بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار١.
стр. 3
مصادر ترجمة المؤلف بدر الدين الغزي:
"٩٠٤-٩٨٤هـ":
١- الحسن بن محمد البوريني "١٠٢٤هـ" تراجم الأعيان من أبناء الزمان ٢/ ٩٣-١٠٥.
٢- نجم الدين الغزي "١٠٦١هـ" الكواكب السائرة في تراجم أعيان المئة العاشرة ٣/ ٣-١٠.
٣- حاجي خليفة "١٠٦٧هـ" كشف الظنون ص١٥٣-٢٤٠-٣٨٠-٤٤٣-٤٥٤-٤٧٨-٥٩٦-٧٣٠-٧٣٥-٨٣٦-٨٥٦-١٢٦٠-١٣٣٢-١٦١٧-١٦٥١.
٤- شهاب الدين الخفاجي "١٠٦٩هـ" ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا ١/ ١٣٨-١٤٤.
٥- ابن العماد الحنبلي الدمشقي "١٠٨٩هـ" شذرات الذهب في أخبار من ذهب ١٠/ ٥٩٣-٥٩٥.
٦- محمد بن سليمان الروداني "١٠٩٤هـ" صلة الخلف بموصول السلف ص٢٦، ٢٧.
٧- محمد بن علي الشوكاني "١٢٥٠هـ" البدر الطالع ص٧٦٨-٧٦٩.
٨- جورجي زيدان "١٩١٤م" تاريخ آداب اللغة العربية ٣/ ٣٢٣.
٩- إسماعيل باشا البغدادي "١٩٢٠م" هدية العارفين ٦/ ٢٥٤.
١٠- إسماعيل باشا البغدادي "١٩٢٠م" إيضاح المكنون ١/ ٥-٣١٤-٣٤٣، ٢/ ١٠٥-٤٩٧-٦٥٨-٦٥٩.
стр. 4
١١-أديب تقي الدين الحصني "١٩٤٠م" منتخبات التواريخ لدمشق ٢/ ٥٨٩.
١٢- كارل بروكلمان "١٩٥٦م" تاريخ الأدب العربي ٢/ ٤٧٣-٤٧٤.
١٣- خير الدين الزركلي "١٩٧٦م" الأعلام ٧/ ٥٩.
١٤- د. عمر فروخ "١٩٨٧م" معالم الأدب العربي ١/ ٤٨٥-٤٨٩.
١٥- عمر رضا كحالة "١٩٨٨م" معجم المؤلفين ١١/ ٢٧٠-٢٧١.
١٦- فهرس المؤلفين بالظاهرية "الثبت" ٢٩/ ١-٣١/ ٢.
١٧- فهرس المخطوطات المصورة في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ٢/ القسم الثاني/ ٢٤٨-٢٥٢.
١٨- الكتبخانة "فهرست الكتب العربية المحفوظة بالكتبخانة الخديوية" ٧/ ٥٣١.
стр. 5
مصادر ترجمة صاحب المختصر عبد الباسط العلموي:
"٩٨١هـ":
١- نجم الدين الغزي "١٠٦١هـ" الكواكب السائرة في تراجم المئة العاشرة ٢/ ٢٨٤.
٢- حاجي خليفة "١٠٦٧هـ" كشف الظنون ص٤٨٧.
٣- جورجي زيدان "١٩١٤م" تاريخ آداب اللغة العربية ٣/ ٣٢٣.
٤- كارل بروكلمان "١٩٥٦م" تاريخ الأدب العربي ٢/ ٣٦٠، والمستدرك ص٤٨٨.
٥- خير الدين الزركلي "١٩٧٦م" الأعلام ٣/ ٢٧٠-٢٧١.
٦- عمر رضا كحالة "١٩٨٨م" معجم المؤلفين ٥/ ٦٩-٧٠.
٤- فهرس المؤلفين بالظاهرية.
٨- فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية: التاريخ وملحقاته ٢/ ٤٢١.
٩- فهرس المخطوطات المصورة في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ٢/ ٢٣٧.
стр. 6
رضي الدين أبو الفضل الغزي:
١- هو رضي الدين أبو الفضل محمد بن رضي الدين١ محمد بن أحمد بن عبد الله الغزي، ولد في عاشر ذي القعدة من سنة ٨٦٢ "١٩/ ٩/ ١٤٥٨م" في دمشق ونشأ فيها.
يَتِمَ رضي الدين أبو الفضل الغزي من أبيه وعمره نحو سنتين، فتولى تربيته زين الدين خطاب بن عمر بن مهنا الغزاوي بوصية من والد رضي الدين، فعُنِي برضي الدين عناية فائقة، ثم زوجه بابنة له.
أخذ رضي الدين العلم عن نفر كثيرين، منهم: محمد بن أبي بكر بن قاضي شهبة "ت ٨٧٤هـ"، وبرهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي "ت ٨٨٥هـ"، وعن أبي العون الغزي، وعن برهان الدين الباعوني "ت ٨٧٠هـ"، ومحمد البصروي، وأحمد بن برهان الدين الزرعي، ومحمد بن حامد الصفدي، وعن أبي بكر بن عبد الله بن قاضي عجلوان "ت ٩٢٨هـ".
وقضى رضي الدين هذا نحو أربع سنوات في مصر "٩١٧-٩٢١هـ" وجلس للتدريس فيها "الكواكب السائرة ١/ ٢٤٨، ٢/ ١٩٤، ٤١٣". وقد تولى التدريس في دمشق أيضا كما تولى القضاء فيها نيابة، ثم تقلده أصالة وكانت وفاته في دمشق في الرابع عشر من شوال من سنة ٩٣٥ "٢٤/ ٦/ ١٥٢٩م".
