← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يدعو إلى العلم وهو غير ملتفت ... لما يصادفه في البدء والختم فالله سبحانه يديم حرمته ... وفي العلا دائمًا يعلو على النجم أحمد سيكرج -أمَّنَه الله. تقريظ الفقيه العلامة وقاضي دمنات الآن, أبي العباس أحمد بن محمد بن المدني السرغيني, ونصه: الحمد لله مَنْ آتاه حِفْظَ الوصية، ومنحه نصيحة الرعية، وألهمه عدل القضية، وأنعم عليه بأن فوّض أمر العلماء إليه، حافظ الصعر المحدث الشهير، العلامة النحرير، السيد محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي, بعد السلام التام، عن خير مولانا الإمام، فإن العصر الجديد صار قديمًا بما مر عليه بمؤثرات الانتظار، وأصبح الفكر يستنير بمصابح الاعتبار، ويستنصر بالأفكار، ويقول في عالم القوة والأقطار، إذا ما الفكر حار بتشويش تراتيب الأخطار، وإذا ما جهل التراجم جار, فلا ننسى مزية ضوء سامي الأفكار, فإنه لا فضل في جمع الحدث والاضطرار، بدون تأمل واعتبار، وإنما الفاضل من استطاع بملكة التصرف، وصناعة النقد والاختيار، فعلم الفقيه بما كتب، لا بما نصب، فإن استخدم العلوم والتفوق في علوم الآلات يطفئ حرارة البرية بالمنافع العصرية، لازلتم عصابة فضل تعقد على مدحكم الخناصر، وتختم على حبكم السرائر، لو كان بي أن أشكرك لظنَّ في تحسينه، أو أمدحك لرأي لك فيما أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك، ويجري في الشكر إلى الغاية كما يطلبه فضلك، لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت به من حولنا، وبسطت على القريب والبعيد من أبناء لغتنا، لازلت تنبه من العلماء الخامد، وتهز فيهم أريحية الجامد، بل لا تنفك تحيى من قلوبهم ما أماته التقهقر بالقسوة، وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة، حكمة أفاضها الله على يديك، فجردتها من ثوبها الغريب، وكسوتها حلة من نسج النصوح الحبيب، كتاب يتيم بين أترابه، عزيز بين طلابه، شاهد لنفسه بنفسه، بمعانيه المشرقة من آفاق ضمسه, تريق لفكر قارئه, بعلاج فنونه كيف يشاء، ويستفيد منه ما يشاء، فهو في خزانة الفقيه منفعة، وللمحدث في فهرسته دروس مودعة، يزداد به أهل

стр. 37

الفن في بلاغتهم وأدبهم، وأهل الحديث والتحديث في فصاحتهم، وليست هذه أول فائدة التقطت من هذه المائدة الكاشفة للعلماء عن المعاهد المشاهد، سبوح لها منها عليها شواهد. وكتبنا هذا على نية الاعتذار، وقصد الإذكار ملتمسًا إتمام ما بدا، من شهرة الندا، بتعجيل ذلك المقتدى، ولكن في ذلك مأثرة في كل مكان, وتشكر بكل لسان. بشرت دورسي بالذي قد رأيته ... فما محنتي الإليال قلائل وقلت لفكر السامي فينا مزية ... فليس لنا من دهرنا ما ننازل فلا برحت لعين العلم إنسانًا, ولازلت على المجد والفضل عنوانًا، يا بحر العلم الزاخر، لمثل هذه المآثر، جاز قولهم: كم ترك الأول للآخر، أبقاكم الله منفعة للإسلام، وعلى صميم المحبة والسلام. في منتصف ربيع الأنور الأزهر عام ١٣٤٨, إمام الضريح العباسي, أحمد بن محمد المدني السرغيني -سامحه الله بفضله. تقريظ علامة القطر الجزائري, أشهر عالم مفكر فيه, ورئيس علمائه كافة, الشيخ عبد الحميد بن باديس, المدرس بقسنطينة, وصاحب مجلة الشهاب, ونصه: حمدًا وصلاًة وسلامًا, قسنطينة في ١٠ رمضان عام ١٣٤٥. العلامة الأستاذ سيدي محمد الحجوي المحترم, سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فقد تشرفت بهديتكم النفيسة الغالية, الربع الأول من الفكر السامي من تاريخ الفقه الإسلامي، فنعم موضوعًا طرقتم, وأسلوبًا فيه سلكتم، وإن كتابكم هذا إن شاء الله هو أساس النهضة الفقيهة في جامع القرويين, المعمور نهضة تبنى على النظر والاستدلال، فيخرج بها العلم من جمود التقليد إلى سعة الاتباع

стр. 38

بالدليل، وإلى هذا فإني مدين لجنابكم بسبقكم إلى ربط سبب التعارف بيننا, لازلتم لكل فضل سابقين, فلكم على دوام العهد وإخلاص الود من قلب يمقت أشد المقت فئة المنافقين والمتملقين، والسلام معاد على فضليتكم, من أخيكم في الله: عبد الحميد بن باديس -لطف الله به. تقريظ الفقيه علامة طنجة ونواحيها, الأستاذ الشيخ سيدي عبد الصمد بن التهامي -حفظه الله, ونصه: الحمد لله وحده, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. مجادة الأخ في الله الفقيه الأجل العلامة المحدث الأستاذ المبجَّبل سيدي محمد الحجوي، رعاكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله, بوجود مولانا علاه وبعد: فقد وصلتنا هديتكم السنية، وتحفتكم البهية، كتابكم الوحيد, ومؤلفكم الفريد, المسمى "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" فانشرح لها الصدر، وابتسم لهما الثغر، ووقعت بمكان في الجنان، وفسحنا لها في خزانة العلم أرفع مكان, ناهيك به من مؤلف طرق موضوعًا من أشرف المواضيع، وتفجر ينبوع سلسبيله من أرفع الينابيع, يا له من كتاب هو في الفقه الإسلامي فصل الخطاب، فنشكركم كثيرًا على هذه التحفة، ونُجِلُّ قدركم على هذه الطرفة, جعله الله خالصًا لوجهه الكريم, عظيم الأجر في دار النعيم، ونحن ننظر بكل تشوق النصف الباقي, أعانكم الله على إتمام نشره الدائم الباقي، ودمتم وفق ما رمتم، وعلى الأخوة, والسلام. حرِّرَ بطنجة في عشرين ربيع النبوي الأنور عام ١٣٤٨. عبد الصمد بن التهامي جنون -كان الله له.

стр. 39

كما قرظته جرائد ومجلات في الأقطار الإسلامية, عربية وغيرها, فلنقتصر على نزر معتذرين للأكثرين. فمن مقالة افتتاحية لجريدة السعادة العربية, عددها ٣١٠٠ بتاريخ ١٢ عام ١٣٤٥, وهي مقالة طويلة وصف بها الكتاب وصفًا مدققًا, نقتطف منها فقرات: قال بعدما ذكرت الجمود الذي اعترى الأمم الإسلامية على كل قديم, والاكتقاء بالافتخار والاستكثار بما فعله الآباء, وخلده من المآثر وتقليدهم, وسد باب الاجتهاد, إلى أن قالت: وكان المفكرون في الأمر لا يعدو فعلهم فتح الأفواه وسدها على التأنف والتأسف, ويا ليت شعري ماذا كانت تصبح العاقبة لو لم يتح لنا القدر أفرادًا أحسّو الخطر الحائق، يقاومون ويكافحون إلى أن أوجدوا هذه الحركة الفكرية التي يروقنا أن نحييها اليوم في شخص زعيمها، ومؤسس أركانها, العلامة السيد محمد الحجوي, أحد أساتذة كلية القرويين، والمندوب المخزني في المعارف والعلوم, نقول هذا وبين يدينا كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", الذي وضعه هذا الأستاذ النحرير منذ نيف وسبع سنوات، وتأخَّر عن طبعه لأسباب لا نعلمها حتى كتابة هذه السطور, وقد كان كشف عن بعض فصوله ومحتوياته في عدة مسامرات ألقاها بنادي المدرسة الثانوية بفاس, في غضون سنة ١٩١٨، ومنذ ذلك الحين وطلبة العلم، وقضاة المحاكم يترقبون بروزه على أحرِّ من جمر الغضا، وما كان أشد ارتياحهم ساعة ما بشرتهم الجرائد الفرنسية والعربية، وفي طالعها السعادة بخروجه إلى حيز المطبوعات. اهتدى المؤلف إلى طريقة في الوضع جديدة غير مسبوقة بمثلها ... إلخ. ثم تكلم على تقسيم المؤلف، أحوال الفقه إلى أطوار أربعة، وأطال في بيان ذلك إلى أن قال: ولم يزل الأستاذ الحجوي يساير الفقه في تطوراته وتقلباته, ويتتبع خطواته موضحًا تارةً استحالة حاله، وأخرى موجبات تغيراته، وهو في كل ذلك يحرر ويدقق، ويسبر الأغوار لاستخراج الحقائق من أصدافها, حتى إذا وصل إلى رأس المائة الأولى, إلى أن قال: وفي هذا الحضيض أو هذه

