبدل في دينها، وقالت: إني امرأة ليس لي زوج، وجعلت تعرض بأنها تزوجه نفسها، فقام ابن عبد في دينها حتى استوفته فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه:
سيخطبك الذي حاولت مني ... فقطع حبل وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعد ذلك رأس مال وكان ابن عبدل أتى ابن بشر بالكوفة فسأله فقال: أخمسمائة أحب إليك العام أم ألف في قابل فقال: ألف في قابل، فلما أتاه قال: ألف أحب إليك أم ألفان في قابل قال: فلم يزل ذلك دابه حتى مات ابن بشر وما أعطاه شيئاً.
قال: ودخل ابن عبدل على عبد الملك بن مروان بن بشر فقال: ما أحدثت بعدي قال: خطبت امرأة من قومي فردت علي جواب رسالتي بيتي شعر، ما أجود ما ذكرت بنفسك، وأمر له بألفي درهم.
ومثل هذا قال عبد الملك بن مروان لرجل: ما مالك قال: ما أكف به وجهي وأعود منه على صديقي، قال لقد لطفت في المسألة، وأمر له بمال.
وقريب من هذا قال قيس بن سعد لعجوز: كيف حالك قالت: ما في بيتي جرذ، فقال: ما ألطف ما سألت! لأملأن بيتك جرذاناً، وأمر لها بمال.
وشخص الحكم بن عبدل مع عمر بن هبيرة إلى واسط فشكا إليه الضيقة فوهب له جارية من جواريه فواثبها ليلة صارت إليه فنكحها تسعة أو عشرة طلقاً واحداً، فلما أصبحت قالت له: جعلت فداك من أي الناس أنت قال: امرؤ من أهل الشام، قالت: بهذا العمل غلبتم أهل العراق في حربكم.
стр. 677
٢٠٤ - (١)
حماد بن أبي حنيفة
أبو إسماعيل حماد ابن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت؛ كان على مذهب أبيه، رضي الله تعالى عنه، وكان من الصلاح والخير على قدم عظيم، ولما توفي أبوه كانت عنده ودائع كثيرة من ذهب وفضة وغير ذلك وأربابها غائبون وفيهم أيتام، فحملها ابنه حماد المذكور إلى القاضي ليتسلمها منه، فقال له القاضي: ما نقبلها منك ولا نخرجها عن يدك فإنك أهل لها وموضعها، فقال حما للقاضي: زنها واقبضها حتى تبرأ منها ذمة أبي حنيفة، ثم افعل ما بدا لك، ففعل القاضي ذلك وبقي في وزنها أياماً، فلما كمل وزنها استتر حماد فلم يظهر حتى دفعها إلى غيره.
(٣٠) وكان ابنه إسماعيل (٢) قاضي البصرة وعزل عنها بالقاضي يحيى بن أكثم ورأيت في كتاب " أخبار أبي حنيفة " أن القاضي يحيى بن أكثم لما وصل إلى البصرة وعزم إسماعيل بن حماد على السفر شيعه القاضي يحيى بن أكثر فكان الناس يدعون لإسماعيل ويقولون له: عففت عن أموالنا ودمائنا، فيقول إسماعيل: وعن أبنائكم، وكان يعرض بما يتهم به القاضي يحيى بن أكثم. وقال إسماعيل المذكور: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان سمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحد البغلين فقتله، فأخبر جدي أبو حنيفة به، فقال: انظروا فإني إخال أن البغل الذي سماه عمر هو الذي رمحه، فنظروا، فكان كما قال.
وكانت وفاة حماد المذكور في ذي القعدة سنة ست وسبعين ومائة، رحمه الله تعالى، وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى.
стр. 678
(١) ٢٠٥
حماد الراوية
أبو القاسم حماد بن أبي ليلى سابور - وقيل ميسرة - بن المبارك بن عبيد الديلمي الكوفي مولى بني بكر بن وائل المعروف بالراوية، وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " وفي كتاب " طبقات الشعراء " (٢) : إنه مولى مكنف بن زيد الخيل الطائي الصحابي ﵁؛ كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها، وهو الذي جمع السبع الطوال فيما ذكره أبو جعفر النحاس، وكانت ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره، فيفد عليهم وينال منهم ويسألونه عن أيام العرب وعلومها.
وقال له الوليد بن يزيد الأموي يوماً (٣) وقد حضر مجلسه: بم استحققت هذا الاسم فقيل لك الراوية فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعترف أنك لا تعرفه ولا سمعت به، ثم لا ينشدني أحد شعراً قديماً ومحدثاً إلا ميزت القديم من المحدث، فقال له: فكم مقدار ما تحفظ من الشعر فقال: كثير، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعراء الجاهلية دون شعراء الإسلام، قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد، فأنشد حتى ضجر الوليد، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهلية، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم.
стр. 679
[قال الطرماح: أنشدت حماداً الراوية قصيدة لي ستين بيتاً فسكت ساعة ثم قال: أهذه لك قلت: نعم، قال: ليس الأمر كذلك، ثم ردها علي كلها وزيادة عشرين بيتاً زادها في وقته.
