← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

علم البيان مدخل ... علم البيان: واضعه: إن أول من دون فيه كتابًا "كما قدمنا" في أول الكلام هو أبو عبيدة معمر بن المثنى، أحد رواة اللغة، المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وهو الكتاب المسمى "مجاز القرآن"، ثم كتب فيه بعض الأئمة المبرزين إلى آخر ما تقدم. وأول من رتب مباحثه, وجعل له أصولًا وقواعد مهذبة الإمام عبد القاهر, فهو من هذه الناحية يعتبر واضع هذا الفن. وفيه خمسة مباحث: ١- مبحث التعريف. ٢- مبحث الدلالة. ٣- مبحث التشبيه. ٤- مبحث الحقيقة والمجاز. ٥- مبحث الكناية.

стр. 37

المبحث الأول: في تعريف علم البيان معناه في اللغة: الكشف والإيضاح، أما معناه في الاصطلاح فهو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد، في تراكيب متفاوتة في وضوح الدلالة عليه, بمعنى أن يكون تركيب أوضح في الدلالة من تركيب آخر. وموضع هذا الفن: هو هذا الإيراد للمعنى الواحد في التراكيب المختلفة, في وضوح الدلالة. فالمعنى الواحد "كالجود" مثلًا, يمكنك إذا كنت ملمًّا بمسائل هذا الفن, عالمًا بأصوله وقواعده أن تؤديه من طرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه. فتارة من طريق التشبيه, فتقول: "محمد كالبحر في الإفاضة" فتشبه بالبحر محمدًا وتلحقه به في هذا المعنى. وتارة عن طريق الاستعارة، فتقول: "رأيت بحرًا على فرس يداعب أقرانه" فتشبه محمدًا بالبحر في الإفاضة، ثم تستعير لفظ البحر له كما ستعرفه بعد. وتارة عن طريق الكناية، فنقول: "محمد كثير الرماد" فإن كثرة الرماد تدل على كثرة إحراق الحطب الدالة على كثرة الطبخ، وهذه تدل على كثرة الأكلة، وهذا دليل الجود، فكثرة الرماد حينئذ كناية عن الجود. فهذه التراكيب الثلاثة تؤدي معنى واحدا هو الجود "كما رأيت" وأول هذه التراكيب أوضح من الثاني في تأدية هذا المعنى، والثاني أوضح من الثالث, وكل ذلك سيأتي لك مفصلًا في محاله، ومثل الجود "الشجاعة". فتارة يعبر عنها من طريق التشبيه, فيقال: "محمد كالأسد في الشجاعة". وتارة عن طريق الاستعارة، فيقال: "رأيت أسدًا يخطب القوم على المنبر". وتارة عن طريق الكناية، فيقال: "زارنا أبو الحرب" فإن أبوته لها كناية عن ملازمته إياها كما يلزم الأب ابنه، وهذا كناية عن شجاعته. وأوضح التراكيب دلالة على هذا المعنى هو الأول، ويليه الثاني, ثم الثالث، وهكذا دواليك.

стр. 38

تنبيهان: الأول: إن "ال" في لفظ "المعنى" الوارد في التعريف المذكور للاستغراق العرفي, أي: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم. فلو استطاع إنسان أن يورد معنى "الجود" في تراكيب مختلفة في الوضوح دون غيره من المعاني, لم يكن بمجرد ذلك عالمًا بعلم البيان، بل لا بد أن يستطيع ذلك في كل معنى يدخل تحت قصده وإرادته ا. هـ. الثاني: إن في التعريف تقييدين؛ تقييد المعنى "بالواحد", وتقييد التفاوت "بوضوح الدلالة على المعنى". أما الأول: فالغرض منه الاحتراز عن المعاني المتعددة المؤداة بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة عليها, بأن يكون هذا الطريق مثلًا في معناه أوضح دلالة من الآخر في معناه؛ كأن تعبر عن معنى الجود مثلًا بقولك: "محمد كالسحاب" في الفيض، ثم تعبر عن معنى الشجاعة بقولك: "مر أسد فحياني" فمن الواضح أن التركيب الأول في معناه أوضح دلالة من الثاني في معناه, ومثل هذا ليس من علم البيان في شيء؛ لأن المعنى في العبارتين مختلف، والشرط: أن يكون المعنى في العبارتين واحدًا "كما عرفت". وأما الثاني: فالقصد منه الاحتراز عن التفاوت في مجرد اللفظ، لا في وضوح الدلالة, كما إذا أوردت معنى واحدًا في تركيبين مترادفين، وأنت عالم بمدلولات الألفاظ فيهما, كأن تقول مثلًا: نكهة١ فم محمد كالطيب، ثم تقول: رائحة ثغر محمد كالند٢, فمثل هذا ليس من مباحث علم البيان؛ لأن التركيبين متماثلان في وضوح الدلالة على المعنى, والاختلاف إنما هو في اللفظ والعبارة فقط. والشرط: أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة "كما علمت".

стр. 39

المبحث الثاني: في الدلالة مدخل ... المبحث الثاني: في الدلالة تعريفها: هي فهم أمر من أمر, فالأمر الأول هو المدلول، والثاني هو الدال كدلالة لفظ "محمد" على معناه الذي هو "الذات" فاللفظ هو الدال، والذات هي المدلول, وفهم الذات من اللفظ هو معنى الدلالة. ولما لم تكن كل دلالة تقبل الاختلاف في الوضوح الذي هو موضوع هذا الفن, وجب أن تقسم الدلالة، ثم يعين المقصود منها. تقسيمها: الدلالة باعتبار الدال قسمان: لفظية، وغير لفظية. فاللفظية: ما كان الدال فيها لفظا؛ كدلالة لفظ "إنسان" على الحيوان الناطق، وكدلالة لفظ "أسد" على الحيوان المفترس. وغير اللفظية: ما كان الدال فيها غير لفظ؛ كدلالة الدخان على النار, وكدلالة حمرة الخد على الخجل, ودلالة صفرته على الوجل. والثانية لا علاقة لها بمباحث علم البيان. والأولى أقسام ثلاثة: وضعية، طبيعية، عقلية. فالوضعية: ما كان للوضع فيها مدخل؛ كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق, فالرابط بين الدال والمدلول وضع الواضع أي: تعيينه هذا اللفظ لهذا المعنى، ومثله دلالة الفرس على الحيوان الصاهل. والطبيعية: ما كان قوامها الطبع؛ كدلالة التأوه على الوجع، فالربط بين الدال والمدلول في هذه الدلالة هو الطبع, إذ إن طبع المريض أن يتأوه عند استشعاره الألم. والعقلية: ما كان قوامها العقل؛ كدلالة الصوت على حياة صاحبه, كما إذا سمعت صوت إنسان من وراء جدار, فإن صوته دليل على حياته، فالرابط بين الدال والمدلول في هذه الدلالة هو العقل لا غير.

стр. 40

والدلالتان الأخريان لا علاقة لهما أيضًا بعلم البيان، فهما خارجتان. والأولى وهي اللفظية الوضعية ثلاثة أقسام كذلك: مطابقية، تضمنية، التزامية. فالمطابقية: دلالة اللفظ على كامل معناه؛ كدلالة الإنسان على الحيوان والناطق، ودلالة الفرس على الحيوان والصاهل. وسميت مطابقية لتطابق اللفظ والمعنى، أي: تساويهما؛ لأن الواضع إنما وضع لفظ "إنسان" ليدل على مجموع الحيوان والناطق, كما وضع لفظ "فرس" ليدل على مجموع الحيوان والصاهل. والتضمنية: دلالة اللفظ على جزء معناه الموضوع له؛ كدلالة "الإنسان" على الحيوان فقط, أو الناطق فقط، وكدلالة "البيت" على السقف, أو الجدار. وسميت تضمنية؛ لأن الحيوان أو الناطق جزء من معنى الإنسان، وداخل في ضمنه؛ لأن الواضع إنما وضع لفظ "إنسان" ليدل على الحيوانية والناطقية معًا، كما وضع لفظ "بيت" ليدل على جميع أجزائه, فدلالة "الإنسان" على الحيوانية فقط، أو الناطقية فقط دلالة تضمنية؛ لأن الكل متضمن لأحد أجزائه، وكذلك دلالة "البيت" على السقف، أو الجدار. والالتزامية: دلالة اللفظ على لازم معناه الموضوع له؛ كدلالة "الإنسان" على الضحك، وكدلالة "حاتم" على الجود، والأسد على الشجاعة, ودلالة كثرة الرماد على الكرم١.

