← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 10014

رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن الكريم

عبد الفتاح شلبي

Полный текст (115 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الاحتجاج لكلمات خالية من الضبط والنقط: - قرئ "قُل فيهما إثمٌ كثيرٌ" [آية: ٢١٩] ١: بالثاء، قرأها حمزة والكسائي*. ووجه ذلك: أن الإثم ههنا عُودل به المنافع التي تتصف بالكثرة؛ لكونها جمعًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٢، فلما عودل به ما تقرر فيه الكثرة حسن فيه أيضًا أن يوصف بالكثرة، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ ٣ الآية، فبين أن ما يحدث من الخمر مضار كثيرة في باب الدّين، فدلّ على أن كثرة الإثم متقرّرة فيهما. وقرأ الباقون ﴿كَبيِرٌ﴾ بالباء٤؛ وذلك لأن الإثم إِنما يوصف بالكبر نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ ٥، و ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ ٦، ثم إِنهم أجمعوا في قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ﴾ ٧ على الباء دون الثاء، فإجماعهم عليه في الثاني يدلّ على أنه في الأول أيضًا بالباء٨. - "قُلِ العَفْوُ" [آية: ٢١٩] : بالرفع, قرأها أبو عمرو وحده٩. ووجه ذلك: أنه جَعَلَ ذا من قوله: ﴿مَاذَا﴾ ١٠ بمنزلة الذي، ولم يجعلها مع ما بمنزلة اسم واحد، فيكون التقدير على هذا: ويسألونك ما الذي ينفقونه؟ قل العَفْوُ، بالرفعِ، الذي ينفقونه العفوُ، فيرتفع العفوُ بخبر المبتدأ، ومبتدؤه مضمر يدلّ عليه الذي ينفقونه؛ وهو ما في سؤالهم.

стр. 37

وقرأ الباقون ﴿الْعَفْوَ﴾ بالنصب١؛ وذلك لأنهم جعلوا ﴿مَاذَا﴾ اسمًا واحدًا في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ فهو مثل قولك: ما ينفقون، فماذا على هذا في موضع النصب بأنه مفعول ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ، كما تقول: ويسألونك أي شيء ينفقون؟ فقوله تعالى: ﴿الْعَفْوَ﴾ بالنصب جواب ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وهو في موضع نصب، فجوابه أيضًا نصب، كأنه قال: ينفقون العفو٢. - "حتى يطَّهَّرن" [آية: ٢٢٢] : بفتح الطاء والهاء وتشديدهما، قرأها حمزة والكسائي وعاصم ياش٣؛ لأنّ معناه: حتى يتطهرن بالماء وأراد الاغتسال؛ لأنهن ما لم يغتسلن فهُنّ في حكم الحُيّض في كثير من الأشياء، ويؤيد ذلك أنهم أجمعوا على ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ في قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٤، فكما أن ذلك لا يكون إلاّ الاغتسال، فكذلك ينبغي أن يكون معنى هذا أيضًا. وقرأ الباقون ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بسكون الطاء وضم الهاء٥، ومعناه: حتى ينقطع دم حيضهن، ويجوز أن يكون ﴿يَطْهُرْنَ﴾ أيضًا بمعنى "يَطَّهَّرْن" لأنهن إِنما يطهرنَ طهرًا تامًّا إذا اغتسلْن٦. - "وَلَوْلا دفِاعُ اللهِ النّاسَ" [آية: ٢٥١] : بالألف قرأها نافع ويعقوب٧، وذلك أنه يجوز أن يكون مصدرًا لفَعَلَ نحو: كَتَب كتابًا، ويجوز أن يكون مصدرًا لفاعَلَ, كقاتل قتالًا، يدلّ على ذلك قراءة من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٨، وليس فاعَل ههنا مما يكون الفعل فيه من اثنين، لكن دَفَع ودافَع بمعنى واحد.

стр. 38

وقرأ الباقون: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ بغير ألف على فَعْلٍ١؛ لأنه مصدر دَفَع دَفْعًا، كالضرب الذي هو مصدر ضَرَبَ ضَرْبًا٢. - "لَا بَيْعَ فِيهِ وَلاَ خُلّةَ وَلَا شَفاعَةَ" [آية: ٢٥٤] : بالفتح في كلهن, قرأها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب٣. ووجه ذلك: أن كل واحد من هذه الأسماء الثلاثة بُني مع لا على الفتح إرادة النفي العام؛ لأنهم جعلوه جواب: هل فيه من بيع أو خلة أو شفاعة؟، فقيل: لا بيعَ فيه ولا خلّة ولا شفاعةَ، يعنون انتفاء جنس هذه الأشياء، فالنفي عام للجنس، كما أن السؤال كان عاما للجنس. وقرأ الباقون بالرفع فيهن كلهنّ٤؛ لأنهم جعلوه جواب: أفيه بيعٌ أو خلةٌ أو شفاعةٌ؟ فجواب لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، بالرفع على الابتداء، كما كان المسئول عنه مرفوعًا بالابتداء، ولم يجعلوا النفي في هذه الأسماء نفيًا عامًّا في اللفظ، وإن كان معلومًا أن النفي في القراءتين أريد به العموم والكثرة، ألا ترى أنك إذا قلت: لا حولَ ولا قوةَ إلاّ بالله, أو لا حولٌ ولا قوة إلاّ بالله، فقد أردت من نفي الحول ما أردته من نفي القوة٥. - "اللهُ لا إلهَ إلاّ هُوَهْ" [آية: ٢٢٥] : بالهاء في حال الوقف، قرأها يعقوب وحده٦، وكذلك "أَحقٌّ هُوَهْ"٧ و"لِوَقْتِها إلاَّ هُوَهْ"٨ ونحوها في الوقف؛ وذلك لأن هذه هاء الوقف أُلحقت الواو ههنا حرصًا على بيان حركتها في حال الوقف، ولئلا يزيله الوقف بالسكون،

стр. 39

كما ألحقت في: اغزُهْ وارمِهْ كذلك، إلا أن القراء يكرهون ذلك؛ لأن الهاء ليست في المصحف وهو الإمام، فَكرهوا مخالفته. - ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [آية: ٢٥٨] : بإثبات الألف بعد النون، قرأها نافع, ش, و, ن، وكذلك في جميع القرآن، إِذا لقيت همزة مفتوحة أو مضمومة، فإذا كانت مكسورة فلا يثبت الألف١. ووجه ذلك: أن هذه الكلمة هي ضمير المتكلم، والاسم منها هو الهمزة والنون فحسب، فأما الألف التي بعد النون فإنّما ألحقت حالة الوقف ليوقف عليها، وليبقى آخر الاسم على حركته، كلما ألحقتْ هاء الوقف حيث أُلحقتْ؛ لذلك فهي تجري مجراها، فينبغى أن تسقط هذه الألف في الوصل، كما يسقط الهاء في الوصل، إلاَّ أن نافعًا أراد أن يُجري الوصل مجرى الوقف، وهو ضعيفٌ جدا؛ لأن مثل ذلك إنما يأتي في ضرورة الشعر، نحو قول الأعشى٢: فكيف أنا وانتحالي الشواف ... يَ بعد المشيب كفى ذاك عارا وليس هذا مما يحسن الأخذ به في القرآن٣. وإثبات نافع هذه الألف مع الهمزة المفتوحة والمضمومة دون المكسورة, هو لإرادة الأخذ بالوجهين, ولأن الهمزة بعد الألف أبين، وامتناعه عنها عند كسر الهمزة لاستثقال الكسرة فيها بعد الألف والفتحة.

