ومن أدوية الاحتقار١ التأدب بما أدب الله تعالى به عباده، قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فربما كان هذا الذي دونه أطهر قلبا، وأخلص نية، وأزكى عملا، كما قيل: إن الله تعالى أفَى ثلاثة في ثلاثة: وليه في عباده، ورضاه في طاعته، وغضبه في معاصيه٢، ثم إن المحتقر لا يعلم بماذا يختم له، ففي الصحيح: "إن إحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ... " ٣ الحديث، نسأل الله العافية من كل داء.
ومنها: أن يتجنب مواضع التهم، فإنه يعرض نفسه وعرضه للوقوع في الظنون المكروهة، فإن اتفق له وقوع شيء من ذلك لحاجة أخبر من شاهده وأصحابه بحقيقة ذلك الفعل؛ لئلا يأثموا بظنهم الباطل، ولئلا ينفروا عنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ومن هذا الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال للرجلين لما رأياه يتحدث مع صفية٤ فوليا: "على رسلكما إنها صفية"، ثم قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخفت أن يقذف في قلوبكما شيئا"، وروي: "فتهلكا" ٥.
стр. 72
ومنها: أن يكون١ زاهدا في الدنيا غير مبالٍ بفواتها مقتصدا في مطعمه وملبسه وأثاثه ومسكنه غير مترفه تشبيها بالسلف، ويتأكد في حق الطالب أن يقلل علائقه من أشغال الدنيا، ويبعد عن الأهل والوطن، فإن العلائق شاغلة وصارفة، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] ونقل يحيى بن معاذ الرازي٢: إنه كان يقول لعلماء الدنيا يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم طاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين المحمدية؟ ٣ وقوله: طاهرية بالطاء المهملة نسبة لطاهر بن الحسين٤ المتولي على خراسان، وأقل درجات العالم أن يستقذر المتعلق بالدنيا، فهو أولى باستقذارها في حق نفسه، وعن الشافعي ﵁: لو أُوصي لأعقل الناس صرف إلى الزهاد، فليت شعري من أحق من العلماء بزيادة العقل وكماله؟ ٥ وقال يحيى بن معاذ٦: لو كانت الدنيا تبرًا يفنى، والآخرة خزفا يبقى، لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني، فكيف والدنيا خزف فان، والآخرة تبر باق٧.
стр. 73
ومنها: أن يكون منقبضا عن الملوك وأبناء الدنيا لا يدخل إليهم صيانة للعلم كما صانه علماء السلف، فمن فعل ذلك فقد عرض نفسه لما لا قبل له به ولا طاقة، وخان أمانته، فإن العلم أمانة عنده، قال تعالى: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية [المائدة: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات، وقال ﷺ : "العلماء أمناء الرسل على عباده ما لم يخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم"١.
وعن ابن مسعود ﵁: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أهل الأهواء٢، قال الأوزاعي٣: ما شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور أميرا، وقال حذيفة٤ ﵁: إياكم ومواقف الفتن، قالوا: وما هو؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه في الكذب ويقول ما ليس فيه، فإن دعت إلى ذلك ضرورة أو مصلحة دينية فلا بأس٥، وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف في المشي إلى الملوك
стр. 74
وولاة الأمر على أنهم قصدوا بذلك حصول الأغراض الدنيوية المساعدة للأحوال الدينية، فاعلمه، والله أعلم.
ومنها: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور١ فلا تغتر بإطباق الخلق على ما حدث بعد الصحابة، وكن حريصا على التفتيش عن سير الصحابة وأعمالهم، أكانوا مهتمين بالتصدير والمناظرة، والقضاء والولاية، وتولي الأوقاف والوصايا، ومال الأيتام، ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة، أو في الخوف والحزن، والتفكر والمجاهدة، إلى غير ذلك من علوم الباطن.
واعلم يقينا أن أعلم أهل الزمان أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريقهم، فعنهم أُخذ الدين، قال علي ﵁: خيرنا أتبعنا لهذا الدين٢، وقال ابن مسعود: أنتم في زمان خيركم فيه المسارع في الأمور، وسيأتي بعدكم زمان يكون خيركم المتثبت المتوقف؛ لكثرة الشبهات٣، وقال حذيفة ﵁: أعجب من هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وأن منكركم معروف زمان قد يأتي، وأنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق، وكان العالم فيكم غير مُستَخَف به٤.
قال الغزالي٥ وقد صدق: فأكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة؛ إذ من غرر المعروف في زماننا تزيين المساجد، وإنفاق الأموال العظيمة في عمارتها، وبسط البسط الرفيعة فيها، ولقد كان يعد فرش البواري
стр. 75
في المسجد بدعة، وقيل: إنه من محدثات١ الحجاج٢، فقد كان الأولون قل ما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا.
ومن ذلك الاشتغال بدقائق الجدل والمناظرة، ويعدونه من أجل علوم الزمان، ويزعمون أنه من أعظم القربات، وقد كان ذلك من المنكرات.
ومن ذلك التقشف في النظافة، والوسواس في الطهارة، وتقدير النجاسة البعيدة في نجاسة الثياب مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها.
ومن ذلك٣ التلحين في الأذان والقراءات، والتباهي بذلك إلى غير ذلك من النظائر، ولقد صدق ابن مسعود ﵁ حيث قال: أنتم اليوم في زمان، الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي عليكم زمان يكون العلم تابعا للهوى٤، وكان هشام يقول: لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا، فإنهم أعدوا له جوابا، ولكن سلوهم عن السُّنَّة فإنهم لا يعرفونها، وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي٥ في كتابه: الأحاديث الموضوعة٦ بعد ذكره لحديث في قراءة الفاتحة وآيات منها: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ عقيب الصلاة، هذا حديث موضوع كنت
стр. 76
سمعته في زمن الصبي فاستعملته نحوا من ثلاثين سنة لحسن ظني بالرواة، فلما علمت أنه موضوع تركته، فقال لي قائل: أليس هو استعمال خير؟ فقلت: استعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعا، فإذا علمنا أنه كذب خرج عن المشروعية. انتهى١.
ومنها: أن تكون عنايتهما بتحصيل العلم النافع في الآخرة، المرغب في الطاعة، متجنبين العلوم التي يقل نفعها، ويكثر فيها الجدال، والقيل والقال، روي أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: علمني من غرائب العلم٢، فقال له رسول الله ﷺ : "ما صنعت في رأس العلم؟ " قال: وما رأس العلم؟ قال: "هل عرفت الرب؟ " قال: نعم، قال: "وما صنعت من حقه؟ " قال: ما شاء الله، قال: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: "وما أعددت له؟ " قال: ما شاء الله، قال: "اذهب فأحكم ثم تعال نعلمك من غرائب العلم"٣.
وينبغي أن يكون التعليم من جنس ما روي عن حاتم الأصم٤ تلميذ شقيق البلخي٥ أن شقيقا قال له: منذ كم صحبتني؟ قال حاتم: منذ ثلاثة وثلاثين سنة، فقال: ما تعلمت مني في هذه المدة؟ قال: ثمان مسائل، فقال شقيق: إنا لله وإنا إليه
стр. 77
راجعون، ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثمان مسائل! فقال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها، ولا أحب أن أكذب، فقال: هات هذه الثمان مسائل حتى أسمعها، فذكرها، والقصة مشهورة في كثير من الكتب١ وهي مشتملة: الأولى على محبة الحسنات، والثانية على مدافعة هوى النفس، والثالثة على الصدقة، والرابعة على النسبة للتقوى، والخامسة على ترك الحسد، والسادسة على مصادقة الخلق وعداوة الشيطان، والسابعة على ملازمة الطاعة وترك الذل للخلق بسبب المعيشة، وترك الحرام، والثامنة على التوكل على الله تعالى؛ فقال شقيق بعدما قرأ حاتم الثمان مسائل: يا حاتم وقفك الله، إني نظرت في علم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فرأيته يدور على هذه الثمان مسائل، اللهم توفيقا للعمل الصالح واجتنابا للطالح.
ومنها: أن يكون اهتمامه بعلم الباطن، ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه، وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة، فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة في دقائق علوم القلب، وتنفجر منه ينابيع الحكم الخارجة عن العد والحد من طريق مفتاح الإلهام، ومنبع الكشف لا بالكتب المدونة، فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، وكم من مقتصر على المهم في التعلم فتح الله عليه من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب؛ ولذلك قال ﷺ : "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم"٢، وفي بعض الكتب٣ السالفة: يا بني إسرائيل لا تقولوا: العلم في السماء من ينزل به، ولا في الأرض من يصعد به، ولا من وراء البحار من يأتي به، العلم محصور في قلوبكم، فتأدبوا بين يدي تأدب الروحانيين، وتخلقوا إليَّ تخلق الصديقين أظهر العلم من قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم.
стр. 78
ومنها: أن يبحث عما يفسد الأعمال، ويشوش القلب، ويهيج الوسواس، ويثير الشر، فإن أصل الدين التوقي من الشر؛ ولذلك قيل: اعرف الشر لا للشر، لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه١، وقيل لحذيفة ﵁: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة! فمن أين أخذته؟ قال: خصني به رسول الله ﷺ كان الناس يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني، وقال مرة: فعلمت أن من لا يعرف الشر، لا يعرف الخير، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة يسألونه عن الفتن العامة والخاصة، وكان يُسأل عن المنافقين فيخبر بأعداد من بقي، ولا يخبر بأسمائهم، وكان عمر يسأله عن نفسه: هل يعلم بها شيئا من النفاق، فبرأه من ذلك، وكان -أعني عمر ﵁ إذا دُعي إلى جنازة نظر، فإن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك، وكان حذيفة ﵁ يُسمى صاحب السر بالسين المهملة٢.
ومنها: وهو من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملالة، أكل القدر اليسير من الحلال الذي لا شبهة فيه، قال الشافعي ﵁: ما شبعت منذ ست عشرة٣ سنة، وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وهي جالبة للنوم والبلادة، وفتور الحواس والكسل، هذا مع ما فيه من الكراهة الشرعية، والتعرض لخطر الأسقام البدنية كما قيل "من الوافر":
стр. 79
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب١
فإن الداء أول ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
وقد جمع بعض الحكماء في كثرة الأكل خمسين آفة، ونظمها مولانا وسيدنا وشيخنا شيخ الإسلام والد المصنف٢ ﵀ وأبقى خلقه- فقال "من البسيط":
في كثرة الأكل يا ذا العقل والنظر ... خمسون آفة كن منها على حذر
توليد سقم وثقل ثم طول كرى ... ووصمة النفس مع غم ومع بطر
وقسوة وعمى قلب تؤثره ... وهزل روح ونقص الخوف والحذر
وقلة العقل مع جهل مكثره ... وقلة الشكر والإخلاص والخفر
وشهوة تنمو مع ترك الحياء كذا ... نسيان علم وذكر الموت في العمر
وحب دنيا وشح والبقاء كذا ... حب الشياطين فقد الصبر مع ضجر
стр. 80
وذم حكمة أيضا والعداوة مع ... تهييج عادة أشواق مع الأشر
وبغض مولاه مع هدم العبادة مع ... فقد البهاء وحرج الدين بالغير
والضحك أيضا وإذهاب الحلاوة من ... قلب وإبدال صفو منه بالكدر
وترك ذكر وإذهاب اليقين كذا ... ترك افتقار وآداب لمعتبر
وترك الأعمال والإكثار من حسد ... والبعد من جنة والقرب من سقر
ثم التغفل ينمو والفضول كذا ... وللشياطين تسليح على البشر
كذاك تفريق صحب وارتكاب معا ... صلي الله جل وهذا غاية الخطر
وفي رسائل إخوان الصفاء لها ... شرح بذا الحصر واف غير مختصر
وهاك في هذه الأبيات جملتها ... تلخصت فأتت في النظم كالدرر
ولبعضهم في بعض فوائد الجوع "من الكامل":
في الجوع عشر فوائد عن حصرها ... عجز البيان وباء بالتقصير
من بعضها كسر الهوى وبكسره ... فوز الفتى بعوارف التحبب
стр. 81
وصفا القلوب وحفظها في سيرها ... من علة التكدير والتأثير
وإدامة السهر الذي هو مقصد ... في شرع أهل الجد والتشمير
وسلامة الجسد الذي هو مركب ... للقصد من علل ومن تغيير
وهو المذكر بالفقير وحاله ... ولرب خير جاء في التذكير
وبه على الإيثار تحصل مكنة ... تبدو لطائفها لكل بصير
وعلى العبادة أي عون للفتى ... في ضمنه بل أيما تيسير
وبه انحسام مواد كل ضرورة ... يأتي من الشيطان للتغرير
والمرء ذو مؤن وفي تقليله ... طرح لما يدعو إلى التكثير
فأجع فؤادك للوفا متعرضا ... واسلك سبيل محقق وخبير
واعلم بأن الجوع في شرع الولا ... مفتاح باب الفتح عن تحرير
والأولى أن يكون ما يأخذه من الطعام والشراب ما ورد: "بحسب ابن آدم
стр. 82
لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسه"١، وأما زيادته على ذلك فهي من الإسراف، وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الكلمات الطب كله٢.
ومنها: أن يقلل استعمال المطاعم٣ التي هي من أسباب البلادة، وضعف الحواس كالتفاح الحامض، والباقلا، وشرب الخل، كذلك ما يكثر استعماله البلغم المثقل للبدن، والمبلد للذهن ككثرة الألبان والسمك وأشباه ذلك.
وينبغي أن يستعمل ما جعله الله تعالى سببا لجودة الذهن كمضع اللبان والمصطكي على حسب العادة، وأكل الزبيب بكرة والجلاب ونحو ذلك مما ليس هذا موضع شرحه٤.
وينبغي أن يجتنب ما يولد النسيان بالخاصية كأكل سؤر الفأر، وقراءة ألواح القبور، والدخول بين جملين مقطورين، والشق بين الغنم والمعز، وليقرأ سورة "إيلاف قريش" إذا دخل في الشياه؛ لقوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] وإلقاء القمل ونحو ذلك من المجربات، ونحو ذلك من المحذرات الواردة، وللحافظ البرهان الناجي٥ في ذلك كتاب "قلائد العقيان فيما يورث
стр. 83
الفقر والنسيان"١ جمع فيه فأوعى، وقد اختصره المرحوم شيخنا الرضي والد المصنف شيخ الإسلام في أرجوزة سماها "نظم القلائد٢".
ومنها: أن يقلل نومه ما لم٣ يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة على ثمان ساعات، وهو ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل، ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كَلَّ باستراحة وتنزه وتفرج في المستنزهات بحيث يعود إلى حاله، ولا يضيع عليه زمانه، ولا بأس بمعاناة المشي، ورياضة البدن٤ به، فقد قيل: إنه ينعش الحرارة، ويذيب فضول الأخلاط، وينشط البدن، ولا بأس بالوطء الحلال إذا احتاج إليه، فقد قال الأطباء: إنه يخفف الفضول، وينشط ويصفي الذهن إذا كان عند الحاجة إليه باعتدال، ويحذر كثرته كل الحذر، فإنه يضعف السمع والبصر والعصب والحرارة والهضم، ويحدث غير ذلك من الأمراض المردية، وهو كما قيل: ماء الحياة يصب في الأرحام٥.
ومنها: أدعية وفوائد وردت يستعان بها على حفظ القرآن والعلم، فينبغي مراعاتها، وإن كان غالبها ضعيفا٦ عن ابن عباس مرفوعا٧: "من سره أن يودعه
стр. 84
الله القرآن وحفظ أصناف العلوم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف، أو في صحفة قوارير بعسل وزعفران وماء مطر، ويشربه على الريق، وليصم ثلاثة أيام، وليكن إفطاره عليه، ويدعو به في أدبار الصلوات المكتوبة: اللهم إني أسألك بأنك مسئول لم يسأل مثلك، أسألك بحق محمد ﷺ رسولك ونبيك، وإبراهيم خليلك وصفيك، وموسى كليمك ونجيك، وعيسى كلمتك وروحك، وأسألك بصحف إبراهيم وتوراة موسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى، وفرقان محمد ﷺ وعليهم أجمعين، وأسالك بكل وحي أوحيته، وبكل حق قضيته، وبكل سائل أعطيته، وأسألك بأسمائك التي دعا بها أنبياؤك فاستجبت لهم، وأسألك باسمك المخزون المطهر، الطاهر المبارك المقدس، الحي القيوم ذي الجلال والإكرام، وأسألك بأسمائك: الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر، الذي ملأ الأركان كلها، وأسألك باسمك الذي وضعته على السماوات فقامت، وأسألك باسمك الذي وضعته على الأرضين فاستوت، وأسألك باسمك الذي وضعته عل الجبال فرست، وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار، وأسألك باسمك الذي تحيي به العظام وهي رميم، وأسألك بكتابك المنزل بالحق، ونورك التام: أن ترزقني حفظ القرآن، وحفظ أصناف العلوم، وتبثها في قلبي، وأن تستعمل بها بدني في ليلي ونهاري أبدا ما أبقيتني يا أرحم الراحمين١.
وروي عن بكر بن خنيس٢ قال: من أحب أن يقرأ القرآن، ولا ينسى منه شيئا -بإذن الله فليقل: اللهم افتح علينا
стр. 85
رحمتك، وانشر علينا رحمتك، وعن سنيد١ قال: من أحب ألا ينسى شيئا فليقل: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] وقال بعض الصالحين: إذا قرأت شيئا ثم قمت عنه فقل: اللهم إني أستودعك ما قرأته فاردده عليَّ وقت حاجتي إليه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم٢.
وغسل الرأس يزيد في الحفظ، وتركه ينقص من الحفظ، ومن أراد أن يحفظ العلم فعليه بخمس خصال: صلاة الليل ولو ركعتين، والدوام على الوضوء، والتقوى في السر والعلانية، وأن ينوي بأكله القوة على الطاعة، والسواك في كل صلاة وعند تغير الفم، ومن كتب آية الكرسي في كفه اليسرى بيده اليمنى سبع مرات بزعفران في كل مرة يلحسها بلسانه لم ينسَ شيئا أبدا، ومن قال أربعين مرة مساء: اللهم اجعل نفسي نفسا طيبة طائعة حافظة تؤمن بلقائك وتقنع بعطائك، وترضى بقضائك لم ينس شيئا أبدا، ومن قال عند رفع ما يقرأه: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد كل حرف كتب ويكتب أبد الآبدين ودهر الداهرين، فإنه لا ينسى منه شيئا أبدا، ومما يفيد للحفظ قولك عقب كل صلاة: آمنت بالله الواحد الأحد، الحق المبين لا شريك له وكفرت بما سواه. انتهى.
стр. 86
القسم الثاني: آدابهما في درسهما واشتغالهما ١
فمنها: ألا يزال كل منهما مجتهدا في الاشتغال قراءة ومطالعة وتعليقا ومباحثة ومذاكرة وفكرا وحفظا وإقراء وتصنيفا إن تأهل لهما، ووظائف الأوراد في كل الأحوال.
ومنها: ألا يخل بوظيفته من حضور درس ومذاكرة وقراءة ونحوها ولو لعروض مرض خفيف، أو ألم لطيف، وليستشف بالعلم وليشتغل بقدر الإمكان كما قيل "من البسيط":
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ... ونترك الذكر أحيانا فننتكس٢
هذا والحكايات عن السلف في ارتكابهم الأهوال في طلب العلم مشهورة، مدونة في كتب التواريخ والسير ومسطورة٣.
حكى الإمام عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي٤ تلميذ الإمام فخر الدين
стр. 87
الرازي١ عن جلالة الإمام واجتهاد طلبته٢: أنه صحب طلبة الإمام في ثلج أبيض، ونوء بات ياسمينه على الأرض ينفض، والثلج قد أبطل كل حركة وكيف لا وهو بلا شك كافور، والسحائب عم عطاؤها في البلد، فساوى بين مستفل الأرض وشرفات السور، وهمتهم مع ذلك لم تخمد نيرانها، ولم تفتر عن سماع كلام الإمام آذانها، وإن عامت الأرض لكثرة الماء، وعمت الجدران سحائب السماء، وأبت همتهم: أن تبطل فوائد الإمام، ولو بطلت منهم الحواس الخمس، ونفوسهم أن تغيب عن كلماته وإن غابت تحت الغمام عين الشمس، ووضعوا على رءوسهم كساء يمنع وصول المطر، وفتحوا المحصول٣ وشرع واحد يقرأ ثم واحد، والإمام لا يدني رأسه من الكوة إلا لمن يرتضيه، فمنهم من يجيبه، ومنهم من يقرأ إلى آخر درسه والإمام لا يلتفت إليه، ولا ينظر فيه، تمرينا منه ﵀ لهم على الآداب، وتعريفا لمقدار العلم، وإن اقتحم ذو العزيمة الأهوال وظن أن همته تعلو على السحاب.
ومنها: أن يجتهد ألا يحضر مجلس الدرس إلا متطهرا من الحدث والخبث ومطيبا بدنه وثوبه، قاصدا بذلك تعظيم العلم، وتبجيل الشريعة، وإن كان في مسجد نوى في ابتداء جلوسه الاعتكاف.
ومنها: ألا يسأل أحدا تعنتا وتعجزا، فإنه لا يستحق جوابا، وسيأتي النهي عن ذلك.
стр. 88
ومنها: أن يتصور ويتأمل ويهذب ما يريد أن يورده، أو يقرره أو يسأل عنه قبل إبرازه والتفوه به؛ ليأمن من صدور هفوة، أو زلة، أو وهم، أو انعكاس فهم، لا سيما إن كان هناك من يخشى منه أن يصير ذلك عليه وصمة، ويجعله عند نظرائه ومن يحسده وسمة، والله هو الموفق، وهو اللطيف الخبير.
ومنها: ألا يستنكف من التعلم والاستفادة١ ممن هو دونه في منصب أو سن أو نسب أو شهرة أو دين أو في علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، فقد كان كثير من السلف يستفيدون من تلاميذهم ما ليس عندهم، قال الحميدي٢ وهو تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل، وكان يستفيد مني الحديث٣، وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لي حتى آخذ به٤، وقد ثبت في الصحيحين٥ وغيرهما رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وروى جماعات من التابعين عن تابع التابعين، وهذا عمرو بن شعيب٦ ليس تابعيا، وقد روى عن أكثر من سبعين من التابعين، وأبلغ من هذا ما ثبت في الصحيحين٧ من أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ
стр. 89
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] على أُبي بن كعب١ ﵁ وقال: "أمرني الله أن أقرأ عليك" ٢، هذا وقد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد٣:
الأولى: بيان التواضع من الفاضل بقراءته على المفضول، قال ﷺ : "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها التقطها"، وفي رواية: "فهو أحق بها"٤، وقال سعيد بن جبير٥: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعضهم "من الطويل":
وليس العمى طول السؤال وإنما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل٦
الثانية: ألا يستحي من السؤال عما لا يعلم، وعن مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر٧.
стр. 90
الثالثة: الانقياد إلى الحق بالرجوع عند الهفوة، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
الرابعة: ترك المراء والجدال، وجعل الأخبار الواردة في ذلك نصب عينيه، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا زعيم ببيت في ربض ١ الجنة، وببيت في وسط الجنة، وببيت في أعلى الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقا، وترك الكذب وإن كان مازحا، وحسَّن خلقه" ٢، والأخبار في ذلك كثيرة، والله أعلم.
стр. 91
النوع الثاني: آداب يختص بها المعلم وقد يشاركه في بعضها المتعلم
القسم الأول: آدابه في نفسه وتقدم منها جملة في الآداب المشتركة
...
النوع الثاني: آداب يختص بها المعلم، وقد يشاركه في بعضها المتعلم:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة: ١٥٩] وفي الصحيح: "ليبلغ الشاهد الغائب" ١، ويتعين على طالب العلم ألا ينتصب للتدريس حتى تكمل أهليته، واعلم أن آدابه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع طلبته، وآدابه في درسه.
القسم الأول: آدابه في نفسه ٢ وتقدم منها جملة في الآداب المشتركة
ونذكر هنا ما يختص بها غالبا:
فمنها: أنه يتعين على طالب العلم ألا ينتصب للتدريس حتى تكمل أهليته ويشهد له به صلحاء مشايخه، ففي الخبر الصحيح٣: "المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور"، وقال الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه٤، وعن أبي حنيفة: من طلب الرئاسة في غير حينه لم يزل في٥ ذل ما بقي.
стр. 92
ولبعضهم١ "من الطويل":
تصدر للتدريس كل مهوس ... جهول تسمى بالفقيه المدرس٢
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس
ومنها: ألا يطلب على تعليمه أجرا، ولا يقصد به جزاء ولا شكورا، قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] .
ومنها: ألا يذل العلم، ولا يذهب به إلى مكان ينسب إلى من يتعلمه منه وإن كان المتعلم كبير القدر، بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف وأخبارهم في هذا كثيرة مشهورة مع الخلفاء وغيرهم، قال الزهري٣: هوان العلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم٤، فإن دعت ضرورة وحسنت فيه نية صالحة فلا بأس، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من ذلك، وقد أجاد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني٥ في معنى ذلك "من الطويل":
стр. 93
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما١
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما
وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت ... أقلب كفي إثره متندما
ولم أقضِ حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سلما
إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
стр. 94
ومنها -وقد مر معناه: أن يكون عاملا بعلمه غير مناقض فعله قوله؛ ولذلك قيل "من الكامل":
لا تنهَ عن خلق وتأتيَ مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم١
قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] .
قال علي ﵁: قصم ظهري عالم متهتك، وجاهل متنسك، فالجاهل يغش الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه، ولبعضهم في معنى ذلك "من الكامل":
فساد كبير عالم متهتك ... وأكبر منه جاهل متنسك٢
هما فتنة للعالمين عظيمة ... لمن بهما في دينه يتمسك
ومنها: أن يستحضر في ذهنه التعليم آكد العبادات؛ ليكون ذلك حاثا له على النية الصالحة، والنفع العام للطلبة، ولا ينبغي أن يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية٣، فالامتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحهما إذ أنس بالعلم، وقد قالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبَى أن يكون إلا لله٤، معناه: كانت عاقبته أن صار لله.
стр. 95
القسم الثاني: آداب المعلم مع طلبته
...
القسم الأول: آداب المعلم مع طلبته ١:
فمن ذلك إذا لمح في المتعلم خيرا، وآنس فيه رشدا، ينبغي له أن يؤدبه على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية، والدقائق الخفية، ويعوِّده الصيانة في جميع أموره الكامنة والجلية، فيحرضه بالأقوال والأفعال على الإخلاص والصدق وحسن النيات، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، وأن يداوم على ذلك حتى الممات، ويعرفه أن بذلك تنفتح عليه أبواب المعارف، وتنفجر من قلبه ينابيع الحكمة واللطائف، ويوفق للإصابة في قوله وفعله.
ومن ذلك أن يرغبه في العلم٢، ويذكره بفضائله وفضائل العلماء، وأنهم ورثة الأنبياء، وأنهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء، ونحو ذلك مما ورد في فضل٣ العلم والعلماء من الآيات والأخبار، والآثار والأشعار، ويرغبه مع ذلك بتدريج على ما يعين على تحصيله من الاقتصار على الميسور، وقدر الكفاية من الدنيا، والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها، وتفريق الهم بسببها.
ومن ذلك أن يحب له ما يحب لنفسه٤، ويكره له ما يكره لنفسه من الشر، ففي الصحيحين: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٥
стр. 96
وعن ابن عباس ﵁: أكرم الناس عليَّ جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إليَّ، لو استطعت ألا يقع الذباب عليه لفعلت١، ويعتني بمصالحه٢ كاعتنائه بمصالح نفسه وولده، ويجعله كولده في الشفقة عليه، والاهتمام بمصالحه.
وربما٣ وقع منه نقص وسوء أدب في بعض الأحيان، فيبسط له عذره بحسب الإمكان، وينبهه على ما صدر منه بنصح وتلطف، لا بتعنيف وتعسف، قاصدا بذلك حسن تربيته، وتحسين خُلُقه، وإصلاح طويته.
ومن ذلك أن يزجره٤ عن سوء الأخلاق، وارتكاب المحرمات والمكروهات، أو ما يؤدي إلى فساد حال، أو ترك اشتغال، أو إساءة أدب، أو عشرة من لا يليق، ونحو ذلك بطريق التعريض والتلويح، لا بطريق التصريح، وبطريق الرحمة، لا بطريق التوبيخ والنقمة، فإن التصريح يرفع حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيج الحرص على الإصرار، وينبهك على هذا قصة آدم وحواء ﵉، وهو قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٥، ٣٦] وفي سورة طه: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] وقد ورد: لو مُنع الناس عن فت البعر لفتوه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء٥، ولبعضهم "من الكامل":
النفس تهوى من يجور ويعتدي ... والنفس مائلة إلى الممنوع
стр. 97
ولكل شيء تشتهيه طلاوة ... مدفوعة إلا عن المدفوع
وانظر إرشاد رسول الله ﷺ وتلطفه مع الأعرابي الذي بال في المسجد١، ومع معاوية بن الحكم٢ لما تكلم في الصلاة٣ فإن انزجر لذكائه بالإشارة فذاك، وإلا نهاه سرا، فإن لم ينته نهاه جهرا، ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال لينزجر هو وغيره، ويتأدب به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده والإعراض عنه إلى أن يرجع، وكذلك يتعهده بإفشاء السلام وحسن التخاطب في الكلام، وبالجملة فكما يعلمهم مصالح دينهم، لمعاملة الله يعلمهم مصالح دنياهم، لمعاملة الناس ليكمل لهم فضيلة الحالتين، وبالله التوفيق.
ومن ذلك ألا يتعاظم على المتعلمين، بل يلين لهم القول، ويتواضع لهم، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] وقال ﷺ : "إن الله أوحى إلَيَّ أن تواضعوا" ٤، والأحاديث في التواضع ولين الجانب كثيرة٥، وهذا التواضع لمطلق الناس، فكيف بهؤلاء الذين كأولاده مع
стр. 98
ملازمتهم واعتمادهم عليه في طلب العلم، ومع ما هم عليه من حق الصحبة، وحرمة التردد، وشرف المحبة، وصدق التودد، وفي الخبر عنه ﷺ : "علموا ولا تعنفوا؛ فإن المعلم خير من المعنف"١، وعنه ﷺ : "لِينُوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه"٢.
ومن ذلك أن يوقر طلبته ويعظمهم، ويحسن خُلقه معهم، ويرحب بهم إذا لقيهم، ويعاملهم بالبشاشة وطلاقة الوجه، ويحسن إليهم بعلمه وماله وجاهه بحسب التيسير، وينبغي٣ أن يخاطب كلا منهم -لا سيما الفاضل للتمييز- بكنيته ونحوها من أحب الأسماء إليه، وما فيه من تعظيم وتوقير.
ففي الخبر عن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يكني أصحابه إكراما لهم٤، وجاء كثيرا مخاطبته لأبي بكر ﵁ بالصديق٥ فإن ذلك ونحوه أشرح لصدورهم، وأبسط لسؤالهم، وكان البويطي٦ يدني القراء ويقربهم إذا طلبوا العلم، ويعرفهم فضل الشافعي، وفضل كتبه، ويقول: كان الشافعي يأمر بذلك ويقول: اصبروا للغرباء وغيرهم من التلاميذ٧، وقيل: كان أبو حنيفة أكرم الناس مجالسة وأشدهم إكراما لأصحابه٨، وإذا غاب أحدهم غيبة زائدة عن
стр. 99
العادة سأل عنه، فإن لم يخبر عنه أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل، وإن كان مريضا عاده، أو في غم خفض عنه، أو مسافرا تفقد أهله، وتعرض لقضاء حوائجهم ووصلهم بما أمكن.
ومن ذلك ينبغي أن يستعلم أسماء طلبته، وحاضري مجلسه وأنسابهم، ومواطنهم وأحوالهم، وأن يكون سمحا ببذل ما حصله من العلم، سهلا بإلقائه، متلطفا في إفادة طالبيه، مع إرشاد إلى المهمات، وتحريض على حفظ ما يبذله لهم من الفوائد، ولا يدخر عنهم ما يحتاجون إليه، أو يسألون عنه؛ لأن ذلك ربما يوحش صدورهم، وينفر قلوبهم، وكذلك لا يلقي لهم شيئا لم يتأهلوا له؛ لأن ذلك يبدد أذهانهم، ويفرق أفهامهم، فإن سأله الطالب من ذلك شيئا فيعرفه أن ذلك يضره، وأنه لم يمنعه شحا، بل شفقة ونصحا، ثم يرغبه في التحصيل ليتأهل لذلك، وقد روي في التفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] إنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره١.
ومن ذلك صد المتعلم أن يشتغل بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض العين، وفرض عينه: إصلاح ظاهره وباطنه.
ومن ذلك أن يكون حريصا على تعليم الطلبة، مهتما بذلك، مؤثرا ذلك على حوائجه ومصالحه، ويفهم كل واحد بحسب فهمه، ولا يبسط له الكلام بسطا لا يضبطه حفظه، ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كلا على قدر درجته وفهمه وهمته، فيكتفي للحاذق بالإشارة، ويوضح لغيره بالعبارة، ويكررها لمن لا يفهمها إلا بتكرار، ويبدأ بتصوير المسألة، ثم يوضحها بالأمثلة، ويقتصر على ذلك من غير دليل ولا تعليل، فإن سهل عليه الفهم فيذكر له الدليل والتعليل، والمأخذ منه والمدرك، ويبين أسرار حكم المسألة وعللها
стр. 100
وتوجيه الأقوال، ويبين الفرق بين المسألتين، ومأخذ الحكمين، ويبين ما يتعلق بالمسألة من النكت اللطيفة، والألغاز الظريفة، والأمثال والأشعار واللغات وما يرد عليها، أو على عبارة ممليها، وينبه على غلط من غلط فيها من حكم أو تخريج فيقول مثلا: هذا هو الصواب أو الصحيح، وأما ما ذكره فلان فغلط أو ضعيف، قاصدا بذلك النصيحة لا التنقيص لمصنفه.
ومن ذلك أن يذكر لهم قواعد الفن التي لا تنخرم مطلقا، أو غالبا مع مستثنياتها أن لو كانت كقولنا: إذا اجتمع سبب ومباشرة، قدمنا المباشرة على السبب في الضمان، وإن اليمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة إلا في القسامة، وإذا اجتمع قولان: جديد وقديم، فالعمل بالجديد إلا في مسائل معدودة المشهور منه أربع عشرة مسألة، وأوصلها ابن الملقن١ إلى أكثر من ثلاثين ويذكرها أو ما حضره منها، وإن من قبض شيئا لغرضه لا يقبل قوله في الرد إلى المالك، ومن قبضه لغرض المالك قبل قوله في الرد إليه لا إلى غيره٢، وإن الحدود تسقط بالشبهة، وإن الاعتبار في اليمين بالله تعالى أو الطلاق أو العتاق أو غيرها بنية الحالف إلا أن يكون المستحلف قاضيا فاستحلفه بالله لدعوى اقتضته فالاعتبار بنية القاضي، أو نائبه المستحلف إن كان الحالف يوافقه في الاعتقاد وإلا فوجهان، وإن كل يمين على نفي فعل الغير فهي على نفي العلم إلا من ادعي عليه أن عبده جنى فيحلف على البت على الأصح، أو بهيمته جنت فيحلف على البت قطعا، وإن السيد لا يثبت له مال في ذمة عبده
стр. 101
ابتداء، وفي ثبوته دواما وجهان، وكل عبادة يخرج منها بفعل منافيها ومبطلها إلا الحج والعمرة، وكل وضوء يجب فيه الترتيب إلا وضوءا تخلله غسل الجنابة١، وإن ما لا يجب التعرض له في العبادة جملة ولا تفصيلا لا يضر الخطأ فيه، وما يجب التعرض له تفصيلا أو جملة يضر الخطأ فيه:
الأول: كخطأ الإمام في تعيين تابعه لا يضر.
والثاني: كخطئه من الصوم إلى الصلاة، أو من صلاة فرض معين إلى غيره.
والثالث: كخطأ المأموم في تعيين الإمام.
وإن إشارة الأخرس٢ كنطقه إلا في أربع مسائل: الشهادة في الأصح، وإبطال الصلاة، وانعقاد اليمين، وإذا حلف لا يكلم زيدا فأشار إليه، وإن إشارة الناطق القادر على العبارة لغو إلا في أربع مسائل: الأمان، وإشارة الشيخ في رواية الحديث، وقوله: أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه، وإذا سُلم على المصلي يرد بالإشارة، نص عليه في القديم٣، وأشباه ذلك.
وكذلك يبين٤ له جملا مما يحتاج إليه وينضبط من أصول الفقه؛ كترتيب الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب عند من يقول به، وأنواع الأقيسة ودرجاتها، وحد الأمر والنهي والعموم والخصوص وغيرها، وأحكام ذلك وقواعده، وجملا من٥ أسماء المشهورين من الصحابة فمن بعدهم من العلماء والأخيار، وتراجمهم ووفياتهم، وضبط المشكل من أنسابهم وأسمائهم والمشتبه من ذلك، والمختلف والمؤتلف، ونحو ذلك، وجملا من
стр. 102
الألفاظ اللغوية والعرفية المتكررة في الفقه ضبطا لمشكلها، وخفي معانيها فيقول: هي مفتوحة، أو مضمومة، أو مكسورة، مخففة أو مشددة، مهموزة أو لا، عربية أو أعجمية أو معربة، وهي التي أصلها عجمي وتكلمت فيها العرب، مصروفة أم لا، مشتقة أو لا، مشتركة أم لا، مترادفة أم لا١.
وأن المهموز والمشدد يخففان أم لا، وأن فيها لغة أخرى أم لا، ويبين ما ينضبط من قواعد التصريف ونحو ذلك، وإذا وقعت مسألة غريبة لطيفة، أو مما يسأل عنه في المعاياة نبه عليها، وعرفهم حالها، ويكون تعليمه إياهم كل ذلك تدريجا شيئا فشيئا، فيجتمع لهم مع طول الزمان جمل كثيرة٢، والله أعلم.
ومن ذلك أن يحرضهم على الاشتغال في كل وقت، ويطالبهم بإعادة محفوظاتهم، فمن وجده حافظا مراعيا لمحفوظاته ومهماته وقواعده أثنى عليه وأشاع ذلك، ومن وجده مقصرا عنفه وأعاده له ليحفظه حفظا راسخا٣.
ومن ذلك ينبغي له أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل ويختبر بذلك أفامهم، ودليل ذلك ما رواه الشيخان عن ابن عمر٤ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن من الشجر شجرة ... " ٥ الحديث.
стр. 103
ومن ذلك إذا فرغ من شرح درس فلا بأس بطرح١ مسائل تتعلق به على الطلبة، وإعادة ذكر ما أشكل منه؛ ليمتحن بذلك فهمهم وضبطهم لما شرحه لهم. فمن ظهر استحكام فهمه شكره، ومن لم يفهم تلطف في إعادته، والمعنى: أنه ربما استحى من قوله: لم أفهم، وسبب هذا: إما رفع كلفة الإعادة على الشيخ، أو لضيق الوقت، أو حياء من الحاضرين، أو كي لا تتأخر قراءة بعضهم بسببه؛ ولذلك قيل٢: لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب: هل فهمت؟ إلا إذا أمن من قوله نعم قبل أن يفهم، وينبغي للشيخ٣ أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس، وإعادة ما وقع من التقرير بعد فراغه ليثبت في أذهانهم، وإذا فهم الشيخ فائدة من البعض في البحث وإن كانت من صغير فينصفه بها، ويشكره عليها، فإن ذلك من بركة العلم، ولا يظهر الشيخ للطلبة تفضيل٤ بعضهم على بعض لا سيما إذا تساووا في الصفات: من سن أو فضيلة، أو تحصيل أو ديانة، فترجيح بعضهم على بعض مما يوغر الصدور، فإذا ظهرت فضيلته يثني عليه في حد ذاته من غير تصريح بأن فلانا أفضل من فلان، فاعلم ذلك.
ومن ذلك أن يقدم في التعليم٥ الأسبق فالأسبق إذا ازدحموا، ولا يقدمه بأكثر من درس إلا برضى الباقين، ويختار إذا كانت الدروس في كتاب واحد باتفاق منهم وهو المسمى بالتقسيم أن يبدأ في كل يوم بدرس واحد منهم، فإن الدرس الأول ربما حصل فيه من النشاط والتقرير ما لا يحصل في الباقي إلا إذا
стр. 104
علم من نفسه عدم الملالة، وبقاء النشاط، فيرتب الدروس ترتيب الكتاب، وإن رأى مع ذلك تقديم الأسبق ليحضر المتأخر على التقدم كان حسنا، ولا يقدم أحدا في نوبة غيره، ولا يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى في ذلك مصلحة، فإن سمع بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس، وإن جاءوا معا وتنازعوا أقرع كما سيأتي إن شاء الله في القسم الثالث من النوع الثالث.
ومن ذلك إذا سلك الطالب فوق ما يقتضيه حاله، وخاف ضجره أوصاه بالرفق بنفسه، وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر أمره بالراحة، ولا يشير على الطالب بتعلم ما لا يحتمله فهمه أو سنه، ولا كتاب يقصر عنه ذهنه، فإن استشاره من لا يعرف حاله في قراءة فن مشكل أو كتاب مشكل لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه، ويعلم حاله، فإن لم يحتمل الوقت التأخير أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى فهمه جيدا نقله إلى كتاب يليق بذهنه؛ لأن نقل الطالب الذكي يزداد به فهمه واجتهاده وانبساطه، ونقل الطالب غير الذكي يكل فهمه ونشاطه، ولا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر إذا لم يضبطهما، بل يقدم الأهم فالأهم، وإذا غلب على ظنه أنه لا يفتح عليه في ذلك الفن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فلاحه فيه، وإذا كان الشيخ متكفلا ببعض العلوم، فلا يقبح للطالب باقي العلوم التي لا يحسنها؛ إذ من عادة معلم اللغة تقبيح الفقه، ومعلم الفقه تقبيح علم الحديث والتفسير، بل يوسع على الطالب طريق التعلم مطلقا.
ومن ذلك ألا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره، قال النووي: وهذه مصيبة يبتلى بها جهلة المعلمين لغباوتهم، وفساد نيتهم وإرادتهم بالتعليم غير وجه الله، وهذا إذا كان المعلم الآخر أهلا، فإن كان فاسقا أو مبتدعا أو كثير الغلط فليحذره من الاغترار به، والله يعلم المفسد من المصلح، والله تعالى أعلم.
стр. 105
القسم الثالث: آدابه في درسه
...
الفصل الثالث: آدابه في درسه ١:
فمنها: إذا عزم على التدريس أن يتطهر من الحدث والخبث، فلا يلقي الدرس إلا على الطهارة، وأن ينظف ويطيب بدنه وثوبه، ويختار له لبس البياض، ولا يعتني بفاخر الثياب، ولا يقتصر على خلق ينتسب صاحبه إلى قلة مروءة، وأن يتطيب ويسرح لحيته، ويزيل كل ما يشينه.
كان الإمام مالك ﵁ إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا ووضع رداء على رأسه، ثم يجلس على منصة، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
ومنها: قال ابن جماعة٣: يصلى ركعتي الاستخارة وينوي نشر العلم وتعليمه وبث الفوائد الشرعية، والاجتماع على ذكر الله، وإذا خرج من بيته للدرس فيدعو بما ورد في الصحيح عن النبي ﷺ فيقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل أو أُضَل، أو أَزِل أو أُزَل، أو أَظْلِم أو أُظْلَم، أو أَجْهَل أو يُجْهَل عليَّ، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك" ٤، ثم يقول: "باسم الله وبالله
стр. 106
حسبي الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ثبت جناني، وأدر على الحق لساني"١، ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى المجلس، فإذا وصل يسلم على مَن حضر، ويصلي ركعتين "إن لم يكن وقت كراهة"٢، فإذا كان مسجدا تأكدت الصلاة وإن كان وقت كراهة، ثم يجلس بوقار وسكينة وتواضع وخشوع، والأولى أن يكون مستقبل القبلة٣ كيف اتفق لا مقعيا إلا قعاء٤ المكروه في الصلاة ولا مستوفزا٥، ولا رافعا إحدى رجليه على الأخرى، ولا مادا رجليه أو إحداهما من غير عذر، وأن يصون بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه، ويديه عن العبث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك؛ فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة٦.
ومنها: أن يحسن خلقه مع جلسائه ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو صلاح أو شرف أو نحو ذلك، ويرفعهم في المجلس على حسب تقديمهم في الإمامة ويكرمهم بحسن السلام، وطلاقة الوجه، والبشاشة والابتسام وبالقيام لهم على سبيل الاحترام٧، ولشيخ الإسلام محيي الدين في الترخيص في كتاب مستقل٨
стр. 107
شفى فيه الغليل، وأتى فيه بواضح الدليل، وأجاب عما يوهم كراهته، نفع الله ببركاته.
ومنها: أن يقدم تلاوة القرآن العظيم في البحث والتدريس، ثم إن كان في مدرسة اتبع شرطها، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين١ بعد أن يدعو للعلماء الماضين، ومشايخه ووالديه والحاضرين ولواقف المكان، وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبا والكل حسن، وقد عمل قوم بالأول، وقوم بالثاني٢. انتهى.
ويستحب لهم إذا اجتمعوا للعلم قراءة سورة، وكان الحافظ الشهاب ابن حجر٣ يستفتح مجلس إملائه بسورة الأعلى، وسُئل عن الحكمة في قراءتها فقال: تبعت في ذلك شيخنا العراقي٤ ومناسبتها: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] . ويستحب إذا اجتمع صاحبان أن يقرآ قبل التفرق سورة العصر، ولمن رأى ما يحب أن يقول: الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، أو يكره: الحمد لله
стр. 108
على كل حال، أو أعجبه شيء: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولمن أتاه خبر صالح: اللهم لك الحمد شكرا، ولك المن فضلا، ولمن غضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولمن قام من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وفي رواية: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وفي رواية: اللهم تب علي واغفر لي ثلاثا، وفي رواية: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين١.
ومنها: إذا تعددت الدروس٢ أن يقدم أشرف العلوم وأهمها، فيقدم التفسير ثم الحديث ثم الفقه، ثم الأصول أصول الدين ثم أصول الفقه ثم المذهب ثم الخلاف أو النحو أو الجدل، وبعضهم أخَّر الجدل عن الخلاف، وكان بعضهم يختم درسه٣ برقائق تفيد تطهير الباطن، فإن كان في مدرسة لواقفها في الدروس شرط اتبعه ولا يخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله.
ومنها: ألا يطيل٤ مجلسه تطويلا يملهم أو يمنعهم فهم الدرس وضبطه؛ لأن المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فات المقصود، ولا يقصره تقصيرا يخل، فيراعي المصلحة في التطويل والتقصير.
ومنها: ألا يدرس٥ وبه ما يزعجه ويذهب استحضاره؛ كمرض أو جوع أو عطش٦ أو مدافعة حدث أو شدة فرح أو غم أو غضب أو نعاس أو قلق، ولا
стр. 109
في حال برده المؤلم، وحره المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر، ولا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين؛ بل يكون واسعا مصونا من الحر والبرد والريح والغبار والدخان ونحو ذلك.
ومنها: ينبغي مراعاة١ مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في النهار، وأفتى بعض أكابر العلماء أن المدرس إذا درس قبل طلوع الشمس أو أخره إلى بعد الظهر لم يستحق معلوم التدريس إلا أن يقتضيه شرط الواقف لمخالفته العرف المعتاد، ولا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنعهم من كمال الفهم٢، روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع"٣، قال أبو عثمان محمد٤ بن الإمام الشافعي ﵄: ما سمعت أبي يناظر أحدا قط فرفع صوته٥؛ أي: لم يرفع فوق العادة٦، فإن حضر فيهم ثقيل السمع، فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه٧.
ومنها: أن يصون مجلسه من اللغط، وعن رفع الأصوات، وسوء الأدب في المباحثة واختلاف جهات البحث٨، قال الربيع٩: كان الشافعي إذا ناظره أحد
стр. 110
في مسألة فغدا إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة ثم نعود إلى ما تريد١، والقصد من البحث ظهور الحق، وحصول الفائدة، واستفادة البعض من البعض لا القيام مع النفوس والجدل والمماراة، فإن ذلك مذموم شرعا، فلا يليق بأهل العلم تعاطي المناقشة بالمنافسة والشحناء؛ لأن ذلك يورث العداوة والبغضاء، بل يجب الاجتماع على الحق، عملا بقول الله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] وليزجر من تعدى في بحثه، وظهر منه سوء أدب، أو لدد٢، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام، أو تحدث مع غيره، أو ضحك، أو استهزأ بأحد٣، وينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليه على قدر منازلهم، ويوقظ النائم، وينبه الغافل، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها٤.
ومنها: أن يلازم٥ الإنصاف في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مورده على وجهه، وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده لحياء ونحوه عبَّر الشيخ عن مراده، وبين وجه إيراده، ثم يجيبه عن ذلك السؤال، ويفهمه إياه على أحسن منوال، وينبغي أن تيودد لغريب حضر عنده لينشرح صدره، فإن للقادم دهشة٦.