← Язык

Язык · id 10019

علم اللغة مقدمة للقارئ العربي

محمود السعران

Полный текст (313 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وإنهم ليقدسون النحو قدسية بالغة، فلو أخبرتهم أن هذا "النحو" كان من الممكن أن يتخذ صورة أخرى لو أنه كان قد أقيم على أسس أخرى، وأنه قد يأتي عالم فيضع للعربية "نحوا" جديدا يغاير هذا النحو المألوف الذي نتدارسه لاختلط عليهم الأمر ولم يحسنوا إدراكه. فلا بد من أن نظهر لهم أن آية لغة من اللغات أو لهجة من اللهجات، أو أية صورة من صور الكلام الذي تستعمله جماعة من الجماعات "منظمة" بطبعها، تحتوي على "قواعد" خاصة بها، وأن مهمة اللغوي أو النحوي أن يصف هذه اللغة أو اللهجة أو هذه الصورة من صور الكلام، مهمته أن يكشف عن حقائقها و"قواعدها"، أن يدرك ويقرر طرق إصلاحها. ولما كان اللغوي أو النحوي واصفا محللا دارسا لشيء منظم بطبعه، جاز أن يختلف تقرير هذا الوصف والدرس والتحليل من عالم إلى عالم، حسب الأسس التي يقيم عليها كل درسه، والمناهج التي يتبعها، والوسائل التي يصطنعها، فـ"النحو" وكثير غير النحو من وجوه دراسة لغة من اللغات وصف لجانب من جوانب هذه اللغة، أو محاولة للوصف. ولو ضربنا مثلا من عالم الطبيعة قاصدين التقريب والتوضيح لا التشبيه والتمثيل لقلنا أن "المجموعة الشمسية" تسير على نظام معين منذ الأزمان القديمة، فهي "منظمة" في ذاتها، ولو عجزنا نحن عن إدراك هذا النظام فليس معنى هذا أنها غير منظمة، ولو اتضح لنا بعد زمن أن في وصفنا لهذا النظام وتقريرنا لحقائقه خطأ أو أخطاء، فليس يعني هذا، ولا ينجم عنه بالضرورة، أن نظامه قد أصابه الاختلال، وعراه الخطأ. إنها شيء منظم بطبعه، ثم يأتي عالم فيصف هذا النظام، أو يحاول وصفه حسب ما أوتي من "علم". وإنا لنخطو خطوة أخرى في سبيل التقريب فنقول: إن القدماء من الجغرافيين كانوا يعتقدون أن الأرض "مسطحة" وكانوا يرتبون على ذلك نتائج كثيرة، ثم تغيرت هذه النظرة و"أثبت" العلماء أن الأرض "كروية"، فليس معنى ذلك أن الأرض كانت مسطحة لما كان يُظن أنها كذلك، أو أنها انقلبت كرة لما رؤي ذلك. إنها منظمة بطبعها، وعلى صفات وخصائص معينة، ومهمة الفلكي أو الجغرافي أن يحاول وصف هذا النظام، وقد يخطئ لقصور وسائله عن إدراك "الحقيقة"، ولقد يختلف عالمان يصطنعان نفس الوسائل في تقرير نتائج هذه الدراسة.

стр. 37

وإليك مثالا آخر القصد منه التقريب والتوضيح كذلك، وهو مستمد هذه المرة من الميدان الفسيولوجي: إن كلا منا يحمل أجهزة لها نظمها وأصولها، ولكن جهلنا بهذه النظم لا يعني أن هذه الأجهزة، في الأحوال العادية، لا تؤدي وظيفتها، أو أنها تخطئ في تأدية هذه الوظيفة، أو أنها "لا تجيد" تأديتها. إن جهل إنسان عادي بكيفية حدوث عملية الإبصار لا يعني أنه لا يبصر، كما أن جهله بكيفية حدوث السمع، واللمس، والشم، والهضم والدورة الدموية، لا ينتج عنه أن هذ الوظائف لا تتحقق في جسمه. إن كلا منا يحمل هذه الأجهزة المنظمة في ذاتها، ثم يأتي العلماء المتخصصون فيقررون حقائق هذه النظم. ويظهرنا تاريخ العلوم على أن هذا الوصف كان قاصرا أو خاطئا في وقت من الأوقات لقصور الوسائل أو الخطأ في هذا الأساس أو ذاك، أو لغير هذا من الأسباب، صحح ودقق من بعد لما حسنت الوسائل، ودقت المناهج والأصول وهكذا. وقد تصل الدراسة العلمية مستقبلا إلى إضافة تفسيرات كثيرة إلى ما نعرفه الآن، أو إلى تغيير في بعض الأصول، وهكذا.

стр. 38

الباب الأول: علم اللغة - موضوعه وماهيته ١- علم اللغة يدرس "اللغة ": "علم اللغة" هو العلم الذي يتخذ "اللغة" موضوعا له. قال فرديناند دي سوسير في "محاضرات في علم اللغة العام": إن "موضوع علم اللغة الوحيد والصحيح هو اللغة معتبرة في ذاتها ومن أجل ذاتها"١. أ- و"اللغة" التي يدرسها علم اللغة ليست الفرنسية، أو الإنجليزية، أو العربية، ليست لغة معينة من اللغات، إنما هي "اللغة" التي تظهر وتحقق في أشكال لغات كثيرة ولهجات متعددة، وصور مختلفة من صور "الكلام" الإنساني. فمع أن اللغة العربية تختلف عن الإنجليزية، وهذه الأخيرة تفترق عن الفرنسية إلا أن ثمة أصولا وخصائص جوهرية تجمع ما بين هذه اللغات وتجمع ما بينها وبين سائر اللغات وصور الكلام الإنساني، وهو أن كلا منها "لغة"، أن كلا منها نظام اجتماعي معين تتكلمه جماعة معينة بعد أن تتلقاه عن المجتمع، وتحقق به وظائف خاصة، ويتلقاه الجيل الجديد عن الجيل السابق، ويمر هذا النظام بأطوار معينة متأثرا بسائر النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وبسوى ذلك ... إلخ. وهكذا فعلم اللغة يستقي مادته من النظر في "اللغات" على اختلافها، وهو يحاول أن يصل إلى فهم الحقائق والخصائص التي تسلك اللغات جميعا في عقد واحد. وكما يدرس علم الحيوان أفراد الحيوان على اختلافها ليصل إلى فهم سليم لحقيقة "الحيوان"، والدراسة تلجئه إلى أن يصنف أفراد الحيوان على أسس معينة، وأن يبرز خصائص كل "صنف"، وأن يؤرخ للحياة الحيوانية، ويحاول أن يفسر "نشأتها"، كذلك يصنع عالم اللغة "باللغات": إن اللغات هي الأشكال المختلفة التي تتحقق فيها "اللغة"، فدراسة كل منها وصفا وتاريخا، ودراسة العلاقات التي تقوم بينها أو بين طائفة منها، ودراسة "الوظائف" التي تؤديها. وتبين ظروف استعمالها، كل أولئك وسواه يمهد للوصول إلى التعريف بحقيقة تلك الظاهرة الإنسانية العامة التي هي "اللغة". ومن هنا نرى أن "علم اللغة العام" ما كان ليظهر على الصورة الحديثة التي ظهر بها، لو لم تسبقه تلك الدراسات التفصيلية الكثيرة لمعظم لغات البشر، تلك الدراسات التي مهدت لتاريخ اللغات وللمقارنة بينها

стр. 39

ولتصنيفها أن تنهض، فكثر التفكير في "نشأة" اللغة، وفي "تطورها" وفي "العائلات اللغوية" ... إلخ. نعم إن تلك الدراسات السابقة للغات البشر أو لأشهرها يعاد النظر فيها الآن، والذي يدعو إلى إعادة النظر فيها هو نتائج "علم اللغة" نفسه؛ لأن بعض تلك الدراسات قام على أسس غير سليمة، أو استعان بوسائل قاصرة، ولكن تلك الدراسات مع ما فيها من قصور، كانت خطوة أساسية لظهور "علم اللغة". فموضوع علم اللغة١، إذن ليس "لغة" معينة من اللغات، بل "اللغة" من حيث هي وظيفة إنسانية عامة، اللغة من حيث هي وظيفة إنسانية٢، والتي تبدو في أشكال نظم إنسانية٣ اجتماعية تسمى اللغات كالروسية والإيطالية والإسبانية، أو "اللهجات"٤ أو أي اسم آخر من الأسماء٥. هذه الصورة المتنوعة المتعددة واحدة في جوهرها، وتمثل وظيفة إنسانية. ب- هذه هي "اللغة" التي هي موضوع "علم اللغة"، أما معنى قول دي سوسير إن علم اللغة "في ذاتها" فهو أن يدرسها من حيث هي لغة، يدرسها كما هي، يدرسها كما تظهر، فليس للباحث فيها أن يغير من طبيعتها، كما أنه ليس للباحث في موضوع أي علم من العلوم أن يغير من طبيعته، فليس له أن يقتصر في بحث على جوانب من اللغة مستحسنا إياها، وينحي جوانب أخرى استهجانا لها أو استخفافا بها، أو لغرض في نفسه، أو لأي سبب آخر من الأسباب. جـ- أما أن علم اللغة يدرس اللغة "من أجل ذاتها"، فمعناه أنه يدرسها لغرض الدراسة نفسها، يدرسها دراسة موضوعية تستهدف الكشف عن حقيقتها، فليس من موضوع دراسته أن يحقق أغراضا تربوية مثلا، أو أية أغراض عملية أخرى. إنه لا يدرسها هدفا إلى ترقيتها"، أو إلى تصحيح جوانب منها أو تعديل آخر، إن عمله قاصر على أن يصفها ويحللها بطريقة موضوعية.

