← Язык

Язык · id 10019

علم اللغة مقدمة للقارئ العربي

محمود السعران

Полный текст (313 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سيبويه "كاملا"؟ ثم إن دوائر البحور الشعرية التي وضعها الخليل صاحب "علم العروض" نجد شبيها لها عند الهنود من قبل. إن أخذ العرب عن الهنود في الميادين الصوتية واللغوية عامة أو تأثرهم بهم أمر محتمل نظرا، ولكنا لا نملك من الأدلة ما يدعونا إلى القطع بأن أخذا أو تأثرا قد حدث في هذا المجال أو ذاك. ٥- ولا شك في أن كثيرا من "أصول" النحو العربي تقوم على أسس صوتية وذلك كالتصور الخاص بـ"الحرف"، و"الحرف المتحرك" و"الحرف الساكن"، وكمعاملة "حروف المد واللين" معاملة "السواكن" -مع التسليم بأنها من الطبقة التي ندعوها حديثا "الصوائت"، وليست من تلك التي نطلق عليها "الصوامت"- وكالعلاقة التي تصورها النحاة بين "الحرف" و"الحركة"، وبينه وبين "السكون" ... إلخ، وكتفسير كثير من الآثار "الإعرابية" التي تطرأ على بعض الكلمات ... إلخ. ٦- أما العروض كما وضعه الخليل فهو يمدنا بمعلومات صوتية هامة عن تصور "المقطعية" العربية، فالخليل لم يقم نظامه العروضي على أساس الحرف -متحركا أو ساكنا- ليس غير "وإن كان الحرف المتحرك في العربية يكون "مقطعا" بل لجأ إلى نظام من "الأسباب" و"الأوتاد" و"الفواصل" اعتبرها العناصر التي تشترك في تكوين "التفاعيل. ولا يسمح هذا المجال بالإفاضة في بيان جوهر تصورات الخليل. ٧- وفي ما يعرف بـ"علم الصرف" معلومات صوتية، فقد حاول الصرفيون -محاولاتهم الأولى ماثلة في كتابه سيبويه- أن يصفوا ما يطرأ على بنية الكلمة العربية المعربة من تغيرات: إما في تصرفاتها المختلفة "من إفراد وتثنية وجمع، وتذكير وتأنيث، وتصغير، ومبالغة، ونسب، وماض ومضارع وأمر ... إلخ"، وإما عند وقوعها في درج الكلام في سياقات صوتية معينة "كالإدغام، والوصل" إلى غير ذلك من المباحث الصرفية. ٨- وفي كتب "اللغة" وفي مقدمات معظم المعاجم العربية معلومات عن أصوات اللغة العربية، وإن يكن أكثرها تردادا لكلام الخليل وسيبويه أو لكلامهما معا.

стр. 72

وبعد هؤلاء نجد من أعلام الصوتيات اللغوية في إنجلترا هنري سويت١، ثم والتر ربمان٢، وفي الوقت الحاضر نجد دانيال جونز٣ وبيتر ماكارثي٤، الدكتورة أيدا وارد٥، والأستاذ فيرث٦. ونجد في فرنسا موريس جرامون٧، وفي أمريكا كنث ل. بايك٨ وستير تفانت٩.

стр. 73

٢- علم الأصوات اللغوية في صورته الحاضرة: بعد هذا العرض التاريخي السريع الموجز نأخذ في التعريف بعلم الأصوات اللغوية في صورته الحاضرة. أ- ذكرنا في مطلع هذا الفصل أن موضوع علم الأصوات اللغوية هو "الصوت الإنساني الحي"، هذا الصوت الإنساني الذي هو نموذج متكامل من نماذج السلوك الاجتماعي. ١- هذا الصوت يصدر عن "جهاز النطق الإنساني"١، وجهاز النطق الإنساني يشبه آلة موسيقية، أو هو أكمل آلة موسيقية من حيث المرونة، ومن حيث الإمكانيات، أعني من حيث القدرة على إخراج أنواع من الأصوات لا حد لها. وإذا كنا نسمي جانبا من أعضاء الإنسان بجهاز النطق الإنساني فهذه تسمية من وجهة نظر علماء الأصوات اللغوية. وإلا فإن الفم، والأنف، واللسان، والحلق، والرئتين، وسائر الأعضاء التي تشترك في تكوين أصوات اللغة. تؤدي وظائف ربما كانت أهم من ذلك لحياة الإنسان، فهي ضرورية بالنسبة للتنفس، وضرورية بالنسبة للأكل، فمن الناحية البيولوجية ليس لدى الإنسان "جهاز نطق". إن الإنسان استغل بعض أعضائه الموجودة لتأدية أغراض أصلية معينة كي يؤدي بها غرضا آخر اجتماعيا مستحدثا هو "الكلام" "انظر ص٦٤-٦٥". و"الكلام" عبارة عن سلسلة متصلة من الأصوات، اصطلح الناس على اعتبارها، أو على اعتبار مجموعات منها، رموزا لمعان خاصة. ٢- وإن دراسة ما يسمى بـ"الحدث الكلامي"٢، دون الإشارة إلى معناه، هو موضوع علم الأصوات اللغوية. وإن دراسة الصوت الإنساني الحي أمر على جانب كبير من الصعوبة، فنحن مضطرون لكي نصفه إلى أن نحلله إلى ما يسمى بـ"عناصر الكلام"٣، فنحن إذن نقوم بعملية "تجريد". إن تحليل "السلسلة

стр. 74

الكلامية" إلى عناصر خاصة أمر تظهر صعوبته لو طلب إلينا أن نصف أصوات لغة لا نفهمها. إذا استمعنا مثلا إلى متكلم بلغة نيجيريا -ونحن نجهل لغته- وطلب منا أن نصف أصوات هذه اللغة وأن نصنفها فسنجد مشقة في معرفة الحدود بين صوت وآخر في السلسلة الكلامية، بل سنجد مشقة في تحديد أوائل الكلمات وخواتيمها. ولما كان "الصوت اللغوي"١ يصدر عن جهاز النطق الإنساني فهو يختلف عن سائر الأصوات التي تحدث عن أسباب أو أدوات أخرى. قد يحدث الصوت في العالم الطبيعي نتيجة لقرع جسم بجسم، أو احتكاك جسم بآخر! أو نفخ في جسم خاص أو لغير ذلك. ومعروف أن دراسة "الصوت"٢ عامة موضوعه علم الطبيعة، أما الصوت اللغوي فهو، كما ذكرنا، موضوع علم الأصوات اللغوية. هذا الصوت الذي يحدثه جهاز النطق الإنساني ينتقل في الهواء، ثم تتلقاه أذن السامع، فمن واجب علم الأصوات اللغوية إذن أن يدرس ثلاث مسائل رئيسية: أولاها حركات المتكلم التي تحدث الصوت، أو إحداث المتكلم للصوت، وهذا الفرع يسمى الدراسة الصوتية الفسيولوجية٣. وثانيها انتقال الصوت في الهواء، أو الموجات الصوتية، وهذه الدراسة تعرف بالدراسة الصوتية الفيزيقية٤، أو بدراسة الموجات الصوتية اللغوية٥. أما ثالث المسائل الرئيسية التي على علم الأصوات اللغوية أن يدرسها فهو استقبال أذن السامع للصوت، أو الدور الذي تقوم به طبلة أذن السامع لاستقبال الصوت. وقد وجه علماء الأصوات اللغوية أكبر عنايتهم إلى دراسة المسألة الأولى، ألا وهي: إحداث المتكلم للأصوات، وبذلوا جهودا في دراسة المسألة الثانية -وهي انتقال الأصوات في الهواء- أما المسألة الثالثة، وهي تلقي أذن السامع للأصوات، فلا تزال تنتظر الإفاضة في البحث.

стр. 75

فعلم الأصوات اللغوية إذن يقنع من العمل الضخم، ألا وهو دراسة "الكلام"، بدراسة الصوت الحي للإنسان وهو يؤدي نشاطه اللغوي، بجانب جد ضئيل هو تحليل السلسلة الكلامية إلى العناصر التي يمكن تجريديها، ثم وصف الطريقة التي يتكون بها كل عنصر من هذه العناصر، وبيان كيفية انتقالها في الهواء، وذكر خصائصها المميزة لها ثم تصنيفها على أسس معينة. ومن هنا كان هذا العلم ذا أهمية جوهرية بالنسبة لسائر فروع علم اللغة، إنه حجر الأساس بالنسبة لأي دراسة لغوية أخرى كالنحو، أو النحو المقارن، أو دراسة المعنى١. ٣- هذا العلم يستعين في بعض جوانب دراسته بمعلومات يستمدها من علوم أخرى، كما أنه يستخدم وسائل خاصة به. فهو في وصف جهاز النطق الإنساني يعول على علم التشريح، ولكنه يكتفي من ذلك بالقدر الذي يراه صالحا للوفاء بأغراضه، فالتفصيلات الكثيرة في وصف الأعضاء يستغني عنها هذا العلم عندما تكون غير ذات دلالة بالنسبة إليه. هذا الوصف لجهاز النطق الإنساني من أول ما يبدأ به هذا العلم؛ لأنه يبين لنا إمكانيات كل عضو، وما ينتج عن العلاقات والارتباطات المختلفة بين الأعضاء المختلفة. وقد ذكرنا أن دراسة انتقال الأصوات في الهواء تعتمد اعتمادا كبيرا على علم الطبيعة "الفيزيقا، الفيزياء". ومن الوسائل الهامة التي يلجأ إليها علم الأصوات اللغوية ما يعرف "بالدراسة الصوتية التجريبية"٢ أو "الآلية"٣ وما يعرف بـ"الكتابة الصوتية"٤. ٤- ونرى قبل أن نتحدث عن هاتين الوسيلتين أن نعرض رءوس الموضوعات التي يتناولها علم الأصوات اللغوية. أكثر المختصرات الحديثة في هذا العلم تبدأ بمقدمة في تعريف "الكلام"، وفي بيان الفرق بين "الكلمة الملفوظة"٥ و"الكلمة المكتوبة"٦ وقد تتحدث عن "الكتابة الصوتية" وعن الدراسة "الصوتية التجريبية". ثم تأخذ في وصف جهاز النطق الإنساني، وبعدها تنتقل إلى "تصنيف

