وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع١
يقول: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، إذ لا مرد لقضاء الله, شبه الشاعر في نفسه المنية بالسبع في "الاغتيال" ثم تناسى التشبيه -على ما سبق- ثم أثبت لازم المشبه به للمشبه -ويقال- على رأي القوم بعد إجراء التشبيه: ثم استعير لفظ المشبه به، ثم حذف ورمز له بشيء من لوازمه، وأثبت للمشبه, والشاهد فيه: أن "الاغتيال" الذي هو وجه الشبه، يمكن حصوله بغير "الأظفار" "كالأنياب" مثلا غير أنه بالأظفار يكمل ويتم, والثاني كما في قول الشاعر السابق:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
يقول: إن نطقت بشكرك ليد لك علي، فإنني لأنطق بالشكاية منك؛ لأن ضرك أكثر من نفعك, والشاهد: أن وجه الشبه بين الحال، والإنسان المتكلم هو "الدلالة الواضحة"، وهي لا تتحقق بدون اللسان.
стр. 1087
فصل في شرائط حسن الاستعارة:
لا تقع الاستعارة موقعها من الحسن والقبول، إلا إذا توفرت الأمور الآتية بعد:
١- رعاية جهات حسن التشبيه، أي: مراعاة أسباب حسنه؛ لأنها مبنية عليه فهي تابعة له في الحسن والقبح, فإن حسن حسنت، وإن قبح قبحت.
فمن جهات حسن التشبيه: أن يكون التشبيه وافيا بالغرض منه, فإن كان الغرض مثلا: تزيين المشبه كوجه أسود، فشبه بمقلة الظبي ذات السواد الجميل، ثم
стр. 1088
استعير له لفظها حسنت الاستعارة لوفاء التشبيه بالغرض فإذا شبه الوجه الأسود بالفحم لإفادة معنى التزيين، ثم استعير له لفظه لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه، إذ لم يف بالغرض المقصود.
ومن جهات حسن التشبيه: أن يكون وجه الشبه غير مبتذل: بأن يكون غريبا لطيفا, إما لكثرة ما فيه من التفصيل، أو لكونه نادر الحضور في الذهن لعزة وجوده, كما في تشبيه الشمس بمرآة في كف الأشل، أو تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب- فإذا استعير لفظ المشبه به للمشبه في المثالين حسنت الاستعارة فيهما، لحسن التشبيه، لما فيه من الدقة بكثرة الاعتبارات في الأول، ولندور حضور صورة المشبه به في الذهن في الثاني, أما استعارة لفظ "الشمس"، للإنسان ذي الوجه المشرق، أو استعارة الورد للخد ذي اللون الأحمر، فليست بذات حسن، لفوات الحسن في التشبيه، بسبب ابتذاله، لوضوح الوجه فيه.
ويستثنى من جهات حسن التشبيه شيء واحد، تحسن فيه الاستعارة، وإن لم يحسن التشبيه, وهو أن يقوى الشبه بين الطرفين جدا، حتى إنه ليخيل لك أنهما متحدان, كالشبه بين العلم والنور, أو بين الشبهة والظلمة, ففي هذين المثالين تحسن الاستعارة فتقول: "في قلبي نور" أي: علم, ولا يحسن التشبيه، فلا تقول: "في قلبي علم كالنور"، وتقول: "في قلبي ظلمة" أي: شبهة, ولا يحسن أن تقول: في قلبي شبهة كالظلمة.
وإنما قبح التشبيه فيما ذكرنا لقوة الشبه بين الطرفين، حتى كأنهما شيء واحد، فإجراء التشبيه بينهما بمثابة تشبيه الشيء بنفسه، وحسنت فيه الاستعارة لاختفاء شبح التشبيه لفظا.
٢- أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح، ولذلك كانت الاستعارة المرشحة أكثر قبولا، وألذ طعما في ذوق البلغاء من أختيها: المجردة، والمطلقة.
стр. 1089
٣- ألا يشتم فيها رائحة التشبيه لفظا١. بألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه كما تقول: "زارنا قمر في منزلنا" فليس في العبارة لفظ صريح يفصح عن المشبه, بخلاف قول الشاعر السابق:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
فإن استعارة "القمر" للإنسان الجميل قليلة الحسن, كما يقولون٢ لما فيها من إشمام رائحة التشبيه، بسبب ذكر لفظ دال على المشبه، وهو الضمير في "غلالته"، أو في "أزراره"، وهذا يتنافى مع ما ترمي إليه الاستعارة من تناسي التشبيه، ودعوى اتحاد الطرفين.
ومما ينبغي أن يعلم هنا: أن المراد بإشمام التشبيه المشروط نفيه في حسن الاستعارة: ما لا يخرج به الكلام عن نطاق الاستعارة، كما في البيت المذكور ونحوه: مما يذكر فيه المشبه على وجه لا ينبئ عن التشبيه, بخلاف ما لو ذكر فيه المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه نحو: "خالد أسد" من كل ما لا يصح فيه الحمل إلا على تقدير التشبيه، أو صرح فيه بوجه الشبه، أو الأداة، فإن مثل هذا الإشمام مبطل للاستعارة، فنفيه شرط لصحتها، لا لحسنها.
