← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول المقدمات مقدمة التحقيق ... باب المقدمات: مقدمة التحقيق: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. إنه من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشرَّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة، وكل ضلال في النار. أما بعد: "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" سفر جليل لعالم نحرير مدقق من جهابذة الخلف، تناول مُؤَلَّفَه نشأة العلوم الإسلامية، وهي متشعبة, لكنه ربط هذا بفقه، فجعله بابة الكتاب، فأجاد وأفاد عليه -رحمة الله.

стр. 2

وكم كانت تمس الحاجة لطرق هذا الموضوع لأهميته, فقد أصبحت العلوم السالفة طلاسم ذهبت مفاتيحها بانقطاع السند وقله أهل العلم، حتى حار طلاب العلم في تحصيل العلوم, فمنهم من طرق باب التمذهب عسى أن يجد ضالته. ومنهم: من طرق باب المتون، ومنهم من ضرب سهم في الحديث، ومنهم ... ، ومنهم ... فما كانت حصيلة هؤلاء إلّا تعقيد الجرير في الجرير, فما كانت بضاعتهم في العير، ولا في النفير -إلا مَنْ رحم ربي- حيث بدؤا مما انتهى إليه الأوَّلون، فلم يعرف هؤلاء درب المتقدمين في التأليف، إنما نظروا لرسمهم فحفظوا نقوشهم. فهؤلاء كمن وقف أمام قصر عظيم متسع الأركان، كثير الحجرات، فأراد أن يدخل، لكن أبوابه موصدة، فعمد إلى تسوّرِ الأسوار، فبذل جهدًا جهيدًا، فقد يصل أو لا. كذلك من طرق سبل التعلم دون أن يقف على التصور -إن صح التعبير- لنشأة العلوم وتطورها والطفرات العلمية، وظهور المدارس، وغير ذلك. فهذا التصور أساس فهم العلوم والتبحر فيها، وجدير بالإشارة أن هذه العلوم لم تكن لها منهجية في حياة الأمة، أو مشروع نظامي، إنما نشأة العلوم وتطورها تكفل إلهي من الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وإنما غاية هذا "الفكر السامي" تصور اجتهادي مع دعم ذلك التصور بالحقائق التاريخية الثابتة، فهذا مؤلف فريد في بابه، عظيم في جوابه، قسم فيه مُؤلِّفه مادته إلى أربعة أقسام: أ- القسم الأول: سماه: "طور الطفولية", ويعني: نشأة الفقه، وهو الذي

стр. 3

يبدأ ببعثة النبي ﷺ ، وينتهي بوفاته. ب- القسم الثاني: سماه: "طور الشباب", وهو عصر الاجتهاد، ويبدأ ببداية عهد الخلفاء الراشدين, وينتهي بنهاية القرن الثاني. ج- القسم الثالث: سماه: "طور الكهولة", وفي هذا الطور بيَّنَ فيه المؤلف توقف الخط البياني للفقه عن الصعود، أي أنه لم تُضف للفقه أيّ إضافات جديدة بحركة الاجتهاد، إنما انتشر خط جديد وهو التقليد والركون إليه. د- القسم الرابع: سماه: "طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم", وهو عنوان يتحدث عن مضمونه فلا يحتاج إلى تفصيل, ويبدأ ببداية القرن الخامس إلى وقتنا هذا. ومما لا شَكَّ فيه عظم الخطب المتناول في هذا التصنيف البديع. وكثير ما روادتني فكرة التأليف في هذا الموضوع لأهميته القصوى, ووعدت إخواني القراء بذلك في تقديمي لكتاب "الترغيب والترهيب", كذا "الإقناع لابن المنذر", فكانت مشيئة العليم الحكيم أن يقع في يدي هذا السفر الجليل، فرأيته حريّ بالاعتناء, وبضاعة ثمينة يجب أن تنشر، وما يفعل التراب في وجود الماء؟ ثم هذه الطبعة بعناية مركز تحقيق النصوص: إسهام منها في نشر العلم النافع، مع الاعتناء به فأضافت: ١- العناية بأصل الكتاب المطبوع، حيث فتشت كثيرًا عن أصل خطي له دون جدوى، وهذا المطبوع بتحقيق فضيلة الدكتور عبد العزيز القاريء, طبعة جيدة، سيما وتعليقات فضيلة الدكتور أزالة الكثير من عور الكتاب، هذه التعليقات قد حافظنا على بعضها عازين الفضل لصاحبه، فجزاه الله خيرًا. ٢- أصلحنا ما وقع في الكتاب من تحريف.

стр. 4

٣- قمنا بالتوسع في مصادر تراجم النقلة المذكورين. ٤- تخريج الأخبار الواردة في الكتاب. ٥- وضعنا فهرس أبجدي للرواة المترجمين. ثم هذه البضاعة المزجاة منا، إنما هي جهد بشري يعتريه ما يعتري غيره. ولله الكمال وإليه القصد. وكتبه أ/ أيمن صالح شعبان, مدير مركز تحقيق النصوص القاهرة -ليلة الأحد- ٢٥ من شوال لعام ١٤١٥ من الهجرة النبوية المباركة.

стр. 5

ترجمة المؤلف: أترجم نفسي اقتداءً بالنبي ﷺ إذ يقول: "أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب"، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: ٢١] ، وبسيدنا يوسف إذ يقول: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف: ٥٥] ، ويقول: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [سورة يوسف:٥٩] ، وبسيدنا عيسى حيث قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [سورة مريم: ٣٣] . وقد ترجم نفسه ولي الدين ابن خلدون إمام التاريخ، ولسان ابن الخطيب إمام الأدب وغيرهما. نعم أعتذر بما اعتذر به ابن الإمام في"سمط الجمان", والحجاري في كتاب "المسهب", وابن القطاع في "الدرة الخطيرة", وأبو الحسن بن سعيد في كتاب "المغرب" وغيرهم. ليت المغاربة كان لهم ولوع بالتاريخ، وبالأخص تاريخ الرجال، فأكتفي بأمانتهم واعتنائهم عما سأورده في هذه الترجمة المخجلة التي أقصد بها إظهار حقيقة من حياتي, ربما لا يعرفها غيري كما أعرفها أنا, وإني لأشعر بعبء ذلك على كاهلي، ولكنني لا أجد منه بدًّا، فلينتبه إخواننا إلى الاعتناء بتراجم الرجال وإظهارهم مظاهرهم، فالأمة برجالها، والسهام بنصالها، وليترجم الناس لأنفسهم بأنفسهم ما دامت الأفكار معرضة عن هذه الواجبة حتى لا تضيع حقائق من حياتهم, ربما تتطلب فلا توجد, وكم ضاعت من حقائق بإهمال هذا الفن لم يجدِ الأسف عليها شيئًا.

стр. 6

فليكن في عملي هذا تشجيع للناس على ترجمة أنفسهم، وتنشيط على الاعتناء بهذا الفن المهمَل الذي يضيق المقام عن تعداد فوائده التي منها: أن الأمم لا تعتبر في مقام الحياة إلّا بقدر ما فيها من الرجال وما يحسنون. نسبي: عُلِمَ من ترجمة سيدي الوالد -قدس الله روحه- بآخر تراجم المالكية من هذا الجزء، ومسقط رأسي فاس، بها قرأت وتعلمت، وبأدب أهلها تأدبت، وسكنت مكناسة الزيتون ستين ونيفًا، ثم وجدة ثلاث سنين، ثم مراكش نحو سنة، ثم الرباطسنة ثلاثين، ثم عدت إليه آخر سنة تسع وثلاثين, وبه وبفاس لي دار واستقرار الآن تمسكًا بالحق في العاصمتين، واعترافًا بفضل المدينتين، ودخلت جل مدن المغرب والجزائر، وتونس إلى سفاقص، ولقيت أهم رجال القطرين، وذاكرتهم وعرفتهم، وأخذت عن كبار أعلامهم، وأخذوا عني بما بُيِّنَ في "الفهرس", وتجولت فيهما كثيرًا، وفي أوربا بما هو مفصل في رحلاتي. وأما عقيدتي: فسنية سلفية؛ اعتقد عن دليل قرآني، برهاني ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الراشدون, مالكي المذهب ما قام دليل. وجدت بخط سيدي الوالد ﵀ في عقيدته: ولد لي سيدي محمد -حفظه الله- من الزوجة الصالحة بنت الأمين السيد الحسين عبد الكبير جنون يوم رابع رمضان المعظم عند النداء لصلاة الجمعة سنة ١٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين وألف هجرية, جعله الله من علمائه العاملين، وأوليائه الصالحين أهـ، وذلك موافق ٢٢ سبتمبر ١٨٧٤، ومحل ولادتي بالدار التي أسسها سيدي الجد ﵀ بجرنيز قرب الحرم الإدريسي. ربيت في حجر سيدي الوالد والوالدة الصالحة القانتة، وكان لهما الاعتناء التام بتربيتي وتهذيبي، وإصلاح شئوني إذ كنت أول مولود لهما، واستعانت الأم في ذلك بجدتي من قبل الأب، فكانت تحوطني، وتحنو عليّ أكثر من الأم

стр. 7

بكثير، وما كانت تقدر على مفارقتي لا ليلًا ولا نهارًا. هذه السيدة الجليلة القدر كانت على جانب عظيم من التبتل والعبادة، صوامة، محافظة على أوقات الصلاة، حافظة للسانها وجوارحها عن الخروج عن عبادة الله تعالى، مكبة على طاعته، مشفقة على الضعفاء والمساكين وذوي العاهات، مواسية مَنْ يستحق المواساة، فكانت أفعالها وأخلاقها كلها دروسًا عملية علمية تهذيبية ينتفع بها من نفعه الله من العائلة كلها، أتلقاها عنها والفكر فارغ من غيرها، فكانت كنقش في حجر. وطالما رغَّبتني بأنواع ما يرغب به الصبيان في القيام باكرًا، وإسباغ الوضوء للصلاة، والنظافة وحفظ الثياب، والاعتناء بكتاب الله، والمحافظة على أوقات المكتب، وحب المساكين، ورحمة الضعيف، وهجر كل ما ليس بمستحسن في الدين، وبثّ روح النشاط في الحفظ والتعليم، فهي التي غرست في قلبي عشق العالم، والهيام بحفظ القرآن العظيم، واعتياد الصلاة، والارتياض على الديانة بحالها ومقالها, لما كانت عليه من صلاح الأحوال، ومتانة الدين عن علم واعتقاد متين. فمرآة أخلاقها وأعمالها في الحقيقة أول مدرسة ثقَّفت عواطفي، ونفثت في أفكاري روح الدين والفضيلة، فلم أشعر إلّا وأنا عاشق مغرم بالجد والنشاط, تارك لسفاسف الصبيان, متعود على حفظ الوقت ألَّا يذهب إلّا في ذلك، شيق إلى كل تعلم وتهذيب، لا أجد لذلك ألمًا ولا نصبًا، بل نشاطًا وداعية، امتزجت باللحم والدم، لذلك كان حفظي للقرآن والمتون قبل أقراني بكثير, وبدون كبير عناء، بل في الختمة الأولى حفظت الكتاب العزيز تقريبًا، وما زدت الثانية إلّا لزيادة الضبط وحفظ الرسم عن نشاط ومحبة داخلية من الضمير المتشوق بالأمل المناساق بعاطفة حب المعالي، وحب أداء الواجب الذي لأجله خلقت حسب ما تلهمني إليه عاطفتي, لا بإلزام خارجي. علي أن هذه التربية الجديدة المحضة قد أثرت على جسمي بضعف ونحول، وساعد ذلك التأثير عدم وجود نظام في المكتب، وعدم وجود لوازم الصحة