стр. 40

الشيخوخة, يعني في المائة الخامسة فما بعدها، وقف عليه الأستاذ الحجوي في جملة من وقفوا، فشكا حاله، ورثى مآله، واعتزم إنقاذه وانتشاله، وليس هذا الإنقاذ بالشيء العسير لو كان للمؤلف وأشباه المؤلف أعوان وأنصار على العمل الصالح وإصلاح الأعمال أهـ. وقد خصصت أيضًا مقالة لتظريظ الجزء الثاني، وأخرى للثالث عند ظهورهما, ونقلت تقاريظ عن أفراد نوابغ من علماء المغرب, كما نقل غيرها من الجرائد من غيرهم من النوابغ. وقد قرظته الزهرة والنجاح والشهاب, وغيرها من جرائد أفريقية والشام ومصر ومجلاتها, مما يطول جلبه ولا تبعد مراجعته. مما أتى في بعض الجرائد الأجنبية ما جاء في جريدة لافيجي الفرنسية بالمغرب. نقتطف منها بعض فقرات, هي نفثات من قلم المسشرق المتضلع من العلوم الإسلامية, موسيولوي موسى القنصل جنرال، ومفتش العام للأمور الأهلية بالمغرب إذ ذاك، وفي عددها ٥٧٦٢ بتاريخ ٣ ماي ١٩٢٧ تحت عنوان: حادث جديد في عالم الأدب المغربي إن عالم مغربنا نائب الدولة المغربية في المعارف العمومية, سيدي محمد الحجوي, أظهر تاريخًا للفقه الإسلامي تحت عنوان: "الفكر السامي", وقد أصدر منه الربع الأول من الأربعة الأجزاء التي يتركب منها الكتاب، وهو جزء لطيف يقع في ١٥٦ صحيفة عامرة السطور، وقد ابتدأ طبعه في مطبعة المعارف بالرباط، وأكمله في مطبعة البلدية بفاس في خلال خمس سنين, وذلك أن آلتنا الطباعية ليست بكافية الآن. ولندخل في الموضوع فنسارع بقولنا: إن سيدي محمد الحجوي قد اعتمد عند خوضه في هذا الموضوع أصوب المبادئ وأوفقها للدين الإسلامي الحنيف, التي ترى أن الفقه الإسلام علم ديني، وأنه موحى به، وعلى الأخص أصوله

стр. 41

إلى النبي ﷺ , وقد برهن المؤلف على استقلال في الفكر، وحرية في النظر مع شعور بحاجيات الأحوال الحاضرة, بحيث نعتقد إن أظهار هذا الكتاب هو حادث جديد في عالم الأدب المغربي. وإليك القالب الذي أفرغ فيه أبحاثه التي قسَّم إليها كتابه, إلى أن قال: ثم تلي بعد ذلك بالمقصود الذي هو موضوع البحث، وهو تطورات الفقه في توالى الأعصر، وفي هذا القسم يتجلَّى في نظرنا ما لهذا المؤلف من المقدرة العظيمة, بل ما له من البراعة المدهشة التي لم نر نظيرًا له فيها, إلى أن قال: ونعتبر أنفسنا قد قدَّمنا للقراء كلمة موجزة مصيبة عن هذا الكتاب إذا قلنا في حقه: إن سيدي محمد الحجوي قد قطع الوصلة بالتقاليد العتيقة المغربية التي كانت تحول دون الباحث في كتب المغاربة، سواء منها المطبوعة أو الخطية، فلم يقدم لنا حضرة المؤلف لا مختصرًا من نوع المختصرات المتركبة من مجموع أحاجي ألغاز تستلزم شروحًا وحواشي، ولا مطولًا من نوع المطولات المنتفخة بالزخرفات الفارغة، والتكرار الممل، والتي يضيع فيها الموضوع في سبيل البحث عن سجعة أو توازن فقر. ولكنه قدَّم لنا مثالًا من ذلك الأسلوب الحي الناصع السلس المتجرد عن كل تكلف, الواضح الدلالة, العالي النفس, لم يتكلف فيه نكتًا غريبة، ولم يتعمَّد فيه إظهار تعمق معرفة، وفي هذا الكتاب طرز في آخر الصحائف تبين بعض المهمات وبعض أفكار المؤلف أو غيره من المؤلفين والمؤرخين, متقن الطبع, فيه بعض الحروف مضبوطة زيادة في التوضيح، في آخر هذا الجزء جدول للخطأ المطبعي، وفهرسة للمواد، وباختصار: فقد جاء هذا الكتاب تأليفًا علميًّا فريد الصناعة, فيه أفكار جديدة مبتكرة مفرغة في أحدث قالب. إليك أيها الوزير بتشكراتنا، ولنتمنّ أن يقتدي الناس بك في هذا العمل، فما أعظم هذه التسهيلات التي أتيت بها، وما أعظم ذلك الوقت الذي اختصرته

стр. 42

على الباحث اهـ. ولما وصله الجزء الثالث لباريز، قرظه بكتاب كتبه للمؤلف, نقتطف منه هذه الجمل: أني مع ما ليد من الأشغال الأكيدة، بادرت إلى مطالعة بعض أبواب كتابكم السامي حقيقة, فوجدتها كغيرها مما سبقها في الجزءين الأولين, في غاية من الإتقان والذكاء، واتساع الفكر والأنظار، ومراعاة أحوال السياسة الخاصة بكل عصر من الأعصار، وبكل جيل من الأجيال، ويدل كل ذلك على معرفة تامة بعلم التاريخ، وعلم الأخلاق معًا، وتذاكرت بهذا الخصوص مع م كولان "يعني قيم الخزانة العمة العربية, والمدرس بالمدرسة العليا" ووجدت رأيه مطابقًا مع رأيي بالتمام, على أنه لم يبعثني محض المحبة لكم على ذكر ما ذكرته أعلاه، بل هو نظر كل ذي فكر سالم، سواء سبقت له معرفتك أم لا، على أن ذلك التأليف قلَّما يوجد مثله لمؤلف مغربي حادث, جزاكم الله خيرًا، وأورث أنجالكم تلك الأخلاق الجميلة التي نوركم الله بها ... إلخ, والسلام. لوسي مرسي ٧ يناير ١٩٣١. تقريظ الفقيه العدل المدرس, سيدي محمد بن أحمد العبدي الكانوني الأسفي استقرارًا, ونصه: سيادة الفقيه العلامة الأكمل المشارك المحدث النفاعة الأنبل, أبي عبد الله سيدي محمد بن الحسن الحجوي الجعفري, سلام علكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: فقد بلغنا كتابكم الفكر السامي صبحة يوم الجمعة ٢٦ حجة عامة، فاجتمع لنا في اليوم عيدان؛ يوم الجمعة، وبلوغ ذلك الكتاب النفيس، فلما نظرناه، وسرحنا الطرف في أزهار رياضه، وكرعنا في معين حياضه، فإذا هو كما قال القائل: كتاب فيه ما فيه ... بديع في معانيه

стр. 43

إذا عاينت ما فيه ... رأيت الدر يحويه وما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر، لقد طرقتم موضوعًا لا يطرقه إلّا الأفراد والعلماء الأفذاذ الذين لا يوجد الفرد منهم إلّا في الزمان بعد الزمان، وقد عرفت سيادكم الداء الذي أصاب الأمة، ومن أجله تدهورت، وأشرتم، بل كنتم أول من أشار لدوائه، وإني أشهد الله وملائكته أن لساني عاجز عن وصف مقدار ذلك الكتاب الذي هو أفضل هدية قدمته لأبناء جنسك, في زمان هم أحوج الناس لها، وإني أتوجه إلى الله وأسأله لكم التسديد والتوفيق، وأن يديم سيادتكم سائرة على أقوم طريق، وأن يمدكم من عنده بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن يزيدكم من نعمه الحسية والمعنوية فوق ذلك وأضعافه، وأن يمدكم بروح قدسه؛ فلقد نصرتم السنة المحضة بالقول والفعل، وحملتم لواء العلم والعمل، جزاكم الله عن أمتنا خيرًا وأعظم مثوبة وأجرًا. إلى أن قال: ودمتم بخير والسلام. خديم ودادكم محمد بن احمد العبدي الكانوني، وفقه الله. تقريظ فخر علماء مسلمى أوربا, وأشهر مشاهير علماء مملكة يوغسلافية والصرب وكاهية: رئيس علماء ديار البوسنة والهرسك سابقًا, والعضو بالمجلس الإسلامي الأعلى بسراي بوسنة سارجيفوا, العلامة سيدي محمد توفيق أوكيج -حفظه الله, ونصه: بعد البسملة والحمدلة والصلاة والتسليم على النبي ﷺ , إلى سعادة الفقيه الشهير، والمؤرخ الفيلسوف الكبير، فخر الوزراء الكرام، وعمدة العلماء العظام, وزير المعارف المغربية، ومدرس العلوم العالية بالقرويين, الأستاذ الشيخ سيدي محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، نفعنا الله بعلومه، وأدام علاه آمين.