دخل مطيع بن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية فإذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين، فقال له يحيى: يا حماد، إنك لمترف متبذل بحر المتاع، وقال له مطيع: ألا تبيع هذه المنارة وتشتري بأقل ثمناً منها منارة تزيل بها عذرك وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتسع وقال له يحيى: ما أحسن ظنك به! ومن أين له هذه المنارة هذه وديعة أو عارية، وقال مطيع: إنه لعظيم الأمانة عند الناس، قال يحيى: وعلى عظم أمانته فما أجهل من يخرج هذه من داره ويأمن عليها غيره، قال مطيع: ما أظنها عارية ولا وديعة ولكني أظنها مرهونة عنده على مال وإلا فمن يخرج هذه من بيته فقال حماد: يرهنها من يدخلكما على بيته ليلقى عليها من أنواع المداعبة، وهل عند أحد من المال ما يرهن] (١) .
وذكر أبو محمد الحريري صاحب كتاب " المقامات " في كتابه " درة الغواص " ما مثاله (٢) : قال حماد الراوية: كان انقطاعي (٣) إلى يزيد بن عبد الملك بن مروان في خلافته، وكان أخوه هشام يجفوني لذلك، فلما مات يزيد وتولى هشام خفته ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا إلى من أثق إليه من إخواني سراً، فلما أسمع أحداً ذكرني في السنة أمنت، فخرجت أصلي الجمعة، وصليت في جامع الرصافة الجمعة، فإذا شرطيان قد وقفا علي وقالا: يا حماد، أجب الأمير يوسف بن عمر الثقفي - وكان والياً على العراق - فقلت في نفسي: من هذا كنت أخاف، ثم قلت لهما: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبداً ثم أصير معكما فقالا:
стр. 680
ما إلى ذلك سبيل، فاستسلمت في أيديهما، ثم صرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه فرد علي السلام ورمى إلي كتاباً فيه " بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر؛ أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فابعت إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير ترويع (١) ، وادفع له خمسمائة دينار وجملاً مهرياً يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق ". فأخذت الدنانير، ونظرت فإذا جمل هرحول، فركبته وسرت حتى وافيت دمشق في اثنتي عشرة ليلة، فنزلت على باب هشام واستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام وبين كل رخامتين قضيب ذهب وهشام جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب حمر من الخز وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت عليه، فرد علي السلام واستدناني فدنوت حتى قبلت رجله، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أذن كل جارية حلقتان فيهما لؤلؤتان تتقدان، فقال: كيف أنت يا حماد وكيف حالك فقلت: بخير يا أمير المؤمنين، فقال: أتدري فيم بعثت إليك قلت: لا، قال: بعثت بسبب بيت خطر ببالي لا أعرف قائله، قلت: وما هو قال:
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق فقلت: يقوله عدي بن زيد العبادي في قصيدة، قال: أنشدنيها، فأنشدته:
بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي اما تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد الل ... هـ والقلب عندكم موهوق
لست أدري إذا أكثروا العذل فيه ... أعدو يلومني، أم صديق (٢) قال حماد: فانتهيت فيها إلى قوله:
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
стр. 681
قدمته على عقار كعين ال ... ديك صفى سلافها الراووق
مزة قبل مزجها فإذا ما ... مزجت لذ طعمها من يذوق
وطفا فوقها فقاقيع كاليا ... قوت حمر يزينها التصفيق
ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا صرى آجن ولا مطروق قال: فطرب هشام، ثم قال: أحسنت يا حماد - وفي هذه الحكاية زيادة فإنه قال: اسقيه يا جارية، فسقتني، وهذا ليس بصحيح، فإن هشاماً لم يكن يشرب، فلا حاجة إلى ذكر تلك الزيادة - ثم قال: يا حماد، سل حاجتك، فقلت: كائنة ما كانت قال: نعم، قلت: إحدى الجاريتين، قال: هما جميعاً لك بما عليهما وما لهما، وأنزله في داره، ثم نقله من غد إلى منزل أعده له، فوجد فيه الجاريتين وما لهما وكل ما يحتاج إليه، وأقام عنده مدة، ووصله بمائة ألف درهم. [قال حماد: فسرت وأنا أيسر خلق الله إلى الكوفة فقلت:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
تروم شحاً فتمسي البيض [ ... ] ... وتستهل فتبكي أعين المال] (١) قلت: هكذا ساق الحريري هذه الحكاية، وما يمكن أن تكون هذه الواقعة مع يوسف بن عمر الثقفي لأنه لم يكن والياً بالعراق في التاريخ المذكور بل كان متوليه خالد بن الله القسري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - حسبما يقتضيه تاريخ ولايته وانفصاله وولاية يوسف بن عمر في ترجمته أيضاً.
وأخبار حماد ونوادره كثيرة.