٤- ألا يكون وجه الشبه خفيا جدا، بحيث لا يدرك بغير تأمل. وإذن فلا يحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم المنتن، لخفاء وجه الشبه، إذ إن انتقال الذهن من معنى "الأسد" إلى الرجل: إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الأسد، وهو الجرأة، لا البخر، فاستعار لفظ "الأسد" للأبخر، حينئذ يعد إلغازا وتعمية في المراد, ذلك: أن من شروط حسن الاستعارة- كما عرفت-
стр. 1090
عدم إشمامها رائحة التشبيه، وذلك مما يبعدها عن الحقيقة، فإذا انضم إلى ذلك خفاء وجه الشبه ازدادت بعدا، فخفيت على الفهم، وصارت إلغازا, ومن هنا يعلم: أن التشبيه أعم محلا، إذ كل ما يتأتى فيه الاستعارة يتأتى فيه التشبيه، من غير عكس لجواز أن يكون وجه الشبه غير جلي، فتصير الاستعارة إلغازا كما في المثال المذكور.
هذا: والاستعارة التمثيلية كالتحقيقية في أن حسنها يكون بما ذكرنا من الأمور السابقة، إذ لا فارق بينهما إلا من حيث الإفراد والتركيب, والمكنية كذلك حسنها برعاية جهات حسن التشبيه, والتخييلية قرينة المكنية -كما علمت- فحسنها حينئذ تابع لحسن المكنية.
стр. 1091
فصل في المجاز بالحذف والزيادة:
اعلم أن لفظ "مجاز" كما يطلق على الكلمة المنقولة من معناها الأصلي إلى غيره ما سبق، يطلق أيضا على الكلمة المنقولة من حكم إعرابها الأصلي إلى غيره بسبب حذف لفظ أو زيادة.
فالأول كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ، فكل من لفظي "ربك والقرية" مجاز بالحذف١ إذ ليس الكلام محمولا على ظاهره، لاستحالة مجيء الرب سبحانه في الآية الأولى، وللقطع بأن المراد: سؤال أهل القرية، لا سؤال الأبنية في الثانية, وأصل الكلام: وجاء أمر ربك، واسأل أهل القرية، فهما في الأصل مجروران بالإضافة ثم نقلا عن هذا الحكم الإعرابي، بسبب حذف المضاف، وجعل الأول مرفوعا على الفاعلية، والثاني منصوبا على المفعولية.
والثاني كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على القول بزيادة الكاف، فقوله: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ مجاز بالزيادة، أي: زيادة الكاف؛ لأن المقصود نفي أن يكون شيء مثل الله
стр. 1092
سبحانه، لا نفي أن يكون مثل مثله، إذ لا مثل له، حتى ينفي عن ذلك المثل من يكون مثله, فالحكم الإعرابي "لمثل" حينئذ هو النصب؛ لأنه خبر "ليس" ثم نقل عن هذا الحكم، وجعل مجرورا بسبب زيادة الكاف.
من هذا البيان يتضح: أن الموصوف بالمجاز في هذا النوع, هو الكلمة التي تغير إعرابها، كما في الأمثلة المذكورة، خلافا لما ذهب إليه السكاكي.
فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغييرا في الإعراب، فلا توصف الكلمة بالمجاز, مثال ذلك في الحذف قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، فإن أصله: أو كمثل ذوي صيب، فحذف "ذوي" لدلالة قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ عليه، ضرورة أن هذه الضمائر لا بد لها من مرجع, وحذف "مثل" لما دل عليه عطفه على قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ .
ومثال الزيادة قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ففي مثل هذين المثالين لا توصف الكلمة، "بالمجاز" لعدم تغيير إعرابها, كما رأيت.
стр. 1093
أسئلة وتطبيق على المجاز المركب بقسميه
١- عرف المجاز المركب، وقسمه، ومثل لكل قسم.
٢- عرف الاستعارة التمثيلية، وبين وجه تسميتها بهذا الاسم، ومتى تسمى "مثلا", مثل لما تقول.
٣- بين أنواع المجاز فيما يأتي: مع السبط في الإجابة:
١-
تصرمت منا أويقات الصبا ... ولم نجد من الشيب مهربا
стр. 1094
٢-
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلب في أنيابها العطب
٣-
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
٤-
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
٥-
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
٦-
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
٧-
وليس يصح في الأدهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
٤- أجر الاستعارة التمثيلية فيما يأتي:
١- أتطلب أثرا بعد عين؟ فيمن ترك الشيء ثم طلبه بعد ذهابه.
٢- أسمع جعجعة ولا أرى طحنا, فيمن يعد ولا يفي.
٣- أرى خالا١، ولا أرى مطرا, لكثير المال، لا يصاب منه خير.
٤- تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها, لمن يصرف نفسه عن خسيس المكاسب.
٥- يقول الشاعر:
ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخل؟
يضرب لذي المنظر الحسن، ولا خير فيه.
٦- رجع بخفي حنين, لمن يعمل عملا، فيخيب فيه.
стр. 1095
٧- رمية من غير رام, لمن يصدر منه فعل حسن ليس له أهلا.