стр. 40

وقرأ الباقون "أَنَ" بغير ألف، وكذلك -روي*- عن نافع١، وذلك أن هذا هو الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه الكلام, وهو أن يلحق "أنا" الألف إلا في حال الوصل. - "نُنْشِرُها" [الآية: ٢٥٩] : بالراء وضم النون، وقرأها ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب٢. ومعنى ذلك: نحييها، من قولهم: أنشر الله الميت فَنَشَرَ هُوَ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ . وقرأ الباقون ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي وضم النون أيضًا٤، على أنه من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، أي: نجعل بعضها ناشزة إلى بعضٍ عند الإحياء، أي: مرتفعة. وروى أبان عن عاصم "نَنْشُرُها" بالراء وفتح النون٥، وهو من قولهم: نَشَرَ الله الميت فنشر، أو من: النَّشْر ضدّ الطيّ، أي: ننشرُها بالإحياء بعد الطيّ، وهذه رواية شاذة٦. - "قَالَ آعْلَمْ" [آية: ٢٥٩] : بوصل الألف وجزم الميم على الأمر، قرأها حمزة والكسائي٧. ووجه ذلك: أنه نزَّل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب الغير فقال:

стр. 41

"اعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ"، وذلك أنه لما علم العلم الذي لا طريق للشبهة عليه، قال لنفسه: اعلم هذا الضرب من العلم، وهذا يئول معناه إلى معنى الخبر، كأنه يحقق عند نفسه هذا العلم. وقيل: بل هو من خطاب المَلَك له. والباقون ﴿أَعْلَمُ﴾ بقطع الألف وضم الميم على الخبر١، وذلك أنه لما عايَنَ من إحياء الله تعالى إياهُ بعد موته، أخبر عما تبينه مما لم يَتَبَيَّنْهُ قبل ذلك, هذا التبين الذي لا سبيل للشك فيه، فأخبر عن نفسه فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ علمًا لا يتطرق إليه شبهة٢. - "فَصِرْهنَّ" [آية: ٢٦٠] : بكسر الصاد, قرأها حمزة ويعقوب, يس. الباقون ﴿فَصُرْهُنّ﴾ بضم الصاد٣. فمن قرأ بكَسْر الصاد جَعَلَه من صار يصير، ومن قرأها بالضم جعلها من صار يصور، وكل واحد منهما قد جاء بمعنى أمال وقطع جميعًا٤. - ﴿فَنِعِمَّا﴾ [آية: ٢٧١] : بكسر النون والعين جميعًا، قرأها ابن كثير ونافع, ش, وعاصم, ص, ويعقوب٥. والوجه في ذلك: أن أصل نعم: نَعِم بفتح النون وكسر العين، فكسرت فاء الكلمة من أجل حرف الحلق، كما كسروه من نحو: لِعِب وشِهِد؛ لأن حرف الحلق لما فيه من الاستعلاء يستتبع حركة ما قبله.

стр. 42

وقرأ أبو عمرو ونافع, ن, و, بل, وعصام, ياش: "فَنِعْمّا" بكسر النون وإسكان العين١، وهذا غير مستقيم عند النحاة؛ لأن فيه جمعًا بين ساكنَين وليس الأول منهما حرف لين، وإنما جاز التقاؤهما عندهم إذا كان الأول منهما حرف لين نحو: "دابّة"٢، وشابّة، و"الضالّين"٣. ويشبه أن يكون أبو عمرو سلك في ذلك طريقته في الإخفاء نحو: "بارئكم", فتوهموا أنه أسكن٤. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: "فَنَعِمَّا" بفتح النون وكسر العين٥، وهذا هو الأصل في هذه الكلمة, أعني: "نَعِم" بفتح النون وكسر العين. وهؤلاء كلهم شدّدوا الميم؛ لأن أصله: نَعِم على ما سبق من الوجوه، و"ما" هي النكرة التي تفيد معنى شيء، وهي في موضع نصب، على التفسير للفاعل المضمر في "نعما" والمعنى: نعم شيئًا هي٦.

стр. 43

- "تَرْجِعُونَ فِيهِ" [آية: ٢٨١] : بفتح التاء وكسر الجيم، قرأها أبو عمرو ويعقوب١، وذلك أن المعنى على هذه القراءة: تصيرون إليه، فالفعل فيه لازم، ومثله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ و ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ و ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ٢، والإياب: الرجوع. وقرأ الباقون: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بضم التاء وفتح الجيم٣، والفعلُ على هذا متعد؛ لأن رَجَعَ قد جاء لازمًا ومتعديًا، وهو مبني ههنا على ما لم يسمّ فاعله، وحجته من التنزيل: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ , و ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ ٤، ٥. - "إِنْ تَضِلّ" [آية: ٢٨٢] : بكسر الألف، قرأها حمزة وحده٦، على أنه جعل إِنْ للشرط، و"تضلّ" مجزوما بالشرط، وفتحة لامه هي لالتقاء الساكنين؛ لأنها أخف الحركات، وجَعَل الفاء في قوله: "فَتُذَكّرِ" جواب الشرط, والشرط وجوابه جميعًا موضعهما رفع على هذا؛ لأنهما وصف للمرأتين في قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ . وقرأ الباقون ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ بفتح الألف٧، على إِضمار اللام، والتقدير: لأن تضل إحداهما فتذكر، فتضلّ ههنا منصوب بأَنْ، وقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ عطف على ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ وحقيقة معنى لام العلة إِنما هو في التذكير لا في الضلال؛ لأن الضلال هو

стр. 44

سبب الإذكار، والمعنى: لأجل أنها إِذا نسيت إِحداهما الشهادة ذكّرتها الأخرى، والضلال ههنا النسيان١. - "فَتُذَكّرُ" [آية: ٢٨٢] : بتشديد الكاف ورفع الراء، قرأها حمزة وحده٢، وذلك لأنه قرأ: "إِنْ تَضِلّ" بالكسر٣، على الشرط وجعل "فَتُذَكّرِ" جوابه، فيكون مرفوعًا، كما تقول: إِن تضربْ زيدًا فيضربُك بالرفع، أي: فهو يضربك، فيكون موضع الفاء وما دخل عليه جزمًا، والتقدير: إِن تَضِل تُذَكّرْ. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي بتشديد الكاف ونصب الراء٤، على أنه معطوف على ﴿تَضِلَّ﴾ المنصوب بأَنْ. وذَكّرَ في هاتين القراءتين معدّى بالتضعيف، وهو أكثر من المنقول بالهمزة في هذه الكلمة، يقال: ذَكَرَ فلانٌ الشيء, فذكَّرته إِياهُ بالتشديد.

стр. 45

٤- قراءات يحتملها الرسم صحيحة في اللغة, ولكن لم يقرأ بها: ثم أترك هذه المناقشة إلى أدلة أخرى تلقم المعاندين الحجر، وتقيم الحجة بأن القراءة سنّة متبعة، جرت على الرواية والأثر، وأغلب هذه الأدلة قراءات يحتملها الرسم، كما أنها صحيحة في اللغة، نطق بها العرب، وجرت على ألسنتهم في نثرهم، ولكنها مع ذلك لم يقرأ بها؛ لأنها لم ترد، ولم يكن لها سند صحيح يعتدّ به من نقل أو رواية. فأولًا: أننا نجد حرفًا يتكرر في القرآن الكريم برسم واحد لا يختلف السور التي ورد فيها، ومع ذلك نجد القرّاء يختلفون في قراءته في بعض المواضع, ويتفقون فيها على البعض الآخر, فلو كان رسم المصحف سببًا من أسباب الاختلاف ما كان اتفاقهم على: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ١ و ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ٢ من المِلْك لا من المُلْك على حين يختلفون في ﴿مَالِكِ ٣ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فتقرأ بإثبات الألف وإِسقاطها٤، مع أن رسم الكلمات: مالك يوم الدين، ومالك الملك٥، وملك الناس في المصحف, واحد غير مختلف. وقد تكرر ذلك في القرآن الكريم, وقراءات القراء في كثرة ظاهرة: فهم يختلفون في إِفراد الريح وجمعه في مواضع أشارت إليها كتب القراءات٦، كما أشارت إِلى أن حمزة يفرد الريح في كل المواضع إلاّ التي في الفرقان، والكسائي إلا في الحجر، ونافعًا يجمع الجميع، والعربيين: "أبا عمرو وابن عامر" إِلا في إِبراهيم والشورى، وابن كثير في البقرة، والحجر، والكهف، والشريعة٧ مع أن الرسم واحد في الجميع، ولم يقع الخلف٨ إِلا في الحجر.