стр. 8

والرياضة هنالك، ولا أوقات للراحة، بل عمل متصل ممل. اذكر هذه الحلقة من حياتني، ويعلم ما أقصده من ذكرها كل من له إلمام بفن التراجم, هذه هي الحلقة التي يغفلها كثير من الباحثين والمؤلفين منا، فتضيع بإهمالها أهم أطوار حياة الرجال، ويتعذّر تعليل كثير من أحوالهم, يأتون في عملهم هذا بالنتيجة، ويتركون المقدمات؛ لأن حياة الإنسان كلها إنما هي نتيجة ذلك الطور القصير؛ طور الطفولية, ومرآة ينطبع فيه كل حين أثر تربيته الأولى والمدرسة الأولى. إن تأثير هذه التربية الأولى على حياتي هي التي أوضحت لي أن تربية الأمهات لها دخل كبير في تهيئة الرجال النافعين، وإعداد الأمم للنهوض, لذلك أرى وجوب تعليمهن وتهذيبهن تعليمًا يليق بديننا, ويزين مستقبل أولادنا, ويصيرهن عضوًا نافعًا في هيأتنا الاجتماعية، فلا غنى لنا عن إعانتهن في تربية رجال المستقبل الذي عليهم مدار حياة البلاد، وتعليمهن فن التربية ونظام البيت، وقواعد الصحة والدين، وحفظ القرآن أو بضعه, والحساب والجغرافيا والتاريخ والعربية والأدب الحقيقي لا الخيالي, ونحو ذلك مما يعينهن على مهمتهن، ويضيء لهن الطريق، كما أن للرياضة دخلًا كبيرًا في تربية الأجسام وتقويتها، وتنظيم الكتاتب وجعلها موافقة لقواعد الصحة أمر ضروري لحياة الأمة, هذه هي حياتي مع جدتي جازاها الله عني بأفضل ما يجازي به المحسنين، وجازى والدتي التي كانت معينة لها في مهمتها، موافقة على كل أفكارها وأعمالها، معترفة في ذلك بفضلها. أما سيدي الوالد، فهو أول من ألقى دروسًا في العقائد السنية السلفية طبق القرآن الكريم، وفي الفقه والتاريخ والسير والشمائل، وهذا الفن هو الذي كان أغلب عليه، وهو أدخل في تهذيب الأولاد من كل ما سواه، ولا تحسن تربية أولاد المسلمين دونه، وقد نبهني للابتعاد عن خلط المعتقدات بالأوهام، ودرَّبني على التفرقة بين ما هو يقين يعتقد بدلائله، ولا يقبل التقليد في شيء من مقدماته، وبين ما هو مظنون يجتهد فيه استدلالًا واستنتاجًا، ويقابل فيه فكر المخالف بالاحترام والاعتذار، وما هو موهوم يطرح، ولا يفسد به جوهر العقل

стр. 9

النقي. وكان يحذرني من تغلب العواطف على المصالح، ويحضني على مقاومة الحقائق للخيال، وعلى أن يكون العقل والدين سلطانًا حاكمًا على الخيال والعواطف، كما كان يحضني على حفظ القرآن وأشعار العرب وأمثالها, والأحاديث الصحاح، والوقائع التاريخية، واستنتاج العبر منها، وتطبيقها على الأحوال الوقتية، فكان نعم الأستاذ النافع، والله يحسن إليه بما أحسن لأوليائه المخلصين، لذا وذاك كنت أرى نفسي مطبوعًا على حب العلم والاشتغال به، بل الهيام المفرد فيه، راغبًا عَمَّا يعوق عنه. وكنت لما بلغت سبع سنين أو نحوها, أدخلني لمكتب خصوصي ومعي أخوان صغيران، وبعض أبناء وبنات أحبائه الصغار أيضًا، فكنَّا نتلقَّى القرآن العظيم على الفقيه الزاهد البارع في علوم اللسان سيدي محمد بن عمر السودي, حفيد الشيخ التاودي الشهير، وتلميذ جنون الكبير، فقرأت عليه إلي يس, وعليه أتقنت الكتابة والقراءة والتجويد والرسم، ودروس الأخلاق، وبعض الحساب، ومبادئ الدين, وأقرأني بعض متون في العقائد والنحو، ثم انتقلنا لمكتب عموميٍّ بزقاق البغل، فأكملت حفظ القرآن العظيم على الأستاذ الصالح الناصح ذي الدين المتين الواضح، سيدي محمد بن الفقيه الورياجلي, المقرئ الشهير الذي تخرَّج به كثير من أعيان فاس وأعلامها، والأستاذ ذو مناقب جمة، ومقام عظيم, يكفي أن أقول في بعض ما رأيت منها، أني أقسم بالله: لقد جلست بين يديه سنين ملازمًا له في الجل من الغلس إلى المساء إلا الأوقات الضرورية ما رأيته إلّا في عبادة وطاعة، ولقد أحسن إليَّ تعليمًا وتهذيبًا، وبين يديه أكملت حفظ كتاب الله، وكثير من بقية المتون، ودرَّبَني على قواعد الإعراب، وفهم غريب القرآن، وعلمني كثيرًا من ضروريات العبادة، وألقح فكري بالتفكير، وعرفني عملًا وتخلقًا مقدار ما تساويه مكارم الأخلاق, معزز لما كنت ألقنه في البيت، والله يثيبه بأفضل وأعظم مثوبة. وفي سنة ١٣٠٧ سبع وثلاثمائة وألف، دخلت القرويين لتلقِّي دورس العريبة والدين, وغيرهما الثانوية والعالية, على جلة الشيوخ الذين أحرزوا قصب السباق، وطارت شهرتهم في الآفاق، وقد ترجمت جملة منهم في الفهرسة،

стр. 10

إذ لم يسعني ذكرهم جميعًا في هذا المجموع, وذكرت هناك تفصيل ما أخذته عنهم من فقه وفرائض ونحوٍ وصرف وتجويد وتوجيه قراءات وتوحيد، وحديث، ولغة, واشتقاق, وتفسير, وبيان، ومعان, وبديع، ونقد الشعر, وعروض، وأصول, ومنطق، وأدب, وتاريخ، وفلسفة, وجغرافية, وتوقيت, وسير, وعلوم الحديث, وتصوف, وهيأة, ووضع, وحساب وجبر, وغير ذلك. والذين لازمت دروسهم مدة التعاطي لزوم الظل للشاخص, إلى أن فرقنا الحِمَامُ, أو خروجي من القرويين هم: ١- الفقيه سيدي محمد بن التهامي الوزاني. ٢- سيدي الحاج محمد فتح بن محمد بن عبد السلام جنون. ٣- سيدي محمد فتحا القادري. ٤- سيدي أحمد الخياط. ٥- سيدي الحاج أحمد بن سودة. ٦- سيدي عبد السلام الهواري. ٧- سيد الكامل المراني. ٨- سيدي أحمد بن الجيلاني. وأخذت بعض العلوم والرياضية عن: ٩- علامتها سيدي إدريس بن الطائع البلغيثي, آخر مهرة علوم التعليم بفاس، ولازمت كثيرًا غيرهم، ولكن لا كملازمتهم، وفي سنة ١٣١٦ كان ابتداء إلقائي للدروس, بعد ما أذن لي بعض الشيوخ منهم ومن غيرهم، وما أحقني بقول القائل: خلت الديار من الرخا ... خ ففرزنت فيها البياذق ولم تكن القرويين تعرف إذا ذاك امتحانًا, وإنما كان يقوم مقامه إذن شيوخها الكبار لتلميذهم في التدريس، ثم تتوزع الشهرة والإقبال بقدر طول الباع. فأصبحت في هذه السنة أعدّ في صف العلماء المدرسين، وفيها ألفت أول تأليف كتبته أناملي, تجد بيانه في الفهرس، وأني أعلم من نفسي أنه لم يكن معي من الذكاء والاقتدار ما يؤهلني لذلك, والمرء أعرف بنفسه، ولكن كان معي كد وجد، وانقطاع للطلب نادر, مع طاعة تامَّة لوالدي, وتعظيم لشيوخي، وفي هذين الأمرين سر عجيب يكاد يلمس، ولا ينكره إلا من كان أطمس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, والحمد لله رب العالمين. وفي سنة ١٣١٧ أخذت أتناول شيئًا من التجارة في غير أوقات الدروس

стр. 11

تدريبًا. وفي السنة بعدها وظّفت أول وظيف عدلًا في صوائر دار المخزن بمكناس, أيام السلطان المولى عبد العزيز بن الحسن, وفي سنة ١٣٢٠ رقيت منه إلى وظيف أمين ديوانة مدينة وجدة على الحدود المغربية الجزائرية، وفي هذه السنة قبل سفري إلى وظيفي الجديد تزوجت. جملة اعتراضية: في هذه السنة بدأ انقلاب الأحوال بالمغرب بثورة أبي حمارة التي سبَّبَت فقر مالية المغرب والسلف الأوربي، ثم سقوط المالية بيد إدارة السلف، وفناء حماة المغرب وأبطاله في الحروب الداخلية, وقد اختل النظام، وضاع الأمن، وفسدت الأخلاق، وضاعت الفضيلة والأمانة، وتكالبت الناس على الرياسات الوهمية وجمع الحطام, وتسلط على مناصب الدولة كل دخيل جاهل، فجَرَّ ذلك إلى تلاشي الدولة العزيزية، وتتابعت المحن، وأظلم جو المغرب، وفي أثناء ذلك وقعت معاهدة ٨ إبريل سنة ١٩٠٤ بين فرنسا والإنكليز، ثم مؤتمر الجزيرة الخضراء, بأثرِ المؤتمر بيسير سقطت الدولة العزيزية، وقامت الدولة الحفيظية, ثم وقع إثر ذلك الاحتلال, ثم إعلان الحماية سنة ١٣٣٩, وما استقرَّ الأمن إلا سنة ١٣٣١ فما بعدها شيئًا فشيئًَا. هذه إحدى عشرة سنة رأى المغرب فيها من الأهوال والشدائد ما يشيب له الرضيع، وتندك له الجبال. دخلت معترك الحياة، وقرعت باب السياسة والبلاد في هذه المشاكل، ويناسبني أن أتمثل هنا بقول عبد الحليم بن عبد الواحد: عشقت صقلية يافعًا ... وكانت كبعض جنان الخلود فما قدر الوصل جتى اكتهل ... ت وصارت جهنم ذات الوقود

стр. 12

وهذال الزمن هو عنفوان العمر، وربيع الشباب, كنت آمل أني أستريح فيه من عناء الطلب، وأجد فيه راحة وهدوء وفراغًا لنشر العلم, والتمتع بحياة هنية, لكني صرت آسف على ما مضى, وأشفق من المستقبل, ووافق ذلك انزواء سيدي الوالد للعبادة، وتركه للدنيا التي كان كافيني إياها، فلزمني القيام بشئون كثيرة وعبء ثقيل ألهاني عن إعطاء كليتي لما كنت أتمناه من نشر العلم من اشتغالي بوظائفي الهامة، ثم آل الأمر للطامَّة الكبرى عليّ, وهي فقدي له -جعله الله فرطًا وذخرًا: وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما وقد كنت أشاهد بركة دعائه في كل حركاتي وسكناتي، وقد كنت أحرزت الحمد لله في طاعته وإرضائه مكانًا عظيمًا، وقد فارقته ولسانه وجوارحه تدعو لي, غير أسف في الدنيا إلّا على فراقي, أعاد الله عليّ فضل دعائه، وتغمده في رحمته، ويرى المطلعون على ذلك أن ذلك من سر نجاحي في كل أعمالي، وسرعة تقدمي وارتقائي، وسبوغ نعم عظمى على العبد الفقير يعجز عن ذكرها فضلًا عن شكرها، وحديث أصحاب الغار في الصحيح يؤيد ذلك، والقرآن والسنة طافحة به.