٢- كان رضي الدين الغزي محدِّثا وفقيها ثم مشاركا في عدد من فنون العلم من النحو والبلاغة والمنطق والفلك والطب والملاحة والفلاحة. وكان أيضا متصوفا، ومعظم كتبه شروح على كتب للمتقدمين أو نظم لها شعرا، له:
стр. 7
شرح أرجوزة البارزي في المعاني والبيان، شرح عقيدة جمع الجوامع في الفقه لتاج الدين عبد الوهاب السبكي "ت ٧٧١هـ"، نظم عقائد "؟ " الغزالي "ت ٥٠٥هـ"، نظم عقائد لبعض الفقهاء الحنفية، نظم نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر "في الحديث" لابن حجر العسقلاني "ت ٨٥٢هـ"، نظم قلائد العقيان في مورِّثات الفقر والنسيان لإبراهيم الناحي، نظم رسالة السيد بن الشريف "محمد بن علي الجرجاني المتوفى سنة ٨٣٨ للهجرة" في علمي المنطق والجدل، شرح على نظم هذه الرسالة، الإفصاح عن لب الفوائد والتلخيص والمصباح "في المعاني والبيان" شرح على الإفصاح ... إلخ، الجوهر الفريد
في أدب الصوفي والمريد "ألفية"، ألفية في اللغة "نظم فيها "فصيح" ثعلب"، ألفية في علم الهيئة "الفلك"، ألفية في الطب، منظومة في علم الخط، كتاب في الملاحة، كتاب في الفلاحة.
وكان له نظم أكثره في الحقائق "التصوف" وفي الحِكَم والنصائح، وهنالك جانب كبير منه في نظم قواعد عدد من العلوم.
٣- مختارات من شعره:
- قال رضي الدين الغزي في موقف الجهال من العلوم "شذرات الذهب ١٠/ ٢٩٤":
ما كان بكر علومي قط يخطبها ... إلا ذوو جدة بالفضل أكفاء١
وغض منه ذوو جهل معاذرة ... والجاهلون لأهل العلم أعداء٢
стр. 8
وله في مثل ذلك:
يا طالب العلم حقا ... اخرج إلى الله عنكا١
وإن خرجت فناد ... أستغفر الله منكا
يا جاهلا وهو لأهـ ... ـل العلم لا يسلم٢
ارجع إلى الحق وإن ... سئلت قل لا أعلم
- وأرسل محمد بن جمعة المصري "ت ٩١٤هـ" لغزا إلى رضي الدين الغزي "الكواكب السائرة ١/ ٣٦، ٣٧" فأجاب رضي الدين بقصيدة أولها:
يا سيدا حاز الفضائل وانفرد ... بمعارف قد جد فيها واجتهد
ما زلت تبدي كل حين تحفة ... بعجائب من بحر عرفان تمد٣
أرسلت لي لغزا بديعا وصفه ... عقدته بنوادر لا تنتقد
في اسم تركب من حروف أربع ... معلومة مثل الطبائع في العدد٤
стр. 9
فردين مع زوجين..... ... .....................
- وله قصيدة في التوسل جاء فيها "الكواكب السائرة ١/ ٣٥":
إلهي، إن أسأت بغير علم ... فإني فيك قد أحسنت ظني
إلهي، إنني أخشى وأرجو ... أمانا منك فامنن لي بأمن
إلهي، غير بابك في أموري ... إذا ما ضقت ذرعا لم يسعني١
إلهي، مثلما أحسنت بدءا ... ففي العقبى بحقك لا تسئني
إلهي، من يعين إلى وصولي ... إلى ما ترتضى إن لم تعني
стр. 10
محمد بدر الدين الغزي:
١- هو محمد بدر الدين بن محمد بن محمد بن عبد الله بن بدر الدين بن عثمان بن جابر الغزي، ولد في الرابع عشر من شهر ذي القعدة من سنة ٩٠٤ "٢٣/ ٦/ ١٤٥٩م".
بدأ محمد بدر الدين الغزي تلقي العلم على والده، ثم على نفر من العلماء في دمشق وفي مصر في أثناء رحلة إليها رافق فيها أباه "نحو ٩١٦-٩٢١هـ"، وبرع في فنون العلوم وهو صغير، فلما عاد إلى دمشق تصدر فيها للتدريس وعمره فيما قال ابنه نجم الدين: سبع عشرة سنة، وقد أصبح أيضا شيخ القراء في الجامع الأموي في دمشق، وتولى إمامة المقصورة، وأخيرا تولى إفتاء الشافعية بدمشق.
وحج محمد بدر الدين الغزي سنة ٩٥٢ للهجرة "١٥٤٦م" من طريق القاهرة "الكواكب السائرة ٣/ ٤٥، ٦٢، ٦٧"، وقد اتفق له أن شُرد عن دمشق مدة لا تعرف زمنها ولا مداها.
وفي مطلع شهر شوال من سنة ٩٨٤ نزل به مرض فمات به في السادس عشر من ذلك الشهر "٢٧/ ١٢/ ١٥٧٦م".
٢- كان بدر الدين الغزي عفيف النفس لا يأخذ شيئا على الفتاوى "احتياطا من أن تشتبه الهدية بالرشوة" كما كان كريما محسنا إلى تلاميذه، ثم إنه لزم العزلة في آخر أيامه؛ إذ كان -منذ أول عصره- ميالا إلى الصوفية "وقد بلغ في التصوف درجة علية ولبس الخرقة".
وبدر الدين الغزي مشارك في عدد كبير من فنون العلم: في التفسير والحديث والفقه واللغة والنحو والبلاغة، وهو ناظم كثير النظم ومصنف كثير التصنيف، قيل: زادت مصنفاته على مائة "وأكثرها منظومات وشروح وحواشٍ".
