← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مادة الفقه الإسلامي: مادته أمور أربعة: الأول: منها القرآن العظيم الذي احتوى عليه المصحف الكريم، أعني: القراءات السبع التي هي متواترة بلا خلاف، وقيل: العشر كلها متواترة١، والمسألة مبسوطة في كتب الأصول, وفي جامع المعيار كلام نفيس في هذا الموضوع فارجع إليه٢، ولا تغترّ بكلام الشوكاني الذي أنكر تواتر السبع في إرشاد الفحول, فإنه يؤدي إلى إنكار تواتر القرآن، وقد بيَّن ذلك في كتابنا في الأصول، أما ما وراء العشر كقراءة مصحف أُبَيّ أو ابن مسعود, فهي الآن محكموم بشذوذها، لكن حكمها حكم السنة, فيبحث عمَّا ثبت منها بطريق صحيح أو حسن, فيحتج به في الفقه كغيره على الأصح. الثاني: السنة الصحيحة أو الحسنة، ولا يحتج بضعيفها في الفقه خلافًا لأبي حنيفة وابن حنبل٣, ٤. الثالث: الإجماع. الرابع: القياس. قال ابن رشد في المقدمات ما نصه: وأحكام شرائع الدين تدرك من أربعة

стр. 72

أوجه: أحدها: كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. الثاني: سنة نبيه ﵇, الذي قرن طاعته بطاعته وأمرنا باتباع سنته، فقال : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ١, وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣، وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ٤، والحكمة هي السنة، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٥. والثالث: الإجماع الذي دلَّ تعالى على صحته بقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٦. لأنه تعالى توعَّد على اتباع غير سبيل المؤمنين, فكان ذلك أمرًا واجبًا باتباع سبيلهم، وقال ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ٧. الرابع: الاستنباط: وهو القياس على هذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن الله جعل المستنبط من ذلك علمًا, وأوجب الحكم به فرضًا، فقال : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٨، وقال : ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٩ أي: بما أراك فيه من الاستنباط والقياس؛ لأن الذي أراه فيه من الاستنباط والقياس هو مما أنزل الله عليه وأمره بالحكم به حيث يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١٠، ١١.

стр. 73

وقد بقي على ابن رشد الاستدلال, وهو دليل ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس, فما سوى الأربعة من الأدلة التي توجد في كلام أهل الاجتهاد هو الاستدلال وهو أنواع: الأول: التلازم بين الحكمين من غير تعيين علة, وإلّا كان قياسًا. الثاني: استصحاب الحال. الثالث: شرع من قبلنا شرع لنا. وزاد الحنفية والمالكية في بعض الأبواب: الاستحسان وهو الرابع. وزاد المالكية والحنابلة: المصالح المرسلة وهو الخامس. وزادوا سادسًا وهو قياس العكس, وهو إثبات عكس شيء لضده لتعاكسهما في العلة كحديث مسلم: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" ١. وزادو سابعًا وهو قولهم: الدليل يقتضي أن لا يكون كذا خولف في كذا لمعنى مفقود في صورة النزاع فتبقى على الأصل، مثاله: تزويج المرأة، دل الدليل على امتناعه وهو ما فيه من إذلالها بالوطء، والخدمة، وذلك تأباه الإنسانية لشرفها، خولف هذا الدليل في تزويج الولي لها فجاز لكمال عقله, وهذا المعنى مفقود فيها, فبقي تززيجها نفسها الذي هو محل النزاع على ما اقتضاه الدليل من الامتناع. وزادوا ثامنًا: وهو انتفاء الدليل الذي به يدرك الحكم فينتفي الحكم، وذلك أن المجتهد إذا بحث عن دليل الحكم فلم يجده كان محصلًا لظن أنه لا حكم, وقال الأكثر: إنه لا يلزم من عدد وجدانه الدليل عدم الحكم، لكنا نقول المجتهد عمل وسعه فحصل له الظن بعدم الدليل, فتمسك بالبراءة الأصلية، وذلك دليل بالنسبة إليه. والنافي لا يطالب بالدليل إن ادَّعى علمًا ضروريًّا كقولنا: الحكم يتوقف ثبوته على دليل وإلَّا لزم تكليف الغافل, ولا دليل بالسبَّر، فإننا سبرنا الأدلة

стр. 74

فلم نجد ما يدل عليه، أو بالأصل؛ لأن الأصل المستصحب عدم الدليل فينتفي الحكم. وزادوا تاسعًا: وهو الاستقراء الجزئي على الكلي، بأن تتصفَّح جزئيات كلي ليثبت حكمها له, فإن كان تامًّا, أي: في كل الجزئيات إلّا صورة النزاع, فهو قطعي في إثبات الحكم في صورة النزاع عند أكثر العلماء, وإن كان في أكثر الجزئيات فهو ناقص ظني فقط, ويسمى إلحاق الفرد بالأغلب. فهذه تسعة أنواع كلها داخلة في الاستدلال, وبسط هذا في كتب الأصول. وقال ابن العربي وغيره: القرآن هو الأصل, فإن كانت دلالته خفية نظر في السنة, فإن بينته فالجلي من السنة، وإن كانت الدلالة فيه خفية نُظِرَ فيما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا رجّح، فإنت لم يوجد عمل بما يشبه نصّ الكتاب وهو القياس على القرآن، ثم على السنة، ثم على الإجماع, ثم عل الراجح. وهو ترتيب ظاهر إلّا أن الإجماع نصُّوا على أنه مقدَّم على الكل عند التعارض, باتفاق كما يقتضيه صنيع جميع الجوامع. وقال الأصفهاين: هو قول الأكثرين. وقال ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين: صحيفة ٣٣٥ من المجلد الثالث١ ما نصه: "ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة, والسنة على الإجماع, فجعل الإجماع في المرتبة الثالثة, وهذا بعد أن نقل عن مقلدة أحمد بن حنبل قوله: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب, لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي، والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغنا, ثم نقل عن الشافعي ما نصه: الحجة كتاب الله، وسنة رسوله واتفاق الأئمة, وعنه في كتاب اختلافه مع مالك:

стр. 75

والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة. الثانية: الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة. الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة. الرابعة: اختلاف الصحابة. الخامسة: القياس. فقدَّم دليل الكتاب والسنة على الإجماع, ثم أخبر أنه إنما يصار إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتاب ولا سنة. قال: وهذا هو الحق, ثم نقل عن أبي حاتم نحو ذلك فانظره، وقد كرر نقله عنه في عدد "٣٨٥" من السفر الأخير١. وعلى كل حال فالحنابلة يجعلون الإجماع في الرتبة الثالثة إن تحقق وجوده عندهم كما سبق, وهذا المنقول عن الشافعي مخالف لما يأتي في مبدئه في الفقه من قوله: الإجماع أكبر من الخبر الفرد. ولعلهما قولان له والله أعلم. وإذا أمعنت النظر وجدت أصل الأحكام واحدًا, وهو قول الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ٢ إلا أن منه ما وصلنا بين دفتي المصحف, ومنه ما وصل على لسان رسول الله -الذي لا ينطق عن الهوى- في غير المصحف، ومنه ما هو مستنبط من ذلك وهو القياس والاستدلال, أو مستند إلى أحدهما وهو الإجماع. أما أصول المذاهب كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فقد تتفرع وتزيد على هذه، كأصول المذهب عند المالكية أُنْهِيَت إلى سبعة عشر ستأتي في ترجمة الإمام بحول الله. ولنتكم على هذه الأصول الخمسة وكيف حالها فلي الطور الأول من أطوار الفقه فنقول:

стр. 76

القرآن العظيم مدخل ... القرآن العظيم: هو اللفظ المنَزَّل على النبي ﷺ , المنقول إلينا بين دفتي المصحف تواترًا. واعلم أن القرآن العظيم هو المادة الأولى للفقه كما سبق، وذلك أنه الحجة العظمى بيننا وبين ربنا، وهو الحبل المتين الذي لا نجاة إلّا ما دمنا متمسكين به، وهو العروة الوثقى التي لا انفصام لها: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ١. "تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي" ٢. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ ٤. وفي جامع المعيار عن الإمام المازري: القرآن قاعدة الإسلام، وقطب الأحكام، ومفزع أهل الملة ووزرهم وآية رسولهم, ودليل صدق دينهم. وإن حجيته ووجوب العمل به هو المعلوم لدينا بالضرورة ولا يحتاج لإقامة برهان، وذلك هو معنى التمسك بالدين. وآياته تنيف على ستة آلاف آية جلها متعلق بالتوحيد والأدلة عليه، ورد عقائد الزيغ والإلحاد، وإثبات النبوات والمعاد ووصف أهواله والنعيم والجحيم, والوعد والوعيد, وأخبار الأمم الماضية, والوعظ والتذكير, والثناء على الله وذكر آلائه, وبيان صفاته العلى وأسمائه الحسنى، وكيفية تسبيحه وتقديسه وغير ذلك.

стр. 77

والمتعلق من آياته بالأحكام الفقهية المقلل من العلماء كابن القيم يقول: مائة وخمسون آية كذا في أعلام الموقعين. وقال بعض بعض العلماء: إنها نحو خمسمائة, وذلك نحو جزء من اثني عشر منه، أي: نصف السدس تقريبًا، والحق أنها تنيف على هذا العدد. قال ابن العربي في الأحكام عن بعض أشياخه: إن سورة البقرة وحدها مشتملة على ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر, ولعظيم فقهها أقام ابن عمر في تعلمها ثمان سنين١. وقد أخذ ابن العربي فيها الأحكام الفقهية من تسعين آية، بل فاتحة الكتاب التي سبع آيات أخذ الأحكام من خمس آيات منها، وجملة آيات القرآن التي أخذ هو منها الأحكام ثمانمائة وأربع وستون "٨٦٤" آية مفرقة في مائة وخمس سورة "١٠٥", ولكن معظمها في نيف وثلاثين سورة المبدوء بها المصحف الكريم, وعلى الأخص في السور المدنية التي تقدم لنا عدها، وقد استدركنا عليه نحن وغيرنا آيات أخر استنبطت منها أحكام أخر، والقرآن لا تنقضي عجائبه, ولا تنحصر أحكامه، ولا تزال كل يوم تظهر منه لطائف وأسرار ما دام المفكرون في الوجود، وما من جيل، بل ما من أحد يتدبره إلا ويظن أنه المخاطب به, عليه تتنزّل أحكامه وإشاراته؛ لأنه قول رب حكيم أحكم الحاكمين سبحانه. قال سيدنا علي -كرم الله وجهه: ما ترك لنا رسول الله ﷺ إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، أو فهم أوتيه رجل مسلم. وقال ﵇: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" ٢. وإذا راجعت أبواب الفقه فقلَّمَا تجد بابًا إلّا وأصلها مقتبس من القرآن العظيم صراحة أو إيماءً، قال في المعيار عن الشيخ أبي مدين: إن للقرآن نزولًا وتنزيلًا, أما النزول فقد تَمَّ بموته ﵇, وأما التنزيل على الوقائع واستنباط الأحكام، فلم يزل إلى آخر الدهر٣.

стр. 78

نزول القرآن منجمًا والحكم فيه: نزل القرآن جملًا جملًا, وآية آية مفرقًا، وربما نزل عشر آيات أو أكثر على حسب الوقائع والقضايا التي كانت تقع للمسلمين فبيَّنَ القرآن أحكاها، وكثيرًا ما كان الصحابة إذا نزلت نازلة تسارعوا للسؤال عن حكمها فينزل القرآن, أو تبيِّن السنة فيسارعون للامتثال، فيكون ذلك أثبت في أذهانهم وأرسخ في قلوبهم، إذ الأمة كانت أمية لم تألف كتابًا ولا نبوة, ولا كان فيها علم، ولا تهذيب قبل الإسلام إلّا ما كان فطريًّا, فلطف الله بهم وأجراهم على سنة الكون في تلقين العلوم تدريجًا، وبذلك ردَّ الله على الكفار الذين اعترضوا إنزاله منجمًا بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٣. فلم يكن القصد من إنزال القرآن أن يكون بين يديهم كتاب يتبركون بلفظه يقرءونه على الموتى فقط، بل القصد أن يعلموا بأحكامه ويتهذَّبوا بتهذيبه وتنظيم أحوالهم به، ويتخلَّقوا بأخلاقه حتى يصيروا به أمة مهذبة, لها جامعة ورابطة وتهذيب تهذِّبُ به غيرها من الأمم, وهذا لا يكون إلّا بإنزاله منجمًا, ولو نزل دفعة واحدة لاشتغلوا بلفظه وتركوا معناه كما هو واقع فينا الآن, فتدبر ذلك. وإذا تصفَّحت آيات الأحكام وجدت فيها أجوبة على أسئلتهم:

стр. 79

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ ١. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٢. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ٣. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ ٤. وهي أربع عشرة آية وردت على هذا النسق. نعم فيها واحدة سؤال اليهود: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح﴾ ٥ وذلك كله تعليم للأمة. فبقيت سنة إذا نزلت نازلة رفعوا السؤال لأهل العلم فأجابوا بما علموا أو قالوا: لا ندري. قال ابن عباس: ما رأيت قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ , ما سألوه إلّا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض, كلهن في القرآن منهن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ قال: ما كانوا يسألون إلّا عمَّا ينفعهم. وروى أشهب عن مالك قال: كان النبي ﷺ يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي. وكثير من آيات الأحكام ليس فيها يسألونك, ولكنها كلها لأسباب ونوازل وقعت فبيَّنَها علماء التفسير في أسباب النزول, وهو علم خاصٌّ يستعان به على فهم القرآن, ولا سيما ما ثبت منه بطريق صحيح أو حسن فهو حجة في التأويل, وإن لم يكن مخصَّصًا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كان أصحاب رسول الله ﷺ في أول أمرهم لشدة تمسكهم بالدين يرون أن كل مسألة لها حكم, فيسألون عن كل شيء حتى نهاهم النبي ﷺ رفقًا بهم، فقال:

стр. 80

"ذروني ما تركتكم, فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم" ١. وأجاب الذي سأل عن الحج هل يجب كل عام بقوله: "لا ولو قلت نعم لوجب, ولم تقدروا" ٢، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ٣.