стр. 13

انعطاف: توليت أمانة ديوانه وجدة، ولما ظهر للمخزن ثمرة أعمالي في ضبط أمر الديوان, حتى صار مدخولها ثلاثة أضعاف ما كان قبلي على ضعف النظام واختلال الأمن, وتيقن بما هو مثبوت في الدفاتر الرسمية من نجاح الأعمال، حصلت له الثقة بي, فزاد لي ذلك وظيف مفتش الجيش الذي كان مرابطًا هناك لصيانة وجدة من هجوم أبي حمارة، وشغله هناك عن رد وجهته عن فاس، وكان هو معظم الجيش المغرب إذ ذاك، وذلك سنة ١٣٢١، فكنت بهذه الصفة نائبًا عن وزير المالية في أمور الجيش المالية، وعن وزير الحرب فيما يرجع إلى الأسلحة والذخائر الحربية, وما إلى ذلك، وبمجرد استلامي للوظيف أخذت في التفتيش والضبط، وإسقاط كثير مما كان زائدًا في قوائم الجيش باطلًا, ولا حقيقة له مما كان من أسباب سقوط المغرب، ويسمى في اصطلاحهم "منفوخ", وحسمت مادة بيع الدخائر والأسلحة، وأحرزت خزنتها كليًّا، فاقتصدت لخزينة الدولة ما ينيف عن خمسة عشر ألف بسيطة عزيزية يومية, كانت تحمل على عاتقها، وتذهب في بطون لا تعرف الشبع هباء منثورًا، وأهمية هذا القدر في ذلكم الوقت لا تخفى، وقد انحسمت بعد ذلك مادة بيع الدخائر الحربية والسلاح للعدو، وتوفَّر للخزينة مال وافر مما كان يضيع فيها، كل ذلك مثبوت بالدفاتر الرسمية، وقد قصدت بذلك انقاذ الوطن المهدد، وإصلاح ما فسد، ولكن أبى الله إلّا أن يقضي أمرًا كان مفعولًا، وقد كافأني المخزن على هذه الأعمال بترقيتي إلى وظيف أعلى زيادة على ما قبله, وهو نائب الملك في الحدود، وفي فصل دعاوي الإيالتين هناك، وكلفت بتنظيم جيش لحراسة الحدود المغربية، وأحق ما ينشد هنا: وأنَّ بقوم سودوك لحاجة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد

стр. 14

ثم أسندت إليَّ سفارة عن المغرب الجزائر مع وظائفي المتقدمة، والكل متقارب العهد خلال سنة ١٣٢١ المذكورة، ووقعت مباشرته على أحسن ما كان يؤمل, حتى وقع بلوغ المؤمل، وتحسنت العلائق بين الإيالتين، وجرت الأمور في مجاري التعادل والتوازن والحمد لله, ولا أظن أن ذلك من أجل ما يسمونه بالدهاء السياسي, وإنما هي فيما أظن نفحات وعناية إلهية، ثم لم أجد لدي مسائل عويصة يصعب حلها، ولا مشكلات يعسر فكها, من صفاء جو السياسة إذ ذاك بين الدولتين، ومن حسن حظ المرء أن يكون خصمه عاقلًا، لكنني طرأت عليّ عوارض صحية لتراكم الأشغال, مع اشتباك الأحوال السياسية بالعاصمة فجأة، وعزم المخزن على عقد مؤتمر الجزيرة، فاستعفيت سنة ١٣٢٣، واستقدمني السلطان، فقدمت فاسًا، وعرض علي أن أسمى عضوًا في المؤتمر فاعتذرت، وليس كل عذر يبدو, ولا كل داء يعالج. وإذا المنية أنشبت أظفهار ... ألفيت كل تميمة لا تنفع تعكرت الأحوال، وأظلم جوّ السياسة، واختلط الحابل بالنابل، فانعزت عن ذلك المعترك, وألقيت السلاح من غير تحمل درك، وأقبلت علي نشر العلم بفاس، وتحريك شيء من التجارة تكفيًا بها عن كل وظيف إلى سنة ١٣٣٠, وعرضت عليّ أثناء مدة الإعفاء وظائف مهمة، فأعرضت عنها اختيارًا للسلامة. إن السلامة من سلمى وجارتها ... أن لا تحل على حال بواديها وفي سنة ١٣٣٠ المذكورة, سميت نائب الصدارة العظمى في وزارة العلوم والمعارف، أول ما أحدث هذا الوظيف في المغرب آخر أيام السلطان المولى عبد الحفيظ بن الحسن، فقبلته رجاء نفع العلم، وفي مدتي انفتحت عدة مدارس ابتدائية بالمدن المغرية بعد خلوها منها، وباشرت إدخال العربية والدروس الدينية والقرآن العظيم لها، وبسبب ذلك حصل الإقبال على التعليم، وامتلأت المدارس شيئًا فشيئًا، وانتشرت في عموم المملكة حتى البوادي، وذلك أيام السلطان المولى يوسف -قدس الله روحه, فكان ذلك أول ترق أدبي فكري ناله المغرب، ولا شك أنه سيعود بالرقي العظيم على الفقه الإسلامي بهذه الديار.

стр. 15

وفي سنة ١٣٣٢ باشرت تنظيم المجلس التحسيني لإصلاح العليم بالقرويين, وهو المجلس العلمي الموجود الآن, وهي بذرة لا بُدَّ أن تنبت ولو بعد حين، أسَّسْتُ هذه المجلس، وألَّفت قوانينه التحسينية, وما كان لفظ نظام أو تنظيم يعرف له المعنى المقصود هناك، ولا كان يوجد لعلماء ذلك المعهد مرتّب أو ترتيب, حتى فاجأتهم بذلك، فنفروا عنه، وبعد أن فهم المقصود أهل البصائر منهم, بما بذلته معهم من النصح والبيان، جأر منه مَنْ كان متسنمًا مقامًا يقضي عليه التنظيم بالنزول عنه، وقد قدمت الكلام على ذلك في هذا المجموع، ثم استعفيت سنة ١٣٣٢، وأسقط هذه الوظيف من الوظائف المخزنية مدة، وأعطيت رتبة مستشار للحكومة المغربية شرفًا، فرجعت من الرباط إلى فاس, للإقبال على الدرس والتأليف، والتكفي بشيء من التجارة، وفي هذه السنة أشهرت الحرب العظمى بين دول أوربا, فنال المغرب حظه من أهوالها الكبرى, بما هو مبين في التواريخ, ثم تسببت عنها أهوال اقتصادية، وانقلابات وأزمات تغير بها وحه المغرب، وتبدلت أحواله. هذا جل ما يتعلق بالحياة السياسية, أما الحياة العلمية والقلمية فنقول: قد درست صحيح البخاري بالرباط ومراكش لما كنت موظفًا، ثم بفاس، ولما بلغت كتاب التفسير قرأته مفصلًا، وكنت أملي فيه ملخصًا من جملة تفاسير؛ كالطبري والرازي والبيضاوي، وروح المعاني، وأحكام ابن العربي، والجصاص، وغيرها, بعدما تركوه مدة سنين من قبل، ورام بعض الولاة منعى منه بدعوى التطير بقراءته، وأنه يتسبب عنه موت السلطان, كما فعلوا بشيخي جنون فيما سبق، فعصمني الله منهم وأكملته والحمد لله، وكان ختمه سنة ١٣٣٨، وألقيت منه درسًا بتونس من أول سورة المؤمنين، ثم أعدته بفاس أيضًا لإيصال حلقاته، وقد اعتنت به الحكومة التونسية، فجمعته وطبعته على نفقتها، كما أقرأت صحيح مسلم والموطأ ومختصر خليل إلى قرب الزكاة بفاس، والسير النبوية, والتحفة لابن عاصم، ولامية الزقاق، وألفيه ابن مالك، والمنطق، والكل بفاس، وأقرأت المرشد المعين، والتحفة، والربع المجيب برسالة المارديني قبل ذلك بوجدة, مدة مقامي بها.

стр. 16

ثم رجعت سنة ١٣٣٩ لوظيف نيابة الصدارة العظمى في وزارة العلوم والمعارف، ولا زلت به إلى ساعة كتابة هذه الأحرف، وأجمل الله الخلاص وسدد بمنه. ومن أحسن ما أمكنني القيام به تفقُّد المدارس من حيث العلوم العربية والدينية من حين لآخر، ويتبع سيرها، وبثّ روح النهضة فيها، والميل إلى إحياء علومنا، والتشبع من العلوم العصرية، وحثّ المعلمين والمتعلمين على حفظ النظام، وتوجيه كلية النظر نحو العلم والأخلاق ومكارم الدين، وأوصي من يقوم بالوظائف من بعدي بذلك، فإنه من خير الأعمال التي يتسنَّى بها التجديد المجيد والعلم قبس، وليجتهد كل واحد منا أن يعلِّمَ واحدًا, والواحد يعلم ألفًا، ومن البعض يكون الكل، والله المستعان. ولازلت على مباشرة ما يمكنني من الدروس بالرباط، فقد قرأت الفرائض الخليلية مرة بعد مرة، وجملة من البخاري بالرباط وسلا، وأعدت الفسير ثانيًا بالجلالين، ثم بالبيضاوي إلى آل عمران، وحظًّا وافرًا من الربع الرابع من المختصر الخليلي بالزرقاني وحواشيه, وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد، وختمت جمع الجوامع، والشمائل مرارًا، وقاربت إتمام النصف من فروق القرافي, كل ذلك في هذه المدة التي ابتعدت فيها عن مسقط الرأس، وكلما رجعت إليه في رخصة من الرخص، أو فرصة من الفرص، أعدت قراءة التفسير بجامعه الأعظم, وأسأل الله الإعانة والتوفيق، وأن يتقبَّل بمحض فضله. أما تواليفي، فقد بلغت الآن خمسين والحمد لله بين مطول ومختصر، ومطبوع أو مخرج أو مُسوَّد كما هو مبين في الفهرس، وبعضٌ منها يكون مسامرة أو محاضرة ألقيها في موضوع علمي أو اجتماعي أو أخلاقي أو اقتصادي أو نحو ذلك، فيقع موقع الاستحسان، فيصير تأليفًا، ومن الله أستمد التسديد ونفع العبيد: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى: ١١] , ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأحقاف: ١٥] . وإني لأرجو أن يكون في الشبيبة المغربية التي وقفت نفسي على ثقافتها،