стр. 11
فمن تصانيفه: منظومة في خصائص النبي ﷺ فتح المغلق في تصحيح ما في الروضة١ من الخلاف المطلق - منظومة في شرح الخصائص يوم الجمعة وشرحها - جواهر الذخائر في الكبائر والصغائر "منظومة" - منهل الوُرَّاد في قراءة الأوراد وتحفة الملوك لمن أراد تحرير السلوك في "التقوى وطلب رضا الله" - شرح التوضيح "في النحو" لابن هشام الأنصاري٢ - ثلاثة شروح على الألفية٣ - نظم الآجرومية لابن آجروم "وهي أول تآليفه" - شرح شواهد التلخيص "تلخيص المفتاح لجلال الدين القزويني المتوفى سنة ٧٣٩ للهجرة في المعاني والبيان، وقد لخص فيه شرح عبد الرحيم العباسي المتوفى سنة ٩٦٣ للهجرة" - منظومة في موافقات سيدنا عمر "ابن الخطاب" للقرآن العظيم وشرحها - المطالع البدرية في المنازل الرومية "ترجمة حياته" - التنقيب عن ابن النقيب - الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد٤ - أسباب النجاح في آداب النكاح - فضل الخطاب في وصل الأحباب - المراح في المزاح - المنظوم الكبير في مائة ألف وثمانين ألف بيت من الشعر "راجع: الكواكب السائرة ٣/ ٦ السطر الخامس عشر" - شرح الصدور بشرح الشذور٥ - تفاسير الثلاثة: المنظومان الكبير والصغير٦.
стр. 12
٣- مختارات من آثاره:
- قال محمد بدر الدين الغزي مقاطع من الشعر منها:
بالخط والجاه، لا بفضل ... في دهرنا المال يستفاد
كم من جواد بلا حمار ... وكم حمار له جواد١
من رام أن يبلغ أقصى المنى ... في الحشر مع تقصيره في القرب٢
فليخلص الحب لمولى الورى ... والمصطفى فالمرء مع من أحب٣
- كان بين بدر الدين الغزي وعبد الرحيم العباسي "ت ٩٦٣هـ" إخوانيات "مراسلة بالشعر"؛ من ذلك أن عبد الرحيم العباسي كتب إليه يشكو الزمان "تراجم الأعيان ٢/ ١٠٠":
أرى الدهر يسعف جهاله ... فأوفر حظ به الجاهل
وأنظر حظي به ناقصا ... أيحسبني أنني الفاضل
стр. 13
فكتب إليه بدر الدين الغزي مجيبا:
أعبد الرحيم سليل العلا ... ويا فاضلا دونه الفاضل١
أتعتب دهرا غدا موقنا ... بأنك في أهله الكامل٢
لو أبصروني راعيا وجه من ... أهوى، ودمعي جاريا سيلا٣
لشاهدوا المجنون من عامر ... يرعى صباحا راجيا ليلى٤
- وقال في آداب العشرة "آداب العشرة، ص١١-١٧":
... اعلم أيها الأخ الصالح -أصلح الله شأننا- أن لأدب الصحبة وحسن العشرة أوجهًا، وأنا مبين منها ما يدل على أخلاق المؤمنين وآداب الصالحين ... فمن آداب العشرة: حسن الخلق مع الإخوان والأقران٥ والأصحاب، اقتداء برسول الله ﷺ فإنه قال -وقد قيل له: ما خير ما أعطي المرء؟: "حسن الخلق"، ومنها: تحسين ما يعاينه من عيوب إخوانه٦ ... ومنها: معاشرة الموثوق بدينه وأمانته ظاهرا وباطنا ...
стр. 14
ترجمة مؤلف المختصر:
اسمه ونسبه: هو الشيخ عبد الباسط بن الشيخ شرف الدين موسى بن محمد بن إسماعيل العلموي الشافعي، ثم الموقت، رئيس المؤذنين في جامع دمشق الأموي، وكبير الوعاظ فيه.
ولادته وأسرته وحياته: ولد سنة سبع وتسعمائة هجرية "٧٠٩هـ"، وكان والده أحد الشهود القدماء المعدلين في دمشق، وخطيب جامع الحاجب١ بسوق صاروجا في دمشق.
قال العلموي في مختصر تنبيه الطالب له: وبعده "أي بعد ابن قاضي عجلون٢" خطب برهان الدين السوبيني٣، ثم فرغ السوبيني لوالدي المرحوم شرف الدين موسى العلموي، أحد السادة الشهود المعدلين في دمشق سنة ٨٥٧هـ، ثم استمر خطيبا به إلى سنة ٩٢١هـ، واختارني يومئذ، وكان سني أربع عشرة سنة "أي سنة ٩٢١هـ" خطيبا في الجامع المذكور فخطبت خطبة أملاها عليّ المرحوم محمد الضرير، الخطيب، الفصيح، الرجيح الدَّيِّن، المبارك المأنوس، فكتبتها منه، ثم خطبت بها يوم الجمعة من محرم بحضور
стр. 15
المملي والوالد وجماعة من أمراء المحلة، وحصل لي في ذلك اليوم خلعة صوف بلخشي، وأوصلني بعض الحاضرين ذهبا، والبعض دراهم، وحرصوني على ملازمة الخطبة، فما كان إلا القليل حتى وقعت الفتنة بين الجراكسة والعثمانية، فوصلت مع والدتي وابنتها وبعلها عبد الله القرعوني إلى القرعون، ومكثت هناك ثمانية أشهر في خلال ذلك أخطب إلى أن رجعت معهم سنة ٩٢٣هـ، ثم استمريت إلى أن وخطتني اللحية وتكاملت في سنة ٩٢٥هـ وخطبت بالجامع المذكور واستقليت به نزولا وفراغا من الوالد.