стр. 40

٢- حول البحث في نشأة اللغة: إن طبيعة موضوع علم اللغة، تلك الظاهرة الإنسانية التي هي اللغة، التي هي متطورة بطبعها، تفرض على الباحث أن يتساءل أول ما يتساءل: كيف تكون للإنسان لغة؟ كيف توصل الإنسان إلى هذا النظام؟ أتوصل إليه بنفسه، أم أوحي به إليه إيحاء؟ ذلك موضوع قد شغل الناس من قديم. والأساطير القديمة عند أكثر الجماعات الإنسانية تنسب "وضع" اللغة إلى إله من آلهتها، أو إلى قوة عليا خارقة. وفي العصور الوسطى اشتد الجدل بين نظريتين شغلتا المفكرين في نشأة اللغة: نظرية ترى أن "الله" هو الذي أوحى للبشر باللغة، ونظرية تذهب إلى أن اللغة من اصطلاح الناس وتواضعهم. وقد فسر اصطلاح الناس على اللغة بأوجه كثيرة مختلفة. والذي يذهب إليه العلم هو أن اللغة ظاهرة اجتماعية كسائر الظواهر الاجتماعية. ومعنى هذا أنها من صنع المجتمع الإنساني. ولا يعرف مجتمع إنساني منذ أقدم عصر سجله التاريخ بلا لغة ناضجة التكوين. ولكن لا تزال مشكلة نشأة اللغة قائمة. ما أقدم مجتمع ظهرت فيه اللغة؟ وأي لغة كانت أو اللغات؟ وهل اللغات المعروفة الآن ترجع إلى أصل واحد أو ترجع إلى أكثر من أصل؟ أي هل اللغة أحادية النشأة، أو ثنائيتها أو متعددتها؟ وما الظروف الاجتماعية وغير الاجتماعية التي أدت إلى نشأة اللغة؟ لقد أشرنا فيما سلف إلى أن "علم اللغة" يميل إلى أن ينحي البحث في "نشأة اللغة" من مجال دراسته، أو هذا هو رأي الغالبية من علمائه. وذلك لأن "نشأة اللغة" موضوع شائك لا سبيل إلى القطع فيه برأي، أو إلى الوصول في شأنه إلى رأي علمي، إنه بطبيعته موضوع يستحيل على الدراسة

стр. 41

العلمية الموضوعية: وكل ما يقال فيه هو من قبيل الفروض التي لا تستند إلى أسس سليمة. فنشأة اللغة متصلة بنشأة الإنسان، أو بنشأة المجتمع الإنساني، وبالمخ الإنساني ونموه. وبأطوار الحياة الاجتماعية التي مر بها الإنسان، وبالحاجات والدوافع التي يحتمل أن تكون قد ألجأته إلى اصطناع هذا النظام وهو "اللغة"، إلى غير ذلك من أمور لا يزال ما نعرفه عنها من حقائق أو معلومات ضئيلا غاية الضآلة بحيث لا يمكن من تكوين رأي "علمي". ومن هنا كانت "النظريات" أو "الفروض" التي قدمها الباحثون في نشأة اللغة ضربا من "الميتافيزيقا". ولكن الأبحاث في نشأة اللغة في العصر الحديث لم تتوقف، وقد لخص "أوتو يسبرسن" في كتابه "اللغة ... " أشهر ما سبقه من نظريات في نشأة اللغة، وأتى بنظرية من عنده. وظهرت بعد يسبرسن نظريات آخر. ولكن علم اللغة يرجئ تقرير الحق العلمي في نشأة اللغة إلى أن يتم جلاء ما يكتنفه من غموض قد يكشف عنه تقدم علم الأجناس البشرية، وعلم الوراثة، وغيرهما من العلوم الإنسانية، ولو أن الأرجح أن تقدم هذه العلوم وسواها لن يمكننا آخر الأمر من معرفة الظروف التي نشأت فيها اللغة معرفة يقينة١.

стр. 42

٣- اللغة "كلام ": إن "اللغة" التي يتخذها علم اللغة موضوعا له، هي اللغة التي تقوم على ربط مضمونات الفكر الإنساني بأصوات ينتجها "النطق". إنها اللغة التي تقوم على إصدار واستقبال أصوات تحدثها عملية "الكلام"١. فالأصل في اللغة أن تكون كلاما، أن تكون "مشافهة"، أما الكتابة أو لغة الكتابة فهي لغة أخرى تقصد إلى تمثيل الكلام المنطوق بطريقة منظورة. فالكتابة اختراع إنساني، لاحق على اختراع "اللغة"، وبعض المجتمعات لم توجد لنفسها هذه الوسيلة المنظورة من تمثيل اللغة الملفوظة. إن هذه الأشكال الكتابية، التي هي "الحروف"، كما يقول إدوارد سابير٢، ثانوية بالنسبة إلى رموز الكلام الملفوظة، التي هي الأصوات، أي أن الأشكال الكتابية هي "رموز الرموز"٣.

стр. 43

٤- عن طبيعة اللغة "الكلام" وظيفة إنسانية "غير غريزية" و"غير موزونة" الكلام وظيفة ثقافية مكتسبة: حاول إدوارد سابير١ أن يكشف عن طبيعة اللغة، وأن يقربها إلى الأفهام، فقارنها بالسير. وخلاصة رأيه أن "السير" وظيفة إنسانية موروثة٢ بيولوجية٣، إنه وظيفة "عضوية"٤، وظيفة "غريزية"٥ "وطبيعي أن السير نفس ليس غريزة". أما "الكلام" فهو وظيفة إنسانية "غير غريزية"٦، إنه وظيفة "مكتسبة"٧، إنه وظيفة ثقافية٨. أ- بدأ سابير بأن قرر أن الكائن البشري العادي مقدر له السير، لا لأن من يكبره سيتولى تعليمه هذا الفن، بل لأن تكوينه العضوي معد منذ الحمل، للقيام بهذا العمل. وعلى هذا فليس للثقافة٩ دخل هام في هذا الشأن. ولقد يقال، وهو قول بحق اعتبار ما، إن الفرد مقدر له الكلام -فليس ثمة إنسان عادي لا يتعلم الكلام- ولكن مرجع هذا أن الإنسان لا يولد في الطبيعة وحسب، بل إنه يولد في حجر مجتمع من المؤكد أنه سيوجهه نحو تقاليده. فإذا عزل وليد عن أي مجتمع إنساني فإنه سيتعلم كيف يسير له قدر له أن يبقى على قيد الحياة، ولكنه لن يتعلم كيف "يتكلم" أي كيف يمارس النشاط اللغوي طبقا للنظام التقليدي السائد في أي مجتمع من المجتمعات. ثم إنه لو نقل وليد من بيئته الاجتماعية التي ولد فيها إلى أخرى مختلفة عنها أشد الاختلاف فإنه سيسير في بيئته الجديدة سيره لو ظل في بيئته القديمة،

стр. 44

ولكن كلامه الذي سيتعلمه في هذه الحال يكون مغايرا تمام المغايرة لكلام بيئته التي ولد فيها. فالسير نشاط إنساني عام لا يختلف إلا في نطاق ضيق، وذلك إذا انتقلنا من فرد إلى فرد، واختلافه غير إرادي ولا غرض منه. أما الكلام فإنه نشاط إنساني يختلف أيما اختلاف إذا انتقلنا من مجتمع إلى مجتمع؛ لأنه ميراث تاريخي محض للجماعة؛ لأنه نتاج الاستعمال الاجتماعي الذي استمر زمنا طويلا. ب- ثم أخذ "سابير" في دفع الأوهام القائمة على زعم أن ما في اللغات من "صرخات انفعالية"١ أو من "كلمات" مقلدة للأصوات الطبيعية شاهد بأن للغة أساسا غريزيا، ورد تلك النظريات القائلة أن الكلام الإنساني تطور تطورا تدريجيا عن الصرخات الانفعالية، أو عن تقليد الأصوات الطبيعية، ثم حذر من أن يضلل المصطلح الذي يستعمله اللغويوين، ألا وهو "أعضاء" الكلام٢، فيعد تسليما من اللغويين بأن الكلام نشاط غريزي بيولوجي. ولنعرض رأي سابير في هذه المسائل الثلاث واحدة فواحدة: ١- "الصرخات الانفعالية" ليست شاهدا بأن الكلام غريزي: إننا تحت وطأة الانفعال، تحت وطأة ألم قاس مفاجئ، أو فرح غامر مباغت، أو ما أشبه ذلك، نتفوه، دون إرادة منا، بأصوات لا يفهمها السامع على أنها دالة على الانفعال نفسه، أي يفهمها على أنها "كلام". ولكن هذا التعبير غير الإرادي عن الشعور يختلف أشد الاختلاف عن الطريقة العادية المألوفة لنقل الأفكار، هذه الطريقة التي هي "الكلام". إن النوع الأول غريزي، و"غير رمزي"٣، إنه فيض "أوتوماتي"٤ للقوة الانفعالية، إنه جزء من الانفعال نفسه. ثم إن الأصوات، أو الصرخات الغريزية، لا توجه إلى أحد، لا يقصد بها أن يسمعها أحد، إنها لا تكون "اتصالا" بالغير بأي معنى صحيح من معاني

