← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بحديث أبي هريرة في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا١ وقال: لولا الرواية، لقلت بالقياس. والمحققون من الحنفية أن خبر الواحد عندهم مقدم على القياس، وأنكروا على من نقل عنهم خلاف هذا القول انظر عدد ٢٦ من رسالة "الإنصاف" لولي الله الدهلوي وهذا ما أعتقده في أئمة الإسلام. وأما قول الباحث: إن أمره لأسيد من باب القاضي يؤمر بأن يقضي بغير اجتهاده، فليس ذلك كذلك بل أمر معاوية لأسيد أمر له بأن يحكم بخلاف ما رواه عن الرسول الله ﵇ ولذلك لم يقبله منه ولا أطاعه فيه، وما كان أسيد ليخفى عليه واجب الطاعة لو كان له اجتهاد في المسألة فلا نشك أنه كان يترك اجتهاده لاجتهاد الخليفة المطاع. وأما تولية القاضي لي حكم بقول فلان، فليست مسألة اتفاق، بل فيها أقوال ثلاثة، وتقدمت لنا قريبا في أبواب التقليد، وأما قولكم كما اشترط الأندلسيون القضاء بقول مالك إلخ. فالذي في "نفح الطيب" الذي هو عمدة تواريخ الأندلس في الوقت الحاضر عن أبي الوليد الشقندي هو ما نصه: إن أهل قرطبة لا يولون حاكما إلا بشرط ألا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم. ا. هـ. منه عدد ١٤٥ ج٢ طبع أوروبا فانظره.

стр. 1157

البحث الخامس: قال في صحيفة ٢٧٦ سطر ٣ ج١: ما ذكرتم من سب معاوية عليا ﵄ إن كان ذلك ثابتا، فهو أمر ليس بمستغرب؛ إذ السب أقل خطبا من التقاتل

стр. 1158

واستحلال الدماء، وجميع ذلك ناشئ عن اعتقاد كل فريق أن مخالفة على الباطل، وأنه مخالف لأحكام الدين، وجالب الضرر على المسلمين. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن سب معاوية عليا في صحيح مسلم١ رأيناه، ورويناه كما في الصفحة ٥٤ نفسها من ج٢ من "الفكر السامي" وقد أطبق عليه المؤرخون ابن جرير الطبري وغيره، ووقوعه من إمام عظيم مثل معاوية مستغرب، والشبهة التي استند إليها في هذا الاجتهاد أغرب وأغرب لا سيما بعد موت علي، وتنازل ولده عن الخلافة، زد على ذلك إشهار السب على المنابر، وقرابته يسمعون فأي سياسة تسوغه، وأي شبهة تبرره؛ لأنه سباب مسلم قد مات زيادة عن صحبته وقرابته من النبي ﷺ وصهره، بل هذا من أقبح ما يستبشع في الدين الحنيفة المتمم لمكارم الأخلاق فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ ٢ الآية وأنت تعلم ما استنبطه مالك من منع الساب من الفيء، وإنما الذي يهون المسألة بعض الشيء وقوع السب من رجل عظيم لمثله وله شبهة خفيت عنا، ومع هذا فإن استغرابي له كأنه اعتذار عن معاوية المشهور بدهائه السياسي، وفضائله الكثيرة وحلمه، وشهادة النبي ﷺ له بالجنة. فقد روى البخاري في صحيحه٣ في باب ما قيل في قتال الروم من كتاب الجهاد عن أم حرام بنت ملحان أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا" الحديث ومعاوية أمير أول جيش غزا في البحر زمن عثمان، فقد أوجب، ولكن النقد لا يستلزم النقص، وقد قبل عند الكافة الانتقادات الفقهية في الأمور الاجتهادية ولو على أبي بكر وعمر، فكيف بالسياسة وكل يعلن أن لمعاوية أغلاط وله حسنات، وإنما هو التاريخ يقرر على وجهه، ولا أرى في تقرير المعلوم المحقق محذورا.

стр. 1159

البحث السادس: قال وفي سطر ٢٦ يعني من صحيفة ٢٧٦ ج١ في جعل معاوية الخلافة وراثية: أرى لمعاوية في ذلك نظرا سديدا، وذلك أن العهد من الخليفة مشروع بفعل أبي بكر، ففي كون المعهود له ابن العاهد، ولعله رأى أن حالة العرب تبدلت عما عهد منهم في زمن النبوة، والخلفاء وراءهم قد تمكن منهم النزوع إلى العصبيات، فخشي إن هو لم يعهد لابنه أن تتفرق الأمة من بعده وهو الظن بسياسته ونصحه ولو علم غير ذلك لما عرض ابنه لمنصب لا يأمن دوامه، ولابن العربي في "العواصم" كلام نفيس في هذا الغرض. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن تبرير معاوية في نصبه ولده خليفة المسلمين الذي قال كثير من الأئمة بتضليله ذلك رأي لبعض أهل العلم لا أشاطره إياه، وأرى لو ترك الاختيار لأهل الاختيار كما فعل النبي المختار، أو نصبه عن شورى، وأنى يمكنه ذلك وفي القوم عبد الله بن عمر، وابن الزبير، والحسين، وأمثالهم، وأي عذر حقيقي لإمام مثله في تقديم مصلحة شخصية على الشورى التي هي سنة الإسلام فهلا وسعه ما وسع أبا بكر حيث ترك ابنه، وكان أكثر من يزيد أهلية إلى ما فيه جمع الكلمة والمصلحة الحقيقية، وعمر ترك ابنه، بل ترك ابن عمه سعيد بن زيد أحد العشرة وجعلها شورى بين ستة، وأخرج سعيد وهو أحق الناس بالشورى مخافة أن تصيبه الشورى، فيقال: إن عمر جعلها لابن عمه وأسس بيتا للمسلمين، وهكذا علي لما طعن لم يعهد لولده الحسن، بل ترك الأمر للمسلمين، والحقائق التاريخية

стр. 1160

الناصعة، وليس في الحق هوادة على أنه بعدما عهد ليزيد انعقدت بيعته بالعهد، فصار خليفة شرعا ولا إشكال على مقتضى الأصل الشرعي الذي أسسه أبو بكر بعهده لعمر وانعقد الإجماع على قبوله، وهذا ملحظ ابن العربي في "العواصم" حتى نسب إليه أنه قال في الحسين إنه قتل بسيف جده، لكن لسيدنا الحسين اجتهاد ﵁؛ إذ رأى أنه حيث دعاه معاوية للبيعة ولم يبايع، وتركه، ولم يلزمه، فهو في حل من ذلك العهد، ولذلك حارب يزيدا، وإلا فكثيرا من مشايخنا كان لا يرتضي مقالة ابن العربي مع أنه مسبوق بها على أن العهد الذي عهده أبو بكر لا يقاس عليه عهد معاوية وأمثاله حتى يكون إلزاما للأمة فإن أبا بكر كان يعلم علم يقين، أن أحق الناس بها بعده عمر، ويعلم من المسلمين رضاهم به إذ شاورهم بذلك سرا، وترك قرابته من بني تيم كطلحة بن عبد الله، وترك ولده، وجعلها لبعيد منه في النسب قريب منه في الرتبة والأهلية، وهذه قضية جزئية لها خصوصيات احتفت بها لا تنتج أمرا كليا وهو إلزام جميع أمم الإسلام بكل عهد عهده خليفة ولو كان المعهود له ابنا.

стр. 1161

البحث السابع: قال: وفي صحيفة ٢٩٢ ج١ ومذهبه أي سعيد بن المسيب أصل مذهب مالك أن سعيدا من جملة شيوخ مالك مثل محمد بن شهاب الزهري وغيره من فقهاء المدينة، ومالك يوافقهم ويخالفهم، ويزن أقوالهم بحسب دلائل الاجتهاد، وأن أصول مذهب مالك معروفة في كتب أصول الفقه، والأصول القريبة، ولم يعدو فيها قول فقهاء التابعين، ولا يخفى عليكم أن الاجتهاد ينافي اتباع قول آخر. ا. هـ. بحروفه.