إذن فالمؤلف العلموي استقل بالخطابة في جامع الحاجب بسوق صاروجا في دمشق نزولا وفراغا من والده؛ لذلك شملته بركة نصيحة العباد مع الوعظ لهم، فصار ذلك فيه حالا وحرفة -كما يقول هو عن نفسه- ثم تولى رئاسة المؤذنين في جامع دمشق الأموي بعد أبي البقاء ابن عفلقون في سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة.
قال النجم الغزي١: كان له فضل في علم الميقات، وعلم النغمة والتلحين، وله إنشاءات وعظية يستعملها رؤساء المولد، وكان يعظ الناس يوم الخميس في رجب وشعبان ورمضان في "الجامع" الأموي.
وقرأ على الوالد شيخ الإسلام أبي البركات بدر الدين الغزي، وعلى الوفائي.
وفاة والده: "قال النجم الغزي"٢ توفي والده بغتة سنة أربعين وتسعمائة هجرية.
محنته: "قال النجم الغزي"٣ احترقت داره وفيها أسبابه وكتبه سنة ستين وتسعمائة، وأخرجت عنه رئاسة المؤذنين للجلال الرملي قبل موته بمدة قريبة.
стр. 16
وفاته: توفي سنة إحدى وثمانين وتسعمائة هجرية في دمشق.
"قال النجم الغزي"١ توفي سنة إحدى وثمانين وتسعمائة، وصلى عليه شيخ الإسلام والوالد "بدر الدين الغزي" إماما، ودفن بباب الفراديس.
مصنفاته ومؤلفاته: لم يخلف العلموي كتبا كثيرة، على حد علمنا، والذي خلفه منها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وأغلبها اختصارا لكتب سابقيه، لكنها مفيدة في أبوابها وفنونها، وهي:
١- المعيد في أدب المفيد والمستفيد، وهو كتابنا هذا.
٢- مختصر تنبيه الطالب وإرشاد الدارس إلى أحوال دور القرآن والحديث والمدارس "والأصل للنعيمي" حققه الدكتور صلاح الدين المنجد ونشره في دمشق سنة ١٣٦٦هـ-١٩٤٧م.
٣- العقد التليد في اختصار الدر النضيد، ما زال مخطوطا في شستربتي "الرقم ٣٢١١" كما ذكر العلامة الزركلي في الأعلام ٣/ ٢٧٠-٢٧١.
٤- مختصر طبقات الحنابلة، كما ذكر العلامة أمين التراث العربي أحمد عبيد.
"قال العلامة أمين التراث العربي أحمد عبيد: ورأيت بخطه تعليقات وجيزة على مختصر طبقات الحنابلة اختصره الشمس النابلسي، وكتب في آخره ما يدل على أنه لخص هذا المختصر أيضا، كما رأيت له تعليقات أخرى على ذيل طبقات الحنابلة للحافظ ابن رجب، رحمهم الله تعالى".
стр. 17
العلموي وكتابه التلخيصي:
المعيد في أدب المفيد والمستفيد:
١- النشرة القديمة لكتاب "المعيد في أدب المفيد والمستفيد":
نشر الأستاذ العلامة أمين التراث العربي أحمد عبيد في دمشق سنة ١٣٤٩هـ "١٩٣٠م" كتاب "المعيد في أدب المفيد والمستفيد" للشيخ عبد الباسط بن موسى محمد العلموي "ت ٩٨١هـ-١٥٧٣م".
يقول الناشر: إنه عثر على نسخة وحيدة لذلك الكتاب "فألفينا فيه من الحث على العلم وبيان فضيلته وآدابه الظاهرة والخافية ما حبب إلينا نشره؛ ليطلع القراء منه على بعض ما كان للعلم وحملته عند السلف من شأن فيقدروهم حق قدرهم، وتشتد رغبتهم في السير على سنتهم ... "١.
هدف الناشر كان إذن ما رآه في الكتاب من حث على العلم٢، ثم من جهة ثانية، غرس تقدير السلف في نفوس القراء، ومن ثمة السير على السنن القديمة والمحافظة عليها ...
أما هدفنا فمختلف: نحن نهتم بالغرض الأساسي، أي لموضوعه الذي هو التربية والتعليم والتأديب، وعلى ذلك فإن نشرتنا هذه تقصد إظهار القيمة الأساسية للكتاب، والغرض الذي من أجله كُتب؛ وذلك من خلال هذه الدراسة، ومن خلال ما قدمناه من ملاحظات سوف تراها منشورة خلال هذا الكتاب.
стр. 18
وهكذا سيظهر لنا أن الفكر التربوي في تاريخه الطويل عندما حافظ على وحدة واستمرارية، وتميز بشخصية تشابهت أبعادها عبر قرون مديدة وفي أماكن مختلفة، فكتاب المعيد في أدب المفيد والمستفيد، المكتوب في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، قل أن يختلف مع الكتب التي ألفها الغزالي وابن جماعة وزين الدين بن أحمد الزرنوجي وغيرهم.
ذلك أن طرائق التعليم، وبُنى العملية التربوية، وموضوعات الدراسة أو برامجها، والنظرة للمعلم ولغاية التعليم، وهي كلها موضوعات نلقاها عند المفكرين المذكورين أعلاه دون كبير تغيير أو تطور واضح.