стр. 76

الأصوات"١ إلى "مهموسة" و"مجهورة"، ثم تدرس الأصوات حسب "طريقة النطق"، ثم حسب "موضع النطق"، ثم تنتقل إلى تصنيفها إلى "صائتة" و"صامتة"، ثم تأخذ في التفصيل في دراسة الأصوات الصائتة ثم في دراسة الصامتة. ثم تشرع بعد ذلك في التعرض لما يعرف بخصائص الأصوات، فثمة خصائص أخرى غير ما تتميز به الأصوات من أنها مهموسة أو مجهورة أو ... إلخ، خصائص تلحق بالصوت نتيجة ارتباطه مع غيره في الكلمة وفي الكلام. ومن ذلك دراسة "الارتكاز"٢، ودراسة طبيعة الصوت وما يتصف به من "درجة" و"شدة" ودراسة "نغمة" الكلمة والكلام "انظر التعريف بشيء من هذه المسائل في أواخر هذا الفصل". ومن المعروف أنه في ثنايا ذلك كله يلجأ المؤلف إلى تمثيل الصوت أو النطق في الكتابة برموز صوتية خاصة. وقد يلحق ببعض المختصرات قوائم لمفردات يصعب نطقها، ولبعض أسماء الأعلام، ولبعض الكلمات الأجنبية المتداولة في اللغة موضوع الدرس، كل ذلك يكتب بالأبجدية العادية ويمثل بالرموز الصوتية التي تصور النطق الصحيح.

стр. 77

٣- الدراسة الصوتية الآلية: أ- ذكرنا أننا في العصر الحاضر ندرك الأصوات خيرًا من إدراك اليونان والرومان والهنود والعرب لها. ومرجع ذلك إلى جملة أسباب منها أن معلوماتنا عن أعضاء النطق تشريحا وعملا، وعن علم الطبيعة تفوق ما كان يعرفه الأقدمون من ذلك، ومنها: أننا نقارن أصوات لغات كثيرة مختلفة ولا شك في أن خير وسيلة لتحديد خواص موضوع ما، هي -كما يقول موريس جرامون١- أن نقارنه بموضوعات مماثلة ليس لها خواصه نفسها، أو تتصف بها هي نفسها ولكن بدرجة مختلفة. ومن أخص هذه الأسباب وأهمها أننا -حتى لو صح أن آذاننا لا تحسن السماع إحسان القدماء له- أننا نملك من وسائل الملاحظة والفحص والإبانة، ومن وسائل تسجيل ثمار الدراسة ما لم يكونوا يملكون. ولا يزال علماء الأصوات اللغوية، عاكفين على التحسين من وسائلهم، وعلى الإضافة إليها. ب- ونأخذ الآن في التعريف بالوسائل الآلية التي يلجأ إليها علم الأصوات اللغوية. والبحث في هذه الوسائل الآلية وطرق استخدامها موضوعه "الدراسة الصوتية التجريبية"، أو "الدراسة الصوتية الآلية" كما يؤثر بعض العلماء أن يسموا هذا الفرع من فروع علم الأصوات اللغوية، نحن نستطيع الآن أن نلاحظ كل عضو من أعضاء النطق وهو يؤدي وظيفته عن طريق المجاهر، أو عن طريق التصوير بأشعة إكس، أو بغير هاتين الطريقتين، ونستطيع أن نحدد تحديدا مضبوطا موضع كل عضو من الأعضاء التي تشترك في إحداث صوت ما عن طريق ما يسمى بـ"الحنك الصناعي"٢، وعن طريق التصوير بأشعة إكس٣، كما أننا نستطيع أن نسجل الصوت تسجيلًا آليًّا، وأن نفسر هذا التسجيل من الناحية الصوتية تفسيرا يزيد من معلوماتنا عن هذا الصوت. ١- من أبسط هذه الوسائل الآلية مرآة صغيرة مثبت بها يد طويلة، هذه المرآة تسمى "مجهر الحنجرة"٤. يوضع مجهر الحنجرة بصورة خاصة داخل الفم.

стр. 78

ويضغط على أقصى الحنك الأعلى، ويكيف وضعه بحيث ينعكس ضوء قوي على داخل الحلق فيظهر في المرآة الحنجرة وهذا المجهر يمكن من رؤية الوترين الصوتيين في حالة إخراج "النفس"١ -أي عندما يكونان متباعدين، وهذا الوضع هو الذي يتخذه الوتران الصوتيان عند نطق الأصوات "المهموسة" كالسين- ويمكن من رؤيتهما حال تذبذبهما تذبذبا منغما، أي عندما يتقاربان بدرجة تسمح للهواء المار بينهما أن ينغم، وهذا هو وضعهما عند نطق الأصوات "المجهورة" كالزاي. وهكذا ندرك أن الفارق بين السين والزاي هو أن الأول "مهموس" والثاني "مجهور". ٢- وثمة آلة أخرى لإثبات "المجهر" تعرف بآلة تسوندبيرجيت٢. هذه الآلة صفحة معدنية مثبت بأحد طرفيها مقبض، وفوق طرف الصحفة المعدنية البعيد عن المقبض كرة معدنية. فإذا وضع المختبر الصفحة المعدنية على أحد جانبي الحنجرة -بحيث تكون الكرة المعدنية إلى الخارج- ثم نطق بصوت مجهور مثل الباء وأتبعه بنطق مهموس هذ الصوت وهو الـ"p" أو بنطق أي مهموس، وجد أن الكرة المعدنية في حالة نطق المجهور تتحرك على الصفحة المعدنية حركات سريعة بينما لا تتحرك في حالة نطق المهموس. وقد ظهر أن هذه الآلة وأمثالها صالحة كل الصلاحية في حالة "الصوامت المجهورة"٣ وفي حالة "الصوامت الضيقة"٤، ولكنها لا تستجيب دائما استجابة جيدة في حالة "الصوائت المنفتحة"٥ وخاصة "الصوائت المتفتحة الأمامية"٦ مثل"a". وأيًّا ما كان فمن المستطاع إدراك الجهر بطريقة بسيطة هي وضع الإصبع على "تفاحة آدم"٧ فنحس بشيء من الذبذبة إذا نطقنا المجهور مثل "v"، ولا نحس بشيء من ذلك إذا نطقنا المهموس مثل "f".

стр. 79

٣- ومن الآلات الأخرى -وأكثر استعمالها للتوضيح والتدريس لا للدراسة- آلة شيندلر وهوير١، نسبة إلى صانعيها الألمانيين وهما في جوتنجن Gotting - en وهذه الآلة مفيدة لتوضيح بعض خواص الأصوات "الصائتة". فالصفات المميزة للصوائت تعتمد على شكل الممر المفتوح فوق الحنجرة، هذا الممر الذي يكون فراغا رنانا يغير نوع الصوت الحادث عن ذبذبة الوترين الصوتيين. هذه الآلة تتكون من فراغ رنان أسطواني الشكل، وهذا الفراغ الرنان مفتوح من أحد طرفيه، وهو مجهز بكابس٢ له مقبض يخرج من الفراغ الرنان الأسطواني. وكلا الكابس والمقبض مجوف. الكابس لسان يشبه لسان مبسم المزمار، فإذا نفخ في المقبض من طرفه الخارجي فإنه يحدث عن "اللسان"٣ صوت موسيقى ذو درجة٤ خاصة. ونوع هذا الصوت يتوقف على طول جزء "الفراغ الرنان"٥ الواقع خلف الكابس مباشرة، فبتغيير وضع الكابس نحصل على أصوات ذات أنواع متمايزة. وقد لوحظ أن بعض الأصوات الناتجة عن استعمال هذه الآلة تشبه إلى حد كبير بعض الصوائت المشهورة. وواضح أنه يمكن اتخاذ الناي والمزمار للوفاء بالغرض الذي تؤديه هذه الآلة. فمعروف أن المزمار العادي، تختلف الأصوات أو "النغمات" الصادرة عنه لجملة أسباب منها اختلاف وضع الأصابع على الثقوب؛ وذلك لأن الأوضاع المختلفة للأصابع على الثقوب تكبر أو تصغر من حجم الفراغ الرنان. فإذا نفخنا في المزمار وكان الفراغ الرنان كبيرا نتج صوت ذو طبيعة مخالفة لطبيعة الصوت الحادث لو نفخنا بنفس القوة وكان حجم الفراغ الرنان أكبر أو أصغر. هذه الآلات التي تحدثنا عنها آلات أولية، وهي أصلح للتدريس والبيان لا للبحث والدراسة. ٤- ولكن من أهم ما يعتمد عليه علم الأصوات في الدرس، وما قد يكمل ملاحظة الأذن والعين، ما يعرف "بالبلاتوجرافيا" أي طريقة "الأحناك الصناعية"٦.