стр. 17

والأخذ بناصرها ونفعها من يقوم بنهضة مغربية صادقة, حتى يناسب مستقبلهم ماضي أسلافهم، وتكون أيامهم عصرًا ذهبيًّا للمغرب تحيى المجد الغابر، والفضل الداثر، وللتاريخ أدوار كأدوار الموشحات، فإذا جاء الإبان أعادها. وأوصي الشبيبة بتوجيه وجهتهم نحو رقي البلاد من حيث الأخلاق الكاملة، وثقافة الأفكار بالعلوم النافعة، ونشر محاسن الدين الحنيف، والكشف عن أسراره، وإزالة غشاوة الجهل به عن العقول, حتى يقف الناس على معنى الدين الحنيف، وينبذوا كل الأوهام التي خلطت به من أعدائه, فكل نهضة لا تؤسس على مبادئ الدين الصحيح والأخلاق الفاضلة تكون خلوًا من الفضيلة، وخطرًا عامًّا على نفسه, كما أنه وبال على بقية أنواع الحيوان، فلولا الدين لكانت الشهوة التي سطلته على الحيوان والجماد والنبات هي عينها تسلط بعضها على بعض، فالفضل كل الفضل في عمارة الكون ورقيّ النوع البشريّ هو للدين والمعوثين به، ولولا الأديان والرسل ﵈، ما وصل البشر لهذا الرقي الذي هو عليه، ولما كان إلّا وحشًا ضاريًا مفسدًا شريرًا في الأغلب من أفراده، ولم تزل الترقيات العصرية، والاكتشافات الفنية معجزة دالة على صحة الأديان وصدق المرسلين، فقد انكشف لنا به سر حرمة الخمر والخنزير، وسر غسل الإناء سبعًا من ولوغ الكلب، وأسرار حرمة الزنى، وإباحة تعدد الزوجات, وغير ذلك، وها نحن نرى أميركا تشدد في حرمة تعاطي الخمر بنحو ما كان عند مسلمي الصدر الأول, إلى غير ذلك, والحياة بدون زمام الدين فساد وخراب, وشواهد أثر ذلك منذ نشأت الدنيا إلى الآن, ولن تجد لسنة الله تبديلًا. فعليهم بإنهاض قومهم ووطنهم اقتصاديًّا بإرشادٍ إلى استخراج كنوزه العظيم التي اختلطت بأرضه ومائه، وبثّ روح جديدة في التجارة والزراعة والصنائع, وكافة أنواع الاقتصاد، حاربوا الفقر بالاقتصاد والاختصار من العوائد التي تستنزف الأموال، وباستنتاج الخيرات من الأرض والمياه، وبإحياء الصناعات الوطنية والنهوض بها إلى مستوى الرقي الجديد، فبالاقتصاد أصبح العالم مستعمرة اسرائيلية. واستعينوا على ذلك بتهذيب الأخلاق، فالإخلاق أساس كل نجاح،

стр. 18

وفساد الأخلاق هو عين الإخفاق، وليتجنبوا المجادلات الدينية، والاختلافات المذهبية, فذلك شيء فرغ منه، فإياهم وإياي من ضياع الوقت النفيس إلّا فيما يفيد، حذار حذار من المجادلات العقيمة الدينية التي لا تأتي بفائدة, وليتجنبوا كل سياسية فإنها مفسدة للأعمال، معرقلة للمصالح. وليجتهدوا أن يتخرَّج منهم مدرسون ماهرون يحاربون الأخلاق التي أوجبت انحطاطنا في الهيئة العالمية، ويحاربون تطرف الأفكار التي أضاعت وقتنا، وليحاربوا عدو الإسلام الألد, داء الأمية حتى يصير جل أمتهم يقرأ ويكتب ويحسب، ويعرب عن ضميره بعبارة صحيحة عربية بدوًا وحضرًا، كما كان نبينا ﵇ يحاربها, وأصحابه بعده، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وإن حاجة المغرب إلى المدرسين من أبناء جنسه فوق كل حاجة، وذلك هو الماء الذي يقطر في حلقوم المحتضر، وينشروا العلم الابتدائي أولًا في جميع أصقاع بلادهم العزيزة بين إخوانهم، وليتطوعوا في ذلك ما أمكنهم، وليعينوا من ظهرت أهليته على تحصيل العلوم العالية عربية وأوربية من طب وهندسة وطبيعيات، وحقوق ومكنيكيات، وغير ذلك. فإذا اشتغلوا بهذا، وعملوا بأصول هذه الوصية، فإنهم ينهضون بأمتهم وملتهم، ويكونون قد خدموا وطنهم حقًّا لا تشدقًا. وإياهم والاشتغال بسفاسف الأمور كتغيير الزي، وتكثير الشغب بلا طائل، فإني أربأ بهم أن يتركوا زيَّ قومهم في ظفرة، وأن ينفروا منهم آباءهم, ويلصقوا التهمة بهم في دينهم بيدهم. فما أجبن قومًا تستَّروا وراء لباسٍ غير لباسهم, خجلًا من جنسيتهم، وما أرذل قومًا أرادوا التشبيه بمن يعتقد انحطاطهم عنه، فليجتهدوا أن يكونوا قادة لأمة، ويجروها وراءهم تهذيبًا وتعليمًا, لا أن ينفروها منهم. وليكونوا مثال العفة والأخلاق الفاضلة، وأولها صدقة اللهجة، وتقديم المصالح العامة على الخاصة، ونزاهة اليد واللسان، وحسم مادة الباطل

стр. 19

والرِّشَى، وترك الشبهات فضلًا عن المحرمات، وكل أمة هضمت خاصتها حقوق عامتها، كانت غنمًا مهزولة في ليلة شاتية لا يرجى لمستقبلها حياة, وليكونوا مثالًا للجد والنشاط والثبات في الأعمال والنزاهة، والبراعة والدهاء، وإني أعيذهم بالله من تضييع نصيحتي هذه. قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل أوصاني بهذا البيت شيخي جنون كتابة ومشافهة ﵀ مرارًا، وإلى الله أضرع أن يحقق رجائي فيكم، وأن يحفظكم يا أولادي وأخواني مما أصاب غيركم من سموم المعتقدات الفاسدة، وتطرف الأفكار، وأن يحميكم من ضدية الدين، وأن يجعلكم شبيبة مغربية حقًّا، محافظة على مجدها وقوميتها وذاتيتها، حرة التفكير ضمن دائرة الأدب والدين الصحيح الخالي من الخرافات والتخرصات، محافظة على شريعتها السمحة الحقة العظيمة, عارفة بتطبيقها على الأحوال الوقتية المناسبة, حتى تكونوا حماتها, وحماة الوطن العزيز، واللغة العربية الشريفة، معتدلين في أمركم كله، مستقيمين على المهْيَعِ القويم، متمسكين بسنة سيد المرسلين، وخلفائه الراشدين المرشدين.

стр. 20

تقريظات الكتاب: تقاطرت على المؤلف تقاريظ كثيرة من أعظم علماء الأقطار الناهضة شرقًا وغربًا، ولطول تتبعها نقتصر على ما لا بد منه، إذ ما لا يدرك كله لا يترك جله، طالبين المعذرة ممن لم ينشر تقريظه. تقريظ أمير شعراء المغرب وبلبله الصادح, الفقيه الأديب، البليغ البارع الأريب، الكاتب بوزارة الأوقاف المغربية، طائر الصيت بالديار الأفريقية، الشاعر المطبوع, ابن العباس الحاج عبد الله القباج, ونصه: كم ذا تدافع في الورى وتحامي ... عن حوزة الإيمان والإسلام كم ذا تنافح عن شريعة أحمد ... وتبين ما يخفى عن الأفهام كم ذا تناضل عن سلالته وعن ... أتباعه وصحابه الأعلام وتذود عن أحبار ملته الأولى ... صانوا محياها بخير لثام وفَدَوْا حياة علومهم بنفوسهم ... وحموا معابدها من الأصنام وهووا محاسنها وأعلوا شأنها ... وغدوا لها كالدرع والصمصام أسهرت جفنك في بزوغ نجومهم ... وطلعت بينهم كبدر تمام وفتحت أبواب البصائر للهدى ... منا وقلت لنا أدخلوا بسلام في كل ما عام تجيء بآية ... عظمى تسجل في سجل العام ولكل شهر في الفنون مجلد ... ضخم لديك سما عن الأسوام يبدو لفاتحه بدو هلاله ... من "فكرك" الحسن المنير "السامي" فيسير في الدنيا مسير الشمس في ... أقطارها والبرء في الأسقام فإذا أتى الخضرا تسابق أهلها ... للسكر منه بدون شرب مدام وإذا أتى مصرًا تحقق أهلها ... وأزاح عنهم سائر الأوهام وإذا أتى للشام قال ذووه قد ... هلَّ الهلال بأفق أرض الشام وإذا أتى بغداد قال إمامهم ... لست الإمام بل الإمام أمامي وإذا أتى للهند أغنى الهند أو ... للسند قال السند نلت مرامي واليوم قد أيقنت أن مجددًا ... بالمغرب الأقصى وبحرً طامي وإذا أتى صقع الحجاز ومكة ... ومدينة الممدوح في الأنعام هادي الورى للحق والداعي إلى ... ترك الخنا وتجنب الآثام ورسول رب العالمين ونوره ... في الكائنات ورحمة العلام ومحب أصحاب الشجاعة والسخا ... ومعين أهل البؤوس والأيتام ومبيد أهل الظلم في الدنيا وهل ... شيء أضر لها من الظلام

стр. 21

ومن الذي يؤذي العباد لسانه ... كالحاسد المغتاب والنمام أثنوا عليه حيال أشرف بقعة ... ودعو لربه في أجل مقام تفديه نفسي بالحياة فإن مضت ... تفديه بعدي نفس كل همام ولعل ذاك ما يحب ويبتغي ... من سائر القراء في الإكرام ولعل فكرك يا محمد الرضي ... لم يبق في الأفكار من إبهام ومن المحقق أن روحك فيه لا ... تبلى ولا تفنى مع الأجسام ولعله كان الدواء لعلتي ... وقريحتي من آلم الآلام ودليل ذلك أنني ألفيته ... صبحًأ أغار على الدجا بحسام وشعرت أن اللطف حيت تلوته ... أضحى يلم وزاد في الإلمام وجزمت أنه مرشد للنجح لا ... يرشى ولا يخشى من اللوام وبأن أمر الدين كالدنيا ولا ... إصلاح للدنيا بدون "نظام" بل شمت لما أن نقهت سجيتي ... تنمو بجانها مع الأيام وظفقت أنظِّم ما أشاء كأنني ... أصبحت في عصري أبا تمام فافخر وصل بصواب فكرك ولتثق ... إن قلت إنه قد أصاب مرامي لو لم يكن سهمًا لما قال الفتى ... فكري يصيب كما تصيب سهامي ولقد رميت وما رميت وإنما ... رب السماء رمى بك المترامي لا ريب في هذا لدى كل امرئ ... يهوي الحقائق من سلالة سام ومن الذي يرتاب فيما قلته ... وبذاك تشهد ألسن الأقلام فاهنأ أبا عبد الإله محمدًا ... بالعلم والتوفيق والإلهام فالعلم نور الله عند عباده ... والكون دون العلم محض ظلام والمرء مهما كان في ايامه ... إن لم ينله يعد في الأنعام وبه غدوت لدى الأمير مقرَّبًا ... من صيد أهل النقض والإبرام ورفلت في حلل الثناء وإنما ... عدم الثناء نهاية الإعدام ولأنت يا حَجَوي غيث نافع ... لقلوبنا الموتى وللأحلام والحافظ الفذ المحدث بيننا ... بالصدق حجته على المتعامي والفضل فضل الله لا يحصى وهل ... تحصى نجوم الألفق بالأرقام أعطاك ربك منه أشرف قسمة ... والناس في الأخرى على أقسام

