← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الأمر والواقع، ولكن لا يقول بالنسخ إلا بعد رجحانه عنده، وثبوته في ظنه، ولا خصوصية في هذا للنسخ، بل تخصيص العام، وتقييد المطلق وما شاكل ذلك من وجوه الاستدلال في محل الخلاف كذلك، فإن لم تثبت في نفس الأمر، فهي ثابتة في ظن المجتهد للمرجع الذي عنده، قال أبو إسحاق الشاطبي في "الموافقات عند الكلام على أصل مالك من اتباع العمل وتقديمه على الخبر ما نصه: وهذا ظاهر في أن العمل بأحد المتعارضين دليل على أنه الناسخ للآخر؛ إذ كانوا يأخذون بالأحدث وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول الله ﷺ ، روي عن ابن شهاب أنه قال: أعيي الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول الله ﷺ ناسخه ومنسوخه، وهذا صحيح، ولما أخذ مالك بما عليه الناس، وطرح ما سواه، انضبط له الناسخ والمنسوخ على يسر والحمد لله. وجوابه: ظاهر من زيادة الباحث لفظ عنده وفي ظنه ومرادي من نفي ثبوت النسخ بقول المجتهد تبعا لابن الحصار أنه لا يثبت حجة على غيره، فانتفى الإشكال. وقد حكى الآمدي في "الإحكام" الإجماع على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، فكيف بغيره، ولا يخفاكم أن من ادعى نسخ آية من كتاب الله، فقد أبطل العمل بها وبما شرعته للأمة، وأزال حكمها، وهذا مقام صعب لذلك اشترط العلماء في قبول القبول بالنسخ شروطا عشرة قررت في محلها، ولهذا قال الزهري: أعيى العلماء أن يعرفوا الناسخ والمنسوخ إلخ ما سبق لكم. ونظير ما قررنا عمل أهل المدينة الذي استدللتم به تبعا للشاطبي على ثبوت النسخ، فإن مالكا يقدم العمل على خبر الواحد، لم تقدم لنا في مبحث العمل المدني في أصول مذهب مالك من كونه خبر جمع عن جمع وهو أقوى من خبر واحد عن واحد، ولكون أهل المدينة كانوا يشاهدون الأخير من أحواله عليه

стр. 1192

السلام، فما تركوا الحديث إلا لمعارض له ناسخ في ظن مالك ومن قال بقوله، ولكن لم يقم ذلك دليلا على أبي حنيفة وغيره، فلم يسلموا كونه خبر جمع عن جمع، لاحتمال الاجتهاد، ولم يسلموا النسخ أيضا لذلك، ولهذا ما أخذوا بالعمل المدني، ولا رأوا رأي مالك، كما هو مقرر في كتب الأصول. ويمكن الاحتجاج لهم على مالك بخطبة معاوية بمسجد رسول الله ﷺ وأهل المدينة حضور حيث أمسك بيده قصة من شعر، وقال: "يا أهل المدينة أين علماؤكم كيف تفعل نساؤكم هذا: إنما هلكت بنو إسرائيل حين فعلت نساؤهم هذا". الحديث وهو في البخاري١ بمعناه مكررا وفي غيره، ويجاب بأن الاحتجاج بعمل العلماء وما أنكره معاوية هو عمل نساء عامتهم داخل بيوتهم يمكن عدم اطلاع علمائهم عليه، وهبهم اطلعوا، فهذا نادر وقع ممن لم تنسب له عصمة.

стр. 1193

البحث السابع عشر: قال: وفي الصفحة ١٥٣ من الأول عند الكلام على أبواب المعاملات ولو أن الجمهور حملوا تداخل الشرع فيها على معنى حفظ مصالح الخلق وجعلوا الأحكام فيها كلها دائرة على هذا الأصل، لاتسعت أبواب المعاملة على المسلمين، لكنهم أدخلوا فيها التعبد لما قام عندهم من الأدلة على قصده إلى: وما جاء التضييق إلا من الأقيسة والاستحسان إلخ. ربما يقال: إذا قامت الأدلة على قصد التعبد فكيف يمكن للمجتهدين أن يعدلوا عن ذلك في مواطن القياس والاستحسان وقد بسط الشاطبي في كتاب المقاصد من "الموافقات" القول في بيان الوجوه التي تقضي أنه لا بد من اعتبار التعبد في أبواب المعاملة. هذا ما تتشوف النفس إلى

стр. 1194

إيضاحه والسلاح الأعم عليكم ورحمة الله. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إني لما قلت: لما قام عندهم من الأدلة على قصده، فذلك عذرهم فيما فيه نص، أما ما لم يجدوا فيه نصا، وتمحلوا له الأقيسة التي لا يخفاك ما فيها من الشروط التي لكل خصم أن ينازع في توفرها وما عليها من النقوض، مع خلاف الظاهرية في أصل القياس، وتشعب الأقوال فيه، فما عذر المتأخرين في التضييق على الأمة في معاملتها التي هي سبيل تقديمها، وإظهار الشرعية في مظهر غير مظهر السماحة والصلاحية للرقي، ولكل زمان ومكان، ولكل الأمم، وحتى تسببوا في نبذ العامة للشريعة، والطعن في أحكامها بأنها ضد مصالحهم. إن مصلحة الأمة والشريعة معا تقتضي التوسع في أبواب المعاملات بما لا يخالف المنصوص والمجمع عليه، ونحن الأمة الإسلامية التي تنكر كل الإنكار على من يرى القلب والإبدال في الشرائع، وإني من الذين يعتدلون في الأحكام، وفي الفلسفة الفقهية، ولا يغرقون فيها، ولا يرون الاسترسال في الأقيسة والتحمل في استنباط أحكام بمنع معاملات كثيرة لم يصرح نص بمنعها، ولا نضيق على الأمة سبل رقيها؛ لأنه موجب لفقرها واحتكار تلك المعاملات لغيرها، ولم يجعل الله شريعة من الشرائع منافية لناموس الاجتماع، ولا قيدا ثقيلا في أرجل من يريد النهوض من الأمم، بل جميع الشرائع محافظة على ناموس الاجتماع، ورقي المجتمع الإنساني ولا سيما الشريعة العامة الأبدية. ولا يشك أحد أن تضييق المعاملات، ومنع الأمة من كثير منها يوجب فقرها، وما افتقرت الأمة إلا وضاع مجدها، وذهب سؤددها؛ إذ المال عصب لكل مجتمع إنساني، وحفظ البيضة إنما يكون في الزمان الحاضر بثروة الأمة، واتساع معاملتها ومتاجرها ومصانعها وفلاحتها. وقد كان العلماء لا يفتون في منع مسألة حتى ينظروا إلى حاجة الناس إليها، فإن رأوا مساس الحاجة إليها، أو عموم المعاملة بها، رخصوا وأباحوا، وما ضيقوا

стр. 1195

ومن قواعد الفقه: المشقة تجلب التيسير، والضرورة تبيح المحظور، والله يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ١ وانظر في "المعيار" وغيره فتاوى من أفتى بجواز كراء الأرض بما تنبت لعموم البلوى بها، وفتاوى من أفتى بإباحة شركة الخماس؛ لأن المعاملات إذا عم الفساد وكانت فاسدة على سبيل العموم يترخص فيها، وهؤلاء الخلفاء الراشدون لما رأوا احتياج الناس إلى تضمين الصناع، أوجبوه مع منافاته للقياس، وهؤلاء المتأخرون من المالكية قد ابتكروا بيع الصفقة مع عدم انطباقه على أصول الشرع تسهيلا على الناس، وتخلصا من كثرة الخصومات في شركة الجزء المشاع في الأملاك، وترخصوا في شهادة اللفيف مع مخالفتها لظاهر القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٣ إلى غير ذلك. ومما وقع في وقتنا على خلاف التوسعة فتوى بعضهم بمنع الضمان المسمى سكرتاه على الأموال٤ ثم اختلفوا، فمنهم من علل بالغرر، ومنهم من علل بالقمار، ومنهم من قال: إنه ضمان بجعل، وهأنذا أبين لكم فساد الفتاوى الثلاث فأقول: أما من علل بالغرر، فقد قاله قياسا على منع الغرر في البيع، وهي فتوى عندي باطلة، وبيان ذلك أن صورة ضمان الأموال أن من له خزين تجارة أو معمل أو مركب، أو وسق بضاعة في مركب مثلا يدفع باختياره لإحدى الشركات الضمانية واحدا في الألف أو نحوه من قيمة الشيء المضمون تأخذه الشركة ولا يرجع له منه شيء، وإنما تعطيه توصيلا به، فإن وقع له غرق أو حرق أو نهب مثلا كانت ملزمة أن تدفع له تعويضا وهو القيمة التي قوم بها الشيء المضمون، والمدة التي تكون الشركة مطلوبة بالضمان فيها مبينة محدودة في التوصيل هذه هي العامة التي وقع