стр. 41

وسميت التزامية؛ لأن الضحك ليس معنى الإنسان, ولا جزء معناه، وإنما هو خارج عن معناه، لكنه لازم له. وكذلك الجود لحاتم، والشجاعة للأسد، والكرم لكثرة الرماد, فكل ذلك لازم للمعنى الموضوع له. تنبيهان: الأول: يكفي في دلالة الالتزام أن يكون التلازم بين الشيئين في الذهن, كالتلازم الذي بين الإنسان والضحك، إذ يلزم من حضور معنى الإنسان "وهو الحيوان الناطق" في الذهن حضور معنى الضحك فيه. وكالتلازم الذي بين الأسد والشجاعة, إذ يلزم من تصور معنى الأسد، وهو الحيوان المفترس، تصور معنى الشجاعة. أما التلازم في الخارج فليس بشرط, فإن وجد مع التلازم الذهني كان حسنًا كالتلازم بين الزوجية والأربعة, فإن الزوجية "كما يبدو بداهة" لازمة للأربعة ذهنًا وخارجًا, وإن لم يوجد التلازم الخارجي فلا ضير؛ كالتلازم الذي بين العمى والبصر؛ فإن البصر لازم للعمى ذهنًا فقط, إذ يلزم من تصور معنى العمى تصور معنى البصر؛ لأن العمى فقد البصر عما من شأنه الإبصار, أما في الخارج فبينهما التعاند. كذلك يكفي في دلالة الالتزام أن يكون التلازم بين الشيئين عرفيًّا, بأن يتعارف الناس فيما بينهم على التلازم بينهما كالتلازم الذي بين "الأسد" و"الجرأة"، والذي بين "كثرة الرماد" و"الكرم"، والذي بين "الفاعل النحوي" و"حركة الرفع" فقد تعارف الناس على أن الجرأة لازمة للأسد، وتعارف علماء البيان على أن الكرم لازم لكثرة الرماد، وتعارف علماء النحو على أن حركة الرفع لازمة للفاعل, في حين أن لا تلازم عقلًا بين هذه الأشياء؛ إذ يتصور العقل أسدًا جبانًا كما يتصور كثرة رماد بدون كرم كما يتصور فاعلًا منصوبًا أو مجرورًا. أما التلازم العقلي, وهو ما لا يتصور العقل انفكاكه, فليس بشرط في دلالة الالتزام كالتلازم الذي بين الزوجية والأربعة, أو بين الفردية والثلاثة

стр. 42

إذ لا يتصور العقل أربعة بدون زوجية, أو ثلاثة بدون فردية, فالمدار في دلالة الالتزام على وجود مطلق تلازم, ولو بسبب تعارف عام أو خاص كما مثلنا. الثاني: اصطلح البيانيون على تسمية المطابقة "وضعية" لأن الواضع إنما وضع اللفظ لتمام معناه، لا لجزئه ولا للازمه, فلفظ "الإنسان" مثلًا وضعه الواضع لمجموع الحيوان والناطق ولم يضعه لواحد منهما ولا لوصف لازم "كالضحك". فقوام هذه الدلالة هو العلم بالوضع، بدون حاجة إلى شيء آخر وراءه, واصطلحوا على تسمية كل من التضمنية، والالتزامية عقلية؛ لأن دلالة اللفظ على جزء معناه، أو على لازم هذا المعنى متوقفة على أمر عقلي زائد على العلم بالوضع, وهو أن وجود الكل أو الملزوم يستلزم وجود الجزء أو اللازم. "فالإنسان" مثلًا موضوع لمجموع الحيوان والناطق, فمجرد العلم بهذا الوضع ليس كافيًا في جعل لفظ "إنسان" دالًّا على جزء معناه "كالناطقية" مثلًا، أو على لازمه "كالضاحكية" بل لا بد مع العلم بهذا الوضع من انتقال العقل من المعنى الموضوع له "إنسان" إلى جزئه ضرورة أن الكل يتضمن الجزء، أو إلى لازمه ضرورة أن الملزوم يستلزم اللازم. وإنما اقتصر على العقل في تسمية هاتين الدلالتين، مع أن كلا من العقل والوضع سبب فيهما؛ لأن سببية العقل أقرب من سببية الوضع, ذلك أن انتقال العقل من الكل إلى جزئه، أو من الملزوم إلى لازمه إنما جاء بعد العلم بوضع اللفظ لهذا الكل أو لهذا الملزوم, فهو لذلك سبب قريب، والذهن إلى القريب أكثر التفاتًا منه إلى البعيد١ ا. هـ. والمقصود بالبحث في هذا الفن هو الدلالة العقلية بنوعيها, إذ هي التي يتأتى فيها الاختلاف في الوضوح الذي هو موضوع هذا الفن. بيان ذلك في التضمنية: هو أنه يجوز أن يكون المعنى الواحد جزءًا من شيء

стр. 43

"كالجسم" فإنه جزء من الحيوان، وأن يكون جزءًا لجزء من شيء آخر "كالجسم" أيضًا, فإنه جزء من الحيوان الذي هو جزء من الإنسان. وإذًا تكون دلالة الحيوان على الجسم الذي هو جزؤه المباشر أوضح من دلالة الإنسان على الجسم الذي هو جزء جزئه. ومثل الجسم "فيما قلنا" التراب؛ فإنه جزء من الجدار الذي هو جزء من البيت, فدلالة الجدار على التراب الذي هو جزؤه المباشر أوضح من دلالة البيت على التراب الذي هو جزء جزئه، وهكذا. وبيان ذلك في الالتزامية هو أنه يجوز أن يكون للازم الواحد عدة ملزومات, لزومه لبعضها أوضح منه لبعضها الآخر "كالكرم" مثلًا؛ فإنه لازم وله جملة ملزومات تستلزمه وتدل عليه، هي: كثرة الضيفان، وكثرة الطبخ، وكثرة إحراق الحطب، وكثرة الرماد، فهذه الأمور الأربعة تستلزم الكرم، وتدل عليه؛ إذ يلزم من وجودها وجوده, غير أن دلالة بعضها على معنى "الكرم" أوضح من دلالة بعضها الآخر عليه, فدلالة كثرة الأضياف على كرم "محمد" مثلًا أوضح من دلالة كثرة الطبخ عليه؛ لأن كثرة الأضياف أقرب إلى معنى الكرم من كثرة الطبخ، فقولك: محمد "كثير الأضياف" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير الطبخ"؛ إذ لا واسطة بين كثرة الضيفان والكرم، ودلالة كثرة الطبخ على الكرم أوضح من دلالة كثرة إحراق الحطب عليه؛ لأن كثرة الطبخ أقرب إلى معنى الكرم من كثرة الإحراق, فقولك: "محمد كثير الطبخ" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير إحراق الحطب" لقلة الوسائط بين كثرة الطبخ والكرم, ودلالة كثرة الإحراق على معنى الكرم أوضح من دلالة كثرة الرماد عليه؛ لأن كثرة الإحراق أقرب إلى معنى الكرم من كثرة الرماد, فقولك: "محمد كثير الإحراق" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير الرماد" لقلة الوسائط في الأول, وكثرتها في الثاني. وهكذا كلما كان الملزوم أقرب إلى لازمه كانت دلالته عليه أوضح، وأوضح هذه الدلالات على الكرم دلالة كثرة الضيفان عند محمد، وأقلها وضوحًا كثرة الرماد عنده كما رأيت.

