← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يشبه زياد حال قومه إذ يرميهم المخاطب بالنقيصة فلا تضرهم، ولا يظهر لها فيهم أثر لخطورة شأنهم بحال البحر العظيم, لا يتأثر بما يلقى فيه. ووجه الشبه أن كلا الطرفين من العظمة والخطر بحيث لا ينال منهما, وقوله: "مهما تلق في البحر يغرق" وصف للمشبه به مشعر بهذا الوجه. ومثال ما ذكر فيه وصف المشبه دون المشبه به قوله ﵊: $"أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" فوجه الشبه في الحديث "الهداية" وقد أشعر به قوله: $"بأيهم اقتديتم اهتديتم" وهو وصف خاص بالمشبه. ومثال ما ذكر فيه وصفهما معًا قول أبي تمام يمدح الحسن بن رجاء: صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني وعاوده ظني فلم يخب كالغيث إن جئته وافاك ريقه أفضل ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب١ وصف الشاعر الممدوح الذي هو "المشبه" بأن عطاياه مغدقة سابغة عليه, أعرض عنه أو أقبل عليه. ثم وصف الغيث الذي هو المشبه به بأنه يصيبك أقبلت عليه أو تجنبته, ووجه الشبه "مطلق الإفاضة في الحالين" والوصفان المذكوران مشعران بهذا الوجه. وصفوة القول: أن التشبيه المجمل هو ما لم يذكر فيه وجه الشبه على طريقته السابقة, طاهرًا ذلك الوجه أو خفيًّا "كما بينا", وأن وصف أحد الطرفين أو كليهما بما يشعر بالوجه "كما رأيت" لا يتنافى مع الإجمال؛ لأن المدار في كون التشبيه مجملًا على ألا يذكر وجه للشبه ذاته لا وصف مشعر به ا. هـ.

стр. 72

التقسيم السادس: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضًا إلى قسمين: قريب مبتذل، وبعيد غريب، وإليك بيانهما: فالقريب المبتذل: ما ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به من غير تأمل, ونظر بسبب وضوح وجه الشبه فيهما كتشبيه حسناء الوجه بالقمر في الإشراق وحسن الصوت بالبلبل في حسن النغم, فكلا التشبيهين قريب, في متناول العامة, مبتذل، يكثر تداوله بين الناس لظهور وجه الشبه بين الطرفين "كما ترى". وأسباب وضوح وجه الشبه ثلاثة: أ- أن يكون الوجه شيئًا واحدًا لا تعدد فيه, ولا تفضيل كالمثالين السابقين, فإن وجه الشبه في الأول "الإشراق" وفي الثاني "حسن النغم" وكلاهما شيء واحد، ولا شك أن إدراك الشيء الواحد لا يحتاج سوى ملاحظة واحدة، بخلاف غيره فإنه يحتاج إلى عدة ملاحظات. ب- أن يكون في الوجه نوع تفصيل يحتاج إلى تعدد الملاحظة, غير أنه يسرع حضور صورة المشبه به في الذهن عند حضور صورة المشبه؛ لشدة التناسب بين الصورتين, كأن تشبه العنب بالبرقوق في حجمه ولونه، ففي وجه الشبه بين الطرفين تفصيل ما إذ لوحظ فيه أمران: الحجم واللون, وهذا يقتضي شيئًا من غرابة التشبيه وبعده, ولكن عارض ذلك ما يقتضي قربه وابتذاله وهو سرعة حضور المشبه به في الذهن عند حضور صورة المشبه؛ لما بينهما من شدة الانسجام، وقوة المناسبة إذ إن العنب والبرقوق من فصيلة واحدة ويجمعهما زمن واحد وسوق واحدة، فلا أثر للتفصيل في وجه الشبه مع قوة هذه المناسبة. ومثله تشبيه الجرة الصغيرة بالكوز في "المقدار والشكل" فإن سرعة حضور صورة الكوز في الذهن عند حضور صورة الجرة فيه لشدة المناسبة بين الصورتين عارضت التفصيل في الوجه على نحو ما ذكرناه في المثال الأول؛ لهذا كان التشبيه قريبًا مبتذلًا. حـ- أن يكون في الوجه شيء من التفصيل "كسابقه" يحتاج إلى تعدد الملاحظة, غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقًا أي: لا بقيد حضور صورة المشبه؛ وذلك لكثرة مشاهدة صورة المشبه به وتكررها على الحس, فإن المشاهد كثيرًا يكثر خطوره بالبال عادة كتشبيه إنسان بالقمر في الرفعة والهداية، وكتشبيه المرآة المجلوة بالشمس في الاستدارة والاستنارة, ففي وجه الشبه بين الطرفين في "المثالين" شيء من التفصيل إذ لوحظ فيه أمران: الرفعة والهداية "في الأول"