стр. 80

في قدرة أي طبيب أسنان أن يصنع "أحناكا صناعية"١، معدنية أو مطاطية وينبغي أن يكون الحنك الصناعي رقيقا جدا، وأن يطابق فم الشخص الذي سيقوم بالاختبار كل المطابقة حتى يلزم مكانه عند الاستعمال، كما ينبغي أن يزود بقطع بارزة في مقدمته حتى تسهل إزالته من الفم ويستحسن أن يصنع الحنك من مادة سوداء اللون، وإلا وجب تسويد صفحته السفلى، أي المقابلة لظاهر اللسان بصبغ أسود. وعند استخدام "الحنك الصناعي" يضع المختبر على صفحته التي ستقابل ظاهر اللسان مادة جيرية "كالطباشير" مسحوقة سحقا تاما، ثم يدخله في فمه. فإذا نطق المختبر صوتا من الأصوات التي يلتقي فيه اللسان بموضع ما في سقف الحنك، كالشين والكاف، فسنجد أن اللسان يزيل المادة الجيرية في موضع الالتقاء. يخرج المختبر "الحنك الصناعي" بعناية، ثم يفحص الآثار التي تركها اللسان عليه. ويستطيع كذلك أن يصور هذه الآثار فوتوغرافيا، أو أن ينسخها على رسوم تخطيطية للحنك الصناعي، وله كذلك أن يضع الحنك الصناعي بعد إجراء الاختبار داخل إناء زجاجي مضاء، بحيث تظهر صورته على خارجه، وينسخه على ورق، ويحتفظ به لدراسته ومقارنته بغيره. وهذ الرسم، الذي يبين الموضع أو المواضع التي يلتقي فيها اللسان بالحنك الأعلى عند نطق بعض الأصوات، يعرف بـ"رسم الحنك"٢. ولكن من الملاحظ أن هذه الطريقة، طريقة الأحناك الصناعية، لا يتأتى استخدامها عند نطق جميع الأصوات، فثمة أصوات تتكون في همزة كهمزة القطع، وهناك أصوات حلقية كالعين والحاء، وهي أصوات لا يكون للسان في تكوينها أثر يذكر. فوسيلة الأحناك الصناعية، ولو أنها وسيلة صالحة وهامة، إلا أن استخدامها مقصور على بعض الأصوات. ثم إنه من الواجب اختيار أصوات معينة أو كلمات خاصة عند استخدام هذه الوسيلة، وإلا لما أمكن أن تؤدي وظيفتها على وجه مرض. فأنا لو حاولت أن النطق كلمة يلتقي فيها اللسان بالحنك الأعلى في أكثر من موضع وكانت هذه المواضع متداخلة لاختلطت الآثار التي يتركها اللسان على

стр. 81

الحنك الصناعي. إذن يجب أن تختار الكلمة بحيث لا يلتقي بالحنك فيها إلا صوت واحد، أو صوتان يلتقي اللسان عند نطقهما بموضعين متباعدين من الحنك. ٥- ومن الوسائل الآلية الهامة التي يصطنعها علم الأصوات اللغوية ما يعرف بـ"الكيموجراف"١ وللكيموجراف صور كثيرة، وأحدث صورة وأدقها تختلف كثيرا عن أول ما عرف منه، ولا يزال العلماء يدخلون عليه تحسينات وتبسيطات حتى يكون أسهل استعمالا وأكثر إنتاجا. وأبسط تعريف به أن نقول: إنه أسطوانة تتحرك بدرجة منتظمة، وهناك سن تدور حول هذه الأسطوانة، فإذا نطق المتكلم من مكان معين تحركت السن حركات معينة تبعا لطبيعة ما ينطق به. وهذه السن تسجل أثر النطق في خطوط بعضها متموج، وبعضها كثير الذبذبات وهكذا. هذه الخطوط تنقل، وتصور، وتحلل من الناحية الصوتية. فالغرض من الكميوجراف إذن أن تعطي آثارا مدونة تمثل حركات أعضاء النطق المختلفة، والمجهود الذي تبذله، والدور الذي تؤديه، وتمثل شيئا من صفات بعض الأصوات. ومن الملاحظ أن ما نسميه بالأصوات المجهورة كالسين تظهر ممثلة في الكميوجراف بصورة ذبذبات سريعة، أما المهموسة كالخاء: فتظهر بصورة خطوط غير شديدة التذبذب. ٦- ومن الأجهزة الحديثة التي يستعين بها علم الأصوات اللغوية "الأوسويلوجراف"٢. والأوسويلوجراف يعطي آثارا كتابية تمثل السلسلة الكلامية التي يراد اختبارها. ومما هو جدير بالذكر، أن الآثار الممثلة لأي سلسلة كلامية تكاد تتكون من عدد كبير من عناصر صغيرة لا يتطابق اثنان منها قط كل التطابق، أي أنها شاهد على أنه من النادر أن نجد "قطعا"٣ من سلسلة كلامية تظل فيها طبيعة الصوت، وشدته ودرجته على شكل واحد مدة واضحة؛ وذلك لأنه من النادر أن نجد نوع الصوت الذي يمثله الأوسويلوجراف بموجات متتالية بشكل واحد. ولذلك فإن نقطة الانفصال بين صوت وبين الذي يليه في السلسلة الكلامية، لا تطابق أي تغير فجائي في نموذج الآثار التي يعطيها الأوسويلوجراف؛ إذ إن هذه النقطة تكون أي نقطة في مرحلة الانتقال بين الصوتين تُختار على أسس لغوية٤.

стр. 82

٧- ذكرنا أن بعض الأصوات لا يتأتى فحص موضع نطقه بطريقة الأحناك الصناعية. وثمة طريقة أخرى تظهر لنا ما يدور في جهاز النطق الإنساني عند نطق أصوات كالحاء والعين وهما حلقيان. فبالاستعانة بالتصوير بأشعة إكس، نستطيع أن نرى شكل الفراغ الحلقي عند نطق هذين الصوتين وما إليهما. كما أن التصوير بأشعة إكس يستعان به لتصوير مواضع اللسان عند نطق الصوائت الخاصة، ويتأتى ذلك بوضع شريط معدني رقيق على ظاهر اللسان. وأيًّا ما كان فإن هذه الطريقة يعتورها شيء من القصور إذ لا بد أن يصور المتكلم من زاوية خاصة، ولا يميل العلماء إلى تصديق دلالتها إلا إذا أيدتها وسائل أخرى. ٨- وما دمنا بصدد الحديث عن التصوير بأشعة إكس فلننتقل إلى بيان وجه الاستعانة بالتصوير السينمائي الناطق. عند كلامنا عن الأوسويلوجراف ذكرنا أن تقسيم علماء اللغة للسلسلة الكلامية إلى "عناصر" بقصد الدراسة تقسيم لا يؤيده الواقع الفسيولوجي: فإذا صورنا شخصا ينطق كلمة ما تصويرا سينمائيا ناطقا فإن هذا "المشهد" لا يبدو في "سلبية" أو صورة واحدة بل في عشرات من الصور تصور بالترتيب وبالتفصيل الحركات والأوضاع المختلفة التي تقوم بها أعضاء النطق وغيرها من الأعضاء الإنسانية لنطق هذه الكلمة. هذه الصور تدرس لمعرفة دلالتها الصوتية وسنجد أنه ليس من السهل أن نعثر على "صورة" تمثل أن المتكلم هنا قد فرغ من نطق صوت، وأخذ في نطق الذي يليه، بل سنتبين أن أعضاء النطق تكون أحيانا متهيئة لنطق الصوت التالي قبل أن تفرغ من نطق الصوت السابق. ٩- من البديهي أن تستعين الدراسة الصوتية اللغوية بآلات تسجيل الأصوات حتى يتيسر تسجيل نتائج الدراسة والاحتفاظ بها والاستعانة بها في المقارنة وعند التدريس، كما أنه يستعان بها على تسجيل نماذج من الكلام المختلف في البيئات المختلفة. ولا شك أنه لو حفظت تسجيلات علمية دقيقة للغة من اللغات تمثل أنظمتها الصوتية ونطقها مدى قرنين مثلا لكان من اليسير على علماء المستقبل أن يستنتجوا ما يكون قد أصاب بعض الأصوات، أو بعض الخصائص الصوتية من تطورات.

стр. 83

١٠- ومن المحاولات التي تقوم بها الدراسة الصوتية الآلية الآن تكبير الحفائر التي تكون على أسطوانات الجراموفون بآلة خاصة؛ وذلك لأنه لما كانت الحفائر الموجودة على أسطوانة ما تسجيلا لنطق أصوات معينة، ولما كانت هي نفسها تخرج نفس هذه الأصوات فإن دراستها ذات أهمية كبرى لعلم الأصوات اللغوية. ولكن علماء الأصوات اللغوية لم ينجحوا إلى الآن في تفسير دلالات أمثال هذه الحفائر من الناحية الصوتية تفسيرا مرضيا. ١١- وأي "معمل" لدراسة الأصوات اللغوية نجده مذودا بمكتبة من "الأسطوانات" التي سجل عليها خلاصات دراسات صوتية معينة، ودراسات خاصة بأصوات لغات ولهجات كثيرة متنوعة، وأسطوانات مسجل عليها قراءات لنصوص مختارة، نصوص من الأدب الكلاسيكي، ونصوص من اللهجة العامية ... إلخ، والعادة أن يكون لكل أسطوانة "دليل" مدون فيه بالحروف الصوتية النص المسجل على الأسطوانة. وإن إطالة الاستماع إلى هذه الأسطوانات ضرورية لتكوين الأذن المرهفة وهي عنصر أساسي من عناصر الثقافة الصوتية، كما أنه يمكن استخدام بعضها في تعليم الناشئة نطق اللغات الأجنبية. ١٢- ولا يخلو أي "معمل" لدراسة الأصوات اللغوية من عدد كبير من النماذج والخرائط، فنجد نموذجا لأعضاء النطق مجتمعة من نموذج للحنجرة في أكثر من وضع من الأوضاع. التي تتخذها عند نطق الأصوات المختلفة، ونموذجا للأذن ... إلخ. كما نجد خرائط تمثل أعضاء النطق عند إحداث بعض الأصوات وهذه النماذج والخرائط ذات فائدة كبرى في تدريس علم الأصوات اللغوية. بعد هذا التعريف بما يستخدمه علم الأصوات اللغوية من آلات وأجهزة وما إليها، سواء للبحث أو للتدريس، يجدر بنا أن نذكر أن الأذن السليمة المرهفة المدربة هي المعتمد الأساسي لدارسي الأصوات١.

стр. 84

والآن ننتقل إلى الحديث عن وسيلة ضرورية من وسائل هذا العلم، وهي الكتابة الصوتية.