٨- عند الصباح يحمد القوم السرى, لمن تحمل المشقة رجاء الراحة.
٩-
بالملح نصلح ما نخشى تغيره ... فكيف بالملح إن حلت به الغير
يضرب لمن فسدت حاله، ممن هو قدوة لغيره كرجال العلم والدين.
١٠- وعند جهينة الخبر اليقين, لمن يعرف الشيء على وجهه, ومثله: على الخبير وقعت.
جواب السؤال الثالث:
١- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في معنى التحسر، علاقته اللزوم، إذ إن الأخبار بتصرم أوقات الصبا يستلزم التحسر على ذهابها، والقرينة حالية, أو أن معنى التحسر مستفاد من طريق التلويح والإشارة.
٢- في البيت استعارة تمثيلية: شبه هيئة من يغر الناس ويخدعهم بلينه الظاهري، ثم يعود، فيؤذيهم, بهيئة الأفاعي اللينة الملمس، الشديدة الأذى بجامع هيئة شيء لين المجس، ناعم الملمس، ينطوي على شيء ضار، شديد الضرر، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه.
٣- في البيت استعارة تمثيلية, شبه هيئة من علا قومه: بحيث لا يباريه أحد مهما أجهد نفسه: بهيئة الشمس، لا ضريب لها من الكواكب، وإن أجهدت نفسك في البحث عنه، بجامع هيئة الشيء يعلو فيفوق غيره, بحيث لا يطمع في محاكاته، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه.
٤- في البيت مجاز مرسل مركب علاقته اللزوم: من استعمال الخبر في معنى
стр. 1096
التحسر على فقدان الخلان, أو أن معنى التحسر مستفاد من طريق التلويح والإشارة على ما يبدو لي.
٥- في البيت استعارة تمثيلية: شبهت هيئة من علت منزلته إلى حيث لا يتأثر بشيء بهيئة من سكن فوق الشمس: بجامع هيئة الشيء يسمو حتى لا يؤثر فيه، ولا يصل إليه شيء، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه.
٦- في البيت مجاز مرسل مركب علاقته الملزومية، إذ إن الاستفهام عن مضمون مثل هذا الكلام يستلزم إنكاره -والقرينة حالية- ويصح أن يكون استعارة تمثيلية، يقال في إجرائها: شبه هيئة من لا يفرق بين الخير والشر، والضار والنافع، ولم يهتد إلى الصواب بعقله: بهيئة من لا يفرق بين النور والظلمة لخلل في بصره.
٧- في البيت استعارة تمثيلية: شبه حال من لا يعترف بالفضل لذويه، رغم وضوحه وشهرته, بحال من يحتاج إلى دليل على وجود النهار، بجامع هيئة من يجهل جهلا مطبقا، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه والقرينة حالية.
اختبار:
٥- عرف الاستعارة المكنية على المذهبين، ومثل لها، مع إجرائها فيما تمثل به على الرأيين، ثم بين علة تسميتها مكنية على كلا المذهبين:
٦- يقولون إن قرينة المكنية استعارة تخييلية، وأنهما متلازمتان، بين علة هذه التسمية، ووجه هذا التلازم.
٧- بين نوع طرفي الاستعارة التخييلية، في مثال من عندك.
٨- اذكر بالإجمال الأسباب الموجبة لحسن الاستعارة مع التمثيل.
٩- ما السر في قبح التشبيه في نحو: في قلبي علم كالنور، وما السر في حسن الاستعارة فيه، وما علة كون الاستعارة في قول الشاعر: قد زر أزراره على القمر، وفي نحو رأيت أسدا، أي: أبحر، قليلة الحسن, اشرح ذلك شرحا وافيا.
стр. 1097
مبحث الكناية
مدخل
...
مبحث الكناية:
تعريفها: هي -في اللغة- أن تتكلم بالشيء، وتريد غيره, وهي مصدر كنيت عن كذا بكذا، إذا تركت التصريح به, وبابه رمى يرمي، وورد كنوت بكذا عن كذا، من باب دعا يدعو، وقد أنشد الجوهري:
وإني لأكنو عن قدور١ بغيرها ... وأعرب أحيانا بها وأصارح
والأول أفصح، بدليل قولهم في المصدر: "كناية" ولم يسمع كناوة.
وهي -في الاصطلاح- لفظ أطلق، وأريد به: لازم معناه الحقيقي, مع جواز إرادة هذا المعنى، مع المعنى المراد.
ففي التعريف قيدان:
١- إرادة لازم٢ المعنى الحقيقي.
٢- جواز إرادة هذا المعنى، مع المعنى الكنائي.
وبالقيد الأول: يخرج اللفظ الذي أريد به معناه الحقيقي، وهو الحقيقة الصرفة كالأسد، مرادا به, الحيوان المفترس.
وبالقيد الثاني يخرج المجاز، إذ لا يجوز فيه إرادة المعنى الحقيقي، مع المعنى المجازي لاشتراطنا في قرينته: أن تكون مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. كما تقول: "كلمني أسد" فلا يجوز هنا أن يراد: الحيوان المفترس؛ لأن فيه قرينة تمنع من ذلك، هي قوله: "كلمني" إذ إن الكلام من شأن الإنسان، لا من شأن الأسود, وهذا هو مدار الفرق بين الكناية والمجاز.