стр. 73

والاستدارة والاستنارة في الثاني، وهذا يقتضي غرابة التشبيه وبعده ولكن عارض ذلك ما جعله قريبًا مبتذلًا وهو كثرة حضور صورة المشبه به في الذهن لكثرة مشاهدتها, إذ ليس من شك أن صورة "القمر" في المثال الأول، وصورة "الشمس" في المثال الثاني مما يشاهد كثيرًا. والغريب البعيد: هو ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به بعد إعمال فكر, ودقة نظر بسبب خفاء وجه الشبه فيهما. وأسباب خفاء الوجه ثلاثة أيضًا: ١- أن يكون الوجه كثير التفصيل، يحتاج إلى كثرة الملاحظات والاعتبارات, كما في تشبيه الخد بالشقيق في قول الشاعر: لا تعجبوا من خاله في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء فوجه الشبه بين الطرفين هو الهيئة الحاصلة من وجود نقطة مستديرة سوداء في وسط رقعة مبسوطة حمراء, وفيه من كثرة التفصيل والاعتبارات ما لا يقع في نفس مريد التشبيه إلا بعد تأمل وروية. وكما في تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل, فإن الهيئة المشتركة في كليهما -على ما تقدم بيانه- لا تقوم بنفس مريد التشبيه إلا بعد أن يتأمل ويتعمل. ب- أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن عند حضور صورة المشبه؛ لبعد التناسب بين الصورتين، وعدم التجانس بينهما كما في تشبيه القمر بالعرجون في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ١ فصورة "العرجون" في ذاتها غير نادرة الحضور في الذهن, ولكنها تندر عند استحضار صورة "القمر" للبون الشاسع بين الصورتين؛ فإن القمر مسكنه في السماء، والعرجون في الأرض، والقمر من فصيلة الكواكب، والعرجون من قبيل النباتات, والقمر مثال العلو والهداية, والعرجون شيء تافه حقير لا تكاد تظهر له فائدة, فشتان ما بين الصورتين، وناءٍ ما بين الطرفين. وكقول الشاعر:

стр. 74

ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت١ كان المناسب للشاعر أن يشبه صورة أزهار البنفسج وهي على سيقانها بما يناسبها من الأزهار, إذ هو الذي يتبادر إلى الذهن عند استحضار صورة البنفسج، ولكنه شبهها بصورة النار في أطراف الكبريت أول شبوبها. ووجه الشبه: الهيئة الحاصلة من تعلق أجرام صغيرة لطيفة ذات لون خاص بجرم دقيق يخالفها لونًا, فصورة النار في أطراف الكبريت غير نادر الحضور في الذهن لأنها في متناول الناس، واقعة بين أيديهم وأرجلهم، لكنها تندر عند حضور صورة البنفسج وهو على سيقانه لما بينهما من عدم التجانس وبعد الموطن. فذاك زهر ندي لطيف، وهذا لهب حار عنيف، وذاك يسكن الخمائل, وهذا يستوطن المنازل, فبعد ما بين الطرفين. جـ- أن يندر حضور المشبه به في الذهن مطلقًا أي: سواء حضرت صورة المشبه في الذهن أو لا؛ وذلك لأمور منها: ١- أن يكون المشبه به وهميًّا أي: من اختراع الوهم, كما في تشبيه النصال المسنونة الزرق بأنياب الأغوال في قول الشاعر السابق, فإن أنياب الأغوال مما لا وجود له إلا في الوهم. ٢- أن يكون المشبه به خياليًّا أي: من نسيج الخيال, كصورة أعلام من ياقوت, منشورة على رماح من زبرجد في قول الشاعر المتقدم. إن هذه الصورة وما شاكلها من الهيئات المركبة لا وجود لها في غير الخيال. ٣- أن يندر تكرر صورة المشبه به على الحس, كصورة المرآة في كف الأشل, فقد ينقضي عمر الإنسان ولا يرى مرآة في كف إنسان أشل.

стр. 75

تنبيه: إنما كانت كثرة حضور صورة المشبه به في الذهن سببًا في ظهور وجه الشبه، وندرة حضور صورته سببًا في خفاء الوجه؛ لأن وجه الشبه "كما علمت" مشترك بين الطرفين، قائم بهما، فتصوره فيهما موقوف على تصورهما, فإذا كان المشبه به كثير الحضور في الذهن، أو نادر الحضور فيه لزم أن يكون وجه الشبه أيضًا كثير الحضور أو نادرًا تبعًا له، ومن هنا كان وضوحه أو خفاؤه. تمرين: ١- عرف وجه الشبه, ثم ائت بمثال يكون أحد الطرفين فيه حسيًّا والوجه عقليًّا, وبآخر يكون الوجه في أحد الطرفين تخيليًّا. ٢- بين وجه الشبه, ونوع التشبيه باعتبار هذا الوجه فيما يأتي: ١- لفظ كالسحر وخلق كالعطر. ٢- له صوت كرنين الأوتار. ٣- التقي كالمصباح يضيء في الظلام. ٤- وما المرء إلا كالشهاب وصوته ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب ٥- محمد كأبيه شجاعة وإيمانًا وكرمًا. ٦- له قول يخترق القلوب كالسهم. مهفهف وجنتاه ... كالخمر لونًا وطعما ٧- ٨- طلق شديد البأس راحته ... كالبحر فيه النفع والضرر ٩- هذا أبو الهيجاء في الهيجاء ... كالسيف في الرونق والمضاء ١٠- وقد لاح في الصبح للثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا١