يوفر لنا إذن كتاب العلموي فرصة لدراسة الفكر التربوي في القرن العاشر/ السادس عشر، وبذلك نقرأ أيضا فلسفة صنع الإنسان، والمطلوب من المربي، وصورة الرجل الكامل والمجتمع الفاضل بحسب تصور ذلك القرن من الزمان، وتلك القراءة مناسبة صالحة أو حقل خاص يتيح الدراسة التحليلية النقدية، والمنهج المقارن، والغايات الاستيعابية المعروفة في دراسة التاريخ والتطور ...
٢- العلموي ملخصا أو مؤلفا لكتاب "العميد":
عبد الباسط العلموي شيخ دمشقي "٩٠٧-٩٨١" كان أبوه خطيب جامع الحاجب "سوق صاروجا، دمشق" خطب عبد الباسط في ذلك الجامع في الرابعة عشرة من عمره، ترك دمشق إلى القرعون، ثم رجع إلى بلده الأصلي، وتولى رئاسة المؤذنين في جامع دمشق الأموي "٩٣٨هـ"، وكان يعظ فيه في مناسبات دينية.
العلموي فقيه دمشق الأكبر، وواعظ ذو شهرة وقدرات، ومن المعروف -حتى اليوم- أنه لم يدرس بعد.
стр. 19
ويقول الناشر عبيد: إنه رأى "تعليقات وجيزة" بخط العلموي على "مختصر طبقات الحنابلة الذي اختصره الشمس النابلسي، وكتب في آخره ما يدل على أنه لخص هذا المختصر أيضا، كما رأيت له تعليقات أخرى على ذيل طبقات الحنابلة للحافظ ابن رجب"، وقد بينا ذلك خلال ترجمتنا له.
ليس له إذن مؤلفات معروفة، ولا كثيرة، أما كتابه "المعيد" فهو تلخيص، بحسب ما ينبئنا، ثم بمعرفة بحسب ما يقول، ثم وبحسب معرفة صاحب الكتاب الموسع أو الأصلي الذي يحمل اسم: الدر النضيد للبدر الغزي.
٣- البدر الغزي وملخصه العلموي:
كتاب العلموي تلخيص لكتاب الغزي، وهذا الأخير فقيه وأصولي وعالم في الحديث والتفسير، وضع كتبا كثيرة، وله مائة وبضعة عشر كتابا، بحسب قول الزركلي في "الأعلام"، ثم إن بدر الدين الغزي الدمشقي "٩٠٤-٩٨٤" هو والد المؤرخ نجم الدين الغزي "صاحب الكواكب السائرة"، وكان قد خصص لتلامذته في دمشق رواتب وأكسية.
كتاب "الدر النضيد" هو إذن أصل الكتاب الذي ندرسه هنا ونقدمه بنصه، وفي رأينا أن العلموي حتى وإن لخص فهو صاحب الآراء التي يقدمها، أو هو الموافق عليها والمتبني لها، سواء أطُبع الأصل أم لم يطبع، فالمهم هو الأفكار أو النظرية الواحدة الشاملة، وفي جميع الأحوال فإننا ننسب الأفكار، في دراستنا هذه إلى الملخص "العلموي" لا الغزي، هذا مع الإقرار للغزي بالفضل، وكثرة التآليف، والصبغة الزهدية الصوفية في أعماله المطبوعة النافعة، وفي الواقع فإن العلموي وإن لم يشر في تضاعيف كتابه إلا قليلا إلى كتاب "الدر النضيد"، فإنه قد جعل من العنوان "الذي هو المعيد" ما يدل على أنه يكرر
стр. 20
ويلخص، وذاك عنوان يذكر بكتاب زين الدين بن علي بن أحمد العاملي "الشهيد الثاني ٩٦٦هـ" منية المريد في آداب المفيد والمستفيد١.
٤- المخطوط وطبعته القديمة:
قلنا: إن النشرة الأولى لكتاب المعيد قامت على نسخة وحيدة، كانت موجودة في حلب، ومكتوبة بخط العلموي نفسه "بقلم دقيق وكتب على هامش كثير من الصفحات عناوين لبعض المطالب ... ".
ويقول الناشر: إنه اكتفى "في التصحيح بإثبات ما رأيناه صوابا دون الإشارة إلى الخطأ؛ لأننا رجعنا في ذلك إلى الأصول، التي نقل عنها مؤلف الأصل ... ". أما الحواشي فبعضها موجود في المخطوط، وبعضها الآخر والقليل أضافه السيد عبيد
، وهي كلها حواشٍ ذات نفع طفيف.
стр. 21
تحليل كتاب "المعيد" للعلموي:
١- تمهيد، اسمان للكتاب الملخص:
ننطلق من سطور خطها العلموي وهي:
"أما بعد، فهذه رسالة مختصرة جمعها العلامة شيخ الإسلام البدر محمد بن محمد بن محمد بن الرضي الغزي الشافعي -طال بقاؤه١- في فضيلة العلم والعالِم والمعلِّم والمتعلم والمفتي والمستفتي، وآداب كل منهم، ملخصا لها من مقدمة شرح المهذب لشيخ الإسلام المحيوي النووي، ومن غيرها من الكتب المعتبرة، وسماها بالدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد٢، واختصرها كاتبها مسميا لها بالعقد التليد في اختصار الدر النضيد٣، أو تسمى بالمعيد في أدب المفيد والمستفيد٤.
قال٥: "ورتبتها على مقدمة، وستة أبواب، وخاتمة" هل يترك هذا النص مجالا للظن بأنه العلموي هو أكثر من ملخص لعمل البدور الغزي؟
ربما يكون الجواب، حتى وإن كان إيجابيا، غير نافع لدراستنا هذه.