стр. 85

٤- الكتابة الصوتية ١: يصطنع علم الأصوات اللغوية وسائل مختلفة لتحقيق غاياته، منها: استعانته ببعض الآلات. وقد عرضنا لهذا الجانب. ومنها: استعانته بنظام خاص من الرموز الكتابية. أ- لما كان علم الأصوات اللغوية هو العلم الذي يحلل ويسجل الأصوات وغيرها من عناصر الكلام، واستعمالها وتوزيعها في الكلام المتصل، فقد وجد أنه لا بد له كي يسجل الأصوات الكلامية تسجيلا كتابيا لا غموض فيه، من استعمال ما يسمى في الاصطلاح "ألف باء صوتية" أو "أبجدية صوتية"٢. هذه الألف باء الصوتية عبارة عن مجموعة اصطلاحية من الرموز الكتابية تكون نظاما صالحا لتسجيل أصوات لغة من اللغات تسجيلا دقيقا، ويسمى تسجيل الكلام بهذه "الرموز" كتابة صوتية، والمبدأ العام الذي يراعى في الألف باء الصوتية هو تخصيص حرف واحد "ونريد "بالحرف" هنا الرمز الكتابي" ليس غير لكل "فونيم"٣، من فونيمات اللغة موضع الدرس. ولن نحاول الآن التفصيل في تعريف "الفونيم" فالكلام في هذا طويل متشعب، ولعلماء اللغة والأصوات اللغوية نظريات متعددة في تحديد المقصود به، وحسبنا هنا أن نقول إنه يلاحظ في دراسة أي لغة من اللغات أن مجموعة من الأصوات المتمايزة ينبغي اعتبارها كما لو كانت صوتا واحدا من وجهة نظر الكتابة، والنحو، والدلالة. ومثال ذلك أن صوت السين في كلمة "سلا" مختلف عن صوت السين في كلمة "سطا" وأن "الفتحة" التالية في الباء في كلمة "بطر" مختلفة عن صوت الفتحة التالية لصوت الباء في كلمة "برد" ومع ذلك فقد وجد، على أسس لغوية، أن الصوتين الأولين في المثالين الأولين "صوت" أو "فونيم" واحد، كما وجد أن من الملائم للأهداف اللغوية العملية اعتبار فتحتي "برد" و"بطر" كما لو كانتا صوتا واحدا. وإذا استمعنا إلى الكلمات الإنجليزية "Cool - Call - Keeps" لاحظنا أن مخرج صوت الكاف في الكلمة الأولى أمامي بالنسبة لصوت الكاف في الكلمتين الأخيرتين، أي

стр. 86

أن كلا من هذه الكافات من الناحية الصوتية الخالصة صوت متميز، ولكنها جميعا تعامل كما لو كانت صوتا واحدا. أمثال هذه الأصوات يسميها الأستاذ دانيال جونز١ عائلة صوتية واحدة، تتكون من صوت أساسي إلى جوار أصوات متصلة به، ويطلق لفظ "الفونيم" على مثل هذه العائلة الصوتية، ويعد الأصوات التي تتكون منها "أفراد" هذه العائلة. أي أنه ليس كل "صوت" مسموع في لغة من اللغات "فونيما" من فونيمات هذه اللغة. ومما يقرب هذا إلى الأذهان أن صوت الصاد مسموع في الإنجليزية في مثل Sun "بمعنى شمس" و Son "بمعنى ابن" ولكنه لا يعد من فونيمات هذه اللغة؛ وذلك لأنه لا يستخدم في الإنجليزية للتفريق بين المعاني، أي أنه لا يوجد في الإنجليزية كلمتان لكل منهما معنى مستقل، وتطابق أصوات إحداهما أصوات الأخرى، إلا أنه يقابل السين في إحداهما الصاد في الثانية، كما نجد في العربية "سبر" مقابلة "صبر"، ولذلك فالصاد في العربية فونيم، والسين فونيم. أما صوت الصاد المسموع في الإنجليزية فهو فرع من الفونيم المعروف بالسين. فلا تحتاج الكتابة الصوتية الممثلة للإنجليزية إلى رمز الصاد بينما تحتاج إليه الكتابة الصوتية الممثلة للعربية. قلنا إن المبدا العام في الكتابة الصوتية العملية هو الاكتفاء باستعمال رموز لتمثيل "الفونيمات"، وهذا يتضمن عدم استعمال رموز لتمثيل الأفراد الثانوية للفونيمات. والواقع أن هذه الأخيرة تحددها في معظم اللغات مبادئ بسيطة يسهل تقريرها منذ البدء، وتقبل على أنها مسلمات في قراءة النصوص الصوتية. والكتابة الصوتية التي تكون مبنية على "حرف واحد لفونيم واحد" تسمى كتابة صوتية واسعة، أو عريضة٢. أما تلك التي تزيد رموزا خاصة للأعضاء الفرعية للفونيمات فتسمى "كتابة صوتية ضيقة"٣، ويجدر بنا أن نذكر أن "الألف باء الصوتية" لا هي علم الأصوات اللغوية، ولا هي علم الأصوات اللغوية، إنها وسيلة لم يجد علم الأصوات اللغوية غنى عن استعمالها، فبدونها يكون وصف الاستعمالات الكلامية، وتسجيلها بصورة دقيقة، أمرا عسيرا، قليل الجدوى قابلا لخطأ التأويل. ب- وقد يسأل جماعة. لِمَ لَمْ تتخذ الأبجدية العادية وسيلة لتمثيل الأصوات اللغوية؟

стр. 87

الواقع أنه ما من أبجدية من الأبجديات المعروفة تفي بتسجيل الأصوات حق الوفاء، فجلها فيه نقائص وعيوب لا تمكنه من تأدية هذه الغاية. نعم إن المبدأ الذي تقوم عليه الألف باء الصوتية، أي مبدأ "رمز واحد لكل فونيم"، أساس من الأسس التي قام عليها كثير من الأبجديات التقليدية، ولكن هذه لا تحققه تحقيقا ينهض بأغراض الدراسة اللغوية. نعم إنها تختلف فيما بينها في درجة تمثيلها الصادق للأصوات، فالكتابة الإسبانية والكتابة البولندية والبوهيمية والفنلندية خير حظا من كثير من الكتابات التقليدية، حيث شكلها، أو راجعها علماء أدركوا النظام الفونيمي للغتهم، ولكنها جميعا قاصرة، على الرغم من ذلك، عن أن تكون وسيلة عالم الأصوات اللغوية. وإذا نظرنا إلى الكتابة العربية -وهي في هذه الناحية أحسن حظا من كثير من الكتابات- وجدناها مثلا تستعمل حرفًا واحدًا هو الواو "و" دلالة على الفونيم الأول في كلمة "وعى" -وهو يندرج تحت طبقة الصوامت١-، وللدلالة على فونيم، مخالف كل المخالفة، وهو "الصوت الصائت الطويل"٢ في كلمة مثل "يقول". كذلك حرف الياء "ي" يمثل الفونيم الأول في كلمة مثل "يسمع"، ويمثل الفونيم الأخير -وهو صوت صائت طويل- في كلمة مثل "القاضي". وإذا انتقلنا إلى الكتابة الإنجليزية وجدنا أنها أبعد من أن تكون كتابة صوتية، إذ إنها تعطي القارئ فكرة دقيقة عن "الترتيب الصوتي"، تلك الفكرة التي يحتاج إليها دارس اللغة الإنجليزية المنطوقة. ولما كانت الإنجليزية تستعمل في كتابتها الحروف اللاتينية، ولما كانت لغات أخرى تستعمل في كتابتها نفس الحروف، فإن الفرنسي مثلا عندما يأخذ في نطق الإنجليزية فهو ينسب إلى الحروف القيم التي تعود أن ينسبها إلى لغته، أي أنه ينسب إليها قيما غير تلك التي ينسبها إليها أصحاب اللغة، وذلك مثل "a" في gate "i" في "Find" و"u" في Tune. نعم إنه من السهل على الأجنبي أن يتعلم هذه القيم الإنجليزية في هذه الكلمات، ولكن الصعوبة تنشأ من أن هذه

стр. 88

الحروف لا تنسب إليها نفس القيم في كل كلمة إنجليزية أو فرنسية تستعمل فيها: فالقيمة المنسبة لـ"a" في gatte غير تلك المنسبة إليها في كل من fat. any. fall. father. وينتج عن عدم الاطراد هذا، أن الأجنبي، الذي يعتمد اعتمادا كليا على الكتابة العادية، يكون في حالات لا حصر لها عاجزا عن أن يعرف الأصوات التي عليه أن ينطقها، ويخطئ باستمرار نطق الكلمات. ويمكن تجنب مثل هذه الأخطاء في النطق باستعمال "الكتابة الصوتية". ثم إن عدد الحروف التي تتكون منها أي أبجدية من الأبجديات التقليدية لا يكفي لتمثيل الأصوات المستعملة في اللغات المختلفة. ولكن ينبغي أن نقرر أن الكتابات الصوتية لا فائدة من ورائها لأولئك الذين لم يتعلموا تكوين الأصوات التي تمثلها "الحروف الصوتية"١. وإن الناشئ الذي تمكن من تكوين الأصوات المفردة تكوينا بالغ الدقة، يكون مؤهلا لأن يأخذ في تعلم أصوات متتابعة. جـ- وقد بذلت محاولات كثيرة لوضع نظام من الرموز الكتابية الدقيقة الصالحة لتقرير نتائج الدراسة الصوتية وملاحظاتها، فهذه النتائج والملاحظات لا بد أن توضع بصورة مكتوبة، كي يمكن الرجوع إليها، والمناقشة فيها، أو بعبارة أخرى، كي تصبح هذه الدراسة والملاحظات "علما" أو جزءا من علم. وبعض هذ النظم التي اقترحت تبتعد ابتعادا كليا عن العادات التقليدية في الكتابة: ١- ومن أشهر هذه النظم "الكلام المنظور"٢ الذي وضعه "بل"٣ والسبب الرئيسي في شهرة هذه الطريقة هو أن هنري سويت٤ "١٨٤٥-١٩٢١" قد استعملها. ورموز هذه الألف باء الصوتية عبارة عن "رسوم تخطيطية" مبسطة واصطلاحية لأعضاء الكلام عند نطق الفونيمات المختلفة، ذلك أن "بل" رمز لكل