وكانت وفاته سنة خمس وخمسين ومائة، ومولده في سنة خمس وتسعين للهجرة. وقيل إنه توفي في خلافة المهدي، وتولى المهدي الخلافة يوم السبت لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي ليلة الخميس لسبع بقين من المحرم
стр. 682
سنة تسع وستين ومائة بقربة يقال لها الرذ (١) ، من أعمال ما سبذان، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة:
وأكرم قبر بعد محمد ... نبي الهدى قبر بما سبذان
عجبت لأيد هالك الترب فوقه ... ضحى كيف لم ترجع بغير بنان ولما مات حماد الراوية رثاه أبو يحيى محمد بن كناسة، وهو لقبه، واسمه عبد الأعلى بن عبد الله بن خليفة بن نضلة بن أنيف بن مازن بن ذويبة بن أسامة ابن نصر بن قعين، يقوله:
لو كان ينجى من الردى حذر ... نجاك مما أصابك الحذر
يرحمك الله من أخي ثقة ... لم يك في صفو وده كدر
فهكذا يفسد الزمان ويف ... نى العلم فيه ويدرس الأثر وكان حماد المذكور قليل البضاعة من العربية، قيل إنه حفظ القرآن الكريم من المصحف، فصحف في نيف وثلاثين حرفاً، رحمه الله تعالى.
٢٠٦ - (٢)
حماد عجرد
أبو عمرو - وقيل أبو يحيى - حماد بن عمر بن يونس بن كليب الكوفي - وقيل الواسطي - مولى بني سوأة بن عامر بن صعصعة المعروف بعجرد
стр. 683
الشاعر المشهور؛ هو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، ولم يشتهر إلا في العباسية، ونادم الوليد بن يزيد الأموي، وقدم بغداد في أيام المهدي، وقال علي بن الجعد: قدم علينا في أيام المهدي هؤلاء القوم: حماد عجرد ومطيع بن إياس الكناني ويحيى بن زياد، فنزلوا بالقرب منا فكانوا لا يطاقون خبثاً ومجانة.
وهو من الشعراء المجيدين، وبينه وبين بشار بن برد أهاج فاحشة، وله في بشار كل معنى غريب، ولولا فحشها لذكرت شيئاً منها، وكان بشار يضج منه، وقال بشار في حماد (١) :
إذا جئته في الحي أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تبلغ العلا ... وفي كل معروف عليك يمين وفيه يقول بشار أيضاً (٢) :
نعم الفتى لو كان يعبد ربه ... ويقيم وقت صلاته حماد
وابيض من شرب المدامة وجهه ... وبياضه يوم الحساب (٣) سواد وكان يبري النبل، وقيل إن أباه كان يبري النبل (٤) ، وإنه هو لم يتعاط شيئاً من الصنائع. وكان ماجناً ظريفاً خليعاً متهماً في دينه بالزندقة؛ يحكى أنه كانت بينه وبين أحد الأثمة الكبار - وما يليق التصريح بذكر اسمه (٥) - مودة، ثم تقاطعا، بلغه عنه أنه يتنقصه، فكتب إليه:
إن كان نسكك لا يتم ... بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقسم بي كيف شئ ... ت مع الأداني والأقاصي
стр. 684
فلطالما زكيتني ... وأنا المصر (١) على المعاصي
أيام نأخذها ونعط ... ي في أباريق الرصاص ومن شعره أيضاً:
فأقسمت لو أصبحت في قبضة الهوى ... لأقصرت عن لومي وأطنبت في عذري
ولكن بلائي منك أنك ناصح ... وأنك لا تدري بأنك لا تدري [وذكر ابن قتيبة في كتاب " طبقات الشعراء " قال (٢) : كان في الكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان النحوي، وكانوا يتعاشرون وكانوا كلهم يرمون بالزندقة.
وقيل إن حماد عجرد أهدى إلى مطيع بن إياس غلاماً وكتب معه: قد أهديت إليك من يتعلم عليه كظم الغيظ.
ولما أقعد حماد عجرد لتأديب ولد الأمين قال بشار بن برد:
قل للأمين جزاك الله صالحة ... لا تجمع الدهر بين السخل والذيب
فالسخل يعلم أن الذئب آكله ... والذئب يعلم ما في السخل من طيب وقال أيضاً:
يا أبا الفضل لا تنم ... وقع الذئب في الغنم
إن حماد عجرد ... شيخ سوء قد اغتلم
بين فخذيه حربة ... في غلاف من الأدم
إن رأى ثم غفلة ... مجج الميم في القلم فشاعت الأبيات، فأمر الأمين أن يخرج حماد.
стр. 685
ومن شعر حماد عجرد:
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
بث النوال ولا يمنعك قلته ... فكل ما سد فقراً فهو محمود] (١) وأشعاره وأخباره مشهورة.
وتوفي في سنة إحدى وستين ومائة، رحمه الله تعالى. وقيل: كان من أهل واسط، وقتله محمد بن سليمان بن علي عامل البصرة بظاهر الكوفة على الزندقة في سنة خمس وخمسين ومائة، وقيل: خرج من الأهواز يريد البصرة، فمات في طريقه، فدفن على تل هناك، وقيل: مات سنة ثمان وستين ومائة.
ولما قتل المهدي بشار بن برد المقدم ذكره بالبطيحة، حمل ودفن على حماد عجرد، فمر على قبريهما أبو هشام الباهلي، فكتب عليهما (٢) :
قد اتبع الأعمى قفا عجرد ... فأصبحا جارين في دار
صارا جميعاً في يدي مالك ... في النار، والكافر في النار
قالت بقاع الأرض لا مرحباً ... بقرب حماد وبشار وعجرد - بفتح العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء وبعدها دال مهملة - وهو لقب عليه، وإنما قيل له ذلك لأنه مر به أعرابي وهو غلام يلعب مع الصبيان في يوم شديد البرد وهو عريان، فقال له: لقد تعجردت يا غلام، والمتعجرد: المتعري.
