وقد اجتمعت الوفاقية، والعنادية في قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ، على معنى: أو من كان ضالا فهديناه، فقد استعير في الأول: "الميت الضال"، وهما لا يجتمعان، إذ لا يوصف الميت بالضلال فالاستعارة عنادية, واستعير ثانيا "الإحياء للهداية" -كما سبق- "والحياة والهداية" مما يجتمعان، فالاستعارة وفائية, ومن العنادية تتفرع الاستعارتان:
التهكمية والتمليحية:
وهما ما نزل فيهما التضاد، أو التناقض منزلة التناسب، واستعمل اللفظ في ضد معناه، أو في نقيضه، إبرازا للخسيس في صورة الشريف، قصدا إلى الهزء والسخرية، أو التمليح والتظرف -على سبق بيانه في باب التشبيه- وذلك كأن يطلق لفظ "الكريم" على البخيل، وكإطلاق لفظ "أسد" على الجبان في نحو قولك: "زارني اليوم كريم" تريد رجلا بخيلا، ونحو قولك: "رأيت أسدا على فرس" تريد رجلا جبانا, فقد نزل أولا "البخل" منزلة الكرم، ونزل ثانيا "الجبن" منزلة الشجاعة -على ما سبق- في بحث التشبيه، ثم شبه البخيل بالكريم، والجبان بالأسد، ووجه الشبه في الأول: "الجود" وفي الثاني "الشجاعة" وإن كان الجود في البخيل، والشجاعة في الجبان تنزيليين ثم استعير لفظ الكريم للبخيل, واسم الأسد للجبان.
ثم إن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ في ضد معناه: التهكم والهزء بالمقول فيه كانت الاستعارة "تهكمية"، وإن كان القصد الحامل: بسط السامعين، وإزالة السآمة عنهم، بتصوير القبيح في صورة الحسن، كانت الاستعارة "تمليحية"، ولا يخفى عدم تأتي اجتماع "البخل والكرم" أو "الجبن والشجاعة" في شيء واحد، فكلتاهما إذن من قبل الاستعارة العنادية.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ نزل التضاد بين التبشير
стр. 1052
والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير في إدخال السرور إلى النفس، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير اسم البشارة للإنذار بعد تناسي التشبيه والادعاء، ثم اشتق من البشارة بمعنى الإنذار "بشر" بمعنى "أنذر" على سبيل الاستعارة التهكمية؛ وهي عنادية لأن التبشير والإنذار مما لا يجتمعان في شيء واحد, ومثله كذلك قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ نزل التضاد بين "الهداية" التي هي الدلالة بلطف، وبين الأخذ بمجامع الشيء بقهر وعنف منزلة التناسب، ثم شبه الأخذ العنيف بالهداية، بجامع ما يترتب على كل من الخير، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير لفظ "الهداية" للآخذ بالقسر والعنف، واشتق منه: "اهدوهم" بمعنى: جروهم بشدة وعنف على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي عنادية لعدم تأتي اجتماع اللطف والعنف في شيء واحد، وهكذا.
تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:
الجامع: هو ما قصد اجتماع الطرفين فيه، وهو ما يسمى في التشبيه: وجه شبه، وإنما سمي جامعا لأنه جمع المشبه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه، وأدخله في جنسه ادعاء. وهو لا بد أن يكون في المستعار منه أقوى؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه تستوجب إلحاق المشبه بما هو أكمل منه في وجه المشبه -بخلاف الحال في التشبيه- كما علمت.
وللاستعارة باعتبار الجامع تقسيمان:
التقسيم الأول:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار قسمين: داخلة، وغير داخلة.
فالداخلة: ما يكون الجامع فيها داخلا في مفهوم الطرفين, المستعار له والمستعار منه: بأن يكون جزءًا من مفهوميهما كما في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾
стр. 1053
أي: فرقناهم: شبه تفريق الجماعة: بالتقطيع، بجامع "إزالة الاجتماع في كل"، ثم استعير لفظ التقطيع للتفريق، ثم اشتق منه "قطع" بمعنى فرق, والجامع المذكور داخل في مفهوم التقطيع إذ إنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء المتماسكة، وداخل كذلك في مفهوم تفريق الجماعة؛ لأنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء غير المتماسكة. وبديهي أن إزالة الاجتماع في التقطيع أشد وأقوى كما هو الشرط في الجامع.
وغير الداخلة: ما يكون الجامع فيها غير داخل في مفهوم الطرفين، بأن كان خارجا عن مفهوم كل منهما، أو كان داخلا في مفهوم المستعار له دون المستعار منه، أو العكس.
فالأول: كما في قولك: "رأيت دررا في السماء"، و"أبصرت شمسا داخل غرفة، ووردت بحرا يعطي" فالجامع في الأول التألق واللمعان وفي الثاني الوضاءة والإشراق، وفي الثالث الإفاضة، وكلها عوارض غير داخلة في مفهومي الطرفين.
والثاني: كما في الحديث "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه: كلما سمع هيعة طار إليها" ١ شبه العدو الذي هو قطع المسافة بسرعة في الأرض. بالطيران الذي هو قطع المسافة في الهواء بالجناح، ثم استعير الطيران للعدو، ثم اشتق من الطيران "طار" بمعنى عدا -والجامع بينهما قطع المسافة بسرعة وهو داخل في مفهوم العدو، دون الطيران، فليست السرعة داخلة في مفهومه، إنما هي لازمة له في الأكثر. ومثله قول امرأة من بني الحرث ترثي قتيلا:
стр. 1054
لو يشا طار بها ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل١
تقول: لو أنه أراد النجاة لفاز بها، فقد كان تحته فرس قوي، جلد، ولكنه آثر أن يموت كريما على أن يحيا هزيلا بتحمله عار الهزيمة. والشاهد في استعارة الطيران للعدو على نحو ما تقدم.
والثالث: كاستعارة العدو للطيران عكس ما قبله.
التقسيم الثاني:
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع أيضا قسمين: عامية، خاصية.
فالعامية: وهي المبتذلة, ما وضح فيها الجامع، بحيث يدركه العامة كإطلاق "الأسد" على الرجل الجريء، فإن الجامع، وهو الجرأة، أمر واضح، في متناول مدارك عامة الناس لاشتهار الأسد بها. وسميت مبتذلة لكونها في طوق كل إنسان.
والخاصية: وهي الغريبة: ما لا يدرك الجامع فيها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، كما في قول يزيد بن مسلمة يصف فرسا له، بأنه مؤدب إذا نزل عنه. وألقى عنانه في قربوس سرجه، لا يبرح مكانه حتى يعود:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر٢
стр. 1055
فقد شبه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج. بهيئة الثوب في موقعه من ركبتي المحتبي ثم استعار لفظ "الاحتباء" لهذه الهيئة١, فهذه الاستعارة غريبة لما في الجامع من كثرة الاعتبارات الموجبة لصعوبة إدراكه، وبعده عن الأذهان, فضلا عن كونها على نمط غير مألوف. لا يقع في كلامهم إلا نادرا, ذلك أن الانتقال إلى معنى "الاحتباء" وهو ألا يجمع الرجل ركبتيه منضمتين إلى بطنه بنحو ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر عند استحضار إلقاء العنان على القربوس، في غاية الندرة، لما بين المعنيين من البعد٢.
وقد يكون منشأ الغرابة: ما فيها من طرافة، ولطف مأخذ كما في قول طفيل الغنوي:
وجعلت كوري فوق ناجبة ... يقتات شحم سنامها الرحل٣
يقول: إن شحم سنام الناقة تضاءل وضمر لطول عهد الرحل به، وكأن الرحل كان يقتات منه. يصف نفسه بكسرة الأسفار. والشاهد فيه: أنه استعار "الاقتيات" لإذابة شحم السنام -ولا شك أن في التعبير بالاقتيات في جانب الشحم- وهو مما يقتات به نوع لطف وطرافة، يشعر به صاحب الذوق البلاغي، ومما زاده طرافة ولطفا إسناده إلى "الرحل" إسنادا مجازيا، من إسناد الفعل إلى سببه.