стр. 89

_________ ١ Alphabetic Notation.

стр. 90

٣- ولكن معظم الألف باءات الصوتية لا تنحو هذا النحو، بل تقوم رموزها على الألف باء اللاتينية التقليدية، مع إدخال تعديلات على بعضها، كإضافة خط أفقي صغير فوق الحروف، أونقطتين فوق بعضها، أو تحوير صور بعض الحروف، ومع إدخال بعض صور "الحروف المكبرة"١ ومع إدخال حروف مأخوذة من الأبجدية اليونانية. ومن هذه الألف باءات ألف باء "لبسيوس"٢ المستعملة لكتابة اللغات الإفريقية، وألف باء "لونديل"٣ المستعملة لكتابة اللهجات السويدية، وألف باء "بريمر"٤ المستعملة لكتابة اللهجات الألمانية، وألف باء "الجمعية الأنثروبولجية الأمريكية"٥ المستعملة لكتابة اللهجات الهندية. ٤- ومن أشهر صور هذا النوع من الكتابة الصوتية، وأكثره شيوعا "ألف باء الجمعية الصوتية الدولية"٦. هذه الألف باء اشترك في تكوينها جهود متوالية لعلماء كثيرين من أهمهم "إليس"٧. و"هنري سويت"، و"باسي"٨، ودانيال جونز. وضع هنري سويت نظاما بسيطا من الكتابة الصوتية بناه على الألف باء اللاتينية، وسماه "الخط الرومي"٩ لاستعماله إلى جوار "الكلام المنظور" الذي وضعه "بل". وعندما اتضحت عند سويت فكرة "الفونيم" أدرك أن "الخط الرومي" من الممكن أن يظل وافيا بالغرض لو بسط تبسيطا كبيرا. ولهذا فقد استعمل سويت صورة مبسطة من هذا الخط تشتمل على رمز واحد لكل فونيم، وسماها "الخط الرومي الواسع أو "العريض"١٠، ولكن سويت ظل يعتقد أن الصورة الأشد تعقيدا من هذه، أي "الخط الرومي الضيق"١١ كان أدق شيئا ما، وأكثر ملاءمة للأغراض العملية.

стр. 91

ومن "الخط الرومي" الذي وضعه سويت نبتت "ألف باء الجمعية الصوتية الدولية" وهذه الألف باء تتكون من الرموز اللاتينية، وبعض الحروف اليونانية مع عدد من الحروف المصنوعة، وعدد قليل من "العلامات المميزة"١ التي تضاف إلى بعض الحروف. والمبدأ الذي تقوم عليه هذه الألف باء من حيث القيم الصوتية للحروف هو استعمال الحروف العادية لتدل على قيم تقرب من تلك التي تنسب إليها في بعض اللغات الأوروبية الرئيسية، وذلك مثل V. p. t ... إلخ، وإدخال علامات صناعية على بعض الحروف اللاتينية لتمثل فونيمات غير موجودة في اللغات الأوروبية "وذلك كالحرف الذي يمثل الصاد" أو استعمال "العلامات المميزة" لتأدية نفس الغرض، كما تستعمل بعض العلامات المضافة إلى الحروف للدلالة على خصائص بعض الأوات في بعض السياقات الصوتية، كالغنة التي تصحب صوتا صائتا في مواضع ولا تصحبه في سائر المواضع التي يقع فيها. ومعروف أن "الألف باء الصوتية الدولية" لم تضع رموزا لكتابة اللغات الأوروبية وحدها بل وضعت رموزا يتيسر استخدامها بشيء من المرونة والتعديل عند كتابة أصوات أي لغة من اللغات. فقد حصر العلماء الذين قاموا على وضعها جميع الأنواع الصوتية الرئيسية في اللغات المعروفة على سطح الأرض، ورمزوا لكل نوع برمز خاص، أو على الأقل وضعوا إمكانيات الرمز لكل نوع برمز خاص. فكل رمز من رموز هذه الألف باء ليس "صوتا" أو ممثلا لصوت، إنه يمثل "نوعا" صوتيا، فمثلا صوت الباء "P" مستعمل في الإنجليزية والفرنسية كلتيهما، ولكن هذا الصوت في الإنجليزية يختلف عنه في الفرنسية، فهو في الإنجليزية يتبعه نفس شديد، أما في الفرنسية فلا يصحبه هذا النفس. فرمز الـ"p" في هذه الألف باء يمثل نوعا صوتيا عاما يمكن أن يكيفه الدارس فيعطيه بذلك دلالة خاصة، لو كان يدرس الإنجليزية وحدها لاستعمله كما هو لأنه في تعريفه هذا الرمز سيفهم منه أنه يمثل صوتا انفجاريا شفويا مهموسا مصحوبا بنفس، ولو كان يدرس الفرنسية وحدها لاستعمله كما هو؛ لأن تعريفه لهذا الرمز يدل على أنه يمثل صوتا غير مصحوب بنفس. أما لو أراد الدارس النص كتابة على الفارق بين هذين الصوتين لمثل الصوت الإنجليزية بـ"ph" مثلا، ودل على الفرنسي "p" وحده.

стр. 92

إن الكتابة الصوتية وسيلة ضرورية لدارس الأصوات اللغوية، ومن هنا نجد أن محاولتنا الكتابة كتابة كاملة في اللغة وفي علم الأصوات اللغوية ومحاولتنا القيام بدراسات لغوية على أسس من العلم الحديث تقف في سبيلها عقبة هامة، فلا بد من أن يصطلح العلماء المختصون عندنا على "الألف باء صوتية" يصطلح استعمالها عند دراسة العربية، وعند دراسة سواها من اللغات، وعند الكتابة في الميدان اللغوي بوجه عام.

стр. 93

٥- حاجتنا إلى علم الأصوات اللغوية: أ- هذا العلم، علم الأصوات اللغوية، ما موضعه من سائر الدراسات اللغوية؟ إن بعض المحدثين من دارسي العربية في الشرق العربي ممن لم يتصلوا به، وممن اتصلوا به عن بعد، يعدونه ترفا علميا قاصدين بذلك أنه يقدم إلينا معلومات عن أصوات اللغات لا بأس على اللغوي إن هو لم يعرفها، ولا ضرر على الدراسة اللغوية إذا هي أهملتها، أما التخصص في هذا العلم فهو، في رأيهم، كالانصراف إلى جمع التحف الغريبة والطرف النادرة انصرافا لا يقصد من ورائه إلا إشباع لذلة التملك، وإلا المباهاة والمفاخرة. والحق أن هذه نظرة غير سليمة إلى علم هو حجر الأساس لأي دراسة لغوية، إنها نظرة تفصح عن إدراك غير سليم لحقيقة "اللغة"، ثم هي نظرة لا تحسن تقويم تراثنا العربي في الدراسات اللغوية: فقد بينت في صدر هذا الباب أن أوائل الباحثين في العربية كانوا يعرفون لهذه الدراسة قدرها، وأنهم عليها بنوا آراءهم، أو الكثير من آرائهم، في إصلاح الكتابة العربية، وفي وضع العروض والنحو، والصرف، والمعاجم وفي تدوين القراءات القرآنية. ب- وهذا بيان موجز لقيمة هذا العلم، وما يمكن أن يؤديه من خدمات. ١- لا يمكن الأخذ في دراسة لغة ما، أو لهجة ما، دراسة علمية ما لم تكن هذه الدراسة مبنية على وصف أصواتها، وأنظمتها الصوتية. فالكلام أولا، وقبل كل شيء سلسلة من الأصوات، فلا بد من البدء بالوصف الصوتي للقطع الصغيرة، أو للعناصر الصغيرة، أقصد أصغر وحدات الكلمة، هذه الوحدات التي تتألف منها "المقاطع"١ على أنظمة معينة تختلف باختلاف اللغات، المقاطع التي قد يكون بعضها، دون ائتلاف مع غيره، كلمات، والتي تتكون أكثر الكلمات من ائتلاف عدد منها. ما المقاطع التي يأتلف بعضها مع بعض؟ وعلى أي أنظمة صوتية يجري هذا الائتلاف؟ وما الذي يطرأ على بعض الأصوات عندما تأتلف المقاطع في الكلمات؟ ثم ما الذي يحدث عندما تلي الكلمة الكلمة في الكلام

стр. 94

المتصل؟ هذا كله، وكثير غيره لا بد من إدراكه قبل الشروع في وصف أية لغة من اللغات. من المحال إذا دراسة بنية الكلمة دون التحقيق الصوتي للعناصر المكونة للكلمات، كما أن دراسة "نظم"١ الكلام قاصرة ما لم يراع فيها دراسة الصور التنغيمية٢ مثلا. والدراسة الدلالية٣، أي دراسة المعاني لا يمكن أن تثمر ما لم ترتكز على دراسة الصور الصوتية والتنغيمية. ٢- ولأفصِّل شيئا ما في بيان كيف أن الدراسة الصوتية جزء أصيل من دراسة المعنى. قد تكون "الفونيمات" المكونة لكلمة مطابقة للفونيمات المكونة لأخرى، أي قد تتطابق كلمتان من حيث الوحدات الصوتية الصغرى المكونة لكل منهما، ولكنا نجد أن موضع "الارتكاز"٤ في هذه الكلمة غير موضع الارتكاز في تلك، أو أن إحداهما تنطق بارتكاز في موضع والثانية بلا ارتكاز واضح، ومعنى هذه غير معنى تلك، ومن ذلك في الإنجليزية كلمتا Re,cord و Record: ففونيمات الأولى هي فونيمات الثانية ولكن بينهما خلافا في موضع الارتكاز، فالارتكاز في إحداهما على المقطع الأول، وفي الثانية على المقطع الثاني، وإحدى الكلمتين اسم والثانية فعل. ومعنى هذا أن الارتكاز قد يستعمل استعمالا وظيفيا للتفريق بين المعاني. والأمثلة كثيرة على أن الكلمة الواحدة تدل على أكثر من معنى دون تغيير يلحق بفونيماتها، ولكن بسبب الاختلاف في التنغيم٥. وقد يضاف إلى الاختلاف في التنغيم أحيانا الاختلاف في موضع الارتكاز، أو تغيير طول الأصوات الصائتة، أو هذان معا، أو غير ذلك. من هذا كلمة "الله" في العامية المصرية: فهي تنطق بصور كثيرة لكل منها معناها، فأنا عندما أستعملها مريدا إظهار الإعجاب أنطق بها بصورة تختلف عن نطقي إياها عندما أريد التعبير بها عن المعبود الواحد، وأنطقها بصورة مخالفة لهاتين عندما أريدها مرادفا لـ"أيصح هذا؟ أنفعل هذا؟ " فهذه كلمة واحدة من الناحية الفونيمية، ولكن كلا من هذه الصور