стр. 44

سعادة الوزير المحترم، تحية وسلامًا، وبعد: إنه ليسرني جدًّا أن أقدم إلى معاليكم أجمل التهاني بمناسبة صدور الجزء الثالث من تأليفكم القيم الذي أدرجتم فيه أنظاركم السامية عن تاريخ الفقه الإسلامي وتطوره، كم كنا نحتاج إلى مثل هذا الكتاب الجليل، أيها الفقيه النبيل، وكم نفرح الآن بنيل المرام، كيف لا وقد انتظرنا انتظار الشمس بعد الغسق، فلا شك أن اسمكم العالي سيبقى مكتوبًا بالذهب على صفحة تاريخنا العلمي لهذا العصر الذي أود أن أسميه عصر العناية في ترقية علوم الشريعة السمحة بعد وقوفها الطويل. ومما يزيديكم قدرًا في نظري على سائر معاصريكم من علماء العالم الإسلامي, هو منشؤكم من تلك البلاد المغربية التي نفتخر جميعًا بماضيها المجيد، ونتمنى عز مستقبلها، فهي كانت يومًا مع كل غربيتها من جهة جغرافية مشرقًا شموس الثقافة الإسلامية والعربية المنتشرة من شمال أفريقية نحو أوربا، وبصفتي أوروبيًّا ومسلمًا, أنا أفتخر افتخارًا خاصًّا بتلك الحقيقة التي لا نكير لها، أما كتابكم الجليل، فهل من سبيل أن أمدحه ولو بكلمة واحدة, كلَّا، فهو المستغني عن كل مدح حيث إنه يمدح نفسه بمجرد قدره وقيمته، ولكنني أرجو من فضلكم السماح أن أترجم لكم إعجابي المفرد عن إصابتكم في تقسيم تاريخ الفقة الإسلامي وتطوره على أربعة أطوار: الطفولية والشباب، والكهولة والهرم، غير أني أنتظر الجزء الرابع، وقد عيل صبري أن أرى طريقًا جعلتموه مؤديًا إلى تجديد الفقه الإسلامي وترقيته, لما أن تلك المسألة هي التي تهمني في هذا الزمان أكثر الهم، أما العدالة والإنصاف في عرض المذاهب المختلفة، ورجالها العظام، وسلوككم طريق الحق والصواب، فكل هذا خصلة من الخصال التي زينت جميع كبار الفقهاء من أسلافنا العظام، وهي التي تجعلكم خير خلف لهم, لو أردت أن أشير حتى إلى شيء يسير من الأمور الكثيرة التي تجلب أنظار كل قارئ من أي نفطة نظرية كان، لطال بي هذا, إني أقتصر في الاعتراف أن في الأسلوب العصري الذي اتخذتموه في كتابكم لم يسبقكم أحد من قبل، ونعم ما قيل: كم تكر الأول للآخر.

стр. 45

وأدعو الله الكريم أن يجعلكم متبوعًا في هذا السبيل من الكثيرة من شبان العالم الإسلامي، ولا سيما من شبان بلادكم الطيبة، فأنتم خير قدوة لهم، ولكتابكم موضع الفخر والإجلال بين الكتب المعتبرة في تلك الناحية، هذا وأكرر إعجابي بكل ما حملتموه عن العالم الإسلام من الخدمة للشريعة المحمدية المطهرة، وأرجوكم أيها الأخ العزيز أن تتفضلوا بقبول فائق الاحترام، لازلتم مطلعًا لأنوار الأفكار السامية، ومرجعًا للعلم والعلماء. في ٢٠ ذي الحجة ١٣٤٩, الداعي محمد توفيق أوكيج, عضو من أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى بسراي بوسنة سراجيفوا, وكاهية رئيس العلماء لديار بوسنة وهرسك سابقًا. تقريظ الفقيه النبيه أحد نوابغ البيت الفهري الشهير, السيد الصديق الفاسي -حفظه الله, ونصه: كم كان بمنيتي أثناء كنت مشتغلًا وبعض إخواني الأعزاء بدراسة كتاب "أعلام الموقعين" للإمام ابن قيم الجوزية, أن يقيض الله من ينتقي منه نتفًا, ويختصر طرفًا, أرى معرفتها من الأمر الضروري، وكم كان ببغيتي أيضًا أن تسري روح العلم الحق المشتمل عليها ذلك الكتاب الكبير الأهمية في عروق علمائنا، فتثمر نباتًا حسنًا نقتني من ثماره كل ما نريده، ونجتبي من غلته كل ما نشاء, بقيت تعاودني هذه الواردات المرة تلو الأخرى، فأتكدر من أجلها، وتنقبض نفسي منها أيما انقباض، لتيقني بأن الكل يترنم بنغمة المثل المخترع: خطأ مشهور خير من صواب مهجور، وكانت كل آمالي في هذا السبيل معلقة على العلماء الذين نبذوا الظنون والأوهام وراءهم ظهريًّا، ودرسوا فلسفة التشريع الإسلامي، والغاية التي ترمي إليه، ولقد كانت فراستي في هؤلاء العلماء صوبًا، فإن تلك المتمنيات لم يقيم بتحقيقها وإبرازها إلى عالم الوجود إلّا العلامة الوزير المتنوّر الفكر, سيدي محمد الحجوي, الذي سيحفظ له التاريخ علمه النافع، ومجهوداته الجليلة, ما دام فكره السامي مقروءًا من جيل إلى جيل، ولا يقدر قدر كتاب الفكر السامي, ويعلم قيمته إلّا من عرف مآل الفقه الإسلامي، وما شوَّه به في القرون الأخيرة من تشعيب في معناه، وتعقيد في ألفاظه، واختصار في جملة بأسلوب

стр. 46

الغموض والإبهام، فالعلامة الحجوي ينبهك بفكره السامي وحكمه المفيدة، ونصائحه الثمينة, إلى ماهية الفقه الإسلامي في الصدر الأول، وفي القرون المشهود لها بالخير والفضل, لترى بعيني رأسك كيف كان مسماه بالأمس، وكيف استحال إلى ما استحال إليه، فهو يبين لك سهولة الدين ويسره ورفقه بالنوع الإنساني، ويرشدك لأصول عامة، وكليات جامعة تدرج تحتها ما شاء من جزئياتها، فيذهب بك في باب المصالح المرسلة مثلًا إلى شبه هذه القوانين: ١ اليقين يرفع بالشك. ٢ الضرر يزال. ٣ العادة حاكمة والشرع حكمها. ٤ الأمور بمقاصدها. ٥ المشقة تجلب التيسير. وكتاب هذه غايته هو جدير بأن يكتب بسواد العين، ويعتنى به شديد الاعتناء بالمحافظة على دراسته، وتفهمه تفهمًا محكمًا، إذ هو المنفذ من الضلال، والسبب للنهوض من الهوة السحيقة التي سقط فيه الفقه على أم رأسه سنين عديدة، وكيف لا يكون جديرًا بكل اعتناء، وقد جعل شعاره قبل كل شيء قول الإمام الشافعي: أجمع المسلمون على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائنًا من كان، فهو كتاب يجعل النفس تطمح إلى الروح الدينية الحقة، ويبعث في القارئ اشتياقًا إلى الاستطلاع على أفكار أولئك العظماء الذين لم يكن لهم مرد حينما يريدون الفتيا في نازلة من النوازل, إلا لكتاب الله ولسنة رسوله الكريم، فلم يكن في عصورهم الزاهرة من يحظر عيهم شرح كتاب الله بحجة أن صوابه خطأ، وخطأه كفر، ولا من يقدح في عقليتهم إذ دأبوا على تفهم سنة رسول الله بدعوى أن الأولى هو إقراؤها للبركة على المرضي والأموات، أو في الحفلات على الأقل، ولا من يلزمهم بأخذ أحكام الفقه الإسلامي رغم كل مشقَّة وتعب من المختصرات التي ربما تكون الألغاز أسهل حلًّا منها. ولقد ذكَّرني هذا أن بعض الظروف كانت ألزمتني أن أجيب على الفور سائلًا أجنبيًّا عن حكم الشرع الإسلامي في كيفية الزكاة عن العروض التي تتخذ للقنية "هي ما يدخر من الأموال وغيرها" والتجارة معًا، فأرشدني بعض رفقائي

стр. 47

لقول صاحب المختصر ﵀: ولا يزكى عرض لا زكاة في عينه ملك بمعاوضه أو بنية تجر، أو مع نية غلة أو قنية على المختار، والمرجَّح بلا نية قنية أو غلة أو همًّا, فصرت أخبط في المسألة خبط عشواء، واختلط علي الحابل بالنابل، ولكن من سعادة الحظ أن رفيقي المشار إليه كان يحسن لغة السائل، فسلك الجرة والحمد لله، فانظر أيه القارئ اللبيب حال الفقه الإسلامي التي ترى الآن، ويراها كل واحد وحالته في صدر الإسلام, لتعرف يقينًا مكانة تأليف الأستاذ الحجوي، وما يرشدك إليه من التعليمات المفيدة النافعة, كثر الله من أمثاله، وجزاه عن الدين خيرًا، ووفق الجميع لما فيه رضاه. الصديق الفاسي. ملاحظة: كتب المؤلف حفظه الله على هذا التقريظ ما نصه إن كتاب أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية لمن أنفس الكتب المؤلفة في آداب الفتوى والمفتين، ومن أنبل كتب الحنابلة وأفيدها لمذهبهم الذي تقل لدينا كتبه، وقد لخصت منه شيئًا مما يتعلق بموضوع الكتاب، ونوَّهت به لما تكلمت على الكتب التي تعين على الاجتهاد في الفروع, على أنه غير خالٍ عمَّا ينتقد كمسألة الحلف بالطلاق, حيث يرى عدم لزومه، وطلاق الثلاث في كلمة حيث يراها واحدة, مما شذَّ فيه، وقد نبهت على ما ظهر لي نقده بمحله من الكتاب، ولست متحملًا مسئولية إلّا ما نقله مسلمًا، إذا ما كنت قط من الذين رضوا عن رجل قلدوه تقليدًا أعمى فقدسوه، ولقد نهانا الله عن ذلك في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ الآية [التوبة: ٣١] ، ولا من الذين إذا عثروا على سقطة لرجل، طرحوه وأي الرجال المهذب. كذلك لا أشاطره العقائد التي له في المجلد الثاني من أعلام الموقعين بعدد ٣٧٠ إلى ٣٧٧, وحملته النكرة على الأشعرية، وتسمتيه إياهم جهمية أفراخ الجهمية، وادعاءه في العدد ٣٧٠ في المثال الأول أن آيات التنزيه من قبيل المتشابه، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿هَل

стр. 48

تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ومراده بالمتشابه ما تعطلت دلالته, حسبما صرَّح به في السطر الرابع من العدد ٣٧٠, وهذه الآيات هي أم العقيدة السنية، وعمدة المسلمين في التنزيه، فكيف يصح تعطيل دلالتها, ومع ذلك فأعلام الموقعين له قيمته العلمية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. تقريظ الفقيه الأديب أحد نوابغ البيت المذكور أيضًا, السيد الطاهر بن محمد الفاسي, ونصه: كل من يطَّلِعُ على التاريخ يعلم حق العلم مقدار ما وصل إليه الفقه الإسلامي في تلك الإيام الماضية، والأزمان الغابرة، ويحكم لأول مرة أن هناك فرقًا كبيرًا، وبونًا شاسعًا يدرك الباحث المتأمل أن أسبابه ودواعيه ومنشأه ذلك التشعب العظيم, والاختلاف الكثير الذي كان أولئك الأسلاف -رضوان الله عليهم- يقضون أوقاتهم الثمينة في البحث والتنقيب عن الجزئيات والفروع. تلك أمة قد مضت وخلَّفت لنا آثارًا عظيمة نقتدي بها ونهتدي بمنارها, لولا ما يعوقنا من ذلك التطويل الممل. وتلك الألغاز التي يصعب حلها، مهلًا أيها العلم، فقد ذهبت شوطًا بعيدًا، فليس الغرض من هذه العجالة الوجيزة بسط الكلام على الأسباب والدواعي التي دعتنا إلى الكسل والخمول، فذلك ما يستدعي الوقت الطويل, حسبي اليوم كلمة عن ذلك الكتاب الذي ضمَّ بين دفتيه ما لو يطلع عليه أولئك الذين جبلوا على حب العدل والإنصاف, من الذين يتتبعون تلك الجزئيات التي تنقضي الأعمار، ولا تنقضي، لأدركوا خطأهم الكبير، وجعلوه منارًا يهتدون سبيله. لست أريد أن أبالغ في وصف هذا الكتاب، فذلك ما يعجز عنه قلمى القصير، بل يكفي تنويهًا به كون مؤلفه ذلك الرجل العظيم, العالم الخبير, الشيخ محمد الحجوي وزير المعارف. منذ أزمان ليست بالكثيرة ظهر لعالم الوجود الجزء الأول والثاني، فتقبلهما ذوو الأفكار الصائبة، والآراء السديدة بقبول حسن، وأثنو ثناء عاطرًا على همة المؤلف القعساء، وعلى اهتمامه العظيم بالبحث في هذا الموضوع الذي هو من الأهمية بمكان، وها نحن الآن مسرورن كل السرور, حيث جادت علينا مجادة المؤلف بإبراز الجزء الثالث منه, الذي طالما تعطشت

стр. 49

لرؤيته النفوس تعطش الظمآن للماء الزلال. وبعد, فلا يسعنا إلّا ان نضمَّ صوتنا لتلك الأصوات, شاكرين للمؤلف الجليل صنيعه الذي يستحق عند الله الثواب الجزيل والأجر الكثير، طالبين من الله سبحانه أن يعينه على إبراز الجزء الرابع الذي سيكون مسك الختام. الطاهر بن محمد الفاسي. تقريظ الأديب أحد نوابغ الكتّاب بسلا, السيد محمد المغربي -حفظه الله, ونصه: يعتبر عظماء الرجال وذووا الأفكار السامية والآراء الراقية أنَّ اللذة الحقيقية منحصرة في الانكباب على العلوم والمعارف، وبثهما بين أفراد طبقات الأمة، فلا تمرّ ساعة من أوقاتهم الثمينة دون إبراز فائدة علمية تظهر للعيان، ولا يختلف في نفعها اثنان، وأشرف ساعة يلاحظونها بأعينهم الساهرة هي الساعة التي يكتشفون فيها آثارًا قيمة، فيحفظونها بيراعهم السيال على صفحات مؤلف نفيس، أو يلقون فيها حكمة تلوكها الألسنة، وتتناقلها الدفاتر، وتبقى محفوظة، وتسجل لهم في تاريخ حياتهم العلمية التي تذكر مقرونة بشكرهم والثناء عليهم. وإذا افتخر رجال العلم في سائر العصور بما يسدونه من النصائح للخاص والعام, وجليل الأيادي الفاخرة التي لا تدخل تحت سيطرة الحصر ولا تقاس بمقياس الحد، فأسمى شيء يفتخرون به هو المؤلفات التي يتحفون بها أبناء عصرهم، ويعرضونها على عشاق النقد والتحليل, لا سيما إذا كان الموضوع مفتقرًا إلى التوسع في دائرة البحث والتنقيب. حدا بي للكتابة في هذا الموضوع ما وصل إليه العلم من التطور العجيب في هذا العصر الزاهر, الذي هو عصر العلوم والمعارف والتقدم, الأمر الذي يدل دلالة واضحة على ما لعلمائنا الأجلة من الاعتناء بانتقاء الكتابة في المواضع الهامة التي تبرهن على ما لهم من واسع الاطلاع، وعظيم المعرفة والمشاركة في العلوم، ويكفي في الاستدلال على ذلك المؤلف العظيم القدر والمقدار, الذي أبرزته إحدى

стр. 50

المطابع العربية المعنون بـ: "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", ظهر من هذا الكتاب القيم المحتوي على أربعة أجزاء ثلاثة منها، والهمة مبذولة في إنجاز طبع الرابع. ذلك الكتاب العزيز المنال, الذي هو من أرفع وأحسن ما ألف في هذا العصر, وفيه يقال: كتاب بديع حسنًا ومنظرًا ... ولكنه أهدى لنا أنفس الدر جواهره تغني اللبيب عن السوى ... فدونكه كنزًا وذخرّا مدى الدهر ولعمري إنه لكتاب فاخر، جليل القدر، غزير الفوائد، كثير الفرائد, جامع لعدد عديد من الأبحاث التاريخية والأنقال، والنصوص الفقهية والدلائل الأصولية، وتراجم مشاهير أعلام الأمة، وغير ذلك من التحريرات العجبيبة التي تشهد لفضيلة مؤلفه بمزيد الاطلاع، وطول الباع, ولا غرابة، فإن ناسج برده، ومرصع جواهره، ومدبج درره وغرره, هو العلامة البحاثة المحدث الكبير, الأستاذ المطلع الشهير, أبو عبد الله سيدي محمد الحجوي الثعالبي, مندوب العلوم والمعارف الذي إذا ذكر، علم السامع أنه الفرد الذي جمع بين التضلع والمشاركة في سائر العلوم الإسلامية, وعلو المكانة والمنزلة السامية. ناهيك برجل لم يعرف إلا بخدمة العلم ونشره, بمؤلفاته الكثيرة التي طارت بها الركبان، ودروسه المفيدة التي كان يلقيها بكلية القرويين بفاس وبغيرها، تفسيريه وحديثية وأصولية وفقهيه, وما إلى ذلك. المؤلف الذي جعلنا موضوع كلماتنا هذه في شأنه, كان ألقى ملخصه فضيلة الأستاذ المذكور بنادي الخطابة الأدبي بفاس في ربيع الثاني سنة ١٣٣٦, وجعل موضوعه كيف نشأ الفقه الإسلامي, وتطوره في أطواره الأربعة؛ الطفولية ثم الشباب ثم الكهولة ثم الهرم, وكيف يكون التجديد مع ما يتعلق بالاجتهاد والتقليد, موشَّحًا بتراجم المجتهدين ١٣ الذين دونت مذاهبهم، وتراجم أشهر مشاهير الفقهاء والصحابة فمن بعدهم، وبالجملة هو فلسفة تاريخية مبين أصول الاجتهاد والمذاهب الأربعة, مملوء بفوائد تتعلق بذلك.

стр. 51

فنحن بلسان أهل العلم قاطبة نرفع لفضيلته حفظه الله على صفحات هذه الجريدة الغراء, التي هي المنبر العام لنشر الآراء وأفكار ولسان الكتاب والأدباء, خالص تشكراتنا على هذه المنقبة الفاخرة الثمينة التي أضافها لمآثره العلمية، وخدماته الجلية في سبيل العلم ونشره, والإشادة من ذكره, ونرجو له من المولى سبحانه دوام العناية والرعاية والحظوة الكاملة. سلا محمد المغربي

стр. 52

تقدمة المؤلف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . يقول العبد المعترف بالقصور, محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي دارًا ومنشئًا -وفَّقه الله: الحمد لله نحمده ونستعيه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسيلمًا. أما بعد: فقد سألتني -رعاك الله, كيف نشأ الفقه الإسلامي إلى أن صار لما هو عليه الآن؟ فأجيبك إلى رغبتك مستعينًا بالله سبحانه, مقدمًا أمام المقصود ثلاث تمهيدات: الأول: في مسمَّى الفقه، وهل هو علم ديني محض أم لا؟ الثاني: في الفقه قبل الإسلام، وهل كان عند العرب فقه وفقهاء أم لا؟ الثالث: في منزلة الفقه في الإسلام. ثم المقصد في الفقه على عهد الإسلام، وهو أقسام أربعة باعتبار أطوار الفقه الأربعة التي تطور فيها في نظري:

стр. 53

الطور الأول: طور الطفولية, وهو من أول بعثة النبي ﷺ إلى أن توفي. الثاني: طور الشباب, وهو من زمن الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني. الثالث: طور الكهولة إلى آخر القرن الرابع. الرابع: طور الشيخوخة والهرم, وهو ما بعد القرن الرابع إلى الآن، مبينًا الأسباب الموجبة لتلك التطورات, ومقدمًا إمام كل قسم ملخص التاريخ السياسي لتلك المدة في الأمم الإسلامية بإجمال، وفي كل قسم أذكر أشهر مشاهير فقهائه، وسنذيله بما يتطلَّبه الفقه من التجديد, ثم بيان الاجتهاد والتقليد.