ومن هنا يعلم: أن الكناية واسطة بين الحقيقة والمجاز، فهي ليست حقيقة.
стр. 1098
اللفظ لم يرد به معناه الحقيقي، بل أريد به لازمه, وليست مجازا؛ لأن المجاز لا بد له -كما قلنا- من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي -بخلاف الكناية- مثالها قول الشاعر:
طويل نجاد السيف شهم كأنما ... يصول -إذا استخدمته بقبيل١
ففي قوله: "طويل نجاد السيف" كناية عن طول القامة, فالمعنى الحقيقي لهذا اللفظ هو أن نجاده طويلة، وليس هذا مرادا، إنما المراد: لازم هذا المعنى، وهو أنه طويل القامة، إذ يلزم -عادة- من طول النجاد: أن تكون القامة طويلة, ويصح مع هذا إرادة المعنى الحقيقي أيضا: بأن يراد المعنيان جميعا, طول النجاد وطول القمة، وإن كان المقصود بالذات: المعنى الكنائي, ومثله قوله: "فلان نظيف اليد" كناية عن نزاهته فالمعنى الحقيقي للفظ: هو أن يده نقية من الأقذار، ولكنه ليس مردا، بل المقصود لازم هذا المعنى، وهو أنه نزيه، لا يفعل ما يلوث شرفه، وتجوز إرادة المعنيين -كما عرفت- ومثله أيضا قولهم: "فلانة نئوم الضحى" كناية عن أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، ويقوم بشئونها، فالمعنى الحقيقي للفظ: أن المرأة كثيرة النوم إلى الضحى. وليس هذا مرادا، إنما المقصود: ما يلزم هذا المعنى، وهو أنها من ذوات الترف والنعمة، عندها من يقوم بتدبير أمرها، وإصلاح شأنها, وتجوز إرادة المعنيين معا....وهكذا.
تنبيه:
ليس بلازم في الكناية: أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المكني به متحققا في الواقع، إذ يصح أن تقول: "فلان طويل النجاد" كناية عن طول قامته، وإن لم يكن له نجاد، بل تصح الكناية، حتى مع استحالة المعنى الحقيقي كما في قولهم:
стр. 1099
"المجد بين برديه" و"الكرم تحت ردائه" كناية عن إثبات المجد والكرم للممدوح، فإن المعنى الحقيقي لكل من العبارتين، وهو: حلول المجد بين البردين، وحلول الكرم تحت الرداء مستحيل الحصول، إذ إن الحلول الحسي بين الأشياء أو تحتها من شأن الأجسام، لا المعاني, وكما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كناية عن الاستيلاء والسيطرة، فالمعنى الحقيقي للاستواء هو الجلوس. وهذا المعنى مستحيل على الله سبحانه.
ومن هذا البيان يتبين: أن الشرط في الكناية جواز إرادة المعنى الحقيقي، لا إرادته، لامتناع إرادته فيما ذكرنا.
стр. 1100
أقسام الكناية:
تنقسم الكناية باعتبار المعنى المكني عنه إلى ثلاثة أقسام:
١- كناية يطلب بها صفة١.
٢- كناية يطلب بها موصوف.
٣- كناية يطلب بها نسبة صفة إلى موصوف.
فالأولى: وهي المطلوب بها صفة, ضابطها: أن يصرح بالموصوف وبالنسبة إليه، ولا يصرح بالصفة المطلوب نسبتها وإثباتها، ولكن يذكر مكانها صفة تستلزمها كما في المثال السابق: "فلان طويل النجاد" كناية عن طول قامته، فقد صرح فيه بالموصوف، وهو "فلان" وصرح بالنسبة إليه، وهي "إسناد طويل النجاد إليه" ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي طول القامة، ولكن ذكر مكانها صفة أخرى تستلزمها، هي طول النجاد, ومثله قولنا السابق: "فلانة نئوم الضحى" كناية عن أنها مترفة من ذوات اليسار. فقد صرح بالموصوف، وهو "فلانة"، وصرح بالنسبة إليها وهي إسناد نوم الضحى إليها، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي كونها مترفة منعمة, لكن ذكر مكانها صفة تستلزمها، هي النوم إلى الضحى
стр. 1101
إذ يلزم من النوم إلى ضحوة النهار: أن يكون هناك من يتولى شئونها، فهي إذن من ذوات النعمة والترف. وهكذا.
وهذه الكناية ضربان: قريبة، وبعيدة.
فالقريبة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المعنى المقصود بلا واسطة بين المعنى المنتقل عنه، والمنتقل إليه كما في المثال السابق: "فلان طويل النجاد" فإن المطلوب بهذا القول، صفة هي طول القامة -كما بينا- وليس بين طول النجاد، وطول القامة واسطة- وسميت "قريبة" لقصر زمن إدراك المقصود منها، بسبب انتفاء الواسطة.
وهي نوعان: واضحة، وخفية.
