العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا١
لا خير فيمن له أصل بلا أدب ... حتى يكون على ما زانه حدبا
في بيت مكرمة آباؤه نخب٢ ... كانوا الرءوس فأمسى كلهم ذنبا
وخامل مقرف الآباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرتبا
أمسى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا ... في خده صعر قد ظل محتجبا
العلم كنز وذخر لا نفاد له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع المرء ما لا ثم يحرمه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبدا ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به درا ولا ذهبا
стр. 37
وما جاء عن الشافعي ﵁ "مجزوء البسيط":
حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذل إلا في الطمع١
من راقب الله رجع ... عن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع
وما نسب لمحمد بن الحسن٢ "من الطويل":
تعلم فإن العلم زين لأهله ... وفضل وعنوان لأهل المحامد٣
وكن مستفيدا كل يوم زيادة ... من العلم واسبح في بحار الفوائد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد ... إلى البر والتقوى وأعدل قاصد
هو العلم الهادي إلى سنن الهدى ... هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
فإن فقيها واحدا متورعا ... أشد على الشيطان من ألف عابد
стр. 38
وما أنشد الشيخ قوام الدين حماد الصفاري١ الأنصاري لشيخه القاضي الخليل بن أحمد السجزي الحنفي٢ "من الخفيف":
اخدم العلم خدمة المستفيد ... وأدم درسه بفعل حميد٣
وإذا ما حفظت شيئا أعده ... ثم أكده غاية التأكيد
ثم علقه كي تعود إليه ... وإلى درسه على التأبيد
وإذا ما أمنت منه فواتا ... فانتدب بعده لشيء جديد
مع تكرار ما تقدم منه ... واقتناء لشأن هذا المزيد
ذاكر الناس بالعلوم لتحيا ... لا تكن من أولي النهى ببعيد
стр. 39
إن كتمت العلوم أنسيت حتى ... لا ترى غير جاهل وبليد
ثم ألجمت في القيامة نارا ... وتلهبت في العذاب الشديد
وللزمخشري١ "من الوافر":
وكل فضيلة فيها سناء ... وجدت العلم من هاتيك أسنى٢
فلا تعتد غير العلم ذخرا ... فإن العلم كنز ليس يفنى
وللإمام منصور التميمي٣ أحد أئمة المذهب "من البسيط":
عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر٤
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
стр. 40
ولبعضهم "من الوافر":
تفقه تستطيل على الرجال ... وتزهو في المحافل بالكمال١
إذا وقع القياس بكل علم ... فحال الفقه يعلو كل حال
ومن طلب التفقه وانتحاه ... أناف برأسه تاج الجمال
فخذ بالشافعي وقل بقول ... سديد عند مختلف المقال
ففضل الشافعي على سواه ... كفضل الشمس قيست بالهلال
ولآخر "من الخفيف":
علم العلم من أتاك لعلم ... واغتنم ما حييت منه الدعاء٢
وليكن عندك الغني إذا ما ... طلب العلم والفقير سواء
ولآخر "من الطويل":
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسادهم بين القبور قبور٣
وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور
стр. 41
ولآخر "من الطويل":
تعلم فليس المرء يخلق عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل١
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
ولآخر "من الكامل":
صدر المجالس حيث حل لبيبها ... فكن اللبيب وأنت صدر المجلس٢
وللمتنبي٣ "من الوافر":
ولم أرَ من عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام٤
стр. 42
الفصل الثاني: في تحذير مَن أراد بعلمه غير الله تعالى
نسأل الله العافية:
اعلم أن ما ذكر في فضل طلب العلم إنما هو لمن أراد به وجه الله، لا لغرض من الدنيا، وإلا فهو مذموم.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا، كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ١٨-٢٠] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات، ولا يخفى الحديث الذي فيه الثلاثة الذين أول مَن تسعر النار لهم يوم القيامة: المجاهد والعالم والقارئ، فهؤلاء جاء في حديث رواه مسلم١ أول مَن يدخل النار ويسحب كل منهم على وجهه حتى يُلْقَى في
стр. 43
النار؛ لقصدهم الرياء في أعمالهم: المجاهد ليقال شجاع، والعالم ليقال عالم، والقارئ ليقال قارئ١، اللهم خلصنا إلى الإخلاص.
وقال ﷺ : "من تعلم علما لغير الله فليتبوأ مقعده من النار" ٢.
وقال ﷺ : "من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف به وجه الناس إليه؛ أدخله الله النار" ٣.
وقال ﷺ : "كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به"٤.
وقال ﷺ : "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه"٥.
وقال ﷺ : "مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة يضيء للناس، ويحرق نفسه" ٦.
وقال ﷺ : "من كتم علما مما ينفع الله الناس به في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"٧.
وقال ﷺ : "ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء"٨.
وقال ﷺ : "من قال أنا
стр. 44
عالم فهو جاهل" ١.
وقال ﷺ : "يظهر الدين حتى يجاوز البحار ثم يأتي من بعدكم أقوام يقرءون القرآن يقولون: من أقرأ منا؟ ومن أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل في أولئك من خير؟ قالوا: لا، قال: أولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار" ٢.
وقال ﷺ : "آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله"٣.
وقال ﷺ : "واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب"٤.
وعن عمر بن الخطاب٥ ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : "إن موسى لقي الخضر فقال: أوصني، فقال الخضر: يا طالب العلم، إن القائل أقل ملالة من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك، واعرف الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا لك فيها محل قرار، وإنها جُعلت بُلْغَة للعباد؛ ليتزودوا منها للمعاد، يا موسى وطن نفسك على الصبر تلق الحلم، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم، يا موسى تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكونن مكثارا بالمنطق مهذارا، إن كثرة المنطق تشين
стр. 45
العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء، ولكن عليك بذي اقتصاد، فإن ذلك من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فضل الحلماء، وزين العلماء، إذا شتمك الجاهل فاسكت سلما، وجانبه حزما١ ...
يابن عمران: لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه. يابن عمران: من لا تنتهي من الدنيا نهمته، ولا تنقضي فيها رغبته كيف يكون عابدا؟ من يحقر حاله، ويتهم الله بما قضى له، كيف يكون زاهدا؟ يا موسى تعلَّم ما تعلَّم لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره، ويكون لغيرك نوره"٢.
وعن هشام صاحب الدستوائي٣ قال: قرأت في كتاب بلغني أنه من كلام عيسى: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، وإنكم علماء السوء الأجر تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة، كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضي شيئا أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من
стр. 46
آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به، ولا يطلبه ليعمل به؟ ١
وعن علي ﵁: يا حملة العلم، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله٢.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه العلم، وتواضعوا لمن علمتموه العلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم٣.
وعن ابن سيرين٤: سبعة يهلكون بسبعة: أهل البادية بالجفاء، وأهل القرى بالجهل، والعرب بالعصبية، والدهاقين٥ بالكبر، والسلاطين بالظلم، والتجار بالكذب، والعلماء بالحسد.
وعن سفيان الثوري٦ قال: بلغني أن الله تعالى يقول: إن أهون ما أصنع بالعالم إذا آثر الدنيا أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلبه.
стр. 47
وعن مجاهد١: لا يتعلم من استحيا واستكبر٢.
وعن علي بن خشرم٣: سكوت إلى وكيع٤ قلة الحفظ فقال: استعن على الحفظ بقلة الذنوب٥، ونظم بعضهم ذلك فقال: "من الوافر"
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي٦
وقال اعلم بأن العلم فضل ... وفضل الله لا يؤتاه عاصي
стр. 48
الفصل الثالث: في تحذير مَن آذى أو انتقص عالما
والحث على إكرام العلماء وتعظيم حرماتهم:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] إلى غير ذلك من الآيات في الأصل.
وقال رسول الله ﷺ : "من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب" رواه البخاري١.
وعن الشافعي وأبي حنيفة ﵁: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي٢.
وعن ابن عباس٣ ﵁: من آذى فقيها فقد آذى رسول الله، ومن آذى رسول الله فقد آذى الله عز وجل٤.
وقال ﷺ : "ليس من أمتي من لم يحمل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويوف لعاملنا" ٥.
стр. 49
وقال ﷺ : "ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط"١.
وعن الإمام أحمد: لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات٢.
وقال الحافظ ابن عساكر٣: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، بلاه الله قبل موته بموت القلب٤ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
стр. 50
الباب الثاني: في أقسام العلم الشرعي ١ ومراتبه
الفصل الأول: في أقسام العلم الشرعي وهي ثلاثة: تفسير، وحديث، وفقه
أما التفسير فهو معرفة معاني كتاب الله العزيز، وما أريد به، وهو قسمان: ما لا يعرف إلا بتوقيف، وما يدرك من دلالة الألفاظ بواسطة علوم أخر كلغة وغيرها، وقد جاء في فضله وآدابه أخبار وآثار١:
منها ما ورد في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: الحكمة القرآن والفكرة فيه٢، وهذا عن ابن عباس، وفي رواية عنه: الحكمة المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله٣.
وقال رسول الله ﷺ : "أعربوا٤ القرآن والتمسوا غرائبه"٥. وعن أبي بكر الصديق ﵁: لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية٦، وعن عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله أجر شهيد٧،
стр. 51
وكان الصحابة يأخذون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل١، وقال ﷺ : "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"٢، وفي رواية: "من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"٣، وفي رواية: "من قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار" ٤.
وأما الحديث ويرادفه الخبر على الصحيح فهو من أجل العلوم بعد القرآن٥، وهو ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة حتى الحركات والسكنات، واليقظة والنوم٦، وقيل: أو أضيف إلى صحابي أو من دونه، والمشهور بين جماعة من الفقهاء أن ذلك أثر لا خبر٧، ثم عِلْمُ الحديث ضربان:
أحدهما: علم رواية٨، وحدُّه بأنه علم مشتمل على نقل ما ذكر، وموضوعه ذات النبي ﷺ من حيث أنه نبي، وغايته الفوز بسعادة الدارين.
стр. 52
الثاني: علم دراية١، وهو المراد عند الإطلاق٢ والذي كلامنا هنا فيه، ويحد أنه علم تعرف به معاني ما ذكر ومتنه، ورجاله، وطرقه، وصحيحه، وسقيمه، وعلله، وما يحتاج إليه فيه ليعرف المقبول منه والمردود، وموضوعه الراوي والمروي من حيث ذلك، وغايته: معرفة ما يقبل من ذلك ليعمل به، وما يرد منه ليجتنب، ومسائله ما ذكر في كتبه من المقاصد.
ومما جاء في فضله وآدابه من الأخبار قوله ﷺ : "ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ مَن هو أوعى له منه" ٣، وفي رواية: "رب مبلغ أوعى من سامع" ٤، وقوله: "نضر ٥ الله امرأ سمع مقالتي فوعاها"، وفي رواية: "سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" ٦، وقوله: "من أدى إلى أمتي حديثا تقام به سنة أو تثلم به بدعة فله الجنة"٧، وقوله ﷺ : "اللهم ارحم خلفائي" قيل: من خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون من بعدي فيروون أحاديثي ويعلمونها الناس"٨، وقوله
стр. 53
صلى الله عليه وسلم: "من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها وكنت له شافعا"١، وقوله ﷺ : "من تعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه أو يعلمهما غيره فينتفع بهما كان خيرا من عبادة ستين سنة"٢، وقوله ﷺ : "من رد حديثا بلغه عني فأنا مخاصمه يوم القيامة، فإذا بلغكم عني حديث فلم تعرفوه فقولوا: الله أعلم"٣، وقوله ﷺ : "من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ٤، وقوله ﷺ : "من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدقها لم ينلها"٥، وقوله ﷺ : "من كذب علي متعمدا أو رد شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم"٦، وقوله ﷺ : "من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذَّب ثلاثة: الله، ورسوله، والذي حدث به"٧.
وقال أبو سعيد الخدري٨: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن٩، وقال علي: تذاكروا الحديث فإنكم إلا تفعلوا يندرس١٠، وقال
стр. 54
ابن مسعود١: تذاكروا الحديث فإن ذكر الحديث حياته٢، وكان أنس بن مالك٣ إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثا ففرغ منه قال: أو كما قال صلى الله عليه وسلم٤، وكان قتادة٥ يستحب ألا تقرأ الأحاديث التي عن النبي ﷺ إلا على الطهارة٦، وكان الأعمش٧ إذا أراد أن يحدث على غير طهر تيمم٨، وكان السلف يكرهون أن يحدثوا على غير طهر٩، وكان ثابت١٠ إذا حدث١١
стр. 55
دعا بطيب فمسح بيديه وعارضيه، وكان مالك١ إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول ﷺ ، وكان يكره أن يحدث في الطريق، أو وهو قائم٢، إلى غير ذلك من فعالهم المحمودة، وتوقيراتهم المشهورة المعدودة، نفعنا الله بهم وبعلومهم.
وأما الفقه وأصله في اللغة الفهم٣، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، وقيل: التوصل إلى علم غائب بعلم مشاهد، وهو في الاصطلاح المقصود: علم بحكم شرعي فرعي مكتسب من دليل تفصيلي، سواء كان من نصه أو استنباطا منه، وهذا أحسن ما قيل في حده، وموضوع الفقه أفعال المكلفين من حيث عروض الأحكام المذكورة لها، واستمداده من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وسائر الأدلة المعروفة، وفائدته امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهية المحصلان للفوائد الدنيوية والأخروية، ومحل هذا كله أصول الفقه.
ومما ورد في فضل الفقه وآدابه أخبار؛ منها: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ٤، وخبر: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"٥، وقوله ﷺ : "خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه ٦ في
стр. 56
الدين" ١، وقوله ﷺ : "أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع"٢، وكان النبي ﷺ وأصحابه إذا جلسوا كان حديثهم الفقه إلا أن يقرأ رجل سورة، أو يأمر بقراءة سورة٣.
إذا علمت ذلك فاعلم أن القسمين الأولين٤ هما أصلان للثالث؛ لأن استمداده منهما ومن مضمونهما استنبط واستخرج ولكنه فضل عليهما؛ لأنه النتيجة والمقصود منهما غالبا؛ ولذلك كان من الفقهاء الحكام والمفتون، لا من المفسرين والمحدثين الخالين عن الفقه، وسيظهر لك من الفصل الثاني ما يدل لذلك، ثم ما عدا ما ذكر من العلوم ليس بعلم شرعي، ولكن بعضها من توابعه والنافع فيه كعلم النحو والتصريف واللغة والحساب النافع في قسمة المواريث ونحو ذلك.
وأما علم أصول الفقه فلا يُنفى عن الشرع، بل هو أُسُّ الفقه والمعول عليه فيه، وأما علم أصول الدين فهو من أهم العلوم وأعظمها والمقصود هو ما يتعلق بمعرفة الله تعالى وصفاته، وما يجب له، ويمتنع عليه، وما يرد به على المبتدعة، بخلاف الخوض في الكلام والجدل وإقامة الشبه ونحو ذلك فهو مذموم حرام، بل هو بالجهل أشبه منه بالعلم، بل الجهل خير منه وأسلم، وعليه يحمل التحذير منه الوارد عن السلف، وسيأتي ذلك في الفصل الثاني، والله تعالى أعلم.
стр. 57
الفصل الثاني: في مراتب أحكام العلم الشرعي ١ وما أُلحق به
وهي ثلاثة: فرض عين، وفرض كفاية، وسنة:
المرتبة الأولى: فرض العين، وهو أن يعلم المكلَّف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه إلا به، وعليه حمل جماعات حديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"٢، وحمله آخرون على الكفاية.
واعلم أن المكلَّف به على كل عبد عاقل بالغ ثلاثة أقسام: اعتقاد، وفعل، وترك، فأما الاعتقاد الذي هو أولها وأهمها:
فاعلم أن أول واجب على من ذكر تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما وهما قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، واعتقاد ما يجب لله، وما يجوز له، وما يستحيل عليه، وغير ذلك مما يتعلق بواجب الإسلام والعقائد، ويكفي في ذلك بعد النطق بكلمتي الشهادة وفهم معناهما التصديق بكل ما جاء به رسول الله ﷺ واعتقاده اعتقادا جازما سليما من كل شك واختلاج ريب واضطراب نفس، ولا يتعين على من حصل له هذا تعلم أدلة المتكلمين والخوض والنظر فيها والبحث عنها، هذا هو الصحيح الذي أطبق عليه السلف والفقهاء والمحققون من المتكلمين، فإن النبي ﷺ لم يطالب أحدا بشيء سوى ما ذكر، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة فمن بعدهم من الصدر الأول، بل الصواب للعوام وجماهير المتفقهين والفقهاء الاقتصار على ما ذكر والكف عن الخوض في دقائق الكلام.
стр. 58
وقد بالغ١ إمامنا الشافعي -رحمه الله تعالى- في تحريم الاشتغال بعلم الكلام أشد مبالغة، وأطنب٢ في تحريمه وتغليظ العقوبة لمتعاطيه إلى أن قال: لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام٣.
وقد صنف الإمام الغزالي في آخر أمره كتابه الذي سماه: إلجام العوام عن علم الكلام٤، وذكر أن الناس كلهم عوام في هذا الفن من الفقهاء وغيرهم إلا النادر، فإذا اعتقد من ذكر ما ذكر كما ذكر فقد أدى واجب الوقت، فإن مات عقب ذلك مات مطيعا غير عاص، فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة أو غيرها من أصول العقائد مما لا بد من اعتقاده ولم يزل شكه إلا بتعلم دليل من أدلة المتكلمين وجب عليه تعلم ما يتوصل به إلى إزالة الشك، ولو مات من لم يخطر له ذلك قبل أن يعتقد أن كلام الله قديم وأنه مرئي، وأنه ليس محلا للحوادث، ونحو ذلك مما يذكر في المعتقدات فقد مات على الإسلام إجماعا؛ إذ ليس له معارض لذلك ليضل.
فرع٥: اختُلف في آيات الصفات وأخبارها: هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون: تؤول على ما يليق بها، وهو مذهب الخلف، وهو أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تؤول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد مع ذلك تنزيه الله، وانتفاء صفات الحادث
стр. 59
فيقال: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك، والمراد: أنا نعتقد أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] وأنه منزه عن الحلول، وهذا مذهب السلف وجماهيرهم وهو الأسلم؛ إذ لا يطالب الإنسان بالخوض في ذلك، فإذا اعتقد التنزيه فلا حاجة إلى الخوض والمخاطرة، والله تعالى أعلم١.
وأما الفعل٢ فنقول: إذا أقر من ذكر بالشهادتين وقلنا: إنه أدى واجب الوقت وصار مطيعا، ثم وجب عليه صلاة مثلا تجدد عليه بدخول وقتها تعلم الطهارة والصلاة، أو كان له مال يزكي وجب بتمام النصاب إن اعتبر، ومضى الحول إن اشترط، تعلم ما يجب في الزكاة الحاضرة، أو دخل عليه رمضان تجدد بسببه تعلم الصوم وما يجب أو يحرم فيه، ولا يلزمه تعلم ذلك قبل وجوب ذلك الشيء، نعم لو صبر إلى دخول الوقت مثلا ولم يتمكن من تمام تعلمها مع الفعل في الوقت يلزمه التعلم وهو الصحيح الذي جزم به النووي، كما يلزم السعي إلى الجمعة لمن بعد منزله قبل الوقت، وتعلم كيفية الواجب بعد الوجوب على الفور إن كان على الفور، وعلى التراخي إن كان على التراخي كالحج، وينبغي للعلماء أن ينبهوه أن الحج على التراخي على كل من وجد الزاد والراحلة ... إلى آخر الشروط، ثم إن الذي يجب من ذلك كله عينا هو ما يتوقف أداء الواجب عليه غالبا، دون ما يطرأ نادرا كسجود السهو وتعجيل الزكاة، فإن وقع وجب التعلم حينئذ، وفي تعلم أدلة البقلة أوجه؛ أحدها: فرض عين، والثاني: كفاية، وأصحها فرض كفاية إلا أن يريد سفرا لا يكثر فيه من يعلمها فيتعين لعموم الحاجة حينئذ٣.
وأما البيع والنكاح٤ ونحوهما وشبههما مما لا يجب أصله، فيتعين على من
стр. 60
أراده تعلم كيفيته وشرطه، وقيل: إن لم يعلم ذلك فيحرم الإقدام عليه قبل معرفة شرطه وهذا أصح، وكذا يقال في صلاة النافلة: يحرم التلبس بها على من لا يعرف كيفيته، ولا يقال: يجب تعلم كيفيتها.
ومما يجب١ معرفة ما يحل ويحرم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوهما مما لا غنى غالبا، وكذلك أحكام عشرة النساء لمن له زوجة، وحقوق المماليك لمن له ذلك، ونحو ذلك.
وأما الترك فيجب على من ذكر علم ذلك بحسب ما يتجدد في الحال، وقد يختلف بحال الشخص؛ إذ لا يجب على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، ولا على الأعمى تعلم ما يحرم من النظر، ولا على البدوي تعلم ما يحل الجلوس فيه من المساكن، فذلك أيضا واجب بحسب ما يقتضيه الحال.
ومما يُلْحَق بالتروك أو الأفعال تفقد القلب بعد العلم بما مر، فهو فرض عين، فيلزم من ذكر أن يتعلم ما يرى نفسه محتاجة إليه من تطهير القلب من المهلكات ومعالجة المرديات كالرياء، والحسد، والعجب وشبهها.
فرع٢: يجب على الآباء والأمهات ونحوهم كالقيم والوصي تعليم الصغار ما سيتعين عليهم بعد البلوغ، فيعلمونهم الطهارة والصلاة والصيام، ويعرفونهم تحريم الربا والزنا واللواط والسرقة وشرب المسكر والكذب والغيبة، وأنهم بالبلوغ يدخلون في التكاليف، ويستحب ما زاد على هذا من تعليم قرآن وفقه وآداب، ويعرفونهم ما يصلح به معاشهم؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] أي: علموهم ما ينجون به من النار، وهذا ظاهر، وقال ﷺ : "كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته" ٣، ثم أجرة تعليم
стр. 61
الواجب، وكذلك تعليم المستحب من قرآن وغيره في مالهم، فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقتهم من نحو أب وإن علا، ثم أم وإن علت، هذا في الأسبوع الأول، وأما الثاني ففي ماله على الأصح، والثاني في مال الولي لعدم الضرورة إليه١، واعلم أن الشافعي والأصحاب إنما جعلوا للأم مدخلا في وجوب التعليم لكونه من التربية وهي واجبة عليها، إذا وجبت عليها النفقة.
المرتبة الثانية ٢: فرض الكفاية قسمان: الأول ما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث وعلومهما، والأصول والفقه والنحو والتصريف واللغة، ومعرفة رواة الحديث وأحوالهم، والإجماع والخلاف.
والثاني: ما ليس علما شرعيا، ويحتاج إليه في قوام الدنيا كالطب والحساب وما في معناهما؛ إذ ذاك ضروري في صحة الأبدان، والآخر في المعاملات وقسم التركات ونحو ذلك، وإذا قام بها واحد سقط الفرض عن الباقين.
واختُلف في تعلم الصنائع التي هي سبب مصالح الدنيا كالخياطة والفلاحة، فالأظهر كما قال النووي هي فرض كفاية، ويعم فرض الكفاية جميع المخاطبين، وإذا قام به جمع تحصل الكفاية ببعضهم، فكلهم سواء في حكم القيام بالفرض في الثواب وغيره، فإذا صلى على جنازة جمع ثم جمع ثم
стр. 62
جمع، فالكل يقع فرض كفاية، ولو أطبقوا كلهم على تركه أثم كل من لا عذر له ممن علم بذلك وأمكنه القيام به، ولا يأثم من لم يتمكن لكونه غير أهل أو لعذر، ولو اشتغل شخص بالفقه، وظهرت نجابته فيه ورُجي فلاحه وتبريزه فوجهان؛ أحدهما: يتعين عليه الاستمرار لقلة من يحصل له هذه المرتبة، وأصحهما: لا يتعين؛ لأن الشروع لا يعين المشروع فيه عندنا إلا في الحج والعمرة والجهاد وصلاة الجنازة، ولو خلت البلدة عن مُفْتٍ فقيل: يحرم المقام بها، والأصح لا إن أمكن الذهاب إلى مفتٍ، وإذا قام بالفتوى إنسان في مكان سقط به فرض الكفاية إلى مسافة القصر من كل جانب، واعلم أن للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بغرض العين؛ لأنه أسقط الحرج عن الأمة.
قلت: لأن القائم بفرض الكفاية اتخذه لنفسه فرض عين وشغل نفسه به فلذلك أسقط الإثم عن الباقين.
المرتبة الثالثة ١: النفل: الذي هو من الفضائل لا الفرائض، وهو كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيها وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية، وكالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب، وكتعلم العامي نوافل العبادات لغرض العمل، لا ما يقوم به العلماء من تمييز الفرض من النفل، فإن ذلك فرض كفاية في حقهم، والله أعلم.
فصل ٢: قد ذكرنا مراتب العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم أو مكروه أو مباح، فالمحرم كتعلم السحر فإنه حرام على المذهب الصحيح، وبه قطع الجمهور؛ كالفلسفة، والشعبذة٣، والتنجيم، وعلوم الطبائعيين، وكل ما كان سببا لإثارة الشكوك، وتتفاوت في التحريم.
стр. 63
الباب الثالث: في آداب المعلم والمتعلم
النوع الأول: آدابهما في نفسهما وآدابهما في جلس الدرس
القسم الأول: آدابهما في نفسهما وآدابهما في مجلس الدرس
...
الباب الثالث: في آداب المعلم ١ والمتعلم
النوع الأول: آدابهما في نفسهما، وآدابهما في مجلس الدرس
فأما آدابهما في نفسهما:
فمنها: أول ما يجب على كل منهما أن يقصد وجه الله بأشغاله واشتغاله لا لمال ولأجرة، أو شهوة، أو سمعة، أو تمييز عن الأشباه، أو تكثر بالمشتغلين عليه، أو المختلفين إليه، ولا يشين علمه أو تعليمه بشيء من الطمع في رفق يحصل من تلميذ، أو خدمة، أو مال، وإن قل ولو على صورة الهدية التي لولا اشتغاله لما أهداها إليه، كما أن المتعلم لا يشين طلبه بطمع في شيء يعطيه له الشيخ، أو أن ينزل اسمه في طلبة العلم لينال شيئا من معلوم أو غيره، ودليل هذا كله ما مر في تحذير مَن أراد بعلمه غير الله، وقد تقدم في أول الفصل الثاني من الباب الأول١.
قال سفيان بن عيينة٢: كنت قد أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة من أبي جعفرر سُلبته٣، وقد صح عن الشافعي أنه قال: وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم، وما نسب إلَيَّ شيء منه٤، وقال ﵁: ما ناظرت أحدا وأحببت أن يخطئ٥، وقال ﵁: ما أوردت الحق والحجة على أحد
стр. 64
فقبلها مني إلا هبته واعتقدت مودته، ولا كابرني على الحق أحد ودافع الحجة إلا سقط من عيني١، وعن أبي يوسف٢: يا قوم، أَرِيدوا بعلمكم الله، فإني لم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا أقم حتى أُفْتَضَح٣.
ومنها: أن يكون كل منهما قوي اليقين، الذي هو رأس مال الإيمان كله، قال ﷺ : "اليقين الإيمان كله"٤، وقال ﷺ : "تعلموا اليقين"٥.
ومنها: أن يحافظ٦ على القيام بشعائر الإسلام، وظواهر الأحكام كإقامة الصلوات في مساجد الجماعات، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى بسبب ذلك، صادعا بالحق عند السلاطين باذلا نفسه لله، لا يخاف فيه لومة لائم، ذاكرا قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] .
وكذلك يقوم٧ بإظهار السنن، وإخماد البدع، ويقوم لله في أمور الدين وما فيه من مصالح المسلمين على الطريق المشروع، والمسلك المطبوع، ولا
стр. 65
يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ بالأكمل؛ فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله على العوام، وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرونه، ويقتدي بهديهم من لا يعلمونه، إذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به، كما قال الشافعي: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع١؛ ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتب عليها من المفاسد لاقتداء الناس به.
ومنها: أن يتخلق كل منهما بالمحاسن٢ التي ورد الشرع بها من الزهد والسخاء والجود وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس، واختماله منهم، وأن يتنزه عن دنيء الأكساب طبعا، ومكروهها شرعا، كالحجامة، والدباغة، والصياغة، وملازمة الورع والخشوع، والسكينة والوقار، والتواضع وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والإيثار وترك الاستئثار، والإنصاف وترك الاستنصاف، وشكر المتفضل، والسعي في قضاء الحاجات، وبذل الجاه والشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى الجيران والأقرباء، ومجانبة الإكثار من الضحك والمزاح٣؛ فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة كما قيل: من مزح استخف به، من أكثر من شيء عُرف به٤.
ومنها: أن يُلزم نفسه الخوف والْحَزَن والانكسار والصمت، ويظهر الخشية
стр. 66
على هيئته وكسوته، لا ينظر إليه ناظر إلا ويكون نظره مذكرا بالله، وتكون صورته دليلا على علمه، قال عمر ﵁: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تَعَلَّمون منه، وليتواضع لكم من يتعلم منكم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم١، وفي الخبر: إن من خيار أمتي قوم يضحكون جهرا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف عذابه، أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء، أرواحهم في الدنيا وقلوبهم في الآخرة٢.
ومنها: ملازمة الآداب الشرعية القولية والفعلية، الظاهرة والخفية، كتلاوة القرآن وذكر الله بالقلب واللسان، والدعوات والأذكار آناء الليل وأطراف النهار، ومن٣ نوافل العبادات من الصلاة والصيام وحج البيت الحرام والصلاة والسلام على النبي ﷺ ، فمحبته٤ وإجلاله وتعظيمه ﷺ واجب، فكان الإمام مالك إذا ذُكر النبي ﷺ يتغير وجهه وينحني٥، وكان جعفر بن محمد٦ إذا ذُكر النبي ﷺ اصفر٧، وكان القاسم٨ إذا ذكر النبي ﷺ يجف لسانه في
стр. 67
فيه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم١، وينبغي إذا تُلي٢ القرآن أن يتفكر في معانيه وأوامره ونواهيه، وليحذر من نسيانه بعد حفظه، وأن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام٣، فهو ورد حسن، ويقال: من قرأ القرآن في كل سبعة أيام لم ينسه قط٤، وأن يكون له ورد راتب كل يوم لا يُخل به.
ومن الآداب: التنظيف بإزالة الأوساخ، وقص الأظفار، وإزالة الشعور المطلوب زوالها، واجتناب الروائح الكريهة، وتسريح اللحية، وليجتهد في الإخلاص في التوبة والدوام عليها من الأفعال الذميمة٥، وليلازم الأفعال الحميدة الظاهرة والباطنة، والمقامات العلية، والأحوال السنية، وأعلاها محبة الله الجامعة لكل فائدة، المجنبة لكل خصلة فاسدة، وكذلك محبة رسوله ﷺ واتباعه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١] .
ومنها: أن يطهر٦ نفسه من الخبائث الباطنة، من مساوئ الأخلاق ومذموم الأوصاف؛ كالحسد والرياء والإعجاب واحتقار الناس والغل والبغي والغضب لغير الله والغش إلى غير ذلك من تعدد أوصاف خبائث النفس، فكما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح إلا بتطهير الأحداث والأخباث، فكذلك لا تصح عبادة الباطن إلا بعد طهارته من خبائث الأخلاق، قال النبي ﷺ : "بني الدين على النظافة"٧، والقلب منزل الملائكة، ومهبط أثرهم، وقال
стр. 68
صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب" ١، والصفات الرديئة في القلب كلاب نابحة، ونور العلم لا يقذفه الله في القلب إلا بواسطة الملائكة ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ ٢ [الشورى: ٥١] وقال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذف في القلب٣، ووعظ بعضهم فقال: طهروا قلوبكم من الأغيار تصلح لنزول القرآن والأنوار، طهر المنزل حتى ينزل، ومن حصل له الساكن طابت له المساكن، ومن لم تُفتح له المنازل رضي بسكنَى المزابل "من المديد":
إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج٤
ومريضا أنت عائده ... قد أتاه الله بالفرج
وجهك المأمول حجتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج
وكان الشبلي٥ يقول "من المقتضب":
стр. 69
اطلبوا لأنفسكم ... مثل ما وجدت أنا١
قد وجدت لي سكنا ... ليس يشبه السكنا
إن دنوت قربني ... أو بعدت عنه دنا
وقد ابتُلي بعض أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان بكثير من هذه الصفات الذميمة إلا من عصمه الله، وأدوية ذلك مستوفاة في كتب الرقائق ومن أنفعها كتاب الرعاية٢ للمحاسبي٣.
ومن أدوية الحسد أن يعلم أن حكمة الله اقتضت جعل هذا الفضل في هذا الإنسان، فلا يعترض ولا يكره، فإن اعترض وكره فسُنة الله في مثل هذا جرت أن يسلبه حالته التي أنعم بها عليه وأن يزيد محسوده نعما لشكره وتواضعه وعدم غضبه لنفسه، وما أحسن ما قال الإمام المعافي بن زكريا الموصلي٤ "من المتقارب":
стр. 70
ألا قل كان لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب١
أسأت على الله في فعله ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فجازاك عني بأن زادني ... وسد عليك وجوه الطلب
ولأبي حنيفة ﵀ في الحسد "من البسيط":
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي كثيرا أهالي الفضل قد حسدوا٢
فدام بي وبهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
ومن أدوية الرياء أن يعلم أن الخلق لا يقدرون على نفعه ولا ضره بما لم يقدره الله تعالى عليه، فلا يتشاغل بمراعاتهم فيتعب نفسه، ويرتكب سخط الله مع أن الله يطلعهم على نيته وسريرته في ريائه لهم وخوفه منهم.
ومن أدوية الإعجاب أن يعلم أن علمه وفهمه وجودة ذهنه وفصاحته وغير ذلك من النعم فضل من المنعم جل وعلا وهو معه عارية وأمانة، وأن معطيه إياها قادر على سلبها منه في طرفة عين، كما سلب بلعام٣ ما علمه في طرفة عين، نسأل الله السلامة.
стр. 71
ومن أدوية الاحتقار١ التأدب بما أدب الله تعالى به عباده، قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فربما كان هذا الذي دونه أطهر قلبا، وأخلص نية، وأزكى عملا، كما قيل: إن الله تعالى أفَى ثلاثة في ثلاثة: وليه في عباده، ورضاه في طاعته، وغضبه في معاصيه٢، ثم إن المحتقر لا يعلم بماذا يختم له، ففي الصحيح: "إن إحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ... " ٣ الحديث، نسأل الله العافية من كل داء.
ومنها: أن يتجنب مواضع التهم، فإنه يعرض نفسه وعرضه للوقوع في الظنون المكروهة، فإن اتفق له وقوع شيء من ذلك لحاجة أخبر من شاهده وأصحابه بحقيقة ذلك الفعل؛ لئلا يأثموا بظنهم الباطل، ولئلا ينفروا عنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ومن هذا الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال للرجلين لما رأياه يتحدث مع صفية٤ فوليا: "على رسلكما إنها صفية"، ثم قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخفت أن يقذف في قلوبكما شيئا"، وروي: "فتهلكا" ٥.
стр. 72
ومنها: أن يكون١ زاهدا في الدنيا غير مبالٍ بفواتها مقتصدا في مطعمه وملبسه وأثاثه ومسكنه غير مترفه تشبيها بالسلف، ويتأكد في حق الطالب أن يقلل علائقه من أشغال الدنيا، ويبعد عن الأهل والوطن، فإن العلائق شاغلة وصارفة، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] ونقل يحيى بن معاذ الرازي٢: إنه كان يقول لعلماء الدنيا يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم طاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين المحمدية؟ ٣ وقوله: طاهرية بالطاء المهملة نسبة لطاهر بن الحسين٤ المتولي على خراسان، وأقل درجات العالم أن يستقذر المتعلق بالدنيا، فهو أولى باستقذارها في حق نفسه، وعن الشافعي ﵁: لو أُوصي لأعقل الناس صرف إلى الزهاد، فليت شعري من أحق من العلماء بزيادة العقل وكماله؟ ٥ وقال يحيى بن معاذ٦: لو كانت الدنيا تبرًا يفنى، والآخرة خزفا يبقى، لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني، فكيف والدنيا خزف فان، والآخرة تبر باق٧.
стр. 73
ومنها: أن يكون منقبضا عن الملوك وأبناء الدنيا لا يدخل إليهم صيانة للعلم كما صانه علماء السلف، فمن فعل ذلك فقد عرض نفسه لما لا قبل له به ولا طاقة، وخان أمانته، فإن العلم أمانة عنده، قال تعالى: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية [المائدة: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات، وقال ﷺ : "العلماء أمناء الرسل على عباده ما لم يخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم"١.
وعن ابن مسعود ﵁: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أهل الأهواء٢، قال الأوزاعي٣: ما شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور أميرا، وقال حذيفة٤ ﵁: إياكم ومواقف الفتن، قالوا: وما هو؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه في الكذب ويقول ما ليس فيه، فإن دعت إلى ذلك ضرورة أو مصلحة دينية فلا بأس٥، وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف في المشي إلى الملوك
стр. 74
وولاة الأمر على أنهم قصدوا بذلك حصول الأغراض الدنيوية المساعدة للأحوال الدينية، فاعلمه، والله أعلم.
ومنها: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور١ فلا تغتر بإطباق الخلق على ما حدث بعد الصحابة، وكن حريصا على التفتيش عن سير الصحابة وأعمالهم، أكانوا مهتمين بالتصدير والمناظرة، والقضاء والولاية، وتولي الأوقاف والوصايا، ومال الأيتام، ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة، أو في الخوف والحزن، والتفكر والمجاهدة، إلى غير ذلك من علوم الباطن.
واعلم يقينا أن أعلم أهل الزمان أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريقهم، فعنهم أُخذ الدين، قال علي ﵁: خيرنا أتبعنا لهذا الدين٢، وقال ابن مسعود: أنتم في زمان خيركم فيه المسارع في الأمور، وسيأتي بعدكم زمان يكون خيركم المتثبت المتوقف؛ لكثرة الشبهات٣، وقال حذيفة ﵁: أعجب من هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وأن منكركم معروف زمان قد يأتي، وأنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق، وكان العالم فيكم غير مُستَخَف به٤.
قال الغزالي٥ وقد صدق: فأكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة؛ إذ من غرر المعروف في زماننا تزيين المساجد، وإنفاق الأموال العظيمة في عمارتها، وبسط البسط الرفيعة فيها، ولقد كان يعد فرش البواري
стр. 75
في المسجد بدعة، وقيل: إنه من محدثات١ الحجاج٢، فقد كان الأولون قل ما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا.
ومن ذلك الاشتغال بدقائق الجدل والمناظرة، ويعدونه من أجل علوم الزمان، ويزعمون أنه من أعظم القربات، وقد كان ذلك من المنكرات.
ومن ذلك التقشف في النظافة، والوسواس في الطهارة، وتقدير النجاسة البعيدة في نجاسة الثياب مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها.
ومن ذلك٣ التلحين في الأذان والقراءات، والتباهي بذلك إلى غير ذلك من النظائر، ولقد صدق ابن مسعود ﵁ حيث قال: أنتم اليوم في زمان، الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي عليكم زمان يكون العلم تابعا للهوى٤، وكان هشام يقول: لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا، فإنهم أعدوا له جوابا، ولكن سلوهم عن السُّنَّة فإنهم لا يعرفونها، وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي٥ في كتابه: الأحاديث الموضوعة٦ بعد ذكره لحديث في قراءة الفاتحة وآيات منها: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ عقيب الصلاة، هذا حديث موضوع كنت