стр. 1196

الإفتاء من بعض علماء العصر بتحريمها قياسا على حديث نهي رسول الله ﷺ عن بيع الغرر١ مع أنه لا بيع فيها ولا معاوضة، وإنما هو شيء تافه يدفعه الإنسان كتبرع لشركة تضعه في صندوقها الذي هو كصندوق احتياطي، ثم تكون لمزمة بالتعويض على الدافع إذا أصابته كارثة مقابل ما أخذته منه، فشبهها بالتبرع أقرب وأقوى من شبهها بالبيع. والغرر المنهي عنه في الحديث هو في البيع خاصة لا في التبرع، بل اختلف الأصوليون في نحو نهي عن بيع الغرر هل يعم كل بيع غرر أو هي قضية عين لا عموم لها؟ وعلى العموم استثنوا من البيع الغرر اليسير، فإذا كان يسيرا كما في السكرتاه، فهو جائز، فإن الذي يعطي فيها يسير بالنسبة لرأس المال، غير مجحف، فكأنها عندي جمعية اكتتابية خيرية لإعانة المنكوبين بنظام والتزام تأخذ من ألف رجل شيئا قليلا ما تعوض به نكبة رجل مثلا، واستنباطها من قاعدة القليل في الكثير كثير. ولذلك يبقى لها ما يقوم بأجرة قيامها على ذلك، وربما ربحت أرباحا عظيمة إذا قلت نكبات المضمونين فيها، وعلى كل حال هي معاملة عمت بها البلوى لاتساع نطاق الأعمال التجارية والصناعية والزراعية برا وبحرا، ولا تخلو مملكة في العالم من هذه المعاملة ولا يستغني عنها فيما أظن، فكيف بنا إذا شيد مسلم معملا كهربائيا أو نسيجيا مثلا، ومنعناه من عمل الضمان عليه، فيأتي من يغار من مزاحمته فيغري من يرميه بقنبلة، فيصبح مفلسا، وينفرد مزاحمه بالأرباح، ولو كان مضمونا ما ضاع له شيء، بل ربما ربح، فلا شك أننا بهذا التضييق نكون أهلكنا ثروة الإسلام، ووضعنا المسلمين تحت أسر غيرهم؛ إذ لولا عملية الضمان ما بقيت شركة تجارية مهمة، ولا معمل ولا مراكب بحرية أو نحوها إلا وأصيبت بكثير من النكبات فاضمحت شركاتها ومنافعها العامة وكيف تكون أمة ماجدة في هذا العصر خالية اليد من هذه الأمور إذن تكون مستبعدة لغيرها، واستقلال الأمم الحقيقي في هذه الأزمان لا يكون إلا باستقلالها اقتصاديا

стр. 1197

وصناعيا، والكل أصبح الضمان ضروريا له في الوقت الحاضر اتقاء للطوارئ الجوية والحربية وغيرها فعمل الضمان هو من قبيل الضروري لا الحاجي ولا التحسيني، ومنعه موقع الأعمال الكبرى التي بها رقي الأمة في الإفلاس والخراب، فكم من مركب تجاري غرق في الحرب العظمى، ولم يفلس صاحب المركب في الملايين التي بناه بها ولا التجار الذين ملئوه ببضائعهم لوجود الضمان، فبالضمان أصبحت ثروة البلاد في أمن من الكوارث بسبب التعاون الذي تأسست لأجله شركات الضمان، ولولا ذلك لنكست شركات وأفلست المتاجر، وحل الخراب والإفلاس بكثيرين لا سيما منذ اخترعت المواد المفرقعة المتولدة من البارود، والغاز البخاري وروح زيت النفط "الأسانص" وغيرها وكل ذلك لم يكن في الأزمان الغابرة، ورب شركة من الشركات تقوم بعمل مالي تعجز عنه دولة من الدول العظمى الغابرة لاتساع نطاق الأعمال وفسحة فناء الأموال وكل يعلم أن مبتكرات الوقت الحاضر لا نظير لها في الغابر لذلك حدثت لها معاملات جديدة، فعلى الفقهاء أن لا يجمدوا في أحكامهم على التضييق والتشديد المضيع للمصالح، والوقوف مع الألفاظ والمألوفات التي ألفها من قبلهم، بل عليهم أن يلاحظوا أوجه انطباق النصوص على حاجيات العصر الحاضر، وما تقتضيه مصلحة المجتمع الذي يعيشون فيه مهما وجدوا سبيلا لمساعدة المنصوص والمجمع عليه. وفي أبواب المعاملات الدنيوية لا تجد النصوص إلا وفق المصالح، وضد المفاسد لمن وفق لمعرفة المصلحة الحقيقية؛ لأن الشريعة هدى ورحمة وأبدية وعامة ولا يتصور في الشريعة أن تصك في وجه الأمة باب الصناعة والتجارة والفلاحة، ولقد صار التاجر الذي لا يعمل الضمان ينبذ التجار معاملته وإدانته لعدم الثقة والأمن على ما بيده فيصبح في إفلاس لا مناص له منه، وعلى كل حال هذه معاملة لم تكن ولا كانت أسبابها في الصدر الأول ولا نعلم أنه تكلم عليها أحد من المتقدمين لكونها حدثت منذ قريب، لذلك لم نقف على نص عليها في القرآن بمنعها بعينها، ولا في السنة، وإذا لم يكن فيها نص صريح ولا ظاهر، فقد علم من

стр. 1198

الأصول الخلاف في الأشياء قبل ورود الشرع، فذلك الخلاف يجري هنا، فقول بالجواز، وقول بالمنع، وقول بالوقف. وهناك قول للظاهرية يقولون هذا من القسم المسكوت عنه رحمة غير نسيان، لكنهم يشددون، فيحلمون جميع المعاملات على الفساد حتى تثبت الصحة، ومذهب الأئمة الأربعة وجمهور الأمة أن جميع المعاملات على الصحة حتى يقوم دليل على الفساد. ولنرجع إلى الاجتهاد، وطريق الاجتهاد الصحيح في هذه النازلة هو أن نرجع إلى الأصول التي بني الفقه عليها، فنجد الفقه يستمد من أمرين مسموع معقول، كما تقدم لنا في الجزء الأول من هذا الكتاب، فالمسموع القرآن المتواتر، والسنة الصحيحة أو الحسن، وفي معناها الإجماع، فإذا لم نجدها، رجعنا للمعقول، الذي هو القياس والاستدلال، وقد وجدنا حديث نهى عن بيع الغرر١ وهذا الحديث له مفهوم مخالفة في لفظ بيع، فما كان بيعا، فهو منفي عنه منطوقا، وما كان غير بيع، فهو مباح مفهوما، وهذه المعاملة لا بيع فيها وفيها غرر، فهي مباحة، ومفهوم المخالفة ما عدا اللقب عند المالكية والشافعية والحنابلة مقدم على القياس والاستدلال؛ لأنه من باب المسموع الذي هو مقدم على المعقول، ولا نذهب للمعقول إلا لضرورة عدم المسموع كما سبق لنا في القسم الأول والثاني من الكتاب. وهذا المفهوم يؤيده المعنى المقصود من تشريع الحكم، وذلك أن الشرع يمنع الغرر في البيع؛ لأنه إضاعة لأحد العوضين على أحد المتعاوضين دون الآخر، وفي باب التبرع لا معاوضة، فلا منع، هذا يجري على أصل مالك والشافعي وابن حنبل من تقديم الكتاب أو السنة منطوقا ومفهوما على القياس والاستدلال. ويدل لقصة دلالة المفهوم أيضا ما رواه الترمذي أن رجلا من كلاب سأل النبي ﷺ عن عسيب الفحل فنهاه، فقال: إنا نطرق الفحل، فنكرم، فرخص له في الكرامة٢

стр. 1199

يعني رخص له في الهدية لا البيع، ولولا أن مفهوم لفظ بيع معتبر لما زاد الهبة في الحديث الصحيح: نهى عن بيع الولاء وهبته١ وذلك أن الولاء لحمة كلحمة النسب فكما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته بخلاف الغرر، فإن المعنى الذي منع لأجله في البيع لا يوجد في أبواب التبرع، وذلك ظاهر، أما إذا ذهبنا على مذهب القياسيين الذين لا يرون مفهوم المخالفة دليلا، فإننا ننظر أقرب الأشياء المنصوصة شبها بالسكرتاه، فنقيس عليها ولا سبيل لقياسها على البيع؛ إذ لا معاوضة هنا فالأظهر والأقرب أن تلحق بباب التبرع، وإن لم تكن منه من كل وجه مراعاة للمصالح المرسلة التي هي من الأصول التي بنيت عليها الشريعة. وقد تقدم في الجزء الأول الكلام عليها. وفي "جمع الجوامع": والصحيح أن أصل المضار التحريم والمنافع الحل، قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٢. ا. هـ. ممزوجا. وباب التبرع قد أباحوا فيه الغرر ولو كثيرا فقالوا: يجوز التبرع بالعبد الآبق مثلا، وعليه، فلا منع من الغرر في باب السكرتاه "التأمين" يعني ضمان الأموال هذا ولا أدعي اجتهادا، ولست أهلا له، ولكن أقول: الصحيح أنه يتجزأ كما تقدم، وإذا أردنا الجري على طريق المتأخرين وهو تخريج فتاويهم على الفروع المنصوصة في المذهب فلنا أن نخرجها على مسألة وقعت بسلا أواسط القرن الثامن على عهد قاضيها أبي عثمان سعيد العقباني تسمى بقضية تجار البز مع الحاكة، وذلك أن تجار البز رأوا توظيف مغارم مخزنية ثقيلة عليهم، فتواطئوا على أن كل من اشترى منهم سلعة ثقف درهما عند رجل يثقون به، وما اجتمع من ذلك استعانوا به على المغرم، وأراد الحاكة منعهم بدعوى أنه يضر بهم، وينقص من ربحهم، قال العقباني: فحكم بإباحة ذلك بشرط أن لا يجبر واحد من التجار على دفع الدرهم، وقد بسط القضية في نوازل البيع من المعيار الإمام الونشريسي، ولم يتعرض العقباني، ولا الإمام القباب الفاسي الذي أفتى بالمنع مخالفا له لمنع التجار من ذلك لعلة الغرر أو