стр. 22

لله فيك عناية تكفي بها ... عن حسن تدبير وحسن كلام وسعادة محجوبة تغنيك عن ... إثم اليدين وباطن الأقدام من لم ينل ما نلت من طيب الثنا ... لليدر ما للمجد من إعظام وإذا أحب الله عبدًا صالحًا ... أثنى بنو سام عليه وحام صلى الإله عليك غير مودع ... وسقى ثرى أبويك صوب غمام وحباك عن هذا الصنيع مثوبة ... كالأرض والسماوات والأجرام وكجنة الرضوان لا طلل بها ... يشجي ويبكي عروة بن حزام ترضيك في بدء بدون نهاية ... ونهاية تزهى بحسن ختام تقريظ قاضي تونس سابقًا, وشيخ الإسلام للمالكية حالًا بالديار التونسية, وصدر أعيانها الشريف العلامة النظار البابغة سيدي الطاهر بن عاشور, أمتع الله به وبتآليفه الإسلام, ونصه: الحمد لله الذي قيَّض لهذه الأمة نوابغ علمائها، وأضاء بهم أفق مجدها، ومحجة هديها، فكانوا نجوم سمائها، يتعاقبون بالظهور مغربًا ومشرقًا، فما انقضَّ كوكب إلّا بدا نظيرها متألقًا، ومن أبهر الكواكب التي أسفر عنها أفقنا الغربي في العصر الحاضر، وكان مصداق قول المثل: "كم ترك الأول للآخر" الأستاذ الجليل والعلامة النبيل، وصاحب الرأي الأصيل, الشيخ محمد الحجوي, المستشار الوزيري للعلوم الإسلامية بالدولة المغربية، فلقد مدَّ للعلم بيض الأيادي بتآليفه التي سار ذكرها في كل نادي، ها هو اليوم قد عززها بكتاب سماه: "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" كتاب طالعته مليًا، فوجدت سماه باسمه حريًا، وأعجبت بعرضه وتحريره، واستخلاصه من دلائل علم الفقه ومقاصده، وتاريخ الإسلام وتراجم رجاله، ورأيت منه ما لا يأتي مثله إلا لعالم روي من منابع الشريعة المختلفة المذاق بزلالٍ تنزه عن التكدر والامتذاق، حتى صار رأيه من فكره درًّا معينًا، ثم تبرزه الأقلام من أنامله درًّا ثمينًا، فلله درَّه ودرِّه، ومنه الرجاء أن تكثر آثار مؤلفه ويطول عمره. وكتب محمد الظاهر بن عاشور، في ٥ ربيع الثاني سنة ١٣٤٨

стр. 23

تقريظ المفتى الأول الحنفي بالديار التونسية, ونخبة العلماء الحنفية بها, العلامة النحرير المتفنن, سيدي محمد بن يوسف -الله يبقيه, ونصه: بسم الله, ما شاء الله, حمدًا لمن أظهر مواهب العلماء بنتائج الأفكار، ومدارك الأنظار، وخلَّد مآثرهم على صفحات القلوب، وصحائف الأسفار, فتنافست في اجتناء فوائدها، واقتناء فرائدها, أرباب البصائر والاعتبار, على تداول الأزمَّة والأعصار، وصلاة وسلامًا على ما تلألأت شريعته الغراء ومجبته البيضاء, مطالع ومظاهر الحكم والأسرار، سيدنا ومولانا محمد تاج الرسالة، وعين الرحمة المنثالة، النبي الصوة المختار، وعلى آله وأصحابه مصابيح الهدى، وأعلام الاهتداء, أمناء الوحي والآثار، أولئك هم الفضلاء الأخيار. وبعد, فإن لإيضاح الحقائق فضيلة ومزية، والشمس عن مدح المادح غنية, ولكن الاختراع في إبرازها، وتمييز صدورها من أعجازها, هي المزية الأولى, وبموارد التصنيف الأجدر والأولى، يستلفت أريحية الناظر بعاطفة مستجدة، وطارفة من أفانين البلاغة مستمدة، فلا يزال كلفًا بما فيه، مغتبطًا بمنازعه وماحيه، ودونك ما سمحت به الأيام، وأهداه واضعه تحفة للأعلام, وغرة في جبين عالم الإسلام, كتاب "الفكر السامي", فقد كساه الاختراع حللًا عبقرية، وقلده الإبداع من الجواهر حليه، وخلعت عليه الإجادة بهاءها، ومدت إليه الإفادة أضواءها, ناهيك به من ذخيرة صانها الدهر لهذا العصر, ما لمحاسنها من حصر، ومدون أحكم تاريخ الفقه الإسلام وفصله، وميز كل طور من أطواره بما انتمى إليه ووصله، فجاء بحمد الله كتابًا حافلًا مفيدًا، وفنًّا من الفنون الشرعية مبتكرًا جديدًا, ترتاح له الأسماع والنفوس, ويقول مجتليه: لا عطر بعد عروس، حيا الله جامعه، المبدي بدائعه، ألا وهو العلم الفرد والحهبذ الدراكة الأوحد، مفخر التخوم المغربية، وحامل راية العلوم الشرعية والأدبية, العمدة الهمام، العلامة المفضال أبو عبد الله الشيخ, سيدي محمد الحجوي -شكر الله سعيه، وأدام حفظه ورعيه، فلقد تقدَّم لاستنباط هذا الفن العزيز من مشارعه، واستخصله استخلاص الإبريز من معاهده ومواقعه، فأفرده ورسمه،

стр. 24

وأوضح مجمله وأبدى علمه، على أسلوب متين، وطراز ثمين، إلى تحرير، لم يحم حوله تحرير، وتحبير كأنه الروض النضير، شنف أعزه الله بما صنَّف، واستظهر بالغريب المصنف، نسأل الله سبحانه أن يعينه على أمثاله، ويحرس معاقد فضله وكماله، بمنِّه ونعمه. حرره محب العلم وأهله, عبد الله محمد بن يوسف, المفتي الحنفي بالديار التونسية - لطف الله به، في "٢٥" شوال سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وألف. تقريظ حافظ مصر وشيخ محدثيها النقَّاد مؤلف كتاب "الإيقاظ", الذي أعجب به الحفاظ، وصاحب المكتبة العامة الشهيرة بمصر. العلامة النحرير المتقن, سيدي أحمد رافع الحسين القاسمي الطهطاوي الحنفي -نفع الله به, ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله الذي هدانا لأقوم سبيل, وأنزل شريعته الغراء بالغة الحكمة واضحة الدليل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المؤيد بالآيات الباهرة، والداعي إلى سعادتي الدنيا والآخرة، وعلى آله المتبعين سننه، وأصحابه المجاهدين في الله على بيننة. أما بعد، فقد اطعلت على أجزاء من كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" لحضرة الأستاذ الفقيه الجليل, سيدي محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي, فألفيته كتابًا سلك في البحث عن تاريخ التشريع الإسلامي أحسن طريقة، ورمى عن قوس النظر السديد فأصاب الحقيقة، ومن أجلِّ مباحثه ما احتواه من تراجم كثيرة من حملة الشريعة الزاهرة، وذكر مآثرهم الجليلة الفاخرة، أورد كل هذا في عبارات رائقة وأساليب فائقة، فنشكره على هذه الهدية السنية شكرًا وافيًا، ونسأل الله تعالى أن يكثير من أمثاله, ويجعل عمله متقبلًا، وذخرًا باقيًا. القاهرة, في يوم الأربعاء رابع من شوال من سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف الهجرية، كتبه الفقير إليه سبحانه؛ أحمد رافع الحسيني القاسمي الطهطاوي الحنفي -عفا الله عنه.

стр. 25

تقريظ المجمع العلمي العربي بدمشق الشام على لسان مجلته بالجزء ٨, من قلم عضوه العلامة الحقق ذي التآليف البديعة, الشيخ عبد القادر المغربي, ونصه: النهضة العلمية في المغرب الأقصى، وشيء من آثارها الدالة عليها: كلنا نعلم أن في تونس من بلاد المغرب نهضة علمية وأدبية، وكنا نتمنَّى مثله للجزائر ومراكش، فلم يخيّب الله ظنَّنَا، فقد أخذ يبلغنا من وقت ولآخر تارةً بالآثار العلمية القيمة التي يصنفها أبناء هذين وجود القطرين العظيمين, وتارة بما نسمعه من أفواه القادمين إلى بلادنا من ذينك البلدين وجود نهضة علمية، وقيام علماء مصلحين يعملون على تنوير بلادهم, وإن كان الدهر فجعنا بعضو مجتمعنا الكريم الأستاذ أبي شنب الجزائري، فقد عوَّض الله تلك البلاد عنه بالأساتذة الحجوي والكتابي والرجراجي والجزولي, وغيرهم من أبناء مراكش والجزائر, وإن للأستاذ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي "مندوب المعارف العامة في مملكة مراكش ووزيرها وأستاذ العلوم العالية بالقرويين" اهتمامًا عظيمًا بأمر نشر العلم في تلك البلاد، وتنبيه الأفكار إلى وجوب إحداث نهضة عملية تتمشى مع النهضات الأخرى في سائر الأقطار الأخرى العربية، وهو يعمل دون ملل في هذه السبيل، فيكتب ويؤلف ويخطب، ويلقي المحاضرات الممتعة في الموضوعات المختلفة. ومن آثار قلمه ما أهداه إلى مجتمعنا العلمي وهو كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" ألقى المؤلِّف ملخص كثير منه بشكل محاضرات في نادي الخطابة الأدبي بالمدرسة الثانوية, وموضوعه: كيف نشأ الفقه الإسلامي, إلى أن صار لما هو عليه الآن، فبيَّن فيه كيف كان فقه العرب، ثم مرتبته من العلوم في الإسلام، وأطواره الأربعة التي تطوَّر فيها الإسلام. ١- طور الطفولية. ٢- طور الشباب. ٣- طور الكهولة. ٤- طور المشيب والهرم. ثم يعقب ذلك الطور العتيد طور التجديد، هذا إلى ما يتعلق بالاجتهاد والتقليد، وقد وشَّح المؤلف كتابه بتراجم المجتهدين الثلاثة عشر مجتهدًا، وهم الذين دونت مذاهبهم في صدر الإسلام، وتراجم فقهاء الصحابة والتابعين, ومن بعدهم من نخبة علماء المذاهب المقلدة, وبالجملة, فإن مضمون هذا