٢- البنى الأساسية، الهيكل العام:
رأى الأسلاف أن عملية التربية أو في الإفادة والاستفادة "التعلم والتعليم، الطلب والتحصيل ... إلخ" عمارة تقوم على ركائز محدودة وقوية التماسك فيما
стр. 22
بينها، كما لقد رأوا أن الهيكل التربوي العام بنية واحدة مترابطة الأجزاء ومتكاملة العناصر التي هي: العلم، ونقله بواسطة المعلم، وتلقيه عند المتعلم، ومن جهة أخرى فإن تلك العناصر تحييها روح واحدة، وتعزرها العصارة القديمة للفعل التربوي عند العلموي "وغيره ممن سبقه" الأقسام التالية:
١- الانطلاق من الإخلاص، أو طلب الصدق في العمل، فالمعلم أو المتعلم يجب أن يكون مؤمنا ببعض المبادئ كي يستطيع النجاح، بل وللبدء في عمله.
٢- الإيمان بأن العلم "وطلبه والحث عليه" أهم ما في الوجود وصاحب الفضيلة الأكبر، والقيمة الأولى التي لا تنازع ولا تعادل.
٣- تقسيم العلم إلى شرعي يستلزم علوما أخرى تتمرتب وتتفاوت قيمة.
стр. 23
وصف النسخة المخطوطة:
يقول العلامة أحمد عبيد أمين التراث العربي:
"عثرنا على هذه النسخة الوحيدة في مدينة حلب الشهباء، وهي مكتوبة بخط مختصرها المرحوم الشيخ عبد الباسط العلموي في "١١١" صفحة بالقطع المتوسط بقلم دقيق، وكتب على هامش كثير من الصفحات عناوين لبعض المطالب، وفي بعض الصفحات إيضاحات وتعليقات على الأصل أثبتناها بأسفل الصفحات، وإن كان بعضها لا يحتاج إليه، فكل ما هنالك منقول من خط المتخصر ... ".
إذن فالنسخة كانت وحيدة في مدينة حلب الشهباء، وقد آلت هذه المخطوطة مع ما آل إليه من مخطوطات حلب إلى مكتبة الأسد، وغالبا هي من مخطوطات الأوقاف، أو مخطوطات المكتبة الأحمدية بحلب، وجمع المخطوطات في مكان واحد إقليمية ضيقة، وعصبية مقيتة، وبسبب ذلك بحثت عن هذه المخطوطة في مكتبة الأسد، كما كلفت بعض أصدقائي بمتابعة البحث عنها ورجعنا بعد طول البحث بخفي حنين؛ لأننا علمنا بأنها غير موجود في فهارس المكتبة، ولعلها مما لم يصنف أو يفهرس في المكتبة حتى الآن.
لذلك اعتمدت في إخراجي لهذه الطبعة على الطبعة السابقة، راجيا العثور على الأصل حتى يكون العمل علميا وأكثر دقة، وقد صححت ما كان فيها من تصحيف وتطبيع، وراجعت من أجل ذلك أمهات الأصول، وتوصلت بمشيئة الله إلى وضع يدي على جميع الأصول التي نقل عنها مؤلف الأصل، وكنت أتابعه في ذلك حذو القذة للقذة.
وقد كان العلموي المختصر، أو الغزي صاحب الأصل، ينقل حرفيا من الأصول التي ينقل عنها، وقليلا ما نجده يدلي بدلوه بين الدلاء، بل في غالب
стр. 24
الأحيان لا نجد له أي ملمح علمي، أو صورة متميزة خاصة به عمن ينقل عنه، وهذا ما سوف يلاحظه القارئ الكريم من خلال شروحنا وتعليقاتنا على هذا الكتاب.
ولا يسعني في نهاية المطاف إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى كل من أعانني في إخراج هذا الكتاب، وأخص بالشكر أخي وصديقي وأستاذي العلامة الكبير الدكتور حاتم صالح الضامن على كرمه الحاتمي وأريحيته العلمية والأدبية، والحقيقة تقال: إن له في عنق كل من يعمل في حقل العلم والأدب والتراث فضلا ومنة.
نسأ الله في أجله وملانا به، وجزاه خير الجزاء بما قدم للثقافة العربية عامة، والأدب والتراث العربي على وجه الخصوص، من أبحاث وتحقيقات، أنارت جوانب عظمة الأمة العربية في شتى مناحيها، وتباعد أزمانها، من أقصى مشرقها إلى أعماق مغربها.
وأرجو من الله أن يكون عملي هذا أدنى إلى الكمال، وأقرب إلى الصواب، فإنه وحده المسئول، له الحمد والمنة ...
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مروان العطية
أبو ظبي
٢٤ جمادى الثانية ١٤٢٣هـ
١/ ٩/ ٢٠٠٢م
стр. 25
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النص المحقق:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونسأله الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فهذه رسالة مختصرة جمعها العلامة شيخ الإسلام البدر محمد بن محمد بن محمد بن الرضي الغزي الشافعي -طال بقاؤه- في فضيلة العلم والعالم والمعلم والمتعلم والمفتي والمستفتي وآداب كل منهم، ملخصا لها من مقدمة "شرح المهذب"١ لشيخ الإسلام المحيوي النووي٢، ومن غيرها من الكتب المعتبرة، وسماها: بالدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد٣، واختصرها كاتبها مسميا لها: بالعقد التليد في اختصار الدر النضيد، أو تسمى بالمعيد والمستفيد.
قال: ورتبتها على مقدمة وستة أبواب وخاتمة:
المقدمة: في الأمر بالإخلاص والصدق وإحضار النية.
стр. 26
الباب الأول: في فضيلة الاشتغال بالعلم وتعلمه وتعليمه ونشره وحضور مجالسه، وتحذير من أَراد بعلمه غير الله، وتحذير من آذى عالما، وفيه ثلاثة فصول.