стр. 1162

وجوابه: إن معنى كونه أصله أنه وافق اجتهاده في كثير من المسائل، ولم أقصد أنه من أصول مذهبه، فإن ذكرتها في ترجمته، ولم أذكر مذهب سعيد منها كما أن مذهب سعيد مقتبس عن مذهب زيد بن ثابت، وعمر بن الخطاب، وابنه وأبي هريرة وغيرهم من أعلام الصحابة المدنيين، بل لا غرابة في تقليد مالك لسعيد في بعض المسائل بناء على أن الاجتهاد يتجزأ، وهو الصحيح، ولا في تقليد سعيد لمن قبله، وهل أخذ مالك بمذهب الصحابي وبعمل المدينة في الاجتهادات إلا نوع من التقليد، وأول من يدخل فيهم سعيد؛ لأنه رأسهم وسيد فقهائهم من التابعين، والعبارة هي لغيري قالوا: إن أصل مذهبه مذهبه، وقال ابن المديني: كان مالك يذهب إلى قول سليمان بن يسار، وسليمان يذهب إلى قول عمر بن الخطاب. وأما كون ابن المسيب شيخا لمالك، فهو غير ممكن؛ لأن ولاده مالك في السنة التي توفي فيها أو التي بعدها، كما هو مبين في ترجمتيهما من الفكر السامي الذي وقع التعليق عليه، لكن الشيخ بين في مراجعته الثانية أنه وقع في ذلك غلط للكاتب وأن صواب العبارة هكذا هو من علية شيوخ شيوخ مالك، والأمر سهل، ومثل الشيخ بعيد عن مثل هذا الغلط حفظه الله وأمتع المسلمين بأنفاسه.

стр. 1163

البحث الثامن: قال: من صحيفة ٣٣٥ ج١ إلى صحيفة ٣٣٩ عند ذكر أول من دون الفقه والحديث: أرى أن أول من دون الفقه والحديث والتفسير في مدون مقصود منه عموم الناس هو الإمام مالك بن أنس ﵀ في موطئه، كما يدل لذلك طلب أبي جعفر المنصور، ثم عزمه على الأمر باتباعه في أمصار الإسلام، وأن ما كتبه

стр. 1164

قبل ذلك أبو بكر عمرو بن حزم، وابن شهاب، والربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، فإنما هي تقاليد قيدوها لأنفسهم، أو لأفراد سألوهم، فلا تعد تآليف ألا ترى أنهم لم ينشروها، وإن شئت أمثال هذه التقاييد، فقديما ما قيد الصحابة أشياء، فهذا عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب كانا يقيدان كل ما سمعاه من قول النبي ﷺ في مصحفيهما، ومثل هذا يقال فيما ألف زمن مالك. أما الفقه الأكبر المنسوب لأبي حنيفة ﵀ المؤلف في الفقه، فقد ذكر جنابكم ما في نسبته، وأما المؤلف في العقائد على صورة عقيدة ففي نسبته إليك شك، والحنفية ينكرون منه مسائل، منها مسألة إثبات كفر أبوي الرسول ﷺ ، وحسبك بهذا دليلا على أنه لم ينقل عنه بسند صحيح، فيتطرق الشك في أصول تأليفه. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: بتسليم كون أول من دون تدوينا معتبرا في الفقه والحديث والتفسير وانتشر تواترا، وحصل النفع به هو مالك، وذلك ما تفصح عنه الصفحة ٣٣٥ وما بعدها من الجزء الأول من "الفكر السامي" وقد حكى ذلك في "كشف الظنون" عمن قبلنا من أهل العلم ونقلته هناك، وأما إنكار كون ما ألفه أهل عصره تواليف، وإنما هم قيدوها لأنفسهم، ولم ينشروها، فهذا لا يساعده ما نقلناه في عدد ٣٣٧ عن الترمذي، و"قوت القلوب" وغيرهما، وكيف ننكر جامع سفيان الثوري، وجامع ابن عيينة، وصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المنشورة في الأمة، والمنقولة عن الأئمة بأسانيد صحيحة لا نشك أنا وأنت في ذلك وغيرها وغيرها، وقال الزهري: لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني، نقله عنه الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي الهمداني أول كتابه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" وهل ملأ البخاري صحيحه إلا من "الموطأ" ومسندي السفيانين، ومصنف عبد الرزاق، ومسند ابن أبي شيبة، وكذا أبو داود منها، ومن صحيفة عمرو بن

стр. 1165

شعيب وغيرهم، ولم تكن خاصة بأنفسهم، بل نشروها في عموم الناس، فانتفعوا بها إلا أنها لم تبلغ مبلغ موطأ مالك فيما بيناه من المزايا والانتشار التواتري.

стр. 1166

البحث التاسع: قال: وفي صحيفة ٣٣٩ ج١ في إدراك أبي حنيفة للصحابة أرى أن جنابكم لم يعط تلك النقول الضعيفة ما تستحقه من التزييف، وكيف يترك كلام أئمة الحديث وأهل العلم بالرجال إلى كلام شذوذ من المتأخرين الذين يحسبون أن الرجل الكامل لا يكون كاملا حتى يثبت له الكمال في كل شيء، وقد ثبت أنه لم يرو إلا سبعة عشر حديثا، فتأول بعض الحنفية ذلك بأن المراد سبعة عشر تأليفا في المسانيد، ومعلوم لفضيلتكم أن الكوفة لم تكن دار حديث، ولا نزلها من فقهاء الصحابة عدد له بال وقد شغلت في زمن الخليفة الرابع بما حولها من الحروب والفتن، ولو كان أبو حنيفة ﵀ من رجال الحديث، لما ترك معاصروه الرواية عنه والرحلة إليه، وإلا لعد ذلك طعنا في عدالته أما ما لفقه له المتأخرون من المسانيد، فبصر جنابكم فيه حديد ولا أزيد. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إني صدرت أولا بكونه لم يلق صحابيا، ونقلت عن ابن خلكان قوله: لم يثبت ذلك عند أهل النقل، لكني لم يسعني أن أترك ما أثبته الواقدي، والخطيب البغدادي حافظ المشرق، وعصريه ابن عبد البر حافظ المغرب، ثم الذهبي حافظ الشام، ثم السيوطي حافظ مصر، ثم محمد بن عبد الرحمن الفاسي حافظ المغرب في وقته، ومحمد بن سليمان الروداني حافظ الحرمين الشريفين والشام من لقيه لبعض الصحابة، أو رؤيته إياهم، أو روايته عنهم، ولا يخفاكم أن المثبت مقدم