стр. 1200

كون بعضهم ينزل أكثر من الآخر لتفاوتهم في متاجرهم طبعا ولا ضيقا هذه المعابر لما في ذلك من المصلحة المرسلة، وما قال أحد منهما بفساد هذه المعاملة، أو ادعى فيها قمارا أو غرر لعدم قصدهما، ومن أصول الفقه أن الأعمال بمقاصدها، بل أفتى المانع بالمنع نظرا إلى تضرر الحاكة بالدرهم بدعوى أنه ينقص من الثمن في مآل الأمر، وما يؤدي إليه الحال ولم تقبل فتواه، بل فتوى المجيز هي المقبولة. وبتأمل هذه الفتوى يظهر لك أنها سواء مع قضية الضمان وهما كصناديق التوفير للموظفين والتعاون والتقاعد الجاري عمل الأمم عليها في أقطار الدنيا. ولما كنت أؤلف نظام القرويين سنة ١٣٣٢ عرضت على أعيان فاس الذين كانوا بالمجلس جعل صندوق للتقاعد بها فاستحسنوه، وقيدوه من جملة مواد الضابط، بل قضية الضمان أحق بالجواز من قضية تجار البز والتقاعد؛ لأن هذا الضمان جعل لصيانة المال الذي هو أحد الكليات الخمس التي أجمعت الملل والنحل على وجوب حفظها، وأن الذي أفتى بكونها غررا، أو إضاعة للمال لم يحرر المناط، ولا هدي لطريق الاستنباط بل الغرر كل الغرر في منعها وتركها، وإنما صيانة أموال الناس في إباحتها. ٢- وأما من زعم من علماء الوقت أن ضمان المال "السكرتاه" من الميسر والقمار والمحرم بنص القرآن، فهو خروج عن مهيج الاستنباط المعقول، فإن في المعنى المراد من لفظ الميسر اختلافا بين أهل العلم حتى قال ابن العربي في الأحكام في سورة البقرة: ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله، فما حرم الله فعله وجهلناه، حمدنا الله عليه وشكرناه. ا. هـ. عدد ٦٣ ج١ وإذا كان ابن العربي يجهله ولم يحقق ما هو، كان مجملا، والمجمل لا تقوم به حجة كما هو مقرر في الأصول. كيف نلحق الضمان بأمر مجهول وهو الميسر وقد حكى الجصاص وغيره أقوالا في تفسيره، فسقط الاستدلال بآية الميسر، ولم تقم له بها حجة لإجمالها على أن القمار أو الخطار أو الميسر الذي هو محرم بإجماع، ولا يختلف فيه اثنان هو أن ينزل هذا مائة وهذا مائة، ويلعبان لعبة، فمن غلب أخذ جميع المائتين كما

стр. 1201

عنده الزرقاني في شرح الموطأ عدد ٣٣٦ ج٢ للحافظ في فتح الباري فانظره ومن ذلك خطار أبي بكر مع أبي بن خلف لما نزل قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ وكان ذلك قبل تحريمه انظر الكشاف وحديثه في الترمذي١ حسن صحيح غريب بألفاظ مختلفة وما أبعده هذه الصورة من صورة الضمان بعد السماء من الأرض والفروق بينهما أظهر من أن تبين فكيف تقاس إحداهما على الأخرى. ٣- وأما من أفتى بأن صورة الضمان هي كفالة بجعل مستدلا بقول: خليل: أو فسدت بكجعل إلخ وبقول ابن القطان عن الأشراف الذي نقله الرهوني: أجمعوا أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا يحل ولا يجوز. ا. هـ. فهي فتوى لا تصح، أما أولا، فما نسبه للأشراف إن كان هو كتاب الأشراف على مذهب الأشراف ليحيى بن هبيرة الحنبلي، فهو بيدي، ولم أجد فيه الإجماع المذكور، ولعله كتاب الأشراف لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري أو غيره، وأما ثانيا: فلا حجة في ذلك كله للفرق العظيم بين الصورتين، فصورتنا إنما فيها مال مكفول، وليس فيه كفالة ذمة لذمة، ولا جعل فيها أصلا لاتفاق المالكية أن الجعل لا يستحق إلا بتمام العمل، وهذا شيء تافه جدا يدفع مسبقا، ولا عمل هنا، فلا جعل، وإنما ذلك كالتبرع الاكتتابي يوضع في صندوق احتياط وتوفير كما سبق. وأما ثالثا: فإن المازري علل منع الضمان بجعل بعلل لا توجد هنا أصلا منها: أنه دائر بين أمرين ممنوعين إن أدى الغريم، كان له الجعل باطلا، وإن

стр. 1202

أدى الحميل ورجع على المضمون، صار سلفا بمنفعة في صورتنا ومنها: أنه من بياعات الغرر، ونحن لا بيع في صورتنا، وكذا من علله بأن الضمان معروف لا يكون إلا لله، فذاك ضمان الذمم. والذي أراه أن المنع ليس سوى تمحل في الدين، وإرهاق المسلمين حتى ينبذوا دينهم الذي هو صلاح لآخرتهم ودنياهم، وقد جرت العادة عند كثير من أهل الإفتاء إذا لم تكن خصومة أن يتظاهروا بالورع فيتسرعوا إلى فتوى التحريم بأدنى خيال شبهة جبنا وخوفا من التشنع، وظانين أن الورع إنما هو التحريم وهو ظن لم يوافق الواقع، بل الورع وراء ذلك وهو تحري روح التشريع الإسلامي، وما يوافق مبادئ الشريعة السمحة جوازا أو منعا ولا يصادم النصوص القرآنية والسنة الصالحة للاحتجاج ولا الإجماع ولا أشك أن بعض من أفتى بالحرمة قد يفعلونه، فالواجب عليهم أن يسلكوا بالأمة سبيل الرخصة التي سلكوها لخاصة أنفسهم؛ لأن الظن بهم أنهم ما تجرءوا على ارتكاب محرم تيقنوه، فلينظر العالم المفتي فعل غيره بالعين التي نظر بها فعل نفسه لا أزيد ولا أنقص ولا يغتروا بما وقع في فتاوى كثير من المتأخرين الفروعيين من تمحلهم لمعاملات جعلوها من باب الربا المحرم، ولا يكاد يفهم فيها قصد الربا لأحد المتعاقدين، بل لا يستبين وجه العلة التي استندوا إليها إلا بعد التدبر العميق، والحفر عنها بمعاول عظيمة، ولا شك أن التعمق في الدين منهي عنه في شريعتنا السمحة، فلنترك صعاب الشعاب جانبا ولنسلك جادة الدين اليسر وقد أوصى ﵊ معاذا وأبا موسى الأشعري بقوله: "يسرا، ولا تعسرا، وبشرا، ولا تنفرا" ١ وليس سبيل التحري فيه هو في الدين والورع محصورا في تضييق الدين، بل سبيل التحري فيه هو أن يصيب روح التشريع الإسلامي المبني على حفظ ناموس الأمة وشرفها، واغتباطها بشرعها، وكونه موافقا مصلحتها، ولا يكون حجرة عثرة في سبيل رقيها مع المحافظة على المنصوص، والمجمع عليه، والأقدام على التحريم بغير دليل ليس

стр. 1203

بأهون من الإقدام على التحليل، وقد نهى الله عن الجميع سواء بقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ ١ الآية كما أن التساهل إلى حد انحلال الشريعة، والتلاعب بنصوصها ليس من سمة المسلمين بل هو مما نعى الله على بني إسرائيل. ومن ذلك الذي يفتي بحلية معاملة البنوك التي هي الربا الصراح زاعما تقليده للحنفي الذي يجيز معاملة الربا مع الحربي وهو يعلم أنه لا يوجد في الوقت الحاضر حربي، وأن أوروبا لم تبق دار حرب ولا حنفي ولا مالكي يقول ذلك، ولربما جمع في فتواه بين هذين المتناقضين يبيح الربا ويمنع الضمان متساهلا في الأول، ومشددا في الثاني، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، ولا أعجب من هذه الفتاوي في زمننا المظلم لأني رأيت فتوى للإمام السنوسي بحرمة القهوة التي هو البن المعلوم، وفتوى الإمام ابن غازي بطهارة ماء الماحيا الذي يصنعه اليهود شرابا لهم، ولكل من الإمامين وقع في الغلط بسبب معرفته ما أفتى فيه، فالذي حرم القهوة، علل الحرمة بعلل، منها الإسكار وهو لا وجود له فيها، ولا التفتير، ولا النشاط، ومنها ضررها بالبدن وكونها لم تكن في الصدر الأول، وهذا شيء لا يوجب الخرمة، كذلك ابن غازي زعم أن الماحيا لا تسكر، وهو غلط، والصواب إباحة القهوة، وحرمة الماحيا الخبيثة. وأكثر أغلاط الفتاوى من التصور. هذا وقد نص القرافي في الفرق ٣٦ وغيره على أنه ﵇ كانت له تصرفات من حيث إمامته العظمى وخلافته الكبرى، وتصرفات من حيث الفتوى وبالتبليغ. ا. هـ. فلأي شيء حمل المتأخرون من أصحاب هذه الفتاوى جميع أوامره ﵇ فيما يرجع للمعاملات الدنيوية على الباب الثاني دون الأول الناظر إلى المصالح الدنيوية، ولأي شيء لم يحملوا أوامره ونواهيه المتعلقة بالأمور الدنيوية كالبيع والإجارة والمساقاة والديون والشركة والسلف والقراض والمزارعة ونحوها على أوامر إرشادية سياسية من حيث إمامته العظمى الناظرة للمصالح الدنيوية مرتبة على مصالح حربية أو مدنية أو سياسية بحسب ما يقتضيه مقام كل