стр. 26

الكتاب فلسفة تاريخية أصولية للفقه الإسلامي، وتاريخ لأشهر مشاهير فقهاء الإسلام، ففيه تبيان لأصول الاجتهاد, وتدريب عليه، مع بيان المذاهب الأربعة, مملوء بالفوائد التي تتعلق بذلك جميعه. فالقارئ الفطن يفهم مما تقدَّم فضل الأستاذ المؤلف، ومبلغ الحاجة إلى تأليفه, لا في البلاد المغربية فقط, بل في البلاد الإسلامية التي نهضت اليوم من مرقدها, تبغي لنفسها مكانًا اجتماعيًّا راقيًا يتلاءم مع الأمكنة التي تتبوؤها أمم العالم، وهذا وكتاب "الفكر السامي" المذكور, يتألَّف من أربعة أرباع, كل ربع منها يتضمَّن طورًا من الأطوار الأربعة الآنفة الذكر، وقد طبع منها ربعان فقط, كل منهما في جزء مستقل. "الربع الأول" طور الطفولية, من بعثة النبي ﷺ إلى يوم وفاته, "والربيع الثاني" طور الشباب, من زمان الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني. أهدى المؤلف إلى مجمعنا هذين الربعين أو الجزئين الأول منهما في "١٦٠" صفحة, والثاني في "٣٤٠" صفحة, وقد طبع في مطبعة النهضة بتونس، وإنا لنرجو أن يوفق المؤلف إلى طبع الربعين الأخيرين. ٢- ومن آثار الأستاذ الحجوي المهداة إلينا "المحاضرة الرباطية في إصلاح تعليم الفتيات في الديار المغربية" وقد ألقى الأستاذ هذه المحاضرة في معهد الدروس العليا بالمؤتمر الذي انعقد برباط الفتح سنة ١٩٢٢، وقد نشرتها جريدة النهضة التونسية, ومن يوم إلقائها ونشرها تقدم: تعليم النبات بسرعة مدهشة, حتى في المدينة التي كانت متعصبة كفاس, كان عدد التلميذات "٣٧٤", فبلغ الآن نحو "١٤٠٠" تلميذة رغمًا عن معارضة بعض الأعيان في ذلك, عندما سمعوا المحاضرة تلقى جهرًا في المؤتمر. وكل من يهمه مطالعة موضوع المرأة المسلمة وتعليمها, ينبغي له مطالعة هذه المحاضرة المفيدة, وقد طالعتها واستفدت منها. ٣- ثم رسالة تتضمَّن المحاضرات التي ألقيت في المؤتمر سنة ١٩٢٤، والخطب التي منها خطبة للمؤلف، ثم قال: ومن مضامين هذه الرسالة يتبيّن للقارئ مبلغ النهضة العلمية في المغرب الأقصى, وحسن اتجاهها إلى ما يرقِّي

стр. 27

الفكر، ويثقِّف العقول. ٤- رسالة تتضمن محاضرة الأستاذ الحجوي, وزير المعارف المشار إليه في المسامرات "المحاضرات" بحاضرة فاس، وموضوعها: "مستقبل تجارة المغرب" وقد ضمَّنَها أفانين من الأحوال التجارية من الوجهة الدينية والاقتصادية والتاريخية، وقد أوَّل كلام المؤرخ ابن خلدون في مقدمة تاريخه "إن التجارة نازلة عن خلق الرؤساء, وبعيدة عن المروءة" فقال: إن المراد بها تجارة أولئك الضواطرة الذين ينزلون الأسواق، وليس معهم آداب التجارة وعلومها, سوى الختل والخديعة. الإمضاء المغربي ثم جاء مكتوب خاص من حضرة العلامة المحقق السيد عبد القادر المغربي الدمشقي المذكور, ونصه: بسم الله, إلى السيد السند الأجلِّ, مولانا الأستاذ محمد الحجوي الثعالبي -حرسه الله تعالى آمين. بعد حمد الله والصلاة على نبيه, أعرض أنها وصلت هديتكم, وهي الجزء الثالث من تأليفكم "الفكر السامي", وكنتم منذ حين أرسلتم إلينا الجزءين الأولين باسمنا, وآخرين باسم المجمع, إلى أن قال: ولعلي أوفق إلى أن أكتب عليه كتابة توفيه حقَّه، فإنه يعلم الله خير ما كتب في عصرنا هذا عن الدين الإسلامي، وسر التشريع فيه. وقد طالعت الجزءين الأولين، فأعجبني منهما حسن التنسيق، وجودة الاستنتاج، وغزارة المادة، وجزالة الفائدة, فلا زلت أيها السيد منارًا يهتدى به، ويستضاء بنور علمه، وأنا بعد لم أطالع الجزاء الثالث، فسأطالعه، وأنتظر الجزء الرابع حتى إذ وصلني عدت، فكتبت في تقريظ الكتاب ما يفي بحقه إن شاء الله, إلى أن قال: وأختم كتابي بالدعاء والسلام. الداعي المغربي.

стр. 28

تقريظ وزير المعارف بدولة الشام, ورئيس المجتمع العلمي العربي, العلامة النابغة ذي التآليف السائرة مسيرة الشعاع, أبي عبد الله محمد كرد علي -حرسه الله, ونصه: دولة سورة وزارة المعارف، الديوان رقم ٦, لحضرة الأستاذ المحقق سيدي محمد الحسن الحجوي الثعالبي وزير المعارف في المملكة الشريفة المحترم. سيدي الأستاذ، وصلني الجزء الثالث من "الفكر السامي" الذي خطته براعتك، وأملاه علمك، وإن عالم الأدب العربي ليرحب بكل سفر يصدر من معدن فضلك، ويغتبط بأياديك البيضاء على العلم في بلادك, وفقني الله وإياك إلى ما فيه نفع المسلمين والعرب بمنِّه وكرمه. دمشق في ١٣ ذي العقدة ١٣٤٩، "١" آذار ١٩٣١. وزير معارف سورية, ورئيس المجمع العلمي العربي, محمد كرد علي. تقريظ العضو المتطوع بمجلس القروين، العضو بالجمع العلمي العربي الدمشقي. العلامة المحدث الشيخ أبي عبد الأحد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني الشهير, ونصه: الحمد لله, إن أحسن ما تحلّت به الآذان والمسامع، واتخذ زينة للمحافل والمجامع، ما كان من الأوضاع جديد الاختراع، وأجادته يد الإبداع, ومن ذلك ما جادت به قريحة العبقري الأوحد، السري النابه الأسعد، الحلاحل العلامة، الذي جعل ضروب الرفعة مقامه، وابتزاز الفرائد اهتمامه, الأستاذ المشارك النابغة، مندوب المعارف أبي عبد الله محمد الحجوي, أقرَّ الله به أعين البلاد، وزيَّنَ به سماء الإصعاد، ورمى بقوسه الباتر عيون اهل الفساد والإفساد، في كتابه المعجب، فقد اجتليت مقاصد أجزائه الأولى، وتتبعت مضامينه المثلى، فوجدته أجاد فيها وأفاد وحرَّر وهذَّب وزاد، وجمع واختصر وقرر، وفصَّل وبوَّب وحرَّر.

стр. 29

فهكذا هكذا إلا فلا لا. وإن موضوعًا شيقًا كالموضوع الذي انتدب له المواضيع الجديرة باهتبال العملة وإصغاء النقلة، واستفادة المستفيدين، وإقبال المقبلين؛ لأن فقهنا الإسلامي أحسن فقه، وأفضل قانون، وأكمل وحي يعمل به ليوم المنون، فالعلم بتاريخه يزيد وقعًا في القلوب، وشكرًا لواضعه علام الغيوب, ومبلغه أفضل نبي وأكبر مشرّع، أنالك أشرف مطلوب، فإذا ضمَّ لنفاسة الموضوع جزالة الترصيف والإتقان المرفوع، كأن الناظر والمستمع كالمستنشق أزهار بستان، والمستجلي عرائس أذهان، ونتائج قرائح وأطيب أفنان، فهاكه كتابًا عز مطلبًا، وجل رتبًا، فخذه من الشاكرين، واستجل محاسنه للنهابهين، والحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. ٩ ذي القعدة "١٣٤٩", عبد الحي الكتاني. تقريظ قاضي الجديدة سابقًا ومفتى فاس، وخطيب حرمها الإدريسي, العلامة المحقق سيدي العابد السودي القرشي حفظه الله, ونصه: الحمد لله المانح لذوي الأفكار السامية من مواهب العلوم والمعارف, ما سنح لهم به الدخول إلى روضة الرقائق واللطائف، ذات التربية الباهرة، والمعادن الفاخرة، والزهور العاطرة, المرصَّعة الجوانب الشاسعة، والزوايا الواسعة، بالأشجار اليانعة الأغصان, المثمرة بأنواع الفواكه الحسان, صنوان وغير صنوان، فسبحان مولانا الذي هيأ لمن شاء من ذوي الأفكار السامية أسباب الاقتطاف من الزهور الجميلة الأوصاف، اليانعة بروض المعارف والعلوم, ومنحهم الاقتدار بمعونته على استخراجهم له من منطوق ومفهوم, وإبراز ما خفي من مكنون مبانيها, واستخلاص ما حوته من اليواقيت في خبايا معادنها، إلى أن اجتمع لديهم بحسن وضعه، ومهارة صنعه, عقول ذوي العقول, ويسلب كل ذي لب، بما أودع فيه كل ما يؤمل على الاستغراق والشمول، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل "أنا مدينة العلم وعليّ بابها", وعلى آله وأصحابه، وكل من تعلق من أمته بعرى العلوم وأسبابها. وبعد, فيقول أسير كسبه العبد الفقير إلى مولاه, العابد بن أحمد السودي القرشي, لا يزال يرفل في ظل رحمة مولاه ويمشي: لما ساعدتني الأقدار الإلهية

стр. 30

والمواهب الصمدانية بمطالعة التأليف المسمى "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", الذي هو تأليف أخينا العزيز، والمبرز على منصَّة وزارة العلوم والمعارف الإسلامية أتمَّ تبريز, بما له من غزارة العلوم وحسن التدبير والتميز, البحر الخضم الذي لا يدرك ساحله، والبر الخصيب الذي لا تطوى مراحله, والطراد الشامخ الذي حنت إليه الفضائل السامية، السياسي الغيور المتمسك بالسنة النبوية العالية، الفرد الذي كسى بحرير تحريراته حرائر المعارف، وحلى بيواقيت أفكاره عرائس اللطائف، المشارك النحرير الذي لا يجارى في ميدان العرفان، الدراكة الشهير الذي لا يقابل عند المساجلة إلا بالتسليم والإذعان, النبيه المتيقظ الذي فاق كل من يكتب ويروي, أبي عبد الله سيدي محمد بن الأستاذ المنعم بكرم الله سيدي الحاج الحسن الثعالبي الشهير بالحجوي، حفظ الله مجادته وأعلى مقامه، ومهَّد له سبل المعالي مع السلامة، ومزيد الاستقامة، القائل لسان حال مؤلفاته: تلك آثار تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار وتأملت جملة وافرة من مبانيه، وأمعنت النظر في تراكيب معانيه، فوجدته كما قال القائل: وخريدة برزت لنا من خدرها ... كالبدر يبدو من رقيق غمام تسبي من العرب العقول بأسرها ... وتطير لب الروم والأعجام فاشتد للتعليق به هيامي، وأضرمت لتقريظه نار غرامي، فلم أشعر إلّا والنداء خلفي وأمامي، اتئد أيها النبيه، وهون على خلدك، فما عسى أن تقول فيه، ولسان حاله يصرخ بملء فيه، فقريض أبي الثناء تقريظه منه نفسه، فرجعت إلى نفسي وقلت لها: وايم الله ما خوطبت إلّا بمقالة صدق, ولا سمعت إلا صميم حق، فمعاينة الأثر تغني عن الخبر، فلله دره من مؤلف، ياله من مصنف، أسس على تحرير المناط، كأنه تحريرات القرافي وابن الشاط، ضمَّنه من الأفعال الصريحة والأحاديث الصحيحة ما تطمئن له النفوس، ويقول كل منصف: لا عطر بعد عروس، وكيف لا ولم يسبق لهذا الصنيع العجيب،