стр. 81

كتابة القرآن: اعلم أن كتابة القرآن هو أول تدوين الفقه على الحقيقة، والقرآن قد كتب كله على عهد رسول الله ﷺ بغاية الإتقان، ولم تبق منه آية إلّا دونت ورتبت في محله في سورتها بلا خلاف، وكان للنبي ﷺ كُتَّابٌ يبلغون أربعة وأربعين كاتبًا على ما في سبل الهدى والرشاد للشامي, وعدهم واحدًا واحدًا, ونظم العراقي بعضهم في ألفيته، وبيَّنَ أسماءهم صاحب صبح الأعشى أيضًا وغيره. منهم: زيد بن ثابت، وأُبَيّ بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي, وغيرهم، وكان العارفون بالكتابة في المدينة قليلين, لكن لما أُسِرَ أعيان مكة في وقعة بدر جعل النبي ﷺ في الفداء مالًا، ومن لم يجد فدية علَّم عشرة من صبيان المدينة، وهكذا انتشرت الكتابة وكثر الكُتَّاب، ولكثرتهم لم يكن يخلو مجلسه ﵇ ممن يقوم بهذا الوظيف المهم، ومن ألزمهم لرسول الله ﷺ زيد بن ثابت، كان إذا نزل قرآن على النبي ﷺ أتى به فأملى عليه, فكتب في اللخاف١ والأديم وجريد النخل وألواح العظام وغير ذلك, لعدم الكاغد٢ إذ ذاك عندهم. وكل ما يكتب منه يبقى في منزل رسول الله ﷺ , ويأخذ الكاتب منه نسخة لنفسه ليبثه في الصحابة, ويحفظه الحفاظ الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ . وأشار في صحيح البخاري لبعضهم ومنهم: ١- ابن مسعود. ٢- سالم مولى أبي حذيفة. ٣- زيد بن ثابت. ٤- أُبَيّ بن كعب. ٥- معاذ بن جبل. ٦- أبو الدرداء. ٧- أبو زيد. ٨- أبو بكر

стр. 82

الصديق. ٩- عبد الله بن عمرو بن العاص. ١٠- أبو أيوب الأنصاري. ١١- سعيد بن عبيد. ١٢- مجمع بن جارية, وغيرهم. انظر الإتقان١. ثم بعد وفاته ﵇, جمع تلك الكتابة التي كانت مفرَّقة أبو بكر بإشارة من عمر، والذي تولَّى الجمع زيد بن ثابت، ولم يكن لأبي بكر في هذا الجمع سوى أن نظمها في أوراق خاصة. قال المحاسبي: كمن وجد أوراقًا مفرَّقة في بيت فربطها بخيط٢. ورتَّب السور بعضها مع بعض دون آيات السور, فإنها كانت مرتبة من لدن النبي ﷺ بإجماع٣. نعم، فقدوا آيتين مما كان مكتوبًا في بيته ﵇، وهما آية التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية٤، وآية الأحزاب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ٥ ووجدهما محفوظتين عند كثيرين يحصل بهم التواتر, لكن لم يكونوا يقبلوا إلّا ما وجد مكتوبًا زيادة في التثبت فوجوا الأولى مكتبوة عند خزيمة, والثانية عند أبي خزيمة, فعند ذلك ألحقوهما. انظر شراح الصحيح٦. ثم في زمن سيدنا عثمان عمَدَ إلى ذلك المصحف بإشارة حذيفة بن اليمان ﵄, ونسخه في عدة نسخ وفرَّقها في عواصم الإسلام قصدًا منه

стр. 83

للنشر وإزالة الاختلاف، وألزم الناس بالتلاوة عليه, وحرَّقَ ما سواها، إذ كان لكبار الصحابة مصاحف أخرى يروونها عن النبي ﷺ , كل واحد حسب لغة قومه؛ لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، أي: سبع لغات، فخاف عثمان كثرة الاختلاف فجمعهم على لغة واحدة، وهي لغة قريش الذين هم قرابة النبي ﷺ سدًّا للذريعة١.

стр. 84

تكاليف القرآن العظيم: تمتاز تكاليف القرآن عن السنة بسهولتها ورفقها وإمكام القيام بها من غير مشقة. قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٣. وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤. وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٥. إلى غير ذلك. وها أنت رأيت أن الله نهاهم عن السؤال لئلَّا ينزل التكليف, وإنما كثرت التكاليف واتسعت الشريعة بالسنة حيث أكثروا من السؤال. بل كانوا إذا نزل حكم ثقيل في القرآن وسألوا التخفيف عنهم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ ٦، فلما شقَّ عليهم التحرز عنه كليًّا نزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ ٧. الآية. ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٨ الآية. شقَّ ذلك عليهم فأمرهم النبي ﷺ أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فنزل الله قول تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ كما في الصحيح٩.

стр. 85

وربما نزل التخفيف بدون سؤال, قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ ١. وربما نزل الحكم الذي لا بُدَّ منه وهو ثقيل تدريجًا؛ كحرمة الخمر, فإنه حُرِّمَ أولًا عند الصلاة, ثم حُرِّمَ كليًّا، ومن الأحكام التي نزلت تدريجًا الربا؛ حُرِّمَ أولًا كثيره, ثم حُرِّمَ كليًّا، وكل ذلك رفق ورحمة بالأمة، ولذلك جعلت الاستثناءات في الأحكام لهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٢, وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ٣ وشرط القرآن الاستطاعة عمومًا فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٤، ثم نصَّ عليها فيما هو مظنة المشقة خصوصًا كقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٥. وقوع النسخ في القرآن: قدمنا أن القرآن حجة بإجماع، فيشكل على ذلك مسألة النسخ فنقول: النسخ: لغةً الإزالة والتبديل، وفي الشرع: رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه، وهو جائز عقلًا بلا خلاف، واقع في الكتاب والسنة خلافًا لأبي مسلم الأصفهاني، وقد جهَّلوه في دعوى أنه لم يقع في القرآن. وحكمة النسخ أن شرع الأحكام كثيرًا ما يكون لمقتضيات وقتية، فإذا تغيَّرت وناسب تغير الحكم لتغيرها رحمة وتخفيفًا من الحق ، وقد لا تغير حال، ولكن يكون القصد التخفيف فقط، وقد يكون القصد التشديد في بعض الأحكام كنسخ فدية الصوم بتعين الصوم، وحيث أثبتت المعجزة صدق الرسول, فإن الله لا يُسْأَل عمَّا يفعل، ينسخ ما يشاء ويحكم ما يريد.

стр. 86

أما حكمة بقاء تلاوة المنسوخ فهو التذكير بحكمة التخفيف والامتنان بتلك النعمة، واستحضار تلك السابقة، وثواب التلاوة، والتعبد والإعجاز وفوائد أدبية. إذا علمت هذا, فالآية المنسوخة مهما وردت أخرى ناسخة لها, فذلك النسخ رفع لحكم الأولى على ما هو المختار, فالاحتجاج في الأحكام بالناسخ، أما المنسوخ فغير محتج به فيها, فهو مستثنى من الحجية بدليل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٣, وفي صحيح مسلم في الوضوء عن العلاء بن الشخير قال: كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه بعضًا, كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا٤. فالنسخ وقع في القرآن بلا شك, بمعنى رفع حكم آية عن جميع محالها, والمتحقق من ذلك اثنتا عشرة آية أو نحوها. الأولى: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٥ الآية. نسخها قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٦ إلخ. آيات المواريث، وقيل إنها منسوخة بحديث "لا وصية لوارث" ٧ إذا قيل بتواتره، وقيل: نسخها الإجماع, والتحقيق أن الأجماع لا يكون ناسخًا, وإنما الناسخ دليله، وأن الحديث المذكور ليس بناسخ، وأن الناسخ آيات الميراث حيث بينت ما يجب للوالدين

стр. 87

والأقربين, فلم يبق احتياج لوجوب الوصية، بل نسخ وجوب الوصية بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إذ مفهوم يوصي به أنه إذا لم يوص بها فلا نفاد للوصية، نعم إطلاق لفظ وصية المتناول الوصية للوارث قيد بحديث "لا وصية لوارث" هكذا ظهر لي في الآيتين والحديث، وعليه فلم يبق هناك مثال يتحقق فيه نسخ القرآن بالسنة الآحاد, وإنما يوجد التقييد أو التخصيص أو التعميم وأمرها سهل. وكل منها واقع بالسنة، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف في الصحيح١ أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر, فهو دال على تعميم آية الجزية من أهل الكتاب، وأن القيد بأهل الكتاب فيها خرج مخرج الغالب لنزولها في اليهود, وليس ذلك بنسخ. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٢ نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٣. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ٤ نسخ الوصية آية الميراث السابقة, ونسخ عدة الوفاة بالحول الآية قبلها ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٥ وقدمت الناسخة على المنسوخة؛ لأن ترتيب آيات المصحف لم يكن على ترتيب النزول, بل هو بأمر خاص من رسول الله ﷺ بإجماع. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٦, نسختها آية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٧. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ٨ نسختها آية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٩. السادسة: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ١٠ الآية

стр. 88

نسختها آية النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ١ الآية مع آية الرجم التي نسخ لفظها وبقي حكمها, لكنه يؤول إلى نسخ القرآن بالسنة لعدم تواتر الناسخة الآن, وإن كانت متواتر في وقت الصحابة، أو يقال: نسخها دليل الإجماع؛ لأن الإجماع من الصحابة وعلماء الأمصار على رجم المحصن العالم العاقل المختار. ولم يخالف إلّا الخوارج والمعتزلة قالوا: لم نجده في القرآن, وأما ما في البخاري٢ من أن عبد لله بن أبي أوفى سئل هل رجم النبي ﷺ قبل نزول سورة النور أو بعدها فقال: لا أدري, فلا يلزم من عدم معرفته هو عدم اطِّلاع غيره, ففي الصحيح٣ من حديث أبي هريرة وعقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال للرجل الذي قال له: إن ابني كان عسيفًا على هذا, وزنى بزوجته: "إن على ابنك جلد مائة وتغريب عام, واغد يا أنيس على زوجة هذا, فإن أقرّت فارجمها" وقال عليّ: رجمت بسنة رسول الله ﷺ وهو في الصحيح٤, وعن عمر ﵁ أنه خطب الناس فقال: "إن الله بعث محمدًا بالحق, وأنزل عليه القرآن, فكان مما أنزل عليه الرجم" أخرجه البخاري٥, وأخرج مسلم عن عباة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني, قد جعل الله لهنَّ سبيلًا, الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ٦. السابعة: آية المائدة: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَام﴾ ٧ وآية القتال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٨ نسختها آية البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٩, لكن يشكل عليه أن المائدة متأخرة في النزول عن البقرة, بل قال ابن عباس: إن المائدة آخر ما نزل، ويجاب بأنها آخر ما

стр. 89

نزل من السورة دون الآيات, فلا ينافي ذلك وجود المنسوخ فيها. الثامنة: قوله تعالى في المائدة: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ١ نسختها آية: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه﴾ ٢, وبه يرد قول أبي عبيدة عن الحسن ليس في المائدة منسوخ، وقاله عمر بن شرحبيل وعائشة وغيرهم. التاسعة: قوله تعالى في المائدة: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُم﴾ ٣ نسختها آية: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٤ ويرد عليه ما تقدَّمَ أيضًا، على أن بعض المالكية وأهل الظاهر وابن حنبل وكثيرًا من التابعين لا يقولون بنسخها، حكم بها أبو موسى الأشعري وغيره, وانظر بسط القول في هذه الآية في عدد "١٦٦" من الطرق الحكمية لابن القيم٥. العاشرة: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٦ نسختها الآية بعدها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٧, ولفظ الآيتين خبر ولكن معناهما الأمر, بدليل أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ فوقع التحديد للعدد الذي يجب الثبات والصبر للقائه, ولا يرخص في الفرار منه. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ٨ نسختها آيات العذر وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة﴾ ٩. الثانية عشرة: قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ١٠ نسختها الآية بعدها. الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ

стр. 90

وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ ١ نسختها الآية بعدها, وهي قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ٢ الآية. ويمكن النزاع في نسخ هذه الآية أيضًا؛ لأنها ليست بصريحة في وجوب التهجد على من معه حتى يكون نسخًا. الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ٣ نسخها عموم: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٤ الأية. وفي ذلك نزاع أيضًا إذ يحتمل أن تكون آية الزاني ﴿لا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ معناها: أن شأنه ذلك تنفيرًا, لا أنه حكم ونهي, فلا نسخ. الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد﴾ ٥ الآية. نسختها آية: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ ٦ الآية, وفيها نزاع أيضًا, فهذه الآيات قد تحقَّق النسخ في الجل منها إما بمعنى الإزالة أو التبديل، على أن البعض منها قد يمكن النزاع فيه والتخلص من النسخ كما سبق ولكنه قليل، وجميع ما ذكروا فيه النسخ مما سواه كله, إما من باب التخصيص, وهو إزالة الحكم عن بعض الأفراد دون بعض، أو من باب التقييد أو نحو ذلك، وكان الأقدمون كابن حزم يتسمحون فيسمونه نسخًا، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَاب﴾ ٧ فإنهم يقولون: إنها ناسخة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٨ الآية. والحق أن لا نسخ، وأنما هو تخصيص؛ لأن الحكم لا زال باقيًا لبعض الأفراد، ومن هذا المعنى ما قاله ابن العربي من أن آية ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ نسخت مائة وأربعًا وعشرين آية فيها الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم، قال: ومن العجب ان آية القتال نسخ آخرها وأولها, فإن ما ذكره في النسخ في آيات الصفح والكف غير متعيّن كما يعلم بالوقوف عليها في محلها. وعلى كل حال, فإن المفسرين مهما رأوا منافاة ظاهرة آية لأخرى إلّا ويدعون

стр. 91

النسخ مجازفة، وليس بصواب، فالنسخ له شروط، منها عدم إمكان الجمع بين مدلولي الآيتين، وتواردهما على محل واحد، وبعبارة تحقق وجود الوحدات الثمان التي يشترطها المناطقة في التناقض، ومنها تحقيق التاريخ إما بنص صريح, أو بأن يجمعوا على العمل بالأحرى، كأكثر الآيات "١٥" السابقة، إلى غير ذلك من الشروط المبسوطة في محلها من الأصول وهي تقارب العشرة. قال ابن الحصَّار: لا يعمل في النسخ إلّا بنقل صريح عن رسول الله أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا؛ لأنهم عاينوا النزول، ولا يعمل بقول المفسرين من غير دليل، ولا بقول المجتهدين, فإن المجتهد قد يخطئ ويصيب؛ لأن النسخ يتضمَّن رفع حكم تقرر في زمنه ﷺ , ويتضمن حرمة العمل به ونفيه عن الشريعة, فلا بُدَّ فيه من نقل بتواتر أو آحاد عدول. والمسألة طويلة الذيل وليس المحل محل بسطها, ولكن لما لخصته هنا قيمة لا يستهان به. ثم النسخ أقسام: ما نسخ لفظه وبقي حكمه نحو: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله" وهي آية كانت في الأحزاب كما في الصحيح١، ومن نسخ لفظه وحكمه كعشر رضعات معلومات، وما نسخ حكمه وبقي لفظه كالآيات "١٥" السابقة. والنسخ يكون نسخ قرآن بقرآن، وسنة بسنة، وسنة بقرآن، وقرآن بسنة متواترة لا بخبر واحد كما يأتي. ولا نسخ بالعقل ولا بالإجماع؛ لأنه لا يكون إلّا بعده ﵇، ولا نسخ بعده، ولكن إجماعهم إن خالف نصًّا فقد تضمَّن ناسخًا وهو مستند الإجماع. وهناك نوع آخر من النسخ, وهو إزالة الآية أو الآيات من القرآن لفظًا ومعنًى, أو لفظًا فقط, فتُنْسَى ولا تبقى مقروءة، وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿أَوْ

стр. 92

نُنْسِهَا﴾ ١ في أحد القولين, ومنه حديث أبي موسى في صحيح مسلم٢ أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم, فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنَّا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني فد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا, ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشببها بإحدى المسبحات فأنسيتها, غير أني حفظت منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فتكبت شهادة في أعناقكم فتسألون عنه يوم القيامة.

стр. 93

السنة النبوية مدخل ... السنة النبوية: هي أقواله ﷺ وأفعاله وتقريره. ومجموع الأحاديث التي تدور عليها أحكام الفقه نحو خمسمائة حديث وبسطُها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث كما في أعلام الوقعين١. والسنة في الدرجة الثانية بعد القرآن العظيم؛ لأن القرآن كلام رب العزة، متعبد بتلاوته، معجز ببلاغته، قطعي الثبوت لتواتره، بخلاف السنة، ولذلك إذا وجد قرآن صريح فهو مقدَّم عليها، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الصحابة -رضوان الله عنهم- ما كانوا يسألون إلّا عمَّا لم يجدوه مصرَّحًا به في القرآن الكريم، نعم إذا وجدت سنة مخالفةٌ لنصِّ القرآن متأخرة عنه, فهل تكون ناسخة أو لا, محل خلاف، والصحيح أنه يجوز النسخ بها, ولكن لم يقع نسخ القرآن بالسنة إلّا إذا كانت متواترة عند حكم المجتهد بالنسخ بها، ويجوز التخصيص والتقييد بها إذا كانت دلالة القرآن ظنّية كالعمومات والإطلاقات, فيخصص حينئذ ظني بظني، وللمسألة تفاصيل وتفاريع في كتب الأصول, وانظر أول السفر الرابع من موافقات الشاطبي تجد بسطًا كافيًا. واعلم أن السنة معمول بها باتفاق من يعتد به من أهل العلم ولو خبر آحاد, لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٢, وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٣, وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٤, وقد كان ﷺ يوجه رسله إلى الآفاق بتبليغ الشريعة الشريعة وهم فرادى, وذلك دليل على وجوب العمل بالسنة, ولو كانت خبر آحاد، وقد عمل بها الصحابة في زمنه ﵇ حال غيبته، وأقرَّهم عليها وهي خبر آحاد، ووجه مع عمرو بن حزم صحيفة إلى اليمن وهي

стр. 94

مذكورة في الموطأ وتأتي، وعملوا بالسنة بعد وفاته في مجتمعاتهم التي تعتبر إجماعًا، وثبت احتجاجهم بها من طرقٍ كثيرة تبلغ القطع مما لم يبق معه شك, ويعلمه من يتتبع كتب الصحاح وكتب السِّيَر، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١, فالسنة تبيِّن ما أجمل في القرآن؛ لآن الشريعة كانت تنزل تدريجًا لأجل الرفق بالأمة الأمية كما سبق، ومن جملة الرفق أن ينزل الإجمال ثم يأتي تفصيله، وكل ذلك موجود في السنة مبيَّنٌ فيها، كما أن السنة تشرع ما ليس في القرآن استقلالًا كما يأتي، انظر إلى الإيمان جاء في القرآن الأمر به وإلزام كل واحد أن يملأ منه قلبه, ثم بينته السنة بقوله ﷺ : "الإيمان أن تؤمن بالله ووملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" ٢ كذلك الإسلام والإحسان، وانظر إلى الصلاة عماد الدين, أوجبها القرآن من غير بيان, وبينت السنة عدد الصلوات أو الركعات وكيفيتها وشروطها, وإصلاح ما قد يقع فيه الخلل منها, ووضحت أوقاتها, وكيف العمل في فوائتها, وما ذكر في القرآن إلّا ما هو إجمال من ذلك كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية٣. ففي القرآن بيان شرط وهو الطهارة المائية, ثم الترابية, وأشار إلى شرط ستر العورة بقوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٤ وإلى شرط استقبال القبلة بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٥. ولكن هناك تفاصيل بينتها السنة، ثم أشار القرآن إلى أوقاتها بقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ٦, ولكن السنة بينت الأوقات بالبيان الشافي, بحديث بريدة وحديث ابن عمر في الصحيح وغيرهما, وأشار القرآن إلى كيفيتها بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ , وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ , ولكن السنة هي التي استوفت, فقال النبي ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي" ٧.

стр. 95

وروى لنا أبو هريرة ووائل بن حجر, ومالك بن الحويرث, وأبوحميد الساعدي, وغيرهم كيفية صلاته ﵇, وعلمنا منها ما هو واجب وما لا. وهكذا الزكاة أشار القرآن إلى وجوبها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ١، ولكن من أين علم القدر الواجب؟ عُلِمَ من السنة, قال ﵇: "فيما سقت العيون أو كان عثريًا العشر, وما سُقيَ بالنضح نصف العشر" ٢, وقال: "قوفي الركاز الخمس" ٣، وبينت السنة قدر النصاب، قال ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة, وليس فيما دون ذود من الإبل صدقة" ٤. وهكذا الصوم, أوجب الله علينا في القرآن صوم شهر رمضان, وبينت السنة أن المراد الشهر القمري الذي يكون ثلاثين ويكون تسعًا وعشرين، وأمرنا أن نصوم لرؤية الهلال، ونفطر لرؤيته, وأن من أفطر عامدًا لغير عذر تجب عليه الكفارة, إلى غير ذلك. وهكذا الحج, أوجب الله في القرآن الحج على من استطاع، وبيَّنَ أركانه, فأشار إلى الإحرام بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ إلى آخر الآية٥، وإلى وقوف عرفه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ ٦ وبيَّنَ السعي والطواف بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ٧، وبقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ ٨.