стр. 1204

أمر أو نهي وبحسب مقتضيات الأحوال فيما لم تظهر فيه نص ولا إجماع على التعبد، فتكون أحكاما مصلحيه سياسية صادرة من حيث ما له من الإمامة والخلافة مربوطة بمصالح تتغير بتغيرها، أو مربوطة بأعراف كذلك، ولا تكون ضربة لازب لا تتغير واجبة العمل ولو تغيرت الأحوال، ولو جلبت ضررا أو دفعت مصلحه. والدين يسر "والله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه" كما أن أحكام المعاملات الدنيوية ليست كلها تتغير، بل بعضها فقط، وبهذا تتسع الشريعة على المسلمين في باب المعاملات لا العبادات ولا المعتقدات، فتلك أبواب لا مجال للمصالح فيها، ولكن بشرط أن لا نصادم نصا ولا إجماعا، ومثاله ما تقدم لنا في الجزء الثاني من نصب التماثيل للعظماء في الشوارع، ومنه مسائل الإرث، وأن للذكر مثل حظ الأنثيين، وكون شهادة المرأة نصف الرجل ومسألة الحجاب، كل أولئك بنصوص صريحة أو إجماع، فلا مجال للاجتهاد في ذلك وأمثاله، ولا سبيل لتغييره وأن تغييره مروق من الدين، وثورة على رسل رب العالمين، وإنما كلامنا في المسائل الاجتهادية التي قال فيها المتقدمون بما يوافق زمنهم. فمن أدرك منا رتبة الاجتهاد، فله أن ينظر فيها بما يوافق أحوال وقته أو في المسائل التي لا نص فيها كمسألتنا، فبهذا يتسع صدر نصوص الفقه وباتساعها تصير ذات مرونة صالحة لهذا العصر الذي تغيرت فيه قوانين العالم كله بما لا يلائم المخترعات والأحوال الوقتية التي لا سبيل لدفعها ولا مناهضتها، وما تجددت حال أو ظهر اختراع، أو تغيرت سياسة إلا وتراهم يغيرون قوانينهم لئلا تمنعهم من التقدم، ولئلا تكون حجر عثرة في طريق نهوضهم، فتوجب السقوط، وضياع المجد، والحياة والشرف. ولربما كان هذا الجمود على الألفاظ والمألوفات والأحكام التي جعلت كلها تعبدية في باب المعاملات التي بنيت على جلب المصالح، ودفع المضار من أسباب سقوط الأمم الإسلامية، وفي الخير لربما كانت سببا نبذ بعض الدول للشرعية كليا

стр. 1205

كما وقع أخيرا في تركيا١، ولو أن علماءها سددوا وقاربوا، لم يشددوا ولم يتساهلوا بل اعتدلوا، لكان خيرا وأصلح ولا يكفينا أن نقول للأمة والأجانب الطاعنين، أن شريعتنا صالحة للرقي صالحة لكل زمان ومكان لا تعوقنا عن التقدم، ثم إذا نزلت نازلة كهذه أحجمنا وجمدنا، وأقمنا دليلا واضحا على منقاضة أقوالنا، بل يجب أن نسلك سبيل الجد وطريق العمل بما هو صلاح أمتنا وشرف ملتنا، وقد أسلفنا شيئا من هذا التمهيد الثالث صدر الكتاب، وراجع ما تقدم في هذا الجزء حول هذا الموضوع. ولقد كان علماؤنا العظام ينظرون إلى هذه الملاحظة، ويحملون كثيرا من أوامره ونواهيه ﵇ في المعاملات على أنها من باب الأوامر من حيث الإمامة العظمى، فمن ذلك الحديث: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" ٢ مذهب مالك أنه تصرف منه ﵊ بوصف الإمامة كما يصدر الإمام منشورا لعموم رعيته، فيكون أذنا عاما منه ﵇، بإقطاع كل موات لمن يحييه، فلا يحتاج لأذن إمام آخر بعده، وحمله أبو حنيفة وغيره على أنه تبليغ شرعي إلا هي، فقالوا: لا بد من إذن الإمام بعده أيضا في كل أرض أريد إحياؤها، ولكن حكم الحنفية بأن مجرد التصرف عشر سنين من غير منازع بشروطه المعلومة يثبت به الملك ولو يشترطوا أن يوجد أذن الإمام يقرب ما بين المذهبين، ومثل ذلك حديث "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" ٣ مذهب مالك أن تصرف بوصف الإمامة وهو إذن خاص بغزاة حنين لمصلحة حربية اقتضاها الحال، فلا بد من إذن الإمام في كل غزاة وإلا رجع السلب للغنيمة التي هي

стр. 1206

الأصل، فيخمس، نعم كل إمام ظهرت له مصلحة إعطاء السلب للقاتل له ذلك قياسا على فعله ﵇، فيخرج من الخمس وحمله الشافعي فاعتبره تبليغ حكم شرعي، فهو عام للأمة فلا يحتاج لإذن الإمام بعد حيث تقرر حكما شرعيا إلهيا عاما أبديا، ولا يرجع سلب الغنيمة ولا يخمس أصلا. ومن ذلك حديث نهي النبي ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأنسية١ فقد حمله بعض الأئمة على أنه ليس تعبديا، بل منع خاص من الإمام لمصلحة قلة الظهر في غزاة خيبر يعني فإذا كثر وأمنت مفسدة قلة الظهر، رجعت الإباحة، فالنهي إنما كان لأمر دنيوي، ودفع مفسدة وقتية يتغير بتغيرها. وحمله الجمهور على أنه حكم تعبدي إلهي لا يتغير؛ لأنه متعلق بالأكل الذي هو أدخل في باب العبادة من غيره بدليل أنه أكفأ القدور ولم يؤكل ما كان بها من اللحم، وأمر بكسرها، ثم خفف، فأمر بغسلها فاعتبره نجسا وأمثال هذه كثير لمن يتبع أقوال العلماء المتبصرين من المتقدمين، وينظر فيها نظرا ناقدا نافدا. قال عز الدين بن عبد السلام: السياسة الراجعة لأمور الناس، والمصالح العامة من أفضل الأشياء؛ لأن فيها جلب مصالح ودرء مفاسد. ا. هـ. نقله المسيلي في تفسيره لدى قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ في سورة ص الآية: ٣٥. وهكذا يمكن أن يقال في كل حكم تبين لنا بالدليل الصحيح أن حكمته دفع مفسدة دنيوية أو جلب مصلحة لا دخل للتعبد فيها، وهذا خلاف ما نقلتم عن صاحب الموافقات الشاطبية من تضييقه بإدخال التعبد في كل الأبواب، لكنه لم يأت ببرهان يساعده على دعواه كما يعلم بالمراجعة وفي المجلد الثالث من إعلام الموقعين عدد ٢٧ ما نصه: فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد.

стр. 1207

هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلا رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل للجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، ثم ساق شواهده على ذلك وأطال النفس بما يشفي الأنفس فانظره. ولقد نعى على الفقهاء الجامدين أكبر نعي كالقائلين بلزوم أن يقول البائع بعت والمشتري اشتريت، والمتعاقدان في النكاح: نكحت وأنكحت بالعربية ولو كانا من الفرس، أو البربر لا يعرفان العربية ولا يفقهان معنى ما نطقا به من تجويزهم قراءة القرآن بالفارسية، وتكبيرة الإحرام بها إلى غير ذلك، وكل هذا إما من الجمود على الألفاظ وعدم الالتفات إلى المعاني المقصودة من الأحكام، وإما من الإغراق في القياس والغفلة عن نصوص الشريعة ومقاصدها، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. وانظر عدد ٣٥٥ من الجزء الأول من "إعلام الموقعين".

стр. 1208

تنبيه لكل نبيه: مما يجب أن نصرح به في هذا المقام رفعا لكل إبهام أن أبواب المعاملات والأحكام الدنيوية هي جزء لا يتجزأ من الشريعة الإسلامية وركن من أركانها، ولا تجد بابا من أبواب المعاملات إلا وأصله مأخوذ من نصوص القرآن صراحة، وضمنا، وكملت السنة النبوية كثيرا منها، وباشر النبي ﷺ القضاء والحكم بنفسه امتثالا لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١ الآية وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢ الآية وكمل الصحابة زمن الخلفاء فمن بعدهم أحكام ما نزل في زمنهم من النوازل بالاستناط حسبما أشرت إليه في القسم الأول والثاني من هذا الكتاب. وهذا القسم الذي نشأ عن اجتهاد، ولم يقع فيه إجماع هو معترك العقول، ومحل الخلاف، وهو الذي يقبل التغير، ويتبع الأحوال المتجددة، ومن الجهل العظيم بالشريعة أن يزعم زاعم أنها مقصورة على أبواب العبادة. ولعل الحامل لهذا القائل المبتدع ما لم يقله أحد هو ما رأى من تضييق بعض المتفقهة صدر الحنيفية السمحة بما يصيرها غير صالحة لهذا العصر ولا لكل الأمم وكلا الأخوين قد ضرا وقصرا في فهم الشريعة العامة الأبدية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هذا ما عن لي كتبه جوابا عن سؤالكم، والله ولي التوفيق.