стр. 76

١١- كأنك شمس والنجوم كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ١٢- يا شبيه البدر في الحسـ ... ـن وبعد المنال ١٣- السفرجل كالبرتقال في لونه، وشكله، وحجمه. ١٤- أنت كالمصباح في ضوئه وهدايته. ١٥- النساء حبائل الشيطان. ١٦- كأن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء در على أرض من الذهب١ جواب التمرين الثاني:

стр. 77

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق: كلام ذي الفهامة كسكوته، وإشارة الفصيح كعبارته؛ قال الشاعر: الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر. قد بدت هند قمرًا، وتضوعت مسكًا، وخطرت غزالًا. فلان كالبحر لا يعكره ولوغ الكلاب. إنك كالبحر في مده وجزره، وكالدهر في إقباله وإدباره. الأماني حلم اليقظان. حجة كفلق الصبح. مرآة الغريبة كالشمس استدارة, وصفاء النار في أطراف الكبريت كالبنفسج. قال الشاعر: تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا

стр. 78

مبحث الأداة مدخل ... مبحث الأداة: الأداة: لفظ يدل على معنى التشبيه كالكاف, تقول: محمد كالبدر فالكاف في قولك: "كالبدر" أداة تشبيه لأنها دالة عليه. ومثل الكاف كل ما يفيد معنى المشابهة والمماثلة كلفظ "مثل وشبه", وكأسماء الفاعل المشتقة مما يفيد معنى التشبيه كمماثل، ومشابه, ومحاك، ومضاهٍ، تقول: هند مثل الغزال, ومحمد شبه الغمام. وتقول: هي مماثلة الغزال، وهو مشابه الغمام، ومحاكي الغيث، ومضاهي النجم, بالإضافة في جميعها. والأصل في "الكاف" وما شاكلها من الأسماء المضافة لما بعدها "كما رأيت" أن يليها المشبه به لفظا "كما مثلنا" أو تقديرًا كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية. فالمشبه به في الآية قد ولي الكاف تقديرًا والأصل: أو كمثل ذوي صيب, أما تقدير "ذوي" فلأن الضمائر الثلاثة في ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ للمنافقين وهم ليسوا مذكورين في الآية، فبقيت الضمائر بلا مرجع، ولا بد لها منه كما هو الشأن فيها. وأما تقدير "مثل" فلأجل أن يشاكل المعطوف عليه وهو قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ . وقد يليها غير المشبه به إذا كان المشبه به مركبًا أي: هيئة منتزعة من أمور لم يعبر عنها بمفرد دال عليها١, لكن بشرط أن يذكر بعد الكاف ونحوها بعض هذه الأمور التي انتزعت منها تلك الهيئة, كما في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ فليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء حتى يكون هذا المثال مما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه, بل المراد تشبيه حال الدنيا في إقبالها على الإنسان واغتراره بابتسامتها الخادعة, وطلائها الكاذب، وما يعقب ذلك من زوال نعيمها، وامّحاء بهجتها ونضارتها بحال النبات، يغذيه الماء فتنضر خضرته، وتبتسم زهرته ثم لا يلبث أن تنطفئ هذه النضرة، وتذبل هذه الزهرة، ويتحول النبات النضر البهيج إلى هشيم تذروه

стр. 79

عواصف الرياح كأن لم يكن, ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من حسن وبهجة وهناء، يعقبه تلف وشقاء وفناء, فأنت ترى أن المشبه به لم يَلِ الكاف؛ لأنه "الهيئة الحاصلة" لكن وليها شيء يتعلق به وهو "الماء" إذ هو أحد أجزاء الهيئة المذكورة. والأصل في "كأن" الدالة على التشبيه أن يليها المشبه "عكس الكاف وأخواتها" تقول: "كأن عنترة أسد" فعنترة هو المشبه. وقد ولي "كأن" ويقول الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فضمير النسوة هو المشبه, وما بعده هو المشبه به. ومثل "كأن" في هذا لحكم كل ما له معمولان من الأفعال, أو الأصناف المفيدة لمعنى التشبيه تقول: ماثل أو يماثل خالد أسدا، وشابه أو يشابه علي حاتمًا, وحاكى أو يحاكي شوقي أبا الطيب, فالذي ولي الأفعال في هذه المثل هو "المشبه". وتقول: خالد ماثل أو يماثل الأسد, وعلي شابه أو يشابه حاتمًا, وشوقي حاكى أو يحاكي أبا الطيب. وتقول: خالد مماثل أسدًا، وعلي مشابه أو مشبه حاتمًا، وشوقي محاك أو مضاهٍ أبا الطيب، فالضمائر المستكنة في هذه الأفعال أو الأوصاف هي "المشبهات" وقد وليتها؛ لأنها فواعل والفاعل مرتبته بعد الفعل، كما عرفته في محله.