стр. 46

كما اختلفوا في: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ و ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ , فقرئ: يبشرك من البشر وهو البشرى والبشارة، كما قرئت من الإبشار، ومن التبشير في سبحان، والكهف، والتوبة، ومريم، والشورى، واتفقوا على تشديد ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ في الحجر١. ثم انظر اختلافهم في السُّوء في التوبة والفتح, واتفاقهم على الفتح في مواضع. واختلفوا في ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ "سورة النحل" وفي "المؤمنون" بالنون وفتحها وضمها، واتفقوا على ضم حرف الفرقان: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ . وفي اللغة: خطِف يخطَف، وخطَف يخطِف، ولكن "القراء لم يقرءوا إلاّ ﴿يَخْطَفُ﴾ ، وخطِف مثل علم. قال أبو علي الفارسي: ولا نعلم أحدًا قرأ إلاّ الأخرى"٢. فهل كانوا يتفقون ويختلفون, متبعين في ذلك الرسم؟ إن كان ذلك فالرسم واحد، واتحاد الرسم يدعو -في رأي "جولدتسيهر"- إلى اختلافهم في جميع الوارد من هذا الحرف, يقرءون بكل ما يحتمله الرسم ما دام المعنى صحيحًا دون أن يتفقوا في بعض منه, أما وقد اتفقوا على بعض منه مجمعين, فليس من تفسير لذلك إلا أنهم كانوا للرواية والأثر متبعين. وثانيًا: وهناك ما هو أشد اتصالًا بالأثر، وأقوى احتجاجًا بأن القراءة سنّة: ذلك ما تجوِّز اللغة والصناعة النحوية نطقه بأوجه مختلفة، ومع هذا لم يقرأ القراء إلا بوجه واحد من هذه الوجوه. جاء في البحر المحيط: قال ابن عطية: "أجمع القراء على ضم الميم من ﴿مُكْثٍ﴾ في قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ ٣ مع أن

стр. 47

اللغة تجوز في الميم من مكث: الضم والفتح والكسر"١، ولم يقرأ واحد من القراء الأربعة عشر إلا ﴿مُكْثٍ﴾ بضم الميم٢. ويروي الزجاج ما تجوزه اللغة في قوله تعالى: ﴿صَدُقَتِهِنَّ﴾ ، واعبدا الطاغوت، وما قرئ به من هذه اللغات الجائزة؛ اتباعا للرواية٣. ويجوز في الرضاعة فتح الراء وكسرها, ولم يقرأ إلا بالفتح٤. وأهل اللغة يحكون "بزعمهم" مثلثة الزاي, ولم يقرأ إلا بالفتح. فلو كان الأمر كما يقول "جولدتسيهر" من أن إغفال الحركات في الخط العربي كان سببا في الأوجه المختلفة للقراءات لرأينا القراء يقرءون أمثال هذه الكلمات, بما تجوز اللغة فيها من مختلف الحركات!! بل, إن الكسائي نفسه هو الذي روى الكسر في "الرِّضاعة"٥ لغة، ولكنها لم ترد عنه قراءة!!! بل, إن اللغة تجوز في محيض "مجيضا"٦، وخلو الرسم من النقط يحتمل النطق بالكلمة "بوجهيها" إذ كانت مرسومة: "محصا"، ولكن "مجيضا" وإن كانت اللغة تجوزها والرسم يحتملها, لم تجز في القرآن، وإن كان المعنى واحدا، والخط غير مخالف؛ لأن القرآن سنة لا تخالف فيه الرواية عن النبي ﷺ وأصحابه والسلف وقراء الأمصار بما يجوز في النحو واللغة, وما فيه فأفصح مما يجوز، فالاتباع فيه أولى٧. هذه أمثلة فيما هو خاص باللغة.

стр. 48

أما فيما يختص بالصناعة النحوية, فالأمر فيه أوضح وأشهر، ولعله قد أتاك نبأ يحيى بن يعمر وتلحينه الحجاج، وكيف استبشع الحجاج أن يلحنه ابن يعمر في كتاب الله, في وقت كان اللحن فيه هجنة للشريف. إنه لحنه في قراءته: "أحبُّ" بالرفع من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ... أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ ١ مع أن الصناعة النحوية تجيز الرفع٢، ولكن أحدا من القراء الأربعة عشر لم يقرأ به٣. أرأيت كيف جرت القراءة على السنة والرواية؟ وكيف لم يستطع الحجاج على سطوته, وقدرته أن يحيد عنها، أو يحاجّ ابن يعمر بما تجيزه الصناعة النحوية، أو يعتذر من لحنه فيها بما تجيزه العربية, مع وجود المخلص له من هذا اللحن المستهجن القبيح؟! فكيف يقال بعد ذلك: إن القراءات كان السبب الأكبر فيها خلو الرسم من الشكل والنقط, وتغمض الأبصار، ويختم على البصائر؟!! فإن قلت: إن زمن الحجاج ويحيى بن يعمر لم تستحصد فيه الصناعة النحوية، والتأويل الإعرابي، حتى يستطيع أن يحاجّ بما أوردت، فالجواب أن تقرأ ما يقول المازني, وقد جاء الأصمعي يوما وهو في مجلسه فقال الأصمعي: "ما تقول في قول الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ؟ قال المازني: سيبويه يذهب إلى أن الرفع فيه أقوى من النصب في العربية لاشتغال الفعل بالمضمر، وأنه ليس ههنا شيء هو بالفعل أولى، ولكن أبت عامة القراء إلا النصب، فنحن نقرؤها لذلك اتباعا؛ لأن القراءة سنة"٤. على أن خبر الحجاج ويحيى بن يعمر لا يزال قائم الحجة على الذين ينكرون أن القراءة سنة! ثم انظر -في خبر المازني والأصمعي- كيف يخضع الأئمة الأولون لما هو وارد في الأثر، ولو كان مرجوحا من حيث الصنعة؛ اتباعا للرواية، واقتداء بالسنة! وثالثا: بل, إن بعض هؤلاء الأئمة كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية٥، وعلى قياسها ولكنه جانب الأثر في اختياره، فلم توثق قراءته من

стр. 49

أجل ذلك. من هؤلاء عيسى بن عمر البصري الثقفي, صاحب الإكمال والجامع؛ كان الغالب عليه حب النصب إذا وجد لذلك سبيلا منه١، قرأ: "وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا"٢، وقرأ: ﴿الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ﴾ ٣، ولم يقرأ أحد من القراء العشرة٤، بل القراء الأربعة بعدهم, بشيء من ذلك٥. فإن قلت: لقد ضربت مثلا بإمام بصري، فهلا كان ذلك من كوفي؟ فالجواب ما قال الفراء في معاني القرآن -في مواضع كثيرة منه- ولو قرأ قارئ بكذا كان صوابا ... وعلى سبيل المثال ما قال: ولو قرأ قارئ: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ نصبا, كان صوابا إذا جعلت أن وما حرفا واحدا٦، ولم يقرأ به واحد من سبعة ابن مجاهد، ولا الثلاثة الذين بعدهم٧، ولا الأربعة الذين بعد هؤلاء٨. وهنا يجمل أن أورد قول "جولدتسيهر": "من أهم ما تجده من هذا القبيل, يشير إلى اختلاف القراءات فيما أهمل شكله من القرآن: تلك القراءات المختلفة في حروف هذه الكلمة "أن"، وهل هي أَنَّ أو إِنَّ بالتشديد فيما؟ أو هي فقط أَنْ بدون التشديد؟ وفي سورة آل عمران٩ نجد مثالا لذلك يتبين فيه كيف يحاول الفن النحوي أن يجد سبيلا لهذا, أو ذاك"١٠. وقد رجعت إلى هذه الآيات في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١١، ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ ١٢، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١٣، رجعت إلى هذه الآيات، ثم تعرفت على القراءات الأربع عشرة, فما وجدت خلافا بينهم في قراءة

стр. 50

إن الأولى بالكسر في ﴿إِنَّنَا﴾ والثانية بالفتح في ﴿أَنَّهُ﴾ ١، وينفرد الكسائي بفتح همزة أنّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ٢، فلِمَ لا يكون انفراده هذا في ذلك الحرف, متبعا فيه الرواية؟! والدليل على ذلك -مثلا- في قول الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قال الفراء: "قرأه القراء بالكسر، ولو قرئت بفتح أن على معنى: إذ لم يؤمنوا, ولأن لم يؤمنوا, ومن أن لم يؤمنوا لكان صوابا٣، ومع ذلك لم يقرأ واحد من الأربعة عشر بفتح همزة إن, بل اتفق الجميع على أنها مكسورة الهمزة٤. ثم أرجو بعد ذلك أن نرى تأويل المبرد لحركة همزة "إن" في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَت﴾ ٥. ورابعًا: ولو كان الأمر راجعا إلى رسم المصحف, لصحت كل قراءة يحتملها الرسم ما دامت موافقة لوجه من وجوه العربية، ولكن الأمر جرى على غير ذلك. وخامسًا: اختلف القراء في ﴿مُوصٍ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ ٦: فقرئت ﴿مُوصٍ﴾ من أوصى، وقرئت "مُوَصٍّ" من وصّى. وقد يدل ظاهر الأمر على أن هذا الاختلاف مبعثه خلو الخط العربي من الشكل الضابط لنطق الكلمة، ولا أثر للرواية فيه, ولكن الاستيعاب والتعميق ينتهيان بنا إلى أن ذلك أثر من آثار الرواية لا طبيعة الخط, وآية ذلك أن في القرآن. أوصى: وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ ٧, فذلك دليل موصٍ. وفيه كذلك وصّى في قوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ ٨, وذلك دليل مُوَصٍّ.