стр. 1167

على النافي، وهؤلاء كلهم من أعيان المحدثين الحفاظ الكبار، وعلماء الرجال، فلا أرى بدا في أداء الأمانة من نقله، وأنتم تعلمون أن الإمام مسلما لم يشترط في صحة الحديث اللقي، واكتفى بالمعاصرة؛ لأنها مظنة اللقي، وأن معاصرة أبي حنيفة لبعض منهم لا شك فيها. أما ما ذكر الشيخ رصد في تاريخ الأزهر من لقيه ٢١ صحابيا، فقد أعطيته ما يستحق بقولي وهو من عهدته، ولا أقدر أن أزيد، وأما قولكم: وقد ثبت أنه لم يرو إلا سبعة عشر حديثا، فدون ثبوت ذلك خرط القتاد كيف يقال: إن إماما يقتدي بأقواله نحو نصف الأمة الإسلامية لا يروي إلا هذا العدد، ولو كانت الإمامة تنال بهذا النزر من السنة، لسهل ادعاؤها على كل مدع، ولما استصعب الأئمة وجود المجتهد المطلق من آخر القرن الرابع؛ لأن الأصل الأول الذي ينبني عليه الاجتهاد هو الكتاب والسنة، والمجتهد لا بد أن يكون حافظا جهيرا للسنة كما قال الدهلوي في "عقد الجيد" ولو على سبيل الكمال، وبعيد كل البعد أن لا يكون أبو حنيفة نال هذا الكمال، واقتصر من رواية السنة على سبعة عشر حديثا ومع ذلك تبعه، وأخذ بمذهبه جمهور الأمة، وترك مذهب من يروي مئات الآلاف من السنة. وعلى الإجمال فهذه المقالة التي حكاها ابن خلدون في "المقدمة" بلفظ: يقال ثم كر عليها بالإبطال، وقد أشرت لشيء من ذلك في الصفحة ١٢٣ ج٢ وأرى أنها مجازفة لا ترتكز على حقيقة إلا لو ثبت أنه أخبر ذلك عن نفسه ومثلها قولهم: فلان يحفظ ألف ألف حديث. وانظر كم مدة تمكث في سرد صحيح البخاري الذي به نحو أربعة آلاف حديث بالمكرر وغيره، فأي زمن يكفي لحفظ هذا العدد، ثم لروايته ونشره وأصحاب المبالغات دائما بين إفراط وتفريط. وأما قول الباحث: إن الكوفة لم تكن دار حديث، ولا نزلها من الصحابة عدد له بال، فهو غير محرر، ففي الصفحة ٨٨ من الجزء الأول من "الفكر السامي" بينا أنها كانت في صدر الإسلام دار علم، وانتقل أعلام الصحابة إليها

стр. 1168

وإلى البصرة والشام أليس ابن مسعود الذي قال فيه ﵇: "اهتدوا بهدي ابن أم عبد" ١ انتقل إليها معلما وهاديا زمن عمر، ومكث بها إلى آخر خلافة عثمان. وكذلك عمار وأبو موسى، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة وحذيفة، ثم علي لما استخلف، وابن عباس وغيرهم، وقد مكث علي فيها أربع سنين وأشهرا. قال ابن حزم: أجمعت الأئمة والمؤرخون أن من انتقل لأرض انتقال استقرار لم يرحل عنها رحيل ترك سكناها، نسب إليها فإن ذكروا الكوفيين من الصحابة، صدروا بعلي وابن مسعود وحذيفة، نقله في "نفح الطيب" عدد ١١٣ طبع أوروبا، وكفى بالكوفة شرفا باب مدينة العلم، وابن أم عبد وصاحب سر رسول الله، ومن ذكرنا معهم على أني أعلم أنها دون المدينة في ذلك كله حسبما قررته في الصفحة ٨٩، وما بعدها. هب أنها لم تكن دار علم، فلا يلزم منه عدم معرفة أبي حنيفة بالحديث، ولا ينقص من قدره لإمكان أن يدركه بالرحلة، ويكون ذلك زيادة رفع، له وأما قول الباحث إن سبب عدم رواية الحديث عن أبي حنيفة هو عدم معرفته به، وإلا لزم الطعن في عدالته، فاللزوم في هذه القضية الشرطية ليس بعقلي ولا عادي ولا شرعي؛ إذ حصر ذلك بسببين: الجهل أو عدم الثقة لا يسلم أيضا فكم من حافظ ثقة لم تنتشر روايته لاشتغاله بغيرها، يمكن أن يكون أبو حنيفة اشتغل بالفقه وقصد له دون الحديث، وأنتم ذكرتم سببا ثالثا وهو أن الكوفة لم تكن دار علم على ما فيه، أو يكون هو نفسه يتحرى رواية الحديث تورعا كما كان يفعل الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم، كانوا ملازمين للنبي ﷺ ، وحضروا المشاهد ولم يرو عنهم إلا اليسير بالنسبة لما روى غيرهم، ولم يلازمه ملازمتهم كأبي

стр. 1169

هريرة. كانوا يتحرون الرواية، وهذا عبد الله بن عمرو بن العاص كان أكثر ملازمة من أبي هريرة، ويكتب ما يسمع، وأبو هريرة كان لا يكتب، ولم يرو عنه ما روي عن أبي هريرة لاشتغاله بالسياسة وكان في مصر، ولم تقصد إذ ذاك لرواية الحديث. وأجاب الباحث ثانيا عن جوابنا السابق بما نصه: أما رواية أبي حنيفة لسبعة عشر حديثا فقط، فهذه مسألة كفانا أئمة الحديث بسطها من البخاري فمن بعده، ومراد من قال ذلك إنما ينظر إلى رواية الصحيح المقبول، والسبب في ذلك أن أبا حنيفة كان يرى أن الأصل في المسلمين العدالة، ولذلك يرى قبول المستور وهو المجهول كما تقرر في الأصول. ومن هنا دخل الضعف في مروياته، وأدلة الفقه في المذهب الحنفي إلى اليوم تشتمل على أحاديث ضعيفة كثيرة١ بعدما أدخل الطحاوي حين تقلد المذهب الحنفي من التنقيحات لتلك الأدلة. وأما الإمامة التي نالها الإمام أبو حنيفة ﵀، فكانت بحسب نظره في الشريعة وبالقياس، وبما بلغه من الحديث قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأما دخول الصحابة الكوفة، فمسلم، لكن جمهرة الذين دخلوها منهم إنما كانت في عصر الشغل بالدولة وبالفتن حتى استقضى فيها شريح دون بقية الصحابة. ا. هـ. بحروفه ونكل للقارئ حرية النظر والتمحيص، ونقول: إن شريحا استقضي في خلافة عمر قبل الفتنة كما سبق لنا في ترجمته.

стр. 1170

البحث العاشر: قال في صحيفة ٣٤١: قلتم: أخرج له يعني أبي حنيفة النسائي في سننه والبخاري في جزء القراءة. أرجو الإفادة بنص هذين الموضعين لغرابتهما لأن المعروف عند أهل الحديث أنه لم يخرج عنه أهل الصحيح. ا. هـ. وجوابه: إن الذي نفى إخراج أهل الصحيح له هو عياض، والذي أثبت ما ذكرته في "الفكر السامي" هو الحافظ صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري في كتابه "خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال" المطبوعة في المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق الطبعة الأولى سنة ١٣٠١ في العدد ٤٠٢ صدر ترجمة أبي حنيفة حيث بدأه بهذه العلامات "تم ز س" فالعلامة الأولى وهي "تم" لشمائل الترمذي، والثانية "ز" للبخاري في جزء القراءة، والثالثة "س" للنسائي في السنن وهذا مستند ما في "الفكر السامي" لكن الباحث قال في مراجعته الثانية: إنه لم يقف على ما نسبته لخلاصة تذهيب التهذيب١ ولعل الذي بيده مطبعة أخرى على أنه لا مخالفة بين كلام عياض وغيره إذا حمل كلام عياض على صحيحي البخاري ومسلم.