стр. 44

ومثل الكرم فيما فصلنا "الحرارة" فهي لازمة لعدة ملزومات هي: "النار" و" الشمس" و"الحركة الشديدة" فدلالة النار على الحرارة أوضح من دلالة الشمس عليها, ودلالة الشمس عليها أوضح من دلالة الحركة الشديدة عليها. فقولك: محمد في جسمه نار, أدل على حرارته من قولك: في جسمه شمس, أو في جسمه حركة شديدة، وهكذا. إلى هنا وضح لك اختلاف الوضوح في الدلالتين العقليتين: التضمنية والالتزامية, مما لا يقبل المزيد. أما الدلالة الوضعية المطابقية التي هي دلالة اللفظ على تمام معناه, فليست من مباحث هذا الفن؛ إذ لا يتأتى فيها الاختلاف في وضوح الدلالة. بيان ذلك: أن السامع لا يخلو حاله من أمرين: ١- أن يكون عالمًا بوضع الألفاظ لمعانيها. ٢- ألا يكون عالمًا بهذا الوضع, فإن كان الأول فلا تفاوت في الدلالة على المعنى؛ لأن كل لفظ معلوم وضعه لمعناه، وإن كان الثاني فقد انعدم فهم المعنى من اللفظ؛ لتوقف الفهم على العلم بالوضع، وفهم المعنى من اللفظ "كما سبق" هو "الدلالة" عينها؛ إذ "هي كما قلنا" فهم أمر من أمر, وإذا انتفى الفهم المذكور الذي هو "الدلالة" فلا اختلاف في الوضوح؛ إذ لا يتصور اختلاف وضوح فيما لا دلالة له. فإذا قلت مثلًا: "محمد يشبه السحاب في العطاء" وكان السامع يعلم بوضع هذه الألفاظ لمعانيها، ثم أتيت بتركيب آخر دال على هذا المعنى بألفاظ مرادفة لألفاظ التركيب الأول، فقلت: "محمد يحاكي الغمام في النوال" وكان السامع يعلم أيضًا بوضع هذه الألفاظ لمعانيها, امتنع حينئذ أن يكون التركيب الثاني أوضح دلالة من الأول بل هما في الدلالة سواء. فإذا لم يعلم السامع وضع الألفاظ لمعانيها في التركيبين، أو في أحدهما لم يفهم شيئًَا أصلًا؛ لتوقف الفهم على العلم بالوضع "كما قلنا", وإذا انتفى الفهم فلا دلالة للفظ، فلا اختلاف في الوضوح. فأنت ترى أن الاختلاف في الوضوح منتفٍ على كلا التقريرين في الدلالة الوضعية المطابقية، فهي إذًا خارجة عن موضع هذا الفن.

стр. 45

تمرين: ١- عرف علم البيان في الاصطلاح، ثم ائت بمثال توضح فيها ما تقول. ٢- بين لماذا قيد المعنى "بالواحد" وقيد الاختلاف "بالوضوح" في الدلالة؟ ٣- عرف الدلالة وقسمها, وعرف كل قسم, مع التمثيل لكل ما تذكر. ٤- اذكر أية الدلالات هي موضوع علم البيان، مع التوجيه لما تقول. ٥- بين لماذا لم تكن الدلالة الوضعية المطابقية من مباحث علم البيان؟

стр. 46

تقسيم اللفظ إلى: حقيقة، ومجاز، وكناية اللفظ المستعمل نوعان: نوع لا يتصرف فيه عند الاستعمال أي تصرف, بل يبقى على أصل وضعه, ونوع يتصرف فيه عند الاستعمال. فالأول يسمى "حقيقة" وهي إما أن تكون في إسناد اللفظ إلى غيره, وإما أن تكون في ذت اللفظ. فإن كانت في الإسناد سميت "حقيقة عقلية", وإن كانت في ذات اللفظ سميت بأسماء تختلف باختلاف الواضع. فإن كان الواضع من أرباب اللغة سميت حقيقة لغوية, وإن كان من أهل الشرع سميت حقيقة شرعية, وإن كان الواضع طائفة معينة كالنحاة مثلًا سميت حقيقة اصطلاحية أو عرفية خاصة, وإن كان الواضع طائفة غير معينة سميت حقيقة عرفية عامة. والثاني, وهو ما يتصرف فيه عند الاستعمال، يسمى "مجازًا". وهذا التصرف: إما أن يكون في إسناد اللفظ إلى غيره، وإما أن يكون في ذات اللفظ.

стр. 47

فإن كان التصرف في الإسناد بأن أسند اللفظ إلى غير ما حقه أن يسند إليه, سمي "مجازًا عقليًّا" وإن كان التصرف في اللفظ ذاته, مفردًا كان أو مركبًا, بأن نقل من معناه الموضوع له إلى معنى آخر, فإن كانت العلاقة بين المعنيين المشابهة سمي اللفظ المفرد "استعارة" فحسب، وسمي المركب "استعارة تمثيلية" بشرط وجود القرينة المانعة فيهما كما سيأتي بيانه بعد. وإن كانت العلاقة غير المشابهة سمي اللفظ "مجازًا مرسلًا" مفردًا كان أو مركبًا, وإن كانت القرينة غير مانعة من إرادة المعنى الأصل سمي اللفظ "كناية" وسيأتي كل ذلك مفصلًا في أبوابه. وإلى هنا وضح لك وجه تقسيم اللفظ إلى: حقيقة ومجاز وكناية. وإذ قد علمت: أن العلاقة بين المعنيين في الاستعارة هي المشابهة، وجب التعرض أولًا لبحث التشبيه؛ إذ هو منها بمثابة الأساس من البناء، أو بمنزلة الأصل من الفرع.

стр. 48

المبحث الثالث: في التشبيه مدخل ... المبحث الثالث: في التشبيه تعريفه: هو عند علماء "البيان" إلحاق أمر بأمر في معنى مشترك بينهما بإحدى أدوات التشبيه لفظًا، أو تقديرًا لغرض. ويسمى الأمر الأول "مشبهًا" والثاني "مشبهًا به" والمعنى المشترك "وجه شبه" كالتشبيه في قولك: "العلم كالنور في الهداية" فهو إلحاق أمر "كالعلم" بأمر "كالنور" في معنى "كالهداية" بأداة تشبيه "كالكاف". ومثله قولك: "علي مثل الأسد في الإقدام" وهند شبه البدر في الإشراق, وكأن محمدًا بحر في الإمداد, وهكذا. ويصح حذف الأداة ووجه الشبه، فيقال في الأمثلة السابقة: العلم نور, وعلي أسد، وهند بدر، ومحمد بحر. أركان التشبيه: أركانه أربعة: ١- المشبه. ٢- المشبه به. ٣- وجه الشبه. ٤- أداة التشبيه. "فالعلم" في المثال المتقدم هو المشبه، و"النور" هو المشبه به، و"الهداية" وجه الشبه، و" الكاف" أداة التشبيه.

стр. 49

وفيه أربعة مباحث: أ- مبحث الطرفين. ب- مبحث وجه الشبه. جـ- مبحث الأداة. د- مبحث الأغراض. وإليك بيانها على هذا الترتيب: مبحث الطرفين: الطرفان هما -كما قلنا- المشبه والمشبه به كما في قولك: "محمد كسحبان", فالطرفان هما "محمد وسحبان" والأول مشبه، والثاني مشبه به. وللتشبيه باعتبار الطرفين تقسيمات ثلاثة:

стр. 50

التقسيم الأول: ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام: ١- أن يكون طرفاه حسيين أي: مدركين بإحدى الحواس الخمس. مثال ذلك فيما يدرك بحاسة البصر قولك: "وجه هند كالبدر، وشعرها كالليل". ومثاله فيما يدرك بحاسة السمع قولك: "أسمع صوتًا كتغريد الحمام، ودويًّا كدوي الرعد". ومثاله فيما يدرك بحاسة الشم قولك: "عرف هند كأريج المسك". ومثاله فيما يدرك بحاسة اللمس قولك: "جسمه كالعجين", ومنه قول ذي الرمة في تشبيه الجسم بالحرير: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر١ ومثاله فيما يدرك بحاسة الذوق قولك: لعابه كالعسل، وشرابه كالحنظل؛ فالطرفان في هذه المثل جميعا حسيان "كما رأيت". ٢- أن يكون طرفاه عقليين أي: مدركين بالعقل، كما تقول في تشبيه العلم والجهل: "العلم كالحياة" و"الجهل كالموت" فالطرفان في المثالين عقليان.

стр. 51

٣- أن يكون المشبه عقليًّا والمشبه به حسيًّا كما تقول في تشبيه الخلق الكريم: "خلق كالعطر" وكقولك في تشبيه الرأي الواضح، والحظ العاثر: "رأي كفلق الصبح", و"حظ كالليل". ٤- أن يكون المشبه حسيًّا والمشبه به عقليًّا, كتشبيه العطر بالخلق الكريم "عكس المثال السابق" وأشباهه بتقدير المعقول محسوسًا مبالغة. إذ ينبغي أن يكون المشبه به أقوى حالًا من المشبه ولو تقديرًا؛ لأنه الأصل. تنبيه: من الحسي: ما لا تدركه الحواس بذاته، ولكن تدرك مادته كقول الشاعر: كأن الحباب١ المستدير برأسه ... كواكب در في سماء عقيق يشبه الفقاقيع الطافية على وجه الماء بكواكب من در، منثورة في سماء من عقيق، وليس من شك أن صورة الكواكب المصوغة من الدر المنثور في سماء مصوغة من عقيق شيء لا يدرك بالحس لعدم وجوده خارج الأعيان, وإنما المدرك مادتها وهي: "الدر، والعقيق، والكواكب، والسماء" وهذا كافٍ في جعل مثل هذا التشبيه حسيًّا. فالحسي حينئذ هو ما يدرك بذاته، أو بمادته بإحدى الحواس الخمس؛ ليدخل فيه مثل هذا التشبيه الخيالي, وهو الشيء المتخيل المركب من أمور مدركة بإحدى الحواس. ومن العقلي: ما يخترعه الوهم من عند نفسه، من غير أن يكون له، ولا لمادته وجود خارج الأعيان, كقول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ ٢ وكقوله تعالى في شجرة الزقوم: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ . فإن أنياب الأغوال، ورءوس الشياطين لم توجد هي ولا مادتها, وإنما هي من اختراعات الوهم. فالعقلى حينئذ ما لا يدرك هو، ولا مادته بإحدى الحواس الخمس ليدخل فيه مثل هذا التشبيه الوهمى أهـ.