فالواضحة: ما يفهم منها المقصود لأول وهلة لوضوح اللزوم بين المعنى المكني به والمكني عنه كما تقدم في نحو: "فلان طويل النجاد" فإن طول القامة يفهم من طول النجاد، بلا حاجة إلى تأمل، لوضوح اللزوم بين المعنيين ومثله قول العرب: "فلانة بعيدة مهوى القرط" فمهوى القرط هو المسافة بين شحمة الأذن إلى الكتف، وطول هذه المسافة يفهم منه: أن العنق طويل، بلا حاجة إلى تأمل. لوضوح اللزوم بين طول المسافة المذكورة، وطول العنق يقول الشاعر:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر١
يريد، طويلة الجيد، وهو من محاسن الصفات في المرأة, يدعو على نفسه بالتقاعس والعجز عن الأخذ بالثأر من المعتدين، وبأخذ الدية بدل الدم, إن لم يتزوج على امرأته بأخرى، موصوفة بهذه الصفات.
стр. 1102
والخفية: ما لا يفهم منها المقصود إلا بعد شيء من التأمل والتفكير لخفاء اللزوم بين المعنى المكني به والمكني عنه, كما تراه في قولهم: "فلان عريض القفا، أو كبير الرأس" كناية عن أنه بليد أبله، فإن عرض القفا بإفراط، أو كبر الرأس كذلك مما يستدل به -في العادة- على البلادة والبلاهة, كما يقولون، وفي العكس دليل الذكاء والنباهة, ألا ترى إلى قول طرفة بن العبد:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد١
فالخشاش صغير الرأس، وقد جعله دليلا على توقد الذهن، إلا أن فهم ذلك منه، أو من عكسه، يتوقف على إعمال فكر وروية؛ لأن اللزوم بين المعنيين، فيه نوع خفاء لا يدركه كل أحد.
والبعيدة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المقصود بواسطة, كما تراه في قولهم: "فلان كثير الرماد" كناية عن أنه سمح جواد: فالمطلوب بهذه الكناية صفة هي "الجود" وبين كثرة الرماد، وصفة الجود وسائط عدة، لا بد من مراعاتها للوصول إلى هذه الصفة، فينتقل الذهن أولا من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، إلى كثرة الطبخ، ثم إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الأضياف، ومنها إلى صفة الجود, ومثله قول الشاعر:
وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل٢
فقد كنى عن جوده، وكثرة قراه للأضياف، بجبن الكلب، وهزال الفصيل, إذ ينتقل للذهن من جبن الكلب عن الهرير في وجه من يدنو من دار صاحبه إلى استمرار ما يوجب نباحه, وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ثم ينتقل من
стр. 1103
هذا إلى كون صاحبه مقصد الداني والقاصي، ومن هذا إلى أنه يقري الأضياف، ومنه إلى صفة الجود, كذلك ينتقل الذهن من هزال الفصيل إلى فقد أمه بنحرها١ ومنه إلى قوة الداعي إلى نحرها لكمال عناية العرب بالنوق، لا سيما المتليات٢ منها، ومنه ينتقل الذهن إلى إعدادها للطبخ، ومنه إلى أنه مضياف كريم, ومن هذا النوع قول نصيب:
وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بابنتها الزائرة٣
وبيان الكناية فيه: أن استئناس الكلب بالزائرين عنوان معرفته بهم؛ لأن الكلب إنما يأنس بمن يعرف، ومعرفته بهم دليل اتصال مشاهدته إياهم ليل نهار، وهذا دليل على أن دار الممدوح محط الرحال، وملتقى الآمال، وهذا يدل على ما أراده الشاعر، من وفور إحسان الممدوح، وسعة جوده. وقد بعدت المسافة بين أنس الكلب بالزائرين، وكرم الممدوح -على ما رأيت- وكون الكلب آنس من الأم مبالغة في استثنائه بالزوار, وهو يستتبع المبالغة في وصف الممدوح بالكرم, ونظير ذلك مع زيادة لطف قول الآخر:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم٤
فإن حب الكلب للضيف حتى إنه ليكاد يكلمه دليل شدة معرفته به، وهذا دليل كثرة مشاهداته إياه لكثرة تردده على الدار، وذلك دليل وفرة الجود في المزور, ومثله قوله الشاعر:
لا أمتع العوذ بالفصال ... ولا أبتاع إلا قريبة الأجل٥
стр. 1104
ذلك: أن حرمان العوذ من أن ترى فصالها، وتمتع بها، دليل على أنه ينحر فصالها، ولا يبقيها، وهذا دليل كثرة القرى الدالة على وفرة الجود ابتياعه لما قرب أجلها، دليل أنها لا تبيت عنده حية، ومعنى هذا: أنه ينحرها, وهذا دليل كثرة القرى الدالة على الجود.
فكل هذه الأمثلة من الكنايات البعيدة، لوجود الواسطة بين المعنى المكني به والمكني عنه، المقتضي لبعد زمن إدراك المقصور منها.
والثانية: وهي الكناية المطلوب بها موصوف ضابطها: أن يصرح بالصفة وبالنسبة، ولا يصرح بالموصوف المطلوب النسبة إليه، ولكن بذكر مكانه أو صفته أو أوصاف تختص به، وتدل عليه، كما في قولك "فلان صفا لي مجمع لبه" كناية عن قلبه، فقد صرح في هذه الكناية بالصفة وهي "مجمع اللب"، وبالنسبة وهي إسناد الصفاء إليها, ولم يصرح بالموصوف المطلوب نسبة الصفاء إليه، وهو القلب، لكن ذكر مكانه وصف خاص به، وهو كونه "مجمع اللب"، فإن القلب -كم يقولون- موضع العقل والتفكير.