стр. 1209

البحث الثامن عشر: ورد علي من بعض العلماء القضاة بالمغرب ونصبه بعد الديباجة: وبعد فمن من الله علي إلهامي لمطالعة كتابكم "الفكر السامي" ولعمري إنه لموهبة من مواهب الله ومعجزة برزت في هذا الزمان الذي أعوز فيه العلم، ولشدة رغبتي في فهم معانيه، واستطلاعي على تحقيق مبانيه نحضر بعض المواد التي بيدي، ولها إلمام بذلك الموضوع، وقد وصلت لنهاية الصفحة ٢١ من الجزء الأول في مبحث الاستدلال المستدرك على الإمام ابن رشد حيث اقتصر في مقدماته على مدارك أربعة لأحكام شرائع الدين، ولما كرعت في معمع النوع الثامن من الأنواع الاستدلال الذي هو انتفاء مدرك الحكم الواقع للإمام ابن السبكي فيه قلب عبارة وجدت سيادتك قررت المسألة على ما ينبغي، وأتيت بما فيها للأقل وللأكثر، ونصرت الأول بما هو أجدر ثم أدرجت في هذا النوع مسألة عدم مطالبة النافي بالدليل إن ادعى علما ضروريا، وجعلتها بصورة الاستدلال لمسألة انتفاء مدرك الحكم، فكل فكري عن فهم ذلك، وحيل بيني وبين إدراكه إذ غاية ما بلغ إليه فهم العبد القصير الباع أنهما مسألتان، محصول الأولى أن المجتهد بذل وسعه بالسبر أو الأصل، فلم يجد دليلا وعدم وجدانه المظنون به انتفاؤه دليل على انتفاء الحكم على ما للأقل، فبقيت البراءة الأصلية مثلا الخصم قال: الوتر واجب، والمعارض قال: الوجوب أحد متعلقات الأحكام، والحكم يستدعي دليلا ولا دليل على حكمك بشاهد السبر أو الأصل، فالنافي هنا لم يدع علما ضروريا، فلذلك احتج بالسبر أو الأصل وعدم وصوله للدليل بواسطة السبر أو الأصل حصل ظن الانتفاء لا غير، ومحصول الثانية أن النافي للشيء إذا ادعى علما ضروريا بانتفائه لا يطالب بالدليل على انتفائه سيما وقد قال الشهاب: الضروري هو الحاصل من غير نظر واستدلال فقوله: من غير نظر واستدلال ينبئ إلى أن هذا

стр. 1210

النوع ليس من قبيل الاستدلال في شيء وأيضا هذه المسألة فيها النفي وتقوى بدعوى الضرورة فتقرير الأصل أو السبر فيها لم أفهمه، ثم لا ثقة لي بهذه الجعجعة، بل المعول عليه هو ما يبديه لي سامي فكركم بعد تقبيل أعتابكم. وجوابه: إن المستدل هنا ناف، والنافي لا بد أن يدعي علما ضروريا وإلا طولب بالدليل على ما لصاحب جمع الجوامع والسبر هنا إنما هو اللغوي وهو مطلق التفتيش كما بينه المحشي لا الأصولي وهذا السبر كالبراءة الأصلية هو قائم مع كل ناف، ولم يكتف به صاحب القول الذي درج عليه جمع الجوامع فلا بد له من ادعاء العلم الضروري، وإلا كان مطالبا بالدليل فلهذا كنا مطرين للزيادة المذكورة ونزيديك بيانا فنقول: إن هذا النوع من الاستدلال هو انتفاء الدليل، فينتفي الحكم وهو مرتب على مقدمتين: الأولى: أن الحكم يستدعي دليلا، الثانية: أن لا دليل. أما أنه يستدعي دليلا، فبالضرورة، وأما أنه لا دليل، فهذه اختلف فيها على أقوال تسعة مسطرة مع ما يرد على بعضها في "إرشاد الفحول" والذي ذهب عليه في جمع الجوامع تبعا للآمدي وقال: إنه الأصح أن النافي إذا ادعى علما ضروريا لم نطلبه بإقامة الدليل على نفي دليل الحكم، وإلا طولب به، ولم يكف نفيه دليلا على نفي الحكم، فقولي: والنافي لا يطالب إلخ هو تتميم للنوع الثامن لا بد منه على القول الأصح، وذلك ظاهر. وعبارة ابن الحاجب في "المنتهى": المختار أن النافي عليه دليل، وقيل: عليه في العقلية لا الشرعية لنا أنه إذا ادعى علما بنفي غير ضروري، فقد تضمن دعوى طريق أفضت إليه، وإلا أدى إلى نظر ضروري وهو محال فكانت مطالبته بالدليل صحيحة وأيضا فالإجماع على أن الدليل على من ادعى الوحدانية أو

стр. 1211

التقدم وحاصلهما نفي الشريك، ونفي الحدوث النافي، للزم منكر مدعي النبوة دليل النفي، وكذلك صلاة سادسة، وصوم شوال، والمدعى عليه بحق. وأجيب بأن الدليل قد يكون استصحابا مع عدم الرافع له، وقد يكون انتفاء لازم. ا. هـ. منه بلفظه. وأما تعريف الشهاب للضروري، فلا ينافي سبر المستدل، ولا تمسك بالبراءة لأنه صار ضروريا له بعدهما، وعنهما نشأت ضروريته، أو هو ضروري له من أول مرة، ولكن لم يكتف بما عنده من الضرورة رعيا لحال خصمه، فقال: إني سبرت أو تمسكت بالبراءة الأصلية تبرعا منه، وإن لم يكن مطالبا بذلك من حيث قواعد الجدل، بل يكفي أن يدعي علما ضروريا هذا ما أوجب عليه زيادة ما ذكر بناء على القول الذي اقتصر عليه صاحب "جمع الجوامع" وصححه والله ولي التسديد.

стр. 1212

البحث التاسع عشر: وهو وقع لكم في الربع الأول من "الفكر السامي" في مبحث أصل القياس وأسرار التشريع، وفي الثانية في ترجمة أبي حنيفة، وفي الثالث في ترجمة داود الظاهري أن الأحكام الشرعية لها علل، ولتلك العلل حكم ومصالح إلخ وهذا يوهم أن أحكام الله وأفعاله قصدت منها أغراض وعلل غائية، ويوهم وجوب مراعاة الصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح العقليين، فنرجو من مكارمكم إيضاح المقام بما عودتمونا من مضاء القريحة، وفضل البيان حتى يزول كل إيهام، فبأفكاركم تزول الغياهب، وبقلمكم يستجلى كل ضباب. وجوابه: إن أفعال الله منزهة عن الأغراض والبواعث والغايات والعلل، كما هو

стр. 1213

مذهب السنة، وليس في كلامنا أفعال الله، بل في كلامنا التصريح بنفي ذلك في غير ما موضع عن أفعال الله، وانظر عدد ٣٦٢ من الجزء ١ وعدد ٣١٨ منه ففيهما مقنع وشفاء والذي ذهبت إليه في الكتاب كله وهو مذهب أكثر الفقهاء، وبعض الأشاعرة أن أحكام الشريعة الخمسة من حلال وحرام وندب وكراهية ووجوب، لها علل، بمعنى أن الشرع جعل لها علامات وأمارات تسمى في عرف الفقهاء والأصوليين علل الأحكام مثل الإسكار الذي جعل علة لحرمة الخمر حيث يفضي إلى الفتن والعداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة بتغطيته العقل، ولتلك العلل حكم ومصالح تترتب على تلك الأحكام، كصون العقل والمال والبدن والعرض المرتب على تحريم الخمر إلى غير ذلك مما سبق في عدد ٨١ من الجزء ١. ولا يلزم من إثبات ذلك إثبات ما يسميه المعتزلة غرضا وعلة عقلية لأفعال الله التي لا بد عندهم أن تكون تابعة للأصلح أو الصلاح وجوبا عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فما نسميه نحن علة إنما هو أمارة وعلامة نصبها الشرع على الحكم للمجتهد لتتبع كل ما وجد فيه العلة، فيكون فيه الحكم، وإنما هناك اشتراك في مجرد لفظ العلة التي وقع التواضع عليها بالإصطلاح حتى إن السبكي اعترض على الإمام الآمدي حيث سماها باعثا لما يوهمه من مذهب الاعتزال مع أن كتابه "الأحكام" الذين بين أيدينا ما عبر فيه إلا بالعلة والعلامة والأمارة، ولعله في غيره، أو في محل لم نقف عليه. وأيضا أن كون الأحكام روعيت فيها مصالح الخلق ليس ذلك على سبيل الوجوب على الله وأنما هو لطف منه سبحانه وتفضيل وامتنان، فالفرق واضح بين القولين وصراحة كلامنا في ذلك لا إبهام فيها ولا إيهام. وأما التحسين والتقبيح العقليان، فما أبعد كلامنا عنه والتحقيق أن العقل يدرك حسن بعض الأفعال بمعنى ملاءمتها للطبع أو كمالها كالصدق والعلم،