стр. 31

والميع الغريب، أحد من فحول السلف، ولا رمى مرماه حاذق الخلف، ولا اقترب من حماه مؤرخ نجيب, ولا صاحب المعية أريب، ولا اهتدى أحد من المبتكرين للإشارة لهذا المنزع المصيب، مع مسيس الحاجة إلى معرفة أحوال نشأة الفقه وتطوراته، وكيفية تأصيلاته وتفريعاته, فسبحان مولانا الذي ادَّخر هذه المنقبة العظيمة لهذا الرجل العظيم، ووفقه إلى استخلاص المناهج الفقهية والأدلة الشرعية وخلاصة السنة النبوية المرعية، وجعل علمه موضوع عمله المبرور, والسعي المشكور, مع تفوقه في بيان أساس المجتهدين، وما جرى به عمل الصحابة والتابعين، وكأني به يقول بلسان حاله الصريح, لمن يحاول تقريظ هذا المشروع: هيهات فإنك كمن يرى الناس محاسن القمر ليلة إبداره بإيقاد الشموع، يا له من مشروع سدلت عليه حلة الحمد والثنا، وأديرت كئوس معارفه على ذوي الإنصاف بالرحيق، وأضرمت حرارة شهبه في أكباد الحسدة من نار الحريق، فكشرًا لك أيها المؤلف بعد شكر من ألهمك لهذا الصنيع، وهنيئًا لك بهذا الغرس البديع، الذي رأيت نضارة محاسنه على نضارة رياض الربيع, لازلت ترفل في رياض العلوم غاديًا ورائحًا، وفي كل أعمالك السرية والجهرية ساعدًا ناجحًا، وأثابك على علمك بمضاعفة الحسنات، والعفو عن السيئات. تقريظ مفتى فاس سابقًا, وابن مؤسسها وقاضي تازة سابقًا, ووجدة حالًا, العلامة المحرر مولاي إسماعيل الإدريسي الحسني, ونصَّ بعد الديباجة: يظن كثير من الناس أن المغرب الأقصى شاغر من العلماء أرباب الأفكار الحكيمة, والأقلام السيالة بالحقائق الفلسفية الناصعة, مصورة بصورة المحسوس الملموس, والمفيدين بابتكار الموضوعات الهامة في التأليف والنشر، ومن حكماء ماهرين يحللون المعلومات تحليلًا كيمياويًّا يدل على حياة العلم في أقصى المغارب، ولكن لا يزال الزمان يرينا خلاف ذلك على طريق نقيض، يرينا أن بين ظهرانينا ومن فلذات كبد ذلك المغرب، ومن أبناء جلدتنا العلماء والحكماء والمفكرين والمبتكرين والمفيدين، وناهيك في هذا الباب بذلك العلامة الحلاحل، والأستاذ الفرد الأوحد، الوزير الأمثل, سيدي محمد الحجوي الثعالبي، وناهيك

стр. 32

دليلًا على ذلك ما أبداه من الفكر السامي، فإنه فكر وسام حقيقة، بل هو الآية الكبرى, وهو فلسفة, ولماذا فلسفة الفقه وعمر الدين مهذبه جامعة مقربة, أبرزها رافلة في حلل التحقق التحرير، والتنميق والتحبير, دالة على غلط ذلك الظن، وعلى أن للمغرب رجالًا حكماء، فشكرًا لك أيها الأستاذ، وكفانا فخرًا وجود أمثالكم, يتحلى بهم جيد العالمية بالمغرب الأقصى والسلام. وجدة في ٤ ذي الحجة ١٣٤٩, قاضي وجدة إسماعيل الإدريسي. تقريظ نابغة كتاب وشعراء القطر التونسي, وعين أعيانه رئيس التشريفات الملوكية سابقًا, وشيخ مدينة بنزرت, الجنرال وشيخ مدينة بنزرت, الجنرال السيد محمد بن خوجة, ونصه: بعد الحمدلة والصلاة، العلامة النحرير، المتحلي من الكمالات بكثير, الأستاذ الأرضى، والهمام الأحظى، الشيخ سيدي محمد الحجوي، مندوب المعارف، والجامع بين تيدها والطارف، حرس الله مقامه، وأيد بنوره قوله وكلامه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد وصلنا -وصلتكم السعادة الحسنى وزيادة- الربع الثالث من كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", وقد سرحنا طرف الطرف، فإذا هو غزير الفائدة، عميم الإجادة, جدير بالتهاني كشقيقه الأول والثاني، بحيث جاء متممًا لما تقدمه من التعريف بأصول التكليف، وبيان القول الصحيح منها من الضعيف, تلقاء مادة الروح الإسلامية، التي هي النطفة الفقهية المستمدة من الآيات الشريفة، المتممة لمبارك الأحاديث الصحيحة، والأقوال الراجحة النافعة التي هي للشبهات دافعة، وللكتاب والسنة راجعة، وأنه بلسان الحق لصنيعٍ مشكور, سيحفظ لكم إن شاء الله جميل الذكر مذ الأعوام والدهور, كيف لا وشهرة فضلكم وغزارة علمكم بعدت بمثلها العهود، وفي عالم الغيب والشهود، والرجاء بالله أن يعينكم على إنجاز مشروعكم, بإبراز الربع الرابع مع ما يتبعه من خاتمة الكتاب المشرئبة نحوها عيون الألباب، لأنها الركن الركين، لتعلقها بكيف يكون التجديد المتين، نسأل الله تعالى أن يديم لكم النفع دوام الوتر والشفع، وأن يحرس مهجتكم، ويصون بهجتكم, ومعاد السلام عليكم, من أخيكم المتهج

стр. 33

بكمالاتكم، المكرر لسانه لوافر حسناتكم، وجميل صفاتكم، فقير ربه, أمير الأمراء محمد بن الخوجة عامل بنزرت -لطف الله به- في ٢٢ جمادى الأخيرة، وفي نوفمبر ١٩٣٠-١٣٤٩. تقريظ الفقيه النبيه العلامة المتفنن الصوفي قاضي وجدة ثم الجديدة سابقًا, وقاضي سطات الآن, أشهر قضاة المغرب, سيدي الحاج أحمد سكيرج, ونصه: بسم الله أصول وبحمده أقول، قد طالعت كثيرًا من كتب أهل العصر , ولم أك ممن يعيض عن الاستفادة من تأليف أهل عصره، والاستطلاع على مخبآت مفارق علماء مصره، بل لي ولوع تامٌّ بصرف نفيس الأنفاس في مطالعة ما كتبوه، وبذل أنفس النفائس في اقتناء ما ألفوه، ولم آل جهدًا في محاربة عوامل النفس في إلزامها بتنزيل التناس منازلهم بما أمكنني، فلم أر منها منصفًا يخضع أمام أئمة العصر بإذعان تام, مثل المنصف الذي تجسدت فيه ذاتًا لطيفة ذات السنة, رطبة بالثناء الجميل من سائر الوجوه, حضرة مندوب العلوم والمعارف بالإيالة المغربية الشريفة, الشيخ الإمام أبي الحسن العلامة الشهير, سيدي محمد الحجوزي الثعالبي, عندما اطَّلعت على تأليفه المعنْوَن بالفكر السامي، ذلك لأنه مستحق لما أقول وفوق ما أقول، طالعت كتابه المذكور، فشاهدت أنوار المعارف مشرقة من خل ألفاظه الدرية، وبيان معانيه السحرية، وإن من البيان لسحرًا، فقد كادت قبل تصفح صفحاته أن تفصح عمَّا انطوت عليه، وتنظر العمي إلى سطوره، وتسمع الصم كلماته, في غيبته وحضوره، وهو السهل الممتنع عن الغير الإتيان بمثله. ولقد حاولت تقريظه، فتلعثم مني اللسان، وارتعشت مني البنان، فأطرقت منه خجلًا، وأنشدت من بحر الخبب مرتجلًا. الفكر السامي في الكتب ... كالشمس ولكن لم تغب طالعه تجده منطويًا ... في العلم على كل العجب يشفي من داء الجهل ولا ... يبقى جهلًا من ذي طلب فيه الآيات مبينة ... للنا س الحق بلا ريب

стр. 34

ما الروض إذا الأفنان به ... ازدهرت علياه مدى الحقب وبه الأنوار تفوق شذا ... وشدا فيها الحادي العربي وأجابته الأطيار لا بما ... يدع العشاق مع الطرب وهم لعذارهم خلعوا ... وانجلت عنهم كلُّ الكُرَبِ طابت لهم أوقاتهم ... في هذا الروض بلا نصب في الناس بأبهج من هذا ... "الفكر السامي" بين الكتب لم لا ومؤلفه علم العـ ... لم العالي أعلى الرتب "الشيخ الحجوي" من شهدت ... بالفضل لله أهل الحسب ما من علم صعب إلا ... وله أضحى ملقى السلب ولديه ترى يجثو العظما ... من بين يديه على الركب فأفادهم علمًا جمًّا ... وجلا عنهم كل الحجب لله أبوه فقد كملت ... فيه الحسنى مذ كان صبي همم في العليا منه سمت ... وبهم عن كل الضيم أبي وأبان الحق ولا عجب ... أن أحيا العلم مع الأدب فالله يديم سلامته ... ويقيه من كل النجب ويديم به نفعًا فما ... ويؤيده طول الحقب وقلت أيضًا من بحر البسيط من الضرب المقطوع: أنى لفكر سما في سلم الفهم ... يعلو على فكرك السامي سما العلم يا أيها السند الحجوي الذي شهدت ... بفضله فضلاء العرب والعجم لك التقدم في علم وفي عمل ... وبحر صدرك بالدر المسني رمي

стр. 35

لله ما أنت مسد من عظيم جدًّا ... أسراره قد سرت كالروح في الجسم ألفت خير كتاب عُدَّ موقعه ... بين التآليف مثل المخ في العظم كتاب علم صحيح فيه معرفة ... وحكمة أحكمت بمحكم الحكم كتاب علم صحيح لست أمدحه ... وحدي بما فيه من إنارة الفهم إني أقول لمن قد رام يجحده ... دع الجحود الذي عن الهدى يعمي طالعه واحكم على ما قلت معترفًا ... بالحق في حقه إن كنت ذا حزم أبوابه كلها في العلم قد فتحت ... مغالق الفهم والتفهيم للقوم فصوله كلها في العلم جامعة ... من دره ما علا وازدان في الرقم ترى تراجمه يزداد رونقها ... بما أجاد به في الحرب والسلم يريك حسن صنيع منه جاد به ... وكم به لمزيد العلم من غنم من يدَّخره فقد تمت خزانته ... من نقصها إن يرد علمًا بلا وهم أما مطالعه ففي الجهالة قد ... كفاه بالعلم ضر الهم والغم بشر مطالعه بالعلم وهو به ... له كفيل مع التحقيق بالجزم فاشدد عليه يديك ثم عض عليها ... بالنواجذ فهو فائق النظم واظب عليه وحصل ما حواه لكي ... تكون في العصر ممن فاق بالعلم هذا زمان به شمس العلوم بدت ... في الأفق تنفي ظلام الجهل والظلم ولا ترقى إلّا بالعلوم ولا ... ولاء للجهل عند صاحب الحزم لا خير في الجهل في سرٍّ وفي علن ... والجهل في كل حال خص بالذم وخير داعية في قطرنا ظهرت ... في عصرنا العالم الحجوي أخو الحلم يغضي عن الجاحدين وهو يعمل ما ... في طوقه في انتشار علمه الجم