وهذه الكناية أيضا نوعان:
الأول: ما تكون الكناية فيه معنى واحدا, كما في المثال السابق "صفا لي مجمع ليه"، فإن مجمع اللب المكني به عن القلب معنى واحد -كما ترى- وكما في قول الشاعر:
الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان١
يصف الشاعر قومه بالبسالة, وحسن البلاء في الحروب، وأن سيوفهم لا تعرف
стр. 1105
غير المقاتل جفا, كنى بمجامع الأضغان عن القلوب، وهي معنى واحد: إذ المراد بوحدة المعنى هنا: ألا يكون من أجناس مختلفة وإن كان مثنى أو جمعا, وكون القلب مجمع الضغن وصف خاص به، فلا يحل الضغن في غيره, وقد صرح في هذه الكناية بالصفة، وهي كون القلوب مجامع الأضغان، وبالنسبة الإيقاعية، وهي إيقاع الطعن على هذه المجامع، ولم يصرح بالموصوف المطلوب نسبة إيقاع الطعن عليه، وهو القلوب، ولكن ذكر مكانها وصف خاص بها هو كونها مجامع الأضغان. ومثله قول البحتري من قصيدة يذكر فيها فتكه بذئب:
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد١
يقول: أتبعت طعنة بطعنة، أخفيت بها شباة السيف في القلب الذي هو موطن لكل من هذه الأمور الثلاثة, وذلك وصف خاص به، فصح أن تكون كناية, وإنما لم يكن هنا مجموع معان مختلفة؛ لأنها ثلاث كنايات، لا كناية واحدة لاستقلال كل واحد منها بإفادة المقصود.
والثاني: ما تكون الكناية فيه مجموع معان مختلفة، ضم بعضها إلى بعض، فتكون جملتها مختصة بالموصوف، فيتوصل بذكرها إليه, كما يقال في الكناية عن الأسد: روعنا حي، منتفش اللبدة، رهيب الزئير، وكما يقال في الكناية عن الغراب: راعنا مخلوق حديد البصر، شديد الحذر، خفي السفاد، فالكناية في كل من هذين المثالين مجموع هذه الأوصاف، وهو في الأول وصف خاص بالأسد، لا يوجد في سواه، وفي الثاني وصف خاص بالغراب, ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر﴾ ٢ فهو كناية يراد بها موصوف، هو "السفينة" لأن مجموع الأمرين, الألواح والدسر، مشدودا أحدهما إلى الآخر: وصف خاص بالسفينة.
стр. 1106
الثالثة: وهي المطلوب بها نسبة -إثباتا أو نفيا- ضابطها أن يصرح بالموصوف وبالصفة ولا يصرح بالنسبة بينهما، ولكن يذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها- مثالها- في الإثبات- قولهم: "المجد بين ثوبيه، والكرم ملء ردائه" كناية عن إثبات المجد والكرم له، فقد صرح في هاتين الكنايتين بالموصوف وهو مدلول الضمير وصرح بالصفة، وهي المجد أو الكرم، ولكن لم يصرح بنسبة المجد أو الكرم إليه، وإنما ذكر مكانها نسبة أخرى، هي نسبة المجد إلى ثوبيه، أو نسبة الكرم إلى ردائه إثباتا. وهي تستلزم نسبة المجد أو الكرم إلى الممدوح: من حيث وجود المجد بين ثوبيه المحيطين به. أو كون الكرم ملء ردائه الخاص به، مع استحالة قيام المجد أو الكرم بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح له, ومنه قول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج١
كنى عن إثبات هذه الثلاثة للممدوح، بإثباتها لقبة ضربت عليه، فقد صرح بالموصوف وهو "ابن الحشرج" وصرح بالصفة وهي مجموع هذه الأمور المذكورة: من السماحة والمروءة والندى، ولكن لم يصرح بنسبتها إلى الممدوح، وإنما ذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها، هي نسبتها إلى قبة ضربت عليه؛ لأنه إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه، فقد أثبت له، لما قلنا من استحالة قيام الوصف بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح له, ومثال الكناية المذكورة في النفي قول الشنفرى الأزدى، يصف امرأة بالعفة والنزاهة:
يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
كنى بالمصراع الأول عن نفي اللوم عنها, فقد صرح بالموصوف، وهو مدلول
стр. 1107
الضمير في "بيتها" أي: المرأة، وصرح بالصفة، وهي اللوم المنفي في قوله: بمنجاة من اللوم، ولم يصرح بنسبة نفي اللوم عنها، ولكن ذكر مكانها نسبة أخرى، هي نفي اللوم عن بيت يحتويها. وهذا يستلزم نفي اللوم عنها، وعبر بلفظ "يبيت" دون "يظل" لمزيد اختصاص الليل بأفعال الفحش، وارتكاب المآثم. ومثله قولهم: "مثلك لا يبخل" كناية عن نفي البخل عن المخاطب على أبلغ وجه؛ لأنه إذا نفى البخل عمن هو على أخص صفاته، فقد نفى عنه بالطريق الأولى, وهو أبلغ من قولهم: "أنت لا تبخل" "لأنها دعوى غير مدللة -بخلاف الأول- ونظيره قولهم: "العرب لا تخفر الذمم" فهو أبلغ من قولك" أنت لا تخفر الذمم".
خاتمة:
أطبق علماء هذا الفن على المجاز أبلغ١ من الحقيقة وأن الكناية أبلغ من التصريح وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه، والمجاز المرسل والكناية.
أما وجه الأبلغية في المجاز والكناية؛ فلأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم٢ فهو كدعوى الشيء ببينة٣، ذلك أنك حين تقول متجوزا: "رأيت أسدا على المنبر" إنما تريد أن تقول: رأيت رجلا مقداما على المنبر، وهذه دعوى قام عليها دليلها، هو
стр. 1108
إثبات معنى الأسدية له، إذ يلزم من كونه أسدا: أن يكون مقداما جريئا، للزوم الإقدام والجرأة للأسد, وأنك حين تقول مكنيا: "محمد طويل النجاد" إنما تريد أن تقول: محمد طويل القامة، وهي أيضا دعوى قام عليها دليلها هو اتصافه بطول النجاد، إذ يلزم من كونه طويل النجاد: أن تكون قامته طويلة, وكأنك قلت في الأولى: رأيت مقداما على المنبر لأنه أسد، وقلت في الثاني: محمد طويل القامة؛ لأنه طويل النجاد.
أما الحقيقة في نحو: "رأيت رجلا مقداما على المنبر" والتصريح في نحو: "محمد طويل القامة" فدعويان لم يقم عليهما دليل، وما كان مؤيدا بدليل أبلغ وآكد مما لم يدعم بدليل، يثبت أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح.
ووجه أبلغية الاستعارة على التشبيه: هو أن الاستعارة نوع من المجاز، مبني على دعوى اتحاد المشبه والمشبه به، والتشبيه نوع من الحقيقة، وقد أثبتنا أن المجاز أبلغ من الحقيقة.
ووجه أبلغية الاستعارة على المجاز المرسل: ما فيها من دعوى الاتحاد لفظا ومعنى, أما لفظا فلإطلاق لفظ المشبه به على المشبه, وأما معنى فلإدخال المشبه في جنس المشبه به، واعتباره أحد أفراده, بخلاف المجاز المرسل نحو: "امطرت السماء نباتا" فإن فيه دعوى الاتحاد لفظا فقط: من حيث إطلاق اللفظ على المعنى, وأما الاتحاد في المعنى فغير موجود فيه. إذ ليس بين المعنيين "كالماء والنبات" في المثال المذكور تشابه ما، حتى يدعى اتحادهما.
ووجه أبلغية الاستعارة على الكناية من وجهين:
الأول: أن في الاستعارة جمعا بين كناية واستعارة: من حيث إن فيها انتقالا من الملزوم "كالأسد" إلى اللازم "كالشجاع", كما ينتقل في الكناية من "طول
стр. 1109
النجاد" مثلا إلى "طول القامة"، ومن حيث إن فيها استعمال اللفظ. في غير المعنى الموضوع له لعلاقة المشابهة.
الثاني: أن الاستعارة مجاز قطعا, بخلاف الكناية ففي مجازيتها خلاف بين علماء البلاغة مبسوط في محله.
تنبيه:
ليس معنى الأبلغية في هذه الثلاثة: أنها تفيد زيادة في أصل المعنى، لا يفيدها غيرها, إنما المراد: أنها تفيد تأكيدا لإثبات المعنى، لا يوجد في سواها، فليست فضيلة قولنا: "رأيت قمرا" على قولنا: "رأيت وجها لا يقل عن القمر في إشراقه وبهائه": من حيث إن الأول أفاد زيادة في مساواة الوجه المقمر في إشراقه لم يفدها الثاني، إذ إن التركيبين في إفادة هذا المعنى سواء, إنما ميزة الأول على الثاني: من حيث إن الأول أفاد تأكيدا وتقديرا لإثبات معنى المساواة، دون الثاني, لما في التركيب الأول من دعوى الاتحاد، والتعبير عن المشبه بلفظ المشبه به, ودلالة دعوى الاتحاد على معنى المساواة -كما في التركيب الأول- أبلغ من التنصيص على المساواة, كما في التركيب الثاني.
كذلك: ليست فضيلة قولنا: "محمد طويل النجاد" على قولنا: محمد طويل القامة: من حيث إن التركيب الأول أفاد زيادة في معنى الطول لم يفدها الثاني، فإن التركيبين في ذلك سواء, إنما فضل الأول على الثاني من ناحية أن الأول أفاد تأكيدا وتقريرا لإثبات معنى الطول، دون الثاني، لما في التركيب الأول من الدعوى المستندة إلى الدليل كما بينا سابقا, ودلالة دعوى الشيء مؤيدة بدليل, كما في التركيب الأول: أبلغ من التنصيص عليه غفلا عن الدليل كما في التركيب الثاني, يدرك ذلك ذو الذوق السليم.