стр. 54

التمهيد الأول: في مسمى الفقه, وهل هو علم ديني أو دنيوي الفقه في اللغة: العلم والفهم، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ١. وفي أعلام الموقعين: أن الفقه أخص من الفهم؛ لأن الفقه هو فهم مراد المتكلِّم من كلامه, وهو قدر زائد على مجرد فهم مما وضعله اللفظ, فالفقه أخص من الفهم لغة٢. وفي الشرع: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية٣. فلا يقال الفقيه إلا لمجتهد، ولغيره مجاز. وقال أبو البقاء في قواعده نقلًا عن الإمام الرازي: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها. ولا بُدَّ من تخصيصه بما يتعلق بالفروع، فهو مبين لأحكام أفعال المكفلَّين٤ من طهارة وصلاة وصوم وزكاة وحج ونكاح وطلاق وزكاة وبيع وإجازة وقتل

стр. 55

وقصاص إلخ. وهو باعتبار ما يتعلق بالعبادة علم ديني أخروي. وباعتبار ما يتعلق بالمعاملات وفصل الخصومات دنيوي، فهو دنيوي باعتبار أخروي باعتبار١. وإن كان الغزالي عدَّه دنيويًّا حيث قال: "فإن قلت: لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحق الفقهاء بعلماء الدنيا؟ فاعلم أن الله أخرج آدم من تراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام, ومنها إلى الدنيا, ثم إلى القبر, ثم إلى العرض, ثم إلى الجنة أو الناء, فهذا مبدؤهم وهذه غايتهم، وهذه منازلهم, وخلق الدنيا زادًا للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزويد, فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء, ولكنهم تناولوها بالشهوات, فتولدت منها الخصومات, فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم, واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به, والفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات, فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق، وضبطهم لتنظيم باستقامتهم أمورهم في الدنيا. ولعمري إنه متعلق أيضًا بالدنيا, ولكن لا بنفسه بل بواسطة, فإن الدنيا مزرعة للآخرة, ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس, وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الخصومات بالفقه"٢.

стр. 56

التمهيد الثاني: الفقه قبل الإسلام, وهل كان عند العرب فقه وفقهاء أم لا اعلم أن الإسلام وجد الإمة العربية أمية لا تقرأ ولا تكتب, ولم يكن لديها علوم مدونة في الكتب تدرسها في مساجد أو مدارس, وإن وُجِدَ لديهم معرفة بعلوم تدعو إليها ضرورة حياتهم البدوية؛ كعلم النجوم والقيافة والعيافة والأنساب, وغير ذلك مما نسب المؤرخون لهم معرفته, لكنها لم تكن مدونة لهم في كتاب, وإنما هي من نوع ما يحسن أهل البادية معرفته وحفظ بعض قواعده، ومن هذا النوع ما كان لهم من الإلمام ببعض ضوابط فقهية يفصلون بها خصوماتهم؛ كقولهم في القصاص: القتل أنفى للقتل، والدية على العاقلة في الخطأ، وكنا يؤثر عن عمرو بن الظرب أحد حكام العرب قوله في الخنثى: القضاء يتبع المبال. وفي النسائي وغيره أن القسامة كانت في الجاهلية فأقرَّها رسول الله ﷺ على ما كانت عليها في الجاهلية, وقضى بها بين أناس من الأنصار ادَّعَوْه١ على يهود خيبر٢. ومن ذلك معرفتهم بعض مناسك الحج، وكانوا يصومون عاشوراء كما في الصحيح٣، بل كانوا يتحنثون في رمضان بالصوم كما يدل عليه حديث بدء الوحي٤، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ

стр. 57

قَبْلِكُمْ﴾ ١، وقد ثبت اغتسالهم من الجنابة واختتانهم، وكان لهم نكاح بخطبة وصداق، كما يدل له خطبة أبي طالب لخديجة زوج النبي ﷺ , وهي مذكورة في السيرة محفوظة فلا نطيل بها، ولهم طلاق وظهار، فقد ثبت في النسائي٢ أن خولة زوج أُبَيّ بن الصامت أتت النبي ﷺ فقالت: إن زوجي ظاهر مني فأمرها بفراقه، فلما نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية٣، نسخ الطلاق بالكفارة تخفيفًا من الله ورحمة، ويظهر أن تلك الأحكام كانت عند العرب من بقايا شريعة إسماعيل وولده إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام. فلما جاء الإسلام أقرّ ما أقرَّ ونسخ ما نسخ، ومن جملة ما نسخه القرآن نذر الجاهلية لغير الله, المبين في قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ ٥، وقال في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ٦. فهذه الآيات بينت نظام الإنتاج في الحرث والأنعام الذي كان عند مشركي العرب، فجعلوا نصيبًا منه لأوثانهم يأخذه سدنته, ونصيبًا للفقراء، وما هو للأوثان أقسام ثلاثة: الأول: حجر لا يطعمه إلّا من يشاءون, الثاني: أنعام حرمت ظهورها، الثالث: أنعام لا يذكرون اسم الله عليها وهي السائبة والبحيرة والوصيلة والحامي، فألغى الشرع ذلك وقرَّر نصاب الزكاة فقال:

стр. 58

﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١، وقرعهم بقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ ٢. فهذا مثال ما كان عند العرب من الفقه، وهو ضوابط قليلة الأهمية ليست كافية في بابها, ولا رادعة لأهل الفساد والدعارة٣, ولا وافية بالنظام الاجتماعي، لهذا بقيت الأمة العربية مفترفة الأهواء فاقدة النظام, تخوض بحار الحروب لقتل نفس, بل لضربة أو سبة, فتنقطع السبل وتذهب الحقوق، وتنقطع المواصلات والمعاملات إلّا في الأشهر الحرم، فكانوا في جاهلية جهلاء يفتخرون في أشعارهم لدى منتدياتهم بقطع السبل وقتل النفس وسلب الحقوق وغير ذلك من الأفعال الشنيعة، وإنما وازعهم الذي أمكنهم من الحياة وبقاء الجنس العربي هو العصبية القومية، فمن كانت لهم عصبية في قومه دافع بها عن حقوقه, وإلا حالف قومًا آخرين, فكان تحت ذمتهم يدافعون عنه على أصول معلومة عندهم، حتى إن الحليف كان يرث حليفه، إلى أن جاء الإسلام, فعند ذلك عرفت الحقوق بمعرفة الفقه, وصار لهم المقام الأول في الاعتبار, والركن الأعظم في الأذهان، ونسخ حكم التحالف بوجوب التناصف. هذا وإن لفظ الفقه كان موجودًا في لغة العرب, لكن بمعنى الفهم كما سبق لا بمعنى العلم المخصوص، وكذلك لفظ العلم، وما كانوا يستعملون لفظ فقيه أو لفظ عالم فيما استعملا فيه بعد الإسلام. فما بلغنا أن العرب كانت بينهم طائفة قبل الإسلام موسومة بسمة الفقهاء أو العلماء, أو كان هذا اللقب خاصًّا بصنف من الناس دون صنف؛ إذ كانوا أميين غير متدينين بدين له فقه وعلم، ولا كانوا يرجعون في فصل خصوماتهم وصيانة حقوقهم إلى نصٍّ مدون يجري على كل الناس أو جلهم. كان منهم من يزعم أنه على ملة إبراهيم وإسماعيل ﵉؛ كزيد بن عمرو بن نفيل، وأمية بن أبي الصلت وغيرهما، لكن ملة إبراهيم كان قد درست, وإنما كانا تابعين له في اعتقاد التوحيد ونبذ الأصنام وعدم أكل ما ذبح لها فقط، ثم إن الإسلام حعل لفظ فقيه خاصًّا بمن عرف العلم المخصوص بأدلته،

стр. 59

حتى إن المقلد يعتبر عاميًا, وصير لفظ عالم لمن حصل أي علم, لكن بشرط العمل، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُون﴾ ٢. وقال ﵇: "من يرد به خيرًا يفقه في الدين" ٣، و "إنما العلم بالتعليم" ٤. وقال عمر: تفقهوا أن تسودوا, وقال ﵇: "إن العلماء على منابر من نور يوم القياة" ٥. وقال: "خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا" ٦. وفي البخاري عن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي, قال: "قل" قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزني بامرأته, فافتديت منه بمائة شاة وخادم, ثم سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابن جلد مائة وتغريب عام, وعلى امرأته الرجم.... الحديث"٧. فها أنت ترى كيف ابتدأت سمة الفقه والعلم في الإسلام، أما غيرنا من أمم العصر فقد أصبح الفقيه والمتشرع عندهم صفة لمن عرف قوانين الدول, ومارس علم الحقوق إسلامية وغير إسلامية، ومهر في فلسفة القوانين الدولية وكيفية تطبيقها على أحوال الأمم أو الأفراد، نعم ذكر المؤرخون الأثريون أن دولة حمورابي التي كانت في العراق كان لها قانون وجد منقوشًا على حجر يحتوي عى مائة وعشرين مادة، ويغلب على ظنّ المؤرخين أنها دولة عربية، ولكن ذلك الأثر قد اندثر باندثار تلك الأمة التي يعزى تاريخ حياتها إلى نحو ثلاث آلاف

стр. 60

سنة قل اليوم، ولما جاء الإسلام لم يجد لدى الأمة العربية فقهًا كافيًا سماويًّا ولا وضعيًّا, بل وجدها في ظلمة الجهل بالحقوق, فأفاض عليها نور الفقه, وهذَّب الأخلاق, وصان الحقوق، وحررها وبيَّنَها, فأصبحت الأمة فقيهة بالفقه الإسلامي المؤسس بالوحي الإلهي المبين في آيات القرآن العظيم وسنن النبي الكريم -عليه أفضل صلاة وتسلم. قالت تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾ ٢، وما خرج الصحابة ﵃ من جزيرة العرب حافية أقدامهم على جمالهم فاتحين أرض الروم والفرس الذين كانوا أعظم أمم الأرض إلّا وهم فقهاء مشترعون, عزَّ أن يأتي الزمان بعدهم بمتشرع مثلهم، في حال أنهم قواد ماهرون، وذووا سياسة بارعون, وخلفاء فاتحون عادلون بعد الجفاء العظيم، كل ذلك ببركة الإسلام ومتانة الدين الذي كانوا متمسكين به من نحو عشرين سنين فقط, وهذه المدة غير كافية الآن لأن يتخرج فقيه ماهر من الأزهر أو القرويين أو من كلية باريز، إن هذا والله لمن معجزات الإسلام.