стр. 80

تقسيم التشبيه باعتبار الأداة: ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: مرسل، ومؤكد. فالمرسل: ما ذكرت فيه الأداة لفظًا، أو تقديرًا. فمثال ما ذكرت فيه الأداة لفظًا قولك: سجعه كسجع الحمام، ووشيه كوشي الطاووس. ومثال ما قدرت فيه الأداة قولك: "سجعه سجع الحمام" "ووشيه وشي الطاووس" إذا قدرت في نفسك أنه على معنى الكاف، وأن المشبه مثل المشبه به لا عينه. والمؤكد: ما تركت فيه الأداة لفظًا وتقديرًا أي: ترك التصريح بها، وتُنُوسِي تقديرها في نظم الكلام أيضا؛ إشعارًا بأن المشبه عين المشبه به مبالغة, كما تقول في المثالين السابقين: سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس, فتترك

стр. 81

ذكر الكاف، ولا تقدرها في نفسك ادعاء منك أن المشبه هو المشبه به نفسه، لا شيء سواء مبالغة. ومثله قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يريد -وهو أعلم بمراده- أن الجبال يوم القيامة بعد النفخة الأولى تسير في الهواء كالسحاب تسوقه الرياح, فهو تشبيه مؤكد تنوسي فيه تقدير الكاف ليكون المعنى: أن مرور الجبال يوم القيامة هو مرور السحاب بعينه, وهذا المعنى هو ما ينبغي أن يفهم تصويرًا للحالة التي ستكون، ولو فرض تقدير الكاف في الكلام لكان تشبيهًا مرسلًا. إذا علمت هذا, علمت أن كل مثال تركت فيه الأداة يحتمل أن يكون من قبيل المؤكد إن لم تقدر فيه الأداة, وأن يكون من قبيل المرسل إن قدرت الأداة, ما لم تقم قرينة على المراد. ومن التشبيه المؤكد: ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه, كما في قول الشريف الرضي يستمطر الرحمة على قبور الموتى: أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع١ يقول: أقام النسيم بواديكم، تهب عليه نفحاته، ولا فتئت غوادي الحسب ترطب ثرى قبوركم, والشاهد في قوله: "حوامل المزن" يريد: أن المزن الممتلئة بالماء كالحوامل من الحيوان, فقد شبه المزن بالحوامل بجامع المنفعة في كل، ثم تركت أداة التشبيه وتنوسيت، ثم أضيف المشبه به إلى المشبه "كما ترى " وفي التعبير بقوله "تضع" مع قوله: "حوامل المزن" براعة بارعة في مراعاة التناسب. ومثله قول الشاعر يصف اعتدال الريح وقت الأصيل، أي: وقت اصفرار أشعة الشمس حينما تميل إلى الغروب: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء٢ شبه الشاعر الماء بالفضة في النقاء والصفاء, ثم أضاف المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة, وتناسيها في نظم الكلام. وسمي التشبيه "مؤكدًا" لأنه أكد وقرر بدعوى اتحاد الطرفين, وأن المشبه هو المشبه به, لا يتميز أحدهما عن الآخر في شيء.

стр. 82

مبحث أغراض التشبيه: أغراض التشبيه: هي البواعث التي تحمل المتكلم على أن يعقد شبها بين شيئين, وهي على ضربين: ١- ما يعود على المشبه, وهو الأكثر. ٢- ما يعود على المشبه به. الأغراض التي تعود على المشبه, وهي سبعة: الاول: بيان حال المشبه, إذا كان المخاطب يجهل حال ذلك المشبه, ويريد أن يعرف حاله أي: وصفه الذي هو عليه، فيلحق بمشبه به معروف لدى المخاطب بيانًا لهذه الحال؛ كقول امرئ القيس السابق: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي شبه الرطب من قلوب الطير، واليابس منها بالعناب، والحشف البالي بيانًا لما فيها من الأوصاف كالشكل، والمقدار، واللون. وكما في تشبيه ثوب بآخر في بياضه أو سواده, أو نحو ذلك. وينبغي لتحقيق هذا الغرض أن يكون المشبه به معروفا عند المخاطب بوجه الشبه؛ لأن الغرض تعريف حال المشبه المجهول للمخاطب, فلو لم يكن المشبه به معروفًا لدى المخاطب من قبل للزم تعريف المجهول بالمجهول. وليس بلازم هنا أن يكون المشبه به أتم وأقوى في وجه الشبه من المشبه وإن كان الشأن فيه ذلك؛ لأن المخاطب إنما يجهل حال المشبه، ويريد مجرد تصورها, وهذا يكفي فيه أن يكون المشبه به معروفًا بوجه الشبه عند المخاطب. فإذا قيل: ما لون ثوبك الذي اشتريته؟ فقلت: كهذا الثوب في سواده مثلًا, فقد تم الغرض؛ ولا يتوقف على كون هذا الثوب أتم من الثوب المشترى في سواده؛ لأن ذلك زائد على المطلوب. الثاني: بيان مقدار حال المشبه من القوة والضعف, وذلك إذا كان المخاطب يعلم