стр. 1214

ويدرك قبح بعض أو نقصه كالكذب والجهل بمعنى منافرة الطبع أو نقصها وهذا محل اتفاق بين الأشاعرة والمعتزلة ولكن ذلك ليس في كل فعل فعل، بل في البعض، وقد يخفى عن العقل الحكم في البعض، ولا يدركه إلا من قبل الشرع كما أنه يمدح ذلك الحسن ويذم القبيح، ولا سبيل إلى إدراك الثواب والعقاب إلا من قبل الشرع هذا في الأحكام. أما في أفعال الله تعالى، فالذي مشى عليه محققون من الأشاعرة أنه لا ابتداع فيقول من قال: إن أفعال الله كأحكامه لا تخلو من حكم ومصالح وغايات راجعة إلى عبيده لا إلى ذاته تعالى تفضلا لا وجوبا، وهو منزه عن أن يصله نفع من ذاته لذاته فضلا عن غيره؛ لأنه غني عن العالمين، ورعايتها من لطفه ورحمته التي وسعت كل شيء، ولا يجب١ على الرب شيء وهو الفاعل المختار القادر القهار، ولا يلزم على مراعاتها استكمال أصلا كما حرره صدر الشريعة وغيره؛ لأن المصلحة ليست راجعة إليه حتى يستكمل بها بل إلى مخلوقاته المفتقرة إليه تفضلا ومنة اقتضاها أنه الحكيم العليم المريد، فوصفه نفسه بالفعال لما يريد، وبالحكيم يقتضي القصد والإرادة والحكيم لا يريد إلا ما فيه فائدة ومصلحة لعبيده تفضلا منه لكرمه الواسع وجوده العميم قال صدر الشريعة في الأصول: وما أبعد عن الحق قول من قال: إنها ليست معللة بمصالح العباد، فإن بعثه الرسل عليهم لاهتداء الخلق، وإظهار المعجزات لتصديقهم، فمن أنكر التعليل، فقد أنكر النبوة، قال صاحب "التلويح": إن تعليل بعثة الرسل باهتداء الخلق لازم لها، وكذا تعليل إظهار المعجزة على يدهم بتصديق الخلق لهم، وإنكار اللازم يوجب إنكار الملزوم؛ إذ ينتفي بانتفاء اللازم، فإن قالوا: إن تحصيل مصلحة العبد وعدمه إن استويا بالنسبة إليه تعالى حيث لا

стр. 1215

نفع ولا ضرر يصل لذاته فلا يصح أن يقال: إن ذلك غرض أو علة، فليلزم الترجيح بلا مرجح، وإن لم يستويا بالنسبة إليه، كان فعله للأولوية، فيلزم الاستكمال لأن معنى كونه غرضيا أو علة هو أنه مقصود ومراد له تعالى، أي توجهت إرادته إليه من غير أن تكون فيه مصلحة لنفسه تعالى، ومثل ذلك قد يحدث لأمثالنا إليه من غير أن تكون فيه مصلحة لنفسه تعالى، ومثله ذلك قد يحدث لأمثالنا والله منزه عن التمثيل، فإنا قد نواسي ونحسن لمن لا منفعة لنا فيه، ولا نرجو منه ثناء ولا ثوابا ولا غرض لنا أصلا سوى الرحمة والشفقة لا سيما إن كان في معرض الهلاك لولا تلك المواساة. وفعل الله الذي هو غني عن العالمين وهو الرحمن الرحيم بهم كيف لا يكون كذلك، وأي استحالة في هذا، وأي نقص يتصور فيه، قال سعد الدين في شرح "المقاصد": الحق أن تعليل أفعال الله تعالى سيما الأحكام الشرعية بالحكم والمصالح ظاهر كإيجاب الحدود والكفارات وتحريم المسكرات وما أشبه ذلك، وأما تعميمه بأنه لا يخلو فعل من أفعال عن غرض، فمحل بحثه ومراده بالتعليل هو ما بيناه آنفا، فلا يرد بحث الدواني معه، ولله در سعد الدين حيث اعترض جعل القضية كلية، فإنا نعلم أن خلود أهل النار في النار من فعل الله، ولا نفع ولا مصلحة فيه لهم فيما يظهر، ولو كان الحق لا يصدر عنه إلا ما فيه مصلحة العبيد لما أوجد الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة؛ إذ العدم أصلح له بلا شبهة. وعلى كل حال أن الغرض والعلة الغائبة والباعث، الصواب نفيه عن جانب الربوبية لإشعاره بالنقص تعالى عن ذلك. أما قصد حصول الحكم والمصالح بالنسبة للعبيد من أفعاله تعالى وأحكامه، فلا محذور فيه، وليس هو بكلي في كل فعل فعل، ولا في كل حكم حكم من أحكام الشريعة على القول بإثبات التعبدي، وذلك على سبيل التفضل والمنة لا الوجوب. وانظر المجلد الثاني، من "إعلام الموقعين" عدد ٢٣ وما بعده، ولا بد.

стр. 1216

تنبيه: وها هنا دقيقة وهو أن بعض المحققين يقول: إن الله فاعل بنوع أشرف من الاختيار، وذلك النوع لا اسم له عندنا لأنا إنما نعرف أسماء ما عهدناه، والناس إذا عدموا شيئا عدموا اسمه، وخواص الخواص معدومة الأسماء، ونحن نحسن بمعانٍ جمة، وفوائد كثيرة لا نستطيع صرفها عن أنفسنا، ونعجز أن نسميها باسم يؤديها تماما، ونعتاض عنها بإرشارات وتشبيهات تقوم مقام الأسماء الفائتة، وقد صح البرهان أن فعل الله تقدس ليس باضطرار؛ لأن هذا نعت العاجز، وليس باختيار أيضا لأن في الاختيار معنى قويا من الانفعال يعلم هذا من ألف شيئا من الفلسفة فلم يبق إلا أنه فاعل بنحو عال شريف يضيق عنه الاسم والرسم كما أنه لو قال لك قائل: لم عبرت عن الله بالتذكير دون التأنيث لما كان عندك إلا أن تقول: هذا ما أقدر عليه، وليس عندي اسم يحضرني سواه. وأكثر ما أمكنني أنني لم أنعت بنعوت الإناث، والتذكير والتأنيث يوجدان فينا وبهما أشبهنا سائر الحيوان، وهما منفيان عن الله من كل وجه وكل وهم، كما أن قولنا: يفعل الله لا يصح معناه في الباري؛ لأنه عبارة عن انفعال الأشياء إليه؛ لأن الأشياء له، وكلها مشتاقة ومتوجهة إليه، مستأنسة به، وأنت تعلم أنه لا فاعل إلا ويعتريه نوع من الانفعال في فعله، لذلك لا منفعل إلا ويعتريه نوع من أنواع الفعل في انفعاله إلا أن الفعل في الانفعال خفي جدا، وبالعكس الانفعال في الفعل. لذلك لا يطلق على الفاعل إلا الاسم الأخص له، فظهر أن قولنا: فاعل مختار فيه نوع من المجاز في الكلمتين حكمت به العادة، وضيق اللغة. هذا تحرير القول في هذه المسألة، وإذا ظفرت به فاحتفظ بألف مغنم.

стр. 1217

البحث العشرون لبعض الأصحاب الرباطيين: وهو وقع لكم في الصفحة ٢٣١ من ج١ "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" والوارد هو لفظ: إن معاشر الأنبياء وبحذف الصدر، والاقتصار على قوله لا نورث ما تركنا صدقة وهي في الصحيحين. وجوابه: نعم الوارد في رواية أحمد١ وغيره بلفظ: "إنا" دون "نحن" فما "الفكر السامي" رواية بالمعنى وهي جائزة على الصحيح، ومثل هذا البحث لا يصدر من المحصلين لا سيما في مقام كهذا قصد به مجرد الاستدلال لا الرواية، ولم ننسبه لمصنف من المصنفات الحديثية بغير اللفظ المخرج فيه.

стр. 1218

البحث الحادي والعشرون له أيضا ونصه: وقع لكم في الصفحة ٣٤٢ ج١: وأما الذي اعتمداه أبو زرعة بن أبي الفضل بن الحسين العراقي الحسيني إلخ مع أن أبا زرعة المذكور ليس بحسيني، وإنما هو عمري، كما في أول شرح ألفية السير. ا. هـ. وجوابه: إن هذه الجماعة وهي أبو زرعة بن أبي الفضل بن الحسين العراقي ليست من الأصل وإنما وقع وهم للطابع لمحها في ورقة أخرى، فأدرجها هناك غلطا، وأصل عبارتي المنقولة من "تعجيل المنفعة" لابن حجر هو ما لفظه للحافظ أبي الحسين بن المظفر، وأما الذي اعتمد الحسيني على تخريج رجاله إلخ وما أدري كيف وقع للطباع في هذه الزيادة، أما قول الباحث: إن أبا زرعة عمري، فليس بصواب، بل هو كردي رازياني بالياء المثناة تحت ثم ألف ثم ياء النسب كما في ترجمة والده أبي الفضل من "ذيل طبقات الحفاظ" للحافظ أبي المحاسين محمد بن علي بن الحسين الحسيني الدمشقي عدد ٢٢٠ فانظره، وانظر ترجمته في الشافعية من هذا الجزء، وترجمة والده أيضا.

стр. 1219

البحث الثاني: والعشرون له أيضا ونصه قلتم في الصفحة ٣٨٣ ج١ في وفاة مالك سنة ١٧٩ باتفاق. إن الاتفاق حكاه الحطاب وتبعوه، لكن ابن خلكان حكى الخلاف في ذلك. وجوابه: ليس كل خلاف جاء معتبرا إلخ.

стр. 1220

البحث الثالث والعشرو: له أيضا ... البحث الثالث والعشرون: له أيضا قال: وقع لكم في عدد ٧٩ ج٢ في ترجمة الدارمي أنه صاحب المسند، وهذا أصله لابن الصلاح في المقدمة، وانتقد عليه بأنه ليس من المسانيد؛ لأنه مرتب على الأبواب لا على الصحابة كما في الألفية العراقية. وجوابه: إن نفي صاحب الألفية ليس حجة على ابن الصلاح المثبت؛ إذ يحتمل أن يكون له مسند وجامع، على أن تخصيص المسند بما رتب على الصحابة اصطلاح حديثي حادث، والمعنى اللغوي صحيح لوجود الأسانيد فيه، وقد أطبقوا على تسميته بالمسند. حتى عند أصحاب الفهارس كصاحب "صلة الخلف" فإنه سماه مسندا، ثم أورد المناقشة اللفظية التي ذكرتم، ونحن تبعنا من ترجموه وقالوا: إن له مسندا، والخطاب في ذلك سهل.