стр. 61

التمهيد الثالث: منزلة الفقه في الإسلام اعلم أن الفقه الإسلامي جامعة ورابطة للأمة الإسلامية, وهو حياتها تدوم ما دام, وتنعدم ما انعدم، وهو جزء لا يتجزء من تاريخ حياة الأمة الإسلامية في أقطار المعمورة، وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة، ومن خصائصها لم يكن مثله لأي أمة قبلها، إذ هو فقه عام مبين لحقوق المجتمع الإسلامي بل البشري, وبه كمل نظام العالم، فهو جامع للمصالح الاجتماعية بل والأخلاقية, وهو بهذه المثابة لم يكن لأي أمة من الأمم السالفة, ولا نزل مثله على نبي من الأنبياء، فإن فقهنا بيَّنَ الأحوال الشخصية التي بين العبد وربه؛ من صلاة وصوم وزكاة وحج ونظافة كغسل البدن كلًا من الجنابة أو للجمعة أو للعيدين، أو بعضًا وهو الوضوء عند أداء الفرائض الخمس في اليوم والليلة، وسن أمور الفطرة من ختان وقص شارب والسواك وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. ففي صحيح مسلم عن سلمان: قال لنا المشركون: إني١ أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة, فقال: أجل, إنه نهانا أن يستنجي أحد بيمينه أو يستقبل القبلة, ونهانا عن الروث والعظام وقال: "لا يستنجي أحدكم بأقل من ثلاث أحجار" ٢. وأرشدنا الفقه إلى تجميل الثياب في الجمعة والعيدين, ومسّ الطيب, وآداب الأكل والشرب, وما يؤكل ويشرب وما لا، كما أرشد إلى تحسين حال المجتمع

стр. 62

العام, فأرشد إلى ما يحفظ الصحة وتجنب ما يضرها، وهذَّب الأخلاق فأمر بالصدق في المعاملات والوفاء بالعقود والعهود, وأوجب ترك الذنوب من زنى وخمر وغيبة ونميمة وقذف وسعاية وشهادة زور وانحراف في الأحكام أو تحريف لحلال أو حرام وغير ذلك، فلو أن المسلمين عملوا بأحكام الفقه والدين كما كان آباؤهم لكانوا أرقى الأمم وأسعد الناس. كما أنه جعل للفقراء حظًّا في مال الأغنياء بالزكوات والكفَّارات, وهذا أساس المبادئ الاشتراكية المعتدلة, والأعمال الخيرية التي تأسَّست لها الجمعيات الكبرى في أوربا١. كما شرع الحج ليحصل اجتماع عام لسائر الأمم التي تدين به؛ ليستفيد بعضهم من بعض علومهم وأحوالهم, فيتعاونوا ويتآزورا, وفي ذلك إعانة لأهل الحرمين الشريفين، ليكونا مركزين عظيمين للإسلام، كما شرع اجتماعات أخرى أصغر وأيسر في الجُمَعِ والأعياد. وبيَّنَ كيفية تأسيس العائلات, فندب إلى الزواج وحثَّ عليه، وبيَّنَ العقود التي تعتبر زواجًا، وشروطها من وليٍّ وصداق وشهود، وما خالفها فهو زنى أو قريب منه في حق الأمة دون الرسول فله في ذلك خصوصيات، ورخَّص في الصلاق لما عسى أن يقع من تشاجر الزوجين. وما يتعلق بذلك من نحو إيلاء وظهار. كما بيَّنَ آداب دخول البيوت من الاستئذان والسلام، وجعل احترامًا خاصًّا لكل إنسان, هو ما يعبَّر عنه بالحرية الشخصية، وسدل الحجاب بين الرجال والنساء الأجنبيات محافظة على النسل, وإبعادًا للمظنة, وإراحة لكل ضمير. وجعل ضوابط للنسب والقرابة والرحم, ومن يعد قريبًا من نسبك أو رحمك ومن لا, حتى الولائم جعل لها آدابًا. وبيَّنَ أحكام المعاملات من بيع وإجارة ورهن وقرض وقراض وشركة وإبضاع, وغيرها من المعاملات المالية التي تقتضيها القاعدة التي عليها منبيٌّ علم الاجتماع، وهي أن الإنسان مدني الطبع محتاج إلى أبناء جنسه، فهو

стр. 63

مرشد إلى تأليف الجمعيات للتعاون في هذه الدار على الاقتصاد مانع من الربا الذي به خراب الجمهور من الأمة، كما أنه مبيِّنٌ لفصل الخصومات سواء في المال أو الدماء أو الأعراض. وبيَّنَ ما يلزم لحفظ المجتمع العام من نصب الإمام وشروط استحقاقه للإمامة, وما يجب له من الطاعة, وعليه من المشهورة والعمل بالشريعة وإقامة العدل بين أصناف الرعية مسلمين أو غير مسلمين. ثم قسم السلطة فجعلها خططًا١, وهي الإدرات المدنية, ومنها القضاء, فحدَّد للقاضي خطته وبيَّنَ للشاهد كيفية توثيق الحقوق, وأمر بكتبها وتبيانها وعدم كتمانها. وهكذا خطة المحتسب, ثم بقية الخطط، وحكم على من خرج من طاعة الإمام أن يقاتل، وإذا وقع حرب من أمة أجنبية فبيَّن القواعد الحربية, ثم السلمية, وأمر بحسن الجوار, وإقامة الحدود على من أخاف السايلة, أو خالف نصوص الشريعة, وبيَّنَ التأديبات والزواجر والقصاص ورفع الأضرار. وبالجملة قد استقصى الشئون الاجتماعية وبيَّنَها, حتى دخل مع الرجل لبيته وحكم بينه وبين زوجته، فبيَّنَ ما له وما عليه، وفصَّل ما عسى أن يقع بينهما من الخصومة, حتى حكم بين الرجل وولده، وبينه وبين نفسه، حتى بعد مماته بيَّنَ قسم ميراثه ودفنه وقبره، ثم أوصى بأيتامه خيرًا, وبيَّنَ كيف يوصي على أولاده, وبيَّنَ قدر ما يوصي به, وكيفية الحجر على السفية والترشيد. كل ذلك لينتظم أمر الحياة, ويعيش المسلم عيشة منتظمة يتفرغ معها لإعداد الزاد ليوم المعاد. فالفقه الإسلامي نظام عام للمجتمع البشري لا الإسلامي فقط، تام الأحكام لم يدع شاذة ولا فاذة، وهو القانون الأساسي لدول الإسلام والأمة الإسلامية جمعاء، وإن انتظام أمر دول الإسلام في الصدر الأول وبلوغها غاية لم تدرك بعدها في العدل والنظام لدليل واضح على ما كان عليه الفقه من الانتظام وصراحة النصوص وصيانة الحقوق ونزاهة القائمين بتنفيذ أوامره مما لا يوجد الآن، ودليل عى ما كان لهاتيك الدول من التمسك بحبله المتين، وما