стр. 52

التقسيم الثاني: ينقسم التشبيه باعتبار الطرفين أيضًا أربعة أقسام: ١- أن يكون طرفاه مفردين، وهما إما أن يكونا مطلقين عند التقييد بنحو وصف، أو إضافة، أو حال، أو ظرف، أو نحو ذلك، أو يكونا مقيدين بشيء مما ذكر، أو يكون أحدهما مقيدًا, والآخر مطلقًا. فالمفردان المطلقان كما في قولك: لها لحظ كالسهم، وثغر كالدر، والمقيدان كما في تشبيه من لم يحصل من سعيه على نتيجة بالناقش على الماء, فالمشبه هو الساعي المقيد بأن سعيه لم يأت بنتيجة, والمشبه به هو الناقش المقيد بأن نقشه على صفحة الماء. ومثال ما فيه المشبه مطلق، والمشبه به مقيد قول ابن المعتز يصف الشمس: والشمس كالمرآة في كف الأشل ... لما رأيتها بدت فوق الجبل يريد أن يشبه الشمس في حركتها السريعة المتصلة، وإشراقها المتموج بالمرآة في يد المرتعش، فالمشبه وهو "الشمس" مفرد غير مقيد بشيء, والمشبه به وهو "المرآة" مفرد مقيد بكونه في يد المرتعش. ومثال ما فيه المشبه مقيد، والمشبه به مطلق عن القيد عكس هذا المثال, أي: تشبيه المرآة في كف الأشل بالشمس, وكما تقول: "اللؤلؤ المنظوم كالثغر" ففيه تشبيه "اللؤلؤ" وهو مقيد "بالثغر" وهو مطلق. ٢- أن يكون طرفاه مركبين, كما في قول الشاعر: كأن سهيلًا والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها يريد: تشبيه هيئة سهيل، والنجوم مصطفة وراءه بهيئة إمام قائم يصلي

стр. 53

والناس خلفه صفوف متراصة. فالمشبه مركب من سهيل ومن النجوم وراءه، والمشبه به مركب كذلك من إمام قائم في محرابه ومن صفوف المصلين خلفه١. ومثله قول بشار بن برد: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه٢ يصف الشاعر ملحمة بين جيشين يقتتلان بالسيوف، وقد انعقد عليهما غبار كثيف. فالمشبه مركب من النقع مثارًا فوق الرءوس، ومن السيوف المتلاحمة اللامعة في أثنائه, والمشبه به مركب من الليل، ومن الكواكب المتهاوية وهو تشبيه "كما ترى" فيه من الدقة والإبداع ما جعل بشارًا -وهو ضرير- يسمو به إلى درجة يقف دونها العباقرة المبصرون, ولو أنه أفرد التشبيه فشبه النقع وحده بالليل، والسيوف بالكواكب لصح ذلك، ولكن لا تحس تلك الروعة التي أحسستها من قبل، وما كان لبشار بهذا التشبيه أن يستوي على عرش السيادة بين أقرانه. ٢- أن يكون المشبه فردًا، والمشبه به مركبًا؛ كقول الصنوبري يصف زهرًا يتحرك من أسفل إلى أعلى، وبالعكس حسب اتجاه الريح: وكأن محمر الشقيق ... إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد٣ يريد أن يشبه الزهر حال تصوبه وتصعده بأعلام الياقوت المنشورة على رءوس رماح من زبرجد. فالمشبه مفرد وهو "الشقيق", والمشبه به مركب من أعلام ياقوت, ورماح من زبرجد.

стр. 54

٤- أن يكون المشبه مركبًا، والمشبه به مفردًا؛ كقول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي يصف الربيع: يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر١ يلفت الشاعر نظري صاحبيه إلى صنيع المبدع القادر فيما أخرج من نبات بهيج ناضر، وكيف أن النبات لشدة اخضراره وكثافته صار لونه يضرب إلى السواد، حتى نقص من ضوء النهار المشرق، وكأنه ليل سرى فيه ضوء القمر. يريد الشاعر أن يشبه هيئة النهار المشرق، وقد خالطت ضوءه خضرة الزهر القائمة، فتضاءل ضوءه بليل بزغ قمره. فالمشبه مركب من نهار تألقت شمسه ومن زهر نابت في الربا, والمشبه به مفرد وهو "الليل المقمر" وتقييده بالوصف المذكور لا ينافي إفراده. تنبيهان: الأول: اعلم أن المراد بالقيد في التشبيه الذي كلا طرفيه أو أحدهما مقيد: هو ما يكون له مدخل في وجه الشبه بحيث لا يتم التشبيه بدونه. ففي المثال المتقدم في تشبيه الساعي المقيد بأن سعيه لم يكلل بالنجاح بالنقاش المقيد بأن نقشه على الماء لا بد فيه من اعتبار هذين القيدين؛ لأن وجه الشبه بين الطرفين هو "تساوي الفعل وعدمه" وهذا المعنى لا يتم إلا باعتبار القيدين المذكورين. وكذلك الحال في تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل, إذ لا بد من اعتبار كون المرآة في يد مرتعش؛ لأن وجه الشبه بين الطرفين هو الهيئة الحاصلة من الحركة السريعة المتصلة، مع الإشراق المتموج, وهذا المعنى لا يستقيم ولا يكمل بدون ملاحظة هذا القيد، كذلك لا بد في تشبيه اللؤلؤ المنظوم بالثغر من اعتبار قيد "المنظوم"

стр. 55

لأن وجه الشبه الهيئة الحاصلة من البريق وحسن التنسيق, وهذا لا يتم إلا بمراعاة القيد المذكور. فليس المراد إذًا مطلق قيد, بل المراد قيد يكون له تعلق بوجه الشبه "كما علمت", فإن لم يكن كذلك فلا اعتبار له ا. هـ. الثاني: الفرق بين المقيد من الطرفين والمركب منهما: أن المقصود بالذات في المركب هو الأجزاء مجتمعة وليس فيها جزء قصد وحده بالتشبيه, وإن صح أن يشبه بجزء من الطرف الآخر نحو ما في بيت بشار السابق. فإن المشبه مجموع النقع المثار, والأسياف المسلولة المتحركة إلى جهات مختلفة, والمشبه به مجموع الليل والكواكب المتهاوية ولم يتعلق الغرض بتشبيه النقع وحده بالليل, ولا بتشبيه السيوف وحدها بالكواكب, وإن صح ذلك على ما سبق. وأما المقيد فإن المقصود بالذات فيه هو أحد أجزاء الطرف، مع مراعاة قيد فيه، فالقيد إذًا ليس مقصودًا لذاته، بل لذلك الجزء كما في تشبيه الساعي المقيد بأن سعيه لم ينتج بالنقاش المقيد بأن نقشه على الماء, فإن المقصود بالذات هو كل من "الساعي والناقش" مراعى في كل منهما قيده المذكور، فوضح الفرق بين الأمرين.