стр. 1171

البحث الحادي عشر: قال: في الصفحة ٣٥٦ قلتم: إن مذهب الحنفية أوسع المذاهب وأكثرها تسامحا على وجه الإجمال إلخ، وهذا حكم عسير يحتاج إلى موازنة في المذاهب في عداد المسائل، وأحسب أن التسامح والشدة حكمان مشاعان بين سائر المذاهب، وأمرهما لا ينضبط في آحاد المسائل. ففي المذهب الحنفي الخيل: وعدم العمل بسد الذرائع، ومع ذلك ففيه شدة عظيمة في مسائل جمة من العبادات كنقض الوضوء من دم الجرح وعدم التطليق بالضرورة وبالإعسار بالنفقة، وعدم صحة المغارسة، وإبطال الشروط في البيع والنكاح مطلقا، وبأن طهارة الثوب والبقعة واجبة ولو مع النسيان، وقال بالفطر بالحجامة في رمضان١ وبصحة بيع المكره، وبمنع رهن المشاع، وبعدم صحة الوصية لغير الموجود. وفي المذهب المالكي المصالح المرسلة: والتأويل الصحيح الراجع إلى التوسعة في الدين مثل تأويل حديث "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يسم على سومه" ٢ فإن تراكنا وتقاربا، قال مالك: ولو كان على ظاهره، لكان باب فساد يدخل على الناس، وفيه إبطال خيار المجلس لمنافاته الانضباط، وفيه العمل بقاعدة: تحدث للناس لأقضية بقدر ما أحدثوه من الفجور، فهذا باب عسير الضبط، وقد قال الحنفية بجواز انعقاد الحبس دون الحور، ومع ذلك منعوا شرط البيع لمن احتاج

стр. 1172

حلافا للمالكية فيهما. فأتت ترى الشدة والتوسع مشاعين في هاتين المسألتين. ثم إن السعة والتسامح يجريان في العبادات والمعاملات، فالعبادات يمكن أن يوصف الحكم المتعلق بتسامح أو ضده من حيث ما فيه من التخفيف على المكلف إلا أن هذا لا ينبغي استحسانه على الإطلاق؛ لأنه قد يبلغ التسامح أو ضده إلى حد يضيع مقصد الشريعة من إصلاح المكلف فإن التكليف إلزام ما فيه كلفة، والكلفة مقصود للشارع، هذا كما في قول الحنيفة بالاكتفاء بشاهدي عقد النكاح بحضورهما، ولو كانا نائمين. فالاكتفاء بهما نائمين مقصد الشارع من تكميل حفظ الأنساب، وأما المعاملات، فالتسامح فيها إن تعلق بأصل المعاملة كإباحة بعض أجناس المعاملات لاحتياج الناس إليها مثل المغارسة في المذهب المالكي، وبيع الوفاء١ في المذهب الحنفي. فهو ظاهر، وإن تعلق التسامح بالبطلان والصحة في فروع الأبواب، فقد يقال: إن التسامح حينئذ غير معتبر؛ لأن التسامح المتعلق بأحد المتعاقدين تشديد على الآخرة. ا. هـ. بحروفه.

стр. 1173

وجوابه: أرى أنه لا عسر على من شاء الموازنة أن يضع بين يديه بداية ابن رشد أو قوانين ابن جزي مثلا، ويوازن بين كثير من الأحكام في المذاهب في شتى الأبواب، فلا شك أنه يجد التسامح والشدة مشاعة بين المذاهب ما قلتم؛ لأن كل واحد أخذ حظه من الرخص والعزائم، ولكن إذا دقق النظر، وجد الأكثرية في جانب الحنفية على وجه الإجمال، سواء في الأبدان أو الأموال، لو شاء الحنفي المطلع ألا يؤدي زكاة لفعل لفتح باب الحيل، ولو شاء أن لا يقام عليه حد، لأمكن لأخذهم بدرء الحد بأدنى شبهة إلى أبعد نهاية حتى إنهم لا يجمعون بين حد السرقة وأداء المسروق لئلا يجمعوا على السارق مصيبتين. وإذا نظرنا إلى أصول المذاهب الأربعة في الجزأين ٢ و٣ من الفكر السامي فإن نجد مذهب الحنفية بني على النظر إلى علل الأحكام وحكمها المقصود من التشريع أكثر من غيره، ولم يعتبر سد ذرائع الذي اعتبره المالكية والحنابلة، ورخص في الحيل للتخلص من المضايق وهي نوع من الترخيص والتوسعة المناسبة للتطور الكوني، ولم يتقيد بالجمود على ظاهر السمعيات، وألغى مفهوم المخالفة الذي هو نحو ربع السمعيات، وشدد في شروط العمل بخبر الواحد حيث اشترط فيه الشهرة وإن تساهل في حمل مجهول الحال، لا مجهول العين على الدالة، واشترط فيما يعارض القياس منه أن يكون الراوي فقيها على تفصيل وخلاف في ذلك، فيتسنى لنا الحكم بأنه أوسع المذاهب وأكثرها تسامحا على وجه الإجمال، وألينها في يد المفتي الذي يضطر لتغير الأحكام بتغير الأحوال فيجده أيسر انطباقا على الحاجيات الوقتية المتجددة في كثير من الفروع والأبواب، وعلى ناموس

стр. 1174

التغير بالرقي أو التأخر من جميع المذاهب على وجه الإجمال على أن قد قررت في الصفحة ٣٥٦ والصفحة ٣٥٨ وغيرهما أنه قد يكون أضيق المذاهب وأكثرها جمودا على الظاهر في بعض المسائل، وبينت أمثلة من ذلك بما يوافق بعض ما بسطتموه. أما المصالح المرسلة التي اعتبرتموها من التوسعة، فقد تكون من المضيق في كثير من الأبواب، وأما إبطال خيار المجلس، فليس من التوسعة بإطلاق، بل الخيار أوسع، وكذلك العمل بقاعدة عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية ليس هو من التوسعة بإطلاق كما هو ظاهر. وأجاب الباحث عن هذا حفظه الله في المراجعة الثانية: فقال: أما ما ذكرتموه من سعة المذهب الحنفي، فهي بعد محل النظر وعلى تسليمها، فالسعة التي لا تشايع مقاصد الشريعة لا خير فيها فإن إبطال سد الذرائع، وفتح باب الحيل، وإلغاء مفاهيم الشريعة، كل أولئك معاول تهدم مقاصد الشريعة لا سيما إبطال مفهوم المخالفة، فإن عورة عظيمة لمن يتصدى لفهم كلام عربي مبين، وكون المذهب ألين بيد المفتي ليس مما يحمد على الإطلاق، فإن الدين جاء لإبطال ذلك اللين نعي على بني إسرائيل، ونطوي بساط هذا؛ لأنه بساط طويل. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: أما كون هذه السعة لا تشايع مقاصد الشريعة فمذهب بني على النظر إلى المعاني المقصودة من الأحكام كيف يمكن أن يقال فيه ذلك؛ وأما ما يتعلق بالنزاع من جهة الحنفية في أصل سد الذرائع، ومفاهيم المخالفة، ومن جهة غيرهم في

стр. 1175

باب الحيل، فمبرهن على ذلك بالحجج في محله من كتب الأصول وكل له حجج يعلمها من لم يقتصر على كتب مذهب واحد. وأما إثبات الحيل في أصول المذهب الحنفي، فيأتي في البحث الثالث عشر. وأما مفهوم المخالفة، فقد دل الحنفية على عدم اعتباره بآيات وأحاديث دل الإجماع على عدم اعتبار مفهومها أو غيره من الأدلة كآية ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ١ وآية ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ٢ وآية ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٣ وآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ٤ وآية ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ٥ وغيرها، وطردوا الباب فيما سواها قالوا: ما دل الدليل على اعتبار مفهومه، فذلك الدليل لا للمفهوم، أما المفهوم، فمسكوت عنه، وأورد عليهم كلمة الشهادة، فإنما دلت على إثبات الألوهية لله بالمفهوم، وأجابوا بأنها دلالة عرفية بالمنطوق لا المفهوم. وأما المالكية والجمهور فتمسكوا بآيات وأحاديث قامت أدلة على اعتبار مفهومها، وطردوا الباب في سواها، وأجابوا عما دل الدليل على إلغاء مفهومه بأنه خرج مخرج الغالب كآية: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ وبحث عز الدين في جوابهم هذا بما تقف عليه في الفرق ٦٢ عند القرافي الذي أجاب عنه بجواب ساقط، وبسط الأدلة للفريقين، وردودها في "أحكام الآمدي" وغيرها. وعلى كل حال كل من الفريقين له تمسك بالآيات جعلها أصلا، وطرد الباب في سواها، وأجاب عما يخالفها، ولكل وجهة، فلم يبق محل لأن يعبر في أحد الجانبين بالعورة العظيمة، والنعي على بني إسرائيل ونحو هذه العبارات الموجبة للأحقاد والتصلب في المذاهب، والمنافية لمبدأ إزالة النفرة بين عموم أهل الإسلام، والذي نعى على بني إسرائيل هو التبديل والتغيير والتأويل غير المقبول

стр. 1176

الذي لم يقم عليه دليل، وأحاشي الحنفية عن ذلك كله، ونعتقد أنهم على هدى من ربهم كغيرهم من مذاهب الأئمة.