стр. 1221

البحث الرابع والعشرون: من بعض الأصحاب الفاسيين ... البحث والعشرون: من بعض الأصحاب الفاسيين قال: وقع لكم في الجزء الرابع في تراجم المالكية في الإمام محمد بن المدني جنون الكبير أنه توفي ١٣٠٠ على رأس المائة الثالثة عشر، وإنما توفي في سنة اثنتين بعدها في أول ذي الحجة، وفي الشيخ إبراهيم التادلي الرباطي وقع لكم أنه توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف، والذي تلقيته من بعض الرباطيين أنه توفي في سنة ست قبلها، وفي سيدي محمد القادري وقع لكم أنه توفي سنة ١٣٢٩، وأنما توفي عشية الأحد ثالث عشر رجب سنة ١٣٣١ إحدى وثلاثين، ووقع لكم في ترجمة محمد بن إبراهيم المشترائي أنه تولى القضاء بعد أبي العباس بن سودة، والتحقيق أن الذي تولى بعده ولده العباس، ثم المولى أحمد العلوي الملقب بدبيزة، ثم ابن إبراهيم المذكور. ا. هـ. بخ. وجوابه: أما التادلي، فالتحقيق في تاريخ وفاته هو ما في "الفكر السامي" وهو الذي أخبرني به والده السيد عبد القادر أحد عدول الرباط الآن وغيره من تلاميذه الذي أظن بهم التحقيق، وتوجد إجازات وشهادات بحفظ المتوفى بعد سنة ست التي ذكرتم وفاته فيها حيث كان متعاطيا للشهادة بسماط العدول.

стр. 1222

وأما جنون الكبير وسيدي محمد بن قاسم القادري، فالحق في وفاتهما هو ما ذكرتم، وما وقع في "الفكر السامي" غلط مني، أو من مخرج المبيضة أو غيره، وقد وقع التنبيه عليه في جدول الإصلاح، ولكم مني مزيد الشكر على التنبيه. وأما قولكم عمن تولى بعد أبي العباس بن سودة قضاء فاس، فهو بحيث تافه؛ إذ البعدية من الظروف المتسعة، فهو على حد قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ١ وكان بعد ذلك صمويل آخر قضاتهم الذي كان بعد موسى بزمن طويل زادكم الله حرصا على ترقي العلم. وتوقي الوهم.

стр. 1223

البحث الخامس والعشرون: من بعض أعلام مصر، ونصه بعد الديباجة: سيدي، شرفتم مكتبتي بإهداء نسخة من كتابكم العديم المثل، الجزيل البذل "الفكر السامي في تاريخ الإسلام" فازدانت بجماله الباهر، وتحلت لبتها العاطلة بجوهره الزاهر، تقبل الله عملكم المبرور، وسعيكم المشكور، ولقد سبرت مبانيه، وخبرت معانيه، فأكبرت مقاصده، واستعذبت موارده، وحمدت الله أن أبرزه في هذا الزمن الذي نضبت فيه المنابع، وغزرت الدعاوي، واشتدت الزعازع، وإني لأعده من معجزات الدين، ومؤيدات اليقين، فقلما رأيت من كتب في العصر ما طابق اسمه مسماه مطابقته، أو أفاد مع غزارة العلم إفادته، أو أجاد في الصناعة العلمية إجادته، على حسن الإبداع، وسلامة الاختراع، ونفاسة الذوق مع الاتساع. فما من سواد في بياض رأيته ... بأحسن من هذي العيون ولا أحلى ولقد أكملتم جماله، وأبدعتم كماله، بابتكاركم فتح باب النقد، وقبولكم كل ملاحظة رغبة في التنقيح، وغبطة بالتصحيح، مما دل على صدق النصح

стр. 1224

للمسلمين، في إبانة الحق، وتحرير العلم والدين، فلكم من الله الجزاء الأوفى، والثناء الأكفى. إن هذه الفكرة عالية، ومكانة في اتساع الأخلاق سامية، أراكم قد سبقتم علماء الإسلام لفتح بابها تصير سنة متبعة، تتحرر بها المؤلفات في حياة مؤلفيها، وتتضح بها أوهام من يتصدى للنقد وهو في تطوره العلمي لم يزل في المهد. مولاي أوجبتم على إبداء ملاحظاتي قياما بنصح الإسلام، فإني ممتثل أمركم طالب عفوكم، ولكن بعد أن أوفي مؤلفكم حقه بذكر بعض مزاياه المنفرد بها، وإن شارك غيره في غيرها، لئلا أكون ممن بخس الناس أشياءهم، أو أنسأ حقهم فأساءهم. سيدي أول ما وقع طرفي على الديباجة التي خالفتم فها عادة كل ما يرد علينا من مؤلفات السادة المغاربة وبعض المشارقة من تطويل الخطبة، وتنميقها بالسجع، وما يلقونه على وجه تواليفهم كبراقع تحول دون المقاصد إلا وأخذ أسلوبه العجيب السهل الممتنع بشراشر القلب، ومنافذ الفؤاد، فنفذت عذوبة بيانه، ومتانة علومه بأسرع من البرق إلى الفكر والمشاعر، فملكتها، فما مضى زمن وعد موسى حتى استوعبته مطالعا أكثر مسائله، مقابلا لما لم أستحضره منها على أصوله في مظانها بنظر مستقل غير متحيز ممتثلا أمركم المطاع، فإذا هو لب لباب وسحر الألباب، وقد فتح الباب لعلم جديد كان فيه الكتاب، وفصل الخطاب، بل لخص علوما، وما من علم التقمه إلا وأجاد هضمه. فهذا أصول الفقه الذي لا يجيد الكتابة فيه إلا نحارير الأمة وفلاسفتها العظام الماهرون في علوم اللسان والتشريع الإسلامي، لكونه فلسفة العلوم الإسلامية، وميزان اختبار اختيار أعلامها، وسلاح المجتهد في الهيجاء عند احتدامها، قد أتيتم بملخص مهمه، وسواد عيونه في القسم الأول من كتابكم، وكملتم بقية منه في القسم الرابع لمناسبة أوجبها الانسجام، وما فاتكم منه إلا ما هو من فن آخر غالبا كمبحث الحروف الذي هو لغوي، ومباحث المنطق والتوحيد

стр. 1225

والتصوف التي ضخم بها "جمع الجوامع" وأصله. ومع مقابلتي لمسائله على أصوله "كالمنتهى" و"المستصفى" و"إحكام الأحكام" و"المحصول" و"التنقيح" و"مسلم الثبوت" وغيرها، وجدتكم عمدتم إلى ضخام الأسفار، فقربتم ثمارها اليانعة في أوراق عظيمة القيمة، قليلة العدد، إبريز البيان كعقود زمرد وجمان. فالمحصل لها محصل لفز يعد بها من أعظم رجاله، وأساطين كماله وجماله غير أنكم أطنبتم في مبحثي التقليد والاجتهاد بما لا يناسب ما في الجزء الأول من محاسن الإيجاز، الذي هو لأهل الفن إعجاز، ولكنكم أتيتم في المبحثين بمسائل وتحريرات لا توجد في كتاب بيد أنها تبرد غلة الطلاب. ولقد رقص أهل الفن وغواة التاريخ طربا بما أدمجتموه في الجزء الأول من تلك القطعة العنبرية، التي فاح شذاها في المشارق والمغارب، واستطردتموها استطراد علي للمسألة المنبرية، وهي تاريخ نزول الأحكام الفقهية، وترتيبها على سني الهجرة النبوية مما لم يتقدمكم إليه غيركم حيث إنه من موضوع فنكم الذي ابتكرتموه، ولعمر الله إنها لمن أمهات المسائل التي كان يجب على أعلام الأمة إفرادها بالتصنيف، وتمحيصها كل التمحيص؛ إذ بها تنحل عويصات، وتظهر أسرار أحكام خفيات، وقد ادخرتها لكم الأقدار لتظهر ما لكم في الشريعة والتاريخ من الاقتدار، وحسن الابتكار، وإن ما كتبتم في ذلك على إيجازه لجامع لأشتات ما تفرق في دفاتر فقهية وتاريخية وحديثية يعد تأليفا لطيفا مستقلا، وفنا جديدا، ولقد حررتم ما جمعتم تحريرا، وحبرتموه تحبيرا، والله يحسن مثوبتكم على تعبكم في استقصائكم. وهذا علم تراجم الرجال عمدتم إلى جمهرة أعيانه، وواسطة تاج إيوانه، من رجال الفقه والأصول والحديث، ولخصتم زبدة اللبن كأنكم أشرفتم على