стр. 56

التقسيم الثالث: ينقسم التشبيه باعتبار الطرفين أيضًا أربعة أقسام: ملفوف، ومفروق, وتسوية, وجمع. فالملفوف: أن يتعدد طرفاه، وبجمع كل طرف مع مثله بأن يؤتى بالمشبهات أولًا، ثم بالمشبهات بها ثانيًا, كقول امرئ القيس يصف عقابًا بكثرة اصطياد الطيور: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي١ شبه الرطب الطري من قلوب الطير بالعناب في الشكل والمقدار واللون, وشبه اليابس العتيق منها بالحشف البالي في هذه الثلاثة، وجمع بين المشبهين في المصراع الأول، وبين المشبهين بهما في المصراع الثاني "كما ترى". وكما تقول: كالقمرين هند وسعاد، أو هما كالشمس والقمر, فقد جمع فيهما كل صنف على حدة, وسمي "ملفوفًا" لأنه من اللف وهو الضم، وقد لف المشبهان "فيما مثلنا" أي: ضم بعضهما إلى بعض, كما لف المشبهان بهما كذلك. والمفروق: أن يتعدد طرفاه، ويجمع كل طرف منهما مع صاحبه بأن يجمع كل مشبه مع مشبه به, كقول الشاعر: الخد ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر كالدرر١ جمع الشاعر في هذا البيت كل مشبه مع مشبه به كما ترى. وكقول المتنبي: بدت قمرًا ومالت غصن بان ... وفاحت عنبرًا ورنت غزالا٢ فقد شبه وجهها بالقمر, وقدها بالغصن، وريحها بالعنبر، وطرفها بالغزال، وسمى مفروقًا؛ لأنه لم يجمع فيه بين المشبهات على حدة، ولا بين المشبهات بها كذلك كما في القسم الأول بل فرق بينهما، فوضع كل مشبه به بجوار مشبهه على ما رأيت في البيتين. والتسوية: أن يتعدد المشبه دون المشبه به, كما في قول الشاعر: صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي

стр. 57

شبه الشاعر في البيت الأول حاله، وصدغ حبيبه بالليالي في السواد، وشبه في البيت الثاني أدمعه، وثغر حبيبه باللآلئ في الصفاء والتألق, فالمشبه فيهما متعدد دون المشبه به, وسمي تشبيه التسوية؛ لأنه سوَّى فيه بين شيئين في إلحاقهما بشيء واحد. والجمع: أن يتعدد المشبه به دون المشبه, عكس تشبيه التسوية؛ كما في قول الشاعر: ذات حسن لو استزادت من الـ ... ـحسن لما أصابت مزيدا فهي الشمس بهجة والقضيب الـ ... ـلدن قدا والريم طرفًا وجيدا١ شبه الشاعر في البيت الثاني هذه المرأة بثلاثة أشياء: "الشمس" وهي الكوكب المعروف، و"القضيب" وهو "الغصن", و"الرئم" وهو الغزال, فالمشبه شيء واحد هو "ذات الحسن" والمشبه به متعدد كما ترى, وسمي تشبيه الجمع لاجتماع شيئين أو أشياء في مشابهة شيء واحد. "ملاحظة": إن التفريق بين تشبيهي التسوية والجمع اصطلاح لهم, وإلا فيجوز أن يعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر, ويسمى أحدهما باسم الآخر. تمرين: ١- عرف التشبيه لغة واصطلاحًا، وبين أركانه في مثال من عندك. ٢- ائت بتشبيهات خمسة من إنشائك: أولها: يدرك طرفاه بحاسة البصر, ووجهه بحاسة الشم. ثانيها: " " " " أيضًا، ووجهه بحاسة اللمس.

стр. 58

ثالثها: يدرك طرفاه، ووجهه بحاسة الذوق. رابعها: يدرك طرفاه، ووجهه بحاسة السمع. خامسها: فيها المشبه حسي، والمشبه به عقلي. ٣- بين فيما يأتي طرفي التشبيه، والحاسة التي يدرك بها كل منهما: صوت كتغريد البلابل، ونكهة كريح الند١, دواء كالعلقم، ولسع كلسع الأرقم٢, رضاب٣ كلعاب النحل، وجبين كالفرقد٤, شعر كالحرير، وقد كغصن البان. عبير كأنفاس الأزهار، ونغم كسجع الأطيار. كإنما الماء في صفاء ... وقد جرى ذائب اللجين٥ ٤- بين فيما يأتي طرفي التشبيه وحاليهما ونوع التشبيه باعتبارهما: ١- علم لا ينفع كدواء لا ينجع. ٢- الصديق المنافق، والأخ الجاهل كجمر الغضا٦. ٣- الحق سيف على أهل الباطل. ٤- إنما الدنيا كبيت ... نسجه من عنكبوت ٥- فكم معنى بديع تحت خط ... هناك تزاوج كل ازدواج كراح في زجاج أو كروح ... سرت في جسم معتدل المزاج ٦- خود كأن بنانها ... في خضرة النقش المزرد سمك من البلور في ... شبك تكون من زبرجد٧ ٧- ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد

стр. 59

خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد ٨- الخد ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر من برد١ ٩- بات نديما لى حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح٢ كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح ١٠- له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر٣ جواب السؤال الثالث

стр. 60

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق: بين فيما يأتي طرفي التشبيه وحاليهما، ونوع التشبيه باعتبارهما: النشر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكف عنم١ يكاد يحكيك صوت الغيث منسكبًا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا٢ والبدر لو لم يغب والشمس لو نطقت ... والأسد لو لم تصد والبحر لو عذبا في رأس مشرقة حصاها لؤلؤ ... وترابها مسك يشاب بعنبر لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجني اشتارته أيد عواسل٣ كالقمرين محمد وعلي. ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ . لها لفظ كالسهم، ولفظ كالسحر. إني وتزييني بمدحي معشرًا ... كمعلق درًّا على خنزير تمرين آخر يطلب جوابه: ١- مثل لما يأتي: تشبيه مقيد الطرفين. تشبيه أحد طرفيه حسي والآخر عقلي. تشبيه أحد طرفيه مقيد، والآخر مركب. تشبيه مفروق, وآخر ملفوف. تشبيه طرفاه مركبان حسيان. تشبيه تسوية. ٢- اجعل كلا من الأشياء الآتية مشبها به، ثم بين نوع التشبيه فيه: الدر، الغصن، الورد، ثم بين من أي أنواع التشبيه قولهم: هو بدر حسنًا، وشمس علوًّا. ٣- اجعل ما يأتي من الكلمات وجه شبه في عبارة من محض إنشائك: الطيب، الرعد، السماحة، العدالة، الصلابة، البهجة، القوة، الجمال.

стр. 61

مبحث وجه الشبه مدخل ... مبحث وجه الشبه: الوجه هو المعنى الذي اشترك الطرفان فيه كما تقول: محمد كأخيه في الكرم, فوجه الشبه هو "الكرم"؛ لأنه المعنى الذي اشترك فيه محمد وأخوه. غير أنه يشترط فيه: أن يكون مقصودًا للمتكلم، فليس كل معنى يشترك الطرفان فيه "وجه شبه" ما لم يقصد جعله موضع اشتراك, وإلا فإن الطرفين قد يشتركان في كثير من المعاني كالحيوانية، والجسدية، والوجود, وغير ذلك كما في المثال المذكور, ومع ذلك لا يعد واحد منها وجه شبه إلا إذا قصد إليه المتكلم، واعتبره وجهًا للشبه بين الطرفين، كما تقول لإنسان يقسو على آخر بالضرب المبرح: "أرفق به فهو مثلك" أي: في الحيوانية أو في الجسدية. وللتشبيه باعتبار هذا الوجه تقسيمات عدة:

стр. 62

التقسيم الأول: ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: تحقيقي، وتخييلي. فالتحقيقي: أن يكون وجه الشبه فيه قائمًا بالطرفين حقيقة, كما تقول: وجه هند كالبدر وشعرها كالليل، فوجه الشبه بين الطرفين هو "الإشراق" في الأول "والسواد" في الثاني, وكلا المعنيين قائم بالطرفين على وجه الحقيقة. والتخيلي: ألا يكون الوجه قائمًا بالطرفين, أو بأحدهما إلا تخيلًا, وهو أن يثبته الخيال بجعل غير المحقق محققًا, كقول الشاعر: يا من له شعر كحظي أسود ... جسمي نحيل من فراقك أصفر فوجه الشبه بين الشعر والحظ هو "السواد" وليس موجودًا في المشبه به حقيقة بل تخيلًا؛ لأن الحظ ليس من ذوات الألوان, فإذا قيل: يا من له حظ كحظي أسود, كان مثالًا لما يكون فيه وجه الشبه في الطرفين متخيلًا.