стр. 1177

البحث الثاني عشر: قال: وفي الصفحة ٣٥٩ ذكرتم تألب الحجازيين على أبي حنيفة ﵀ إلخ أرى أن أهل الأثر لم ينسبوا له تعمد ترك السنة فإنهم معترفون بثقته وورعه، وإنما نسبوا له القصور في معرفتها، وهذا لا ينافي الثقة فإنه أخذ بما بلغه، واعتمد القياس في غيره، وحسبك بالقياس مدركا شرعيا. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن منهم من نسب له ترك السنة يعني مع علمه بها لقادح أو معارض عنده كما هو الظن بأمثاله وإن لم يسلمه له غيره، ومنهم من نسب له القصور فيها ولو راجعتم من ترجموه من غير الحنفية، ومن انتقدوا مذهبه وبعض شروح البخاري في كتاب الحيل، وكتب ابن حزم، وأهل الظاهر، والحنابلة وغيرهم في كتبهم التي يردون بها الحنفية، لوقفتم على كثير من عباراتهم الصريحة حتى صار من أمثالهم: أعراقي أنت تقريعا لمن ترك السنة. أما ورعه الذي لا نزاع فيه، فلا دليل لكم فيه على عدم تركه السنة، فقد يتركها لقادح أو معارض في ظنه وهو ورع، ولو وقع منه تركها لما ظننا به إلا حاشاه أن يرتكها لرأية، وما نسبتم له من القصور فيها هو ترك لهان ومن كان فيها كيف يستحل لنفسه الاجتهاد، واتخاذ الناس له قدوة نعم الورع يوجب على من

стр. 1178

كان قصيرا فيها أن لا يجتهد في أحكام الله لأن شرط المجتهد معرفتها وعدم القصور فيها باتفاق من أهل العلم، وأما قولكم: وكفى بالقياس مدركا شرعيا، فالقياس على ماذا يكون إذا لم يكن معرفة بالسنة التي هي من المقيس عليه، ثم أجابني الشيخ في مراجعته الثانية بقوله: لعل جنابكم ظن أني قصدت إبطال ما نقلتموه معاذ الله أن يخطر ذلك ببالي وإنما أردت أنهم لما نسبوا له مخالفة السنة دل ذلك على أنهم لا ينزلونه بمنزلة أئمة الأثر، ومرادي بذلك إتمام الاستدلال على أنه لم يكن من المشتغلين بالحديث وصفات رجاله. ا. هـ. وللناظرين النظر.

стр. 1179

البحث الثالث عشر: قال: وفي الصفحة ٣٦٤ قلتم في ذكر الحيل: والحق أنه لا حق لهم في الإنكار إلى آخر الصفحة لا يعزب عن جنابكم أن التحيل لإبطال المقاصد الشريعة لا يخلو من أحد أمرين إما نسبة التشريع إلى نفي الحكمة المقصودة من الأحكام الشرعية حتى يصير المكلف ناظرا إلى الصور والألفاظ لا إلى الأرواح والأغراض، وإما الاجتراء على إبطال الحكمة الشرعية بما يرضي العامة، وهذه النزعة إسرائيلية ففي الحديث "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها" ١ وقال ﷺ : "الأعمال بالنيات" ٢ وكيف يعمد إلى الحيل وقد ترتب عليها إسقاط الزكوات، وتحليل المبتوتات، وأما آية ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ ٣ فإن تلك فتوى الله تعالى لنبي من أنبيائه، وليس باب الخصائص بدعا في الشرائع، على أن البر في اليمين أو الحنث لا يترتب عليه معنى شرعي سوى تعظيم اسم الله تعالى والنبي لا يزيده البر تعظيما لاسم الجلالة، فلما تحير في بر يمينه، واشتد عليه إيجاع امرأته ضربا أفتاه الله إكراما له وترخيصا كما فدى إسماعيل بذبح كبش، وفي حديث فتح مكة "فإن اعتل أحد لقتال رسوله فيها، فقولو له: إن الله يحل لرسوله ما شاء" ٤ وفي عملكم ما قاله أئمتنا في تلقين المفتي

стр. 1180

الفجور، ووقع فروع في المذاهب فيها ما يشبه الحيلة لا يقضي باعتبار التحيل أصلا في تلك المذاهب؛ لأن تلك فروع بنيت على الإغراق في طرد الأصل، وأكثرها متعلق بالمسائل التعبدية، فكيف تناسب القول بجواز الحيل مذهبا معظم مبناه على القياس الذي آثر العلة ثم الحكمة. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: اعلم بمجرد إمعان النظر في الصفحة ٣٦٣ فما بعدها من الجزء الثاني من الفكر السامي، فقد بينت هناك محاججه بين من يثبت الحيل ومن ينفيها، وانفصلت على وجه معتدل، وهو أنه لا يسعنا إنكار وجود أصل الحيل في شرعنا، بل وفي الشرائع قبلنا لنضافر ظواهر الأدلة على ذلك والظواهر إذا تكاثرت أفادت القطع كما هو منصوص عليها للفقهاء والأصوليين والمحدثين، ثم انفصلت على أن الحيلة إذا هدمت أصلا شرعيا، أو ناقضت مصلحة شرعية، فهي ملغاة لا يجوز الترخيص فيها كبعض الحيل التي عيبت على بعض الحنفية، وبينت هناك جملة منها وعلى مثلها حديث "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها" الحديث، وما ليس كذلك، فلا موجب لإلغائها، وعلى هذا القسم تحمل قضية أيوب في ضرب زوجته وأمثالها مما ورد في الشرائع. وأما ما ذكره الشيخ من كونها خصوصية لأيوب، فغير خفي أن الخصوصية لا ثبت إلا بدليل، وأما قياسها على حديث فتح مكة، والقتال فيها، فهو قياس مع وجود الفارق البين، ففي هذا الحديث صرح بالخصوصية بخلاف قصة أيوب، ومثلها قضية سيدنا يوسف ﵇ المذكورة في آية ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ إلى آية ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ ١ فإنه تحيل

стр. 1181

ليأخذ أخاه والقرآن مصرح أو ظاهر في التحيل، قال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وكان شرع الملك لا يبيح له ذلك. وأما قول الشيخ في مراجعته الثانية: إن شرع الملك لم يكن سماويا بل وضعيا، وأن أهل مصر لم يكن شرعهم سماويا، وأحكام شرائعهم متجافية عن الحق إلخ فهذه دعوى ينافيها حكم يوسف به وهو نبي مرسل، فكونه حاكما به حتى تحيل في تحويره، دلنا أنه سماوي، إذ لا يعقل أن يكون رسول الله حاكما بشرع غير سماوي والله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ ١ الآية، ومن أين لنا أن أهل مصر لم يكن شرعهم سماويا وأن أحكم شرائعهم متجافية فهذا كله في حيز المنع، والله يقول: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ٢ ويقول: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣ كذلك تأويل الشيخ لقضية الخضر في تحليله لخرق السفينة بأنها حكم باطني، ولحديث "بع الجمع بالدراهم" ٤ بأنه خروج عن تهمة ربا الفضل إلى صريح الإباحة فإن الجواب بالباطن لا يسلمه الخصم، والخروج عن التهمة هو الذي نسميه نحن بالتحيل. وعلى كل حال الأدلة على وجود التحيل في بعض موارد الشريعة بالمعنى الذي ذكرناه لا ينكره أحد فيما أظن، وانظر حديث المحترق الذي وقع على زوجته في نهار رمضان كيف أن النبي ﷺ ألزمه أولا بالكفارة ولما رأى منه العجز عنها صيره مكفرا وآخذا لتلك الكفارة٥: فبعد ما كان ملزوما برزء ماله أو بدنه، صار رابحا