الباب الثاني: في أقسام العلم الشرعي، وهي ثلاثة، ومراتبه، وهي ثلاثة.
الباب الثالث: في آداب المعلم والمتعلم، وهو ثلاثة أنواع.
الباب الرابع: في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، وهو أربعة أنواع.
الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها، وفيه فصلان.
الباب السادس: في الأدب مع الكتب وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائها واستعارتها وغير ذلك، وفيه مسائل.
الخاتمة: في رقائق لطيفة مناسبة، وبالله التوفيق للعمل، والعصمة من الزلل.
стр. 27
المقدمة: في الأمر بالإخلاص والصدق وإحضار النية:
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢، ٣] والآيات في الأصلين كثيرة١، وقال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... " الحديث٢. قال الشافعي٣ ﵁: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه٤. وقال هو وأحمد٥: يدخل في هذا الحديث ثلث العلم٦، قال البيهقي٧:
стр. 28
معناه أن كسب العبد إنما يكون بقلبه ولسانه وبنانه١، فالنية أحد أقسام كسبه الثلاثة، وهي أرجحها لأنها تكون عبادة بإفرادها، بخلاف القسمين الباقيين، ولأن النية لا يدخلها فساد برياء ولا غيره بخلاف غيرها، وقيل: هو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام٢ وقد أوصلها الإمام النووي إلى الأربعين حديثا وجمعها في أربعينيته٣، وكان السلف وتابعوهم من الخلف يستحبون استفتاح المصنفات ونحوها بهذا الحديث، وبه استفتاح المصنفات ونحوها بهذا الحديث، وبه استفتح البخاري٤ كتابه الجامع الصحيح٥ تنبيها للمطالع على حسن النية، وقال ﷺ : "نية المؤمن أبلغ من عمله" رواه البيهقي في الشعب٦، وفي رواية الإحياء٧: "نية المؤمن خير من عمله".
وقال رسول الله ﷺ مخبرا عن جبريل عن الله -جل وعلا- أنه قال: "الإخلاص سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي" ٨ رواه
стр. 29
القشيري١ في الرسالة٢ متصلا مسلسلا، وعرف الإخلاص فيها بأنه إفراد الحق تعالى في الطاعة بالقصد؛ أي: يريد بها التقرب إلى الله دون شيء آخر من الخلق من تصنُّع لهم أو محمدتهم أو محبتهم أو محبة مدحهم، وقال في تعريفه كلمات كثيرة، ونقولا غزيرة، وقال الفضيل بن عياض٣: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما٤، وقال السري٥: لا تعمل للناس شيئا، ولا تترك لهم شيئا، ولا تغط لهم شيئا، ولا تكشف لهم شيئا، وقال الجنيد٦: الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.
وقال الإمام القشيري: أقل الصدق استواء السر والعلانية، وقال غيره: من أراد أن يكون الله تعالى معه فليلزم الصدق، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ
стр. 30
الصَّادِقِينَ﴾ ١، وقال الحارث المحاسبي٢: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من عمله، ولا يكره اطلاعهم على السيئ من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على حب الزيادة عندهم، وليس هذا من إخلاص الصديقين. وقيل: إذا طلبت الله بالصدق أعطاك مرآة تبصر فيها كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة. وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث إنه ينفعك فإنه يضرك، وسئل فتح الموصلي٣ عن الصدق فأدخل يده في كير الحداد وأخرج الحديدة المحماة ووضعها على كفه وقال: هذا هو الصدق.
وقال الجنيد: الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة، والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين٤ سنة، قال شيخ الإسلام النووي٥: معناه أن الصادق يدور مع الشرع حيث دار، فإذا كان الفضل الشرعي في الصلاة مثلا صلى، أو في مجالسة العلماء أو الضيفان أو العيال أو قضاء حاجة مسلم أو جبر قلب مكسور ونحو ذلك فعل، أو في صوم أو قراءة أو ذكر أو أكل وشرب أو جد أو مزاح أو عزلة أو خلطة أو تنعم أو ابتدال ونحوها أتى به، فحيث رأى الفضيلة في شيء من هذا فعله، كما كان رسول الله ﷺ يفعل٦ ولا يرتبط بعادة ولا بعبادة مخصوصة كما يفعله المرائي، ولا شك في اختلاف أحوال الشيء في الأفضلية، فإن الصوم حرام يوم العيد، واجب قبله، مسنون بعده، ويندب تحسين اللباس يوم الجمعة والعيد، وخلافه يوم الاستسقاء وما أشبه ذلك. انتهى. وأقوالهم غير محصورة في ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 31
الباب الأول: في فضيلة الاشتغال بالعلم على ما تقدم في ترتيبه
الفصل الأول: في فضيلة الاشتغال بالعلم وتصنيفه وتعلمه
وتعليمه ونشره وحضور مجلسه والحث على ذلك، وترجيح الاشتغال به على الصلاة والصيام ونحوهما من العبادات القاصرة على فاعلها:
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧، ٨] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] إلى غير ذلك من الآيات في الأصلين المذكورين سابقا.
وقال ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" ١، وقال ﷺ لعلي٢ ﵁: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ٣، وقال ﷺ لمعاذ٤ لما بعثه إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها"، وقال ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم
стр. 32
رضًى بما يصنع"١، وقال ﷺ : "إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت في الماء، ليصلون على معلمي الناس الخير" ٢، وقال ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٣، وقال ﷺ : "من طلب علما فأدركه كتب الله له كفلين من الأجر، ومن طلب علما فلم يدركه كتب الله له كفلا من الأجر"٤.