стр. 51

ومع اختلافهم في حرف ﴿مُوصٍ﴾ على هذا النحو بالتخفيف والتشديد, فإنه لا خلاف بينهم في ﴿يُوصِيكُمُ﴾ بالتخفيف, مع أن الرسم يحتمل التشديد كذلك. وكذلك يقال في: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في لقمان، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في عسق، فمن قرأ بالتشديد حجته قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ١، ومن ترك التشديد حجته قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ٢. هذا فيما هو خاصّ بالضوابط الحركية، أما ما هو خاصّ بالنقط، ففي القرآن كذلك الدليل: روى حفص عن عاصم: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ وحجته في ذلك: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . وقرأ حمزة: "سوف نؤتيهم" بالنون, وحجته قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾ وقوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ٣, فيجب أن تترك الحجة الواهية التي يقول بها "جولدتسيهر" أن الرسم يحتمل التشديد والتخفيف, ويُركَن إلى القول بالرواية، ما دامت -أي: الرواية- قد ورد الدليل عليها صريحا مرويا في أماكن أخرى. وسادسًا: نجد إماما من الأئمة, اشتغل بالنحو فصار فيه مقدما، واشتغل بالقراءات حتى عد من القراء السبعة، ومع ذلك تجده يخالف قارئا٤ مذهبه نحويا٤، وأسوق لذلك مثلين أحدهما لقارئ من نحاة البصرة "كأبي عمرو" والآخر من نحاة الكوفة "كالكسائي"؛ لأوضح ما أقول: قال ابن خالويه: "وأدغم أبو عمرو وحده الراء في اللام: "من يغفر لكم" وما شاكله في القرآن، وهو ضعيف عند البصريين"٥.

стр. 52

أرأيت كيف خالف عمرو النحو البصري في قراءته؟ ألا يفسر ذلك بأنه اتبع الأثر في الإدغام، وما تلقاه في روايته؟! ونرى الكسائي -كذلك- يتخذ موقفين متغايرين كل التغاير: فهو -نحويا١- يرى أن "كلتا" ألفها ألف تثنية٢، ويخالف بذلك البصريين الذين يقولون: إن "كلتا" ألفها ألف تأنيث, وهو يميل "كلتا" قارئا٣. وفي ذلك دليل على أنه خالف مذهبه النحوي٤ في قراءاته؛ لتلقيه عن شيوخه بالسند المتصل٥. وسابعًا: أن القراءة لا تجري على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية٦، ومن هنا قال ابن فيره: "وما لقياس في القراءة مدخل". ولذلك نرى في باب الإمالة -مثلا- قاعدة تنطبق على حروف بأعيانها في القرآن الكريم، فيميل قارئ من القراء بعض هذه الحروف دون البعض الآخر٧، وقد يجتمع في بعض الحروف من أسباب الإمالة ما لا يجتمع في حروف أخرى من جنسها، فيميل بعض القراء ما كان سبب الإمالة فيه ضعيفا، ويترك ما كان السبب فيه قويا٨. وثامنًا: على أنه ربما رجح إمام من الأئمة السبعة جانب الرواية على مرسوم المصحف، فيأخذ بالأولى؛ لأنها ثابتة عنده بالنقل والأخذ عن شيوخه الذين اتصل سندهم بقراءة الرسول؛ ذلك ما روى ورش عن نافع٩: "إنما أنا رسول ربك ليهب لك"١٠، مع أنها مرسومة في المصحف: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ ؛ حدث أبو عمرو الداني عن شيوخه قال: حدثنا أبو عبيدة: "أن المصاحف كلها

стр. 53

اجتمعت على رسم الألف بعد اللام في قوله في مريم: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ ١، وقد قرأها الأئمة ما عدا ورشا في روايته عن نافع: ﴿لِأَهَبَ﴾ ٢، ولكن ورشا رجح جانب الرواية عن شيخه نافع. وقد كان هذا الحرف موضع جدل بين الخليفة المأمون، ويحيى بن أكثم، ومحمد بن أبي محمد مقرئ المأمون٣. وتاسعًا: وآية أن القراءة سنة متبعة كذلك: اختلاف الراويين فيما يرويان عن إمام واحد، أحدهما -في باب كالإمالة مثلا- يقرأ بها في كثرة ظاهرة، والآخر يروي الإمالة عن شيخه في قلة نادرة، ذلك عند راويي عاصم: أبي بكر، وحفص، وراويي نافع: قالون، وورش٤, حتى إن حفصا لم يمل من جميع القرآن إلا "مجريها" فقط٥. أكان ذلك مبعثه الهوى أو أثارة من رأي أو نظر؟ أم كان الداعي إليه الرواية والأثر؟ وهل اقتصار حفص على إمالة هذا الحرف فقط مبعثه الرسم؟ لا! إذ لا ينفرد رسم هذا الحرف بما يدل على إفراده بالإمالة حتى يقرأه حفص -دون غيره- مميلا له. وعاشرًا: ومما يدل على أن القراءة سنة، وينفي أن الرسم وخاصية الخط العربي سبب اختلاف القراء ما نجده من اختلاف القراء في الواحد -ذي الرسم المتحد- مع اختلاف المواضع, كقراءة أبي جعفر "يُحزِن" بضم الياء وكسر الزاي في الأنبياء فقط٦، وفتح الياء وضم الزاي في باقي القرآن٧، وقراءة نافع ممكنة في جميع القرآن بضم الياء وكسر الزاي٨ إلا في الأنبياء, فإنه فتح الياء وضم الزاي٩. وأستشهد في هذا المقام بما أورد المقدسي في كتابه: "أحسن التقاسيم"، فقد رجّح قراءة ابن عامر لأسباب ذكرها، وذكر من بين هذه الأسباب أنه رأى

стр. 54

قراءة ابن عامر قياسية: إذا استعمل التاء والتثقيل في موضع أجراه في جميع النظائر، وغيره يقول: "في سورة كذا بالثاء، وفي سورة كذا بالياء، وفي موضع سِدًّا، وموضع آخر سُدًّا، وخراجا وخَرجا، وكُرها وكَرها ... "؛ ثم قال: "فإن قال خصم: أوليس قد ناقض ابن عامر في غير موضع؟ أجبناه: لو لم يناقض لزهدنا في قراءته، وظننا به الظنون؛ لأن القراءة لا تؤخذ بالقياس به، فلما ناقض علمنا أنه متبع وناقل، إلا أن نقله وافق القياس"١. واقرأ بعد ذلك ما أورده مكي بن أبي طالب حموش القيسي في كتابه الإبانة, وفيه دليل على أن اختلاف القراء فيما يحتمله خط المصحف ليس مرجعه أن الرسم غفل من النقط؛ وإنما مرجع الاختلاف النقل عن الرسول والصحابة، قال: "فإن سأل سائل فقال: ما السبب الذي أوجب أن تختلف القراءة فيما يحتمله خط المصحف، فقرءوا بألفاظ مختلفة في السمع, والمعنى واحد نحو: جُذوة وجِذوة وجَذوة؟ وقرءوا بألفاظ مختلفة في السمع, وفي المعنى نحو: يسيركم وينشركم؟ وكل ذلك لا يخالف الخط في رأي العين؟ فالجواب عن ذلك: أن الصحابة ﵃ كان قد تعارف بينهم من عهد النبي ﷺ ترك الإنكار على من خالفت قراءته قراءة الآخر؛ لقول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف, فاقرءوا بما شئتم". وبقوله: "نزل القرآن على سبعة أحرف, كلٌّ شافٍ كافٍ"، ولإنكاره ﷺ على من تمارى في القرآن -والأحاديث في ذلك كثيرة- فكان كل واحد منهم يقرأ كما علم، وإن خالف قراءة صاحبه لقوله, ﷺ : "اقرءوا كما علمتم" ٢.