стр. 96

وبينت السنة كيفية الإحرام وممنوعاته، وحدود عرفة، ووقت الوقوف فيه، وكيفية السعي، والطواف، وعدد الأشواط, إلى غير ذلك، وقد أجمله ﵇ بقوله: "خذوا عني مناسككم" ١, وبينت الأحاديث النبوية التي رواها الصحابة الذين عاينوا حجة تفاصيل ذلك, كابن عباس وابن عمر وغيرهما.

стр. 97

السنة مستقلة في التشريع: اعلم أن الحق عند أهل الحق أن السنة مستقلة في التشريع, فقد يرد فيها ما لم يذكر إجماله ولا تفصيله في القرآن كزكاة الفطر, قال خليل: يجب بالسنة صاع. وكصلاة الوتر، وكحد الزاني المحصن؛ لأن آية: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" حكمها حكم السنة؛ لأنها نسخ لفظها ولم ترو إلينا تواترًا, وإن وقع الإجماع على الحكم بها، فالسنة كالقرآن يثبت بها تحليل الحلال وتحريم الحرام، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وتحريم لحوم الحمر الإنسية١, وكوجوب الكفارة على منتهك حرمة رمضان، وما لا يحصى كثرة، خلافًا للخوارج. قال في أعلام الموقعين: أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر مما فيه لم تنقص عنه، وما يروى من طريق ثوبان من الأمر بعرض الأحاديث على القرآن، فقال يحيى بن معين: إنه من وضع الزنادقة، وقال الشافعي: ما رواه أحمد عمن يثبت حدثيه في شيء صغير ولا كبير٢. وقال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم: عن عبد الرحمن بن مهدي, إن الزنادقة وضعوا حديث: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله, فإن وافق فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله", ونحن عرضنا هذا الحديث نفسه على قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ , وغيرها من الآيات الدالة على الأخذ بالسنة, فتبيَّنَ لنا أن الحديث موضوع كرّ على نفسها بالإبطال٣.

стр. 98

قلت: ومن الأدلة على وضعه أن في القرآن آيات لو عُرِضَ على عمومها بعض السنن لردته, ومع ذلك أجمعوا على العمل بالسنة، والإجماع معصوم. كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١, فعمومها يقتضي جواز الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها. والسنة تمنع ذلك، والإجماع على العمل بالسنة، وقال تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢، وجاءت السنة بأن الدية على العاقلة, والإجماع على ذلك إلّا عثمان البنيّ -من التابعين- يراها على القاتل. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ٣ الآية, وأن السنة حرمت الحُمُر الإنسية وأمثال هذا. قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، قال ابن عبد البر: إنها تقضي عليه وتبين المراد منه, ومقالة الأوزاعي أنكرها الإمام أحمد بنت حنبل قائلًا: بل السنة تبيّن القرآن وتفسره. نقل ذلك ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية, قال ابن القيم: وقد أنكر أحمد والشافعي على من ردَّ أحاديث رسول الله لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن، وللإمام أحمد في ذلك كتاب سماه طاعة الرسول، والذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنه ليس في سنن رسول الله ﷺ الصحيحة سنة واحدة تخالف الكتاب, بل السنن مع القرآن ثلاث منازل: المنزلة: الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهدت به الكتب المنزلة, وتوارد هذه من باب توارد الأدلة كالتأكيد. المنزلة الثانية: سنة تفسير الكتاب وتبين المراد منه وتقيد مطلقه وتخصيص عامه، كالحديث الصحيح المبين أن الظلم في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٤ وهو الشرك، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل، وأن قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾ ٥ هو في

стр. 99

القبر حين يسأل إلى غير ذلك. المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانًا مبتدءًا كالحكم بالشاهد واليمين، وتحريم الرضاع وما يحرم من النسب، والرهن في الحضر، وميراث الجدة وغيره مما رفع البراءة الأصلية، وأمثال هذا كثير، وليس هذا من النَّسخ في شيء؛ لأنه إنما رفع البراءة الأصلية، ولا يجوز رد واحدة من هذه الثلاث، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة: "بتصرف وزيادة"١. قلت فيه: إن هناك منزلة رابعة: وهي السنة الناسخة للكتاب المتواترة على رأي الجمهور, أو الآحاد على القول بها كحديث: "لا وصية لوراث" ٢، وحديث: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" ٣، الناسخ لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٤، فإن الحاكم لو اقتصر على الجلد لوافق القرآن وخالف السنة، وهذا محل النزاع بين الحنفية وبقية المذاهب، وقد استدرك هذا القسم في أعلام الموقعين، وأطال فيه، فانظره عدد "٣٨٢"من المجلد الثاني٥. ثم قال في الطرق الحكمية: لو ساغ ردَّ سنن رسول الله ﷺ لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن وبطلت بالكلية, فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلّا ويمكن أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها, ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم أو هذا الإطلاق فلا تقبل، وهؤلاء الروافض ردوا حديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" ٦ بعموم آية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٧، وردت الجهمية

стр. 100

أحاديث الصفات بظاهر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، وردت الخوارج أحاديث الشفاعة، وخروج أهل الكبائر الموحدين من النار بما فهموه من ظاهر القرآن في آيات الوعيد، والجهمية أحاديث الرؤية بظاهر آية: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٢، والقدرية أحاديث القدر الثابتة بما فهموه من ظاهر القرآن، وردت كل طائفة ما ردته، فإمَّا أن يطرد الباب في قبولها, ولا يرد شيء منها لما يفهم من ظاهر القرآن، وإما أن يطرد الباب في رد لكل, وما من أحدٍ ردَّ سنة بما فهمه من ظاهر القرآن إلّا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك، وقد أنكر أحمد والشافعي على مَنْ ردَّ أحاديث تحريم كل ذي٣ ناب من السباع بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ٤. وروى أحمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الدلائل عن أبي

стр. 101

رافع قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألفين أحدكم جالسًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به ونهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه" ١. وعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : "إني أوتيت القرآن ومثله معه، يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرَّم رسول الله كما حرَّم الله, ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبوع, ولا لقطة من عهد إلّا أن يستغني عنها صاحبها, ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه, فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" رواه أبو داود ورواه الدارمي٢ بمعناه أيضًا إلى قوله: "كما حرم الله" , ويؤيد مضمون الحديثين قوله تعالى في وصف رسول الله ﷺ : ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية٣, وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٥, إلى غير ذلك. وقال الشافعي في الأم نقلًا عن أبي يوسف في كتابه نقد سير الأوزاعي ما نصه: عليك من الحديث بما تعرف العامة، وإياك والشاذ منه, فإنه حدثنا ابن أبي كريمة عن أبي جعفر عن رسول الله ﷺ أنه دعا اليهود فحدثوه حتى كذبوا على عيسى, فصعد النبي ﷺ المنبر فخطب الناس فقال: "إن الحديث سيفشو عني, فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني, وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني".