стр. 45

الاتصال. وهي إذا سمعت فإنما تسمع اتفاقا كما يسمع نباح كلب، أو وقع خطى مقتربة، أو زفيف الريح. وهي إذا كانت تحمل "معنى" إلى السامع فما ذلك إلا من قبيل قولنا: إن أي صوت، أو كل صوت، لا بل أي ظاهرة طبيعية على الإطلاق، تحمل "معنى" إلى الذهن المدرك. وهكذا فاعتبار الصرخات غير الإرادية المعبرة عن الألم مثلا، والتي تمثل بـ! OH "أوه" رمزا كلاميا حقيقيا مساويا لفكرة مشابهة مثل "إني لفي ألم شديد" ليس إلا من قبيل السماح بتفسير ظهور السحاب بأنه رمز مماثل يؤدي هذه الرسالة: "السماء على وشك أن تمطر". هذه الملاحظة. ملاحظة أننا تحت وطأة الانفعال ننطق بأصوات لا إرادية يرى السامع أنها دالة على الانفعال نفسه، قد أدت بكثيرين إلى أن يروا في "الصرخات الانفعالية، الموجودة في اللغات مثل OH "أوه" AH "آه"! sh "ش! " شيئا مطابقا للأصوات الغريزية. ويحذرنا سابير من الوقوع في هذا الخطأ قائلا: إن هذه الصرخات صرخات "اصطلاحية"١، ما هي إلا "تثبيت اصطلاحي"٢ للأصوات الغريزية الطبيعية، ومن هنا كان ما يبدو من تشابه بين بعض الصرخات في لغات مختلفة كأنها تنتمي إلى عائلة واحدة، وما يبدو في الوقت نفسه، من اختلاف بينها للبصير المدقق، فالتشابه مرجعه إلى أن هذه الصرخات قد قدمتها نماذج أصلية عامة هي الأصوات الغريزية، لا إلى أنها ناتجة عن أساس غريزي عام، والاختلاف الحاصل بين هذه الصرخات في اللغات المختلفة مرده إلى أنها قد تكونت نتيجة للتقاليد اللغوية الخاصة، وللأنظمة الصوتية، وللعادات الكلامية لأصحاب كل لغة. إن هذه الصرخات "متعلقة" بنماذجها الأصلية الطبيعية تعلق الفن، الذي هو شيء اجتماعي، أو ثقافي، بالطبيعة. وإذ قد تبين أن الصرخات، وهي أقرب الأصوات اللغوية إلى النطق الغريزي، ليست لها طبيعة غريزية إلا بصورة سطحية، وضح أنه لو فرض أنه من الممكن إثبات أن اللغة كلها ترد في أسسها التاريخية والنفسية إلى الصرخات، فلن

стр. 46

ينتج عن هذا أن اللغة نشاط غريزي. ولكن الواقع أن جميع المحاولات التي بذلت لتفسير نشأة الكلام بهذه الطريقة لم تسفر عن نتيجة. فليس ثمة دليل واضح، تاريخي أو غير تاريخي، يؤدي إلى بيان أن "عناصر الكلام"١، وأن "عمليات الكلام"٢، قد نتجت عن الصرخات، ثم إن الصرخات ليست إلا جزءا ضئيلا من مفردات اللغة، وهي من حيث الوظيفة غير ذات بال. إنها ليست أكثر من الحواشي المزينة للنسيج الكبير المعقد. ٢- الكلمات المقلدة للأصوات الطبيعية لا تثبت أن اللغة نشاط غريزي: ثم بين "سابير" أن اعتبار اللغة نشاطا غريزيا اعتمادا على أن في اللغات أصواتا "كلمات" مقلدة للأصوات الطبيعية، وهم باطل، وقرر أن ما ينطبق على "الصرخات" أشد انطباقا على الكلمات المقلدة للأصوات الطبيعية٣، فإن كلمات مثل Whippoorwill ٤ و TO miew و TO Caw ليست بأي معنى من المعاني أصواتا طبيعية قد أنشأها الإنسان بطريقة غريزية أو أوتوماتية. إن هذه الكلمات، كأي كلمات أخرى في اللغة، إنها مثل ابتكارات العقل الإنساني تماما. إن الطبيعة قد قدمت أصولها ليس غير. وإذن فإن نظرية نشأة الكلم التي تفسر الكلام كله بأنه تطور تدريجي من أصوات مقلدة للأصوات الطبيعية لا تدنينا من المستوى الغريزي أكثر مما تدنينا إليه اللغة كما نعرفها في أيامنا. ٣- استعمال المصطلح "أعضاء الكلام" لا دلالة فيه على أن الكلام نشاط غريزي بيولوجي: أما فيما يتعلق باستعمال اللغويين لذلك المصطلح الشائع "أعضاء الكلام" فقد قال سابير: لا ينبغي أن يضللنا هذا المصطلح فنرى فيه تسليما من اللغويين بأن الكلام نفسه نشاط غريزي بيولوجي، ذلك لأنه ليس ثمة في الحقيقة "أعضاء" خاصة بالكلام، مفردة له، ومقصورة عليه، ووظيفتها الأصلية هي الكلام. إن الموجود فعلا، والمستعمل في عملية الكلام هو أعضاء "صالحة" اتفاقا لإنتاج

стр. 47

الأصوات الكلامية. فالرئتان، والحنجرة والحلق، والأنف، واللسان، والأسنان، والشفتان كلها "صالحة" لإنتاج الأصوات الكلامية، ولكنها ليست أعضاء "أصلية" للكلام، إلا إذا اعتبرنا الأصابع أعضاء وظيفتها الجوهرية هي العزف على البيان، أو "الركب" أعضاء الأصل فيها استخدامها في الصلاة. إن الوظيفة البيولوجية الضرورية للرئتين هي التنفس، وللأنف الشم، وللأسنان كسر الطعام وطحنه قبل إعداده لعملية الهضم. فإذا كانت هذه الأعضاء وسواها تستعمل دائما في الكلام فما ذلك إلا لأن أي عضو يخضع للسيطرة الإرادية يمكن أن يستعمل في أغراض ثانوية. إن "الكلام" من الناحية الفسيولوجية مجموعة من الوظائف المفروضة على الوظائف الأساسية. إنه يستمد عونا من أعضاء ووظائف، عضلية عصبية، تكونت في أصلها لأداء أغراض غير غرض الكلام، وهي لا تزال تؤدي هذه الأغراض، بعد أن استعين بها لإحداث الأصوات الكلامية. إن الكلام ليس نشاطا بسيطا ينتجه عضو أو أعضاء تلائم الغرض بطريقة بيولوجية. إنه نسيج من الملاءمات معقد غاية التعقيد، ومتنقل أبدا -في المخ، وفي الجهاز العصبي، وفي أعضاء النطق والسمع- ومتجه نحو الغاية المرجوة، غاية التوصيل١.

стр. 48

٥- اللغة نظام من العلامات الاصطلاحية ذات الدلالات الاصطلاحية علم اللغة جزء من علم أعم هو عمل العلامات "السميولوجيا": أ- إن اللغة من حيث إنها مجموعة من العلامات١ أو الرموز٢، هي الأصوات التي يحدثها جهاز النطق الإنساني والتي تدركها الأذن، هذه الأصوات التي تؤلف بطرائق اصطلاحية في كلمات ذات دلالات اصطلاحية، إن اللغة بهذا الاعتبار تشترك مع طائفة أخرى من النظم "يصدق عليها ما يصدق على اللغة من أنها تتكون من علامات اصطلاحية يستعان بها على توصيل دلالات اصطلاحية" سواء اتسعت دائرة الاصطلاح أو ضاقت، وأيا كانت المادة التي يتكون منها أي نظام من هذه النظم، وأيا كانت الحاسة التي يتجه إليها أو "يخاطبها" أي نظام منها. ومن الممكن نظرا أن يقابل كل حاسة من الحواس الإنسانية نظام من العلامات الاصطلاحية ذات الدلالة، وهي تكون "سمعية" إن خاطبت الأذن، و"بصرية" إن خاطبت العين، و"لمسية" إن خاطبت اليد، وشمية، إن خاطبت الأنف، و"مذاقية" إن خاطبت اللسان. وتاريخ المجتمعات الإنسانية شاهد بأنها أنتجت نظما -أو "لغات" لو توسعنا في الاستعمال وترخصنا- من معظم هذه الأنواع، ولكن بعضها أكثر شيوعا من بعض. ومن أشهر هذ الأنظمة من العلامات تلك التي تقوم على الإشارة وتخاطب العين، وتلك التي تخاطب السمع غير "اللغة" بمعناها الحق. ١- ومن الأنظمة الاصطلاحية القائمة على الإشارة تلك التي تستعملها الجيوش الخاصة، وتلك التي تستعملها شعوب متجاورة تتكلم لغات مختلفة كما هو الحال في سهول أمريكا الشمالية.