стр. 83

حال المشبه ويجهل مقدار الحال, ويريد الوقوف على مقدارها، فيلحق حينئذ بشيء يعلم المخاطب مقدار حاله, كقول الشاعر: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودًا كخافية الغراب الأسحم١ شبه النياق السود بخافية الغراب في شدة السواد, وبهذا التشبيه اتضحت حال المشبه واستقر في الذهن مقدار سواده، وأنه بين الحلكة شديدها. وكتشبيه صوت ضعيف بالهمس، أو قوي بالرعد؛ بيانًا لمقدار ضعف هذا الصوت أو قوته. ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن يكون المشبه به أعرف, وأشهر بوجه الشبه من المشبه لدى المخاطب, كما في الأمثلة المذكورة. غير أنه يجب هنا أن يكون المشبه به مساويًا للمشبه في وجه الشبه لا أكثر ولا أقل؛ إذ لو كان المشبه به أتم في وجه الشبه، أو أنقص منه لم يتعين المقدار، فلم يتم الغرض من التشبيه كما في تشبيه شراب بالثلج في شدة البرودة أو بالنار في شدة الحرارة, اللهم إلا إذا قصدت المبالغة. الثالث: بيان إمكان المشبه أي: بيان أن المشبه أمر ممكن الوجود, وذلك إذا كان أمرًا غريبًا من شأنه أن ينازع فيه؛ ويدعى امتناعه، فيمثل حينئذ بشيء مسلم الوقوع ليكون دليلًا على إمكان وجوده, كما في قول أبي الطيب من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال ادعى الشاعر أن الممدوح من السمو والرفعة بحيث فاق الجنس البشري الذي هو أحد أفراده، وصار كأنه جنس آخر. ولما كان هذا المعنى "في بادي الرأي" غريبًا في بابه, لا تقبله العقول لاستبعاد أن يخرج الشيء عن جنسه, أراد أن يؤيده بما لا نزاع فيه ليتبين إمكانه، فشبهه بشيء أقرته العقول, وآمنت به، وهو "المسك" فإنه خرج عن أصله، وتحول إلى جنس آخر لما فيه من معنى ليس في سائر الدماء

стр. 84

أي: وإذا جاز أن يفوق الشيء أصله لميزة فيه, فليس ببعيد أن يفوق الممدوح جنسه لما فيه من جليل الصفات. ومن هذا البيان يتبين أمران: أحدهما: أن قوله: "فإن المسك ... إلخ" لم يؤت به جوابًا للشرط في المصراع الأول, وإنما سيق مساق الدليل على هذا الجواب, وكأنه يقول: فإن تفق الأنام وأنت منهم فلا بدع ولا غرابة؛ لأن لك نظيرًا هو "المسك" فقد حذف الجواب, وهو قوله: "فلا بدع ولا غرابة" واستغنى عنه بهذا الدليل. ثانيهما: أن التشبيه في "البيت" ليس صريحًا، بل دل عليه الكلام ضمنًا، ذلك أن المعنى لهذا الكلام هو أنه لا بدع ولا عجب أن يخرج الممدوح عن بني جنسه لمعنى فيه ليس فيهم؛ لأن المسك بعض دم الغزال, وهو "مع ذلك" لا يعد من الدماء لما اختص به من معنى كريم ليس فيها. ومفهوم هذا أن حال الممدوح شببهة بحال المسك وبهذا التشبيه الضمني تبين أن المشبه أمر ممكن الوجود. ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن يكون المشبه به أعرف وأشهر بوجه الشبه من المشبه كالذي قبله. وليس بلازم هنا أن يكون المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه؛ لأن المطلوب فيه إثبات نظير المشبه ليفيد عدم استحالته. وهذا يكفي فيه مجرد وجود وجه الشبه به خارجًا, ولا يتوقف الغرض على أن يكون الوجه فيه أتم منه في المشبه. فإذا قلت لإنسان: إنك في خروجك عن جنسك كالمسك تم الغرض بمجرد العلم بخروج المسك عن جنسه وإن لم يكن المسك أتم منه في هذا الخروج, وإن كان الواقع أن المسك أتم خروجًا عن جنسه من الممدوح. الرابع: تقرير حال المشبه، وتمكينها في نفس السامع بإبرازها في صورة هي فيها أوضح وأقوى, وذلك فيما إذا كان المشبه به مما يدرك بالحس, إذ التمثيل

стр. 85

بالمحسوس يفيد زيادة قوة وتمكين, كما في قول الشاعر: إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر شبه الشاعر القلوب المتنافرة بالزجاجة المتصدعة بجامع تعذر العودة إلى الحالة الأولى. ولما كان تنافر القلوب، وتعذر عودتها إلى التواصل كما كانت من الأمور المعقولة التي لا تطمئن إليها النفس أيما اطمئنان أراد أن يبرز هذا المعنى في شيء يرى بالعين لتسكن إليه النفس, وتؤمن به إيمانًا قويًّا. فشبه بالزجاجة إذا تصدعت, ومثل هذا التشبيه تجد فيه من تقرير الغرض، وتمكينه في الذهن ما لا تجده في غيره؛ لأن الجزم بالأمور الحسية أتم منه بالأمور العقلية وليس من شك في أن التئام الزجاجة بعد صدعها من الأمور المقطوع بتعذرها لتقررها في عالم الحس, ألا ترى لو وصفت يومًا بالطول فقلت: يوم كأطول ما يتوهم, أو كأنه لا آخر له أكنت تحس من الأنس والأريحية بمثل ما تجده في قول الشاعر: ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطكاك المزاهر١ وهل تراك لو وصفته بالقصر فقلت: هو كأقصر ما يتصور، أو كلمح البصر أكنت ترى فيه من تجسيم المعنى وتشخيصه ما تراه في قولهم: أيام كأباهيم القطا٢, أو في قول الشاعر: ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب٣ ذلك أن اطمئنان القلب إلى المحسوس أقوى وأتم "كما عرفت" لهذا يقول الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ . وإن شئت المثل الأعلى لهذا النوع فعليك "بكتاب الله" في غير موضع