стр. 95

الثلاث كلمة من حيث المعنى. وكثيرا ما نجد أن العبارة الواحدة تدل على التقرير، وباختلاف نغماتها تدل على الاستفهام، وبنطقها على نغمات أخرى تدل على التعجب وهكذا. وثمة لغات كاليابانية والصينية وبعض لغات أواسط إفريقيا يكثر استعمال التنغيم فيها استعمالا وظيفيا للتفريق بين المعاني. "انظر فيما يلي شيئا من التعريف بـ"الفونيم" تحت الفصل المسمى "الفونولوجيا". ٣- وعلم الأصوات اللغوية لا يقتصر على خدمة الدراسة اللغوية "الوصفية" أي لا يقتصر على وصف الأصوات والأنظمة الصوتية الخاصة بلغة ما في فترة معينة من تاريخها. بل يخدم الدراسة اللغوية "التاريخية"١ والدراسة اللغوية "المقارنة"٢ كذلك، فهو يقارن بين أصوات لغة معينة في فترة معينة وبين أصوات نفس اللغة في فترة أخرى من فترات تطورها بعد دراستها في هذه الفترة دراسة وصفية، أو بينها وبين أصوات لغة أخرى في عصر خاص من عصور تطورها. إنه لا سبيل إلى قيام "فقه اللغة المقارن"، أو "النحو المقارن"٣ دون الاعتماد على الأساس الصوتي، فهذا الجانب من الدراسة اللغوية يظهرنا على التغيرات التي تطرأ على أصوات معينة في لغات متقاربة، ويصل من ذلك إلى شبه "قوانين" تعرف "بالقوانين الصوتية" وإن لم تتصف هذه "القوانين" بما تتصف به القوانين الخاصة بالعلوم التطبيقية من حتمية وجبرية. ٤- وإذا كان علم الأصوات اللغوية ضروريا للشروع في تقرير الحقائق اللغوية للغة من اللغات كما قدمنا، فإنه يعين كذلك في وضع أبجديات دقيقة للغات التي ليس لها كتابات حتى الآن، ويعين في إصلاح الأبجديات التقليدية لتكون أدق تمثيلا للنطق. ولا غنى للمعاجم عن الاستعانة بالثقافة الصوتية اللغوية، فالمفروض أن واجب المعاجم لا يقتصر على تبيان معاني "المفردات"، وتطور هذه المعاني، بل يتعداه إلى تمثيل نطق هذه المفردات، وهذا لا يكون إلا باصطناع نظام من الرموز الكتابية يكون أدق تمثيلا للنطق من الأبجدية التقليدية.

стр. 96

٦- ثم إن علم الأصوات اللغوية يقدم عونا كبيرا في إجادة نطق اللغة الأصلية وفي تعلم نطق اللغات الأجنبية. بل لقد كان ينظر إلى هذا العلم في أوروبا في العصور الوسطى على أنه الذي يعلم نطق الكلام، الذي يعلم الإلقاء والإنشاء والخطابة، ولكن هذا لا يدخل فيما يدل عليه هذا العلم في صورته الحاضرة. فعلم الأصوات اللغوية باعتباره فرعا من علم اللغة يقدم جملة من الوسائل الصالحة والضرورية لتقرير الحقائق اللغوية، ولكن لا شك أن نتائج هذا العلم يستعان بها في إجادة نطق اللغات، وفي تعلم نطق اللغات الأجنبية، أي أنه يستخدم لتأدية هذه الوظيفة دون أن يكون هذا هو القصد الأساسي منه، أو غرضا من أغراضه من حيث هو علم. من الثابت أن الإنسان إذا تعلم لغة أجنبية فهو يميل، غير واع في معظم الأحيان، إلى أن ينطق أصوات اللغة الأجنبية من خلال أصوات لغته هو، وإلى أن يفرض الأنظمة الصوتية الخاصة بلغته على الأنظمة الصوتية الخاصة باللغة الجديدة. وعلم الأصوات اللغوية يقدم خير عون لإصلاح هذا الخلل. فهو إذ يصل إلى وصف أصوات اللغتين ووصف أنظمتها الصوتية، يمكنه أن يصف لنا طرق العلاج، أو هو يمكن معلمي اللغة الأجنبية من ذلك. وإن علاج النطق في حالة "الصوامت" سهل ميسور إذا قورن بعلاج النطق في حالة الصوائت. قد يظن متعلمو الإنجليزية من العرب أن "التاء" العربية مطابقة "للتاء" الإنجليزية، ولكن الدراسة الصوتية تظهرنا على أن التاء العربية تتميز بأنها "سنية"١، أي أن طرف اللسان في نطقها يعتمد على الأسنان العليا أو على أصولها، وعلى أن "التاء" الإنجليزية تتميز بأنها "لثوية"٢، أي أن اللسان في نطقها يعتمد على اللثة لا على الأسنان. و"الراء" العربية كذلك تختلف عن الراء الإنجليزية: فنحن إذا حاولنا أن ننطق التاء في كلمة مثل "take" فنحن ننطق في الأغلب التاء العربية. عن طريق علم الأصوات اللغوية نعلم ما بين تكوين هذين الصوتين من فرق حتى يمكننا بطول المران أن نتحلل من عاداتنا الصوتية فننطق الصوت الأجنبي النطق الصحيح.

стр. 97

ويلاحظ أنه إذا تيسر لمتعلم لغة أجنبية أن يجيد في وقت قصير نطق "الصوامت" فإنه يجد صعوبة كبيرة في إيجاد نطق "الصوائت"؛ ذلك لأن أي اختلاف يصير في وضع اللسان أو في كل شكل الشفتين ينتج صوتا صائتا. على أن أكبر صعوبة يجدها الآخذ في تعلم نطق لغة غير لغته الأصلية هي محاولته في نطق خصائص الأصوات عندما تأتلف في كلمات، وفي كلام متصل، وذلك كالارتكاز والتنغيم. إن التركيب المقطعي١ في لغة غير التركيب المقطعي في لغة أخرى، ومواضع وقوع الارتكاز في هذه اللغة غير مواضع وقعه في تلك، "وتنغيم" كلمات هذه اللغة وجملها غير تنغيم كلمات تلك وجملها. علم الأصوات اللغوية يصف لنا التركيب المقطعي لكلتا اللغتين، ويبين لنا المواضع التي يقع عليها الارتكاز في كل منهما ودرجات الارتكاز في كل موضع، كما أنه يحدد لنا المواضع التي لا يقع عليها ارتكاز البتة، وهكذا يمهد لنا السبيل إلى التخلي تدريجيا عن فرض "عاداتنا الصوتية"٢ على نطق اللغة الجديدة. إن إتقان كلمات لغة أجنبية وجملها أمر شاق. ومن هنا كان الإنجليز أو الفرنسيون عندما يسمعون كثيرا من الألمان يخاطبون بالإنجليزية أو الفرنسية يتوهمون أنهم يعنفونهم أو يهاجمونهم؛ وذلك لأن تتابع المقاطع في الألمانية يخالف ما يجري عليه تتابعها في الإنجليزية أو الفرنسية، كما أن النغمات الدالة على الاستفهام مثلا تختلف في الألمانية عن النغمات الدالة على الاستفهام في الإنجليزية أو الفرنسية، فربما ينطق الألماني الجملة البسيطة؟ How do you do? فيرى الإنجليز فيها شيئا من الإثارة موجها إليه٣.

стр. 98

٦- من أسباب تخلف دراستنا اللغوية: أظن أن هذه العجالة في التعريف بعلم الأصوات اللغوية قد أوضحت مدى تخلفنا عن القدرة على النهوض بدراسات لغوية على أسس من التفهم الحديث للغة ولمناهج دراستها ووسائلها. فلا شك أننا نستطيع أن نكتب نحوا للعربية على الأصول الحديثة دون أن ندرس علم اللغة العام، ومن مباحثه علم الأصوات اللغوية. ولن نستطيع أن ندرس اللهجات العربية الحية، ولا أن نقارن بينها وبين تلك اللهجات القديمة التي روي عنها نتف في بعض الأصول العربية، دون أساس من علم اللغة العام، ومن علم الأصوات اللغوية. ولا شك أن المحاولات التربوية لتبسيط النحو أو لإصلاح الكتابة، أو لغير ذلك مما ليس وصفا علميا للغة إنما هو استفادة من نتائج الوصف العلمي، ولا شك أن هذا نفسه لن يتيسر دون أن نأخذ بالقسط اللازم من هذا العلم. والقراءات القرآنية نفسها يتيسر لدارس الأصوات اللغوية كتابتها بصورة أدق، وتبيان ما بينها من وجوه الخلاف، وتسجيل تلاوتها تسجيلا صوتيا، بحيث يكون تعلمها أبسط وأيسر من أخذها عن طريق كتب التجويد. ونشرع الآن في عرض أهم مسائل علم الأصوات اللغوية عرضا فيه شيء من تفصيل.