стр. 64

دخلت الأمم الكثيرة في الإسلام أفواجًا, واتسعت دائرة الإسلام, فانتشرت الأمة الإسلامية مادَّةً جناحيها من نهر الفانج في الهند شرقًا, إلى أفريقيا, ثم إلى أواسط أوروبا في زمن قليل إلّا باحترام الحقوق, والعلم بقواعد الفقه الإسلامي, والتسوية بين جميع أجناس البشر التي كانت تحضنها في العدل, وجمع شتات مكارم الأخلاق ومحاسن المعتقدات، وهذه التواريخ العربية وغيرها لم ينتقد واحد منها نظام العرب الذي كانوا عليه, بل مدحوه بما لم يمدحوا به غيره, واقتبسوا منه, واختارته الأمم على ما كان من الأنظمة, فانصرفت عنها إليه, وثلث عروش ملوكها من أجله. فالأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه, ولا رابطة ولا جامعة تجمعها سوى رابطة الفقه وعقائد الإسلام، ولا تتعصَّب لأي جنسيبة, فهي دائمة بدوام الفقه, مضمحلة باضمحلاله, فمهما وجد أهل الفقه واتبعوا كانت الأمة الإسلامية، ومهما انعدم الفقه والفقهاء لم يبق للأمة اسم الإسلام. ويجب على كل أمة إسلامية أرادت سنَّ قانون أو دستور أن تراعي هذا المبدأ حفظًا للجامعة الإسلامية. ثم لما نهضت أوربا نهضتها المعروفة للرقي العصري, فأول حجر وضعته في أساس مدنيتها الزاهرة هو العدل وسن القوانين بالتسوية في الحقوق؛ إذ لا يعقل أن تترقَّى أمة وحقوقها مهضومة وأفرادها مظلومة, والكل يعلم أن بعض قوانينها مقتبسة من الفقه الإسلامي؛ كقانون نابليون الأول وغيره من ملوك أوروبا، فالفقه الإسلامي أصل التمدن العصري الحديث, والفضل كل الفضل في احترام الحقوق وصيانتها وتشييد منارها للإسلام والفقه الإسلامي. ومن مكارم الفقه الإسلامي, بل من معجزاته, أنه تمَّ نظامه وجمعه في مدة نحو عشر سنين كما يأتي في الطور الأول, فلم ينتقل النبي ﷺ إلى الدار الآخرة حتى تركه تامّ الأصول، ولم يمض على الأمة قرن ونصف حتى ألفت تآليف مهمة في فروعه، وبسط أحكامه وتطبيق أصوله على فروعه, وهذا لم يكن للأمم قبلنا، فهذه أمة الرومان التي يتبجح أهل التاريخ بقوانيها, ويعدونها أصل التمدن الحديث, لم ينضج فقهها ولا جمع نظامها إلا على عهد القيصر جوستينيان سنة ٥٦٥ قبل الهحرة بسنتنين "٥٧" سبع وخمسين، بعد مضي ثلاثة عشر قرنًا من حياة الرومان, ذلك ما يدلك على مكانة

стр. 65

الفقه الإسلامي وأنه بوحي سماوي ودين متين. ثم نقول والحق أحق ما يقال: لم يوجد شرع مزج بين المصالح الدينية والدنيوية, وصيَّر هذه عين هذه, وبيَّن قانون الاجتماع البشري والعدالة التامَّة بوجه يعم جميع المصالح الاجتماعية كالشرع الإسلامي, ولذلك كان الخليفة الأعظم عندنا رئيسًا دينيًّا ودنيويًّا معًا، فهو جامع وظيفتين عظيمتين, ولذا عرفوا الإمامة العظمى بأنها: رياسة عامة في الدين والدنيا تجب للمتصف بها أن يطاع فيما يستطاع. أما القوانين الوضعية فلا تعلق لها بأمر العبادة والآداب النفسية, وإنما هي ضبط لمعاملة الأفراد والأمم بتبادل المصالح، وأيضًا الفقه الإسلامي هو بأمر إلهي, فالعمل به طاعة الرب, والعامل به له أمل الثواب في الآخرة, وعدم العمل به معصية متوعد عليه بالعقاب الأخروي, زيادة عمَّا تقرر فيه من العقوبات الدنيوية، فهو أمس بالنظام من بقية الشرائع والقوانين التي هي من وضع البشر. فالفقه الإسلامي من مفاخر الأمة الإسلامية, كيف لا وهو مؤسَّسٌ على روح العدل والمساواة واحترام الحقوق الخاصة والعامة والنظام الأتم, وتقرير الملك١ لذويه, واحترام النواميس الطبيعية، وقد اعتبر درء المفاسد فقدَّمَه على جلب المصالح، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، ولا ضرر ولا ضرار، وتقديم الأهم على المهم، وبنيت أحكامه على الاعتدال لا إفراط وتفريط، واعتبر الأعراف والعوائد، فأحكامه يتغير الكثير منها بتغير الأحوال, كما قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وكما قال زياد بن أبيه لأهل البصرة في خطبته الشهيرة: قد أحدثتم أحداثًا لم تكن, وقد أحدثت لكل ذنب عقوبه. فهو صالح لكل أمة وكل مكان وكل زمان, ولهذا كان لا ينسخ, وكانت رسالة نبينا ﷺ عامة لجميع الأمم إلى يوم القيامة.

стр. 66

القسم الأول: في الطور الأول للفقه مدخل ... القسم الأول: في الطور الأول للفقه وهو طور١ الطفولية من لدن كونه جنينًا إلى أن كمل خلقه فصار وليدًا, إلى أن سعى واكتمل قويًّا سويًّا. وذلك من أول بعثة النبي ﷺ إلى وفاته, وكانت البعثة النبوية سنة "٦١٠" عشر وستمائة تقريبًا من ميلاد المسيح ﵇, أي: قبل تاريخ الهجرة الذي هو تاريخنا بنحو ثلاث عشرة سنة, وكانت الوفاة النبوية سنة إحدى عشرة "١١" في ربيع الأول النبوي, غير أن ثلاث سنوات أولى من البعثة كانت فترة الوحي بعدما نزل أول آية من القرآن وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ , وكان نزولها على ما عند ابن إسحاق وغيره في "١٧" رمضان من عام البعثة في غار حراء الذي كان ﷺ يتعبد فيه بمكة قبل المبعث٢, ثم بعد الثلاث سنين تتابع نزول القرآن وتشريع الشريعة، ولكن جلّ ما نزل بمكة قبل الهجرة في مدة نحو عشرة سنين تليها, كان في التوحيد وردّ العقائد الفاسدة وبيان الحجج الدامغة على

стр. 67

إثبات وجود الله ووحدانيته وصفاته العلى، وإثبات النبوءة. وأخبار تاريخ من مضى من الأمم، ورد عقيدة الوثنية، وبث مكارم الأخلاق مع قليل من الأحكام الفقهية الفرعية، فكانت السور المكية حاوية لمباحث الإيمان وهي أصول الدين، ولمباحث الأخلاق والتهذيب وأخبار الأمم الماضية، ترهيبًا وزجرًا ووعظًا وتذكيرًا، إذ كان المقصود إدخال الناس في الدين ونبذ أصل الوثنية، وبعد دخول الناس في الدين وتضييق كفار مكة بهم إذ كانوا قليلين أمروا بالهجرة ليأمنوا على دينهم وأنفسهم. فبعد الهجرة ووجود من يخاطب بالأحكام الفرعية صارت تنزل أحكام الحلال والحرام في العبادات والمعاملات وغيرها، وهي مباحث علم الفقه, فجل الفقه الإسلامي تكون في مدة عشرة سنين بعد الهجرة إلى الوفاة١ النبوية، ولذلك تجد أحكامه مبينة في السور المدنية "١٩" باتفاق وهي: ١- البقرة. ٢- آل عمران. ٣- النساء. ٤- المائدة. ٥- الأنفال. ٦- التوبة. ٧- النور. ٨- الأحزاب. ٩- القتال. ١٠- الفتح. ١١- الحجرات. ١٢- المجادلة. ١٣- الحشر. ١٤- الممتحنة. ١٥- الجمعة. ١٦- المنافقون. ١٧- الطلاق. ١٨- التحريم. ١٩- النصر. وقد حكى أبو الحسن بن الحصار في نظمه الناسخ والمنسوخ الاتفاق على أنها مدنية١, لكن زاد فيها سورة الحديد، وقد أسقطناها لما يأتي فيها من الخلاف، والباقي وهو خمسة وتسعون سورة مكي، وهو ما نزل قبل الهجرة، إما متفق عليه، وهو واحد وسبعون سورة, أو مختلف فيه وهو أربع وعشرين وهي: ١- الفاتحة. ٢- يونس. ٣- الرعد. ٤- الحج. ٥- الفرقان. ٦- يس. ٧- الحديد. ٨- الصف. ٩- التغابن. ١٠- الإنسان.

стр. 68

١١- المطففين. ١٢- الفجر. ١٣- البلد. ١٤- والليل. ١٥- القدر. ١٦- لم يكن. ١٧- الزلزلة. ١٨- العاديات. ١٩- ألهاكم. ٢٠- أرأيت. ٢١- الكوثر. ٢٢- الإخلاص. ٢٣، ٢٤- المعوذتان. والحق أن المختلف فيه هل هو مكي أو مدني بعض آياته مكية وبعضه مدني١. فإن قلت: إن مادَّة الفقه ليست القرآن وحده، بل والسنة والإجماع والقياس, فما هي مدة تكوينها؟ قلت: كذلك كان تكوّنها في العشر سنين المذكورة إذ جلَّ السنة المروية في الصحاح التي أخذ منها الفقه كانت في العشر سنين المذكورة، أما الإجماع فهو وإن كان لا يتأتى إلّا بعد وفاته ﵇؛ لأنه اتفاق مجتهدي الأمة بعده ﵇, لكن أصل إثباته بالقرآن المدني. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٣, وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ الآية، وأما القياس فقد وقع في زمنه ﵇ العمل به, ويأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى٥. فإن قلت: إن الشرائع قبل شرعنا كان لها فقه متعلق ببيان عباداتها من صلاة وصوم ونحوهما, بل الشريعة الموسوية يوجد في توراته بيان بعض الحقوق الدنيوية، وإن كانت العيسوية بنيت على الزهادة والتبتل ولم تعتبر الدنيا, وأن كثير من فقهائنا يقول: شرع من قبلنا شرع لنا، فيكون فقهنا مقتبسًا من الشرائع قبلنا،