стр. 49

ومن هذه الأشكال "البصرية" ما يعتمد في إصدار العلامات الاصطلاحية على وسائل أخرى غير الإشارة بأعضاء الجسم الإنساني، وذلك كالضوء والرايات وما أشبههما. ٢- والأشكال السمعية لهذه الأنظمة الاصطلاحية غير الكلام الإنساني يقوم أغلبها على الاستعانة بآلات وأدوات معينة -غير جهاز النطق الإنساني- لإصدار ضجات "= أصوات" خاصة جرى الاصطلاح على أنها رموز لمعان معينة. ومن ذلك لغات الطبول، الذائعة عند زنوج إفريقيا، ونقل الرسائل بطبول في الشمال الغربي من الأمازون. وليست هذه الأنظمة مقصورة على المجتمعات التي جرى العرف بتسميتها "بدائية"، أو "غير متمدنة" إلخ، ولكنها ذائعة الاستعمال كذلك في المجتمعات "الراقية" "المتمدنة"، فأرقى المجتمعات المعاصرة تستعمل رنات الأجراس ودقات النواقيس للدلالة على معان اصطلاحية، ولتوصيل معان، كما هو الحال في الكنائس والمعابد والمدارس. وأصوات الأبواق والنوافير وما إليها تستعمل في الجندية والمعسكرات للتحية ولإصدار "أوامر" خاصة كالاستدعاء، والانصراف، والإيذان بمواعيد الطعام ... إلخ. ومن هذه الأشكال السمعية ما يعتمد في إصدار أصواته على جهاز النطق الإنساني نفسه كالأنظمة التي تستعمل "الصفير" استعمالا اصطلاحيا. ب- هذه الأنظمة المختلفة من "العلامات" لما كانت شريكة "اللغة" في طبيعة "الأصل" الذي يقوم عليه كل منهما، فهي جديرة بأن تدرس معها. ودراسة "اللغة" على هذا الاعتبار جزء من ذلك العلم الناشئ الذي يتخذ موضوعا له دراسة استعمال العلامات الاصطلاحية ووظيفتها في المجتمعات، والذي اقترح له فرديناند دي سوسير اسم١ La Semiologie "السيمولوجيا، أو علم العلامات" من الكلمة اليونانية Semeion، بمعنى "علامة". ١- هذا العلم لم ينضج، ولا يزال العلماء المختصون يدرسون مناهجه ووسائله ومسائله ويضيفون إليه. ومن شأن هذا العلم أن يستخدم من نتائج علم النفس الاجتماعي٢، وعلم الاجتماع وعلم الأجناس البشرية ما يمكنه من

стр. 50

الوصول إلى تقسيمات أساسية في موضوعه وإلى مقاييس للتوسل بهذه التقسيمات والمقاييس إلى تنظيم الظواهر "السيمولوجية" ووصفها. ويرى أستاذنا فيرث١، ﵀، أنه ربما كان أبرز شيء في كل مؤلف دي سوسير القيم "محاضرات في علم اللغة العام"، هو قوله: "إنا إذا كنا قد استطعنا، للمرة الأولى، أن نحدد لعلم اللغة مكانا بين العلوم، فما ذلك إلا لأننا وصلناه بالسيمولوجيا"٢. ٢- ونحن نعرض فيما يلي خلاصة ما قاله دي سوسير عن "السميولوجيا"٣: ١- إن هذا العلم سيكون جزءا من علم النفس الاجتماعي، وسيكون تبعا لهذا جزءا من علم النفس العام. هذا العلم سيعرفنا العناصر التي تتكون منها "العلامات"، والقوانين التي تحكمها. ولما كان ذلك العلم لم يوجد بعد، فلا نستطيع أن نقول كيف سيكون، ولكنه علم له الحق في الوجود. وما "علم اللغة" إلا جزء من ذلك العلم الأعم "وهو السميولوجيا"، وإن "القوانين" التي سيكتشف عنها السميولوجيا ستصدق على علم اللغة، وسيكون علم اللغة في هذ الحال موصولا بميدان واضح التحديد في مجموع الظواهر الإنسانية٤. وقال دي سوسير: إن تحديد الوضع الحق للسميولوجيا يقع على عاتق عالم النفس. أما واجب عالم اللغة بالنسبة إلى هذا العلم فهو أن يحدد ما يجعل من اللغة نظاما خاصا في مجموعة الظواهر السميولوجية٥.

стр. 51

٢- ويرجع دي سوسير السبب في أن السميولوجيا لم يصبح، حتى زمنه١، علما منفردا مع أن له كما لأي علم آخر موضوعه الخاص، إلى أننا هنا ندور في دائرة مفرغة؛ ذلك لأنه لا شيء، من ناحية، أجدر من اللغة بأن يفهمنا طبيعة المشكلة السميولوجية، ولكن من أجل أن نضع هذه المشكلة الوضع المناسب يجب أن ندرس اللغة في ذاتها. إن عالم النفس يدرس آلية العلامة٢ عند الفرد، وهذ أيسر منهج في دراسة العلامة. ولكنه لا يؤدي إلى ما وراء التنفيذ، أو التحقيق٣ الفردي للعلامة، إنه لا يبلغ العلامة التي هي اجتماعية بطبيعتها. ولكن عندما ندرك أن العلامة يجب درسها من الناحية الاجتماعية، فنحن لا نذكر من اللغة إلا تلك السمات التي تربطها بنظم اجتماعية أخرى، تلك التي تعتمد كثيرا أو قليلا، على إرادتنا، وهكذا نمر إلى جوار الهدف مهملين الخصائص والسمات التي لا يتصف بها إلا الأنظمة السميولوجية بوجه عام، واللغة بوجه خاص؛ ذلك لأن العلامة تعتمد دائما، إلى درجة ما، على الإرادة الفردية أو الاجتماعية، وهنا صفتها الجوهرية وهذه الصفة لا تبين أوضح بيان إلا في اللغة، ولكنها تتمثل في الأشياء التي لا ندرسها إلا أهون دراسة، وهكذا لا يحسن الناس إدراك ضرورة وجود علم سميولوجي، أو لا يرون الفائدة التي يمكن أن يقدمها ذلك العلم. أما نحن -"أي دي سوسير"- فنرى على النقيض من ذلك، أن المشكلة اللغوية هي قبل كل شيء مشكلة سميولوجية، وكل تقدم أحرزناه في علم اللغة يستعير أهميته من هذه الحقيقة الهامة. ٣- وقال دي سوسير، إنا إذا أردنا أن نكشف الطبيعة الحقيقية للغة، فيجب أن ندرسها أولا من حيث ذلك الذي تشترك فيه مع سائر الأنظمة المنتمية إلى نفس النوع. قال: إن بعض العوامل اللغوية التي تبدو لأول وهلة ذات أهمية بالغة "كدور جهاز النطق الإنساني مثلا" يجب ألا تدرس إلا في المنزلة الثانية إذ إنها في الحقيقة لا تعين إلا على تمييز اللغة من سائر الأنظمة "السميولوجية".

стр. 52

ويرى دي سوسير أن هذا لن يوضح المشكلة اللغوية فحسب، فبدراسة الطقوس١ والعادات٢ ... إلخ من حيث هي "علامات" ستبدو هذه الظواهر يوما ما، وسيشعر الناس بالحاجة إلى تجميعها في السميولوجيا وإلى تفسيرها بقوانين ذلك العلم "انتهى عرض كلام دي سوسير". ٣- ولقد أسهم العلماء بعد دي سوسير بجهود طيبة في سبيل تكوين ذلك العلم، وإرساء قواعده، ومن المأمول عندما يتم نضجه قريبا أن تزداد المشكلة اللغوية جلاء.

стр. 53

٦- علم اللغة يستعين بعلوم أخرى: علم اللغة يستعين بعلوم أخرى: علم الاجتماع العام، علم الأجناس البشرية، علم الوراثة، علم الحياة العام، علم وظائف الأعضاء، علم التشريح، أمراض الكلام، التاريخ، الجغرافيا. أ- لما كانت اللغة ظاهرة اجتماعية١، فدراستها، من ناحية، جزء من علم الاجتماع العام: إن دراسة اللغة من حيث الظروف الاجتماعية التي تؤدي فيها وظيفتها، والتي تتطور فيها، تدخل في مجال الدراسة العلمية للمجتمعات، أي في مجال علم الاجتماع العام. والحق أن كثيرا من التقدم الذي أحرزته الدراسة اللغوية حديثا راجع إلى الاستعانة بحقائق من علم الاجتماع، وإلى وصل دراسة اللغة بدراسة المجتمع. ب- ثم إن كثيرا من المعلومات الخاصة بنشأة اللغة الإنسانية، وبتطورها، وبصلة ذلك المخ الإنساني، وكثيرا من المسائل المتعلقة باكتساب اللغة، لا معدى في التعرض لها عن الاستعانة بعلم الأجناس البشرية "الأنثروبولوجيا"، وبعلم الوراثة٢، وبعلم الحياة العام٣، فضلا عن علم الاجتماع. جـ- إن أول ما ندركه من اللغة، "أصوات" أي ظواهر يدخل البحث فيها في مجال علم الطبيعة "الفيزياء"٤. ولكن هذه الأصوات تصدر نتيجة تعاون طائفة من أعضاء الجسم الإنساني، كالرئتين، والحنجرة، واللسان، والفم، والأنف، والشفتين، والأسنان ... إلخ. وإذن فلهذه الأصوات أصل فسيولوجي٥، ولن يتأتى توضيحها وإدراك حقيقتها إلا بدراسة بعض العلاقات القائمة بين أعضاء الجسم الإنساني المشتركة في إحداث

стр. 54

الأصوات اللغوية، أي دون الاستعانة بعلم وظائف الأعضاء "الفسيولوجيا"١، وبعلم التشريح٢، فعلم التشريح والفسيولوجيا يفسران "آلية"٣ الأعضاء المشتركة في تكوين الأصوات. ثم إن علم اللغة يستقي كثيرا من المعلومات من الدراسات "الباثولوجية"٤ في "اضطرابات الكلام"٥ مثل "الأفازيا"٦. د- وعلم اللغة شأن سواه من العلوم الاجتماعية، علم تاريخي على نحو ما، فـ"اللغة" التي هي موضوعه لا غنى في دراسة تطورها وصلتها بالمجتمعات، وفي دراسة انقسامها إلى لهجات، ودراسة ظهور "اللغات العامة". "لا غنى في دراسة ذلك كله وسواه، عن الاستعانة بمعلومات من التاريخ والجغرافيا".

стр. 55

٧- علم اللغة وعلم النفس: ولكن "الكلام" ليس مجرد إصدار أعضاء من الجسم الإنساني لأصوات معينة. إن هذه الأصوات توجه إلى أذن، والسامع تقوم في ذهنه عمليات عقلية متعددة حتى تتحول الأصوات إلى "دلالات". والمتكلم نفسه -قبل أن يشرع في الكلام، وأثناء الكلام، وبعده أحيانا إن كان ينتظر إجابة مثلا- تقوم في نفسه سلسلة من العلمليات "العقلية" أو "النفسية"، فـ"فهم" الكلمات وبعض ما يتعلق بها من حيث تكوينها وسماعها مرتبط بسلسلة من العمليات العقلية. ومن هذا، ومن كثير غير هذا، كان ارتباط علم اللغة بعلم النفس١. إن علم اللغة يستعين بحقائق توصل إليها علم النفس العام -كما أنه يستعين بحقائق توصلت إليها دراسات وعلوم آخر- ولكن ليس معنى هذا أنه يتخذ مناهج علم النفس ووسائله مناهج له ووسائل، كما أنه لا يتخذ مناهج علم آخر ووسائله.

стр. 56

يتضح مما سبق أن "اللغة" من حيث حقيقتها تتصل -كما قال والتر فاتبورج١- بالعناصر "= بالمكونات" الأساسية الأربعة للإنسان، ألا وهي: الميدان الفيزيقي٢، والميدان العضوي٣، والميدان النفسي٤، والميدان الروحي٥. واللغة، من حيث وظيفتها تحمل هذه الأربعة جميعا على أن تتعاون فيما بينها تعاونا فعالا. وهذ الصفة المعقدة التي تتصف بها الظواهر اللغوية تجعل التحديد الدقيق للظواهر التي يشتغل بها علم اللغة أمرا بالغ الصعوبة٦.

стр. 57

٨- الفلسفة اللغوية: أ- إن إقامة "الفلسفة" اللغوية على أساس "منطقي" أو "عقلي" بات أمرا مرفوضا. وتاريخ الدراسات اللغوية خير شاهد على عدم صلاحية المنطق أساسا للدراسة اللغوية، فالمنطق لا يمكن من تفسير كثير من الظواهر اللغوية، أو هو قد يفسرها بطريق التعنت والتعسف، وسبيل التأويل والتعقيد، أو قد يؤدي إلى الاستغراق في الجدال في مسائل لا طائل من ورائها، أو من وراء الجدال فيها. ١- وهذه أمثلة شاهدة بفساد الاعتماد على أصل "منطقي" أو "عقلي" في إقامة الفلسفة اللغوية. وأول ما يعرض من ذلك هو الصلة بين "النحو" و"المنطق"، هذه الصلة التي كان يراها القدماء صلة "طبيعية" أو "لازمة" أو كما نقول صلة "منطقية"! ووصل النحو بالمنطق، يرجع إلى اليونان. "فالرواقيون" أنصار "زينون" الذين كانوا يردون كل شيء إلى المنطق، رأوا أن النحو ينبغي أن "يطابق" المنطق، وأن "الأقسام" "categories" النحوية ينبغي أن تطابق "الأقسام" المنطقية. ٢- ففي رأيهم مثلا أن هناك توافقا بين علامة الجمع وبين فكرة التعدد. هؤلاء أصحاب قياس رد عليهم من معاصريهم من يدخلون في حسابهم ما يشاهد في اللغة "شذوذ" فقالوا: قد تدل الكلمة الجمع على مفرد١. ٣- كما ردوا على أصحاب القياس٢ في مسألة أخرى هي العلاقة بين "الجنس" في اللغة والجنس في الواقع، فقالوا: إن التقسيم النحوي إلى ما مذكر ومؤنث "وما بين المذكر والمؤنث" "الوسط، المحايد ... " لا يطابق التذكير والتأنيث وما بينهما في الواقع الطبيعي، واستنتجوا من ذلك أنه ليس ثمة تطابق لازم بين اللغة والواقع٣. وقد عرف هؤلاء الأخيرون بأنهم "أصحاب التشذيذ" "المشذذون".

стр. 58

٤- ومن الأمثلة العربية التي تبين أنه ليس ثمة تطابق لازم بين اللغة والواقع، أن اللغة العربية تعامل كلمات في المفرد معاملة المذكر، بينما تعامل جمع هذه الكلمات نفسها معاملة المؤنث: من هذا "كتاب" و"حمّام"، و"قلم"، فكل من هذه مذكر بينما جمع كل منها. وهو "كتب" و"حمامات" و"أقلام"، يعامل معاملة المؤنث. وكلمة "رجل" نفسها تجمع على "رجال"، ومن صور جمعها "رجالات"، والصورة اللغوية لكلمة "رجالات" هي صورة جمع المؤنث. ٥- ولو كان التطابق بين اللغة والواقع لازما لاتفقت اللغات جميعا في تقسيم الأسماء من حيث الجنس، ولكن نجد أن من اللغات، كالعربية، ما يكتفي بتقسيم الاسم من حيث "الجنس" قسمة ثنائية ليس غير إلى مذكر ومؤنث، ومنها كاليونانية ما يقسمه إلى ثلاثية إلى "مذكر" و"مؤنث" و"محايد". كما نجد أن أسماء الذوات لا تتطابق في اللغات جميعا من حيث الجنس، وأوضح مثال على ذلك "القمر" و"الشمش". فالقمر مذكر في العربية مؤنث في الفرنسية و"الشمس" مؤنثة في العربية مذكرة في الفرنسية. ٦- "ولقد سلَّم اليونان بأن بنية لغتهم اليونانية تبرز الأشكال العام للتفكير الإنساني، لا بل ذهبوا إلى أنها قد تبرز الأشكال العامة للنظام الكوني بأسره. ولقد قاموا تبعا لهذا بملاحظات نحوية، ولكنهم قصروها على لغة واحدة هي اليونانية، وقرروها في صورة فلسفية"١. ولقد نتج عن تقديس آراء نحاة اليونانية التي تلقفها عنهم تلامذتهم اللاتين، الذين أخذ عنهم الأوروبيون المحدثون، أن ظل علماء اللغة، إلى ما قبل ظهور علم اللغة الحديث، يقيمون نظرياتهم اللغوية على أسس منطقية فلسفية. ب- قد تكفي هذه الأمثلة لبيان قصور الفلسفة القديمة التي قامت على أساسها دراسة اللغة عند اليونان والرومان وفي العصور الوسطى، فالنظر في اللغة

стр. 59

على أساس من "المنطق" الأرسطي أو من أي مذهب فلسفي نظر غير سليم، كما أن دراسة اللغة على أساس من علم النفس دراسة قاصرة غير سليمة. ودراستها على أساس "رياضي" أو "آلي" لا تؤدي إلى النتائج المرجوة. ١- ولكن لا بد من "فلسفة" عامة تقوم عليها دراسة اللغة، ونقصد بالفلسفة هنا مجموعة من المبادئ أو الأصول أو الأسس. ومن الخطأ أن ندرس اللغة مستعينين بفلسفة "خارجية" أي فلسفة مستمدة من غير موضوع الدراسة وهو "اللغة"، أي من الخطأ أن نستعين بفلسفة مفروضة على الموضوع من خارج، أو فلسفة تحقق غرضا آخر غير درس اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها، أو فلسفة قاصرة لا تصلح إلا لبعض جوانب الدراسة. إن هذه "الفلسفة" ينبغي أن تقوم على أساس فهم ماهية اللغة: ما اللغة؟ فيم تستعمل؟ كيف تستعمل؟ متى تستعمل؟ إلى آخر ما يكشف لنا عن حقيقة اللغة. أي أن هذه "الفلسفة" ينبغي أن تستقي عناصرها من طبيعة الأدوار التي تقوم بها في الحياة الإنسانية. ٢- إن الباحث اللغوي الحديث يضطر إلى القيام بسلسلة من التجريدات١ على مستويات مختلفة، حتى يسلم وصفه وتحليله وتصح نتائجه. لا بد لعلم اللغة من أن تكون الطرق العامة التي يضعها لدراسة اللغة مرنة كل المرونة، فضلا عن وجوب كونها دقيقة كل الدقة، حتى يتأتى استعمالها عند درس اللغات جميعها. ولقد أنفق علماء اللغة جهودا متوالية حتى توصلوا إلى جملة من الطرق والوسائل التي يصدق عليها هذا الوصف، ولا يزال اللغويون حتى الآن يوجهون عناية كبيرة إلى تحسين هذه الطرق والوسائل وإلى تدقيقها وتبسيطها وإلى الإضافة إليها. ما نوع التجريدات التي يقوم بها علم اللغة في سبيل دراسته؟ وما أسسها وما ميدانها وما مداها؟ من المسلم به أنه لا بد لعلم اللغة، كما أنه لا بد لأي علم، من أن يفرد، أو "يعزل" أو "يجرد" شيئا ما ليدرسه. وماهية اللغة توجب أن يكون ثمة أكثر من مستوى للدراسة. فاللغة من حيث كونها أصواتا يدرسها علم الأصوات اللغوية،

стр. 60

وله وسائله الخاصة به. وتكوين الأصوات في مقاطع وكلمات وجمل على أصوات معينة يدرس تحت اسم المورفولوجيا١ و"النظم"٢ أي تحت اسم "النحو". ودراسة اللغة من حيث إنها كلمات تدل على معان، موضوعها علم الدلالة٣. ولعلم الدلالة منهجه ووسائله، فهو يعتمد على دراسة الصوت، وعلى الدراسة، ولكنه يدخل في اعتباره عناصر غير لغوية كشخصية المتكلم وشخصية السامعين، وكالحاضرين، وظروف الكلام ... إلخ، وثمة منهج لدراسة المعنى من الناحية الوصفية، ومنهج لدراسة المعنى من الناحية التطورية "انظر الفصل الخاص بعلم الدلالة". ٣- أما المسائل العامة، مثل علاقة اللغة بالفكر، واللغة من حيث نشأتها وتطورها، وانقسام اللغة إلى لهجات، وانبثاق "لغة عامة" عن لهجة أو عن مجموعة من اللهجات، فلكل منها اعتباراتها الخاصة التي ينبغي أن تراعى. ٤- ومن أهم ما تعنى به الدراسة اللغوية الحديثة التمييز بين دراسة لغة ما في مرحلة معينة من مراحل تطورها، أي دراستها دراسة "وصفية"٤ أو "حال استقرارها"٥ أو "ثباتها"٦ وبين دراستها من الناحية "التاريخية"٧، أو "التطورية"٨، أو "الحركية"٩. ٥- ولقد بينت في كتابي "اللغة والمجتمع: رأي ومنهج"١٠ أن النظرية "الكلاسيكية" في اللغة تقوم على أساس "منطقي" أو "رياضي" أو "نفسي"

стр. 61

أو "آلي" تؤدي إلى اعتبار اللغة "مرآة" ينعكس عليها الفكر، أو أداة عاكسة للفكر، أو "مستودعا" للفكر المنعكس، أو وسيلة لتجسيم الفكر أو التعبير عنه، إلى أشباه هذا. أي أن وظيفة اللغة عند أصحاب هذه النظرية هي "التفاهم" أو "توصيل الفكر" أو "التعبير عن الفكر"، ولكن هذ الطريقة لا تمكن من تحليل جميع أشكال "السلوك الكلامي"١ فليس ثمة، "توصيل" للفكر في أنواع كثيرة من "الوظائف الكلامية"٢ "كالمونولوج" ولا توصيل للفكر في استعمال اللغة في "السلوك الجماعي"٣ كالصلاة والدعاء، وفي استعمال اللغة في المخاطبات الاجتماعية التي تستهدف غاية كلغة التحيات، وفي التلذذ بالأصوات واللعب بها. وذكرت أن الأصح والأدق أن ننظر إلى اللغة على أنها "وظيفة اجتماعية"٤، على أنها طريقة من العمل٥، ثم بينت بشيء من التفصيل طرق دراسة الوظيفة الاجتماعية للغة.

стр. 62

علم اللغة انعكاس أو استنباطي ... ٩- علم اللغة انعكاسي ١ أو استبطاني ٢: أ- إن علم اللغة يجابه صعوبة لا يواجهها سواه، فهو يدرس اللغة باللغة، أي مستعملا اللغة في تقرير دراسته. فمادة دراسته هي نفسها المادة التي يستعلمها للتعبير عنها لتقريرها. إن العالم اللغوي يستعمل اللغة عن اللغة، والكلمات عن الكلمات. ولما كان الباحث اللغوي عندما يقيم حقائقه مقيدا باللغة التي يصطنعها، فمن هنا كانت الدعوة الدائبة بين المحدثين من علماء اللغة إلى إعادة النظر في "لغتهم"، أي في المصطلحات التي يستعملونها. ومن أبرز الداعين إلى هذا أستاذي المرحوم ج. ر. فيرث٣ فقد كان دائم التنبيه في محاضراته ومقالاته وكتبه إلى وجوب تطبيق "الوسيلة الدلالية"٤ أي "وسيلة علم الدلالة"٤ تاريخيا ووصفيا على "اللغة المستعملة عن اللغة"، فكان يدعو إلى فحص كلمات أساسية مثل phonolgy hponeme language speech conasonant Vowel phonetics ... إلخ٥. كما كان دائم التحذير من الوقوع في الوهم الشائع، ألا وهو اعتقاد أن هذا المصطلح أو ذاك له دلالة واحدة عند جميع الكتاب على اختلاف عصورهم، أو حتى عند الكاتب الواحد في جميع ما يكتب، أو أن هذا المصطلح يطابق تمام المطابقة، ما يترجم به عادة في لغة أخرى من اللغات. ب- ليس في الدراسة اللغوية تطابق تام حقيقي في المصطلحات، فالعلم، أي علم، مشروط باللغة التي يؤدى بها فـ Gineral Linguistics في الإنجليزية لا تطابق La Linguistique Generale في الفرنسية، ولا Linguistics تطابق La Linguistiqie وليست Phonetics في الإنجليزية ليست La phonetique الفرنسية،

стр. 63

وكلمة Son الفرنسية ليست Sound الإنجليزية في كل حال، Semantics غير La Semantique وهكذا. ليست مصطلحات علم اللغة مصطلحات عالمية، فلا بد من التنبه في كل حال إلى المقصود بالمصطلح في السياق الذي يقع فيه وعند الكاتب الذي يستعمله، إن كلمة مثل Semantique أول نشأتها، كانت تدل على دراسة التغير في معاني المفردات، أي على دراسة المعاني من الناحية التاريخية، ولكن مدلولها الآن يختلف عن هذا، وكذلك الحال في كلمة مثل Phoneme، ومدلولها القديم غير مدلولها المعاصر عند معظم الكتاب. إن علم اللغة الذي يؤدى باللغة الإنجليزية مثلا مقصود به العالم الذي يستعمله في جماعة تتكلم اللغة الإنجليزية. وهكذا فعلم اللغة في البلاد العربية يجب أن يؤدى بالعربية عن العربية، وعن غيرها من اللغات كالإنجليزية أو الألمانية، أو العبرية.

стр. 64

الباب الثاني: علم الأصوات اللغوية مدخل ... عندما أنطق بهذه الكلمات، "علم الأصوات اللغوية" فأنا أقوم بجهود عضلية كثيرة، ثم تنتقل هذه "الأصوات" في الهواء إلى أذن السامع، أو آذان السامعين، وبعد أن تتلقاها طبلة أذن السامع، يقوم السامع بجهود "عقلية" أو "نفسية" لفهم "معاني" هذه الكلمات، ثم من الممكن، لو أتيح للسامع أن يتكلم، أن يصبح "المتكلم". هذا "الصوت الإنساني" وحده هو موضوع علم الأصوات اللغوية.

стр. 65

١- لمحة تاريخية: شغل اللغويون من قديم بالنظر في الأصوات اللغوية، ولكن ما أوصلهم إليه نظرهم لا يبلغ من الدقة والإتقان ما وصل إليه المحدثون في أوروبا وأمريكا وروسيا. ونقدم فيما يلي عرضا عاما للمحاولات القديمة التي تضمنت ملاحظات عن أصوات بعض اللغات: أ- وإن أقدم ما أثر من ذلك كان لعلماء مجهولين، فأقدم صور الكتابة "أو الخط" يتضمن كل منها إدراكا لأصوات لغة من اللغات؛ إذ تحاول أن تمثلها بعلامات كتابية منظورة. ب- وقد أثر عن اليونان وعن تلامذتهم الرومان وعن الهنود، وعن العرب ملاحظات صوتية كثيرة. والمادة الصوتية المأثورة عن اليونان نجدها في أقوال متناثرة في محاورات أفلاطون، وفي الشعر والخطابة لأرسطو، ونجد أكثرها في كتابات نحوييهم مثل ديونيزيوس ثراكس١، ودونيزيس هاليكارناسوس٢. أما الرومان، وهم مقلدون في هذا الميدان كما قلدوا اليونان في أكثر المسائل الفكرية والثقافية، فنجد جانباكبيرا من المادة الصوتية المأثورة عنهم في كتابات نحوييهم مثل بريسكيان٣، وترنتيانوس٤، وماوروس فيكتورينوس٥. ويلاحظ على الآراء الصوتية لقدماء اليونان والرومان أنها تقوم في جملتها على ملاحظات الآثار السمعية التي تتركها الأصوات في الأذن، وهي بهذا تختلف عن الآراء الصوتية لقدماء الهنود والعرب الذي أدركوا الأسس "الفسيولوجية" في تكوين الأصوات المختلفة.

стр. 66

١- لم يفطن اليونان إلى تقسيم أصوات لغتهم إلى القسمين الرئيسيين وهما "الأصوات المهموسة"١ و"الأصوات المجهورة"٢ كما فطن إلى ذلك الهنود والعرب. معروف أن من الأصوات ما يكون الوتران الصوتيان في نطقه متباعدين بحيث إن الهواء الخارج من الرئتين لا يتذبذب، أو يتذبذ تذبذبا ضئيلا، فلا يحدث نغمة موسيقية، وذلك كالتاء والثاء والسين، هذا القسم سماه العرب "مهموسا". بينما يحدث في نطق أصوات أخرى أن يتقارب الوتران الصوتيان بحيث يذبذبهما في الهواء الخارج من الرئتين محدثا بذلك نغمة موسيقية"، وذلك كالدال والذال والزاي، هذا القسم الثاني سماه العرب "مجهورا". إن الذي صنعه اليونان هو أنهم صنفوا جانبا من أصوات اللغة اليونانية، وهو الأصوات "المغلقة"٣، على أساس "شدة النفس"٤ وهكذا أصبحت الأصوات التي يصدق عليها أنها "مهموسة" مقابلة في تصنيفهم للأصوات "الانفجارية النفسية"٥ بدلا من أن تكون مقابلة لما يصدق عليها أنها "مجهورة" متوسطة بين "المهموسة" وبين "الانفجارية النفسية". ٢- أما تصنيف الأصوات إلى "صامتة"٦ وإلى "صائتة"٧ فقد أدركه من اليونان والرومان والهنود والعرب. نمثل للصامتة أو "للصوامت" بكل الأصوات العربية فيما عدا "الحركات" و"حروف المد واللين". أما الحركات وحروف المد واللين "كألف "ما" وواو "ذو" وياء "في" فنحن نسميها "صائتة" أو "صوائت". وقد أطلق كل من اليونان والهنود اسما خاصا على كل من هاتين الطبقتين، فاليونان قد سموا ما نعرفه بالصامتة Sumphena، وسموا ما نعرفه بالصائتة

стр. 67

phoneenta. أما العرب فهم، وإن أدركوا أساس هذا التقسيم، إلا أنهم لم يطلقوا على كل قسم اسما يعرف به. ويلاحظ أن اليونان والهنود جميعا قد عرفوا "الصامت" بأنه الصوت الذي لا يتأتى نطقه دون "صائت"، أي أنه "غير مستقل"، بل معتمد على غيره. وعرفوا "الصائت" بأنه الصوت الذي يمكن نطقه وحده فهو مستقل، وهذا التعريف، وإن كان صادقا على أصوات اللغة اليونانية، وعلى أصوات اللغة السنسكريتية، إلا أنه لا يصلح أساسًا عامًّا تصنف بمقتضاه أصوات اللغات جميعا، ففي بعض اللغات كلمات مكونة من صامت واحد، أو صامتين، أو من صامت، وذلك مثل "f" في التشيكوسلوفاكية فهي كلمة، مثل "tz" في الصينية، ومثل "Krk" في اللغة الكرواتية. ٣- وقد صنف كل من اليونان والرومان والهنود والعرب أصوات لغتهم حسب "موضع النطق"١ أو حسب "المخارج" إذا استعملنا المصطلح العربي القديم. ولكن تصنيف اليونان وتصنيف الرومان يقومان على ملاحظة الآثار السمعية للأصوات. لا على أسس فسيولوجية كالتصنيفين الهندي والعربي. فالتصنيفان اليوناني والروماني تنقصهما الدقة الواجبة في هذا المجال، أما التصنيفان الهندي والعربي فيقومان على فحص وظائف أعضاء النطق، وعلى تحديد مواضعها بالنسبة لكل صوت، وعلى درجة اتصالها. إلخ. وثمة تشابه كبير بين تصنيف الهنود لأصوات السنسكريتية حسب "المخارج" وبين تصنيف العرب لأصوات العربية على هذا الأساس، ومعروف أن التصنيف الهندي أقدم كثيرا من التصنيف العربي. ومن مظاهر التشابه أن الهنود يرتبون الأصوات ابتداء من أقصاها في الحلق إلى الشفتين ثم يذكرون الأصوات الأنفية، وهذا الترتيب هو الذي نجده عند الخليل بن أحمد الفراهيدي، وعند سيبويه، وهو الذي سار عليه المؤلفون العرب من بعد. ٤- وقد أثر عن كل من اليونان والرومان والهنود والعرب تصنيف لأصوات لغتهم حسب "طريقة النطق"٢ على خلاف بينها في التفصيلات وفي الأسس التي يقوم عليها كل منها.

стр. 68

١- فاليونان قسموا ما نسميه بالصوامت إلى "أشباه صائتة"١. وإلى "مغلقة"٢. وقد اعتبروا "أشباه الصائتة" متوسطة بين "الصوائت" و"المغلقة"، وعلى أساس أن "أشباه الصائتة"، وإن لم تكون "مقطعا"٣ دون الاستعانة بصائت، إلا أنها على أقل يمكن أن تنطق وحدها. ٢- أما الهنود فهم يقسمون "الصوامت" إلى مغلقة" و"أشباه صائتة" و"ضيقة"٤. وقد أقاموا هذا التقسيم على أساس صوتي هو درجة تقارب أعضاء النطق عند نطق أصوات كل قسم من هذه الأقسام. ٣- أما تصنيف العرب لأصوات العربية حسب ما نسميه الآن "طريقة النطق" فهو ذلك التصنيف الذي يرجع إلى سيبويه. والذي توضع الأصوات العربية على أساسه في ثلاث طبقات هي "الشديدة" و"الرخوة" و"ما بين الشديدة والرخوة". "والشديدة" في هذا التصنيف هي الهمزة والقاف، والكاف، والجيم، والطاء، والتاء والدال، والباء والرخوة هي الهاء، والحاء والغين، والخاء، والشين، والصاد والضاد، والزاي، والسين، والظاء، والثاء، والذال، والفاء. أما "ما بين الشديدة والرخوة" فتضم الهمزة، واللام، والميم، والراء، والواو، والألف "كألف "ما". جـ- ذكرنا في صدد الحديث عن الآراء الصوتية المآثورة عن اليونان والرومان شيئا مما أثر عن الهنود والعرب. ويجدر بنا أن نضيف إلى ما ذكرنا عن الهنود أمورا أخرى. الحق أن الآراء الصوتية المأثورة عن الهنود، وأن النحو الهندي عامة، قد أفادا الدراسة اللغوية الحديثة أيما فائدة. ومعرفتا بالسنسكريتية لا تعدو القرن الثامن عشر الميلادي عندما

стр. 69

كشف عنها سير وليم جونز١ الإنجليزي. كان الكشف عن السنسكريتية حدثا خطير الشأن في تطور الدراسات اللغوية من وجوه كثيرة. فهذا الكشف كان عاملًا هامًّا في إدراك العلاقة بين اللغات الهندية والإيرانية من ناحية. وبين بعض اللغات الأوروبية كاليونانية واللاتينية وما تفرع عنها من ناحية أخرى، وهكذا تطورت فكرة "العلائلات اللغوية" تطورا كبيرا. ولما كشفت السنسكريتية اطلع العلماء الغربيون على آثار نحوية وصوتية لنحاة الهند تبلغ غاية من الدقة في وصف الأصوات بوجه خاص. فاهتمام الهنود بكتبهم المقدسة قد دفعهم إلى وصف لغتهم وصفا دقيقا ولا سيما من الناحية الصوتية. والنحو الهندي يختلف عن النحو اليوناني في أنه لم يبن على أسس من المنطق، فهو قد حاول أن يدرس اللغة السنسكريتية دراسة وصفية في ذاتها ومن أجل ذاتها، ومن هنا كان توفيقه الكبير. ومن كتابات الهنود الصوتية: Rik veda praticakhya فـ atharva - veda praticakya فـ veda praticakya فـ praticakhya وقد ترجم هذه الدراسات إلى الإنجليزية اللغوي الأمريكي و. ج هويتني٢ ونشرها في مجلة الجمعية الأمريكية للدراسات الشرقية٣، وقد قام الأستاذ الهندي سيد شوار فارما بدراسة قيمة للآراء الصوتية لنحاة الهند القدماء نشرت بالإنجليزية سنة ١٩٢٩ بعنوان: "دراسات نقدية في الملاحظات الصوتية للنحاة الهنود"٤. د- أما العرب فقد أوردنا شيئا من آرائهم الصوتية فيما سبق من كلام. ١- ونكتفي هنا بأن نقول إن كثيرا من ملاحظاتهم الصوتية تستمد من مصادر مختلفة: تستمد من المحاولات التي قاموا بها لوضع الكتابة العربية،

стр. 70

وللإصلاحات الكثيرة التي أدخلوها عليها، وذلك كالإصلاح المنسوب إلى أبي الأسود الدؤلي والخاص بوضع نقط تمثل الحركات القصيرة والتنوين، وكان ذلك قبل وضع "النحو" العربي، وكالإصلاحات التي تلت هذا والتي أضافت إلى الكتابة العربية علامات لخصائص صوتية أخرى. ٢- وفي مقدمة كتاب "العين" للخليل بن أحمد، على خلاف في نسبته إليه، وإن كنا نرجح أن المقدمة من وضعه أو من إيحائه، تصنيف للأصوات العربية حسب موضع النطق. أحس الخليل أنه لا بد، كي يضع معجما جامعا لمفردات اللغة العربية، أن يرتب مواده على أساس معين. وقد اختار ترتيب المواد على أساس "الحروف" التي تتكون منها، واختار أن ترتب "الحروف" على أساس مخارجها، فبدأ من أقصاها في الحلق متقدما إلى الشفتين. ومن المعروف أنه سمى معجمه "بالعين" لأنه كان يرى أن العين هو أقصى الأصوات مخرجا في الحلق، وهذا الرأي خاطئ بطبيعة الحال، فهمزة القطع أقصى مخرجا من العين، وقد أدرك هذا تلميذه سيبويه. ٣- وأيًّا ما كان فإن التصنيف المنسوب إلى الخليل لا يبلغ من الدقة والشمول ما يتسم به تصنيف سيبويه لأصوات العربية حسب "المخارج". ولم يقتصر سيبويه على هذا بل صنف الأصوات على أسس أخرى -كما ذكرنا- وأشار إلى الكثير من الخصائص الصوتية المختلفة. أورد سيبويه تصنيفه للأصوات العربية ووصفه لها في باب الإدغام، ومن الغريب أن سيبويه، وهو من تلامذة الخليل، لم يشر في كتابه إلى تصنيف الخليل، وهذا أمر يدعو إلى التساؤل. إن تصنيف سيبويه ووصفه للأصوات العربية دقيقان كل الدقة بالنسبة إلى عصره، وقد تناقلتهما التآليف العربية من بعده، وهما يذكراننا -كما يذكرنا تصنيف الخليل- بكثير مما ورد في كتب الهند. ٤- هل أخذ العرب أصول تصنيف الأصوات ووصفها عن الهنود؟ أو هل تأثروا بهم في ذلك، ولا سيما أن ذلك قد ظهر عند العرب دفعة واحدة، وظهر عند