стр. 99

النطق أعضاء النطق ... ٧- النطق: أ- أعضاء النطق: ١- أشرنا إلى أن اللغة المنطوقة "أصوات" تكون نظاما خاصا، ويحدثها جهاز النطق الإنساني. هذه "الأصوات" "الكلامية"١ تحدث في الفم، والأنف، والحلق، وتنظم في كلمات وعبارات لتأدية الوظائف التي على اللغة أن تقوم بها. ومن ثم فإن أول واجب على دارس الأصوات، هو معرفة ما يسمى "أعضاء النطق" من حيث تكوينها، ومن حيث كيفية استعمالها في تكوين الأصوات الكلامية، أي من حيث وظائفها. ونرى أن نذكر مما قلناه أن الأعضاء التي جرى الاصطلاح على تسميتها "أعضاء النطق" لا تنحصر وظيفتها في إحداث الأصوات، بل إن لها وظائف أخرى: كالذوق للسان، وكسر الطعام وطحنه للأسنان والأضراس، والشم للأنف، والتنفس لها وللرئتين، إلى غير ذلك مما لا يدخل في دراستنا، فتسمية هذه الأعضاء "أعضاء النطق" تسمية من وجهة نظر علم الأصوات اللغوية "انظر رقم "٣" ص٦٤، ٦٥". قلنا إن أول واجب على دارس الأصوات اللغوية هو معرفة أعضاء النطق تكوينا ووظيفة، ولكن هذا لا يعني أنه في حاجة إلى الإلمام بكل التفصيلات التي يقدمها لنا علم "وظائف الأعضاء" وعلم "التشريح" عن أعضاء النطق؛ إذ إن الكثير من هذه المعلومات لا يؤدي له نفعا، ولكن هناك قدرا ضروريا من المعرفة بهذه الأعضاء عليه أن يحصله. هذه المعرفة هي حجر الأساس لوصف الأصوات وصفا علميا وتصنيفها. وليس المقصود أن تكون هذ المعرفة نظرية، أعني معرفة تقتصر على حفظ أسماء أعضاء النطق، ووصف تكوينها، ووظائفها، بل المقصود أن على دارس الأصوات أن ينتقل من هذا إلى أن تكون له، بعد طول مران، قدرة على إحداث

стр. 100

أصوات، أي لغة، أو كما كان يقول العرب القدماء على "ذوق" الحروف "و"الحروف" هنا تعني أصوات اللغة". هذه "الأصوات الكلامية"١ تنتجها حركات لأجزاء من الفم والأنف والحلق والرئتين. وليست أعضاء النطق جميعا متحركة، أي قابلة لأن تتحرك، بل معظمها ثابت وقليل منها هو القابل للحركة كاللسان والشفتين. وإذا توصل إنسان إلى السيطرة على "الأنواع العامة"٢ للحركة التي تقوم بها هذه الأجزاء، وعلى "الارتباطات"٣ التي يمكن أن تكون بين هذه الحركات، فإنه قادر إذًا على نطق أصوات أية لغة؛ لأن أصوات اللغات جميعا تحدثها ارتباطات معينة بين هذه الأعضاء. وإذا توصل إلى خلق وسائل كتابية لتمثيل هذه الحركات، فإنه إذن قادر باصطناعها أن يمثل، كتابة، أصوات أية لغة. وهذه الوسائل نجدها فيما يسمى "بالكتابة الصوتية" Phonetic Transcription -وقد عرضنا لها- وهكذا فإن حرف "b" -كما سنرى على وجه التفصيل- يمثل حركة للرئتين تخرج الهواء إلى أعلى وإلى الخارج خلال الحلق، وخلال الوترين الصوتيين متذبذبين، وإلى الفم، ويبين هذا الرمز كذلك أن "مجرى الهواء" قد آنس في الفم اعتراضا آنيا ولكنه اعتراض تام ناتج عن غلق ممر الهواء إلى الأنف، وغلق ممره خلال الفم عن طريق غلق الشفتين. ٢- والآن نأخذ في التعريف بأعضاء النطق الرئيسية حتى نألف أسماءها العربية، وما يقابل هذه الأسماء بالإنجليزية والفرنسية تيسيرا للرجوع إلى ما كتب عن الأصوات اللغوية بهاتين اللغتين. ١- "الحنك"٤، "أو "سقف الحنك"٥ أو "سقف الفم"٥ أو "الحنك الأعلى"٥.

стр. 101

يقسم الحنك من وجهة نظر الأصوات اللغوية إلى ثلاثة أقسام: ١- "مقدمة الحنك"١ أو "اللثة"٢. ٢- "وسط الحنك"٣ أو "الحنك الصلب"٣. ٤- "أقصى الحنك"٤ أو "الحنك اللين"٤. وإليك تعريفا مبسطا بكل قسم من هذه الأقسام: ١- "مقدم الحنك" هو ذلك القسم من سقف الحنك الواقع خلف "الأسنان العليا"٥ مباشرة وهو "محدب"٦ ومحزز. أما الحد الفاصل بين اللثة وبين ما يليها من الحنك الصلب فهو ذلك الموضع من سقف الحنك الذي ينتهي فيه التحديب ويبدأ التقعر. واللثة من أعضاء النطق الثابتة. ٢، ٣- أما بقية الحنك فهو يقسم كما ذكرنا إلى "وسط الحنك" أو "الحنك الصلب"، و"أقصى الحنك" أو "الحنك اللين". ويمكن أن يدرك الفارق بين صلابة الجزء الصلب، وليونة الجزء اللين بالنظر في مرآة، أو باللمس باللسان، أو بالإصبع. الحنك الصلب ثابت لا يتحرك، أما الحنك اللين فهو قابل للحركة. قد يرفع الحنك اللين، وقد يخفض. فإذا رفع إلى أقصى ما يمكن فإنه يمس الجدار الخلفي للفراغ الحلقي، وهكذا يمنع مرور الهواء، الخارج من الرئتين، عن طريق الأنف. وكثير من أصوات اللغة العربية يتكون عندما يتخذ الحنك اللين هذا الموضع، مثل أصوات الباء، والتاء والسين، والصاد ... إلخ.

стр. 102

أما إذا خفض الحنك اللين فإن الطريق أمام الهواء الخارج من الرئتين يكون مفتوحا لكي ينفذ من الأنف. ولا يتم نطق النون والميم العربيتين إلا عندما يتخذ الحنك اللين هذا الموضع. أما نهاية الحنك اللين فتسمى "اللهاة"١، ولها دخل في نطق القاف العربية. ٢- "الفراغ الحلقي"٢، أو "التجويف الحلقي"٢. هو الفراغ الواقع بين أقصى اللسان وبين الجدار الخلفي للحلق. ٣- وفي أسفل الفراغ الحلقي تقع "الحنجرة"٣. وهي تكوِّن الجزء الأعلى من "القصبة الهوائية"٤ "وهي الممر المؤدي إلى الرئتين، انظر الكلام على "الوترين الصوتيين" فيما يلي". ٤- أما "الغلصمة"٥ فهو نوع من اللسان واقع فوق الحنجرة بصورة خاصة لتحمي الحنجرة خلال عملية البلع، ولكن يبدو أنه لا دخل لها في تكوين أي صوت كلامي. ٥- الوتران الصوتيان٦، أو "الحبال الصوتية": وهما أشبه بشفتين منهما بوترين، ولكن جرى الاصطلاح على هذه التسمية. وهذا التوران ممتدان بالحنجرة أفقيا من الأمام إلى الخلف. وهما من أعضاء النطق المتحركة. ولهما القدرة على اتخاذ أوضاع متعددة تؤثر في الأصوات الكلامية، وهذه الأوضاع أربعة هي:

стр. 103

١- الوضع الخاص بالتنفس١. ٢- وضعهما حالة تكوين "نغمة موسيقية"٢. ٣- وضعهما حالة "الوشوشة"٣. ٤- وضعهما حالة تكوين "همزة القطع"٤. والآن نتكلم عن كل وضع من هذه الأوضاع بشيء من التفصيل: ١- وضع الوترين حالة التنفس: قد ينفرج الوتران الصوتيان مفسحين مجالا للنفس أن يمر خلالهما دون أن يجابه أي اعتراض، وهذا ما يسمى في الاصطلاح الصوتي بـ"الهمس" "مقابل "الجهر". وتسمى الأصوات التي تنطق عندما يتخذ الوتران هذا الوضع الأصوات "المهموسة"٥. ويتخذ الوتران الصوتيان هذه الوضع عند نطق "الصوامت" العربية الآتية: التاء، والثاء، والحاء، والخاء، والسين، والشين، والصاد، والطاء، والفاء، والقاف والكاف، والهاء. ٢- وضع الوترين الصوتيين عند إصدارهما نغمة موسيقية: يتضام الوتران الصوتيان بشكل يسمح للهواء المندفع خلالهما أن يفتحهما ويغلقهما بانتظام وبسرعة فائقة. وهذا يسمى تذبذب٦ الوترين الصوتيين. هذه الذبذبة تحدث نغمة موسيقية تختلف "درجة"٧ "وشدة" باختلاف عدد الحركات

стр. 104

الإيقاعية ومداها. هذا النغمة الصوتية تسمى في الاصطلاح الصوتي "الجهر"١ كما تسمى الأصوات التي تصحبها هذه النغمة "الأصوات المجهورة"٢. والأصوات العربية المجهورة هي "الصوائت" أي ما يسميه نحاة العربية "الحركات"، و"حروف المد واللين" مقصودا بها الألف والواو والياء في مثل قال، صبور، بديع" و"الصوامت" الآتية: الباء، الجيم، الدال، الذال، الراء، الزاي، الضاد، الظاء، الغين، اللام، الميم، النون، الواو "في مثل "وجد"، الياء "في مثل "يرى". ٣- أما وضع الوترين حالة "الوشوشة": فهو لا يهمنا كثيرا في دراسة الكلام الطبيعي. ٤- وضع الوترين الصوتيين عند تكوين همزة القطع: قد ينطبق الوتران الصوتيان انطباقا تاما فلا يسمحان للهواء بالمرور إلى الفراغ الحلقي مدة انطباقهما، وهذا هو وضعهما حالة "قطع النفس". وعندما ينفرج الوتران، بعد انطباقهما التام مدة، يسمع انفجاري نتيجة لاندفاع الهواء الذي كان مضغوطا فيما دون الوترين الصوتيين. وهذا الصوت هو ما يسميه العرب "همزة القطع". ٥- اللسان: يكفي لأغراض الدراسة الصوتية أن يقسم اللسان إلى ثلاثة أقسام: ١- الجزء المقابل للحنك اللين "لأقصى الحنك" في الحالات العادية ويسمى "أقصى اللسان"٣ "مؤخر اللسان"٣.