стр. 1182

وكذلك حديث الخليطين في الزكاة من صحيح البخاري١، فإن خلط الماشية يؤدي إلى إسقاط بعض الزكاة، وهو نوع من التحيل، وقد أقره الشرع، وكذلك حديث عمر في الصحيح حيث خير النبي ﷺ نساءه، وبدأ بعائشة دون بقية الأزواج وقال لها: "إني ذاكرا لك أمرا ولا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك" قالت: أعلم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقك الحديث٢، وحديث بريرة حيث قال ﵇ لعائشة: "ابتاعيها واشترطي لهم الولاء فإن الولاء أعتق" ٣، وقال للذي أقر بالزنى: "أبك جنون؟ " وحديث في الصحيح٤ وقال تعالى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ ٥ ومثل هذا التحيل هو الذي يبيحه الحنفية ولا يسعنا إنكاره. ومن الحيل قول الشيخ خليل: فإن فعلت المحلوف عليه حال بينونتها لم يلزم فإن المفتي يرشد من قال لزوجه: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا بأن يتخلص من الثلاث بتطليق زوجه طلاقا بائنا، ثم تدخل الدار البينونة، فلا يلزمه ثلاث، وهذه حيلة يفتي بها المالكية للتوسعة. وهكذا نكاح المتعة يفتون من تزوج زوجة ناويا أن زواجه بها إلى أجل لم يشترطه عليها وإن فهمته الزوجة من حاله، أو أعلمها قبل العقد، فإذا انقضى الأجل، فارقها بطلاق، وكانا قبل الفراق على نكاح صحيح وهو في الباطن نكاح متعة. وهذا فرع ذكره الزرقاني شارح خليل وسلم له وهو حيلة بلا شك، وفي ابن

стр. 1183

ناجي على المدونة أن هارون الرشيد ملك جارية فعزم على وطئها دون استبراء، فسأل مالكا ثلاثا يا أبا عبد الله هل من حيلة؟ فقال: أعتقها وتزوجها وهي حيلة من حيل الفقهاء. وقال الليث بن سعد: أتيت مجلسا فرأيت رجلا أحدق به الناس، فجلست فإذا هو أبو حنيفة، فقال له رجل: إن لي ابنا كلما زوجته امرأة طلقها أو ملكته أمة أعتقها، فقال: زوجه أمتك، إن أعتق أعتق ما لا يملك، وإن طلقها، رجعت إليك فاستحسنت ذلك منه. وأنكر بعض الناس نسبة الفتوى الأولى لمالك وأمثالها موجودة في كل مذهب لا أظن مذهبا يسلم منه، وإنكاره غير مفيد. هذا ولم ندع أن الحيل أصل لجميع المذاهب كما يوهمه كلام الباحث وكلامنا في صفحة ٣٦٣ وما بعدها إنما فيه أنه أصل للحنفية وهم مصرحون بذلك كتبهم متقدمهم ومتأخرهم كما أننا لا نرى جواز تلقين المفتي الفجور ولا يبيحه حنفي ولا مالكي ولا غيرهما فيما أظن، وليس في كلامي إلا ما يفيد منعه، وقد اشترطت في الحيلة التي تعتبر شرعا أن لا تهدم أصلا شرعيا، ولا تناقض مقصدا شرعيا، ولقد عبت الاسترسال في الإفتاء بها والقياس عليها، وصرحت بأن الأئمة قسموها إلى الأحكام الخمسة تبعا لفتح الباري وعلى كل حال من تأمل هذا الفصل من "الفكر السامي" أدنى تأمل، ظهر له الحق، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.

стр. 1184

البحث الرابع عشر: قال: لقبتم الإمام أبا حنيفة بالأعظم وهو لقب انجر للناس مما يلقبه به فقهاء مذهبه حين لا يذكرون اسمه، فيقولون: قال الإمام الأعظم تفرقة بينه وبين أبي يوسف ومحمد؛ إذ كلهم يلقب بالإمام، فكأنهم يريدون بالأعظم المجتهد المطلق، والظاهر أن لا وجه لتلقيبه بهذا بين الأئمة المجتهدين نظرائه فما منهم إلا عظيم مثله، ولله در القسطلاني في شرح البخاري إذ يقحم تارات بعد اسم الإمام حين يقع في سند البخاري الإمام الأعظم كأنه يشير به إلى معنى المجتهد المطلق، أو إلى أنه شيخ لكثير من الأئمة المجتهدين مثل الشافعي وابن حنبل بالواسطة، ومحمد بن الحسن، أو لجمعه إمامتي الحديث والفقه، وما اجتمعا لغيره قط. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن هذا ذنب مذهبي أستغفر الله منه، وأظن أنكم تستغفرون معي إذا حققت لكم أن قصدي إزالة النفرة بين المذاهب معاملة لكل طائفة بما تحب بشرط أن لا نهدم أصلا، ولا ننقص أحدا ولا يخفاكم ما قيل في اسم الله الأعظم، وكل الأسماء الحسنى عظيمة، وكل أئمة الدين عظيم في علمه ودينه والعذر الذي التمستم للقسطلاني في تلقيبه الإمام مالكا بالأعظم ما أدري لِمَ لَمْ يكن لي منه نصيب، وأما استظهاركم أنه لا وجه لتقليبه بالأعظم، فغير ظاهر، وأقل ما يوجه به أنه أكثر الأئمة أتباعا في الدنيا كلها كما قدمنا ذلك في عدد ٦٦ من الجزء الثالث، وقد وقفت الآن على إحصاء لأتباع الأئمة الأربعة ذكرته جريدة السعادة في عددها

стр. 1185

"٣٥٦٧" عن بعض الأخصائيين. قالت: إن أتباع أبي حنيفة ملايين "١١٨"، والشافعي ملايين "٣٧"، ومالك "٣٠" وابن حنبل "٣" ملايين، الجميع ملايين "٢٢٤" قائلة إن مجموع هؤلاء سنية، ونسبتهم من مجموع الإسلام الذي هو "٢٤٣"١ يكون "٩١" في المائة، والذي عند غيرها أن الإسلام أكثر من هذا العدد بكثير لكن على كل حال الكل يسلم أن الحنفية هم أكثرية الإسلام، ولم يبلغوا الثلثين من الأمة خلافا لابن سلطان، وهذه الأغلبية الساحقة تكفي في وجه تلقيبه بالأعظم. والمرء في ميزانه أتباعه ... فاقدر بذا قدر النبي محمد وأجاب الشيخ في مراجعته الثانية بأن إزالة النفرة هو مبدؤه الذي يلازم سلوكه، ولكن بشرط إظهار التساوي بين جميع الأئمة في أصل العلم والعدالة وقوة الديانة والنصح للأمة، وإن تفاوتوا في مسالك الاجتهاد. ا. هـ. وقد علمت أن الله جعل بينهم تفاوتا في المراتب، وكل واحد خصه الله بما خصه به، والشيخ نفسه مصرح بعدم التساوي فيما سبق، فكيف التوفيق، والله ولي التوفيق.

стр. 1186

البحث الخامس عشر: ورد من عالم آخر من نخبة محققي نظار علماء القطر التونسي حفظه الله ونصبه بعد الديباجة: قلتم في الصفحة ٢٠ من الجزء ١ ولا يحتج بعضها خلافا لأبي حنيفة وابن حنبل، وفي الصفحة ١٢٤ من ٢ ولو ضعيف السند ووقع التعليق عليه بأن يكون من رواية مجهول إلخ، فهل يقال: إن الضعيف وما يقابله من مجاري الخلاف فالضعف عند بعض المجتهدين لا يستلزم الضعف عند غيره، بلا استدلال المجتهد بما هو ضعيف عند غيره دليل على قوته في نظر المستدل لما ترجح عنده، وإلا فليس الضعف طريقا لحصول الظن بالحكم من ذلك حديث:

стр. 1187

"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ١ فقد قال الطحاوي: ذكر ابن جريج أنه سأل عنه ابن شهاب فلم يعرفه حدثنا بذلك ابن أبي عمران، حدثنا يحيى بن معين، عن ابن علية، عن ابن جريج بذلك. ا. هـ. وفي رواية أن ابن شهاب أنكره، وقد استدل به مالك والشافعي على اشتراط الولي لصحته عندهما في نظائر كثيرة، وكيف يجمع بين ذلك وما بالصفحة ٣٥ والصفحتين بعدها من الأول وهو اختيار الخنفية للأقوى والأعرف، وقد صرح العلامة ابن خلدون بأن أبا حنيفة يشدد في شروط الرواية حتى قلت روايته، ولكن بالغ سامحه الله في قلة رواية الإمام بما فيه نظر لا يخفى. وفي "جمع الجوامع" مع شرح الجلال ما نصه: فلا يقبل المجهول باطنا وهو المستور خلافا لأبي حنيفة وابن فورك وسليم -أي الرازي- في قولهم بقبول اكتفاء بظن حصول الشرط، فإنه يظن من عدالته في الظاهر عدالته في الباطن، أما المجهول ظاهرا وباطنا فمردود إجماعا لانتفاء تحقق العدالة وظنها. ا. هـ. ويستفاد منه أنه لا خلاف في اشتراط العدالة، وإنما الخلاف في أن الشرط هو تحقق العدالة فقط، أو الشرط التحقق أو الظن كما وقعت الإشارة إليه في التعليق، وأن حديث المستور ليس من الضعيف عند القائلين بقبوله. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن نسبة العمل بالضعيف لأبي حنيفة في غير ما ديوان من كتب الحنفية كعلي ابن سلطان القاري أول شرح "المشكاة" وظاهره الضعف المصطلح عليه، وكفى ما نلقتموه عن "جمع الجوامع" وشرحه، فهو قد تضمن ذلك، وفي "إعلام الموقعين": إن أصحاب أبي حنيفة مجمعون أن ضعيف الحديث أولى من القياس، والرأي عندهم، وعلى ذلك بنى مذهبه وساق أمثلة كثيرة من ذلك انظر صفحة ٨٨ من الجزء الأول منه، وما أشرتم إليه من الجمع بين المذهبين بأن الضعيف عند بعض المجتهدين لا يستلزم الضعف عند غيره بل استدلاله به دليل

стр. 1188

قوته عنده، فجمع حسن، ولكن قوته في ظنه لا تستلزم قوته عند غيره ولا صوابيته في نفس الأمر إلا إذا قلنا بتصويب المجتهدين وقد علم ضعفه، وأيضا رواية مجهول الحال لا مجهول العين مقبولة عند الحنفي وهي من قبيل ما يسمى عنده بالصحيح أو الحسن، وعند غيره غير مقبولة، ومن قبيل ما يسمى بالضعيف، فعاد الخلاف كما هو، وإنما الخلاف هل نقول: إن الحنفي يعمل بالضعيف؟ فالجواب: نعم يعمل بما يسميه غيره ضعيفا، وهو رواية مجهول الحال، ويسميه الحنفي بما شاء، والمالكي لا يعمل به، ويسميه ضعيفا، فلم يبق ثم من فائدة ولا أفاد الجميع في رفع الخلاف شيئا. وبهذا تتحلل العبارة التي ذكرتم وهي أن الضعيف ليس طريقا لحصول الظن، فهي عبارة ذات وجهين وتحقيقها: أن من اعتقد ضعف حجة لم يحصل له بها الظن، ومن اعتقد صحتها وقوتها، حصل له الظن. وأما قولكم: إن ما في صفحة ٣٥ والصفحتين بعدها من اختيار الحنفية للأقوى والأعرف ينافي ما سبق، فليس في صفحة من الصفحات المذكورة لفظ الأقوى، وإنما فيها أن أبا يوسف أخذ بالأعرف والأعرف الأشهر، ولا أظن أحدا يفهم منه الأقوى إذ القوة تعتبر بصفات الرجال والشهرة بالكثرة فلا مخالفة. وأما قول ابن خلدون بتشديد أبي حنيفة في الرواية، فلعل مراده من حيث اشتراط الشهرة لا الأقوى بدليل نص "جمع الجوامع" الذي قدتموه. وأما تعقبكم على ما حكاه ابن خلدون من المبالغة في قلة رواية الإمام أبي حنيفة فوجيه جدا وإليه أشرت في الصفحة ٣٤٤ ج١ لكن ابن خلدون نفسه لم يرض بما ذكر، وإنما نقله بلفظ: "يقال" ثم أتى بما هو في المعنى رد له، وأما حديث "أيما امرأة نكحت نفسها" الحديث، فقد صححه يحيى بن معرفة وغيره من الحفاظ كما قال الحافظ ابن كثير، ونقله في "سبل السلام" وعدم معرفة الزهري لا تضره، فكم من حديث لم يعرفه هو أو مالك وهو صحيح، والإحاطة ليست إلا لله، وهذا عمر بن الخطاب لم يعرف حديث الطاعون حتى رواه له عبد الرحمن بن

стр. 1189

عوف١ وغيره، وأنكر حديث: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع" حتى رواه أبو سعيد مع أبي موسى٢، وهذا أبو بكر لم يعرف توريث الجدة، وعرفه المغيرة بن شعبة٣ وغيره وكم لذلك من نظير، والمثبت مقدم، وعلى فرض الطعن فيه، فهناك حديث: "لا نكاح إلا بولي" ٤ صححه الترمذي وغيره انظر المحلى في مبحث المجمل.

стр. 1190

البحث السادس عشر: قال: قلتم في الصفحة ٣٩ من الأول: إن النسخ لا يثبت بقول المجتهد، فإن المجتهد قد يخطئ ويصيب، قد يقال: المجتهد يخطئ ويصيب بالنسبة لنفس

стр. 1191

الأمر والواقع، ولكن لا يقول بالنسخ إلا بعد رجحانه عنده، وثبوته في ظنه، ولا خصوصية في هذا للنسخ، بل تخصيص العام، وتقييد المطلق وما شاكل ذلك من وجوه الاستدلال في محل الخلاف كذلك، فإن لم تثبت في نفس الأمر، فهي ثابتة في ظن المجتهد للمرجع الذي عنده، قال أبو إسحاق الشاطبي في "الموافقات عند الكلام على أصل مالك من اتباع العمل وتقديمه على الخبر ما نصه: وهذا ظاهر في أن العمل بأحد المتعارضين دليل على أنه الناسخ للآخر؛ إذ كانوا يأخذون بالأحدث وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول الله ﷺ ، روي عن ابن شهاب أنه قال: أعيي الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول الله ﷺ ناسخه ومنسوخه، وهذا صحيح، ولما أخذ مالك بما عليه الناس، وطرح ما سواه، انضبط له الناسخ والمنسوخ على يسر والحمد لله. وجوابه: ظاهر من زيادة الباحث لفظ عنده وفي ظنه ومرادي من نفي ثبوت النسخ بقول المجتهد تبعا لابن الحصار أنه لا يثبت حجة على غيره، فانتفى الإشكال. وقد حكى الآمدي في "الإحكام" الإجماع على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، فكيف بغيره، ولا يخفاكم أن من ادعى نسخ آية من كتاب الله، فقد أبطل العمل بها وبما شرعته للأمة، وأزال حكمها، وهذا مقام صعب لذلك اشترط العلماء في قبول القبول بالنسخ شروطا عشرة قررت في محلها، ولهذا قال الزهري: أعيى العلماء أن يعرفوا الناسخ والمنسوخ إلخ ما سبق لكم. ونظير ما قررنا عمل أهل المدينة الذي استدللتم به تبعا للشاطبي على ثبوت النسخ، فإن مالكا يقدم العمل على خبر الواحد، لم تقدم لنا في مبحث العمل المدني في أصول مذهب مالك من كونه خبر جمع عن جمع وهو أقوى من خبر واحد عن واحد، ولكون أهل المدينة كانوا يشاهدون الأخير من أحواله عليه

стр. 1192

السلام، فما تركوا الحديث إلا لمعارض له ناسخ في ظن مالك ومن قال بقوله، ولكن لم يقم ذلك دليلا على أبي حنيفة وغيره، فلم يسلموا كونه خبر جمع عن جمع، لاحتمال الاجتهاد، ولم يسلموا النسخ أيضا لذلك، ولهذا ما أخذوا بالعمل المدني، ولا رأوا رأي مالك، كما هو مقرر في كتب الأصول. ويمكن الاحتجاج لهم على مالك بخطبة معاوية بمسجد رسول الله ﷺ وأهل المدينة حضور حيث أمسك بيده قصة من شعر، وقال: "يا أهل المدينة أين علماؤكم كيف تفعل نساؤكم هذا: إنما هلكت بنو إسرائيل حين فعلت نساؤهم هذا". الحديث وهو في البخاري١ بمعناه مكررا وفي غيره، ويجاب بأن الاحتجاج بعمل العلماء وما أنكره معاوية هو عمل نساء عامتهم داخل بيوتهم يمكن عدم اطلاع علمائهم عليه، وهبهم اطلعوا، فهذا نادر وقع ممن لم تنسب له عصمة.

стр. 1193

البحث السابع عشر: قال: وفي الصفحة ١٥٣ من الأول عند الكلام على أبواب المعاملات ولو أن الجمهور حملوا تداخل الشرع فيها على معنى حفظ مصالح الخلق وجعلوا الأحكام فيها كلها دائرة على هذا الأصل، لاتسعت أبواب المعاملة على المسلمين، لكنهم أدخلوا فيها التعبد لما قام عندهم من الأدلة على قصده إلى: وما جاء التضييق إلا من الأقيسة والاستحسان إلخ. ربما يقال: إذا قامت الأدلة على قصد التعبد فكيف يمكن للمجتهدين أن يعدلوا عن ذلك في مواطن القياس والاستحسان وقد بسط الشاطبي في كتاب المقاصد من "الموافقات" القول في بيان الوجوه التي تقضي أنه لا بد من اعتبار التعبد في أبواب المعاملة. هذا ما تتشوف النفس إلى

стр. 1194

إيضاحه والسلاح الأعم عليكم ورحمة الله. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إني لما قلت: لما قام عندهم من الأدلة على قصده، فذلك عذرهم فيما فيه نص، أما ما لم يجدوا فيه نصا، وتمحلوا له الأقيسة التي لا يخفاك ما فيها من الشروط التي لكل خصم أن ينازع في توفرها وما عليها من النقوض، مع خلاف الظاهرية في أصل القياس، وتشعب الأقوال فيه، فما عذر المتأخرين في التضييق على الأمة في معاملتها التي هي سبيل تقديمها، وإظهار الشرعية في مظهر غير مظهر السماحة والصلاحية للرقي، ولكل زمان ومكان، ولكل الأمم، وحتى تسببوا في نبذ العامة للشريعة، والطعن في أحكامها بأنها ضد مصالحهم. إن مصلحة الأمة والشريعة معا تقتضي التوسع في أبواب المعاملات بما لا يخالف المنصوص والمجمع عليه، ونحن الأمة الإسلامية التي تنكر كل الإنكار على من يرى القلب والإبدال في الشرائع، وإني من الذين يعتدلون في الأحكام، وفي الفلسفة الفقهية، ولا يغرقون فيها، ولا يرون الاسترسال في الأقيسة والتحمل في استنباط أحكام بمنع معاملات كثيرة لم يصرح نص بمنعها، ولا نضيق على الأمة سبل رقيها؛ لأنه موجب لفقرها واحتكار تلك المعاملات لغيرها، ولم يجعل الله شريعة من الشرائع منافية لناموس الاجتماع، ولا قيدا ثقيلا في أرجل من يريد النهوض من الأمم، بل جميع الشرائع محافظة على ناموس الاجتماع، ورقي المجتمع الإنساني ولا سيما الشريعة العامة الأبدية. ولا يشك أحد أن تضييق المعاملات، ومنع الأمة من كثير منها يوجب فقرها، وما افتقرت الأمة إلا وضاع مجدها، وذهب سؤددها؛ إذ المال عصب لكل مجتمع إنساني، وحفظ البيضة إنما يكون في الزمان الحاضر بثروة الأمة، واتساع معاملتها ومتاجرها ومصانعها وفلاحتها. وقد كان العلماء لا يفتون في منع مسألة حتى ينظروا إلى حاجة الناس إليها، فإن رأوا مساس الحاجة إليها، أو عموم المعاملة بها، رخصوا وأباحوا، وما ضيقوا

стр. 1195

ومن قواعد الفقه: المشقة تجلب التيسير، والضرورة تبيح المحظور، والله يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ١ وانظر في "المعيار" وغيره فتاوى من أفتى بجواز كراء الأرض بما تنبت لعموم البلوى بها، وفتاوى من أفتى بإباحة شركة الخماس؛ لأن المعاملات إذا عم الفساد وكانت فاسدة على سبيل العموم يترخص فيها، وهؤلاء الخلفاء الراشدون لما رأوا احتياج الناس إلى تضمين الصناع، أوجبوه مع منافاته للقياس، وهؤلاء المتأخرون من المالكية قد ابتكروا بيع الصفقة مع عدم انطباقه على أصول الشرع تسهيلا على الناس، وتخلصا من كثرة الخصومات في شركة الجزء المشاع في الأملاك، وترخصوا في شهادة اللفيف مع مخالفتها لظاهر القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٣ إلى غير ذلك. ومما وقع في وقتنا على خلاف التوسعة فتوى بعضهم بمنع الضمان المسمى سكرتاه على الأموال٤ ثم اختلفوا، فمنهم من علل بالغرر، ومنهم من علل بالقمار، ومنهم من قال: إنه ضمان بجعل، وهأنذا أبين لكم فساد الفتاوى الثلاث فأقول: أما من علل بالغرر، فقد قاله قياسا على منع الغرر في البيع، وهي فتوى عندي باطلة، وبيان ذلك أن صورة ضمان الأموال أن من له خزين تجارة أو معمل أو مركب، أو وسق بضاعة في مركب مثلا يدفع باختياره لإحدى الشركات الضمانية واحدا في الألف أو نحوه من قيمة الشيء المضمون تأخذه الشركة ولا يرجع له منه شيء، وإنما تعطيه توصيلا به، فإن وقع له غرق أو حرق أو نهب مثلا كانت ملزمة أن تدفع له تعويضا وهو القيمة التي قوم بها الشيء المضمون، والمدة التي تكون الشركة مطلوبة بالضمان فيها مبينة محدودة في التوصيل هذه هي العامة التي وقع
следующие страницы →