وروى النووي بسند متصل بزكريا بن يحيى الساجي٥ قال: كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فأسرعنا في المشي وكان معنا رجل ماجن متهم في دينه فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة كالمستهزئ، فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط. وأسند أيضا إلى أبي داود السجستاني٦ أنه قال: كان في أصحاب الحديث رجل خليع إلى أن سمع حديث: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًى بما يصنع" فجعل في نعليه مسمارين من حديد وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة، فأصابته الآكلة في رجله، وفي رواية: فشلت رجلاه ويداه وسائر أعضائه، وفي رواية: أنه تفسخت بنيته٧.
стр. 33
وقال ﷺ : "نوم مع علم خير من صلاة على جهل"١، وقال ﷺ : "يقول الله للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي"٢.
وقال ﷺ : "مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة"٣، وقال ﷺ : "قليل العلم خير من كثير العبادة"٤.
وقال ﷺ : "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان له كأجر معتمر تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو يعلمه فله أجر حاج تام الحجة".
وعن علي ﵁: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلم لا يسده إلا خلف منه، وعنه ﵁: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه من هو فيه، وعنه ﵁: أنه قال لكميل٥ بن زياد: يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وعنه: قيمة كل امرئ علمه.
стр. 34
وقال صلى الله عليه وسلم١: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات شهيدا"٢، وعن وهب بن منبه٣: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيئا، والعز وإن كان مهينا، والقرب وإن كان قصيا، والغنى وإن كان فقيرا، والنبل وإن كان حقيرا، والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سقيما.
وقال سهل بن عبد الله التستري٤: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، فاعرفوا لهم ذلك.
وعن الشافعي وأبي حنيفة٥: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي، وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة٦، وقال: من طلب
стр. 35
الدنيا فعليه بالعلم، ومن طلب الآخرة فعليه بالعلم١، وقال: من لا يحب العلم لا خير فيه فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة، وقال: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
وقيل للإسكندر٢: ما بال تعظيمك لمؤدبك أشد من تعظيمك لأبيك؟! فقال: لأن أبي سبب حياتي الفانية، ومؤدبي سبب حياتي الباقية.
وقد حذفت كثيرا من الأحاديث وأسانيدها فراجعها إن افتقرت إليها، وإلا ففي ما رقمته كفاية لذلك.
ولهم في فضل العلم أشعار كثيرة حسنة من عيونها ما روي عن علي ﵁ "من البسيط":
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء٣
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم ولا تجهل به أبدا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء
وما جاء عن أبي الأسود الدؤلي٤ رحمه الله تعالى "من البسيط":
стр. 36
العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا١
لا خير فيمن له أصل بلا أدب ... حتى يكون على ما زانه حدبا
في بيت مكرمة آباؤه نخب٢ ... كانوا الرءوس فأمسى كلهم ذنبا
وخامل مقرف الآباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرتبا
أمسى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا ... في خده صعر قد ظل محتجبا
العلم كنز وذخر لا نفاد له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع المرء ما لا ثم يحرمه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبدا ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به درا ولا ذهبا
стр. 37
وما جاء عن الشافعي ﵁ "مجزوء البسيط":
حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذل إلا في الطمع١
من راقب الله رجع ... عن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع
وما نسب لمحمد بن الحسن٢ "من الطويل":
تعلم فإن العلم زين لأهله ... وفضل وعنوان لأهل المحامد٣
وكن مستفيدا كل يوم زيادة ... من العلم واسبح في بحار الفوائد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد ... إلى البر والتقوى وأعدل قاصد
هو العلم الهادي إلى سنن الهدى ... هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
فإن فقيها واحدا متورعا ... أشد على الشيطان من ألف عابد
стр. 38
وما أنشد الشيخ قوام الدين حماد الصفاري١ الأنصاري لشيخه القاضي الخليل بن أحمد السجزي الحنفي٢ "من الخفيف":
اخدم العلم خدمة المستفيد ... وأدم درسه بفعل حميد٣
وإذا ما حفظت شيئا أعده ... ثم أكده غاية التأكيد
ثم علقه كي تعود إليه ... وإلى درسه على التأبيد
وإذا ما أمنت منه فواتا ... فانتدب بعده لشيء جديد
مع تكرار ما تقدم منه ... واقتناء لشأن هذا المزيد
ذاكر الناس بالعلوم لتحيا ... لا تكن من أولي النهى ببعيد
стр. 39
إن كتمت العلوم أنسيت حتى ... لا ترى غير جاهل وبليد
ثم ألجمت في القيامة نارا ... وتلهبت في العذاب الشديد
وللزمخشري١ "من الوافر":
وكل فضيلة فيها سناء ... وجدت العلم من هاتيك أسنى٢
فلا تعتد غير العلم ذخرا ... فإن العلم كنز ليس يفنى
وللإمام منصور التميمي٣ أحد أئمة المذهب "من البسيط":
عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر٤
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
стр. 40
ولبعضهم "من الوافر":
تفقه تستطيل على الرجال ... وتزهو في المحافل بالكمال١
إذا وقع القياس بكل علم ... فحال الفقه يعلو كل حال
ومن طلب التفقه وانتحاه ... أناف برأسه تاج الجمال
فخذ بالشافعي وقل بقول ... سديد عند مختلف المقال
ففضل الشافعي على سواه ... كفضل الشمس قيست بالهلال
ولآخر "من الخفيف":
علم العلم من أتاك لعلم ... واغتنم ما حييت منه الدعاء٢
وليكن عندك الغني إذا ما ... طلب العلم والفقير سواء
ولآخر "من الطويل":
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسادهم بين القبور قبور٣
وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور