والظاهر أن زيادة المد الثابت عن أهل مصر على خلاف ما سواهم عليه من ترك الزيادة. والذي أختاره الزيادة في مد ذلك وإشباعه من غير إفراط ولا خروج عن حد كلام العرب، فأتبع القوم على ما رووا عن صاحبهم، ويكون ذلك أعون على التمطيط والتجويد الذي نلتزمه، ولا أخرج مع ذلك عن الاستناد إلى علة مجوزة لذلك.
وتلك العلة ما ذكره لي أبي ﵁ وأملاه علي فقال: إنما أشبع ورش المد في حرف المد بعد الهمزة في "آمن، وأوتي، وإيمان" إتباعا لإشباع مد حرف المد إذا كانت بعده الهمزة في ﴿جَاءَ﴾ ، و ﴿لِيَسُوءُوا﴾ [الإسراء: ٤] ، و ﴿تَفِيءَ﴾ [الحجرات: ٩] وذلك لأن المد إنما يستعمل وصلة إلى اللفظ بالهمزة؛ لأن المد ينتهي به إلى مخرج الهمزة فيسهل النطق به، وإذا تقدمت الهمزة فقد حصل النطق بها، ولم يحتاجوا إلى مد يوصل، فكان ذلك المد لمجرد الإتباع لا لعلة موجبة، والاعتلال بالإتباع في كلامهم كثير.
قال: وما خرج عن هذا فهو استثناء من هذا الأصل، ورجوع إلى لغة من لم يتبع "كالقرآن، والظمآن" ونحوه.
الأصل الثاني: الياء والواو إذا انفتح ما قبلهما، وأتى بعدهما همزة في كلمة واحدة، ويسميها القراء حرفي اللين نحو "شيء، وشيئا، وكهيئة، واستيئسوا، وسوأة أخي، وسوآتكم، وسوآتهما" وشبهه.
فكانوا يأخذون لورش بزيادة التمكين للمد في ذلك، فمنهم من يفرط، ومنهم من يتوسط، واستثنوا من ذلك ﴿مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨] ، و ﴿الْمَوْؤُودَةُ﴾ [التكوير: ٨] فلم يزيدوا في تمكينه، زاد أبو محمد مكي وغيره "سوآتكم، وسوآتهما" قال: يمد ما بعد الهمزة ولا يمد ما قبلها.
وكان أبو عدي, فيما حكى عنه أبو الفضل الخزاعي، يمد ما جاء من لفظ "شيء، وشيئا" فقط غير مفرط فيه١، ويقصر فيما سوى ذلك، وهي رواية
стр. 247
طاهر بن غلبون، وأظن أنها رواية ابن سيف عن أبي يعقوب، والأوليين رواية النحاس عنه، على أن الأهوازي ذكر عن الخرقي عن ابن سيف المد في الياء والواو كما بدأنا به.
فأما الوقف على الممدود, فكل ما بقي في الوقف الموجب لمده مُد، وما زال فيه الموجب لمده لم يُمد.
فواتح السور:
المد في فواتح السور إنما هو لعلة التقاء الساكنين، فما كان فيه منها التقاء ساكنين مد، وما لم يكن فيه لم يمد.
وقد قسمها مكي وأبو عمرو أربعة أقسام:
قسم هجاؤه على حرفين نحو "ها، وحا، ويا، وطا" فهذا لا إشباع مد فيه، إنما هو التمكين الذي لا يخلو منه حرف المد فقط، إلا أن أبا عبد الله الطرفي حكى عن قوم أنهم أخذوا لورش خاصة فيه بالإشباع إتباعا لما التقى فيه ساكنان، ولم أر ذلك لغيره.
وقسم هجاؤه على ثلاثة أحرف أوسطها متحرك نحو "ألف" فهذا لا يعرض فيه مد؛ لأنه ليس فيه حرف مد.
وقسم هجاؤه على ثلاثة أحرف, ثانيه حرف مد ولين نحو "كاف، وميم، وقاف، وسين" فهذا للجميع من القراء، مشبع المد، وما كان منه مدغما أطول مما لم يكن مدغما عند أكثر أهل الأداء، وبعضهم يسوي بين المدغم وغيره، والمخفى كالمظهر في الحكم.
وقسم هجاؤه على ثلاثة أحرف، ثانيه ياء قبلها فتحة، وهو الذي أخبرتك أن القراء يسمونه حرف اللين، وذلك "عين" في ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] , و ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] لا غير، فهذا فيه لهؤلاء المتأخرين قولان:
منهم من يمده لورش وحده، ولا يمده لسائر القراء، وهو مذهب أبي عبد الله بن سفيان.
стр. 248
ومنهم من يمده للجماعة، فإذا قلنا: يمده للجماعة فيه, فمنهم من سوى بينه وبين حرف المد، وهو رأي ابن مجاهد، ومنهم من حطّه عنه، وهو مذهب ابن غلبون وأصحابه.
ولا أعلم أحدا ترك مد "عين" لورش، وإنما ذلك لأنه يمد "شيئا" وبابه، ومده لشيء يوجب مده لعين.
فأما سائر القراء فلا مد عنهم في "شيء" وبابه، فمن كان مذهبه من المتعقبين ترك المد في الوقف لما اجتمع فيه ساكنان لم يمد "عين" لأن حروف التهجي في حكم الموقوف عليها، ومن كان مذهبه المد في الوقف مد "عين" فاعلمه.
فأما ﴿الم، اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] في قراءة الجماعة و ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] في قراءة ورش فمن أهل الأداء من يراعي اللفظ, فلا يزيد في تمكين الياء من هجاء "ميم" فيهما لتحريك الميم، وعلى ذلك نص إسماعيل النحاس عن ورش.
ومنهم من يسوي بينه وبين ﴿الم، ذَلِك﴾ [البقرة: ١، ٢] وسائر ما لم تعرض فيه حركة، وهو القياس، وعليه أكثر الشيوخ للجميع من القراء.
فأما ما عرض فيه التقاء ساكنين في الوقف نحو: "تكذبان، والرحمن، ويعلمون، وتبصرون، وخبير، وبصير" وكذلك "لا ريب، والموت، وصالحين" فلأهل الأداء فيه مذهبان:
منهم من لا يمد شيئا من ذلك؛ لأن الوقف يحتمل اجتماع ساكنين، فحرف المد في هذا كغيره نحو "حفص وبكر"، وممن ذهب إلى هذا ابن سفيان.
ومنهم من يمد ويقول: إذ قدرت على الفرار من التقاء الساكنين لم أجمع بينهما.
وإلى هذا يميل أبي ﵁ وهو اختيار أبي الحسن الأنطاكي، وكلا القولين صواب.
وذكر سيبويه في "بكر وعمرو" أن من العرب من يكره فيه التقاء الساكنين، فينقل
стр. 249
حركة الحرف الموقوف عليه إلى ما قبله، فيقول: هذا البكر، ومن البكر، قال: "ولا يكون هذا في زيد وعون ونحوهما؛ لأنهما حرفا مد، فهما يحتملان ذلك كما احتملا أشياء في القوافي لم يحتملها غيرهما وكذلك الألف، ومع هذا كراهية الضم والكسر في الياء والواو، فإنك لو أردت ذلك في الألف قلبت الحرف".
قال أبو جعفر: فكأن هؤلاء الذين ينقلون الحركة يلتزمون مد حرف المدة، والذين لا ينقلون وهم أكثر العرب، لا يلتزمون ذلك، والله أعلم.
فأما تفضيل حرف المد واللين في هذا على حرف اللين, فعلى ما تقدم من اختلاف المتعقبين فيه، على أن أبا عمرو قد ذكر أن حذاق أهل الأداء على ترك المد في حرف اللين نحو ﴿الْمَوْتْ﴾ . وقد تقدم من نص سيبويه تسميته له حرف مد، وهو في حكم الوقف كحرف المد واللين، من مد أو تركه، على القولين، كما كانا في حكم الإدغام سواء، والله أعلم.
стр. 250
باب: سكت حمزة
كان حمزة يسكت على ما ينقل ورش فيه الحركة، وذلك كل ساكن بعده همزة من كلمة أخرى، وليس بحرف مد، سكتة خفيفة من غير قطع لنفسه، يريد بذلك التجويد والتحقيق وتبيين الهمزة لا الوقف نحو ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ، و ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، و ﴿عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ، و ﴿جَدِيدٍ، أَفْتَرَى﴾ ، و ﴿خَلَوْا إِلَى﴾ وشبهه.
وكذلك لام التعريف نحو "الأرض، والآخرة" لأن ذلك في حكم ما كان من كلمتين.
فإذا كان الساكن حرف مد لم يسكت, نحو: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ، و ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ، و ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ .
وكذلك إن كان الساكن مع الهمزة في كلمة نحو ﴿يَنْأَوْنَ﴾ ، و ﴿مِلءُ الْأَرْضِ﴾ ، و ﴿يَجْأَرُونَ﴾ ، و ﴿السَّوْءِ﴾ إلا في أصل مطرد، وهو ما كان من لفظ "شيء، وشيئا" لا غير، وكذلك كلمة ﴿يَسْأَمُونَ﴾ في [فصلت: ٣٨] وحدها.
стр. 251
هذه قراءتي على أبي القاسم ﵀ وقرأت على أبي ﵁ من طريق أبي عمرو بالسكت كذلك لخلف وحده إلا في كلمة ﴿يَسْأَمُونَ﴾ وبغير سكت لخلاد في شيء من ذلك.
وقرأت من طريق ابن غلبون بالسكت في الروايتين على لام المعرفة، وعلى "شيء، وشيئا" حسب، وهذا يسمى السكت الصغير.
وقال مكي عن أبي الطيب: السكت لخلف وحده على لام المعرفة، ولحمزة في روايتيه على "شيء، وشيئا". وقرأت على أبي القاسم من طريق الهاشمي عن الأشناني عن عبيد عن حفص بالسكت فيما نقل ورش إليه الحركة كحمزة.
وقرأت من طريق أبي طاهر عن الأشناني عن عبيد بغير سكت.
واختار عثمان بن سعيد السكت في رواية عبيد عن حفص؛ لأن أبا طاهر بن أبي هاشم رواه عن الأشناني تلاوة.
وقد قرأت بالسكت عن الكسائي وأبي بكر وورش من طرق لم نذكرها هنا.
الباقون بغير سكت.
стр. 252
باب: اختلاس الحركات وإسكانها
معنى الاختلاس: النطق بالحركة سريعة، وهو ضد الإشباع١.
وقد جاء عنهم اختلاس الحركة وإسكانها في حروف نذكرها, إن شاء الله تعالى.
من ذلك: ﴿بَارِئِكُمْ﴾ في الحرفين في [البقرة: ٥٤] و ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ ، و ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ حيث وقعا، و ﴿يَنْصُرْكُمُ﴾ في [آل عمران: ١٦٠] ، [والملك: ٢٠] ، و ﴿مَا يُشْعِرُكُمْ﴾ في [الأنعام: ١٠٩] .
قرأ أبو عمرو باختلاس الحركة فيهن، هكذا أتى به أحمد بن جبير عن اليزيدي، وهي رواية أبي زيد عن أبي عمرو.
وكذلك نص عليه سيبويه عن أبي عمرو فقال: "فأما الذين لا يشبعون فيختلسون
стр. 253
اختلاسا، وذلك مثل: يضربها، ومن مأمنك، يسرعون اللفظ، ومن ثم قرأ أبو عمرو ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ، ويدلك على أنها متحركة قولهم: من مأمنك، يبينون النون، فلو كانت ساكنة لم تبين النون".
قال أبو جعفر: واختار ابن مجاهد ما حكى سيبويه عن أبي عمرو وقال: هو أشبه بمذهبه، وهو كما قال، فقرأت من طريقه على أبي الزعراء عن الدوري بالاختلاس، وكذلك قرأت على أبي القاسم ﵀ لأبي شعيب من طريق الأهوازي، وهو اختيار أبي ﵁ الذي يأخذ به لأبي عمرو في رواية أبي عمر وأبي شعيب عن الشذائي، قال لي: وآخذ على المبتدئ لأبي شعيب بالإسكان.
وبالإسكان لأبي شعيب قرأت على غير أبي القاسم، وبه جاءت النصوص عن اليزيدي، وهو عند سيبويه مما يختص به الشعر، قال سيبويه: "وقد يجوز أن يسكنوا المجرور والمرفوع في الشعر، شبهوا ذلك بكسرة: فَخِذ، حيث حذفوا فقالوا: فَخْذ، وبضمة: عَضُد، حيث حذفوا فقالوا: عَضْد؛ لأن الرفعة ضمة، والجرة كسرة".
وقال لي أبي ﵁: روايتهم عن اليزيدي الإسكان إنما هو تجوز في العبارة, أو تحصيل للفرق بين الاختلاس والإسكان، والوجه رد مذهب أبي عمرو إلى ما تقرر عنه في الكتاب.
وقرأ الباقون بإشباع الحركة في هذه الكلم.
من ذلك: ﴿أَرِنَا﴾ ، و ﴿أَرِنِي﴾ وجملتها خمسة مواضع: في البقرة: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [١٢٨] ، و ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [٢٦٠] ، وفي [النساء: ١٥٣] : ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ، وفي [الأعراف: ١٤٣] ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ، وفي [فصلت: ٢٩] : ﴿أَرِنَا الَّذَيْنِ﴾ .
قرأ ابن كثير وأبو شعيب, إلا من طريق الأهوازي، بإسكان الراء فيهن، وهو على بعده وجه من الإسكان في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ ونظائره؛ لأن الكسرة فيه بناء.
تابعهما على الإسكان في ﴿فُصِّلَتْ﴾ ابن عامر وأبو بكر.
стр. 254
وقرأت في رواية أبي عمر عن اليزيدي باختلاس كسرتها فيهن، وكذلك قرأت من طريق الأهوازي لأبي شعيب، الباقون بإشباعها.
وقال لي أبو الحسن بن شريح: من كسر واختلس رقق الراء، ومن أسكن فخمها.
من ذلك: ﴿فَنِعِمَّا﴾ في [البقرة: ٢٧١] ، و ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ﴾ في [النساء: ٥٨] .
قرأ ابن كثير وورش وحفص بكسر النون, وإشباع كسرة العين.
وقرأ قالون وأبو عمرو وأبو بكر بكسر النون واختلاس حركة العين، وورد النص عنهم بالإسكان، وفيه الجمع بين ساكنين وهو غير جائز عند البصريين، ويجوز عند الكوفيين، وعليه شدد حمزة الطاء من ﴿اسْطَاعُوا﴾ [الكهف: ٩٧] الباقون بفتح النون وكسر العين.
من ذلك: ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ في سورة [النساء: ١٥٤] .
قرأه ورش بإشباع حركة العين، وتشديد الدال، وقرأ قالون باختلاس حركة العين وتشديد الدال، والنص عنه بالإسكان، وفيه الجمع بين ساكنين.
الباقون بإسكان العين وتخفيف الدال.
من ذلك: ﴿يَهِدِّي﴾ في [يونس: ٣٥] .
قرأه ابن كثير وورش وابن عامر "أَمَّنْ لا يَهَدِّي" بفتح الياء والهاء وتشديد الدال.
وقرأ قالون وأبو عمرو كذلك إلا أنهما اختلسا حركة الهاء، والنص عن قالون بالإسكان.
وقال اليزيدي عن أبي عمرو: كان يشم الهاء شيئا من الفتح.
قال الأهوازي: وجدت الحذاق من أهل الأداء عن أبي عمرو يأخذون في ﴿يَهِدِّي﴾ بالإشارة إلى فتح الهاء.
وقال الشذائي: قال ابن مجاهد: قل من رأيت يضبط هذا، يعني الاختلاس والإخفاء، قال: وسألت متقدما منهم مشهورا عن "يَهَدِّي" فلفظ لي به ثلاث
стр. 255
مرات، كل واحدة تخالف أختها.
قال الشذائي: وكان أكثر ما يقرئ به ابن مجاهد الفتح، إلا من رآه موضعا لذلك.
وقال ابن رومي عن العباس: إنه قرأه على أبي عمرو خمسين مرة, فيقول مرة: قاربت، ومرة: لم تصنع شيئا.
وقرأ أبو بكر بكسر الياء والهاء.
وقرأ حفص بكسر الهاء حسب١.
وحمزة والكسائي بإسكان الهاء والتخفيف٢.
من ذلك ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ في يس [٤٩] .
قرأ الحرميان وأبو عمرو وهشام بفتح الخاء وتشديد الصاد.
واختلس فتحة الخاء قالون وأبو عمرو، والنص عن قالون بالإسكان، والنص عن أبي عمرو على ما ذكرنا في ﴿يَهِدِّي﴾ .
وحمزة بإسكان الخاء وتخفيف الصاد.
والباقون -وهم عاصم وابن ذكوان والكسائي- بكسر الخاء، وتشديد الصاد.
وعبر كثير من أهل الأداء في "نعما، وتعدو، ويهدي، ويخصمون" بإخفاء الحركة في مذهب أبي عمرو وقالون، ومرادهم به الاختلاس.
وذكر سيبويه أن الاختلاس لا يكون في الفتحة لخفتها، فقال لي أبي ﵁: الذي ينبغي أن يوجه عليه الاختلاس والإخفاء في "يهدي، ويخصمون، وتعدو" أن يكون على اجتماع الساكنين في الوصل كاجتماعهما في الوقف في: زيد وعمرو, ثم يشير إلى الحركة في الوصل كما يشير إليها في الوقف بالروم، فالإخفاء والاختلاس في الوصل كالروم في الوقف، فأما من لم ير اجتماع ساكنين في الإدغام فإنه أتى بالحركة مطلقة معراة من الإشباع أو الاختلاس لخفتها، فكل
стр. 256
بنى على منزلته، سواء كان القائل به بصريا أو كوفيا.
من ذلك: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ في [فاطر: ٤٣] .
قرأه حمزة بإسكان الهمزة في الوصل، وهذا على أنه استثقل حركة الإعراب فسكنها, كما تسكن حركة البناء في: إبل ونحوها، على ما قدمنا عن سيبويه.
فإذا وقف حمزة فله وجهان:
أحدهما: أن يبدل الهمزة ياء ساكنة ويثبتها١، فيقول: "السَّيِّيْ".
والثاني: رواه أبو عمر الدوري عن سليم عنه أنه يقف على ﴿السَّيِّئِ﴾ بياء ساكنة مشددة، وهذا يستحسنه أبي ﵁ ويأخذ به.
الباقون بخفضها في الوصل وإسكانها في الوقف، ولك أن تروم الحركة.
من ذلك: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ في [الحاقة: ١٢] .
روى الحلواني عن خلف، وخلاد عن سليم, وابن سعدان، وأبو الأقفال عبد الله بن يزيد عن سليم عن حمزة باختلاس كسرة العين فيها.
وروى أبو ربيعة والخزاعي وابن الصباح عن قنبل "وتَعْيَها" ساكنة العين.
الباقون بإشباع كسرة العين.
وفي الياء من هذا الفعل خلاف, لم أذكره لخروجه عن الغرض هنا.
стр. 257
باب الهاءات:
الهاءات ست: هاء أصلية، وهاء تأنيث، وهاء هي بدل، وهاء هي عوض، وهاء سكت، وهاء ضمير المذكر، هذه طريقة المتقدمين في قسمتها.
الأول الهاء الأصلية: نحو "الله، وإله، وإلها، ونفقه، وفواكه، ووجوههم، وبرهان".
لا خلاف بين القراء فيها أنها على ما هي به، من إعراب أو بناء، كما لا خلاف بينهم
стр. 258
فيها إذا كانت فاء أنها على ما هي به، من وجوه البناء نحو ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٨] ، و ﴿يَهْدِي اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٨٦، والنور: ٣٥] و ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ ، و ﴿تَهْجُرُونَ﴾ أو عينا نحو ﴿يَرْهَبُونِ﴾ ، و ﴿تُرْهِبُون﴾ ، و ﴿مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [الجمعة: ١١] وشبهه، إلا ما كان من اختلافهم في الضمير، وذلك "هو، وهي" إذا كان قبلهما واو، أو فاء، أو لام، أو ثم، حيث وقع.
فقرأ قالون والكسائي بإسكان الهاء في ذلك.
تابعهما أبو عمرو إلا مع ﴿ثُمَّ﴾ وهو موضع واحد في [القصص: ٦١] ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ .
وقد روي عن أبي نشيط إسكانها في ﴿أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
الباقون بتحريك الهاء في ذلك حيث وقع.
الثاني هاء التأنيث: نحو "رحمة، ونعمة، وكلمت ربك، ولعنت الله، وسنت الأولين" وهي في الوصل تاء، وإنما تقلب في الوقف هاء لتغير الوقف، يدلك على أنها تاء لحاقها في الفعل نحو: ضربت، وهي فيه الوصل والوقف على حال واحد، وإنما قلبت في الوقف لأن الحروف الموقوف عليها تغير كثيرا، نحو إبدالهم الألف من التنوين في: رأيت زيدا.
ومن العرب من يجعلها في الوقف تاء، حكاه سيبويه.
وقد جاء في المصحف كَتْبُها في مواضع بالتاء على هذه اللغة.
وبين القراء اختلاف في الوقف على هاء التأنيث، موضعه أبواب الوقف.
الثالث الهاء التي هي بدل: وذلك الهاء في ﴿هَذِهِ﴾ هي بدل من الياء في "هذي" كما أبدلت من الهمزة في "هراق".
وليست للتأنيث؛ لأن الهاء لم يؤنث بها شيء في موضع من كلام، والياء مما يؤنث به، وكذلك الكسرة في نحو: أنت تفعلين, وإنك فاعلة.
ولا خلاف بينهم في قراءة ﴿هَذِهِ﴾ بهاء موصولة بياء حيث وقع، وهذه الياء زائدة كالزيادة التي تلحق هاء الضمير في "به"، فإذا وقفت سقطت وسكنت الهاء
стр. 259
وكذلك تسقط إن لقيت ساكنا نحو: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ، و ﴿هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ .
الرابع هاء العوض: وهي التي دخلت على "ما" الاستفهامية في مذهب البزي في الوقف نحو "لمه، وفلمه، وفيمه، وبمه، وممه، وعمه" وشبه ذلك، دخلت عوضا من المحذوف وهو الألف في "ما" في جميع ذلك وشبهه، والله أعلم.
الخامس هاء السكت: وهي هاء ساكنة زِيدت في الوقف لبيان الحركة، وحقها أن تسقط في الإدراج.
اختلفوا في إثباتها وحذفها في خمسة مواضع: في [البقرة: ٢٥٩] ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ ، وفي [الأنعام: ٩٠] ﴿اقْتَدِهْ﴾ ، وفي الحاقة: ﴿عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [٢٨] ﴿عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [٢٩] ، وفي [القارعة: ١٠] ﴿مَا هِيَهْ﴾ .
فأسقطها حمزة فيهن في الوصل.
تابعه الكسائي في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ ، و ﴿اقْتَدِهْ﴾ وأثبتها فيما عداهما.
الباقون: ساكنة وصلا ووقفا فيهن, إلا ما جاء عن ابن عامر في ﴿اقْتَدِهْ﴾ فإن هشاما روى كسر الهاء فيه من غير صلة بياء في الوصل، ويقف بالإسكان.
وكذلك قرأت لابن ذكوان من طريق الأهوازي عن أهل العراق، والمشهور عنه كسر الهاء فيه، وفصلها بياء في الوصل، ويقف بالإسكان. نص عليه الأخفش كذلك.
قال أبو جعفر: وبه قرأت من طريق النقاش وغيره، وليست الهاء على هذا للسكت، ولكن ضمير المصدر، أي: اقتدِ الاقتداء، وكذلك ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ في من أثبت في الوصل، الهاء لام الفعل أو بدل.
السادس هاء الكناية عن المذكر:
وهي تتصل بالأسماء والأفعال والحروف، وهي كثيرة الدور في القرآن جدا، وهي تنقسم قسمين: متفق عليه، ومختلف فيه.
стр. 260
شرح الأول, وهو المتفق عليه:
وذلك أن يكون الحرف قبلها متحركا بإحدى الحركات الثلاث، الضمة نحو: "يعلمه، ويخلقه" والفتحة نحو "قدره، وأنشره" والكسرة نحو "أمه، وصاحبته".
فالقراء متفقون على صلة الهاء بواو مع الضمة والفتحة، وبياء مع الكسرة. فإذا وقفوا سقطت الياء والواو، وسكنت الهاء.
وكذلك إن التقى ساكنان سقط حرفا العلة، وبقيت حركة هاء الكناية على ما كانت عليه لو لم يسقطا نحو: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] , و ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمّ﴾ [طه: ٣٩] وشبهه.
لا خلاف بينهم في ذلك, إلا ما قرأ به حمزة من ضم الهاء في قوله تعالى: ﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ في [طه: ١٠] ، [والقصص: ٢٩] على الأصل؛ لأن أصل هذه الهاء أن تكون مضمومة، وإنما تكسر إذا تقدمها ياء أو كسرة.
وإلا ما روى أبو أحمد الفرضي عن ابن بويان لقالون ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ في [يوسف: ٣٧] باختلاس الكسرة.
الباقون: ﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ بكسر الهاء، و ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ بصلتها بياء.
شرح الثاني, وهو المختلف فيه:
وذلك أن يكون ما قبل الهاء ساكنا موجودا في اللفظ.
ولا يخلو الساكن من أن يكون حرف لين أو حرفا غيره.
فما كان حرف لين فنحو: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: ١٢١] ، و ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ [الشعراء: ٤٥] ، و"عقلوه، وخذوه، وفعلوه"، و"فيه"، و ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ [النور: ٥٤] .
стр. 261
وما كان غير حرف لين نحو: "منه، وعنه، ولدنه":
فكان ابن كثير يصل الهاء بياء إذا كان قبلها ياء، وبواو فيما عدا ذلك، في الوصل حيث وقع.
تابعه حفص على كلمة واحدة، قوله تعالى: "وَيَخْلُدْ فِيهِي مُهَانًا" في [الفرقان: ٦٩] ، فإذا وقف أسقط الواو والياء.
وكذلك إذا لقيها ساكن مدغم أو غيره نحو: ﴿عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] ، و ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] ، و ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ١٥] .
إلا ما كان من قول البزي في "عنهو تلهى" [عبس: ١٠] فإنه أثبت الواو مع تشديد التاء، على تشبيه المنفصل بالمتصل نحو "دواب، وصواف".
الباقون باختلاس الكسرة والضمة في الحرفين١ من غير صلتها بياء ولا واو.
وضم حفص مما قبله ياء، حرفين وهما: ﴿أَنْسَانِيهُ إِلَّا﴾ في [الكهف: ٦٣] ، و ﴿عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ في [الفتح: ١٠] .
ومذهب سيبويه أن حذف الياء والواو مع حرف اللين أجود، وإثباتها مع غيرها أجود.
فأما إن كان الساكن قبلها محذوفا٢، وذلك في ستة عشر فعلًا، فقد اختلفوا في الهاء المتصلة بها.
منها اثنا عشر ما قبل الهاء فيها مكسور، وأربعة ما قبلها مفتوح وهي:
في [آل عمران] ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ، و ﴿لا يُؤَدِّهِ﴾ [٧٥] ، و ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ في موضعين [١٤٥] .
وفي [النساء: ١١٥] قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ﴾ ، و ﴿نُصْلِهِ﴾ .
وفي [الأعراف: ١١١، والشعراء: ٣٦] ﴿أَرْجِهْ﴾ .
وفي [طه: ٧٥] ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ﴾ ، وفي [النور: ٥٢] ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ .
стр. 262
وفي [النمل: ٢٨] ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ، وفي [عسق: ٢٠] ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ فهذه الاثنا عشر حرفا.
والأربعة: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ في [الزمر: ٧] ، و ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ في [البلد: ٧] ، و ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ و ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾ في [إذا زلزلت: ٧، ٨] .
فقرأ أبو بكر وأبو عمرو وحمزة "يؤدهْ" فيهما، و"نؤتهْ" فيهن، و"نولهْ"، و"نصلهْ" بإسكان الهاء في السبعة.
وكذلك قال غير واحد عن الحلواني عن هشام.
وقرأ قالون باختلاس كسرة الهاء فيهن.
وكذلك قرأت للحلواني عن هشام من طريق العباس بن الفضل عن أبيه عنه.
والباقون بإشباع الكسرة فيهن، وهي رواية أبي عبد الله الرازي، عن الفضل بن شاذان، عن الحلواني، عن هشام، وبذلك يأخذ له أصحاب ابن غلبون.
والهاء في الوقف ساكنة لجميعهم.
وقرأ ابن كثير وهشام "أرجئهو" بالهمز وضم الهاء ووصلها بواو، وأبو عمرو بالهمز والضم من غير صلة، وقد قيل عن هشام، وعن يحيى عن أبي بكر كذلك، وابن ذكوان بالهمز، ويكسر الهاء ولا يصلها بياء، وقد قيل عنه: إنه يصلها، وقالون بغير همز، ويختلس الكسرة، وورش والكسائي بغير همز، ويصلان الهاء بياء، وقد قيل عن ابن ذكوان كذلك، وعاصم وحمزة بغير همز، ويسكنان الهاء.
والهاء في الوقف ساكنة إلا في مذهب من ضمها، وصل أو لم يصل، فإن الروم والإشمام جائزان فيها.
وقرأت من طريق أبي أحمد الفرضي عن أبي نشيط عن قالون ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ [طه: ٧٥] باختلاس كسرة الهاء في الوصل, وهي رواية أبي سليمان وأبي مروان عن قالون، وروى أبو شعيب باختلاف عنه إسكانها فيه، وكذلك روى الحلواني عن
стр. 263
الدوري، الباقون بالإشباع.
وقرأ أبو بكر, وأبو عمرو "ويتقِهْ" بإسكان الهاء.
وكذلك ذكر عثمان بن سعيد أنه قرأ على أبي الفتح لخلاد.
وذكر الأهوازي أنها رواية المزوِّق١ عن الحلواني عن خلاد، وقالون، إلا من طريق ابن شنبوذ، باختلاس كسرتها، الباقون بصلتها بياء.
وكذلك قال ابن شنبوذ عن أبي نشيط عن قالون.
وحفص ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بإسكان القاف واختلاس كسرة الهاء، والباقون بكسر القاف، والهاء في الوقف ساكنة بإجماع.
وقرأ ابن كثير والكسائي وابن ذكوان ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ بصلة الهاء بواو.
واختلف عن أبي عمرو وهشام، فكان ابن مجاهد يأخذ للدوري بواو، وهي رواية أبي حمدون وغيره عن اليزيدي.
وكان غيره يأخذ له بإسكانها، وذلك اشتهر في الرواية عن أبي عمر.
وكذلك قال أبو شعيب ومحمد بن شجاع البلخي عن اليزيدي، على أنه قد قيل عن أبي شعيببالاختلاس.
والذي آخذ له فيه بالإسكان، وأخير للدوري.
فأما هشام فقال البلخي وغيره عنه بالإسكان. ورواية الحلواني عنه بالاختلاس كالباقين, والله أعلم.
قرأ هشام فيما ذكر الشيخان أبو محمد وأبو عمرو٢: ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ، و ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] بإسكان الهاء فيهما في الوصل. قال أبو محمد مكي: وليس عن هشام إلا الإسكان فيما روينا عنه.
стр. 264
قال أبو جعفر: والذي يصح عندي عن الحلواني عن هشام وصلها بواو كالجماعة.
فأما ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ في [البلد: ٧] فروى غير الحلواني عن هشام إسكان الهاء منه في الوصل، وهي رواية الكسائي وأبي بكر عن حمزة.
وروى غير واحد عن قالون اختلاسها فيهما.
والذي آخذ به للجميع من الطرق المذكورة في هذا الكتاب صلتها بواو في الوصل. فأما الوقف لهم على الثلاثة فبالإسكان، ويجوز الروم والإشمام.
باب الوقف:
الحرف الذي يوقف عليه لا يكون إلا ساكنا؛ لأن الوقف أول السكوت الذي ينقطع فيه عمل اللسان ويسكن، كما كان الذي يُبتدأ به لا يكون إلا متحركا؛ لأن الابتداء أول الكلام الذي هو بحركة اللسان وتصرفه, فأجروا أول الطرفين مجرى سائرهما.
وقد استعمل العرب في الوقف الروم، والإشمام، والتضعيف، والنقل.
فالروم: هو أن تضعف الصوت لا تشبع ما ترومه, ويكون في المرفوع منونا أو غير منون، وفي المضموم، وفي المنصوب غير المنون، والمفتوح١، والمجرور بالكسرة أو الفتحة، والمكسور نحو "عدو، وبريء، ونستعين، ويعلم، ومن قبل، ومن بعد، وبي الأعداء، ويعلمون، وجعل، ومن عاصم، ومن الماء، وعلى إبراهيم وإسماعيل، وهؤلاء"، و ﴿جِئْتَ﴾ [مريم: ٢٧] وشبهه حيث وقع.
والإشمام: هو أن تضم شفتيك بعد الإسكان، وتهيئهما للفظ بالرفع أو الضم، وليس بصوت يسمع، وإنما يراه البصير دون الأعمى، ولا يكون في المجرور والمنصوب؛ لأن الفتحة من الحلق، والكسرة من وسط الفم، فلا يمكن الإشارة لموضعهما، فالإشمام في النصب والجر لا آلة له.
стр. 265
وعمل الروم يمكن في الحركات كلها؛ لأنه عمل اللسان، فيلفظ بها لفظا خفيفا يسمع.
والتضعيف: تشديد الحرف في الوقف، ولا يكون في الحرف الذي قبله ساكن نحو ﴿الْعِجْلَ﴾ لأنه لا يجتمع في كلامهم ثلاثة سواكن، ونقل الحركة يكون فيما سكن ما قبل آخره فتحرك لكراهيتهم التقاء الساكنين، فإذا كان ذلك مما يجوز في الوقف نحو "منه، وعنه، وبالصبر، وهذا بكر" ولا يكون في المنصوب.
فأما المنصوب المنون فلا يكون فيه شيء من هذه الوجوه لتوسطه بإبدال التنوين ألفا.
فهذا حكم الحرف الصحيح الموقوف عليه عند العرب.
فأما ما عند القراء في ذلك, فذكر أبو الفضل الخزاعي وغيره أن الرواية وردت عن حمزة والكسائي بالروم والإشمام.
وذكر عثمان بن سعيد أنها وردت بذلك عن الكوفيين, وأبي عمرو.
أما حمزة, فحدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو، حدثنا أبو مسلم، حدثنا ابن الأنباري، حدثنا إدريس، حدثنا خلف، حدثنا سليم عن حمزة أنه كان يعجبه إشمام الرفع إذا وقف على الحروف التي توصل بالرفع، مثل قول الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] يشم الدال الرفع. قال: وكذلك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، و ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] , و ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٧] ، و ﴿يَخْتَصُّ﴾ [البقرة: ١٠٥] ، [وآل عمران: ٧٤] و ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] بترك التنوين، ويشم الدال الرفع.
وأما الكسائي فحدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو، حدثنا أبو مسلم، حدثنا ابن الأنباري، حدثنا إدريس، حدثنا خلف قال: سمعت الكسائي يعجبه أن يُشم آخر الحرف الرفع والخفض في الوقف.
قال خلف: وبعض القراء يسكت بغير إشمام ويقول: إنما الإعراب في الوصل، فإذا سكت لم أشم شيئا.
стр. 266
قال خلف: وقول حمزة والكسائي أعجب إلينا؛ لأن الذي يقرأ على من تعلم منه إذا قرأ عليه فأشم الحرف في الوقف علم معلمه كيف قراءته لو وصل، والمستمع أيضا غير المتعلم، يعلم كيف كان يصل الذي يقرأ.
وأما عاصم فحدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو، حدثنا أبو مسلم، حدثنا ابن الأنباري قال: حدثنا أحمد بن سهل، وسألته عن ذلك عن أصحابه الذين قرأ عليهم علي بن محصن وغيره، عن عمرو بن الصباح، عن حفص عن عاصم, أنه كان يشير إلى إعراب الحروف عند الوقف.
وأما أبو عمرو فورد عنه أداء لا نصا، إلا ما حكى محبوب بن الحسن عنه أنه قرأ ﴿فَأَوْفِ﴾ [يوسف: ٨٨] بإشمام الجر.
قال ابن مجاهد: هذا يدل على أن أبا عمرو إذا وقف على الحروف المرفوعة والمخفوضة في الوصل أشمها إعرابها.
وحكى الخزاعي في "الإبانة" أن الوقف بالسكون قول أبي عمرو بخلاف عنه.
قال الخزاعي: وقيل له: ألا ترى أن العرب إذا أرادت الوقف على حرف متحرك ألحقوا به هاء الوقف على الساكن؟ فقال: أنا أختار الوقف بالسكون.
وحكى عثمان بن سعيد عن الزينبي، عن أبي ربيعة، عن قنبل وعن البزي، عن أصحابهما، أنهم كانوا يقفون بالإسكان.
وحدثنا أبو القاسم ﵀ حدثنا أبو معشر، حدثنا الجرجاني، حدثنا الخزاعي قال: ذكر الحلواني عن هشام إشمام الإعراب في مثل: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ ، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ، و ﴿مَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠] ، و ﴿لَهُوَ الْبَلاءُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ونحوه في كل القرآن.
وكذلك حكى الأهوازي عن البلخي عن الأخفش عن ابن ذكوان.
وحكى الخزاعي وغيره عن ابن شنبوذ عن أبي نشيط الإشارة في هاء الكناية إذا تحرك ما قبلها نحو ﴿حَوْلَهُ﴾ ، و ﴿أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥] ، و ﴿عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] .
وحكى هذا الأهوازي عن ابن شنبوذ عن أبي سليمان عن قالون.
стр. 267
قال أبو جعفر: والاختيار عند أهل الأداء قديما وحديثا الأخذ بالروم والإشمام لجميع القراء، ويعتلون لاختيار ذلك بما ذكر خلف، وهو اختيار ابن مجاهد، كما أخبرني أبو القاسم، عن أبي معشر، عن الجرجاني، عن الخزاعي.
وأخبرني أبو الحسن بن كرز عن ابن عبد الوهاب قال: قال لي أبو علي الأهوازي: كان ابن مجاهد يختار الإشارة في حال الوقف في المرفوع والمجرور، وبه كان يأخذ للجماعة، وهو اصطلاح من علماء المقرئين.
قال أبو جعفر: والقراء يُؤْثرون الروم على الإشمام لأنه أبين منه، وهم مجمعون على الأخذ في المنصوب غير المنون بالإسكان لا غير.
وعلى ذلك جاءت حكاية خلف، وهو قول أبي حاتم فيما حكاه لنا أبي ﵁ وحكاه أيضا عنه الخزاعي.
وقرأت على أبي الحسن بن كرز عن ابن عبد الوهاب قال: حدثني أبو علي الأهوازي قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد، وأبو بكر محمد بن عمر المقرئان، عن أبي بكر أحمد بن نصر الشذائي، عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال: إذا أدغم أبو عمرو الحرف في مثله أو فيما قاربه أشار إلى إعراب المدغم في موضع الرفع والخفض، ولا يشير في موضع النصب لأنها غير جائزة.
فسمعت أبي ﵁ يقول: النحويون على خلاف ذلك؛ لأن الروم لا يرفع حكم السكون لما فيه من حذف بعض الحركة في الوقف، فلا يمتنع أن يكون الفتح كغيره، وإنما فرق سيبويه بين النصب والرفع والجر في الوصل، فذكر أنهم يشبعون الضمة والكسرة، ويمطِّطون فيقولون: يضربها، ومن مأمنك، قال: وعلامتها واو وياء، ويختلسها بعضهم اختلاسا فيقولون: يضربها، ومن مأمنك، يسرعون اللفظ. قال: ولا يكون هذا في النصب؛ لأن الفتحة أخف عليهم، يعني أن خفتها مشبعة تغني عن تخفيفها بالاختلاس، وروم حركة النصب ليس للتخفيف، إنما هو للدلالة على تحرك الحرف في الوصل.
وحكى الأهوازي عن الشذائي، وحكاه الخزاعي عن بعض المتقدمين، ولم
стр. 268
يسمه، أنه إذا كان قبل الحرف الموقوف عليه ساكن من غير حروف المد فلا بد من الإشارة إليه وإن كان منصوبا، لئلا يجمع بين ساكنين نحو: "رعد وبرق"، و ﴿الْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ، و"العجل، وابن، وعند، وبعد" ونحو ذلك.
قال أبو جعفر: وقد بينت أن التقاء الساكنين في الوقف جائز.
ومن حكي عنه هذا فهو يقف على "الموت، وبيت" وبابه بالمد.
وحدثني ابن كرز قراءة مني عليه، عن أبي القاسم قال: حدثني شيخنا أبو علي الأهوازي قال: حدثني أبو الفرج الشنبوذي، وأبو الفرج الحلواني، وأبو الحسن الغضائري، وأبو القاسم إسماعيل بن سويد، عن أبي بكر بن الأنباري أنه قال: من العرب، في رواية بعض البصريين، من يشير إلى الفتح في الوقف، ولا يثبت ألفا.
قال أبو بكر: وليس هذا قول من نرجع إليه، وإنما حكي عمن لا يوثق بعربيته.
قال أبو جعفر: أنكر، فيما أظن، الوقف على المنصوب المنون بغير تنوين، وهي لغة حكاها أبو الحسن في "الأوسط"، هي أن من العرب من يقول: رأيت زيدْ، ولم يثبتها سيبويه لأن الألف لا تحذف، ولم نعلم أحدا من القراء أخذ بها في القرآن.
وأما التضعيف فلم يأخذ به أحد من القراء إلا حرفا واحدا ذكره أئمتنا عن عصمة بن عروة، عن عاصم أنه كان يقف على قوله في سورة [القمر: ٥٣] ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ بتشديد الراء.
قال الأهوازي: ما يذكر من جميع القرآن إلا هذا الحرف فقط، ويلزمه أن يقف على جميع ما أشبه ذلك إذا تحرك ما قبل آخر حرف من الكلمة، إلا أن القراءة سنة ليست بالقياس.
وأما النقل: فما علمت أحدا أخذ به من القراء إلا شيئا ذكره خلف عن الكسائي.
حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمر، حدثنا أبو مسلم، حدثنا ابن مجاهد قال: زعم خلف عن الكسائي أنه كان يستحبّ أن يقف على "منه وعنه" يشم النون الضمة.
حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو، حدثنا أبو مسلم، حدثنا ابن الأنباري، حدثنا إدريس بن عبد الكريم، حدثنا خلف قال: سمعت الكسائي يقول:
الوقف على ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] ﴿مِنْهُ﴾ بالتخفيف وجزم النون في
стр. 269
الوقف كما تصل. قال: ويجوز "مِنُهْ" برفع النون في الوقف، وكذلك "عَنُهْ" برفع النون.
قال خلف: والتخفيف فيهما أحب إلى الكسائي.
باب الوقف على الخط:
وردت الرواية عن القراء، حاشا ابن كثير، برعاية خط المصحف عند الوقف، ولم يرد في ذلك عن ابن كثير إلا ما يقتضي ترك التزام ذلك، وإنما أذكر عنهم ما روي إن شاء الله:
نافع: حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو، حدثنا أبو مسلم، حدثنا ابن الأنباري، حدثنا الضبي، حدثنا محمد بن سعدان، حدثنا المسيبي عن نافع أنه كان يقف على الكتاب.
أبو عمرو: حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو، حدثنا فارس بن أحمد، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا عمر بن يوسف، حدثنا الحسين بن شيرك، حدثنا أبو حمدون، عن اليزيدي، عن أبي عمرو أنه كان يسكت١ على الكتاب.
ابن عامر: حدثنا أبي ﵁ حدثنا الحسين بن عبيد الله، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا الأهوازي، حدثنا أبو العباس العجلي، حدثنا أبو العباس الرازي، حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا الحلواني، عن هشام بن عمار أن ابن عامر كان يتبع رسم المصحف في الوقف.
عاصم: حدثنا أبو علي الصدفي، حدثنا عبد الواحد بن محمد ببغداد، حدثنا ابن الحمامي، حدثنا أبو طاهر نفطويه، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن عاصم أنه كان يقرأ ﴿الصِّرَاطِ﴾ بالصاد من أجل الكتاب.
حمزة: حدثنا علي بن أحمد بن كرز المقرئ، حدثنا ابن عبد الوهاب، حدثنا
стр. 270
الأهوازي، حدثنا أبو إسحاق الطبري، حدثنا أحمد بن عثمان الأدمي، عن إدريس بن عبد الكريم، عن خلف عن سليم أنه كان يتبع الكتاب في الوقف، ما عدا أحرفا نحو قوله تعالى: ﴿الظُّنُونَا﴾ ، و ﴿الرَّسُولا﴾ ، و ﴿السَّبِيلا﴾ ، و ﴿قَوَارِيرَا﴾ الأولى [الإنسان: ١٥] ، و ﴿ثَمُودَا﴾ في [هود: ٦٨] ، [والفرقان: ٣٨] ، [والنجم: ٥١] فإنهن في الكتاب بألف، وحمزة يقف عليهن بغير ألف.
الكسائي: حدثنا أبي ﵁ حدثنا أبو بكر المصحفي، حدثنا أبو الحسين التبريزي، حدثنا السوسنجردي، حدثنا أبو طاهر، حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا خلف، عن الكسائي أنه كان يتبع القرآن في الوقف.
وقال أحمد بن جبير: سمعت الكسائي يقول: السين في ﴿الصِّرَاطَ﴾ سين كلام العرب، ولكني أقرأ بالصاد اتباعا للكتاب.
قال أبو جعفر: وأما ابن كثير فظاهر أمره أنه لا يلتزم من رعاية مرسوم الخط ما التزم سائر القراء، ألا ترى قراءته "الصراط، وصراط" بالسين، وإثباته الزوائد وصلا ووقفا، وزيادته هاء السكت في الوقف، وإثباته الياء في ﴿يُنَادِي﴾ في [ق: ٤١] في الوقف، ووقفه على ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ في [سبحان: ١١] ، و ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ في [عسق: ٢٤] ، و ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ في [القمر: ٦] ، و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ في [العلق: ١٨] بالواو.
وحدثني أبو الحسن بن كرز، عن ابن عبد الوهاب، عن الأهوازي قال: حدثني محمد بن أحمد الشطوي قال: حدثنا أبو بكر الزينبي عن أبي ربيعة، عن قنبل أنه كان يقف عليهن في قراءة ابن كثير بواو على التمام، وليس في خلاف الخط في هذا وأشباهه كثير، لكن الذي يستحسن له أهل الأداء اتباع الخط كسائر القراء ما لم يرد عنه فيه شيء، فأما ما أتت فيه عنه أو عنهم رواية التزم ولم يتعد.
وقد جاء عنه وعن سائر القراء الذين حكينا عنهم رعاية الخط مخالفة في مواضع قد حصرتها إلى ستة أصول، وحروف منفردة، وأنا أبين ذلك إن شاء الله:
الأصل الأول: تاء التأنيث المكتوبة في المصحف تاء، رعاية للأصل، أو حكم الوصل نحو "شجرت، ونعمت، ورحمت، ومعصيت، وامرأت، ومرضات،
стр. 271
وهيهات، وغيابت، وابنت" وشبهه.
فروي عن أبي عمرو والكسائي وابن ذكوان الوقف على ذلك بالهاء، خلافا لرسمه.
حدثنا أبو الحسن بن كرز، حدثنا أبو القاسم بن عبد الوهاب، حدثنا الأهوازي، حدثنا أبو الحسن الغضائري، حدثنا أبو جعفر أحمد بن فرح، حدثنا أبو عمر الدوري، عن أبي محمد اليزيدي، عن أبي عمرو أنه كان يقف على جميع ما في القرآن من قوله "رحمت، ونعمت، وشجرت" ونحوهن بالهاء من غير استثناء.
قال أبو جعفر: وحكى مثله الخزاعي عن ابن اليزيدي عن أبيه.
وحدثنا ابن كرز بقراءتي عليه، حدثنا ابن عبد الوهاب، حدثنا الأهوازي، حدثنا أبو الحسين أحمد بن عبد الله الجبني، حدثنا أبو بكر بن العلاف، حدثنا أبو عمر الدوري عن الكسائي أنه كان يقف على جميع ما في القرآن من "رحمت، ونعمت، ومعصيت، وشجرت" ونحوهن بالهاء.
وحدثني ابن كرز عن ابن عبد الوهاب، عن الأهوازي، حدثنا أبو الفرج محمد بن أحمد الشطوي قال: حدثنا أبو مزاحم الخاقاني عن أحمد بن يوسف التغلبي، عن ابن ذكوان قال: كان ابن عامر يقف على جميع ما كُتب في المصحف بالهاء, والتاء بالهاء من غير استثناء.
وحدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو قال: وذلك قياس مذهب ابن كثير؛ لأن محمد بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: حدثنا الحسن بن الحباب عن البزي، عن أصحابه، عن ابن كثير أنه كان يقف على: ﴿ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧] بالهاء١، وهو في الرسم بالتاء.
ومن هذا الأصل كلم جاء في بعضها خلاف عن غير من ذكرنا، وفي بعضها خلاف لما أصلنا، وهو ﴿مَرْضَاتِ﴾ حيث وقعت، و ﴿يَا أَبَتِ﴾ حيث وقعت، و ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ، و ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] ، و ﴿لاتَ حِينَ﴾ [ص: ٣] ، و ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] .
стр. 272
فأما ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ وجملتها أربعة مواضع، فورد النص عن الكسائي في الوقف عليها بالهاء.
وكذلك يقتضي ما حكيناه عن أبي عمرو وابن ذكوان والبزي.
واختُلف فيها عن حمزة، فحدثني أبو الوليد بن طريف، عن أبي القاسم بن عبد الوهاب قال: قال لي شيخنا الأهوازي في جامع دمشق: قال لي شيخنا أبو حفص الكتاني في جامع المنصور ببغداد: حمزة يقف عليها بالهاء.
قال أبو جعفر: هي رواية الدوري عن سليم عن حمزة، وروى خلف عن سليم عنه الوقف بالتاء فيها، وكذلك نص عليه ابن مجاهد عنه، وكذلك قرأ الباقون.
وأما ﴿يَا أَبَتِ﴾ فوقف عليه ابن كثير وابن عامر بالهاء، وابن كثير بكسر التاء في الوصل، وابن عامر بفتحها، وقياس قول أبي عمرو الوقف بالهاء، لكن النص جاء عنه في ذلك بالتاء.
وأما الكسائي فله وللنحويين الكوفيين مذهب يقتضي الوقف بالتاء، وإن كان قد ذكر عنه الوقف بالهاء، وأنه أحب إليه، وبالتاء وقف الباقون.
وأما ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ فوقف عليهما الكسائي والبزي بالهاء، وكذلك قال الزينبي عن قنبل وهو قياس قول أبي عمرو وابن ذكوان، إلا أن النص جاء عن اليزيدي عن أبي عمرو بالتاء فيهما.
حدثنا ابن كرز، حدثنا ابن عبد الوهاب، حدثنا الأهوازي، حدثني أبو الحسين أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أبو القاسم الهيثم بن الحسن، عن السوسي، عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه يقف عليهما بالتاء, وكذلك قال أبو عمر عن اليزيدي.
وخير فيهما الأخفش في كتابه الخاص فقال:
إن وقفت على واحدة فقف كيف شئت، على تاء وهاء.
وحكى عبد الباقي بن الحسن أنه وقف عليهما لابن عامر وعاصم بالهاء، وهذا منكر في قراءة عاصم.
وقرأت للبزي من طريق أبي محمد مكي الوقف بالهاء على الثاني فقط. وحكى
стр. 273
لي ابن كرز عن ابن عبد الوهاب قال: قال لي شيخنا الأهوازي: المشهور عن أبي عمرو والكسائي أنهما يقفان على الأولى بالتاء وعلى الثانية بالهاء, ووقف الباقون عليهما بالتاء.
وأما ﴿وَلاتَ حِينَ﴾ [ص: ٣] ، و ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] ، و ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] ، فوقف عليها الكسائي بالهاء، والباقون بالتاء كما رسمها.
الأصل الثاني: هو ما جاء من المعتل اللام, مرسوما في الخط محذوف اللام، وهو ينقسم إلى قسمين: منون وغير منون.
فالمنون: نحو "والٍ، وهادٍ، وواقٍ، وباقٍ، وقاضٍ، ومستخفٍ، ومهتدٍ، ومفترٍ"، و ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] فيمن جعله محذوفا لا مقلوبا، و"فانٍ، وراقٍ" وشبهه.
فحدثني أبو القاسم، حدثنا أبو معشر، حدثنا الحسين بن علي حدثنا أبو الفضل الخزاعي، حدثني أبو عدي بمصر قال: حدثنا أبو بكر بن سيف قال: قال لي أبو يعقوب: قال لي عثمان ورش في قوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أنت فيه متسع، إن شئت وقفت كما هو السواد، وإن شئت وقفت بالياء.
قال أبو جعفر: وليس يعني ورش هذه الكلمة فقط، بل يعني الباب كله، بين ذلك إسماعيل النحاس عن أبي يعقوب قال: قال لي ورش: الوقف على هذا وشبهه من المنون بالياء، قال: وإن شئت وقفت بغير ياء على ما في السواد.
وقرأت على أبي ﵁ عن قراءته على أصحاب عثمان بن سعيد، عن ابن كثير بإثبات الياء في الوقف في ﴿هَادٍ﴾ حيث وقعت، و ﴿مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] ، و ﴿وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ، و ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] هذه الأربعة لا غير.
وقال أبو طاهر بن أبي هاشم عن ابن مجاهد:
الوقف على جميع الباب لابن كثير بالياء، وهذا لا يعرفه المكيون، والله أعلم.
الباقون بغير ياء في الوقف في الباب كله، وهو الأوجه عند أهل العربية؛ لأن
стр. 274
التنوين حُذف في هذا بحق الوقف كما حذف في الصحيح، وأُسكن المتحرك قبل التنوين كما أُسكن في الصحيح، فجاء: قاضٍ، ووالٍ.
والثاني وهو غير المنون: نحو ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨] ، و ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ [النازعات: ١٦] ، و ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ [النمل: ٨١] ، و ﴿لَهَادِ الَّذِينَ﴾ [الحج: ٥٤] ، و ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] .
ومن الفعل نحو: ﴿يَقُصُّ الْحَقّ﴾ [الأنعام: ٥٧] ، و ﴿سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٤٦] ، و ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣] ، و ﴿يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١] ، و ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] وشبهه مما رُسم في المصحف بغير ياء ولا واو؛ لأنهما يسقطان في اللفظ لالتقاء الساكنين.
فقد ذكرتُ عن ابن كثير الوقف على التمام في "يدع، وسندع، ويمح"، وقياس قوله فيهما وفي "هاد، ووال" يقتضي أن يقف على هذا الفصل كله بالياء.
وأخذ له أهل الأداء بالحذف في ذلك كله, وفي هذه الأفعال الأربعة، ولم يلتفتوا لعلة حكاية الزينبي إيثارا لاتباع الخط.
إلا أني قرأت من طريق ابن مجاهد عن قنبل، والنقاش عن أبي ربيعة عن اليزيدي بإثبات الياء في الوقف في قوله تعالى: ﴿يُنَادِ﴾ في [ق: ٤١] لا غير.
ووقف الكسائي على ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ بالياء، واختُلف عنهم في الوقف على ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ في [النمل: ٨١] , [والروم: ٥٣] فرسم الذي في النمل بالياء، والذي في الروم بغير ياء، فقال خلف وغيره عن الكسائي: إنه كان يقف بالياء في الحرفين, وهو اختيار أبي الطيب له. وقال أبو عمر عنه: إنه وقف عليهما بغير ياء.
وقال عنه قتيبة: ما كان بالياء وقفت بالياء، وما لم يكن فيه ياء ثابتة وقفت بغير ياء، وهو الذي يليق بمذهب الكسائي.
قال أبو عمرو: وهو الصحيح عندي عنه.
وكذلك قرأ الباقون إلا أن حمزة قرأ ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ جعله فعلا مضارعا، ونصب ﴿الْعُمْيِ﴾ وأثبت الياء فيهما.
стр. 275
وذكر الخزاعي أن الكسائي -باختلاف عنه- أثبت الياء في الوقف، في قوله تعالى: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ وما أشبهه، إلا ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ خاصة، فإنه وقف عليه بالياء بلا خلاف.
الباقون بالوقف على الفصل كله بغير ياء اتباعا للخط، ووقفوا على ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ في النمل اتباعا للخط أيضا.
الأصل الثالث: "ما" التي للاستفهام إذا دخل عليها حرف الجر فحذف ألفها نحو: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٩١] ، و ﴿فِيمَ أَنْتَ﴾ [النازعات: ٤٣] ، و ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] ، و ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ [النمل: ٣٩] ، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] وشبهه.
وقف البزي من طريق ابن غلبون عليه بالهاء، فيقول في الوقف: "فلمه، وفيمه، وفبمه، وعمه" ووقف الباقون بغير هاء، ويسكنون الحرف الموقوف عليه.
وما روي عن البزي أجود في العربية، وأكثر في كلام العرب، قال سيبويه: "وأما قولهم: "علامه، وفيمه، وبمه، ولمه، وحتامه"، فالهاء في هذه الحروف أجود إذا وقفت؛ لأنك حذفت الألف من "ما" فصار آخره كآخر: ارمه واغزه، وقد قال قوم: فيم، وعلام، ولم، كما قالوا: اخش، وليس هذه مثل "إن" لأنه لم يحذف منها شيء من آخرها".
الأصل الرابع: ما جاء من كلمة "أيها" مرسوما في الخط بغير ألف، وذلك في ثلاثة مواضع: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في [النور: ٣١] ، و ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ في [الزخرف: ٤٩] ، و ﴿أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ في [الرحمن: ٣١] .
فوقف أبو عمرو والكسائي عليهن بالألف.
وكذلك قال الزينبي عن قنبل، وهو الذي يليق بمذهب ابن كثير.
وقال ابن مجاهد عن قنبل:
الوقف عليهن بغير ألف، وعليه العمل في مذهبه, وبغير ألف وقف الباقون.
الأصل الخامس: ما جاء من كلمة ﴿كَأَيِّنْ﴾ حيث وقع:
اختلف في الوقف عليه عن أبي عمرو والكسائي، فقال أبو عبد الرحمن عن أبيه
стр. 276
عنه: إنه يقف في جميع القرآن على الياء.
وحكى الخزاعي بإسناده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن أبي محمد اليزيدي، عن أبي محمد اليزيدي، عن أبي عمرو في كتاب نسبه إلى "الوقف والابتداء" من تأليف أبي عمرو أن الوقف على ﴿كَأَيِّنْ﴾ ، و ﴿فَكَأَيِّنْ﴾ بالنون.
وقال سورة عن الكسائي: الوقف على الياء؛ لأن النون فيها نون إعراب، يعني أنها التنوين الداخل على الكلمة مع الحروف.
وقال قتيبة والفراء وخلف عن الكسائي: إنه كان يقف على النون، وعلى النون وقف الباقون، وهي ثابتة في الخط، قال الخزاعي: لا خلاف أن المصاحف معجمة على كتبها بنون، قال: وزعم بعضهم أنها مكتوبة بالياء في كل القرآن إلا الذي في سورة [آل عمران: ١٤٦] فإنه مكتوب بالنون. قال: وهذا غلط منه، لم يعرف رسم السواد.
الأصل السادس: ما جاء من "مال" مفصول حرف الجر من المجرور، وجملة ذلك أربعة مواضع: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ٧٨] ، و ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩] ، و ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧] ، و ﴿فَمَالِ الَّذِينَ﴾ [المعارج: ٣٦] .
فقال ابن اليزيدي عن أبيه عن أبي عمرو: إنه وقف على "ما" دون اللام فيهن.
وروي عن الكسائي أنه وقف على "ما"، وروي عنه أيضا أنه وقف على اللام.
ووقف حمزة والكسائي على قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠] على ﴿أَيًّا﴾ دون ﴿مَا﴾ إشعارا بأن ﴿مَا﴾ معها ليست مثلها مع حيث وإذ، وأن الوقف عليها دونها لا يخل بها في شيء لو لم تدخل عليها، ويبدلان من التنوين في "أي" ألفا، ووقف الباقون على ﴿مَا﴾ .
ووقف الكسائي، من رواية أبي عمر وغيره عنه، على قوله ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٨٢] ، و ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ [القصص: ٨٢] على الياء منفصلة، وروي عن أبي عمرو أنه وقف على الكاف.
وما روي عن الكسائي كان أشبه بأبي عمرو؛ لأنها عند الخليل وسيبويه "وي" دخلت على "كأن" التي للتشبيه، فلعل الكسائي أخذ ذلك عن الخليل.
стр. 277
وما روي عن أبي عمرو كان أشبه بالكسائي؛ لأنها عند الفراء محذوفة من "ويلك".
قال سيبويه: "وأما المفسرون فقالوا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ "، ولعل أبا عمرو تلقى قول المفسرين على ما رواه في الوقف على الكاف، مع أنه لا يظهر من قول المفسرين أحد الوجهين، وإنما هو تفسير المعنى مجردا من أحكام اللفظ.
باب ما لا تجوز فيه الإشارة:
لا تجوز الإشارة في الحركة العارضة، وهي حركة التقاء الساكنين نحو:
﴿عَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢] ، و ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦، ١٧٥] ، و ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾ [عبس: ٢٤] ، [والطارق: ١٥] ، و ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] ، وكذلك حركة الهمزة المنقولة إلى ساكن قبلها من كلمة أخرى على قراءة ورش نحو: ﴿وَقَالَتْ أُولاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] ، و ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨] ، و ﴿وَانْحَرْ، إِنَّ﴾ [الكوثر: ٢، ٣] ، و ﴿فَلْيَكْفُرْ إِنَّا﴾ [الكهف: ٢٩] لأن أواخر هذه الكلم وأشباهها ساكنة، وإنما حُرِّكت لالتقاء الساكنين أو النقل، وكلاهما عارض في الوصل، زائل في الوقف، فلا تتقدر فيها إشارة.
فأما إن كان نقل حركة الهمزة في كلمة نحو "دفء، وجزء، وملء" على قراءة حمزة وهشام فالإشارة جائزة في الحرف المنقول إليه حركتها؛ لأن السكون في فاء "دفء" وشبهه للوقف، فهو عارض على الحركة، وليس هذا مثل ﴿وَانْحَرْ، إِنَّ﴾ لأن الهمزة هنا لازمة لكونها في كلمة، فالحركة إذًا لازمة.
فأما ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ، و ﴿حِينَئِذٍ﴾ حيث وقعا فذهب أبو محمد مكي إلى أن الإشارة ممتنعة, قال: لأن التنوين الذي من أجله تحركت الذال يسقط في الوقف، فترجع الذال إلى أصلها وهو السكون، فهذا بمنزلة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وشبهه.
قال: وليس هذا مثل "غواشٍ، وجوارٍ" وإن كان التنوين في جميعه دخل عوضا من محذوف؛ لأن التنوين دخل في هذا على متحرك، فالحركة أصلية، والوقف
стр. 278
عليه بالروم حسن، والتنوين في "يومئذ، وحينئذ" دخل على ساكن فكُسر لالتقاء الساكنين، وصار التنوين في الوصل تابعا للكسرة فنقف على الأصل.
وقال لي أبي ﵁: لا يمتنع الروم في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وبابه؛ لأن الحركة قد لزمته في الوصل في الاستعمال، فيكون الوقف عليها كالوقف على كل متحرك، وإن كان أصلها -إذا لم يدخلها التنوين عوضا- السكون، وكأنها مع التنوين في حكم ما بني على الكسر، وحركات البناء تشم وترام كحركات الإعراب.
ولا تجوز الإشارة في الهاء المبدلة في الوقف من تاء التأنيث نحو: "نعمه، وجنه، ورحمه، وربوه" وشبهه؛ لأن هذه الهاء تبدل في الوقف دون غيره، والسكون لازم للوقف، فهي غير متحركة البتة.
وكذلك ما أُبدل منه حرف ساكن كان الحرف الساكن مثلها في امتناع الإشارة، وذلك نحو الوقف على "البناء" [البقرة: ٢٢، وغافر: ٦٤] ، و ﴿مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤] في قراءة حمزة وهشام؛ لأن الوقف إنما أوجب تسكين الهمزة لا إبدالها ألفا، فلا تشم الألف ولا ترام، وكذلك حكم الواو والياء.
فإن وقفت على التاء أو الهمزة جازت الإشارة.
ولا تجوز الإشارة إلى ميم الجميع الموصولة بواو نحو: "أنعمت عليهمو" [الفاتحة: ٧] ، و"عليهمو أأنذرتهم" [البقرة: ٦] لأن الميم إنما تستعمل عند ذهاب الواو ساكنة.
وقد أجاز أبو محمد مكي فيها الإشارة, وقال: إن الذي يمنعها خارج عن النص بغير رواية.
قال: ويقوي جواز ذلك فيها نصهم على هاء الكناية في الروم والإشمام، فهي مثل الهاء؛ لأنها توصل بحرف بعد حركتها كما توصل الهاء، ويحذف ذلك الحرف في الوقف كما يحذف مع الهاء.
قال: فأما من حركها لالتقاء الساكنين فالوقف له بالسكون لا غير.
قال لي أبي ﵁: بل من يجيز الروم والإشمام في ميم الجميع هو المفارق للنص؛ لأن سيبويه نص على أن ميم الجميع إذا حذفت بعدها الواو والياء
стр. 279
سكنت فقال: "وأسكنوا الميم لأنهم لما حذفوا الياء والواو كرهوا أن يدعوا بعدها شيئا منهما، إذ كانتا تحذفان استثقالا، فصارت الضمة بعدها نحو الواو، ولو فعلوا ذلك لاجتمع في كلامهم أربعة متحركات ليس معهن ساكن نحو "رُسُلُكُُمُو" وهم يكرهون هذا، ألا ترى أنه ليس في كلامهم اسم على أربعة أحرف متحرك كله؟ ".
قال: "فأما الهاء فحُرِّكت في الباب الأول؛ لأنه لا يلتقي ساكنان".
فجمع سيبويه بهذا الكلام حكم الميم وهاء الكناية، وانبنى على ذلك جواز الروم والإشمام في الهاء، وامتناعه في الميم، ألا ترى أنه من حذف الياء والواو في الوصل سكّن الميم أبدا؟ فإنما يكون الوقف لجميعهم على الحد الذي استعمله بعضهم في الوصل.
وذكر أبو محمد مكي أن هاء الكناية إذا كانت مكسورة قبلها كسرة أو ياء ساكنة، أو كانت مضمومة قبلها ضمة أو واو ساكنة نحو "يعلمه، ويخلقه، وفعلوه، وعقلوه، وبه، وبمزحزحه، وفيه، وإليه" فالوقف عليها بالسكون لا غير عند القراء لخفائها.
وذكر النحاس جواز الروم والإشمام في هذا, وليس هو مذهب القراء. وذكر أبو عمرو أن أهل الأداء مختلفون في ذلك، وأن منهم من يأخذ بالإشارة, قال: وهو أقيس، وهو كما قال.
وإنما أنزل سيبويه الهاء منزلة الساكن في كونها وصلا للروي١ في قوله:
عفت الديار محلها فمقامها
لا في امتناع الروم والإشمام، فالواجب الأخذ فيها بالإشارة، وفي ميم الجميع بغير إشارة على ما ذكرنا من نص سيبويه.
وأما ما ذكر أبو محمد أن من حركها لالتقاء الساكنين فالوقف بالسكون، فإن
стр. 280
الميم إذا احتِيج إلى تحريكها لالتقاء الساكنين عادت إليها حركة أصلها, فمن قال: "عليهُمُ الذلة" [البقرة: ٦١] ، [وآل عمران: ١١٢] فعلى لغة من قال: "عليهمو" ومن قال: "عليهِمِ الذلة" فعلى لغة من قال: "عليهمي" وهذا المعنى هو المانع من نقل حركة الهمزة إليها, وقد تقدم ذكر ذلك.
باب الإشمام المتحرك:
اختلفوا في إشمام المتحرك في أصل مطرد، وهو ما جاء من الفعل المعتل العين المبني للمفعول، وذلك ستة أفعال وهي "قيل، وغيض، وحيل، وسيق، وجيء، وسيء، وسيئت" حيث وقعن.
فقرأ الكسائي وهشام بإشمام الضم في أوائلها حيث وقعت.
وقرأ ابن ذكوان بالإشمام في "حيل، وسيق، وسيء، وسيئت" فقط.
وقرأ نافع بالإشمام في "سيء، وسيئت" فقط.
الباقون بغير إشمام.