стр. 102

مسعر بن كدام والحسن بن عمارة بن عمرو بن مرة, عن البختري, عن علي بن أبي طالب قال: "إذا أتاكم الحديث عن رسول الله فظنوا أنه الذي أهدى, والذي أنقى, والذي هو أحيا, إلى أن قال: فإياك وشاذّ الحديث، وعليك بما عليه الجماعة من الحديث, وما يعرفه الفقهاء, فقس الأشياء على ذلك, فما خالف القرآن فليس عن رسول الله, وإن جاءت به الرواية". حدثنا الثقة عن رسول الله ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "إني لأحرم ماحرم القرآن، والله لا يمسكون على بشيء" فاجعل القرآن والسنة المعروفة لك إمامًا وقائدًا, واتبع ذلك وقس عليه ما يرد عليك مما لم يوضح لك في القرآن والسنة"١. هذا ما نقله الشافعي عن أبي يوسف, ورده عليه بأن التقيد بما يعرف الفقهاء ليس بصواب أيضًا, وكذلك ردّ الحديث الغريب أيضًا ليس بصواب, وإنما الصواب هو أن الشاذ وهو ما خالف ما هو أقوى منه من قبيل الضعيف, وما سوى ذلك فمقبول ولو غريبًا, فإن الغرابة لا تنافي الصحة. وجل ما يرده الحنفية من السنة ويقدمون القياس عليها, فحجتهم هو ما ذكره أبو يوسف، وذلك كله لا يقبله المالكية ولا الشافعية ولا الحنابلة ولا أئمة الحديث والله الموفق.

стр. 103

ا شروط العمل بالسنة: اعلم أن لا يحتج بها إلّا إذا كانت متواترة أو صحيحة أو حسنة، ولم يكن هناك قادح، كما إذا خالف الرواي من هو أحفظ منه أو أتقن أو أكثر, فتكون حينئذ شاذة، والشاذ من قبيل الضعيف فلا يُحْتَجُّ به، وتقدم قريبًا الرد على من اشترط معرفة الفقهاء للحديث أو عدم الغرابة، وروي عن بعض السلف اشتراط رواية اثنين عن اثنين إلى رسول الله ﷺ ، ويدل له فعل أبي بكر في مسألة ميراث الجدة ويأتي، ونسب هذا لعمر أيضًا ولم يصح، بل صح عنه العمل بخبر الواحد في حديث عبد الرحمن بن عوف في الطاعون وغيره١، نعم كان يثبت في بعض الأحيان، ويطلب الرواي الثاني كما وقع له مع أبي موسى في حديث: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع" حتى جاء بأبي سعيد الخدري يشهد أنه سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢, وقصده في ذلك أن يجعل هيبة على حديث رسول الله حتى لا يروى إلّا عن الثقة. وكان سيدنا علي يستخلف الراوي العدل استثباتًا، إلّا أبا بكر فإنه كان يقبل روايته من غير يمين، كما ذكره المحلي في كتاب التعادل والتراجيح، ولهذا تفصيل وبيان في الأصول، والجمهور على وجوب قبول خبر الواحد الضابط عن مثله إلى رسول الله ﷺ , وحكي عليه في جمع الجوامع الإجماع، وعلى ذلك كان العمل في زمنه ﵇ كما سبق، والإجماع مبحوث فيه بما سبق, واستثنى المالكية منه إذا خالف عمل أهل المدينة؛ لأن عملهم بمنزلة مرويهم لثقتهم وقربهم من رسول الله ﷺ بالجوار، ومرويهم مقدَّم؛ لأنه من قبيل المستفيض، وهو مقدَّم على خبر الواحد، إذ يصير خبر الواحد بالنسبة إليه شاذًّا إذا خالفه من

стр. 104

هو أكثر منه، ولأنهم شاهدوا الأخير من أحواله ﷺ , وهو أعرف بالناسخ والمنسوخ، وأما من نسب إلى مالك أنه يشترط موافقة العمل لخبر الواحد فقد أخطأ، واشترط الحنفية أن لا يخالفه روايه, فالعمل بما رأى لا بما روي؛ لأنه لا يخالفه إلّا عن دليل. قلنا: في ظنه وقد لا يكون دليلًا في الواقع، وشرطوا أن لا يكون فيه البلوى، فإن هذا تتوفر الدواعي على نقله تواترًا، وذلك علة قادحة عندهم توجب ردَّه، وأن لا يخالف القياس على تفصيل عندهم يأتي في ترجمة أبي حنفية. والصواب: أن خبر الواحد إذا تجرَّدَ عن القرائن مفيد للظن، خلافًا للظاهرية الذين ادَّعوا إفادته العلم اليقيني، قالوا: ولو لم يفد العلم فكان علمًا بالظن، والله يقول: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ١، وقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢، وهي حجة داحضة، فالقرآن أوجب اليقين في العقائد لا في كل شيء, ونحن إنما أوجبنا العمل بخبر الواحد في الفروع العملية استنادًا لعمل الرسول ﵇، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية٣. انظر تفسير ابن عرفه فيها. وأقوى ما يرد به على الظاهرة الإجماع من الصحابة فمَنْ بعدهم على العمل بظواهر النصوص التي هي متمسك الظاهرية, وبالأدلة الظنّية في الفروع، ووقع منهم الاستدلال بها في غير ما موطن، فدلَّ ذلك على تخصيص الآيات المانعة من اتباع الظن بالعقائد بدليل سياقها، وانظر شروح البخاري في باب العمل بخبر الواحد.

стр. 105

السنة يقع فيها النسخ كالقرآن: قال في أعلام الموقعين: قالوا -يعني العلماء: النسخ الواقع في الأحاديث التي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ولا شطرها "صحَّ من العدد ٤٥٨٥ من الجزء الثالث". ومن ذلك حد الخمر, فأنه أولًا لم يكن حدًّا، بدليل ان رجلًا شرب, فلما أخذ هرب لدار العباس مستجيرًا، فتبسم النبي ﷺ ولم يحده١، ثم شرع النبي ﷺ الحدَّ, لكن كان أولًا خفيفًا, وهو الضرب بأطراب أثوابهم وأرديتهم والنعال والأيدي وجريد النخل، ثم شرع الحدّ بالجلد، فقد ثبت في السن وغيرها: "إذا شرب الخمر فاجلدوه, فإذا شرب الثانية فاجلده, وإذا شرب الثالثة فاجلدوه, فإذا شرب الرابعة فاقتلوه" ٢، فصار الحد بالجلد, وأمر بالقتل في الرابعة. وفي رواية في الخامسة لكن لم يقتل أحد، فقد روى أبو داود عن قبيصة بن ذؤيب: "إذا شرب فاجلدوه, فإذا شرب الرابعة فاقتلوه، ثم أتي النبي ﷺ بمن شرب الرابعة فلم يكن قتل تخفيفًا من الله تعالى" ٣، وعليه فالقتل شرع بالسنة ونسخ بها. ولما كان زمن أبي بكر قُوِّم عدد الضرب الذي كان في زمن رسول الله ﷺ بأربعين جلدة، واستقرَّ العمل زمن أبي بكر على أربعين جلدة، فلما كان زمن سيدنا عمر كتب إليه خالد بن الوليد بأن الفسق كثر، وأن الناس استهونوا الأربعين فانهمكوا, فشاور المهاجرين والأنصار وفيهم علي، وطلحة،