стр. 86

منه؛ قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ . إلى غير ذلك من إبراز المعاني المحجوبة عن العيان في معارض الحس والمشاهدة؛ ليكون ذلك أمكن في النفس؛ فيقوى إيمانها بالمعنى, واطمئنانها إليه. وهذا الغرض لا يتحقق إلا بالأمرين جميعًا: أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه لدى المخاطب كما سبق, وأن يكون أتم وأقوى في وجه الشبه من المشبه؛ لأن النفس "كما قلنا" إلى الأتم الأقوى أميل منها إلى غيره. فإذا قلت مثلًا: إن القلوب المتنافرة يتعذر عودتها إلى التواصل, صح أن يتوهم إمكان عودتها إليه, فإذا مثلت هذا المعنى بالزجاجة المتصدعة التي لا يتوهم فيها مطلقًا أن تعود إلى الالتئام ثانيًا تمكن المعنى في النفس, وآمنت به إيمانها بالمعنى الممثل به. الخامس: تزيين المشبه للسامع أي: تصويره له بصورة جميلة بأن يلحق بمشبه به قد استقر في النفس حسنه وحبه؛ ليتخيله السامع كذلك فيرغب فيه, كما في قول الشاعر: سوداء واضحة الجبين ... كمقلة الظبي الغرير١ شبه الوجه الأسود بمقلة الظبي في حسن سوادها, واستدارته تزيينا له عند السامع, وكما في تشبيه صوت حسن بصوت داود, أو جلد ناعم بالحرير, أو نكهة فم بالعطر, أو نحو ذلك. السادس: تقبيح المشبه للسامع أي: تصويره بصورة قبيحة بأن يلحق بمشبه به تتقزز منه النفس؛ ليتخيله السامع كذلك فينفر منه, كما في قول الشاعر: وإذا أشار محدثًا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم شبه الشاعر إنسانًا يشير في حديثه بقرد يضحك, أو عجوز تلطم خديها في بشاعة المنظر وقبحه؛ تشويها له في نظر السامع.

стр. 87

وإذا كان المقصود تزيين المشبه أو تقبيحه بإلحاقه بمشبه به حسن أو قبيح, وجب لتحقيق هذين الغرضين أن يكون المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه. ولا شك أن في سواد مقلة الظبي من الحسن ما ليس في وجه أسود, وأن فيما نراه من قباحة القرد والعجوز المذكورين ما لا تجده في إنسان يشير محدثًا، مهما قبح منظره, وشاه خلقه. السابع: استطراف المشبه أي: جعله طريفًا بديعًا في خيال السامع, وذلك يكون بأمرين: الأول: أن يبرز في صورة ممتنعة الوجود عادة كما في تشبيه فحم سرت فيه النار ببحر من المسك, موجه الذهب. فإن صورة البحر المذكور عزيزة الوجود "كما ترى" فإذا أبرز المشبه المبتذل الذي لا يؤبه له لتفاهته "كالفحم المذكور" في صورة شيء نفيس ممتنع "كالصورة المذكورة للبحر" تخيله السامع طريفًا بديعًا. الثاني: أن يشبه بشيء يندر حضوره في الذهن عند حضور المشبه؛ لما بينهما من بعد المناسبة, كقول عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال: تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها١ فصورة القلم عليه أثر المداد قلما تخطر بالبال عند تصور قرن الغزال, فقد أراد الشاعر عناقًا بين متباعدين، وتآلفًا بين مختلفين, ومن هنا جاء الاستطراف. ومثله ما تقدم لك في تشبيه أزهار البنفسج فوق سيقانها بالنار في أطراف الكبريت، حيث أراك شبها لنبات غض وأوراق رطبة بلهب نار في جسم استولى عليه اليبس, ومبنى للطباع على أن الشيء إذا ظهر في مكان لم يعهد ظهوره فيه كانت صبابة النفس به أكثر، وكان الشغف به والميل إليه أجدر. ولا يشترط لتحقيق هذا الغرض ما اشترط في غيره، من كون المشبه به أشهر وأتم في وجه الشبه من المشبه, بل كلما كان المشبه به أندر, وأخفى كان التشبيه لتأدية هذا الغرض أتم وأوفى.