والمخضرم - بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء وبعدها ميم - أصل هذه اللفظة أن تطلق على الشاعر الذي أدرك الجاهلية
стр. 686
والإسلام مثل لبيد والنابغة الجعدي وغيرهما، ثم توسع فيها حتى صارت تطلق على من أدرك دولتين، وسمع في ذلك أيضاً محضرم بالحاء المهملة وسمع بكسر الراء أيضاً.
٢٠٧ - (١)
أبو سليمان الخطابي
أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي؛ كان فقيهاً أديباً محدثاً له التصانيف البديعة منها " غريب الحديث " و " معالم السنن في شرح سنن أبي داود " و " أعلام السنن في شرح البخاري " وكتاب " الشحاح " (٢) وكتاب " شأن الدعاء " وكتاب " إصلاح غلط المحدثين " وغير ذلك.
سمع بالعراق أبا علي الصفار وأبا جعفر الرزاز وغيرهما، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله ابن البيع النيسابوري وعبد الغفار بن محمد الفارسي وأبو القاسم عبد الوهاب بن أبي سهل الخطابي وغيرهم، وذكره صاحب " يتيمة الدهر "، وأنشد له (٣) :
وما غمة (٤) الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل
стр. 687
وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي وأنشد له أيضاً:
شر السباع العوادي دونه وزر ... والناس شرهم ما دونه وزر
كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع ... وما ترى بشراً لم يؤذه بشر وأنشد له أيضاً:
فسامح ولا تستوف حقك كله ... وأبق فلم يستقص قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم وذكر له أشياء غير ذلك. وكان يشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علماً وأدباً وزهداً وورعاً وتدريساً وتأليفاً. وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلثمائة بمدينة بست، رحمه الله تعالى.
والخطابي - بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وبعد الألف باء موحدة - وهذه النسبة إلى جده الخطاب المذكور، وقيل إنه من ذرية زيد بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فنسب إليه، والله أعلم.
والبستي - بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها تاء مثناة من فوقها - هذه النسبة إلى بست، وهي مدينة من بلاد كابل بين هراة وغزنة كثيرة الأشجار والأنهار.
وقد سمع في اسم أبي سليمان حمد المذكور أحمد أيضاً - بإثبات الهمزة - والصحيح الأول؛ قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن البيع: سألت أبا القاسم المظفر ابن طاهر بن محمد البستي الفقيه عن اسم أبي سليمان الخطابي أحمد أو حمد فإن بعض الناس يقول أحمد، فقال: سمعته يقول: اسمي الذي سميت به حمد، ولكن الناس كتبوا أحمد، فتركته عليه (١) . وقال أبو القاسم المذكور: أنشدنا أبو سليمان لنفسه:
стр. 688
ما دمت حياً فدار الناس كلهم ... فإنما أنت في دار المداراة
من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى ... عما قليل نديماً للندامات ٢٠٨ (١)
حمزة الزيات
أبو عمار حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي المعروف بالزيات، مولى آل عكرمة بن ربعي التيمي؛ كان أحد القراء السبعة، وعنه أخذ أبو الحسن الكسائي القراءة، وأخذ هو عن الأعمش، وإنما قيل له " الزيات " لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة، فعرف به.
وتوفي سنة ست وخمسين ومائة بحلوان وله ست وسبعون سنة، رحمه الله تعالى.
وحلوان - بضم الحاء المهملة وسكون اللام وفتح الواو وبعد الألف نون - وهي مدينة في أواخر سواد العراق مما يلي بلاد الجبل.
وربعي: بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء.
стр. 689
(١) ٢٠٩
حنين بن إسحاق
أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي الطبيب المشهور؛ كان إمام وقته في صناعة الطب، وكان يعرف لغة اليونانيين (٢) معرفة تامة وهو الذي عرب كتاب أقليدس ونقله من لغة اليونان إلى اللغة العربية، وجاء ثابت بن قرة المقدم ذكره فنقحه وهذبه، وكذلك كتاب المجسطي، وأكثر كتب الحكماء والأطباء فإنها كانت كلها بلغة اليونان فعربت، وكان حنين المذكور أشد الجماعة اعتناء بتعريبها، وعرب غيره أيضاً بعض الكتب، ولولا ذلك التعريف لما انتفع أحد بتلك الكتب لعدم المعرفة بلسان اليونان، لا جرم كل كتاب لم يعربوه باق على حاله ولا ينتفع به إلا من عرف تلك اللغة. وكان المأمون مغرماً بتعريبها وتحريرها وإصلاحها، ومن قبله جعفر البرمكي وجماعة من أهل بيته أيضاً اعتنوا بها، لكن عناية المأمون كانت أتم وأوفر. ولحنين المذكور في الطب مصنفات مفيدة كثيرة - وقد تقدم ذكر ولده إسحاق في حرف الهمزة -؛ ورأيت في كتاب " أخبار الأطباء " أن حنيناً المذكور كان في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام فيصب عليه الماء، ويخرج فيلتف في قطيفة، ويشرب قدح شراب ويأكل كعكة، ويتكئ حتى ينشف عرقه، وربما نام، ثم يقوم ويتبخر ويقدم له طعامه وهو فروج كبير مسمن قد طبخ زيرباجاً ورغيف وزنه مائتا درهم فيحسو من المرقة ويأكل الفروج والخبز وينام، فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شراباً عتيقاً، فإذا اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي (٣) والسفرجل،
стр. 690
وكان ذلك دأبه إلى أن مات يوم الثلاثاء (١) لست خلون من صفر سنة ستين ومائتين.
وقد سبق في ترجمة ولده نسبة العبادي إلى أي شيء هي.
واليونانيون كانوا حكماء متقدمين على الإسلام، وهم من أولاد (٢) يونان بن يافث ابن نوح ﵇، وهو بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبين النونين ألف.
٢١٠ - (٣)
ابن حيان صاحب المقتبس
أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن حيان بن محمد بن حيان بن وهب بن حيان مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان؛ هو من أهل قرطبة، وله كتاب " المقتبس في تاريخ الأندلس " في عشر مجلدات، وكتاب " المتين " (٤) في تاريخها أيضاً في ستين مجلداً.
ذكره أبو علي الغساني فقال: كان عالي السن (٥) قوي المعرفة متبحراً في الآداب بارعاً فيها، صاحب لواء التاريخ بالأندلس، أفصح الناس فيه وأحسنهم نظماً له، لزم الشيخ أبا عمرو ابن أبي الحباب النحوي صاحب أبي علي القالي وأبا العلاء صاعد بن الحسن الربعي البغدادي، وأخذ عنه كتابه المسمى
стр. 691
ب " الفصوص " وسمع الحديث. وسمعته يقول: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة (١) ، والتعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة.
وتوفي يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وستين وأربعمائة ودفن من يومه بعد العصر بمقبرة الربض. ومولده سنة سبع وسبعين وثلثمائة.
ووصفه الغساني بالصدق فيما حكاه في تاريخه. وأخبر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عون قال: كان ابن حيان فصيحاً في كلامه، بليغاً فيما يكتبه (٢) بيده، وكان لا يتعمد كذباً فيما يحكيه في تاريخه من القصص والأخبار، قال: ورأيته في النوم بعد وفاته مقبلاً إلي، فقمت إليه وسلم علي وتبسم في سلامه، فقلت له: ما فعل الله بك فقال: غفر لي، فقلت له: فالتاريخ الذي صنفت ندمت عليه قال: أما والله لقد ندمت عليه، إلا أن الله بلطفه عفا عني وغفر لي.
وذكره أبو عبد الله الحميدي في " جذوة المقتبس " وابن بشكوال في " الصلة " رحمهم الله تعالى أجمعين.
стр. 692
فراغ
стр. 693
حَرف الخَاء
стр. 694
فراغ
стр. 695
٢١١ - (١)
خارجة بن زيد
أبو زيد خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري أحد الفقهاء السبعة بالمدينة؛ - وقد تقدم ذكر أبي بكر ابن عبد الرحمن في حرف الباء، وذكرت في ترجمته البيتين الجامعين لأسماء الفقهاء السبعة - وكان خارجة المذكور تابعياً جليل القدر، أدرك زمان عثمان بن عفان، ﵁، وأبوه (٢) زيد بن ثابت ﵁ من أكابر الصحابة. وفي حقه قال رسول الله ﷺ : " أفرضكم زيد ".
توفي خارجة سنة تسع وتسعين للهجرة، وقيل سنة مائة، ﵁، بالمدينة.
وذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي في " الطبقات " (٣) أن خارجة قال: رأيت في المنام كأني بنيت سبعين درجة، فلما فرغت منها تدهورت (٤) ، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها؛ قال: فمات فيها. وروى عنه الزهري، رحمهما الله تعالى.
стр. 696
٢١٢ - (١)
خالد بن يزيد بن معاوية
أبو هاشم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي؛ كان من أعلم قريش (٢) بفنون العلم، وله كلام في صناعة (٣) الكيمياء والطب، وكان بصيراً بهذين العلمين متقناً لهما، وله رسائل دالة على معرفته وبراعته، وأخذ الصناعة عن رجل من الرهبان يقال له مريانس الراهب (٤) الرومي، وله فيها ثلاث رسائل تضمنت إحداهن ما جرى له مع مريانس الراهب المذكور، وصورة تعلمه منه، والرموز التي أشار إليها، وله فيها أشعار كثيرة مطولات ومقاطيع دالة (٥) على حسن تصرفه وسعة علمه. وله شعر جيد فمنه:
تجول خلاخيل النساء، ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجول ولا قلبا
[فلا تكثروا فيها الملام فإنني ... تخيرتها منهم زبيرية قلبا] (٦)
стр. 697
أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا (١) وهي طويلة، ولها قصة مع عبد الملك بن مروان أضربنا عن ذكرها لشهرتها.