стр. 63

التقسيم الثاني: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضًا إلى ثلاثة أقسام: واحد، ومنزل منزلة الواحد، ومتعدد. فالواحد: ما لا تركيب فيه ولا تعدد "كالحمرة" في قولك: خده كالورد و"كالكرم" في قولك: محمد كحاتم و"كالهداية" في قولك: العلم كالنور, فوجه الشبه في هذه المثل شيء واحد "كما ترى". والمنزل منزلة الواحد: ما كان الوجه فيه هيئة مركبة، انتزعها العقل من عدة أمور، بحيث لا يصلح واحد منها على انفراده وجه شبه كقول الشاعر: والبدر في كبد السماء كدرهم ... ملقى على ديباجة زرقاء فوجه الشبه "كما ترى" مجموع الهيئة المركبة من عدة أشياء هي ظهور صورة بيضاء، مشرقة مستديرة، في رقعة مبسوطة زرقاء، ولا يصح "بلاغة" جعل واحد من هذه الأشياء وجه شبه على حدة؛ لأن القصد تشبيه الطرفين في هذه الهيئة المجتمعة. وإنما نزل القسم منزلة الواحد؛ لأن الوجه فيه مركب من أشياء تضامّت وتلاصقت حتى صارت كالشيء الواحد، لا يقبل التجزئة. وإنما لم يكن واحدًا حقيقة لتركيب الوجه من هذه الأشياء، ولا تركيب في الواحد. والمتعدد: ما كان وجه الشبه فيه عدة أمور, جعل كل منها وجه شبه على حدة كما في قولك: هذه الفاكهة كالتي أكلناها أمس في الطعم، واللون، والرائحة. وكما في قولك: عباس كأخيه في الطول والضخامة والوسامة, ومثله في الحلم، والكرم، والذكاء. فوجه الشبه في هذه المثل أمور متعددة, كل منها يصلح أن يكون وجه شبه على انفراده؛ إذ ليس القصد تشبيه الطرفين في هيئة مركبة من هذه الأمور، بل في كل واحد منها على حدة. تنبيهان: الأول: إن الفرق بين الوجه المركب من عدة أشياء, وبين المتعدد هو أن المركب منظور فيه إلى مجموع الأشياء، والهيئة المركبة منها باعتبارها وحدة لا تتجزأ، إذا حذف أحدها اختل التشبيه، كما في قول الشاعر المتقدم:

стр. 64

والبدر في كبد السماء كدرهم ... ملقى على ديباجة زرقاء فإن وجه الشبه فيه مجموعة الأمور المتقدم ذكرها, وهي ظهور صورة بيضاء, مشرقة, مستديرة، في رقعة زرقاء، مبسوطة، فلو حذف من هذه المجموعة واحد "كالاستدارة أو الإشراق" مثلًا لم يتم التشبيه بين الطرفين. أما الوجه المتعدد, فإن المنظور فيه إلى أمور متعددة، يقصد جعل كل واحد منها على استقلاله وجه شبه بحيث لو حذف أحدها لم يختل التشبيه كما في المثال السابق في تشبيه الفاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة، واللون؛ فإنك لو حذفت اللون مثلًا، أو الطعم، أو الرائحة لم يختل التشبيه إذ ليس الغرض جعل وجه الشبه الهيئة الحاصلة من مجموع هذه الأمور, بل المراد جعل كل واحد وجه شبه، من غير أن يتقيد أحدها بالآخر ا. هـ. الثاني: إذا كان وجه الشبه مركبًا وجب أن يكون الطرفان مركبين أو مقيدين، أو أحدهما مركبًا، والآخر مقيدًا ولو تقديرًا؛ وذلك أن وجه الشبه قائم بالطرفين، منتزع منهما, وليس معقولا أن تقوم هيئة مركبة من عدة أمور بشيء واحد, أو أن تنتزع من شيء واحد. فوجه الشبه "في البيت السابق" هو الهيئة المركبة من الأشياء المذكورة، وتلك الهيئة لا يمكن أن تقوم بشيء واحد، ولا أن تنتزع منه. كذلك وجه الشبه في تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل هو الهيئة الحاصلة من جملة أشياء هي: الاستدارة، والإشراق، وتموجه الناشئ من الحركة السريعة المتصلة, وأحد الطرفين فيه وهو "الشمس" وإن أفرد لفظًا هو مقيد معنى بجملة قيود هي: الإشراق المتموج، والحركة السريعة المتصلة، والاستدارة, وبهذا صح أن يكون منتزعًا للهيئة المذكورة.

стр. 65

التقسيم الثالث: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضًا إلى ثلاثة أقسام: أن يكون وجه الشبه فيه حسيًّا أي: مدركًا بالحس, مفردًا كان, أو مركبًا، أو متعددًا. فالمفرد الحسي "كالإشراق" في قولك: له وجه كالبدر، و"كالنعومة" في قولك: له جسد مثل الحرير, و"كالطيب" في قولك: عرفه كشذا المسك, إلى آخر ما تقدم من الأمثلة في الأمور الحسية. والمركب الحسي: ما تقدم في تشبيه "البدر في كبد السماء" بدرهم ملقى على ديباجة زرقاء، فإن وجه الشبه "كما بينا غير مرة" هو الهيئة الحاصلة من ظهور صورة بيضاء مشرقة مستديرة، في رقعة مبسوطة زرقاء, وهذه الهيئة حسية تدرك بحاسة البصر. والمتعدد الحسي: ما تقدم في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، واللون، والرائحة. فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الثلاثة, وجميعها حسي يدرك الأول منها بحاسة الذوق، والثاني بحاسة البصر، والثالث بحاسة الشم. ٢- أن يكون وجه الشبه فيه عقليًّا أي: مدركًا بالعقل, مفردًا كان أو مركبًا أو متعددًا. فالمفرد العقلي "كالهداية" في قوله ﷺ : $"أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" و"كالجرأة" في قولك: عمر كالأسد, فوجه الشبه في هذين المثالين لا يدرك بشيء من الحواس، وإنما يدرك بالعقل. والمركب العقلي كقول الشاعر: والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار فوجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من الالتجاء من الضار إلى ما هو أضر؛ طمعًا في الانتفاع به, وهذه الهيئة مما يدرك بالعقل. والمتعدد العقلي كقولك: محمد كأبيه في شجاعته، وحلمه، وإيمانه. فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الثلاثة, والجميع مما لا يدرك بغير العقل. ٣- أن يكون الوجه مختلفًا -بعضه حسي وبعضه عقلي- كما في وجه الشبه المتعدد, كأن تشبه رجلًا بآخر في طوله وجسامته، وكرمه وشهامته. فوجه الشبه كل واحد من هؤلاء الأربعة, غير أن الأولين منها حسيان، والآخرين عقليان، كما ترى.

стр. 66

تنبيهان: الأول: اعلم أن الوجه المختلف كما يكون في المتعدد "كما مثلنا" يكون أيضًا في المركب المنزل منزلة الواحد، باعتبار الأجزاء التي تركب منها كما في تشبيه المرأة الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن١ في حسن المنظر، مع سوء المخبر، فإن وجه الشبه مجموع الأمرين المذكورين, وأولهما حسي والآخر عقلي, غير أن علماء البيان يعتبرون المركب من حسي وعقلي من قبيل العقلي, فالمركب حينئذ -إما حسي فقط، أو عقلي فقط كما هو الشأن في الوجه المفرد- بخلاف الوجه المتعدد؛ فإن فيه الأنواع الثلاثة. الثاني: اعلم أنه إذا كان الوجه حسيًّا كله أو بعضه, فلا بد أن يكون الطرفان حسيين أيضًا، وذلك لأحد سببين: أحدهما: أنه لا بد من قيام وجه الشبه بالطرفين؛ تحقيقًا للتشارك بينهما, والحسي لا يقوم بغير الحسي, فالبياض مثلًا مما يدرك بحاسة البصر فلو جعل مشتركًا بين شيئين وجب أن يكون من المبصرات حتى يتأتى قيام البياض بهما, وهكذا يقال في باقي المحسات. ثانيهما: أنه لا بد من إدراك الوجه في الطرفين ليتحقق لنا التشارك فيه, والحواس لا تدرك غير المحسات, فحاسة البصر مثلًا لا تدرك إلا ما كان مبصرًا، وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسًا, وهكذا. ومحال أن تدرك هذه الحواس شيئًا من المعقولات فلا تبصر العين معنى "الكرم" ولا تلمس اليد معنى "الشجاعة" ولا تشم الأنف معنى "الحلم". أما الوجه العقلي فيصح أن يكون طرفاه عقليين, أو حسيين, أو مختلفين. فالعقليان كأن تشبه وجود الجاهل بعدمه في الخلو من الفائدة, فالطرفان وهما "الوجود والعدم" عقليان. والحسيان كأن تشبه قوي البأس بالجبل في الصمود, والطرفان وهما "قوي البأس والجبل" حسيان. والمختلفان كأن تشبه السيرة الحميدة بأريج المسك, أو العكس في ارتياح النفس إلى كل, فالطرفان في المثالين مختلفان، أحدهما حسي والآخر عقلي, ووجه الشبه في الجميع عقلي "كما رأيت". وإنما صح هذا التعميم في الوجه العقلي؛ لجواز قيام المعقول بالمحسوس كقيام معنى الفصاحة "بسحبان" وقيام معنى الشاعرية "بزهير"، ولجواز أن يدرك العقل أمرًا معقولًا في شيء محسوس كإدراك معنى الشجاعة في "خالد بن الوليد" وإدراك معنى الجود في "حاتم".