стр. 1226

جيش عرمرم، فانتقيتم منه كل حامل راية، ومن لا تدرك لكفايته غاية، فلا يتمالك الناظر المنصف أن يظهر إعجابه وبهته واستغرابه، من استقصائكم لأولئك الأساطين العظام، الذين بأسفار تواليفهم بنيت قبة الإسلام في العصور الذهبية، وبأفكارهم وأقلامهم اتسعت دائرة معارفنا، وازدهت مكتباتنا، وافتخرت أجيالنا، غير أنكم اعتنيتم بحفاظ الحديث، وبالخصوص الشافعية منهم، وبفقهاء المالكية وعلى الأخص المغاربة منهم والفاسيين، ولكن الفقه مرتبط بالحديث ارتباط الفرع بأصله، والمرء لا يلام على اهتباله بوطنه ومذهبه، وكل فتاة بأبيها معجبة ولا بأس أن ينبه جنابكم آخر الكتاب على وفاة القفال الكبير الذي لكم في الصفحة ١٢٩ ج٢، فإن السخاوي في كتاب "إعلان التوبيخ" ذكر أنه توفي سنة ٣٦٥ خمس وستين وثلاثمائة. وهذا علم التاريخ السياسي قد أبان ما لخصتموه منه أول أطوار الفقه استحضاركم لتاريخ سلفكم الطاهر استحضار الإمام الراتب لفاتحة الكتاب، مكتفين بإعجاز الإيجاز عن الإطناب. نعم ربما وقع الخروج عن موضوع الكتاب في بعض المناسبات كإدماجكم تاريخ اللغة العربية في أربع ورقات من الجزء الثاني، وتاريخ علم التصوف في ثمان ورقات من الثالث، وكان يكفي الإحالة على كتبهما إذ الكل علم مستقل، فلئن تجنبتم أول الكتاب ذلك النقاب، فقد وقعتم في الإسهاب. على أنكم قد أبدعتم إبداعا فيهما، ولا سيما في تاريخ التصوف، فلقد أتيتم بما لم نره لغيركم، ولا سقطت عليه قريحة سواكم وهما تأليفان مهمان أدرجتموهما إدراجا، ودبجتموهما أحسن تدبيج، وما أحسنهما لو استقلا بإطلاق، لا كاستقلال مصر والعراق، وتكفيكم الإجادة عذرا، ولكن إياكم وما يعتذر منه. وهذا علم الحديث، فلقد تتبعت ما دللتم به من السنة النبوية، فما رأيتكم أتيتم بحديث إلا وبينتم مخرجه وحالته صحة وإعلالا مستقصين ما لعظماء الفن

стр. 1227

فيه، وما لم يناسب سوقه في الأصل، وشحتم به الهوامش الدرر، فبدت بها أنوار الغرر، ولربما اتكلتم على شهرة بعض الآثار في "الصحيحين" أو السنن يعلم ذلك من له إلمام بالفن، نعم ذكرتم في ترجمة عائشة الصديقة من الجزء الثاني أنها روت شطر الدين، فربما يفهم الناقدون إنه إشارة لحديث باطل "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء"١ لكن المنصفون يعلمون أن لا درك عليكم من ذلك حيث لم ترفعوه صراحة ولا ضمنا بله أنه يلزمكم القول بمعناه. ولعمري لا تستبعد تلك المنقبة في حق الصديقة ﵂، مع ما أوتيته من سعة العلم، وغزارة المادة، بيد أنه فاتهم التنبيه على بطلان الحديث، ومقامكم العلمي الأثري يوجبه رفعا للوهم. كذلك سقتم في ترجمة عمار بن ياسر حديث "ويح عمار تقتله الفئة الباغية" والذي في صحيح البخاري "ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" وليس

стр. 1228

فيه "تقتله الفئة الباغية" ١ نعم لأدرك عليكم حيث لم تنسبوه للصحيح غير أن حيادكم الاعتقادي نحو الصحابة يوجب حذفه، وإنه ليطربني تفسيركم لآيات الكتاب الحكيم حيث هو تفسير استقلالي أثري غير متأثر بالوسط، ولا بالمذهب المالكي، ناهج مناهج الاعتدال، مؤيد بالسنة وقواعد العربية والأصول بما يوجب لمؤلفكم إقبال نبغاء أهل العصر الحاضر. وهذا علم الفقه قد أتيتم في كتابكم على صغر حجمه من المسائل تمثيلا واستشهادا بما لو حصله طالب، لعد من عليه الفقهاء النظار لردكم الفرع إلى أصله، وإفراغ الاستنباط في أفخر شكله، وتحري صحيح النقل، وتوهين ما زاغ عن جادة العدل، مع استقلال الفكر، وعدم التحيز لأي مذهب إلا إن كان له حجة مما يضمن لكم أن لا ينفر من كتابكم هذا حنفي ولا شافعي ولا حنبلي. نعم انحيتم بلائمة كبرى على مذهب الظاهرية الذي خانه سعده معكم، ولكن ندرة أهله في الوقت الحاضر تأمنون بها ضجته وليتكم تمسكتم بالحياد، ومنحتموه حريته، على أن نقدكم إياه قد أصاب غالبه الكلي والذري، ولكن الحي قد يغلب ألف ميت. وأعظم بفائدة ما أتيتم به من أصول المذاهب الأربعة، ومذاهب الظاهرية مما فيه غنية عن المطولات الهامة، وذلك مما يهم كل فقيه، ويوجب شكر كل منصف نبيه.

стр. 1229

بيد أنكم أجملتم إجمالا في المذهب الزيدي والشيعي مع أن هذا مذهب أمة من أرقة الأمم الإسلامية ولكن بعد الدار أبديتم به أقرب الأعذار، كما أنكم أغضيتم عن مذهب الإباضية إغضاء الحليم عن المجرم وهو مذهب منتشر بجواركم في جنوب الجزائر، ويقول البعض: إنه موجود بالمغرب أيضا، كما أنه مذهب أمارتي مسقط وزنجبار، ولهم فقهاؤهم وكتبهم وفروعهم وأصولهم، ولا بدع أن أجبتم بقول الشاعر: وليس كل خلاف جاء معتبرا إلخ. هذا وأما الفن الذي أسستم قواعده، وشيدتم في عواصم العلوم هياكله ومشاهده، وابتكرتم أصوله، ومهدتم فروعه بمهارة نادرة في استنباط مسائله، وإفحام سائله، واستخراجكم لأطواره من حياة أبطاله، فذلك اتفق على إحسانكم فيه كل الإحسان، كل إنسان بكل لسان، والبرهان العيان، وما بعد العيان بيان. وإما إرشادكم إلى تجديد الفقه، وإحياء طرق الاجتهاد بإصلاح الدراسة، وتأليف كتبها الفقهية والعربية، وإحياء معاهد الفتوى والقضاء إلى أن تعود لما كانت عليه في الصدر الأول، فذلك شأن المصلحين البارعين المفكرين بمفكرة واسعة، والناظرين إلى مستقبل الملة بالمنظار الصافي من كل كدر عن ذوق صحيح وغيرة حقيقية، وإن ذلك كله لحقيق بكل إعجاب وإكبار. وسيدي ولا يهولنكم ما قد يورده الجاحدون من كون الدواء الذي أرشدتم إليه هو نوع تغيير للشريعة، والرسوم المتلقاة عن الآباء القدماء ﵏، فنحن نجيبهم بأن أصول الشريعة هي المنصوص والمجمع عليه، وقد أوجبتم حفظهما، والعض عليهما بالنواجذ، وإنما التغيير للأحكام الاجتهادية إن اضطر إليه، والتغيير الحقيقي المبيد للشريعة هو عملهم السائرون عليه، فقد تركوا الحدود الشرعية من الأحكام، فلا حد يقام في الأرض على وجهه الشرعي، ولا قصاص، ولا لعان، ولا ولا ولا، نبذوا أحكام الربا، وأحكام البيوعات،

стр. 1230

الإجارات، وصاروا إلى أحكام عرفية، والمجالس التجارية، ومجالس الجنح والجنايات منابذين للشريعة جهارا وربما تولى تلك الأحكام من يزعم أنه من علماء الشرع الإسلامي، ولم يبق راجعا إلى القضاء الشرعي إلا القليل قد يندثر مع الزمن لا قدر الله على أن هذا القليل ما علمت من قال وقيل. فلأن نجعل تعديلا لأحكام اجتهادية تغيرت الأحوال، فلزم تغيرها، ويبقى الدستور شرعيا اسما ومسمى خير من أن يصير وضعيا، ونصبح منابذين لشريعة الإسلام كليا، ولا شك أن جمود الجامدين هو موت الشريعة اللزام؛ إذ طبيعة الجمود هو الموت الزؤام. فلله أبوكم ما أدق نظركم، وأوسع في مجال المصالح الشرعية فكركم. إن ما أرشدتم إليه من دواء لهو الإصلاح النافع، وكيف لا وقد صدر من قلم طبيب منور نطاسي ماهر، عالج المسألة التعليمية طيلة السنين، وعرف داءها الدفين، وكشف بالكاشف الحديث مكامن الداء كشف حكيم غيور صادق، وأرشد إلى الدواء إرشاد يقظ وامق، غير مكترث بقال ولا غال ولا منافق، وهكذا كان أصحاب العقول الكبيرة من علماء وفلاسفة يهتمون بأمور الأمة، ويعالجون داء أهل الملة، وكثير منهم لم يبلغوا ما بلغت، ولا نقبوا على ما نقبت، فحملوا على الرءوس. وفدتهم أممهم بالنفوس، والله المسئول أن ينبه الأفكار الإسلامية لاتباع إرشادكم، ويثيبكم بما أثاب به المصلحين إنه ولي ذلك. سيدي الشيخ إن فكركم السامي هو عنوان النهضة العربية بالديار المغريبة كما قال عنه المجمع العلمي العربي بالشام، وحسنة من حسنات هذه الأيام، تكفر عن سائر الأعوام، وبرهان قاطع على أن المغرب الأقصى احتفظ بنخبة الأعلام، الذين يخدمون الملة بالقلوب والأحلام والألسن والأقلام، ويستجلى بفكرهم السامي حالك الظلام، فلو وقف عليه أبو الوليد الشقندي ما فضل أندلسه على العدوة، ولا صدرت منه تلك الهفوة.
следующие страницы →