стр. 36

يدعو إلى العلم وهو غير ملتفت ... لما يصادفه في البدء والختم فالله سبحانه يديم حرمته ... وفي العلا دائمًا يعلو على النجم أحمد سيكرج -أمَّنَه الله. تقريظ الفقيه العلامة وقاضي دمنات الآن, أبي العباس أحمد بن محمد بن المدني السرغيني, ونصه: الحمد لله مَنْ آتاه حِفْظَ الوصية، ومنحه نصيحة الرعية، وألهمه عدل القضية، وأنعم عليه بأن فوّض أمر العلماء إليه، حافظ الصعر المحدث الشهير، العلامة النحرير، السيد محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي, بعد السلام التام، عن خير مولانا الإمام، فإن العصر الجديد صار قديمًا بما مر عليه بمؤثرات الانتظار، وأصبح الفكر يستنير بمصابح الاعتبار، ويستنصر بالأفكار، ويقول في عالم القوة والأقطار، إذا ما الفكر حار بتشويش تراتيب الأخطار، وإذا ما جهل التراجم جار, فلا ننسى مزية ضوء سامي الأفكار, فإنه لا فضل في جمع الحدث والاضطرار، بدون تأمل واعتبار، وإنما الفاضل من استطاع بملكة التصرف، وصناعة النقد والاختيار، فعلم الفقيه بما كتب، لا بما نصب، فإن استخدم العلوم والتفوق في علوم الآلات يطفئ حرارة البرية بالمنافع العصرية، لازلتم عصابة فضل تعقد على مدحكم الخناصر، وتختم على حبكم السرائر، لو كان بي أن أشكرك لظنَّ في تحسينه، أو أمدحك لرأي لك فيما أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك، ويجري في الشكر إلى الغاية كما يطلبه فضلك، لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت به من حولنا، وبسطت على القريب والبعيد من أبناء لغتنا، لازلت تنبه من العلماء الخامد، وتهز فيهم أريحية الجامد، بل لا تنفك تحيى من قلوبهم ما أماته التقهقر بالقسوة، وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة، حكمة أفاضها الله على يديك، فجردتها من ثوبها الغريب، وكسوتها حلة من نسج النصوح الحبيب، كتاب يتيم بين أترابه، عزيز بين طلابه، شاهد لنفسه بنفسه، بمعانيه المشرقة من آفاق ضمسه, تريق لفكر قارئه, بعلاج فنونه كيف يشاء، ويستفيد منه ما يشاء، فهو في خزانة الفقيه منفعة، وللمحدث في فهرسته دروس مودعة، يزداد به أهل

стр. 37

الفن في بلاغتهم وأدبهم، وأهل الحديث والتحديث في فصاحتهم، وليست هذه أول فائدة التقطت من هذه المائدة الكاشفة للعلماء عن المعاهد المشاهد، سبوح لها منها عليها شواهد. وكتبنا هذا على نية الاعتذار، وقصد الإذكار ملتمسًا إتمام ما بدا، من شهرة الندا، بتعجيل ذلك المقتدى، ولكن في ذلك مأثرة في كل مكان, وتشكر بكل لسان. بشرت دورسي بالذي قد رأيته ... فما محنتي الإليال قلائل وقلت لفكر السامي فينا مزية ... فليس لنا من دهرنا ما ننازل فلا برحت لعين العلم إنسانًا, ولازلت على المجد والفضل عنوانًا، يا بحر العلم الزاخر، لمثل هذه المآثر، جاز قولهم: كم ترك الأول للآخر، أبقاكم الله منفعة للإسلام، وعلى صميم المحبة والسلام. في منتصف ربيع الأنور الأزهر عام ١٣٤٨, إمام الضريح العباسي, أحمد بن محمد المدني السرغيني -سامحه الله بفضله. تقريظ علامة القطر الجزائري, أشهر عالم مفكر فيه, ورئيس علمائه كافة, الشيخ عبد الحميد بن باديس, المدرس بقسنطينة, وصاحب مجلة الشهاب, ونصه: حمدًا وصلاًة وسلامًا, قسنطينة في ١٠ رمضان عام ١٣٤٥. العلامة الأستاذ سيدي محمد الحجوي المحترم, سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فقد تشرفت بهديتكم النفيسة الغالية, الربع الأول من الفكر السامي من تاريخ الفقه الإسلامي، فنعم موضوعًا طرقتم, وأسلوبًا فيه سلكتم، وإن كتابكم هذا إن شاء الله هو أساس النهضة الفقيهة في جامع القرويين, المعمور نهضة تبنى على النظر والاستدلال، فيخرج بها العلم من جمود التقليد إلى سعة الاتباع

стр. 38

بالدليل، وإلى هذا فإني مدين لجنابكم بسبقكم إلى ربط سبب التعارف بيننا, لازلتم لكل فضل سابقين, فلكم على دوام العهد وإخلاص الود من قلب يمقت أشد المقت فئة المنافقين والمتملقين، والسلام معاد على فضليتكم, من أخيكم في الله: عبد الحميد بن باديس -لطف الله به. تقريظ الفقيه علامة طنجة ونواحيها, الأستاذ الشيخ سيدي عبد الصمد بن التهامي -حفظه الله, ونصه: الحمد لله وحده, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. مجادة الأخ في الله الفقيه الأجل العلامة المحدث الأستاذ المبجَّبل سيدي محمد الحجوي، رعاكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله, بوجود مولانا علاه وبعد: فقد وصلتنا هديتكم السنية، وتحفتكم البهية، كتابكم الوحيد, ومؤلفكم الفريد, المسمى "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" فانشرح لها الصدر، وابتسم لهما الثغر، ووقعت بمكان في الجنان، وفسحنا لها في خزانة العلم أرفع مكان, ناهيك به من مؤلف طرق موضوعًا من أشرف المواضيع، وتفجر ينبوع سلسبيله من أرفع الينابيع, يا له من كتاب هو في الفقه الإسلامي فصل الخطاب، فنشكركم كثيرًا على هذه التحفة، ونُجِلُّ قدركم على هذه الطرفة, جعله الله خالصًا لوجهه الكريم, عظيم الأجر في دار النعيم، ونحن ننظر بكل تشوق النصف الباقي, أعانكم الله على إتمام نشره الدائم الباقي، ودمتم وفق ما رمتم، وعلى الأخوة, والسلام. حرِّرَ بطنجة في عشرين ربيع النبوي الأنور عام ١٣٤٨. عبد الصمد بن التهامي جنون -كان الله له.

стр. 39

كما قرظته جرائد ومجلات في الأقطار الإسلامية, عربية وغيرها, فلنقتصر على نزر معتذرين للأكثرين. فمن مقالة افتتاحية لجريدة السعادة العربية, عددها ٣١٠٠ بتاريخ ١٢ عام ١٣٤٥, وهي مقالة طويلة وصف بها الكتاب وصفًا مدققًا, نقتطف منها فقرات: قال بعدما ذكرت الجمود الذي اعترى الأمم الإسلامية على كل قديم, والاكتقاء بالافتخار والاستكثار بما فعله الآباء, وخلده من المآثر وتقليدهم, وسد باب الاجتهاد, إلى أن قالت: وكان المفكرون في الأمر لا يعدو فعلهم فتح الأفواه وسدها على التأنف والتأسف, ويا ليت شعري ماذا كانت تصبح العاقبة لو لم يتح لنا القدر أفرادًا أحسّو الخطر الحائق، يقاومون ويكافحون إلى أن أوجدوا هذه الحركة الفكرية التي يروقنا أن نحييها اليوم في شخص زعيمها، ومؤسس أركانها, العلامة السيد محمد الحجوي, أحد أساتذة كلية القرويين، والمندوب المخزني في المعارف والعلوم, نقول هذا وبين يدينا كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", الذي وضعه هذا الأستاذ النحرير منذ نيف وسبع سنوات، وتأخَّر عن طبعه لأسباب لا نعلمها حتى كتابة هذه السطور, وقد كان كشف عن بعض فصوله ومحتوياته في عدة مسامرات ألقاها بنادي المدرسة الثانوية بفاس, في غضون سنة ١٩١٨، ومنذ ذلك الحين وطلبة العلم، وقضاة المحاكم يترقبون بروزه على أحرِّ من جمر الغضا، وما كان أشد ارتياحهم ساعة ما بشرتهم الجرائد الفرنسية والعربية، وفي طالعها السعادة بخروجه إلى حيز المطبوعات. اهتدى المؤلف إلى طريقة في الوضع جديدة غير مسبوقة بمثلها ... إلخ. ثم تكلم على تقسيم المؤلف، أحوال الفقه إلى أطوار أربعة، وأطال في بيان ذلك إلى أن قال: ولم يزل الأستاذ الحجوي يساير الفقه في تطوراته وتقلباته, ويتتبع خطواته موضحًا تارةً استحالة حاله، وأخرى موجبات تغيراته، وهو في كل ذلك يحرر ويدقق، ويسبر الأغوار لاستخراج الحقائق من أصدافها, حتى إذا وصل إلى رأس المائة الأولى, إلى أن قال: وفي هذا الحضيض أو هذه

стр. 40

الشيخوخة, يعني في المائة الخامسة فما بعدها، وقف عليه الأستاذ الحجوي في جملة من وقفوا، فشكا حاله، ورثى مآله، واعتزم إنقاذه وانتشاله، وليس هذا الإنقاذ بالشيء العسير لو كان للمؤلف وأشباه المؤلف أعوان وأنصار على العمل الصالح وإصلاح الأعمال أهـ. وقد خصصت أيضًا مقالة لتظريظ الجزء الثاني، وأخرى للثالث عند ظهورهما, ونقلت تقاريظ عن أفراد نوابغ من علماء المغرب, كما نقل غيرها من الجرائد من غيرهم من النوابغ. وقد قرظته الزهرة والنجاح والشهاب, وغيرها من جرائد أفريقية والشام ومصر ومجلاتها, مما يطول جلبه ولا تبعد مراجعته. مما أتى في بعض الجرائد الأجنبية ما جاء في جريدة لافيجي الفرنسية بالمغرب. نقتطف منها بعض فقرات, هي نفثات من قلم المسشرق المتضلع من العلوم الإسلامية, موسيولوي موسى القنصل جنرال، ومفتش العام للأمور الأهلية بالمغرب إذ ذاك، وفي عددها ٥٧٦٢ بتاريخ ٣ ماي ١٩٢٧ تحت عنوان: حادث جديد في عالم الأدب المغربي إن عالم مغربنا نائب الدولة المغربية في المعارف العمومية, سيدي محمد الحجوي, أظهر تاريخًا للفقه الإسلامي تحت عنوان: "الفكر السامي", وقد أصدر منه الربع الأول من الأربعة الأجزاء التي يتركب منها الكتاب، وهو جزء لطيف يقع في ١٥٦ صحيفة عامرة السطور، وقد ابتدأ طبعه في مطبعة المعارف بالرباط، وأكمله في مطبعة البلدية بفاس في خلال خمس سنين, وذلك أن آلتنا الطباعية ليست بكافية الآن. ولندخل في الموضوع فنسارع بقولنا: إن سيدي محمد الحجوي قد اعتمد عند خوضه في هذا الموضوع أصوب المبادئ وأوفقها للدين الإسلامي الحنيف, التي ترى أن الفقه الإسلام علم ديني، وأنه موحى به، وعلى الأخص أصوله
следующие страницы →