стр. 69

ويكون تكوينه ونشوؤه قبل التاريخ المبين آنفًا. فالجواب: كلا, بل فقهنا مبتكر ليس مقبتسًا, فهو كالعلم المرتجل؛ إذ نبينا ﷺ النبي الأمي، وأمته التي بُعِثَ فيها بدوية، لم تكن لها في زمن تكوين الفقه حضرية تتمكن بها من الاقتباس من الكتب قبلها، ففقهنا مقتبس من قرآننا وسنة نبينا، ناشيء بنشأتهما. أما من قال من علمائنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا. فليس مراده أننا نطالع توراتهم مثلًا ونقتبس منها الأحكام, فهذا لا قائل به, وإنما مرادهم أن ما ورد في القرآن والسنة حكاية عن وقائع الأمم السالفة ونوازلها الفقهية إذا لم يقيم دليل على نسخه يكون شرعًا لنا, لكون الشرع قرره ولم ينكره, فحكايته له وعدم إنكاره بمنزلة قوله: اعملوا به، كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية١، أما كتب الكتابيين فلا يجوز لنا أن نأخذ منها الأحكام أصلًا, لقوله ﵊: "لا تصدقوهم ولا تكذبوهم, وقولوا آمنًّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم" ٢. روى الطبري وغيره أن بعض الصحابة أتى النبي ﷺ بصحيفة مكتوب فيها من بعض كتب أهل الكتاب, فغضب النبي ﷺ وقال: "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عمَّا جاء به نبيهم إلى ما جاء به غير إلى غيرهم"، فنزل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ٣، وقد كان ابن عباس ينكر أشد الإنكار على ما يأخذ عن الإسرائيليات في صحيح البخاري٤ وكثير من الصحابة كذلك أنكره. كل ذلك يدل على أن الفقه الإسلامي شريعة مستقلة لم يدخلها الاقتباس ولا الأخذ من الشرائع قبلها أصلًا, سوى ما قَصَّ الله في كتابه, وأمر نبيه بأخذه من

стр. 70

مكارم الأخلاق وصريح التوحيد، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية١ وقال: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ٣ هذا كله في التوحيد ومكارم الأخلاق, وكله مأخوذ بواسطة الوحي لا مباشرة من كتبهم التي لا تخلو من تبديل، أما أحكام الفقه فهو ما قاله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٤.

стр. 71

مادة الفقه الإسلامي: مادته أمور أربعة: الأول: منها القرآن العظيم الذي احتوى عليه المصحف الكريم، أعني: القراءات السبع التي هي متواترة بلا خلاف، وقيل: العشر كلها متواترة١، والمسألة مبسوطة في كتب الأصول, وفي جامع المعيار كلام نفيس في هذا الموضوع فارجع إليه٢، ولا تغترّ بكلام الشوكاني الذي أنكر تواتر السبع في إرشاد الفحول, فإنه يؤدي إلى إنكار تواتر القرآن، وقد بيَّن ذلك في كتابنا في الأصول، أما ما وراء العشر كقراءة مصحف أُبَيّ أو ابن مسعود, فهي الآن محكموم بشذوذها، لكن حكمها حكم السنة, فيبحث عمَّا ثبت منها بطريق صحيح أو حسن, فيحتج به في الفقه كغيره على الأصح. الثاني: السنة الصحيحة أو الحسنة، ولا يحتج بضعيفها في الفقه خلافًا لأبي حنيفة وابن حنبل٣, ٤. الثالث: الإجماع. الرابع: القياس. قال ابن رشد في المقدمات ما نصه: وأحكام شرائع الدين تدرك من أربعة

стр. 72

أوجه: أحدها: كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. الثاني: سنة نبيه ﵇, الذي قرن طاعته بطاعته وأمرنا باتباع سنته، فقال : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ١, وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣، وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ٤، والحكمة هي السنة، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٥. والثالث: الإجماع الذي دلَّ تعالى على صحته بقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٦. لأنه تعالى توعَّد على اتباع غير سبيل المؤمنين, فكان ذلك أمرًا واجبًا باتباع سبيلهم، وقال ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ٧. الرابع: الاستنباط: وهو القياس على هذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن الله جعل المستنبط من ذلك علمًا, وأوجب الحكم به فرضًا، فقال : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٨، وقال : ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٩ أي: بما أراك فيه من الاستنباط والقياس؛ لأن الذي أراه فيه من الاستنباط والقياس هو مما أنزل الله عليه وأمره بالحكم به حيث يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١٠، ١١.

стр. 73

وقد بقي على ابن رشد الاستدلال, وهو دليل ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس, فما سوى الأربعة من الأدلة التي توجد في كلام أهل الاجتهاد هو الاستدلال وهو أنواع: الأول: التلازم بين الحكمين من غير تعيين علة, وإلّا كان قياسًا. الثاني: استصحاب الحال. الثالث: شرع من قبلنا شرع لنا. وزاد الحنفية والمالكية في بعض الأبواب: الاستحسان وهو الرابع. وزاد المالكية والحنابلة: المصالح المرسلة وهو الخامس. وزادوا سادسًا وهو قياس العكس, وهو إثبات عكس شيء لضده لتعاكسهما في العلة كحديث مسلم: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" ١. وزادو سابعًا وهو قولهم: الدليل يقتضي أن لا يكون كذا خولف في كذا لمعنى مفقود في صورة النزاع فتبقى على الأصل، مثاله: تزويج المرأة، دل الدليل على امتناعه وهو ما فيه من إذلالها بالوطء، والخدمة، وذلك تأباه الإنسانية لشرفها، خولف هذا الدليل في تزويج الولي لها فجاز لكمال عقله, وهذا المعنى مفقود فيها, فبقي تززيجها نفسها الذي هو محل النزاع على ما اقتضاه الدليل من الامتناع. وزادوا ثامنًا: وهو انتفاء الدليل الذي به يدرك الحكم فينتفي الحكم، وذلك أن المجتهد إذا بحث عن دليل الحكم فلم يجده كان محصلًا لظن أنه لا حكم, وقال الأكثر: إنه لا يلزم من عدد وجدانه الدليل عدم الحكم، لكنا نقول المجتهد عمل وسعه فحصل له الظن بعدم الدليل, فتمسك بالبراءة الأصلية، وذلك دليل بالنسبة إليه. والنافي لا يطالب بالدليل إن ادَّعى علمًا ضروريًّا كقولنا: الحكم يتوقف ثبوته على دليل وإلَّا لزم تكليف الغافل, ولا دليل بالسبَّر، فإننا سبرنا الأدلة

стр. 74

فلم نجد ما يدل عليه، أو بالأصل؛ لأن الأصل المستصحب عدم الدليل فينتفي الحكم. وزادوا تاسعًا: وهو الاستقراء الجزئي على الكلي، بأن تتصفَّح جزئيات كلي ليثبت حكمها له, فإن كان تامًّا, أي: في كل الجزئيات إلّا صورة النزاع, فهو قطعي في إثبات الحكم في صورة النزاع عند أكثر العلماء, وإن كان في أكثر الجزئيات فهو ناقص ظني فقط, ويسمى إلحاق الفرد بالأغلب. فهذه تسعة أنواع كلها داخلة في الاستدلال, وبسط هذا في كتب الأصول. وقال ابن العربي وغيره: القرآن هو الأصل, فإن كانت دلالته خفية نظر في السنة, فإن بينته فالجلي من السنة، وإن كانت الدلالة فيه خفية نُظِرَ فيما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا رجّح، فإنت لم يوجد عمل بما يشبه نصّ الكتاب وهو القياس على القرآن، ثم على السنة، ثم على الإجماع, ثم عل الراجح. وهو ترتيب ظاهر إلّا أن الإجماع نصُّوا على أنه مقدَّم على الكل عند التعارض, باتفاق كما يقتضيه صنيع جميع الجوامع. وقال الأصفهاين: هو قول الأكثرين. وقال ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين: صحيفة ٣٣٥ من المجلد الثالث١ ما نصه: "ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة, والسنة على الإجماع, فجعل الإجماع في المرتبة الثالثة, وهذا بعد أن نقل عن مقلدة أحمد بن حنبل قوله: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب, لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي، والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغنا, ثم نقل عن الشافعي ما نصه: الحجة كتاب الله، وسنة رسوله واتفاق الأئمة, وعنه في كتاب اختلافه مع مالك:

стр. 75

والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة. الثانية: الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة. الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة. الرابعة: اختلاف الصحابة. الخامسة: القياس. فقدَّم دليل الكتاب والسنة على الإجماع, ثم أخبر أنه إنما يصار إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتاب ولا سنة. قال: وهذا هو الحق, ثم نقل عن أبي حاتم نحو ذلك فانظره، وقد كرر نقله عنه في عدد "٣٨٥" من السفر الأخير١. وعلى كل حال فالحنابلة يجعلون الإجماع في الرتبة الثالثة إن تحقق وجوده عندهم كما سبق, وهذا المنقول عن الشافعي مخالف لما يأتي في مبدئه في الفقه من قوله: الإجماع أكبر من الخبر الفرد. ولعلهما قولان له والله أعلم. وإذا أمعنت النظر وجدت أصل الأحكام واحدًا, وهو قول الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ٢ إلا أن منه ما وصلنا بين دفتي المصحف, ومنه ما وصل على لسان رسول الله -الذي لا ينطق عن الهوى- في غير المصحف، ومنه ما هو مستنبط من ذلك وهو القياس والاستدلال, أو مستند إلى أحدهما وهو الإجماع. أما أصول المذاهب كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فقد تتفرع وتزيد على هذه، كأصول المذهب عند المالكية أُنْهِيَت إلى سبعة عشر ستأتي في ترجمة الإمام بحول الله. ولنتكم على هذه الأصول الخمسة وكيف حالها فلي الطور الأول من أطوار الفقه فنقول:
следующие страницы →