هذا. والاستعارة التمثيلية أبلغ أنواع الاستعارة؛ لأنها إنما تكون في الهيئات
стр. 1110
المنتزعة من أمور متعددة، فهي كثيرة الاعتبارات والملاحظات، لا يوفق فيها إلا من أوتي حسن روية، وبعد نظر, ويليها في الأبلغية، الاستعارة المكنية لاشتمالها على المجاز العقلي في قرينتها, أما التصريحية ففي المرتبة الثالثة.
اختبار:
١- عرف الكناية لغة واصطلاحا، وبين ما احترز عنه في التعريف وهل هي من قبيل الحقيقة، أو من قبيل المجاز، بين ذلك بوضوح مع التمثيل.
٢- بين مناط الفرق بينها وبين المجاز وكيف صحت الكناية في قولهم: المجد بين برديه، والكرم تحت ردائه، مع استحالة حصول المعنى الحقيقي.
٣- اذكر أقسام الكناية باعتبار المكني عنه، وضابط كل منها، مع التمثيل لكل ما تذكر، ومع تقسيم الكناية المطلوب بها صفة, وتصريف كل قسم, والتمثيل له.
٤- إلام تنوع الكناية المطلوب بها موصوف؟ مثل لكل نوع، ثم بين نوع الكناية في البيت الآتي:
ودبت له في موضع الحلم علة ... لها كالصلال الرقش شر دبيب١
تمرينات منوعة:
١- ائت من مأثور الكلام بكنايات ثلاث مختلفة الأغراض، مع بيان المعنى الكنائي في كل منها.
стр. 1111
٢- روي أن امرأة وقفت على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي، فقال: ما أحسن ما روت عن حاجتها، املئوا بيتها خبزا، وسمنا.
ويروى: أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك، فقالت: يا أمير المؤمنين: مشت جرذان بيتي على العصى، فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم. لأردنها تثب وثب الفهود, وملأ بيتها حبا.
بين ما في هذين الخبرين: من المعنى الكنائي، مع بيان نوع الكناية فيهما، وهل هما من نوع واحد أو مختلفان.
قال الشاعر:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
يريد أخذت دية: في هذا البيت مجاز وكناية، وضح كلا منهما وبين نوعه.
٤- ضع يدك على موضع الكناية، وبين نوعها، واشرحه شرحا وافيا فيما يأتي:
١-
لا يرفع الضيف عينا في منازلنا ... إلا إلى ضاحك منا ومبتسم
٢-
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل١
٣-
وإذا الكريم أضاع مطلب أنفه٢ ... أو عرسه لكريهة لم يغضب
стр. 1112
٤-
ولما شربناها ودب دبيبها ... إلى مواطن الأسرار قلت لها قفي١
٥-
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
٦- فلان يفترش الثرى، ويتوسد الجنادل.
٧- فلان ملء إهابه الكرم، وحشر ردائه الفضيلة.
стр. 1113
الفهرس:
الموضوع الصفحة
مقدمة ٣
علم البيان ٥
مبحث التشبيه ٧
منزلة التشبيه من علم البيان ٨
تعريف التشبيه ١٢
أركان التشبيه ١٦
مباحث التشبيه ١٧
اختبار ٢٥
تمرينات منوعة ٢٦
مبحث وجه الشبه ٣٠
اختبار وتمرين ٣٤
التقسيم الثاني ٣٦
التقسيم الثالث ٣٧
اختبار ٤٠
المركب الحسي ٤١
المتعدد الحسي ٤٣
المتعدد العقلي ٤٥
اختبار ٥٢
стр. 1114
الموضوع الصفحة
التقسيم الرابع ٥٣
التقسيم الخامس ٥٥
اختبار ٥٩
التقسيم السادس
وأسباب وضوح وجه الشبه ٦٠
معنى التفصيل في الوجه ٦٣
أوجه التفصيل ٦٤
التشبيه المشروط ٦٨
اختبار ٧٠
تمرينات منوعة ٧١
أدوات التشبيه ٧٣
تقسيم التشبيه باعتبار الأداة ٧٦
اختبار ٧٨
تمرينات منوعة ٧٩
تمرينات منوعة ٨١
مراتب التشبيه ٨٢
اختبار ٨٥
مبحث الحقيقة والمجاز ٧٨
اختبار ٩٢
تقسيم المجاز المفرد ٩٣
المجاز المرسل ٩٣
اختبار ١٠١
الاستعارة ١٠٣
اختبار ١٠٨
стр. 1115
الموضوع الصفحة
تقسيم الاستعارة ١٠٩
قرينة التبعية ١٢٥
اختبار ١٣٤
المجاز المركب ١٣٧
الاستعارة التمثيلية ١٣٧
المثل ١٣٩
المجاز المركب ١٣٩
الاستعارة المكنية ١٤٠
فصل في شرائط حسن الاستعارة ١٤٣
فصل في المجاز بالحذف ١٤٦
أسئلة وتطبيقات ١٤٧
مبحث الكناية ١٥١
أقسام الكناية ١٥٣
اختبار ١٦٣