وحقيقة الإشمام في هذه الأفعال أن ينتحى بكسر أوائلها انتحاء يسيرا نحو الضمة، دلالة على أن أصلها "فُعِل" كما ينتحى بألف "رمى" نحو الياء، دلالة على أنها منقلبة منها، فهو مسموع كالإمالة، بخلاف الإشمام في الحرف الموقوف عليه.
وقد أجاز أبو محمد مكي أن يكون الإشمام في أوائل هذه الأفعال قبل اللفظ بالحرف، وحسن ذلك في المنفصل نحو "سيء، وسيئت" فإن كان متصلا نحو: "وقيل، وحيل" لم يكن هذا الوجه عنده كحسنه مع المنفصل، وذلك أن الإشمام قبل الحرف غير مسموع فلا يتأتى في الابتداء؛ لأنه يضم شفتيه ساكتا قبل أن يشرع في التكلم، فإذا شرع في التكلم كان الإشمام قبل الحرف رجوعا إلى بعض السكوت، فلم يتمكن تمكنه في الابتداء.
стр. 281
فأما ﴿تَأْمَنَّا﴾ في سورة [يوسف: ١١] فأجمع القراء فيه على الإدغام والإشارة إلى حركة النون المدغمة، فمن أهل الأداء من يسمي هذا إدغاما محضا، ومنهم من يسميه إخفاء، وهو أشبه، والله أعلم.
стр. 282
باب ياءات الإضافة:
هذا باب ذكره غير واحد من الشيوخ هكذا، وهو كثير الفائدة؛ لما فيه من حصر اختلافهم في الياءات، فمن حفظه استغنى عن النظر في الفرش، ورجع إلى قياس يعمل عليه فيها.
وأنا أسوقه على ما حدثني به أبو داود، وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن عن أبي عمرو عثمان بن سعيد، وأبو علي الصدفي عن أبي طاهر بن سوار عن أبي علي العطار، وأبو الحسن بن كرز عن أبي القاسم بن عبد الوهاب, إن شاء الله تعالى.
قال أبو عمرو وأبو علي: جملة ما اختلفوا في فتحه وإسكانه مائتا ياء، وأربع عشرة ياء.
وهي لا تخلو أن تلاقي همزة مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة، أو تلاقي ألف اللام، أو ألف الوصل، أو سائر حروف المعجم.
الأول: لقاؤها المفتوحة, نحو ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ ، ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ , ﴿لِي أَنْ أَقُولَ﴾ [المائدة: ١١٦] .
وجميع ما في القرآن منها تسع وتسعون ياء، كذا قال أبو عمرو، وقال أبو علي: مائة ياء، زاد ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ﴾ في [الأعراف: ١٤٣] والاختيار ألا تعد.... في المختصر على إسكانها. وقال عبد الوهاب: مائة ياء وياء واحدة, ففتحها حيث وقعت الحرميان وأبو عمرو١.
وتفرد نافع بفتح ياءين: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو﴾ في [يوسف: ١٠٨] ، و ﴿لِيَبْلُوَنِي
стр. 283
أَأَشْكُرُ﴾ في [النمل: ٤٠] .
وروي ورش عنه: ﴿أَوْزِعْنِي﴾ فيهما [النمل: ١٩، الأحقاف: ١٥] بالفتح.
واختُلف فيهما عن قالون، والأشهر عنه الإسكان.
وتفرد ابن كثير بفتح ثلاث ياءات: في [البقرة: ١٥٢] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ، وفي [غافر] ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [٢٦] ، و ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [٦٠] .
ونقض أصله في روايتيه في عشرة مواضع، فسكن الياء فيها، في [آل عمران: ٤١] ، [ومريم: ١٠] ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ ، وفي [هود: ٧٨] ﴿فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ﴾ ، وفي [يوسف] ﴿أَحَدُهُمَا إِنِّي﴾ ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي﴾ [٣٦] ، و ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي﴾ [٨٠] ، و ﴿سَبِيلِي أَدْعُو﴾ [١٠٨] ، وفي [الكهف: ١٠٢] ﴿مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ ، وفي [طه: ٢٦] ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ، وفي [النمل: ٤٠] ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ .
وزاد قنبل عنه سبعة مواضع، فسكن الياء فيها، في [هود: ٢٩] ، [الأحقاف: ٢٣] ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ﴾ ، وفيها [هود: ٥١، ٨٤] ﴿فَطَرَنِي أَفَلا﴾ ، و ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ﴾ ، وفي [النمل: ١٩] ، [والأحقاف: ١٥] ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ﴾ ، وفي [الزخرف: ٥١] ﴿مِنْ تَحْتِي أَفَلا﴾ .
روى أبو ربيعة عن قنبل وعن البزي في [القصص: ٧٨] ﴿عِنْدِي أَوَلَمْ﴾ بالإسكان.
وأسكن أبو عمرو اثنتي عشرة ياء، الياءات الثلاث التي تفرد ابن كثير بفتحها، وتسع ياءات سواها، في هود ﴿فَطَرَنِي أَفَلَا﴾ ، وفي [يوسف: ١٣] ﴿لَيَحْزُنُنِي أَنْ﴾ ، و ﴿سَبِيلِي أَدْعُو﴾ ، وفي [طه: ١٢٥] ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ ، وفي النمل ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ﴾ ، و ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ ، وفي [الزمر: ٦٤] ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ ، وفي [الأحقاف: ١٥، ١٧] ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ﴾ و ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ﴾ .
وفتح ابن عامر في روايتيه ثماني ياءات: ﴿لَعَلِّي﴾ حيث وقعت، و ﴿مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] ، و ﴿مَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾ [الملك: ٢٨] لا غير.
وزاد عنه ابن ذكوان ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] وزاد هشام ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾ [غافر: ٤١] .
وفتح حفص ياءين في [التوبة: ٨٣] ، [والملك: ٢٨] ﴿مَعِيَ﴾ لا غير، وأسكنها الباقون.
стр. 284
الثاني: لقاؤها المكسورة, نحو ﴿مِنِّي إِنَّكَ﴾ ، و ﴿أَنْصَارِي إِلَى﴾ ، و ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا﴾ وجميع ما في القرآن منها اثنتان وخمسون ياء.
ففتحها حيث وقعت نافع وأبو عمرو, وأسكن أبو عمرو منها عشرا وهي: ﴿أَنْصَارِي إِلَى﴾ في الموضعين [آل عمران: ٥٢] ، [الصف: ١٤] ﴿وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنّ﴾ [يوسف: ١٠٠] ، و ﴿بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ﴾ [الحجر: ٧١] ، و ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ في ثلاثة مواضع [الكهف: ٦٩، والقصص: ٢٧، والصافات: ١٠٢] ، و ﴿بِعِبَادِي إِنَّكُمْ﴾ [الشعراء: ٥٢] ، و ﴿لَعْنَتِي إِلَى﴾ [ص: ٧٨] ، و ﴿رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٢١] .
وأسكن قالون واحدة، وهي ﴿وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ﴾ .
وفتح ابن كثير ياءين ﴿آبَائي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف: ٣٨] ، و ﴿دُعَائي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦] ، وفتح ابن عامر خمس عشرة ياء ﴿أَجْرِيَ إِلَّا﴾ حيث وقعت١، و ﴿أُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] ، و ﴿مَا تَوْفِيقِي إِلَّا﴾ [هود: ٨٨] ، و ﴿حُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] ، و ﴿آبَائي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف: ٣٨] ، و ﴿رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٢١] ، و ﴿دُعَائي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦] .
وفتح حفص ياء ﴿أَجْرِيَ إِلَّا﴾ حيث وقعت، و ﴿يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ ، و ﴿أُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ في [المائدة: ٢٨، ١١٦] لا غير.
وأسكن الباقون الياء في جميع القرآن٢.
الثالث: لقاؤها المضمومة, نحو ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٤] وجميع ما في القرآن منها عشر.
فتحهن نافع وحده، وأسكنهن الباقون٣.
стр. 285
الرابع: لقاؤها ألف اللام, وجملة ما في القرآن منها مما اختلفوا فيه أربع عشرة، في البقرة: ﴿عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [١٢٤] ، و ﴿رَبِّيَ الَّذِي﴾ [٢٥٨] ، وفي الأعراف: ﴿رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [٣٣] ، و ﴿عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ﴾ [١٦٤] ، وفي [إبراهيم: ٣١] ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ﴾ ، وفي [مريم: ٣٠] ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ، وفي الأنبياء: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [٨٣] ، و ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [١٠٥] , وفي [العنكبوت: ٥٦] ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفي [سبأ: ١٣] ﴿عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ، وفي [ص: ٤١] ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ ، وفي الزمر: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ﴾ [٣٨] ، و ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [٥٣] ، وفي [الملك: ٢٨] ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ هكذا قال أبو علي.
وعدها أبو عمرو ست عشرة، وزاد ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ﴾ في ﴿الزمر: ١٧، ١٨] و ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ في [النمل: ٣٦] .
فأسكنها كلها حمزة، تابعه الكسائي على الإسكان في ثلاثة مواضع؛ في [إبراهيم: ٣١] ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ﴾ ، وفي [العنكبوت: ٥٦، والزمر: ٥٣] ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ﴾ .
وتابعه أبو عمرو في الموضعين، في العنكبوت والزمر لا غير.
وتابعه ابن عامر في موضعين أيضا، في الأعراف:
﴿عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ﴾ ، وفي إبراهيم ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ﴾ لا غير.
وتابعه حفص على قوله في البقرة: ﴿عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ لا غير.
وفتح الباقون الياء في ذلك حيث وقعت.
وتفرد أبو شعيب بفتح الياء في الوصل, وإثباتها في الوقف ساكنة في الزمر, في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ﴾ وحذفها الباقون في الحالين.
وفتح ﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾ في الوصل نافع وأبو عمرو وحفص، وحذفها الباقون.
واتفقوا على فتح الياء في ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ ، و ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ ، و ﴿شُرَكَائِيَ الَّذِينَ﴾ حيث وقعن.
وعلى ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ في [آل عمران: ٤٠] ، و ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [١٥٠] ,