стр. 55

هذا, والمطّلع على كتب القراءات في تسلسل النقل, وفي طرقه يجد مثلا أعلى من إحكام الضبط, والتدقيق البالغ غايته في شتى النواحي المتصلة بالقرآن الكريم, وكلماته، وآياته، وطرق أدائه؛ ويكفي أن تقرأ الأسانيد المختلفة التي أوردها ابن مجاهد في كتابه المترجم بالقراءات، أو التي أوردها الداني في الموضح, مع أنه مؤلف في جانب صوتي محض, هو الإمالة، أو البحوث الأولى في كتاب النشر لابن الجزري١، أو ما أورده الباب الرابع من منجد المقرئين في سرد مشاهير من قرأ بالعشرة، وأقرأ بها في الأمصار إلى الزمن الذي عاش فيه١, يكفي أن يقرأ بعض هذا ليعلم حرص المسلمين على كتاب الله أن يعتوره تحريف، أو يبعده عن النقل بالسند الصحيح، أو يجعل قراءاته المختلفة تبعا للرسم الخالي من النقط والحركات.

стр. 56

خاتمة: وأرجو -بعد هذه الأدلة على أن القراءة سنة- أرجو أن يُقرأ هذا النصان: النص الأول: وهو صريح بأن القراءة سنة يرجع فيها إلى السماع من الشيوخ، والرواية، فقد ورد في النص الآتي كلمتان متفقتان في الرسم، ولكنهما مختلفتان في النطق، هاتان الكلمتان هما نركبا ونركبا هكذا من غير نقط ولا شكل كما وردتا في المصحف العثماني، في قصة إبراهيم "﵇" سورة الصافات: الأولى رقم ١١٣ والأخرى رقم ١٠٨ وصورتهما في مصحف عثمان واحدة كما بينا. وإليك بقية الحديث عن هاتين الكلمتين المتفقتين في الصورة, المختلفتين في القراءة: حدث ابن أخي الأصمعي -عبد الرحمن, وكان ثقة فيما يرويه عن عمه, وعن غيره- قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ في موضع ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ في موضع، أيعرف هذا؟ فقال: ما يعرف إلا أن يسمع من المشايخ الأولين١! وقال أبو عمرو بن العلاء: "إنما نحن فيمن مضى كبَقْل في أصول نخل طوال". أما النص الآخر, وهو دليل يوضح بجلاء ألا علاقة بين نشأة القراءات وخلوّ المصحف العثماني من الضبط, وأن الأصل والأساس الرواية والسماع من الشيوخ الضابطين "عليهم جميعا رحمة الله". جاء في جمال القراء وكمال الإقراء لعَلَم الدين السخاوي ت ٦٤٣هـ ما نصه٢: قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: من يقول: "مُرْية"؟ قال: "بنو تميم".

стр. 57

قلتُ, والقائل الأصمعي: أيهما أكثر في العرب؟ قال: مُرْية. قلت: فلأي شيء قرأتَ: ﴿مِرْيَةٍ﴾ ؟ قال: كذلك "أُقْرِئتها هناك" يعني: على شيوخ الحجاز١, وإمامهم ابن كثير المكي. وكان أبو عمرو قد قرأ عليه٢؛ فقد ولد بمكة، ونشأ بالبصرة، ومات ﵀ بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة٣. وبهذه النصوص وما أمثالها -وما أوردته كل من كثر، وغيض من فيض- يسقط كلام جولدتسيهر. ولله الحجة البالغة.

стр. 58

٥- في القراءات المتخالفة بلاغة: لو أمعنت النظر لوجدت أن في القراءات المتخالفة نواحي من السمو في البلاغة، ألا ترى مثلا اختلاف القراءة في قوله تعالى: "بِكُلّ سَحِرٍ" في الأعراف وفي يونس، وقد رسمت فيها بغير ألف١, فقرأ حمزة والكسائي وخلف: "سحَّار" على وزن فعّال في الموضعين، وقرأ الباقون في السورتين: ﴿سَاحِرٍ﴾ على وزن فاعل٢، واتفقوا على حرف الشعراء أنه ﴿سَحَّارٍ﴾ ٣ -رسمت الألف بعد الحاء في الشعراء- واختلافهم في الأعراف ويونس، واتفاقهم على التي في الشعر أمر يقتضيه المقام -دع ما يشير إليه الرسم-؛ لأنه في الشعراء جواب لقول فرعون فيما استشارهم فيه من أمر موسى بعد قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فأجابوه بما هو أبلغ من قوله رعاية لمراده، بخلاف التي في الأعراف، فإن ذلك جواب لقولهم، فتناسب اللفظان. وأما التي في يونس, فهي أيضا جواب من فرعون لهم حيث قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فرفع مقامه عن المبالغة٤. وللأستاذ المرحوم مصطفى صادق الرافعي رأي يشبه ذلك، وهو ما ألحقه بمعاني الإعجاز؛ إذ تكون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم، أو تحقيق معنى من معاني الشريعة؛ ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد. وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم، ثم هو ما لا يستطيعه لغوي أو بياني في تصوير خيال, فضلا عن تقرير شريعة٥، وهيهات أن يكون شيء من ذلك إذا كانت القراءات تابعة لخاصية الخط العربي في خلوه من النقط والشكل!! أكان الاختلاف من أجل الرسم يتضمن هذه البلاغة حين يتفقون وحين يختلفون؟! فكيف نسلك سبيل المتحاملين على الإسلام، ونشايعهم في آرائهم من غير تدقيق في النظر, أو إحكام؟

стр. 59

وبعد, فأشهد الله أني كتبت هذا الفصل غير مدفوع بعقيدة تسيطر على البحث، أو توجه في التأويل، ولكني تجردت وشككت حتى وصلت إلى وجه الحق واليقين، وانتهيت كما ترى إلى أن هذا القرآن الكريم -بقراءاته الصحيحة- كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

стр. 60

٦- رسم المصحف وموقف قدامى النحويين والقراء منه: وقف القدامى من المحتجين للقراءات -نحويين وقراء- من رسم المصحف مواقف مختلفات، فمنهم من ينظر إليه، ويستعين به، ويعتمد عليه، ويمنحه فضل اهتمام في الاحتجاج والتعليل، وهؤلاء -في الأعم الأغلب- هم القراء، ويمثلون مدرسة الأثر ... ومنهم من لا يعتمد عليه، سالكا سبيل أهل الرأي في الاحتجاج والتخريج، وهؤلاء هم فريق من النحاة ... ويمثلون مدرسة القياس والنظر، وفيما لي بيان لمواقف هؤلاء من الاحتجاج برسم المصحف: أما سيبويه "١٨٠هـ" فكان يحتجّ لبعض الأوجه الإعرابية في القراءات بما هو مرسوم في بعض المصاحف؛ ففي حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ١: زعم هارون أنها في بعض المصاحف: "ودوا لو تدهن فيدهنوا"٢، وقد أوردها Jeffry في مصحف ابن مسعود٣، ووجدها كذلك٤، وكذلك وردت في مصحف أُبي، والأعمش٥. وذكر سيبويه قول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٦ ثم قال: وزعموا أنها في مصحف أُبي: "أنهم لا يقدرون"٧، وقد ذكرها جفري في كتاب المصاحف بكسر الهمزة, وهو خطأ٨.وسيبويه باستشهاده بما جاء في المصاحف على هذا النحو يقرب من أهل النقل والأثر، وهي ظاهرة لو انضمت إلى قوله: "والقراءة لا تخالف؛ لأنها

стр. 61

سنة"١, فإن ذلك يجعلني أضع سيبويه مع مدرسة القراء الذين يأخذون بالنقل عن الأئمة، ويعتدون برسم المصحف، ولكن ما جاء في كتابه من اعتداد بالقياس وتضعيف بعض الأئمة القراء, يدفعني إلى القول بأنه كان مترددًا بين المذهبين، وهو إلى مذهب القياس ومدرسته أقرب؛ ذلك لأن الملاك العام في احتجاجه للقراءات أنه أراد أن يجريها على مقاييس العربية, ومن هنا رأينا أنه لا يتحرج أن يصف كلا من القارئ والقراء بالضعف٢؛ لأنهما لم يتفقا مع ما انتهى إليه من قياس. فإذا ما انتقلت إلى الفراء "٢٠٧ هـ" وجدته يتخذ موقفًا من رسم المصحف، والاعتماد عليه في الاحتجاج, ألخص معالمه الكبرى في النقاط الآتية: أ- فهو حينًا يعلل محتجًّا لرسم كتاب المصاحف ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من غير ألف، ورسم ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ بألف٣. ب- وقد تكون القراءة صحيحة خالفت رسم المصحف المخالفة الجائزة, على النحو الذي بينه في هذا البحث، فيحتج لها الفراء٤. جـ- وقد يرتضي القراءة الشاذة التي تجوزها العربية، وإن كانت مخالفة للرسم٥. د- وقد ينفي شهوته "كذا" قراءة صحيحة؛ لأنها مخالفة للرسم٦. هـ- ورأيته يحتج لرجوع الكسائي عن قراءة إلى أخرى بموافقتها قراءة العامة، والكتاب٧. وهكذا نرى الفراء لا يخضع لاتجاه معين، أو نظرة إلى رسم المصحف مطردة؛ فهو حينًا يرتضي ما يخالف الرسم، وأحيانًا يشير إلى موافقة الكتاب فيحتج برسمه. على أن الاتجاه -في أغلبه- يدل على أنه معتد بالرسم إذا