стр. 105

٢- والجزء الذي يقابل الحنك الصلب "وسط الحنك". وفي الأحوال العادية، ويعرف بـ"وسط اللسان"١. ٣- والجزء الذي يقابل اللثة ويسمى "طرف اللسان"٢. أما "نهاية اللسان"٢ "ذلق اللسان"٣، أو "ذولقة"٣ فهي داخلة في الجزء الذي اصطلح على تسميته بطرف اللسان٣. إن اللسان من أعضاء النطق المتحركة، وهو عضو بالغ المرونة. فمن الممكن أن يمس "ذلق" اللسان أي جزء من الحنك الأعلى فيما بين الأسنان وابتداء "الحنك اللين" وكذلك سائر أجزاء اللسان تستطيع أن تمس مواضع مختلفة من الحنك الأعلى. كما أن الجزء الأمامي من اللسان قادر على الحركة إلى الجانبين، وكذلك يرتفع اللسان وينخفض. ٦- الشفتان ٤: الشفتان من أعضاء النطق المتحركة، وهما تتخذان أوضاعًا مختلفة عند نطق الأصوات المختلفة، ومن الممكن ملاحظة هذه الأوضاع بيسر وسهولة: تنطبق الشفتان فلا تسمحان للهواء بالخروج مدة من الزمن ثم تنفرجان فيندفع الهواء محدثا صوتا انفجاريا كما في نطق الباء. وتستدير الشفتان كما يحدث عند نطق "الضمة". وهما تتخذان وضعا مخالفا في نطق الكسرة العربية، وقد تفتح الشفتان حتى يتباعد ما بينهما إلى أقصى درجة، ويلاحظ أن فتح الشفتين ذو درجات مختلفة، واختلاف درجة فتح الشفتين يؤثر في طبيعة الصوت المنطوق. وهذا يلاحظه الذين يقومون بتدريس لغة أجنبية وخاصة في نطق "الصوائت".

стр. 106

٧- الأسنان ١: وهي من أعضاء النطق الثابتة، وهناك أسنان عليا، وأسنان سفلى، والأسنان تتخذ مواضع يعتمد عليها اللسان عند نطق بعض الأصوات "كما في التاء والدال مثلا". يظهر من هذا التعريف السريع بأعضاء النطق أن أعضاء النطق المتحركة هي: الوتران الصوتيان، والحنك اللين، واللسان، والشفتان، أما سائر أعضاء النطق فثابتة. ويلاحظ أن كل عضو من الأعضاء المتحركة قد يعمل وحده دون الاشتراك مع غيره من الأعضاء المتحركة أو قد يعمل مشتركا مع بعضها.

стр. 107

ب- آلية النطق ١: ١- تحدث الأصوات في العالم الطبيعي نتيجة قرع بجسم، أو نفخ بجسم أو احتكاك جسمين. إلخ، أما معظم الأصوات الكلامية فيحدثها عمود هوائي متحرك يجري خلال فراغ ضيق في الفم، أو الأنف، أو الحلق. وكون العمود الهوائي متحركا يستلزم وجود باعث على الحركة، وهذا يستلزم كذلك أن تكون نقطة بدء، ونقطة نهاية، وأن يسير في اتجاه خاص. ومن المستطاع التأثير في هذا العمود الهوائي في مواضع أخرى غير مبدئه وغير منتهاه. ولكي يتحرك عمود من الهواء في الفراغات الموجودة في جهاز النطق الإنساني فهو في حاجة إلى ما "يدفعه" أو إلى ما "يجذبه". ١- وقد يعترض مجرى الهواء في موضع أو أكثر فيما بين مصدره ومنتهاه: ويدفع الهواء بأن تنقبض جدران الرئتين فيندفع الهواء خارجهما، ولذلك فالرئتان في هذه الحال مصدر، "مجرى الهواء"، هما مبدأ "العمود الهوائي"، وجميع أصوات اللغة العربية في نطقها الطبيعي، تكون الرئتان هما باعث المجرى الهوائي المتخذ في نطقها.

стр. 108

٢- ولكن المجرى الهوائي قد يبدأ في مواضع أخرى، فقد يضغط اللسان على سقف الحنك الأعلى ويحرك إلى الوراء، وهو لا يزال ضاغطا على الحنك فينشأ نوع من "المص"١ ويندفع الهواء إلى الداخل ليملأ الفراغ الجزئي، وهذا هو ما يحدث عندما نرتشف شرابا بواسطة "ماصة". وإذا حدث في هذه الحالة أن يسد الوتران الصوتيان الطريق إلى الرئتين بينما ترفع الحنجرة، فإن الهواء المتجمع في الحلق يضغط ويضطر إلى الخروج عن طريق الفم أو الأنف. وهناك أصوات كلامية في بعض اللغات تحدث عن طريق تحريك العمود الهوائي بهذه الكيفية٢. ولما كانت طبيعة الصوت الكلامي تتأثر بالكيفية التي ينشأ بها المجرى الهوائي كان لزاما على دارس اللغة أن يتعرف مصدر المجرى الهوائي في كل صوت كلامي. ٣- ثم إن اتجاه المجرى الهوائي يؤثر كذلك في الصوت، والمجرى الهوائي -كما ذكرنا- يمكن تغييره والتأثير فيه في غير مبدئه ومنتهاه. والأعضاء التي تغير المجرى الهوائي وتضبطه إما أنها متحركة وإما أنها ثابتة، وعندما تؤثر هذه الأعضاء المتحركة في مجرى الهواء فنحن نستطيع أن نسميها "نواطق"٣، أما الأجزاء الثابتة من أعضاء النطق فيمكن اتخاذها وسائل للدلالة على حركة الأجزاء المتحركة. وعندما يمس عضو من الأعضاء الناطقة المتحركة عضوا آخر من هذه أو أحد الأجزاء الثابتة، فالاصطلاح جار على تسمية موضع التماس "التلاقي"، أو التقارب "موضع النطق"٤، وهكذا نستطيع أن نصنف أصوات أي لغة حسب مواضع نطقها، فنقسمها مثلا إلى "شفوية"، و"لثوية"، و"لهوية" و"حنكية"، و"حلقية" و"سنية" ... إلخ. ٤- وتأثير الأجزاء المتحركة من أعضاء النطق في المجرى الهوائي يحدث على صور كثيرة: منها أن يغلق الفم والأنف حتى يوقف مجرى الهواء وقفا تاما،

стр. 109

كما يحدث في نطق الباء، والتاء، والدال. وقد يوقف مجرى الهواء وقفا تاما في الحلق وقتا ما، وعندما ينقضي هذا الوقف التام الوقتي يندفع الهواء عن طريق الأنف أو الفم. وعلى هذا الأساس نستطيع تصنيف الأصوات حسب، "طريقة النطق"١ أو "هيئة النطق"١، فنقول مثلا: إن الصوت "انفجاري" أو "احتكاكي" ... إلخ "انظر تفصيل هذا فيما يلي". ٥- وقد يعترض مجرى الهواء في الوترين الصوتيين فيحدث عن ذلك ما أشرنا إليه من تذبذب الوترين أو عدم تذبذبهما، وعلى هذا الأساس نصنف الأصوات إلى "مجهورة"٢ و"مهموسة"٣.

стр. 110

٨- الصوت الكلامي ١: أ- يمكن أن نستنتج من وصفنا لجهاز النطق الإنساني أنه قادر على إحداث عدد كبير جدا من الأصوات الكلامية، ولكنا نستطيع أن نستنتج كذلك من الملاحظة السريعة غير الدقيقة للغات المختلفة أن كل لغة لا تصطنع إلا عددا محدودا من الأصوات، فنحن في العربية لا نستعمل جميع الأصوات التي يمكن أن يحدثها جهاز نطقنا. ويجب على دارس الأصوات اللغوية، أو علم اللغة بوجه عام، أن تتوافر له القدرة على وصف جميع الأصوات الكلامية الخاصة بأي لغة من اللغات. وكي يؤدي هذا فعليه أن يصطنع منهجا ما لتصنيف الأصوات. من الممكن أن تصنف الأصوات حسب تأثيرها السمعي، أي حسب خواصها السمعية، فنصنفها حسب، "ارتفاعها"، أو "انخفاضها"، أو حسب صفاتها الموسيقية. ووصف التأثير السمعي للأصوات ينتهي بنا إلى أن نطلق عليها أوصافا مثل "لينة" و"خشنة"، و"عذبة" ... إلخ، ولكن هذه الألفاظ لا تتصف بالدقة العلمية الواجبة في مثل هذه الدارسة ولن تفيدنا كثيرا في دراستنا اللغوية. استعملنا مصطلح "الصوت الكلامي" وجمعه "الأصوات الكلامية" دون أن نعرف طبيعته، ويحسن بنا قبل أن نتقدم إلى الحديث عن تصنيف الأصوات على أسس علمية دقيقة، أن نتعرف طبيعة الصوت الكلامي. ب- يكاد يتكون كل نطق أو كل "سلسلة كلامية" من عدد كبير من عناصر صغيرة لا يتشابه اثنان معها. وهذا واضح من الآثار الصوتية التي تسجلها للأصوات بعض الآلات كالأسيلوجراف وأسطوانات الجراموفون. فمن النادر جدا أن نجد قطعا من "سلسلة كلامية" يتماثل الصوت فيها طبيعة، وشدة، ودرجة، أي
следующие страницы →