стр. 67

التقسيم الرابع: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه إلى قسمين: تمثيل, وغير تمثيل. فالتمثيل: ما كان وجه الشبه فيه هيئة مركبة من عدة أمور, حسيًّا كان هذا الوجه أو عقليًّا. فمثال الحسي ما سبق في قول الشاعر: والبدر في كبد السماء كدرهم ... ملقى على ديباجة زرقاء فإن وجه الشبه "كما عرفت من قريب" هو الهيئة المركبة من عدة أمور, كلها مدرك بالحس. ومثله قول الشاعر: وكأن أجرام النجوم لوامعًا ... درر نثرن على بساط أزرق فوجه الشبه أيضًا هو الهيئة المركبة من صور بيض مشرقة، منثورة في رقعة مبسوطة زرقاء, وكلها أشياء حسية كما ترى. ومثال الوجه العقلي ما تقدم لك في قول الشاعر: والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار فإن وجه الشبه "كما عرفت" هيئة مركبة من أمور عقلية في الالتجاء من الضار إلى ما هو أضر, مع الطمع في الانتفاع به. ومثله قوله تعالى في تشبيه حال اليهود بحال الحمار: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ فإن وجه الشبه هيئة مركبة من أمور عقلية هي حرمان الانتفاع، بأبلغ نافع،

стр. 68

مع معاناة الكد في تحمله١. وغير التمثيل: ما لم يكن الوجه فيه هيئة منتزعة من متعدد, بأن كان أمرًا واحدًا أو متعددًا. "فالأول كحسن النغم" في تشبيه صوت حسن بتغريد البلابل، و"كالمضاء" في تشبيه العزيمة بالسيف، و"كالإشراق" في تشبيه الحجة الواضحة بالشمس، ونحو ذلك مما يكون وجه الشبه فيه شيئًا واحدًا، لا تركيب فيه. والثاني كما في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة، واللون، فإن وجه الشبه كل واحد من هذه الثلاثة, لا الهيئة المركبة منها على ما سبق بيانه. تنبيه: ما تقدم في تشبيه التمثيل هو مذهب جمهور البيانيين, فهم "كما عرفت" لا يفرقون فيه بين الحسي والعقلي, فالمدار فيه عندهم على أن يكون هيئة مركبة من عدة أمور، حسية كانت أو عقلية. وللسكاكي فيه مذهب, وهو أن تشبيه التمثيل عنده خاص بالمركب العقلي كما في تشبيه "المستجير بعمرو عند كربته" في البيت السابق, وكما في تشبيه حال اليهود بحال الحمار في الآية الكريمة؛ وحينئذ يكون تشبيه التمثيل عنده أخص منه عند الجمهور, فمثل قول الشاعر المتقدم: "وكأن أجرام النجوم لوامعًا" إلخ, وقول الآخر: "والبدر في كبد السماء كدرهم" إلخ، وغيرهما من كل تشبيه، فيه الوجه هيئة منتزعة من أمور محسوسة. كل ذلك من قبيل تشبيه التمثيل عند الجمهور؛ لأن وجه الشبه هيئة مركبة من عدة أمور كما سبق بيانه, وليس من تشبيه التمثيل عند السكاكي؛ لأن وجه الشبه فيها ليس عقليًّا أي: ليس مركبًا من أمور عقلية, كما هو الشرط عنده في تشبيه التمثيل. أما نحو التشبيه في قول الشاعر: والمستجير بعمرو عند كربته "البيت" وفي آية اليهود السابقة فمن تشبيه التمثيل عند الطرفين، أما عند الجمهور فلأن الوجه فيهما هيئة مركبة من عدة أمور وأما عند السكاكى فلأن وجه الشبه فيهما مركب عقلى أهـ.

стр. 69

التقسيم الخامس: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضًا إلى قسمين: مفصل، ومجمل. فالمفصل: ما صرح فيه بذكر وجه الشبه على طريقته١ كما تقول: طبع فؤاد كالنسيم رقة أو في رقته، ويده كالبحر سخاء أو في سخائه، وكلامه كالدر حسنًا أو في حسنه، وقوامه كالسيف استقامة أو في استقامته، فكل هذه المثل من قبيل التشبيه المفصل للتصريح فيها بذكر الوجه كما رأيت. ومن قبيل المفصل قولهم في تشبيه الكلام السهل، الخفيف على السمع: "ألفاظه كالعسل في الحلاوة" وفي تشبيه الحجة الواضحة: "حجة كالشمس في الظهور" فوجه الشبه في المثالين مذكور "كما ترى" وهو قائم بالطرفين، غير أنه في المشبه تخييلي، وفي المشبه به تحقيقي, وقد سبق الكلام فيه٢. والمجمل: ما لم يصرح فيه بذكر وجه الشبه على طريقته, وهو نوعان: ١- ظاهر يستوي في إدراكه العامة والخاصة, كتشبيه الشعر بالفحم والقد بالغصن والوجه بالبدر, فأوجه الشبه في هذه المثل من الوضوح، بحيث لا تحتاج إلى إعمال فكر.

стр. 70

ب- خفي يحتاج في فهمه إلى تأمل ونظر. مثاله ما روي: أن فاطمة بنت الخرشب١ الأنمارية سئلت عن بنيها الأربعة: أيهم أفضل؟ فقالت: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها, تريد أن تقول: هم في تناسبهم في الشرف والشجاعة وعدم تفاوتهم فيهما، بحيث يمتنع تفضيل أحدهم على الآخر, كالحلقة المتصلة الجوانب فإن أجزاءها متناسبة في الصورة، يمتنع تعيين بعضها طرفًا وبعضها وسطًا, فوجه الشبه إذًا هو "التناسب الكلي الخالي عن التفاوت" وقد أشعر به قولها: "لا يدرى أين طرفاها" إلا أنه في المشبه تناسب في الشرف، وفي المشبه به تناسب في صورة الأجزاء وهو "كما ترى" خفي دقيق، فوق متناول مدارك العامة, ولا يدركه إلا من ارتفع منهم إلى طبقة الخاصة. تنبيه: من هذا المثال السابق يتضح: أن التشبيه المجمل لا يخرجه عن إجماله أن يذكر لأحد الطرفين, أو لكليهما وصف مشعر بوجه الشبه. فمثال ما ذكر فيه وصف المشبه به دون المشبه قول فاطمة المتقدم، فإن قولها: "لا يدرى أين طرفاها" وصف للمشبه به، مشعر بوجه الشبه الذي هو "التناسب الكلي" إذ يفهم من عدم دراية الطرفين معنى التناسب في الأجزاء. ومثله قول زياد الأعجم: فإنا وما تلقي لنا أن هجوتنا ... لكالبحر مهما تلق في البحر يغرق٢

стр. 71

يشبه زياد حال قومه إذ يرميهم المخاطب بالنقيصة فلا تضرهم، ولا يظهر لها فيهم أثر لخطورة شأنهم بحال البحر العظيم, لا يتأثر بما يلقى فيه. ووجه الشبه أن كلا الطرفين من العظمة والخطر بحيث لا ينال منهما, وقوله: "مهما تلق في البحر يغرق" وصف للمشبه به مشعر بهذا الوجه. ومثال ما ذكر فيه وصف المشبه دون المشبه به قوله ﵊: $"أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" فوجه الشبه في الحديث "الهداية" وقد أشعر به قوله: $"بأيهم اقتديتم اهتديتم" وهو وصف خاص بالمشبه. ومثال ما ذكر فيه وصفهما معًا قول أبي تمام يمدح الحسن بن رجاء: صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني وعاوده ظني فلم يخب كالغيث إن جئته وافاك ريقه أفضل ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب١ وصف الشاعر الممدوح الذي هو "المشبه" بأن عطاياه مغدقة سابغة عليه, أعرض عنه أو أقبل عليه. ثم وصف الغيث الذي هو المشبه به بأنه يصيبك أقبلت عليه أو تجنبته, ووجه الشبه "مطلق الإفاضة في الحالين" والوصفان المذكوران مشعران بهذا الوجه. وصفوة القول: أن التشبيه المجمل هو ما لم يذكر فيه وجه الشبه على طريقته السابقة, طاهرًا ذلك الوجه أو خفيًّا "كما بينا", وأن وصف أحد الطرفين أو كليهما بما يشعر بالوجه "كما رأيت" لا يتنافى مع الإجمال؛ لأن المدار في كون التشبيه مجملًا على ألا يذكر وجه للشبه ذاته لا وصف مشعر به ا. هـ.