وقد يتصرف في الاستعارة العامية بما يخرجها من الابتذال إلى الغرابة: بأن يضم إليها تجوز لطيف، اقتضته الحال، كما في قول كثير عزة:
стр. 1056
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح١
يقول: لما فرغنا من أداء النسك، وقضينا أيام منى، واستلمنا الأركان، وشددنا الرحال، ومضى الناس, لا ينظر الغادي منهم الرائح، شوقا للعودة إلى أوطانهم, ابتدأنا في الحديث آخذين بأطرافه وفنونه، شأن الرفاق في السفر، قد شملتهم الغبطة، لما وفقوا إليه من أداء الفريضة, بينما سارت المطي في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة، أشبه الأشياء بسيلان الماء.
وهذه الأبيات الثلاثة, مع ما فيها من روعة المطلع، وعذوبة الجرس, لا ترى فيها معنى دقيقا, ولا تصويرا أنيقا، سوى ما تراه في الشطر الثاني من البيت الأخير، حيث شبه سير المطي في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة: بسيلان الماء فيها، ثم استعير سيلان الماء للسير اللين السلس، واشتق منه: "سالت" بمعنى: سارت حثيثا في لين وسلاسة -والجامع بين الطرفين سرعة السير مع سلاسة فهذه الاستعارة- كما ترى, عامية يدركها الخاصة والعامة. غير أنه تصرف فيها بما جعلها غريبة، لا يدركها إلا الخواص.
ذلك أنه: بعد أن استعير فعل السيلان لسير الإبل الحثيث السلس، حتى أفاد كأن سيولا جرت في تلك الأباطح. أسند بعد ذلك الفعل المستعار، وهو "سالت"
стр. 1057
إلى الأباطح، دون المطي الذي كان حقه أن يسند الفعل إليه، فأفاد هذا الإسناد، أن الأباطح امتلأت بالإبل إلى حد يخيل للناظر. أن الأباطح هي التي تسيل, إذ إن نسبة فعل الحال إلى المحال، تشعر بشيوع الحال في المحل، وكأن كل مكان من هذه الأباطح سائر. ومما زاد الاستعارة دقة وغرابة: أنه أدخل الأعناق في السير، إذ جرها بباء الملابسة، المقتضية لملابسة الفعل لها؛ لأن السرعة والبطء يظهران -غالبا- في أعناق الإبل: وإذن فقد أضاف الشاعر إلى الاستعارة المذكورة مجازا عقليا آخر, فالأول مصرح به وهو إسناد الفعل إلى الأباطح, والثاني مقدر، وهو إسناده إلى الأعناق؛ لأن الواقع: أن الدابة تستعين في سيرها بهز الأعناق، فكأن الأعناق أيضا تسير. ومثل بيت كثير تماما، قول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب١ الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
يقول: تسارع إليه أنصاره ملبين بوجوه مشرقة متهللة, حين دعاهم إليه. يريد أنه مطاع في حبه، لا يدعوهم لخطب جلل إلا أتوا إليه مسرعين متزاحمين حتى كأنهم السيل ينحدر من كل جانب، فيطفح به الوادي. وقد تصرف في البيت على غرار ما قبله، مما جعل الاستعارة تمتنع بعد ابتذال، وتعتز بعد ضعة.
تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار ستة أقسام -ذلك: أن المستعار منه، والمستعار له، إما حسيان، أو عقليان. أو المستعار منه حسي. والمستعار له عقلي أو العكس. والجامع في الثلاثة الأخيرة عقلي لا غير, لما سبق في مبحث التشبيه:
стр. 1058
من أن وجه الشبه وهو المسمى هنا بالجامع, لا بد أن يقوم بالطرفين, فإذا كان كلاهما، أو أحدهما عقليا, وجب أن يكون الجامع عقليا؛ لأن الحسي لا يقوم بغير حسي -كما علمت- أما القسم الأول, وهو ما كان الطرفان فيه حسيين فصوره ثلاث؛ لأن الجامع حينئذ- إما حسي أو عقلي، أو مختلف, وبذلك تكون الأقسام ستة, وهاكها:
١- استعارة محسوس لمحسوس، والجامع حسي كما في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا ١ لَهُ خُوَارٌ﴾ فالمستعار منه ولد البقرة, والمستعار له الحيوان المخلوق من حلي القبط التي سبكتها نار السامري٢ عندما ألقى فيها التربة التي أخذها من موطئ فرس جبريل عليه السلام٣, والطرفان حسيان -كما ترى- والجامع حسي كذلك، وهو الشكل والخوار، فإن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة، وله صوت كصوته.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ . فالمستعار منه حركة الماء على الوجه الخاص، والمستعار له الحركة والاختلاط الناشئان عن الحيرة والارتباك، والجامع بينهما ما يشاهد في كل: من الحركة الشديدة والاضطراب، والجميع حسي٤, كما ترى.
стр. 1059
من ذلك قول الشاعر:
بكت لؤلؤًا رطبا ففاضت مدامعي ... عقيقا فصار الكل في نحرها عقدا
فقد استعار اللؤلؤ للدمع، بجامع الصفاء والتألق، والجميع حسي كذلك.
٢- استعارة محسوس لمحسوس والجامع عقلي كما في قوله تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ والشاهد في "نسلخ" فالمستعار منه كشط الجلد، وسلخه عن الشاة ونحوها, والمستعار له إزالة ضوء النهار وانتزاعه عن مكان الليل, كلاهما حسي١, والجامع بينهما عقلي وهو ترتب أمر على آخر, ففي المستعار منه ترتب ظهور اللحم على سلخ الجلد، وفي المستعار له ترتب على ظهور ظلمة الليل على محو ضوء النهار٢, ولهذا صح قوله بعد: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ لأن الواقع عقيب إزالة الضوء هو الإظلام.
٣- استعارة محسوس لمحسوس، والجامع مختلف, بعضه حسي، وبعضه عقلي كما في قولك: "رأيت بدرا يتحدث" تريد إنسانا كالبدر في حسن الطلعة، ونباهة الشأن. فالأول حسي، والآخر عقلي.
٤- استعارة معقول لمعقول كما تقول: "أحيتني الموعظة" على معنى: هدتني, فالمستعار منه "الإحياء" والمستعار له الهداية، وكلاهما عقلي, والجامع بينهما: ما يترتب على كل من الفوائد، وهو عقلي كذلك.
٥- استعارة محسوس لمعقول كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
стр. 1060
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ فالمستعار منه "الظلمات والنور، وهما حسيان، والمستعار له "الضلال والهدى" وهما عقليان، والجامع في الأول عدم الاهتداء، وفي الثاني الاهتداء، وهما عقليان أيضا، والاستعارة فيهما لا تحتاج إلى بيان.
٦- استعارة معقول لمحسوس كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ أي: لما كثر الماء, فالمستعار منه التكبر والتعالي، وهو عقلي، والمستعار له كثرة الماء، وهو حسي والجامع بينهما الخروج عن حد الاعتدال١، وهو عقلي, ومثله قوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ أي: شديدة، حتى جاوزت الحد, استعار "العتو" وهو عقلي لشدة الريح المفسدة، وهي حسية باعتبار متعلقها٢, والجامع عقلي، وهو مجاوزة الحد.
تقسيم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار إلى قسمين: أصلية وتبعية.
فالأصلية: ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس غير مشتق والمراد به: ما يصدق على كثيرين, سواء كان صدقه على الكثيرين حقيقة, أو تأويلا, وسواء كان اسم عين, أو ذات كالأسد، أو اسم معنى كالضرب والقتل.