стр. 62

وجد له وجهًا من كلام العرب١، وذلك يجعله بين أهل الأثر، ويبعده عن أصحاب القياس والنظر. وقد رأيت أبا جعفر الطبري "ت ٣١٠هـ" يروي في كتابه: جامع البيان في تفسير القرآن, القراءات المختلفة مسندة إلى من قرأها، يستجيز منها بعضًا فيرجحه، ولا يستجيز بعضًا فيفسده، كما رأيته يتخذ من وسائل الترجيح رسم المصحف, ويقول: "ليس لأحد خلاف رسوم مصاحف المسلمين"٢. وفي الاحتجاج لقراءة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ ٣ يقول: "وعلى هذه القراءة قراءة الأمصار، وبه رسوم مصاحفهم، وبه نقرأ؛ لإجماع الحجة من القراء عليه، ووفاقه خط مصاحف المسلمين"٤. والرسم عند أبي إسحاق الزجاجي "ت ٣١١هـ" لا يخالف، ويتخذه الزجاج حجة في تحذير القارئ أن يقرأ بما يخالفه، ويحتج الزجاج برسم المصحف في اللغويات، والإعراب، والصرفيات. وإليك مثالًا لكل واحدة من هذه٥: قال في الاحتجاج برسم المصحف في اللغويات: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أي: سكنت قلوبكم، ويقال: اطمأن الشيء إذا سكن، وطمأنته إذا سكنته، وقد روي: اطبأن -بالباء- ولكن لا تقرأ بها؛ لأن المصحف لا يخالف البتة. ويقول محتجا برسم المصحف في الإعراب: وأما رفع ﴿يُؤْتُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ فعلى الرفع: فلا يؤتون الناس نقيرًا إذًا، ومن نصب فقال: فإذا لا يؤتوا الناس جاز ذلك في غير القراءة، فأما المصحف فلا يخالف. تعليق: قرأ بالنصب ابن مسعود٦. وأما تحذيره القارئ أن يقرأ بما يخالف الرسم فيما يتعلق بالصرفيات, فذلك

стр. 63

قوله: "وأما من يرتدد فهو الأصل؛ لأن التضعيف إذا سكن الثاني من المضاعفين ظهر التضعيف نحو قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ ولو قرئت: "إن يمسّكم قرح" كان صوابًا، ولكن لا تقرأن به لمخالفة المصحف، ولأن القراءة سنة". ويمثل أبو بكر بن مجاهد "ت ٣٢٤هـ" مدرسة الأثر تمثيلًا خالصًا، فهو في كتاب القراءات يحتج بما حدّث به الشيوخ مسندًا إلى الإمام القارئ، كما يحتج برسم المصحف. وفي الاحتجاج بالرسم يقول: "قرأ ابن عامر وحده: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام"١. ومن أجل تمسك ابن مجاهد بالإسناد عن شيوخه، ورسم المصحف في الاحتجاج, دفع الوزير ابن مقلة إلى تعذيب ابن مقسم الذي خالف في قراءته الأساس الأول؛ إذ كان يقول: إن كل قراءة وافقت المصحف؛ ووجهًا في العربية, فالقراءة بها جائزة، وإن لم يكن لها سند٢، كما عذب ابن شنبوذ الذي كان يقرأ معتمدًا على السند، وموافقة العربية، وإن خالف المصحف الإمام٣. وكان ابن خالويه "ت ٣٧٠هـ" مولعًا بالاحتجاج برسم المصحف, متعبدًا بما رسم الكاتبون في السواد -على حد تعبيره- وقربه ذلك من مسلك أهل الأثر، وفيما يلي أمثلة مختلفات تجلي ما كان لابن خالويه من اتجاه: أ- قال ابن خالويه: "قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ قرأه حمزة بإشباع فتح الشين، ووقفه على الياء قبل الهمزة، وكذلك يفعل بكل حرف سكن قبل الهمزة، والحجة له في ذلك أنه أراد صحة اللفظ بالهمزة وتحقيقها على أصلها، فجعلها كالمبتدأ، وسهل ذلك عليها أنها في حرف عبد الله مكتوبة في السواد شاي بالألف ... "٤ وقد رسمت كذلك في مصحفه حيثما وردت في القرآن الكريم٥.

стр. 64

ب- وقال في الاحتجاج لمن قرأ: ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾ بالإظهار: "أتى بالكلمة على أصلها، واغتنم الثواب على كل حرف منها"١. جـ- وقال: "قوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ تقرأ: "هزؤًا"، و"كفؤًا" بالضم والهمز، و"جزءًا" بإسكان الزاي والهمز، والحجة في ذلك اتباع الخط؛ لأن هزؤا وكفؤا٢ في المصحف مكتوبان بالواو، وجزءًا بغير واو، فاتبعوا في القراءة تأدية الخط". د- وقال: "قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يقرأ وما شاكله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ ، ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ ، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ٣ بإثبات الهاء، وطرحها في الإدراج. فالحجة لمن أثبتها أنه اتبع الخط فأدى ما تضمنه السواد، والحجة لمن طرحها أنه إنما أثبت لتبين بها حركة ما قبلها في الوقف، فلما اتصل الكلام صار عوضًا منها، وميزانها في آخر الكلام كألف الوصل في أوله. وكان بعض القراء يتعمد الوقوف على الهاء؛ ليجمع بذلك موافقة الخط، وتأدية اللفظ ... "٤. فإذا ما أردنا أن نعرف رأي الفارسي "٣٧٧هـ"، واحتجاجه في هذا الحرف: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ , رأيناه يقول ما يفهم منه أنه لا يذهب مذهب ابن خالويه في الاحتجاج برسم المصحف؛ بل يحكم القياس والنظر، وذلك حيث يقول: "فأما قراءة ابن كثير، ونافع، وابن عمرو، وعاصم، وابن عامر, هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ... وما شاكله" فبأن ذلك مستقيم في قياس العربية في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ ، وذلك أنهم يجعلون اللام في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ الهاء، فإذا وقفوا, وقفوا على اللام، وإذا وصلوا, كان بمنزلة: لم يتقه زيد, ولم يجبه عمر ... " ثم قال أبو علي: قال أحمد بن موسى: "لم يختلفوا في: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ ، و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ أنها بالهاء في الوصل، فاتفاقهم في هذا دلالة على تشبيههم ذلك بالقوافي، وذلك أنه لا يخلو

стр. 65

من أن يكون لهذا والتشبيه، أو لأنهم راعوا إثباتها في المصحف، فلا يجوز أن يكون لهذا الوجه؛ ألا ترى أن تاءات التأنيث أو عامتها قد أثبتت في المصحف هاءات؛ لأن الكتابة على أن كل حرف منفصل من الآخر، وموقوف عليه، فلو كان ذلك للخط لوجب أن يجعل تاءات التأنيث في الدرج هاءات لكتابتهم إياها هاءات، ولوجب في نحو قوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١ أن يكون في الدرج بالألف؛ لأن الكتابة بالألف، فإذا لم يجز هذا علمت أن الكتابة ليست معتبرة في الوقف على هذه الهاءات، وإذا لم تكن معتبرة علمت أنه للتشبيه بالقوافي"٢. وهكذا نرى مسلكين متخالفين: ابن خالويه يعتد اعتدادًا شديدًا برسم المصحف، وأبو علي الفارسي يحكم القياس في الاحتجاج، ولا يرى أن يأخذ برسم المصحف فيه غالبًا. وقد رأيت علي بن عيسى الرماني "٣٨٤هـ" في كتابه معاني الحروف, يعتد برسم المصحف، حتى إنه قال في ردّ رواية قنبل عن ابن كثير: "لأقسم" على أن اللام لام القسم, وهذه القراءة فيها نظر من وجهين: أحدهما: حذف الألف التي بعد "لا" وهي في الإمام ثابتة. والثاني: حذف النون التي تصحب لام القسم٣. وابن جني "ت ٣٩٢هـ" يستشهد برسم المصحف، ويعتمد عليه إذا أيد الرسم ما يذهب إليه، وإذا كان رسم المصحف متفقًا هو وسنن العربية، ولا يخالف أصلًا من أصولها: أ- ذلك ما رواه ابن مجاهد عن ابن عباس في مصحف ابن مسعود: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا﴾ ٤، وفيه: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 66

اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ١، وفيه: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا﴾ ٢. قال أبو الفتح: "في هذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدر في نحو هذه الأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه، دون أن يكون القول مقدرًا معه، وذلك كقول الشاعر: رجلان من ضبة أخبرانا ... أنا رأينا رجلًا عريانا فهو عندنا نحن على "قالا"، وعلى قولهم: "لا إضمار قول هناك؛ لكنه لما كان أخبرانا في معنى "قالا لنا" كأنه قال: "قالا لنا"، فأما على إضمار قالا في الحقيقة فلا، وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما يقدره من القول، فصار قاطعًا على أنه مراد فيما يجري مجراه"٣. ونراه هنا يخرج القراءة على ما يذهب إليه البصريون من تقدير القول في نحو هذه الآيات، ويجعل دليله في تخريجه، وتأييد مذهبه النحوي ما رواه ابن مجاهد في مصحف ابن مسعود. ب- كذلك استعان ابن جني في الاحتجاج لقراءة: "تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ"٤، وأولها معتمدًا على ما جاء في مصحف عبد الله٥. جـ- ثم نراه لا يلتفت إلى الدليل الذي استشهد به يحيى بن الحارث في قراءته: "لنظر كيف تعلمون" بنون واحدة. قال ابن شعيب: "فقلت له: ما سمعت أحدًا يقرؤها" قال يحيى: هذا رأينا في الإمام مصحف عثمان، قال أبو الفتح: ظاهر هذا أنه أدغم نون "ننظر" في الظاء، وهذا لا يعرف في اللغة. ويشبه أن تكون أن مخفاة، فظنها القراء مدغمة على عادتهم في تحصيل كثير من الإخفاء إلى أن يظنوه مدغمًا"٦.

стр. 67

أما مكي بن أبي طالب "٤٣٧هـ" في كتابه الكشف، وأبو عمرو عثمان بن سعيد الداني "٤٤٤هـ" في الموضح، فقد كانت العبارة التي تتردد في كتابيهما حتى اتخذت ما يشبه النماذج التعبيرية: "هذا مع اتباعه -أي القارئ الذي يحتج له- رسم المصحف، أو نحو ذلك١، وهذا ظاهر عند الداني في الاحتجاج لمذاهب القراء في ذوات الياء من الأسماء والأفعال، مما هو مرسوم في المصحف بالياء"٢، وسأناقش رأيه بعد حين. هذه أمثلة لمواقف بعض النحاة, والقراء من رسم المصحف والاحتجاج به، والملاك العام عندي في هذا الأمر: "أن القراءة سنة؛ فما خالف منها ظاهر الخط فلا سبيل إلا إلى القراءة به, مرجحين جانب النقل والرواية، وما وافق منها الرسم فذلك نور على نور". وذلك ما يشير إليه أبو شامة "٦٦٥هـ" حيث يقول: "القراءة نقل، فما وافق منها ظاهر الخط كان أقوى، وليس اتباع الخط بمجرده واجبًا ما لم يعضده نقل، فإن وافق فبها ونعمت"٣. ومن ذلك ما ذكره الداني عن شيوخه, عن عاصم الجحدري قال: "في الإمام مصحف عثمان بن عفان في الحج: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بالألف٤، والتي في الملائك٥: "ولؤلؤٍ" خفض بغير ألف"٦. قال الشيخ السخاوي: وهذا الموضع أول دليل على اتباع النقل في القراءة؛ لأنهم لو اتبعوا الخط، وكانت القراءة إنما هي مستندة إليه, لقرءوا هنا -أي: في سورة الحج- بألف: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وفي فاطر بالخفض: "جنات عدن يدخلونها فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ"٧.

стр. 68

قال أبو عبيد: "لولا كراهة لخلاف الناس, لكان اتباع الخط أحب إلي فيكون في الحج بالنصب، وفي فاطر بالخفض، فإنه رسم بالألف في الحج خاصة دون فاطر"١. يقول ذلك أبو عبيد، ولكنه لم يقرأ به متبعًا النقل لا الرسم

стр. 69

٧- تقويم آراء القدماء من النحويين والقراء: وإذا وصلت إلى تقويم آراء القدامى أقول: أما سيبويه فقد كان على حق؛ لأنه حين احتج بمصحف ابن مسعود١، ومصحف أُبي مثلًا٢, احتج بما هو جائز في العربية، موثق بالأسانيد، وإن خالف رسم المصحف الإمام، ويكفي لتجويز إعراب ما أن تستشهد بما في مرسوم المصاحف التي كانت قبل المصحف الإمام؛ إذ كانت كما قلت موثقة الإسناد، ولكن لا يقرأ بها لمخالفتها المصحف المجمع عليه. ومسلك سيبويه يبدو طبيعيًّا؛ إذ كانت صفته الأولى والباقية على الدهر أنه نحوي ينظر إلى المصاحف على عمومها، محتجًّا بما جاء في مرسومها، غير متقيد بمصحف الإمام؛ ما دامت المصاحف الأخرى كافية على الاحتجاج على المذاهب الإعرابية في فنون الكلام. وصحيح من الفراء, والزجاج أن يرفض كل مخالفة رسم المصحف فيما يتعلق بنقص٣ أو تبديل٤..... من مرسوم المصحف الإمام, فهذه هي المخالفة المردودة على ما انتهت إليه من قريب. أما القراءات التي يحتملها الرسم العثماني وكانت ترجع في أساسها الأول إلى السنة على النحو الذي فصلت في قول الزجاج بالأثر, فلا داعي لإقحام الاحتجاج برسم المصحف فيها، فالنص على ذلك أمر لا ضرورة له، وأرجو أن ترجعوا إلى تفسير ذلكم في مكانه من هذا البحث. وأقول لابن خالويه من حيث مسلكه في الاحتجاج مثل ما قلت للزجاج، وأزيد أن ابن خالويه بالغ في أن جعل ثواب الله أكبر بقراءة الإظهار في قوله

стр. 70

تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُم ... ﴾ فإن كرم الله لن يضيق بثوابه على القارئين لكتابه، المتعبدين بما به، ولن يكون ضيقًا حرجًا بالإدغام، وواسعًا عفوًا بالإظهار! فثواب التلاوة ثابت في كلتا الحالين بقدر ما تخشع القلوب، وتلين الجلود!! أما أبو علي الفارسي, فقد أراد أن يحتج للقراءات بطريق القياس والنظر، فبعُد بذلك عن القول بالنقل والأثر، ولم يقل بأن القراءة سنة إلا حين لا يستطيع أن يجري مقاييس العربية، على قراءة من القراءات المروية. وقد سلك هذا المسلك؛ لأنه نصب نفسه للدفاع عن كتاب الله في عصر تغشاه الإلحاد، وتفشاه الكيد للإسلام، فكان عليه أن يدافع عن القرآن بالحجج التي يحتج بها أعداؤه: بالقياس والنظر. وأرجو أن يكون مفهومًا -وهذه عقيدة الفارسي- أنه لا يقول برسم المصحف ركنًا من أركان القراءة الصحيحة، ولكنه ترك جانب الأثر إلى غيره من الجوانب التي دعته إليها دواعي العصر الذي كان يعيش فيه. والأمر مع الداني -ومن تأسى به كابن القاصح-١ حيث جعل من أسباب الإمالة أن تكون الألف رسمت بالباء, وإن كان أصلها الواو يحتاج في تقويمه إلى كلام مفصل طويل، ولكني أوثر جانب الإيجاز٢. وأختصر المعالم الكبرى للرأي في ذلك فأقول: لا علاقة بين الإمالة ورسم المصحف، وأدعم ذلك: أ- بالرسم العثماني. ب- وبالأثر المروي. جـ- وبما ورد في أوراق البردي المحفوظة بدار الكتب, والمخطوطة في القرن الرابع الهجري.