стр. 72

التقسيم السادس: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضًا إلى قسمين: قريب مبتذل، وبعيد غريب، وإليك بيانهما: فالقريب المبتذل: ما ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به من غير تأمل, ونظر بسبب وضوح وجه الشبه فيهما كتشبيه حسناء الوجه بالقمر في الإشراق وحسن الصوت بالبلبل في حسن النغم, فكلا التشبيهين قريب, في متناول العامة, مبتذل، يكثر تداوله بين الناس لظهور وجه الشبه بين الطرفين "كما ترى". وأسباب وضوح وجه الشبه ثلاثة: أ- أن يكون الوجه شيئًا واحدًا لا تعدد فيه, ولا تفضيل كالمثالين السابقين, فإن وجه الشبه في الأول "الإشراق" وفي الثاني "حسن النغم" وكلاهما شيء واحد، ولا شك أن إدراك الشيء الواحد لا يحتاج سوى ملاحظة واحدة، بخلاف غيره فإنه يحتاج إلى عدة ملاحظات. ب- أن يكون في الوجه نوع تفصيل يحتاج إلى تعدد الملاحظة, غير أنه يسرع حضور صورة المشبه به في الذهن عند حضور صورة المشبه؛ لشدة التناسب بين الصورتين, كأن تشبه العنب بالبرقوق في حجمه ولونه، ففي وجه الشبه بين الطرفين تفصيل ما إذ لوحظ فيه أمران: الحجم واللون, وهذا يقتضي شيئًا من غرابة التشبيه وبعده, ولكن عارض ذلك ما يقتضي قربه وابتذاله وهو سرعة حضور المشبه به في الذهن عند حضور صورة المشبه؛ لما بينهما من شدة الانسجام، وقوة المناسبة إذ إن العنب والبرقوق من فصيلة واحدة ويجمعهما زمن واحد وسوق واحدة، فلا أثر للتفصيل في وجه الشبه مع قوة هذه المناسبة. ومثله تشبيه الجرة الصغيرة بالكوز في "المقدار والشكل" فإن سرعة حضور صورة الكوز في الذهن عند حضور صورة الجرة فيه لشدة المناسبة بين الصورتين عارضت التفصيل في الوجه على نحو ما ذكرناه في المثال الأول؛ لهذا كان التشبيه قريبًا مبتذلًا. حـ- أن يكون في الوجه شيء من التفصيل "كسابقه" يحتاج إلى تعدد الملاحظة, غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقًا أي: لا بقيد حضور صورة المشبه؛ وذلك لكثرة مشاهدة صورة المشبه به وتكررها على الحس, فإن المشاهد كثيرًا يكثر خطوره بالبال عادة كتشبيه إنسان بالقمر في الرفعة والهداية، وكتشبيه المرآة المجلوة بالشمس في الاستدارة والاستنارة, ففي وجه الشبه بين الطرفين في "المثالين" شيء من التفصيل إذ لوحظ فيه أمران: الرفعة والهداية "في الأول"

стр. 73

والاستدارة والاستنارة في الثاني، وهذا يقتضي غرابة التشبيه وبعده ولكن عارض ذلك ما جعله قريبًا مبتذلًا وهو كثرة حضور صورة المشبه به في الذهن لكثرة مشاهدتها, إذ ليس من شك أن صورة "القمر" في المثال الأول، وصورة "الشمس" في المثال الثاني مما يشاهد كثيرًا. والغريب البعيد: هو ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به بعد إعمال فكر, ودقة نظر بسبب خفاء وجه الشبه فيهما. وأسباب خفاء الوجه ثلاثة أيضًا: ١- أن يكون الوجه كثير التفصيل، يحتاج إلى كثرة الملاحظات والاعتبارات, كما في تشبيه الخد بالشقيق في قول الشاعر: لا تعجبوا من خاله في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء فوجه الشبه بين الطرفين هو الهيئة الحاصلة من وجود نقطة مستديرة سوداء في وسط رقعة مبسوطة حمراء, وفيه من كثرة التفصيل والاعتبارات ما لا يقع في نفس مريد التشبيه إلا بعد تأمل وروية. وكما في تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل, فإن الهيئة المشتركة في كليهما -على ما تقدم بيانه- لا تقوم بنفس مريد التشبيه إلا بعد أن يتأمل ويتعمل. ب- أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن عند حضور صورة المشبه؛ لبعد التناسب بين الصورتين، وعدم التجانس بينهما كما في تشبيه القمر بالعرجون في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ١ فصورة "العرجون" في ذاتها غير نادرة الحضور في الذهن, ولكنها تندر عند استحضار صورة "القمر" للبون الشاسع بين الصورتين؛ فإن القمر مسكنه في السماء، والعرجون في الأرض، والقمر من فصيلة الكواكب، والعرجون من قبيل النباتات, والقمر مثال العلو والهداية, والعرجون شيء تافه حقير لا تكاد تظهر له فائدة, فشتان ما بين الصورتين، وناءٍ ما بين الطرفين. وكقول الشاعر:

стр. 74

ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت١ كان المناسب للشاعر أن يشبه صورة أزهار البنفسج وهي على سيقانها بما يناسبها من الأزهار, إذ هو الذي يتبادر إلى الذهن عند استحضار صورة البنفسج، ولكنه شبهها بصورة النار في أطراف الكبريت أول شبوبها. ووجه الشبه: الهيئة الحاصلة من تعلق أجرام صغيرة لطيفة ذات لون خاص بجرم دقيق يخالفها لونًا, فصورة النار في أطراف الكبريت غير نادر الحضور في الذهن لأنها في متناول الناس، واقعة بين أيديهم وأرجلهم، لكنها تندر عند حضور صورة البنفسج وهو على سيقانه لما بينهما من عدم التجانس وبعد الموطن. فذاك زهر ندي لطيف، وهذا لهب حار عنيف، وذاك يسكن الخمائل, وهذا يستوطن المنازل, فبعد ما بين الطرفين. جـ- أن يندر حضور المشبه به في الذهن مطلقًا أي: سواء حضرت صورة المشبه في الذهن أو لا؛ وذلك لأمور منها: ١- أن يكون المشبه به وهميًّا أي: من اختراع الوهم, كما في تشبيه النصال المسنونة الزرق بأنياب الأغوال في قول الشاعر السابق, فإن أنياب الأغوال مما لا وجود له إلا في الوهم. ٢- أن يكون المشبه به خياليًّا أي: من نسيج الخيال, كصورة أعلام من ياقوت, منشورة على رماح من زبرجد في قول الشاعر المتقدم. إن هذه الصورة وما شاكلها من الهيئات المركبة لا وجود لها في غير الخيال. ٣- أن يندر تكرر صورة المشبه به على الحس, كصورة المرآة في كف الأشل, فقد ينقضي عمر الإنسان ولا يرى مرآة في كف إنسان أشل.

стр. 75

تنبيه: إنما كانت كثرة حضور صورة المشبه به في الذهن سببًا في ظهور وجه الشبه، وندرة حضور صورته سببًا في خفاء الوجه؛ لأن وجه الشبه "كما علمت" مشترك بين الطرفين، قائم بهما، فتصوره فيهما موقوف على تصورهما, فإذا كان المشبه به كثير الحضور في الذهن، أو نادر الحضور فيه لزم أن يكون وجه الشبه أيضًا كثير الحضور أو نادرًا تبعًا له، ومن هنا كان وضوحه أو خفاؤه. تمرين: ١- عرف وجه الشبه, ثم ائت بمثال يكون أحد الطرفين فيه حسيًّا والوجه عقليًّا, وبآخر يكون الوجه في أحد الطرفين تخيليًّا. ٢- بين وجه الشبه, ونوع التشبيه باعتبار هذا الوجه فيما يأتي: ١- لفظ كالسحر وخلق كالعطر. ٢- له صوت كرنين الأوتار. ٣- التقي كالمصباح يضيء في الظلام. ٤- وما المرء إلا كالشهاب وصوته ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب ٥- محمد كأبيه شجاعة وإيمانًا وكرمًا. ٦- له قول يخترق القلوب كالسهم. مهفهف وجنتاه ... كالخمر لونًا وطعما ٧- ٨- طلق شديد البأس راحته ... كالبحر فيه النفع والضرر ٩- هذا أبو الهيجاء في الهيجاء ... كالسيف في الرونق والمضاء ١٠- وقد لاح في الصبح للثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا١
следующие страницы →