فمثال اسم الجنس الحقيقي، وهو اسم عين لفظ "بحر" من نحو قولك: "رأيت بحرا يتحدث" تريد: رجلا عالما فحلا, فقد استعير لفظ "بحر" للرجل
стр. 1061
العالم استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار اسم جنس حقيقة.
ومثال اسم الجنس التأويلي, وهو اسم عين أيضا لفظ "سحبان" ونحوه: من كل علم اشتهر مدلوله بنوع من الوصف، كما تقول: "رأيت سحبان يخطب" تريد رجلا فصيحا مفوها، استعير فيه كذلك لفظ "سحبان للرجل الفصيح استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار اسم جنس تأويلا١.
ومثال اسم الجنس: وهو اسم معنى قولك: "آلمني قتل علي أخاه"، تريد: إذلاله. فقد استعير فيه "القتل" للإذلال استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار، وهو "القتل" اسم جنس معنى, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه الإذلال بالقتل بجامع شدة الألم، ثم استعير لفظ "القتل" لمعنى الإذلال. وهكذا يقال في أمثال ذلك.
وسمي هذا القسم: استعارة أصلية، نسبة إلى الأصل, بمعنى الكثير الغالب -ولا شك أنها أكثر وجودا في الكلام من التبعية الآتية بعد- أو نسبة إلى الأصل بمعنى ما أنبني عليه غيره، ولا ريب أنها أصل للتبعية لبنائها عليه, على ما سيأتي بيانه قريبا.
والتبعية: ما كان اللفظ المستعار فيها فعلا، أو اسما مشتقا، أو حرفا.
وإليك بيان كل.
الاستعارة في الفعل:
الفعل له "مادة" هي حروفه الدالة على الحدث, وله "صيغة" وهي الهيئة الدالة على الزمان، كما في صيغتي الماضي والمضارع, والاستعارة في الفعل، باعتبار مادته: غيرها باعتبار صيغته.
стр. 1062
فمثالها في الفعل، باعتبار مادته قولك: "نطقت حالك بكذا"، أي: دلت- فالنطق- كما هو معلوم- وصف للإنسان لا للحال، وإنما توصف الحال بالدلالة.
وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة بالنطق في إيضاح المعنى، ثم ادعى "مبالغة" أن الدلالة داخلة في نطاق النطق. وفرد من أفراده، ثم استعير النطق للدلالة الواضحة، فصار النطق بمعنى الدلالة الواضحة١، ثم اشتق من النطق بهذا المعنى: "نطقت" بمعنى "دلت" على سبيل الاستعارة التبعية.. وقس على هذا.
ومثالها في الفعل، باعتبار صيغته قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فمن المعلوم أن أمر الله لم يأت بعد، وإنما سيأتي بدليل قوله: "فلا تستعجلوه, فكان سياق الكلام أن يقال: "يأتي أمر الله" بصيغة المضارع، لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي في تحقق الوقوع، ثم ادعى أن الإتيان في المستقبل داخل في جنس الإتيان في الماضي، ثم استعير لفظ "الإتيان في الماضي" للإتيان في المستقبل، فصار الإتيان في الماضي، بمعنى الإتيان في المستقبل، ثم اشتق من الإتيان بهذا المعنى، "أتى" بمعنى "يأتي" على سبيل الاستعارة التبعية, وهكذا يقال في أمثال ما ذكر.
وكما تستعمل: صيغة الماضي في المستقبل -كما مثلنا- تستعمل صيغة المضارع في الماضي كما في قوله تعالى حكاية لقول إبراهيم ﵇ لولده إسماعيل: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ . فالرؤيا المذكورة وقعت -لا محالة- فكان سياق الكلام أن يقال: إني رأيت في المنام.
стр. 1063
لكنه عبر بصيغة المضارع تجوزا، قصدا إلى استحضار تلك الصورة العجيبة، هي صورة أب، يهم بذبح ابنه، دون ذنب جناه.
الاستعارة في المشتقات:
مثالها في اسم الفاعل قولك: "جليل أعمالك ناطق بكمالك" أي: دال عليه ففي "ناطق" استعارة تبعية. وإجراؤها أن يقال فيها على غرار ما قيل في نطقت الحال بكذا، غير أن المشتق من النطق هنا: "ناطق" بمعنى دال, ومثله قولك: "حكم على قاتلك بالسجن" أي: ضاربك ضربا أليما، وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شب الضرب الأليم، بالقتل: بجامع الألم الأليم، ثم استعير بعد التشبيه والادعاء لفظ "القتل" للضرب الأليم، فصار "القتل" بمعنى الضرب الأليم، ثم اشتق من القتل بهذا المعنى، "قاتل" بمعنى ضارب ضربا مبرحا، على سبيل الاستعارة التبعية.
ومثالها في اسم المفعول قولك: "رفع مقتولك أمره إلى الحاكم": تريد مضروبك ضربا أليما, وإجراء الاستعارة فيه على نحو ما تقدم, غير أن المشتق هنا اسم مفعول.
ومثالها في أفعل التفضيل قول الشاعر العربي:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
شبهت الدلالة بالنطق، على نحو ما سبق ثم اشتق من النطق بمعنى الدلالة "أنطق" اسم تفضيل بمعنى "أدل" على سبيل الاستعارة التبعية، وهكذا يقال في سائر المشتقات، فليس يعوزك القياس.
وإنما كانت الاستعارة في الفعل وفي سائر المشتقات "تبعية" لجريانها فيها تبعا لجريانها في مصادرها كما رأيت, فتشبيه الدلالة بالنطق مثلا يتبعه تشبيه "دل" "بنطق" واستعارة النطق للدلالة، يتبعه استعارة "نطق لدل", ذلك أن الفعل
стр. 1064
مشتق من المصدر، فكل تصرف يجري في المصدر يجري نظيره في الفعل، وفي سائر المشتقات.
وإنما اعتبر التشبيه والاستعارة في المصدر قبل اعتبارهما في الفعل، وفي سائر المشتقات؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات، فهو المقصود الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه والاستعارة أولا هذا هو التحقيق.
الاستعارة في الحرف:
مثالها قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ .
اعلم أن لام العلة موضوعة لترتيب ما بعدها على ما قبلها: ترتب العلة على المعلول كما تقول "جئت إلى مصر لأرتشف العلم من مناهلها" فإن ارتشاف العلم مترتب على المجيء، وعلة باعثة عليه.
إذا علمت هذا علمت أن "اللام" في الآية المذكورة مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها -وإن كان مترتبا على ما قبلها- ليس علة باعثة, ذلك أن آل فرعون لم يلتقطوا موسى ليكون لهم عدوا وحزنا، وإنما التقطوه ليكون لهم حبيبا، يملأ رحباهم بهجة وسرورا.
ومذهب الجمهور في إجراء الاستعارة في مثل هذا: أنهم يعقدون التشبيه في متعلق معنى الحرف١، فيقولون في الآية المذكورة: شبه مطلق ترتب علة واقعية "كالعداوة والحزن" على الالتقاط, بمطلق ترتب علة حقيقية عليه "كالمحبة والسرور" بجامع مطلق ترتب شيء على شيء، فسرى التشبيه من الكليين إلى جزئياتهما، ثم استعيرت
стр. 1065
-بناء على التشبيه الحاصل بالسراية- "اللام" الموضوعة لجزئي من جزئيات المشبه به١ لجزئي من جزئيات المشبه٢ على سبيل الاستعارة التبعية.