وكان له أخر يسمى عبد الله، فجاءه يوماً وقال: إن الوليد بن عبد الملك يعبث بي ويحتقرني، فدخل خالد على عبد الملك والوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، الوليد ابن أمير المؤمنين قد احتقر ابن عمه عبد الله واستصغره، وعبد الملك مطرق فرفع رأسه وقال: " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " النمل. فقال خالد:: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً " الاسراء: " قال: عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني والله لقد دخل علي فما أقام لسانه لحناً، فقال خالد: أفعلى الوليد تعول فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان، فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد، فقال له الوليد: اسكت يا خالد، فو الله ما تعد في العير ولا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين، ثم أقبل على الوليد فقال: ويحك! ومن العير والنفير غيري جدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت: غنيمات وحبيلات والطائف ورحم الله عثمان، لقلنا صدقت.
وهذا الموضع يحتاج إلى تفسير، فقوله " العير " فهي عير قريش التي أقبل بها أبو سفيان من الشام، فخرج إليها رسول الله ﷺ والصحابة ليغنموها، فبلغ الخبر أهل مكة فخرجوا ليدفعوا عن العير، وكان مقدم القوم
стр. 698
عتبة (١) بن ربيعة، فلما وصلوا إلى المسلمين كانت وقعة بدر، وكل واحد من أبي سفيان وعتبة جد خالد المذكور، أما أبو سفيان فمن جهة أبيه، وأما عتبة فلأن ابنته هند أم معاوية جد خالد.
وقوله " غنيمات وحبيلات - إلى آخر كلامه " فإنه أشار إلى أن رسول الله ﷺ لما نفى الحكم بن أبي العاص وكان جد عبد الملك المذكور إلى الطائف كان يرعى الغنم ويأوي إلى حبيلة وهي الكرمة، ولم يزل كذلك حتى ولي عثمان بن عفان ﵁ الخلافة فرده، وكان الحكم عمه، ويقال: إن عثمان ﵁ كان قد أذن له رسول الله ﷺ في رده متى أفضى الأمر إليه.
وأخبار خالد كثيرة، وفي هذا القدر منها كفاية. وكانت وفاته سنة خمس وثمانين للهجرة، رحمه الله تعالى.
٢١٣ - (٢)
خالد بن عبد الله القسري
أبو يزيد وأبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز البجلي ثم القسري؛ ذكره هشام بن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب "، فقال: هو خالد بن عبد الله بن يزيد بن كرز بن عامر بن عبد الله بن عبد شمس ابن غمغمة بن جرير بن شق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن أفصى بن نذير بن قسر، وهو مالك، بن عبقر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن
стр. 699
الغوث بن نبث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان (١) ، قال ابن ماكولا: يقال القسري والقصري.
كان أمير العراقين من جهة هشام بن عبد الملك الأموي، ولي مكة سنة تسع وثمانين للهجرة، وأمه نصراينه، وكان لجده يزيد صحبة مع رسول الله ﷺ ، وكان خالد معدوداً من جملة (٢) خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة (٣) ، وكان جواداً كثير العطاء، دخل عليه شاعر يوم جلوسه للشعراء وقد مدحه ببيتين، فلما رأى اتساع الشعراء في القول استصغر ما قال، فسكت حتى انصرفوا، فقال له خالد: ما حاجتك فقال: مدحت الأمير ببيتين، فلما سمعت قول الشعراء احتقرت بيتي، فقال: ما هما فأنشده (٤) :
تبرعت لي بالجود حتى نعشتني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
فأنت الندى وابن الندى وأبو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب فقال: ما حاجتك فقال: علي دين، فأمر بقضائه وأعطاه مثله.
[وحكى عبد الملك بن قريب الأصمعي قال: دخل أعرابي على خالد القسري فقال: قد امتدحتك ببيتين ولست أنشدكما إلا بعشرة آلاف درهم وخادم، قال: قل، فأنشأ يقول:
لزمت " نعم " حتى كأنك لم تكن ... سمعت من الأشياء شيئاً سوى نعم
وأنكرت " لا " حتى كأنك لم تكن ... سمعت بها في سالف الدهر والأمم فقال: أعطه يا غلام عشرة آلاف درهم وخادماً، فتسلمها؛ ودخل عليه
стр. 700
أعرابي فقال: قد قلت شعراً، وأنشأ يقول:
أخالد إني لم أزرك لحاجة ... سوى أنني عاف وأنت جواد
أخالد إن الأجر والحمد حاجتي ... فأيهما تأتي وأنت عماد فقال له خالد: سل يا أعرابي؛ قال، وجعلت المسألة إلي أصلح الله الأمير قال: نعم، قال: مائة ألف درهم، قال: أكثرت يا أعرابي، قال: فأحطك قال: نعم، قال: قد حططتك تسعين ألفاً، قال له خالد: يا أعرابي لا أدري من أي أمريك أعجب، فقال: أصلح الله الأمير، أنت جعلت المسألة إلي فسألتك على قدرك وما تستحقه في نفسك، فلما سألتني أن أحط حططت على قدري وما استأهله في نفسي، فقال له خالد: والله يا أعرابي لا تغلبني؛ يا غلام أعطه مائة ألف درهم، فدفعها إليه] (١) .