стр. 71

سيبويه "كاملا"؟ ثم إن دوائر البحور الشعرية التي وضعها الخليل صاحب "علم العروض" نجد شبيها لها عند الهنود من قبل. إن أخذ العرب عن الهنود في الميادين الصوتية واللغوية عامة أو تأثرهم بهم أمر محتمل نظرا، ولكنا لا نملك من الأدلة ما يدعونا إلى القطع بأن أخذا أو تأثرا قد حدث في هذا المجال أو ذاك. ٥- ولا شك في أن كثيرا من "أصول" النحو العربي تقوم على أسس صوتية وذلك كالتصور الخاص بـ"الحرف"، و"الحرف المتحرك" و"الحرف الساكن"، وكمعاملة "حروف المد واللين" معاملة "السواكن" -مع التسليم بأنها من الطبقة التي ندعوها حديثا "الصوائت"، وليست من تلك التي نطلق عليها "الصوامت"- وكالعلاقة التي تصورها النحاة بين "الحرف" و"الحركة"، وبينه وبين "السكون" ... إلخ، وكتفسير كثير من الآثار "الإعرابية" التي تطرأ على بعض الكلمات ... إلخ. ٦- أما العروض كما وضعه الخليل فهو يمدنا بمعلومات صوتية هامة عن تصور "المقطعية" العربية، فالخليل لم يقم نظامه العروضي على أساس الحرف -متحركا أو ساكنا- ليس غير "وإن كان الحرف المتحرك في العربية يكون "مقطعا" بل لجأ إلى نظام من "الأسباب" و"الأوتاد" و"الفواصل" اعتبرها العناصر التي تشترك في تكوين "التفاعيل. ولا يسمح هذا المجال بالإفاضة في بيان جوهر تصورات الخليل. ٧- وفي ما يعرف بـ"علم الصرف" معلومات صوتية، فقد حاول الصرفيون -محاولاتهم الأولى ماثلة في كتابه سيبويه- أن يصفوا ما يطرأ على بنية الكلمة العربية المعربة من تغيرات: إما في تصرفاتها المختلفة "من إفراد وتثنية وجمع، وتذكير وتأنيث، وتصغير، ومبالغة، ونسب، وماض ومضارع وأمر ... إلخ"، وإما عند وقوعها في درج الكلام في سياقات صوتية معينة "كالإدغام، والوصل" إلى غير ذلك من المباحث الصرفية. ٨- وفي كتب "اللغة" وفي مقدمات معظم المعاجم العربية معلومات عن أصوات اللغة العربية، وإن يكن أكثرها تردادا لكلام الخليل وسيبويه أو لكلامهما معا.

стр. 72

وبعد هؤلاء نجد من أعلام الصوتيات اللغوية في إنجلترا هنري سويت١، ثم والتر ربمان٢، وفي الوقت الحاضر نجد دانيال جونز٣ وبيتر ماكارثي٤، الدكتورة أيدا وارد٥، والأستاذ فيرث٦. ونجد في فرنسا موريس جرامون٧، وفي أمريكا كنث ل. بايك٨ وستير تفانت٩.

стр. 73

٢- علم الأصوات اللغوية في صورته الحاضرة: بعد هذا العرض التاريخي السريع الموجز نأخذ في التعريف بعلم الأصوات اللغوية في صورته الحاضرة. أ- ذكرنا في مطلع هذا الفصل أن موضوع علم الأصوات اللغوية هو "الصوت الإنساني الحي"، هذا الصوت الإنساني الذي هو نموذج متكامل من نماذج السلوك الاجتماعي. ١- هذا الصوت يصدر عن "جهاز النطق الإنساني"١، وجهاز النطق الإنساني يشبه آلة موسيقية، أو هو أكمل آلة موسيقية من حيث المرونة، ومن حيث الإمكانيات، أعني من حيث القدرة على إخراج أنواع من الأصوات لا حد لها. وإذا كنا نسمي جانبا من أعضاء الإنسان بجهاز النطق الإنساني فهذه تسمية من وجهة نظر علماء الأصوات اللغوية. وإلا فإن الفم، والأنف، واللسان، والحلق، والرئتين، وسائر الأعضاء التي تشترك في تكوين أصوات اللغة. تؤدي وظائف ربما كانت أهم من ذلك لحياة الإنسان، فهي ضرورية بالنسبة للتنفس، وضرورية بالنسبة للأكل، فمن الناحية البيولوجية ليس لدى الإنسان "جهاز نطق". إن الإنسان استغل بعض أعضائه الموجودة لتأدية أغراض أصلية معينة كي يؤدي بها غرضا آخر اجتماعيا مستحدثا هو "الكلام" "انظر ص٦٤-٦٥". و"الكلام" عبارة عن سلسلة متصلة من الأصوات، اصطلح الناس على اعتبارها، أو على اعتبار مجموعات منها، رموزا لمعان خاصة. ٢- وإن دراسة ما يسمى بـ"الحدث الكلامي"٢، دون الإشارة إلى معناه، هو موضوع علم الأصوات اللغوية. وإن دراسة الصوت الإنساني الحي أمر على جانب كبير من الصعوبة، فنحن مضطرون لكي نصفه إلى أن نحلله إلى ما يسمى بـ"عناصر الكلام"٣، فنحن إذن نقوم بعملية "تجريد". إن تحليل "السلسلة

стр. 74

الكلامية" إلى عناصر خاصة أمر تظهر صعوبته لو طلب إلينا أن نصف أصوات لغة لا نفهمها. إذا استمعنا مثلا إلى متكلم بلغة نيجيريا -ونحن نجهل لغته- وطلب منا أن نصف أصوات هذه اللغة وأن نصنفها فسنجد مشقة في معرفة الحدود بين صوت وآخر في السلسلة الكلامية، بل سنجد مشقة في تحديد أوائل الكلمات وخواتيمها. ولما كان "الصوت اللغوي"١ يصدر عن جهاز النطق الإنساني فهو يختلف عن سائر الأصوات التي تحدث عن أسباب أو أدوات أخرى. قد يحدث الصوت في العالم الطبيعي نتيجة لقرع جسم بجسم، أو احتكاك جسم بآخر! أو نفخ في جسم خاص أو لغير ذلك. ومعروف أن دراسة "الصوت"٢ عامة موضوعه علم الطبيعة، أما الصوت اللغوي فهو، كما ذكرنا، موضوع علم الأصوات اللغوية. هذا الصوت الذي يحدثه جهاز النطق الإنساني ينتقل في الهواء، ثم تتلقاه أذن السامع، فمن واجب علم الأصوات اللغوية إذن أن يدرس ثلاث مسائل رئيسية: أولاها حركات المتكلم التي تحدث الصوت، أو إحداث المتكلم للصوت، وهذا الفرع يسمى الدراسة الصوتية الفسيولوجية٣. وثانيها انتقال الصوت في الهواء، أو الموجات الصوتية، وهذه الدراسة تعرف بالدراسة الصوتية الفيزيقية٤، أو بدراسة الموجات الصوتية اللغوية٥. أما ثالث المسائل الرئيسية التي على علم الأصوات اللغوية أن يدرسها فهو استقبال أذن السامع للصوت، أو الدور الذي تقوم به طبلة أذن السامع لاستقبال الصوت. وقد وجه علماء الأصوات اللغوية أكبر عنايتهم إلى دراسة المسألة الأولى، ألا وهي: إحداث المتكلم للأصوات، وبذلوا جهودا في دراسة المسألة الثانية -وهي انتقال الأصوات في الهواء- أما المسألة الثالثة، وهي تلقي أذن السامع للأصوات، فلا تزال تنتظر الإفاضة في البحث.

стр. 75

فعلم الأصوات اللغوية إذن يقنع من العمل الضخم، ألا وهو دراسة "الكلام"، بدراسة الصوت الحي للإنسان وهو يؤدي نشاطه اللغوي، بجانب جد ضئيل هو تحليل السلسلة الكلامية إلى العناصر التي يمكن تجريديها، ثم وصف الطريقة التي يتكون بها كل عنصر من هذه العناصر، وبيان كيفية انتقالها في الهواء، وذكر خصائصها المميزة لها ثم تصنيفها على أسس معينة. ومن هنا كان هذا العلم ذا أهمية جوهرية بالنسبة لسائر فروع علم اللغة، إنه حجر الأساس بالنسبة لأي دراسة لغوية أخرى كالنحو، أو النحو المقارن، أو دراسة المعنى١. ٣- هذا العلم يستعين في بعض جوانب دراسته بمعلومات يستمدها من علوم أخرى، كما أنه يستخدم وسائل خاصة به. فهو في وصف جهاز النطق الإنساني يعول على علم التشريح، ولكنه يكتفي من ذلك بالقدر الذي يراه صالحا للوفاء بأغراضه، فالتفصيلات الكثيرة في وصف الأعضاء يستغني عنها هذا العلم عندما تكون غير ذات دلالة بالنسبة إليه. هذا الوصف لجهاز النطق الإنساني من أول ما يبدأ به هذا العلم؛ لأنه يبين لنا إمكانيات كل عضو، وما ينتج عن العلاقات والارتباطات المختلفة بين الأعضاء المختلفة. وقد ذكرنا أن دراسة انتقال الأصوات في الهواء تعتمد اعتمادا كبيرا على علم الطبيعة "الفيزيقا، الفيزياء". ومن الوسائل الهامة التي يلجأ إليها علم الأصوات اللغوية ما يعرف "بالدراسة الصوتية التجريبية"٢ أو "الآلية"٣ وما يعرف بـ"الكتابة الصوتية"٤. ٤- ونرى قبل أن نتحدث عن هاتين الوسيلتين أن نعرض رءوس الموضوعات التي يتناولها علم الأصوات اللغوية. أكثر المختصرات الحديثة في هذا العلم تبدأ بمقدمة في تعريف "الكلام"، وفي بيان الفرق بين "الكلمة الملفوظة"٥ و"الكلمة المكتوبة"٦ وقد تتحدث عن "الكتابة الصوتية" وعن الدراسة "الصوتية التجريبية". ثم تأخذ في وصف جهاز النطق الإنساني، وبعدها تنتقل إلى "تصنيف
следующие страницы →