ومثل الآية المذكورة قولهم: "محمود في غبطة" فإن لفظ "في" موضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين كما تقول: "الماء في الجرة" فالحرف المذكور إذن مستعمل في غير ما وضع له؛ لأن مجروره لا يصلح للظرفية الحقيقية وإجراء الاستعارة فيه على مذهبهم أن يقال: شبه مطلق تلبس شيء لا يصلح للظرفية "كالغبطة" في المثال المذكور بشيء آخر, فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعير لفظ "في" من أحد جزئيات المشبه به لأحد جزئيات المشبه، على سبيل الاستعارة التبعية ... وهكذا.
وصفوة القول: في الاستعارة التبعية: أن يقال: إن كانت الاستعارة في الفعل أو شبهه، بقدر التشبيه أولا في معنى المصدر. ثم ينقل المصدر إلى غير معناه الأصلي، ثم يشتق منه ما وقعت الاستعارة فيه: من فعل أو وصف، فتكون الاستعارة فيهما حينئذ تابعة للاستعارة في المصدر بلا خلاف.
وإن كانت الاستعارة في الحرف، فعلى مذهب الجمهور، في الرأي الراجح منه، يقدر التشبيه، "أولا" في متعلق معنى الحرف, ثم يقدر "ثانيا" من طريق السراية, في جزئية, ثم يستعار الحرف للمعنى المراد، فتكون الاستعارة في الحرف حينئذ تابعة لتشبيهين: أحدهما في متعلق معنى الحرف، والثاني في جزئيه, ولا يعوزك بعد هذا تطبيق الاستعارة على ما يعرض عليك من أمثلة في المشتقات أو الحروف.
стр. 1066
قرينة التبعية:
هي: في الفعل وسائر المشتقات مرجعها -غالبا- إلى:
١- الفاعل: بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل: معنى يناسب الفاعل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ونحو: "نطقت الحال بكذا" فالطغيان بمعناه الحقيقي يستحيل صدوره من الماء, كما أن النطق بمعناه الأصلي لا يتأتى صدوره من "الحال" إذ هما من شئون الإنسان، فدل ذلك على أن المراد "بالطغيان". معنى يصح إسناده إلى الماء، وهو الكثرة التي جاوزت الحد, وأن المراد: "بالنطق": ما يصح نسبته إلى "الحال"، وهو الدلالة الواضحة, ففي كل من "طغى ونطق" استعارة تبعية، قرينتها "الماء" في الأول و"الحال" في الثاني، وكلاهما فاعل:
٢- نائب الفاعل: بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى يناسب نائب الفاعل كما في قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ فالضرب وهو نصب الشيء من شأن الخيام، لا من شأن الذلة والمسكنة: إذ هما أمران معنويان، فدل ذلك على أن المراد "بالضرب" معنى يناسبهما، وهو "الحكم" ويكون المعنى حينئذ: حكم عليهم بالذلة والمسكنة, ففي "ضرب" حينئذ استعارة تبعية، قرينتها لفظا "الذلة"، "والمسكنة", وكلاهما نائب فاعل١.
٣- المفعول بأن يكون تسلط العامل عليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد منه: معنى يناسب المفعول. من ذلك قول ابن المعتز يمدح والده:
جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
стр. 1067
"فالقتل والإحياء" بمعناهما الحقيقي لا يقعان إلا على ذي روح، "والبخل والسماح" ليسا من ذوات الروح، فدل ذلك على أن المراد "بالقتل": معنى يناسب البخل، وهو الإزالة، وأن المراد "بالإحياء": معنى يناسب الجود، وهو "الإكثار"، وكأنه يقول: أزال البخل، وأكثر السماح١ ففي كل من "قتل" وأحيا" استعارة تبعية. قرينتها "البخل" في الأول و"السماح" في الثاني وكلاهما مفعول. وقد تكون القرينة المفعول الثاني، كما في قول القطامي من قصيدة:
نقريهمو لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كان زراد٢
يقول: "نطعنهم طعنات نافذات، تقد الدروع، وتشق الضلوع, والشاهد: قوله: "نقريهمو" فهو استعارة تبعية تهكمية، قرينتها قوله: "لهذميات" وهو المفعول الثاني "لنقري", ذلك أن "القرى" في الأصل: تقديم الطعام للضيف, فلا يصح إيقاعه بهذا المعنى على "اللهذميات" التي هي الطعنات النافذات، أو الأسنة الماضيات, فعلم: أن المراد "بالقرى" معنى يناسب هذه الطعنات أو الأسنة، وهذا المعنى هو تقديمها إلى الأعداء عند اللقا وكأنه يقول: نقدم إليهم لهذميات نقد بها ... إلخ.
وقد تكون القرينة المفعولين معا، كما في قول الحريري:
стр. 1068
وأقرى المسامع أما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا١
يصف نفسه بسحر البيان وعذوبة المنطق، فيقول: وأقدم إلى المسامع بيانا يكبح بسحره وعذوبته جماح النفوس الصوادف, والشاهد قوله: "وأقرى المسامع بيانا" فإن في "أقرى" استعارة تبعية، قرينتها تعلق القرى بكل من "المسامع والبيان" ذلك أن "القرى" كما قدمنا -تقديم الطعام إلى الضيف، فلا يصح إيقاعه بهذا المعنى على المسامع والبيان، فعلم من هذا: أن المراد به: معنى يناسبهما، وهو التقديم والإلقاء.
٤- المجرور بأن يكون تعلق الفعل بالمجرور غير مناسب، فيدل ذلك على أن المراد به: معنى يناسب ذلك المجرور- كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ فالتبشير إخبار بما يسر, فلا يناسب تعلقه "بالعذاب" فيعلم من هذا أن المراد بالتبشير: معنى يناسب العذاب، وهو الإنذار، أي: الإخبار بما يسيء, وإذن ففي قوله: "بشرهم" استعار تبعية تهكمية، قرينتها مجرور الحرف٢, ومثهل قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ فإن الهداية هي الدلالة بلطف، وهذا المعنى لا يناسب تعلقه "بالجحيم" فالمراد إذن معنى يناسبه: وهو الجر بعنف لا هوادة فيه، وإذن ففي قوله: "فاهدوهم" استعارة تبعية تهكمية كذلك, قرينتها مجرور الحرف كسابقتها.
وقد تكون القرينة غير ما ذكرنا كما في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ على أن يكون "مرقد" اسم مكان، بمعنى القبر، ليكون استعارة تبعية, شبه الموت بالرقود: بجامع فقد الإحساس، ثم استعير لفظ "الرقود" لمعنى "الموت"، ثم اشتق منه "مرقد" اسم مكان، بمعنى مكان الموت أي: القبر، على سبيل الاستعارة
стр. 1069
التبعية, والقرينة كون هذا الكلام صادرا من الموتى يوم البعث، مع ضميمة قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ وكما تقولون: قتلت عمرا "إذا ضربته ضربا موجعا" فإن القرينة فيه على أن المراد بالقتل: الضرب الأليم حالية.
تقسيم الاستعارة باعتبار الملائم:
تنقسم الاستعارة باعتبار ذكر الملائم لأحد الطرفين، وعدم ذكره إلى مرشحة، ومجردة، ومطلقة.
فالمرشحة: ما قرنت بما يلائم المستعار منه، وهو المشبه به, سواء كان ذلك الملائم صفة نحوية، أو معنوية، أو كان تفريعا١.
فمثال الترشيح بالصفة النحوية، قولك: "رأيت أسدا حاد الأظفار، متنقش اللبدة، رهب الزئير", وقولك: "رأيت بحرا بعيد الغور، لا ساحل له", فقد استعير في الأول "الأسد" للرجل الجريء، ثم وصف المستعار منه بما يلائمه: من حدة الأظفار، وانتفاش اللبدة، ورهبة الزئير ترشيحا للاستعارة, واستعير في الثاني "البحر" للعالم الجليل، ثم وصف المستعار منه بما يلائمه: من بعد الغور، وانتفاء الساحل ترشيحا للاستعارة كذلك- وكلا الترشيحين وصف نحوي- والقرينة في المثالين حالية.
ومثال الترشيح بالصفة المعنوية قول الشاعر:
ينازعني "ردائي" عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمر بن بكر
стр. 1070
لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر١
يقول: ينازعني عبد عمرو سيفي الذي أقي به نفسي وعرضي، ثم التفت قائلا: تمهل فسأقسم بيني وبينك، فأحتفظ لنفسي بقائمه الذي بيدي، وأعطيك أنت صدره، فهو يهدده بالقتل, والشاهد فيه: أنه استعار الرداء للسيف, تشبيه السيف به، في أن كلا وقاية حفظ. فالرداء يحفظ السوأة، والسيف يحفظ الحمى، ثم وصف الرداء الذي هو المستعار منه بما يلائمه من الاعتبار، إذ هو لف الرأس بنحو ثوب ترشيحا للاستعارة -والقرينة حالية كذلك.
ومثال الترشيح بالتفريع قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ٢, استعير الاشتراء للاختيار والإيثار، ثم فرع عليه ما يلائم المستعار منه، وهو "نفي الربح في التجارة" ترشيحا للاستعارة, وقرينتها ثبوت الاشتراء بمعناه الحقيقي.
ويسمى هذا القسم "استعارة مرشحة" لأن الترشيح معناه: التقوية، وذكر ملائم المشبه به يبعدها عن الحقيقة، ويقوي فيها دعوى الاتحاد التي هي مبنى الاستعارة.
والمجردة: ما قرنت بما يلائم المستعار له، وهو المشبه, سواء كان الملائم صفة نحوية، أو معنوية، أو تفريعا.
فمثال التجريد بالصفة النحوية، قول أبي عبادة البحتري:
стр. 1071
يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد١
استعار القمر للإنسان الجميل، ثم وصف المستعار له بما يلائمه: من كونه مطلا من الإيوان تجريدا للاستعارة, وقرينتها قوله: يؤدون التحية من بعيد "والتجريد وصف نحوي, كما ترى.
ومثال التجريد بالصفة المعنوية قول كثير عزة:
غمر الرداء ذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال٢
يقول: إنه كثير العطاء واسع البذل، إذا ابتسم لطالبي معروفه تمكنت رقاب المال من أيديهم، وتعذر انفكاكها، كالرهن الحبيس في يد المرتهن، وقد عجز الراهن عن استرداده, والشاهد فيه: استعارة الرداء للعطاء بعد تشبيه العطاء به في أن كلا وقاية حفظ وصيانة, فالمال يصون العرض، والرداء يصون السوأة، ثم وصف المستعار له الذي هو "العطاء" بما يلائمه "وهو الغمر"٣ تجريدا للاستعارة، وهو -كما ترى- وصف معنوي وقرينتها تتمة الكلام: من تبسم الممدوح، وحبس رقاب أمواله في أيدي العفاة.
ومثال التجريد بالتفريع قولهم: "رأيت غضنفرا في حومة الوغى، فلجأت إلى ظل رمحه" استعير الغضنفر للرجل المقدام بقرينة قوله: "في حومة الوغى" ثم فرع عليه بما يلائم المستعار له: من اللجوء إلى ظل رمحه تجريدا للاستعارة.
..
стр. 1072
وسمي هذ القسم: "استعارة مجردة" لتجردها عما يقوي فيها دعوى الاتحاد، ولا شك أن ذكر ما يلائم المستعار له يقربها من المعنى الحقيقي، ويضعف فيها دعوى الاتحاد بين الطرفين. وقد اجتمع الترشيح والتجريد في قول الشاعر:
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو القلب جارح
استعار السهم للنظر بجامع شدة التأثير، وريشه، ترشيح لأنه من ملائمات المستعار منه ومن قولهم: راش السهم إذا ألصق عليه الريش، ليكون أحكم في الرماية "والكحل" تجريد لأنه من ملائمات المستعار له, وبهذا الاعتبار تكون قرينة الاستعارة حالية, فإذا اعتبر "الكحل" قرينة كان "ريشه" ترشيحا، واعتبرت الاستعارة حينئذ مرشحة.
ومما ينبغي أن يعلم: أن اعتبار الترشيح والتجريد، إنما يكون بعد تمام الاستعارة وهي إنما تتم باستيفاء قرينتها, فقولك مثلا: "رأيت سحابا يعطي" استعارة، لا ترشيح فيها ولا تجريد لعدم اقترانها بما يلائم أحد الطرفين, وأما قولك: "يعطي" فهو قرينة الاستعارة، فلا يعتبر تجريدا وإن كان من ملائمات المستعار له، ولو أن القرينة في هذا المثال حالية، لكان قولك: "يعطي" تجريدا للاستعارة لملاءمته للمستعار له.
والمطلقة: ما لم تقترن بشيء من ملائمات أحد الطرفين، كما تقول: "ظمئي إلى لقائك شديد"، استعير الظمأ للشوق، بقرينة قولك: إلى لقائك، فالاستعارة مطلقة لعدم اقترانها بشيء يلائم أحد الطرفين.
وسمي هذا القسم: "استعارة مطلقة" لإطلاقها عن التقييد بما يلائم أحد طرفي الاستعارة, كما رأيت.
قالوا: ومن قبيل المطلقة: ما اجتمع فيه ترشيح وتجريد وتساويا؛ لأنهما باجتماعهما يتعارضان فيتساقطان، وكأن لا ترشيح ولا تجريد، كما في قول الشاعر السابق: "رمتني بسهم ريشه" إلخ، على اعتبار أن القرينة فيه حالية, فإذا زاد أحدهما على الآخر رجح جانبه.
стр. 1073
موازنة بين الاستعارات الثلاث:
الاستعارة المرشحة كما قلنا: ما ذكر فيها ما يلائم المستعار منه "أي: المشبه به", وهذا مما يزيد الاستعارة قوة مبالغة, ذلك أن مبنى الاستعارة كما علمت على تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه هو المشبه به عينه، لا شيء سواه, والترشيح الذي هو ذكر ملائم المشبه به: إمعان في هذا التناسي وغلو في دعوى الاتحاد، وكأن ليس هناك استعارة، بل ولا تشبيه، حتى إنك لتجد الشاعر أو الناثر, يمعن في إنكارهما، ويخيل للسامع: أن الأمر محمول على حقيقته، لا تجوز فيه. ألا ترى إلى قول أبي تمام:
ويصعد حتى يظن الجهول١ ... بأن له حاجة في السماء
استعار لفظ "الصعود" الذي هو العلو الحسي المكاني: لعلو المرتبة، ثم بنى كلامه على أنه صعود حسي حقيقة، إمعانا منه في تناسي التشبيه، وفي إنكار أن هناك استعارة فذكر ما يلائم الصعود الحسي: من ظن الجهول بحقائق الأشياء: أن له حاجة ينشدها في السماء, ولولا أنه قصد أن يتناسى الاستعارة, ويصر على إنكارها إصرارا، وأنه جعل الممدوح صاعدا في السماء صعودا حسيا مشاهدا -ما كان لهذا الكلام وجه- ومثله قول أبي الطيب السابق:
ولم أر قبلي من مشى البحر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد
فنفيه أن يرى "البحر" يمشي إلى إنسان "وأن يرى الأسود تعانق رجلا مبني على أنه أراد: المعنى الحقيقي لهما مبالغة, إذ لم يعهد أن يسعى البحر نحو إنسان، أو أن تعانقه الأسود, فكل ذلك بمني على الإمعان في تناسي التشبيه، والغلو في إنكار الاستعارة, يؤيد ذلك قول ابن العميد يصف غلاما قام يظلله من حر الشمس.
стр. 1074
قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس١
وقول الشاعر السابق٢:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر٣
ففي الأول: استعار "الشمس" للإنسان ذي الوجه المشرق, وفي الثاني استعار "القمر" لهذا الإنسان, ثم تناسى التشبيه، وتناسى الاستعارة، وبنى الكلام على أن الشمس والقمر حقيقيان, ولولا أن ابن العميد ادعى لغلامه معنى الشمس الحقيقية: لما كان للتعجب معنى، إذ ليس بدعا أن يظل إنسان حسن الوجه إنسانا آخر، ويقيه بشخصه وهج الشمس, كذلك لولا أن أبا الحسن جعل صاحبه قمرا حقيقيا: لما كان ثم وجه للنهي عن التعجب من الكتان إنما يسرع إليه البلى حين يلابس القمر الحقيقي -كما يقولون- لا حين يلابس إنسانا بلغ الغاية في الحسن.
وإذا كان هذا شأن المرشحة كانت جديرة أن تحتل المكان الأول بين أختيها.
ويلي المرشحة في القوة: الاستعارة "المطلقة": إذ هي التي لا يذكر فيها شيء يلائم أحد الطرفين -كما عرفت، فهي- وإن خلت مما يقوي تناسي التشبيه، ويدعم دعوى الاتحاد: من ذكر ما يلائم المشبه به ليس فيها ما ينافيهما: من
стр. 1075
ذكر ما يلائم المشبه -وإذا كان هذا حالها- كانت خليفة أن تحتل مكانا وسطا بين أختيها.
ومن هنا يبدو واضحا: أن الاستعارة المجردة في المرتبة الدنيا لاشتمالها على ما يلائم المشبه، إذ هو يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة: من تناسي التشبيه، ودعوى الاتحاد، قضاء لحق المبالغة.
اختبار:
١- عرف كلا من الاستعارة الوفاقية والعنادية ومثل لكل، مع إجراء الاستعارة فيما تمثل به. ومن أي قبيل قولهم: كان ميتا فأحييناه.
٢- أجر الاستعارة في قولهم: قابلني اليوم قس بن ساعدة، يريدون: "رجلا عييا" وبم تسمي هذا النوع من الاستعارة؟
٣- عرف الجامع وافرق بينه وبين وجه الشبه في التشبيه. ثم قسم الاستعارة باعتباره، وعرف كل قسم، ثم أجر الاستعارة في الحديث الشريف: "خير الناس ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها" ومن أي القسمين هذه الاستعارة.
٤- عرف الاستعارة الخاصة، ومثل لها, مع بيان موضع الغرابة فيهما.
٥- ما وجه غرابة استعارة "سيلان الماء لسير الإبل" في قول الشاعر: "وسالت بأعناق المطي الأباطح"، مع ما نراه من سذاجتها؟
٦- قسم الاستعارة باعتبار حسية الطرفين وعقليتهما، ومثل لكل بمثال، ومن أي قبيل قوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ؟
٧- قسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار، وعرف كل قسم، ومثل له، وكيف صحت الاستعارة في نحو: زارني اليوم بأقل، تريد رجلا عييا، مع اشتراط أن يكون المستعار منه كليا، ثم أجر الاستعارة في نحو: "قتل على خصمه". أي: أذله، مع بيان نوع الاستعارة في المثال.
стр. 1076
٨- بين وجه كون الاستعارة في المشتقات تبعية، ووضح ذلك في مثال، ثم بين نوع الاستعارة، مع إجرائها في قولهم: فلان في بسطة من العيش, مع بيان علة تسميتها تبعية في الحرف.
٩- بين مناط قرينة التبعية، مع التمثيل، ومع بيان قرينة الاستعارة في قوله: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ .
١٠- قسم الاستعارة باعتبار ذكر الملائم، وعرف كل قسم، ومثل له مع بيان علة التسمية في كل منها، وهل من التجريد لفظ "يتصدق" من نحو: رأيت بحرا يتصدق؟
١١- كيف كانت المرشحة أبلغ من أختيها، وأي الأختين أبلغ من الأخرى، وجه ما تقول مع التمثيل.
تمرينات منوعة:
١- أجر الاستعارة وبين نوعها وقرينتها فيما يأتي: نزلت على حاتم، تريد: رجلا بخيلا، فبشرهم بعذاب أليم. اشتعل الرأس شيبا، يقول الشاعر يصف تشتيت المهزومين:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم
٢- بين في الاستعارات الآتية: الطرفين والجامع بينهما:
تلك آية بينة تخرج متدبرها من العمى إلى الإبصار، دخلنا حديقة فرشقتنا ألحاظها، وابتسمت لقدومنا ثغورها، يابن القمرين أقبل: تعلمت الكرم من سحاب لا يكف، ومعين لا ينضب.
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد
٣- بين في التشبيهات الآتية وجه الشبه، ثم حولها إلى استعارات مبينا نوع كل استعارة وقرينتها: في هذه الخميلة أزهار كأنها الكواكب، وفوق الأغصان كروان
стр. 1077
تحاكي القيان. سكبت دمعا كحبات الجمان:
قوم إذا نهضوا لنجدة صارخ ... ركبوا الجياد كأنهم رياح
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر
٤- مثل لما يأتي استعارة عنادية تهكمية، استعارة داخلية طرفاها عقليان. استعارة خاصية، مع بيان وجه الغرابة فيها, استعارة أحد طرفيها حسي والآخر عقلي، استعارة تبعية قرينتها المفعول. استعارة مجردة، وأخرى مرشحة بوصف معنوي.
٥- علام استشهد بما يأتي؟ فبشرهم بعذاب أليم.
نقريهم لهذميات نقد بها
ما كان خاط عليهم كل زراد
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ .
جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... علقت لضحكته رقاب المال
стр. 1078
المجاز المركب:
قلنا -فيما سبق- أن المجاز على نوعين: مفرد ومركب، وقد فرغنا من الكلام في المفرد، وهاك بيان المجاز المركب.
تعريفه: هو ما ذهب إليه أعلام البيان, اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصل، تشبيه تمثيل مبالغة.
ومقتضى هذا التعريف: أن المجاز المركب عندهم لا يجري في غير الاستعارة, غير أن القياس لا يمنع أن يجري في غيرها، كالجمل الخبرية المقصود بها: معنى إنشائي كما في قول الشاعر:
مضت الليالي البيض في زمن الصبا ... وأتى المشيب بكل يوم أسود
وإذن فمقتضى القياس: أن يعرف المجاز المركب: بأنه اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي. مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي -وهو- باعتبار هذه العلاقة نوعان:
١- مجاز مركب علاقته المشابهة, ويسمى: "تمثيلا"١، واستعارة تمثيلية.
٢- مجاز مركب علاقته غير المشابهة, ويسمى مجازا مركبا مرسلا.
стр. 1079
الاستعارة التمثيلية:
هي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. كما تقدم في التشبيهات المركبة، أي: في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة، إذا استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه.
стр. 1080
كما تقول وأنت تنظر إلى الشمس. أرى مرآة في يد شلاء، تريد هذا الجرم الخاص, فقد شبهت هيئة الشمس السابق ذكرها: بهيئة المرآة في كف أشل، بجامع الهيئة الحاصلة في كل، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه، على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة الحالية.
وكما تخبر عن إنسان يحاول أمرا لا يحصل منه على غاية: "رأيت من يرقم على الماء"، فهذا المركب غير مستعمل في معناه الوضعي، إذ إن المحدث عنه لا يرقم على الماء ولكن حاله وهو يعالج أمرا لا نتيجة له: تشبه حال من يرقم على الماء فصح استعمال هذا المركب في الرجل المذكور لتشابه الحالين.
من ذلك ما كتبه الوليد بن يزيد، حين بويع بالخلافة إلى مروان بن محمد وقد بلغه توقفه عن البيعة له: "أما بعد: فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى١" وحقيقة الكلام: إني أراك متحيرا في أمرك، مترددا فيه, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة تردده في قبول البيعة بين الإقدام والإحجام بهيئة رجل قام ليذهب إلى جهة, فتارة يعقد النية على الذهاب فيقدم رجلا، وتارة يعدل، فيؤخرها ثانيا. والجامع: الهيئة الحاصلة بين إقدام تارة، وإحجام أخرى, ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية، إذ إن المتردد المذكور لا يقدم رجلا ولا يؤخرها فحاله على غير ما يدل عليه التركيب وضعا.
وكما نقول فيمن يعمل الحيلة، فيرفق بصاحبه، ويلاطفه حتى يميله إلى ما يريد: "ما زال يفتل له في الذروة والغراب، حتى بلغ منه ما أراد", فقد شبه حاله معه: بحال من يأتي للبعير الحرون، فيحكه، ويفتل له الشعر في ذروته وغاربه،
стр. 1081
حتى يسكن ويستأنس, فكل هذا وأشباهه يسمى. تمثيلا، أو استعارة تمثيلية.
وإنما سميت الاستعارة في المركب "تمثيلا"لجريان التشبيه فيه بين الهيئات المنتزعة من متعدد، كما في الأمثلة المذكورة، فمعنى التمثيل فيه واضح لكثرة ما اعتبر فيه مما أوجب غرابته, وإذا فشت الاستعارة التمثيلية، وشاع استعمالها باقية على هيئتها. أطلقوا عليها لفظ:
المثل:
وهو استعارة تمثيلية شاع استعمالها, ويراعى فيه المعنى الذي ورد فيه أولا، فيخاطب به المفرد، والمثنى، والجمع, مذكرا أو مؤنثا، من غير تغيير في العبارة الواردة؛ لأنه -كما قلنا- استعارة تمثيلية، والاستعارة يجب أن تكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه كما في مثال "المتردد" فقد ورد في شخص معين، ثم شاع استعماله حتى صار مثلا يضرب لكل متحير في أمره -مفردا كان أو غير مفرد- مذكرا أو مؤنثا. فيقال لكل واحد مما ذكر: أراك تقدم رجلا إلخ. فينطق به كما ورد.
ومثل المثل المذكور قولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل إذ قد ورد في امرأة فرطت في أمر، ثم طلبته بعد فوات فرصته، ثم شاع استعماله وذاع، حتى صار مثلا يضرب لكل من طلب أمرا، بعد التفريط فيه، وبعد فوات وقته. ومثله قولهم: "اليد لا تصفق وحدها" وهو مثل يضرب لمن يحاول أمرا وحده، فيعجز عنه، تشبيها له بمن يحاول أن يصفق بيد واحدة, وكقولهم: "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن" لمن يعرض له أمر لا يشتهيه، تشبيها له بربان السفينة، تزجيها الرياح إلى غير الوجهة التي يريدها, وهكذا يقال في جميع الأمثال السائرة نثرا ونظما.
المجاز المركب المرسل١:
هذا هو القسم الثاني من قسمي المجاز المركب.
стр. 1082
وهو اللفظ المركب في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة, كما في الجمل المستعملة في معان لم توضع لها، كالتحسر في قول الشاعر:
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام
فالبيت مستعمل في معنى التحسر على ذهاب الشباب، وتصرم أيامه العذاب، والعلاقة فيه اللزوم، إذ يلزم من الإخبار بفوات الشباب، وانقضاء أيامه النضرات: التحسر والأسى على فواته، بقرينة قوله فعلى الصبا ... إلخ -هكذا قيل- وقيل: إن المعاني المقصودة مستفادة من طريق التلويح والإشارة، واللفظ مستعملا فيها، وهذا الرأي هو ما ارتاح له, وإذا فرغنا من بحث الاستعارة التحقيقية، فهاك:
стр. 1083
الاستعارة المكنية ١:
تعريفها: اختلف فيه -فذهب الخطيب إلى أنها التشبيه المضمر في النفس، المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه, فالتشبيه فيها غير مصرح بشيء من أركانه سوى المشبه- والدليل على التشبيه حينئذ إثبات ذلك اللازم المختص بالمشبه به للمشبه٢ كما في قول الشاعر:
وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
يقول: إذا قدر لك أن تكون ملحوظا بعناية الله، فلن يمسك ضر، وكنت بمأمن من كل سوء, والشاهد في لفظ "العناية" فإن فيه استعارةبالكناية, يقال في إجرائها على هذا المذهب: شبهت العناية بإنسان تشبيها مضمرا في النفس، ثم تنوسي التشبيه، وادعي أن المشبه من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به وهو "العيون" للمشبه الذي هو "العناية" قصدا إلى المبالغة.
стр. 1084
ومثله قول الحجاج في خطبته المشهورة: إني لأرى رءوسا قد أينعت. وحان قطافها إلخ, ففي "رءوسا" استعارة بالكنابة, شبه فيها الرءوس بالثمرات تشبيها مضمرا في النفس، ثم تنوسي التشبيه -على ما سبق- في البيت قبله، ثم ثبت لازم المشبه به، وهو قوله: "أينعت" للمشبه مبالغة، وقوله: "حان قطافها" ترشيح للاستعارة, وعلى هذا القياس.
وعلى هذا المذهب خرجت الاستعارة عن أن تكون من أفراد المجاز اللغوي؛ لأنه: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، فهو من عوارض الألفاظ, والاستعارة المكنية على هذا المذهب: هي التشبيه المضمر في النفس، وهو فعل من أفعال المتكلم، وإذن فإطلاق الاستعارة عليها -في رأي الخطيب- مجرد تسمية خالية عن المناسبة١, وأما إطلاق لفظ المكنية عليها فواضح، إذ لم يصرح فيها بالتشبيه، وإنما كنى عنه بذكر لازم المشبه به، وإثباته للمشبه.
أما تعريفها -عند الجمهور- فهي لفظ المشبه به، المستعار في النفس للمشبه، والمحذوف المدلول عليه بشيء من لوازمه كما في قول الشاعر السابق، فقد استعير فيه بعد التشبيه لفظ "الإنسان" للعناية. ثم قدر في النفس حذف الشبه به، ودل عليه بذكر بعض خواصه، وهو "العيون" على سبيل الاستعارة بالكناية، ثم أثبت ذلك اللازم للمشبه.
وسميت مكنية -على هذا المذهب- لعدم التصريح فيها بالمشبه به، والكناية عنه بذكر بعض خواصه, أما تسميتها "استعارة", على هذا الرأي فأمرها واضح؛ لأنها عندهم: اللفظ المستعار، فهي من أفراد المجاز اللغوي, بخلافها على رأي الخطيب على ما سبق.
стр. 1085
قرينة المكنية: هي عند الخطيب والجمهور: إثبات لازم المشبه به للمشبه كإثبات العيون للعناية في قول الشاعر السابق، وكإثبات الأظفار "للمنية" في قولهم: "أنشبت المنية أظفارها بفلان"، وهذا الإثبات يسمى عند الطرفين: استعارة تخييلية. أما أنه استعارة فلأن اللازم المذكور استعير للمشبه، وأثبت له، بمعنى أنه نقل عما يناسبه، واستعمل مع ما شبه بما يناسبه, وأما أنه "تخييلي" فلأن ذلك اللازم، لما نقل وأثبت: خيل للسامع أن المشبه من جنس المشبه به.
ومن هنا يعلم: أن الخطيب يخالف الجمهور في المكنية على ما سبق، ويتفق معهم في قرينتها، إذ هي -عند الطرفين- إثبات لازم المشبه به للمشبه.
ومما ذكرنا يتبين لك أمور ثلاثة:
الأول: أن قرينة المكنية استعارة تخييلية دائما، إذ هي -كما علمت- إثبات لازم المشبه به للمشبه، وهذا الإثبات يسمى عند الفريقين "تخييلا" وقد علمت وجهه.
الثاني: أن المكنية لا تنفك عن التخييلية؛ لأن التخييلية قرينتها، ولا بد للاستعارة من قرينة فهما إذن متلازمتان، لا توجد إحداهما بدون الأخرى.
الثالث: أن طرفي الاستعارة التخييلية مستعملان في معنييهما الحقيقيين "فالعيون والعناية" في البيت السابق، كلاهما مستعمل في المعنى الذي وضع له, والتجوز إنما هو في إثبات العيون للعناية، إذ إن العناية لا عيون لها، فهو إذن إثبات الشيء لغير ما هو له، كما في المجاز العقلي في نحو: أنبت الربيع الزرع، فإن كلا من "الإنبات والربيع" مستعمل في المعنى الذي وضع له، والتجوز إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع، وإنباته له.
ثم إن اللازم المراد إثباته للمشبه -منه ما يكون به كما وجه المشبه في المشبه به- ومنه ما يكون به قوامه ووجوده فالأول كما في بيت الهذلي:
стр. 1086
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع١
يقول: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، إذ لا مرد لقضاء الله, شبه الشاعر في نفسه المنية بالسبع في "الاغتيال" ثم تناسى التشبيه -على ما سبق- ثم أثبت لازم المشبه به للمشبه -ويقال- على رأي القوم بعد إجراء التشبيه: ثم استعير لفظ المشبه به، ثم حذف ورمز له بشيء من لوازمه، وأثبت للمشبه, والشاهد فيه: أن "الاغتيال" الذي هو وجه الشبه، يمكن حصوله بغير "الأظفار" "كالأنياب" مثلا غير أنه بالأظفار يكمل ويتم, والثاني كما في قول الشاعر السابق:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
يقول: إن نطقت بشكرك ليد لك علي، فإنني لأنطق بالشكاية منك؛ لأن ضرك أكثر من نفعك, والشاهد: أن وجه الشبه بين الحال، والإنسان المتكلم هو "الدلالة الواضحة"، وهي لا تتحقق بدون اللسان.
стр. 1087
فصل في شرائط حسن الاستعارة:
لا تقع الاستعارة موقعها من الحسن والقبول، إلا إذا توفرت الأمور الآتية بعد:
١- رعاية جهات حسن التشبيه، أي: مراعاة أسباب حسنه؛ لأنها مبنية عليه فهي تابعة له في الحسن والقبح, فإن حسن حسنت، وإن قبح قبحت.
فمن جهات حسن التشبيه: أن يكون التشبيه وافيا بالغرض منه, فإن كان الغرض مثلا: تزيين المشبه كوجه أسود، فشبه بمقلة الظبي ذات السواد الجميل، ثم
стр. 1088
استعير له لفظها حسنت الاستعارة لوفاء التشبيه بالغرض فإذا شبه الوجه الأسود بالفحم لإفادة معنى التزيين، ثم استعير له لفظه لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه، إذ لم يف بالغرض المقصود.
ومن جهات حسن التشبيه: أن يكون وجه الشبه غير مبتذل: بأن يكون غريبا لطيفا, إما لكثرة ما فيه من التفصيل، أو لكونه نادر الحضور في الذهن لعزة وجوده, كما في تشبيه الشمس بمرآة في كف الأشل، أو تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب- فإذا استعير لفظ المشبه به للمشبه في المثالين حسنت الاستعارة فيهما، لحسن التشبيه، لما فيه من الدقة بكثرة الاعتبارات في الأول، ولندور حضور صورة المشبه به في الذهن في الثاني, أما استعارة لفظ "الشمس"، للإنسان ذي الوجه المشرق، أو استعارة الورد للخد ذي اللون الأحمر، فليست بذات حسن، لفوات الحسن في التشبيه، بسبب ابتذاله، لوضوح الوجه فيه.
ويستثنى من جهات حسن التشبيه شيء واحد، تحسن فيه الاستعارة، وإن لم يحسن التشبيه, وهو أن يقوى الشبه بين الطرفين جدا، حتى إنه ليخيل لك أنهما متحدان, كالشبه بين العلم والنور, أو بين الشبهة والظلمة, ففي هذين المثالين تحسن الاستعارة فتقول: "في قلبي نور" أي: علم, ولا يحسن التشبيه، فلا تقول: "في قلبي علم كالنور"، وتقول: "في قلبي ظلمة" أي: شبهة, ولا يحسن أن تقول: في قلبي شبهة كالظلمة.
وإنما قبح التشبيه فيما ذكرنا لقوة الشبه بين الطرفين، حتى كأنهما شيء واحد، فإجراء التشبيه بينهما بمثابة تشبيه الشيء بنفسه، وحسنت فيه الاستعارة لاختفاء شبح التشبيه لفظا.
٢- أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح، ولذلك كانت الاستعارة المرشحة أكثر قبولا، وألذ طعما في ذوق البلغاء من أختيها: المجردة، والمطلقة.
стр. 1089
٣- ألا يشتم فيها رائحة التشبيه لفظا١. بألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه كما تقول: "زارنا قمر في منزلنا" فليس في العبارة لفظ صريح يفصح عن المشبه, بخلاف قول الشاعر السابق:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
فإن استعارة "القمر" للإنسان الجميل قليلة الحسن, كما يقولون٢ لما فيها من إشمام رائحة التشبيه، بسبب ذكر لفظ دال على المشبه، وهو الضمير في "غلالته"، أو في "أزراره"، وهذا يتنافى مع ما ترمي إليه الاستعارة من تناسي التشبيه، ودعوى اتحاد الطرفين.
ومما ينبغي أن يعلم هنا: أن المراد بإشمام التشبيه المشروط نفيه في حسن الاستعارة: ما لا يخرج به الكلام عن نطاق الاستعارة، كما في البيت المذكور ونحوه: مما يذكر فيه المشبه على وجه لا ينبئ عن التشبيه, بخلاف ما لو ذكر فيه المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه نحو: "خالد أسد" من كل ما لا يصح فيه الحمل إلا على تقدير التشبيه، أو صرح فيه بوجه الشبه، أو الأداة، فإن مثل هذا الإشمام مبطل للاستعارة، فنفيه شرط لصحتها، لا لحسنها.
٤- ألا يكون وجه الشبه خفيا جدا، بحيث لا يدرك بغير تأمل. وإذن فلا يحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم المنتن، لخفاء وجه الشبه، إذ إن انتقال الذهن من معنى "الأسد" إلى الرجل: إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الأسد، وهو الجرأة، لا البخر، فاستعار لفظ "الأسد" للأبخر، حينئذ يعد إلغازا وتعمية في المراد, ذلك: أن من شروط حسن الاستعارة- كما عرفت-
стр. 1090
عدم إشمامها رائحة التشبيه، وذلك مما يبعدها عن الحقيقة، فإذا انضم إلى ذلك خفاء وجه الشبه ازدادت بعدا، فخفيت على الفهم، وصارت إلغازا, ومن هنا يعلم: أن التشبيه أعم محلا، إذ كل ما يتأتى فيه الاستعارة يتأتى فيه التشبيه، من غير عكس لجواز أن يكون وجه الشبه غير جلي، فتصير الاستعارة إلغازا كما في المثال المذكور.
هذا: والاستعارة التمثيلية كالتحقيقية في أن حسنها يكون بما ذكرنا من الأمور السابقة، إذ لا فارق بينهما إلا من حيث الإفراد والتركيب, والمكنية كذلك حسنها برعاية جهات حسن التشبيه, والتخييلية قرينة المكنية -كما علمت- فحسنها حينئذ تابع لحسن المكنية.