وكتب إليه هشام بن عبد الملك: " بلغني أن رجلاً قام إليك فقال: إن الله جواد وأنت جواد، وإن الله كريم وأنت كريم، حتى عد عشر خصال، ووالله لئن لم تخرج من هذا لأستحلن دمك "؛ فكتب إليه خالد: " نعم يا أمير المؤمنين قام إلي فلان فقال: الله كريم يحب الكريم، فأنا أحبك لحب الله إياك، ولكن أشد من هذا مقام ابن شقي البجلي إلى أمير المؤمنين فقال: خليفتك أحب إليك أم رسولك فقلت: بل خليفتي، فقال: أنت خليفة الله ومحمد رسول الله " والله لقتل رجل من بجيلة أهون على الخاصة والعامة من كفر أمير المؤمنين، هكذا ذكره الطبري في تاريخه.
وكان خالد يتهم في دينه (٢) ، وبنى لأمه كنيسة تتعبد فيها، وفي ذلك يقول الفرزدق يهجوه:
ألا قبح الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد
стр. 701
وكيف يؤم الناس من كانت أمه (١) ... تدين بأن الله ليس بواحد
بنى بيعة فيها الصليب لأمه ... ويهدم من بغض منار المساجد ثم إن هشاماً عزل خالداً عن العراقين في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة، وذكر الطبري في تاريخه أن هشام بن عبد الملك عزل عمر بن هبيرة عن العراق وولاه خالداً في شوال سنة خمس ومائة، ثم عزله وولى يوسف بن عمر الثقفي - وهو ابن عم الحجاج - وكان سبب عزل خالد (٢) أن امرأة أتته فقالت: أصلح الله الأمير! إني امرأة مسلمة، وإن عاملك فلاناً المجوسي وثب علي فأكرهني على الفجور وغصبني نفسي، فقال لها: كيف وجدت قلفته فكتب بذلك حسان النبطي إلى هشام، وعند هشام يومئذ رسول يوسف بن عمر، وقد كان يوسف وجهه إليه من اليمن في بعض حاجته فاحتبسه (٣) هشام عنده يوماً، حتى إذا جنه الليل دعا به فكتب معه إلى يوسف بولاية العراق ومحاسبة خالد وعماله، وأمره أن يستخلف ابنه الصلت على اليمن، فخرج يوسف في نفر يسير، فسار من صنعاء إلى الكوفة على الرحال في سبع عشرة مرحلة حتى قدم الكوفة سحراً، ثم اخذ خالداً وعماله وحبسه وحاسبه وعذبه، ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد، قيل: إنه وضع قدميه بين خشبتين وعصرهما حتى انقصفا، ثم رفع الخشبتين إلى ساقيه وعصرهما حتى انقصفا، ثم إلى وركيه، ثم إلى صلبه، فلما انقصف صلبه مات وهو في ذلك كله لا يتأوه ولا ينطق، وكان ذلك في المحرم سنة ست وعشرين، وقيل في ذي القعدة سنة خمس وعشرين ومائة بالحيرة، ودفن في ناحية منها ليلاً، رحمه الله تعالى.
والحيرة بينها وبين الكوفة فرسخ، كانت منزل آل النعمان بن المنذر ملوك العرب.
стр. 702
ولما كان خالد في سجن يوسف مدحه أبو الشغب العبسي بهذه الأبيات، وهي في " كتاب الحماسة " (١) :
ألا إن خير الناس حياً وميتاً ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل
لعمري لئن عمرتهم السجن خالداً ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
لقد كان نهاضاً بكل ملمة ... ومعطي اللها غمراً كثير النوافل
وقد كان يبني المكرمات لقومه ... ويعطي اللها في كل حق وباطل
فإن تسجنوا القسري لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل وكان يوسف جعل على خالد في كل يوم حمل مال معلوم، إن لم يقم به في يومه عذبه، فلما مدحه أبو الشغب بهذه الأبيات وأوصلها إليه كان قد حصل في قسط يومه سبعين ألف درهم، فأنفذها له، وقال: اعذرني فقد ترى ما أنا فيه، فردها أبو الشغب وقال: لم أمدحك لمال وأنت على هذه الحال، ولكن لمعروفك وإفضالك، فأنفذها إليه ثانياً وأقسم عليه ليأخذنها فأخذها، وبلغ ذلك يوسف فدعاه وقال: ما حملك على فعلك، ألم تخش العذاب فقال: لأن أموت عذاباً أسهل علي من كفي بذلي، لا سيما على من مدحني (٢) .
وذكر أبو الفرج الاصبهاني (٣) أن خالداً كان من ولد شق الكاهن، وهو خالد بن عبد الله بن أسد بن يزيد بن كرز، وذكر أن كرزاً كان دعياً، وأنه كان من اليهود، فجنى جناية فهرب إلى بجيلة فانتسب فيهم، ويقال: كان عبداً لعبد القيس، وهو ابن عامر ذي الرقعة، وسمي بذي الرقعة لأنه كان أعور يغطي عينه برقعة، وذو الرقعة هو ابن عبد شمس بن جوين بن شق الكاهن بن صعب؛ انتهى كلام أبي الفرج.