стр. 106

والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، فقال له علي بن أبي طالب: إن من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى أن يحدَّ حد المفتري -يعني ثمانين التي هي أدنى الحدود, ووافقوه على ذلك. فقال عمر لرسول خالد: بلغ صاحبك ما قالوا: فضرب خالد ثمانين, وكان عمر يجلد ثمانين إذا أتاه الرجل القوي المنتهك في الشراب، وإذا أتي بالرجل الذي منه الزلة الضعيف ضربه أربعين، لكن في زمن عثمان رجع عليّ عن فكره, فكان يقول: لو مات أحد بحد الخمر لوديته؛ لأنه لم يكن فيه سنة, وإنما هو شيء صنعناه -يعني الزيادة على الأربعين, ولذلك قال عند حد عثمان للوليد بن المغيرة والى الكوفة لما شهد عليه أهلها بالشرب: حدَّ رسول الله أربعين، وحدَّ أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين, وكلٌّ سنة. ثم حدَّه أربعين١. ويعمل عمر أخذ مالك وأبو حنيفة رغمًا عن كون الحنفي لا يقول بالقياس في الحدود، مستندين لقول علي: وكلٌّ سنة. ورأوا فعل عمر كانعقاد الإجماع فلا ينقضه ما بعده.

стр. 107

تدوين السنة: تقدم أن أول تدوين للفقه هو تدوين القرآن؛ إذ كان ﷺ يأمر بكتب كل ما ينزل عليه منه، فأما السنة فإن في صحيح مسلم أنه نهاهم عن كتبها وقال: "لا تكتبوا عني غير القرآن" ١، لكن النهي ليس مطلقًا، فالتحقيق أنه نهاهم أن لا يكتبوها ويجعلوها في بيته مع القرآن لئلَّا تختلط به، وأما من أراد أن يكتب لنفسه وأمِنَ من الاختلاط فإنه لم يمعنه, كما يثبت ذلك في الصحيح أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبها٢. وروى أحمد أنه سأل النبي ﷺ , هل يكتب كل ما يسمع منه ﵇،

стр. 108

فقال: "نعم, فإني لا أقول إلاحقًّا" ١، وقال في حجة الوداع: "اكتبوا لأبي شاه" ٢، وكان عند علي بن أبي طالب صحيفة فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وفي رواية فإذا فيها المدينة حرم كما في الصحيحين٣. وروى النسائي أنه كان مكتوبًا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم, وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر, ولا ذو عهده في عهده، ومن أحدث حدثًا فعلى نفسه، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ٤. وفي الصحيح عن ابن عباس, لما اشتدَّ بالنبي ﷺ الوجع قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده" , قال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا٥، وفي الموطأ قال الزهري: قرأت كتاب رسول الله ﷺ , الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران, وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم في قطعة أدم, فكتب رسول الله ﷺ : "هذا بيان من الله وسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وكتب الآيات منها حتى بلغ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ ، ثم كتب: هذا كتاب الجراح: في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي المأموية ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة فريضة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي الأسنان خمس خمس، وفي الموضحة خمس" رواه مالك والنسائي وصححه ابن حبان٦.

стр. 109

ويصح أن تعتبر هذه الكتابة أول تدوين السنة التي هي من مواد الفقه، لكن ما كتبوا إلّا الشيء اليسير، لا سيما وما كتبه عبد الله بن عمرو بن العاص لم يظهر، إذ لم يعدوه من المكثرين الذي تجاوزوا الألف لاشتغاله بالسياسة مع والده ورحلته إلى مصر. ولم تكن إذ ذاك دار علم، مع أن أبا هريرة قال: لم يكن أحد أكثر مني ملازمة للنبي ﷺ إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب١. وعلى كل حالٍ فالقرآن تركه ﵇ مكتوبًا مدونًا كله, أمَّا السنة فلم يبتدأ جمعها وتدوينها إلّا بعد مائة سنة من وفاته ﵇, كما يأتي تحريره، سوى ما كُتِبَ على عهده كما سبق, وكان يسيرًا، وإنما اتَّكلوا في السنة على حفظهم وسيلان أذهانهم ومضاء قرائحهم، والأميّ دائمًا يكون أحفظ من الكاتب، وكان سيدنا عمر همَّ يجمعها وكتبها واستخار الله في ذلك شهرًا, ثم خاف اشتغال الناس بها وترك القرآن, أو غير ذلك فرجع. والحق يقال، لا شك أن تأخُّر كتبها تسبَّب عنه وقوع الاختلاف والاضطراب في كثير من الأحاديث وهو من أوجه تقديم القرآن عليها، زد على ذلك ما ابتليت به من وضع الزنادقة والرافضة وتعمدهم الكذب على رسول الله ﷺ لأغراض سياسية واهية كما يأتي.

стр. 110

أخذ أحكام الفقه الخمسة من القرآن والسنة: لا يخفى أن ما يوجد في الشريعة من الأحكام منحصر في خمسة: الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والجواز، وذلك أن أفعال المكلفين قسم منها رضيه الله، وقسم سخطه، وقسم لا رضى فيه ولا سخط. فالأول يشمل الواجب والمندوب، والثاني: الحرام والمكروه، والثالث هو الحلال. وطريق الحصر فيها أن طلب الشرع للفعل إما أن يكون جازمًا أو لا، الأول الوجوب، والثاني الندب، وطلبه للكف بغير كفٍّ إما جازم أو لا، الأول الحرام، والثاني المكروه، والخامس وهو الحلال أن لا يطلب فعلًا ولا تركًا, بل يخيِّر ويعبر عنه بالجائز، أما ما يعبَّر عنه بالسنة فهو من قبيل المندوب، وما يعبر عنه بخلاف الأولى فهو من قبيل المكروه، ولهذا اصطلح أئمة الفقه والأصول على الأحكام الخمسة، وتجد أبواب الفقه محتوية على بيان الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات والجائزات. والحنفية يفرقون بين الفرض وهو ما ثبت وجويه بقطعيٍّ كالقرآن ومثاله الصلوات الخمس، والواجب وهو ما يثبت كصلاة الوتر، ولا فرق بينهما عند غيرهم. كيف أخذ الفقهاء هذه الأحكام من القرآن؟ غير خفي أن القرآن ليس من الأوضاع البشرية الموضوعة لبيان علم من العلوم بمصطلحاته، بل هو كلام الله الذي أنزله على عبده لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، جعله في أعلى طبقات البلاغة ليحصل الإعجاز وتثبت
следующие страницы →