стр. 71

أما فيما يتعلق بالرسم العثماني, فقد تجد كلمات: أ- رسُمت بالألف, وأُميلت مثل: ﴿الْأَقْصَى﴾ و ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ و"طغى الماء". ب- وأخرى كُتبت بالواو وأميلت, وذلك ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ . جـ- وحرف ﴿مَا زَكَى﴾ كتب بالياء، ومع ذلك لم يمل على خلاف ما يشير إليه رسم المصحف. د- و ﴿لَدَى﴾ رسمت بالألف في يوسف، وبالياء في غافر، وكان اتباعًا لرسم المصحف ألا يمال في الأولى، ويمال في الأخرى، ولكنه لم يمل في كليهما. هـ- وقد وقعت الإمالة في ذوات الراء، وفي الكلمات التي تنتهي بتاء التأنيث عند الوقف، ولم يكن في رسمها ما يدل على الإمالة. أما ما يكون من طبيعة الكتاب, فثابت من خطئهم في هذا الباب, حيث يضعون الألف مكان الياء وبالعكس، وأن الصحابة -عليهم الرضوان- لم يكونوا من المجودين في هذا الباب، وقد هديت إلى مصحف كوفي قديم في محفوظات دار الكتب خلا خطه من النقط, والشكل مما يدل على أنه مكتوب قبل أبي الأسود الدؤلي -أو على الأقل- بالطريقة التي كانت في عهد عثمان ﵁ وظفرت بعلى وردت ثلاث مرات في صفحتين متقابلتين كتبت إحداها بالألف١.

стр. 72

والصفحة اليمنى مكتوب فيها قول الله تعالى: ١- خوضهم يلعبون ٢- هذا كتاب أنز ٣- لناه مبارك مصدق ٤- لذي بين يديه ٥- لتنذر أم القرى ٦- ومن حولها والذ ٧- ين يؤمنون بالآخرة ٨- يؤمنون به وهم على ٩- صلاتهم يحافظون ١٠- ومن أظلم ممن ١١- فترى على الله كذ ١٢- بًا أو قال أوحي والصفحة اليسرى مكتوب فيها: ١- إلي ولم يوح ٢- إليه شيء ومن قال ٣- سأنزل مثلما أنزل ٤- الله ولو ترى إ ٥- ذ الظالمون في ٦- غمرات الموت ٧- والملائكة باسطو ٨- أيديهم أخرجوا ٩- أنفسكم اليوم ١٠- تجزون عذاب ١١- الهون بما كنتم تقو ١٢- لون على الله غير

стр. 73

هذا, وتعليل الداني إخلاص أبي عمرو وفتح بشراي بقوله: "لما رسمت في المصحف ألفا, أخلص أبو عمرو فتحه؛ اتباعًا للرسم؛ حتى لا تجتمع ياءان", هذا التعليل مردود بإمالة أبي عمرو نفسه: ﴿الْعُلْيَا﴾ ، و ﴿الدُّنْيَا﴾ ، و ﴿الرُّؤْيَا﴾ ، و ﴿رُؤْيَاكَ﴾ ، و ﴿رُؤْيَايَ﴾ ، و ﴿الْحَوَايَا﴾ ، ﴿وَمَحْيَايَ﴾ ، و ﴿هُدَايَ﴾ مع أن كلا منها مرسومة في المصحف بالألف وبإمالتها تجتمع ياءان. وأنتهي بعد هذه المعالم إلى القول بأن ما بين الإمالة والخط من توافق أساسه أن كلا منهما يراعى فيه الرجوع بالألف إلى الياء أو أنها ناشئة من الياء؛ لكن هذا التوافق بين الإمالة والخط ليس بدائم؛ لأن للإمالة أسبابًا أساسها التلقي والرواية، وأن الذين ربطوا بين الإمالة والخط -كالداني, وابن القاصح- لحظوا فقط كثرة التوافق، وجروا وراء القول بالرسم من غير أن يدققوا أو يتعمقوا.

стр. 74

٨- الاختيار عند القراء: وإذ انتهيت هنا في الرد على "جولدتسيهر" إلى أن القراءة أساسها التلقي والرواية, أود أن أشير إلى موضوع اختيار القراء وهو يتصل بسنية القراءة، والقول بالأثر فيها ذلك هو موضع "الاختيار عند القراء". فقد كان لعبد الله بن قيس التابعي المشهور "مات بعد ٨٠هـ" اختيار في القراءة١. وشيبة كان يقول: "انظر ما يقرأ أبو عمرو "١٥٤هـ" مما يختار لنفسه، فإنه سيصير للناس إسنادًا"٢. "وكان الكسائي "١٨٩هـ" يتخير القراءات؛ فأخذ من قراءة حمزة بعضها, وترك بعضًا"٣. "كما تجد ليحيى بن سليمان "٢٧٧هـ" وأبي حاتم السجستاني "٢٥٥هـ"٤ مثل ذلك". وأجد أبا علي الفارسي "٢٧٧هـ" يقول في تخصيص حمزة بإمالة الأشرار والقرار وذات قرار، والقهار والبوار دون ما عداها من الكلم مما كان في قياسها على صورتها: "فالقياس في ذلك وغيرها واحد، ولعله اتبع في ذلك أثرًا, ترك القياس إليه، أو أحب أن يأخذ بالوجهين، وكره أن يرفض أحدهما ويستعمل الآخر، مع أن كل واحد مثل الآخر في الحسن, والكثرة"٥. والذي أريده هنا في عرض هذه الأمثلة من النصوص التي تشير إلى اختيار القراء في قراءتهم, أن أبين أن هذا الاختيار يكون صحيحًا إن وافق إثرًا مرويًّا يدعمه ويستند إليه. فلا يسبقن إلى الذهن أن القراء غير مقيدين في هذا الاختيار فهما لمعنى لفظ الاختيار على إطلاقه وعمومه، وإلا كانت المسألة فوضى لا نظام لها ولا رابط. وها هو ذا الشيخ طاهر الجزائري في كتابه التبيان بيّن قيود الاختيار حيث يقول: "الاختيار عند القوم أن يعمد من كان أهلًا له إلى القراءات

стр. 75

المروية فيختار منها ما هو الراجح عنده، ويجرد من ذلك طريقًا في القراءة على حدة، وقد وقع ذلك من الكسائي. وممن اختار من القراءات كما اختار الكسائي: أبو عبيد، وأبو حاتم، والمفضل، وأبو جعفر الطبري"١. وأزيد على قيدي الجزائري: أن يكون الاختيار موافقًا للرسم. وها هو ذا مكي بن أبي طالب، بعد أن ذكر اختيارات: يعقوب الحضرمي، وعاصم الجحدري، وأبي حاتم السجستاني يقول: "وأكثر اختياراتهم إنما هو في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء: قوة وجهه في العربية، وموافقته للمصحف, واجتماع العامة عليه"٢. ثم فسر المراد بالعامة بقوله: "والعامة عندهم ما اتفق عليه أهل المدينة, وأهل الكوفة, فذلك عندهم حجة قوية". وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين. ولذا صحت اختيارات، وبطلت أخرى؛ لعدم استيفائها ما شرط في صحة الاختيار؛ فعيسى بن عمر الثقفي "١٤٩هـ" لم يصح اختياره، وكذلك الفراء "٢٠٧هـ" كما بدا في معاني القرآن، وعُذِّب ابن شنبوذ "٣٢٧هـ" على اختياره, كما عذب ابن مقسم "٣٥٤هـ". وقد خالف بعض هؤلاء النقل كعيسى بن عمر، والفراء، وابن مقسم، وخالف الآخرون الرسم المخالفة المردودة كابن شنبوذ، ومن هنا لم يكتب لقراءتهم الذيوع والتوثيق مع إمامتهم وأهليتهم للاختيار, كما كتب للأئمة الآخرين الموثقين. ومما يلقي ضوءًا على وجوب تقييد الاختيار بالأثر المروي, قول ابن خالويه "٣٧٠هـ" في صدر كتابه الحجة: "وبعد, فإني تدبرت قراءة الأئمة السبعة من أهل الأمصار الخمسة المعروفين بصحة النقل، وإتقان الحفظ، المأمونين على تأدية الرواية واللفظ، فرأيت كلا منهم ذهب في إعراب ما انفرد به من حروفه مذهبًا من مذاهب العربية لا يدفع، وقصد من القياس وجهًا لا يمنع، فوافق باللفظ والحكاية طريق النقل والرواية، غير مؤثر للاختيار على واجب الآثار"٣.
следующие страницы →