قلت أنا: كان شق المذكور ابن خالة سطيح الكاهن الذي بشر بالنبي ﷺ ، وقصته في تأويل الرؤيا في ذلك مشهورة، وهي مستوفاة في
стр. 703
السيرة، وكان شق وسطيح من أعاجيب الدنيا، أما سطيح فكان جسداً ملقى لا جوارح له، وكان وجهه في صدره ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان لا يقدر على الجلوس، إلا أنه إذا غضب انتفخ فجلس، وكان شق نصف إنسان، ولذلك قيل له شق، أي شق إنسان، فكانت له يد واحدة ورجل واحدة (١) وعين واحدة وفتح عليهما في الكهانة ما هو مشهور عنهما، وكانت ولادتهما في يوم واحد، وفي ذلك اليوم توفيت طريفة ابنة الخير الحميرية الكاهنة زوجة عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء، ولما ولدا دعت بكل واحد منهما وتفلت في فيه، وزعمت أنه سيخلفها في علمها وكهانتها، ثم ماتت من ساعتها ودفنت بالجحفة، وعاش كل واحد من شق وسطيح ستمائة سنة.
وكرز: بضم الكاف وسكون الراء وبعدها زاي.
والقسري - بفتح القاف وسكون السين المهملة وبعدها راء - هذه النسبة إلى قسر بن عبقر، وهي بطن من بجيلة.
٢١٤ - (٢)
خالد المهلبي
أبو الهيثم خالد بن خداش بن عجلان المهلبي مولى آل المهلب بن أبي صفرة؛ من أهل البصرة، سكن بغداد وحدث بها عن مالك بن أنس والمغيرة بن عبد الرحمن ومهدي بن ميمون وحماد بن زيد وغيرهم [وروى عنه أحمد بن حنبل
стр. 704
وأحمد بن إبراهيم الدورقي وحاتم بن الليث الجوهري وغيرهم] (١) قال محمد بن المثنى: انصرفت مع بشر بن الحارث في يوم أضحى من المصلى، فلقي خالد بن خداش المحدث، فسلم عليه فقصر بشر في السلام، فقال خالد: بيني وبينك مودة أكثر من ستين سنة فما تغيرت عليك فما هذا التغير قال بشر: ما ها هنا تغيير ولا تقصير ولكن هذا يوم تستحب فيه الهدايا وما عندي من عرض الدنيا شيء أهدي لك وقد روي في الحديث أن المسلمين إذا التقيا كان أكثرهما ثواباً أبشهما بصاحبه فتركتك لتكون أفضل ثواباً مني؛ مات خالد بن خداش في سنة ثلاث وعشرين ومائتين في جمادى الآخرة، رحمه الله تعالى.
٢١٥ - (٢)
خالد التميمي
أبو الهيثم خالد بن يزيد [بن الهيثم] التميمي الخراساني؛ كان أحد كتاب الجيش ببغداد وله شعر مدون وشعره كله في الغزل؛ حكى أبو الحسن البرمكي قال: كنا جلوساً على باب عبد الصمد بن المعذل بن علي ومعنا رجل ينشدنا أشعار عبد الصمد، إذ أقبل خالد بن يزيد الكاتب فجلس إلينا فقال: فيم كنتم فقلنا بجهلنا: هذا ينشدنا شيئاً من أشعار عبد الصمد، فالتفت إليه خالد فقال: يا فتى من ذا الذي يقول:
تناسيت ما أوعيت سمعك يا سمعي ... كأنك بعد الضر خال من النفع
стр. 705
ثم قال: يا فتى هل أحسن عبد الصمد أن يجعل للسمع سمعاً فقال: لا، ثم أنشد:
لئن كان أضحى فوق خديه روضة ... فإن على خدي غديراً من الدمع ثم نهض، فقال لنا المنشد: من هذا فقلنا: خالد الكاتب، فعدا خلفه وانقطعت نعله وانقلبت محبرته حتى كتب البيتين؛ ومن شعر خالد المذكور:
هبك الخليفة حين ير ... كب في مواكبه وجنده
أو هبك كنت وزيره ... أو هبك كنت ولي عهده
هل كنت تقدر أن تزي ... د المبتلى بك فوق جهده وقال ثعلب: ما أحد من الشعراء تكلم في الليل إلا قارب إلا خالد الكاتب فإنه أبدع في قوله:
رقدت فلم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقاد ... ما صنع الدمع بالناظر فإنه لم يجعل لليل آخراً، وقيل لخالد: من أين قلت في قصيدتك " وليل المحب بلا آخر " فقال: وقفت على باب وعليه سائل مكفوف وهو يقول: الليل والنهار علي سواء، فأخذت هذا منه.
وذكر ميمون بن حماد (١) قال: دخلت يوماً على أبي عبد الله ابن الأعرابي فقلت له: أسمعت من شعر هذا الغليم شيئاً قال: من هو قلت: خالد بن يزيد، فقال: لا وإني لأحب ذلك، فصاح به فجاء حتى وقف عليه، فقلت: أنشد أبا عبد الله من شعرك، فقال: إنما أقول في شجون نفسي ولا أمدح ولا أهجو، فقلت: أنشده، فأنشده:
أقول للسقم عد إلى بدني ... شوقاً لشيء يكون من سببك