стр. 88

الأغراض التي تعود على المشبه, وهي اثنان: الأول: إيهام المتكلم المخاطب أن المشبه أتم وأقوى في وجه الشبه من المشبه به، وذلك كما في التشبيه المقلوب أو المعكوس، وهو أن يجعل فيه الناقص مشبهًا به قصدًا إلى ادعاء أنه أكمل من المشبه به الأصلي مبالغة, كقول محمد بن وهيب يمدح المأمون الخليفة العباسي: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح١ يريد الشاعر أن يشبه وجه الخليفة بغرة الصباح في الضياء والإشراق, جاعلًا وجه الخليفة مشبهًا به، وغرة الصباح مشبهًا, قاصدًا إيهام أن وجه الخليفة أتم وأكمل في الإشراق من غرة الصبح مبالغة. وإنما قيد الشاعر إشراق وجه الخليفة بوقت الامتداح؛ ليدل على أمرين: أحدهما: اتصاف الممدوح بحسن قبوله للمدح الدال على تقديره للمادح وتعظيمه له, ولو كان غير قابل للمدح لعبس في وجهه، وتجهم له. ثانيهما: اتصافه بالكرم, إذ الكريم هو الذي يتهلل وجهه، وتنبسط أساريره للمدح, ولو كان لئيمًا ضنينًا لقطب جبينه وأشاح بوجهه. ونظيره قول البحتري يصف بركة المتوكل: كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها فقد أراد البحتري أن يوهم أن يد الخليفة أقوى تدفقًا بالعطاء من البركة بالماء, فعكس التشبيه كما ترى. الثاني: بيان اهتمام المتكلم بالمشبه به، كأن يشبه الجائع وجه حبيبته بالرغيف في الاستدارة, والاستلذاذ به؛ ليدل بهذا التشبيه على اهتمامه بالرغيف، وأنه لشدة سغبه لا يغيب عن خاطره ويسمى هذا التشبيه "إظهار المطلوب" ولا بد في مثل هذا من قرينة تدل قصد المتكلم, والقرينة هنا عدوله عن تشبيه الوجه بما يناسبه إلى التشبيه بغير المناسب, كما في المثال المذكور.

стр. 89

تقسيم التشبيه باعتبار الغرض: ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: مقبول، ومردود، وهاكهما: فالمقبول: ما كان وافيًا بالغرض الذي سيق لأجله التشبيه. فإن كان الغرض بيان حال المشبه وجب أن يكون المشبه به معروفًا بوجه الشبه عند المخاطب من قبل؛ لئلا يؤدي إلى التشبيه بالمجهول. وإن كان الغرض بيان مقداره وجب أن يكون المشبه به على حد المشبه في وجه الشبه لا أقل ولا أكثر. وإن كان الغرض بيان إمكانه وجب أن يكون وجه الشبه مسلم الوقوع في المشبه به. وإن كان الغرض تقريره وجب أن يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه. وإن كان الغرض تزيينه أو تقبيحه، وجب أن يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه أيضًا. وإن كان الغرض استطرافه وجب أن يكون المشبه به غريبًا في بابه، أو بعيد التصور, وقد تقدمت أمثلة كل هذا، فلا داعي لإعادتها. والمردود: ما لم يكن وافيًا بالغرض المسوق له التشبيه. ففي بيان الحال: أن يكون المشبه به مجهول الصفة للمخاطب، كأن تشبه له ثوبًا في لونه بآخر لا يعرف لونه أصلًا. وفي بيان المقدار: أن يكون المشبه به أقل أو أكثر من المشبه في وجه الشبه, كأن تشبه له ثوبًا أبيض بآخر أقل أو أكثر منه بياضًا. وفي بيان الإمكان: أن يكون وجه الشبه غير مسلم الوجود في المشبه, كأن أشبه رجلًا فاق جنسه لميزة فيه بآخر جنسه كلك. وفي التقرير: ألا يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه, كأن تشبه من لم يحصل من سعيه على فائدة بمن ينقش على حجر، أو بساعٍ آخر لم يحصل من سعيه على نتيجة.

стр. 90

وفي تزيينه أو تقبيحه: ألا يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه, كأن تشبه وجهًا أسود بالفحم مريدًا تحسينه، أو أن تشبه إنسانًا يتكلم بحسناء تبتسم مريدًا تقبيحه. وفي الاستطراف: ألا يكون المشبه به غريبًا في بابه, أو بعيد التصور في الذهن, كأن تشبه فحما تتخلله نار بقطع من حديد في أثنائها لهب، أو أن تشبه أزهار البنفسج بما يماثلها من الأزهار, فليس المشبه به غريبًا في الأول ولا بعيد التصور في الثاني. تمرين: ١- ما هي أداة التشبيه؟ مثل لنوعين منها في جملتين من عندك, مبينًا أركان التشبيه فيهما. ٢- اذكر الفرق بين "الكاف وكأن" ومثل لما تقول من إنشائك. ٣- هل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية من قبيل ما ولي فيه الكاف المشبه فيه؟ ومن أي قبيل قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية, ونحو قولهم: محمد يماثل الأسد؟ وضح ما تقول وضوحًا تامًّا. ٤- عرف كلا من التشبيه المرسل والمؤكد، مع بيان نوع التشبيه في قولهم: صوته مزمار داود، مع بيان علة التسمية في كليهما. ٥- متى يكون التشبيه لبيان الإمكان؟ وبم يتحقق؟ مثل لما تقول. ٦- بم يكون التشبيه مردودًا غير مقبول؟ بين ذلك في مثال من عندك. ٧- بين أركان التشبيه في الأبيات الآتية: ١- والشمس بين الأرائك قد حكت ... سيفًا صقيلًا في يد رعشاء ٢- كأن على قلبي قطاة تذكرت ... على ظمأ وردًا فهزت جناحها١ ٣- يجود بالوعد ولكنه ... يدهن من قارورة فارغة ٤- من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام

стр. 91

٥- وكأن الجو ميدان وغى ... رفعت فيه المذاكي رهجا١ ٦- ليس الحجاب بمقص عنك لي أملًا ... إن السماء ترجى حين تحتجب ٧- جمال الوجه مع قبح النفوس ... كقنديل على قبر المجوسي ٨- وإنما الحقد كمثل النار ... كامنة في باطن الأحجار ٩- وما كمد الحساد شيئًا قصدته ... ولكنه من يزحم البحر يغرق ١٠- هو السيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان ٨- بين طرفي التشبيه ووجهه ونوعه باعتبار الأداة، والغرض منه فيما يأتي: ١- الخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر ٢- وصبغ شقائق النعمان يحكي ... يواقيتا نظمن على اقتران٢ ٣- كأن سواد الليل والفجر ضاحك ... يلوح ويختفي أسود يتبسم ٤- أنا الذهب الإبريز ما لي آفة ... سوى نقص تمييز المعاند في نقدي٣ ٥- والنفس كالطفل إن تهمله شَبَّ على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم ٦- بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي ٧- كريشة في مهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق ٨- وكأنما المريخ بين نجومه ... ياقوتة في لؤلؤ متبدد٤ ٩- وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب

стр. 92

الجواب على السؤال السابع: تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق: بين أركان التشبيه فيما يأتي: وكأن دجلة إذ تلاطم موجه ... ملك يعظم خيفة ويبجل١ رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء لا يعيه طبيب كأنك من كل النفوس مركب ... فأنت إلى كل النفوس حبيب إذا الثريا اعترضت ... عند طلوع الفجر حسبتها لامعة ... سبيكة من ذهب٢ وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرًا يكون كصالح الأعمال

стр. 93

والنقع ليل سماء لا نجوم له ... إلا الأسنة والهندية البتر١ ركبوا على سنن الوفا ودموعهم ... بحر وشدة شوقهم ملاح٢ وإني جواد لم يحل لجامه ... ونصل يمان أغفلته الصياقل٣

стр. 94

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق: بين أركان التشبيه ونوعه والغرض منه فيما يأتي: وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ ، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ . هو كالفراشة. العلماء في الأرض كالكواكب في السماء. النحو في الكلام كالملح في الطعام. الحياة كسحابة الصيف. سكبت عيناي غيث الدموع. تزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام كأن المعلم بين التلاميذ ملك بين الرعية. المشتغل بما لا طائل تحته كالراقم على الهواء. نزل بساحتنا كأنه مطر الربيع. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ . لئن أَكُ أسود, فالمسك لوني. ظهور العدل يمحو كل شر ... إذا جاء الصباح مضى الظلام كأنك قائم فيهم خطيبًا ... وكلهم قيام للصلاة عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار والورد في أعلى الغصون كأنه ... ملك تحف به سراة جنوده وانظر لنرجسه الجني كأنه ... طرف تنبه بعد طول هجوده كأنما النهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم منشئها هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله وحديقة غناء تنتظم الندى ... بفروعها كالدر في الأسلاك

стр. 95

فصل في بيان مراتب التشبيه: التشبيه مراتب ثلاث، تتفاوت بحسبها قوة وضعفا، وهاك بيانها: فالأولى وهي عليا المراتب: ما ترك فيها ذكر الوجه والأداة جميعًا, كما نقول: محمد أسد, فهذا التشبيه يفيد من قوة المبالغة ما لا يفيد غيره. وجه ذلك: أنه مشتمل على معنى الاتحاد بين الطرفين من وجهين: ١- أن ترك الوجه يفيد بحسب الظاهر١ عموم جهة الإلحاق, أي: إن المشبه وهو "محمد" في المثال المذكور يماثل المشبه به وهو "الأسد" في جميع صفاته من القوة، والجرأة, والمهابة، والضخامة، وما إلى ذلك من أوصاف هذا الحيوان, إذ لا ترجيح لبعض الأوصاف على بعض عند ترك الوجه وهذا يقوي دعوى الاتحاد بين الطرفين، بخلاف ما لو ذكر الوجه لفظًا أو تقديرًا، فقيل: محمد أسد في الجرأة, أو محمد أسد على تقدير "في الجرأة", فإنه يفيد أن "محمدًا" يماثل الأسد في وصف الجرأة فقط، لا في سائر صفاته؛ فتضعف بذلك دعوى الاتحاد. ٢- أن ترك الأداة يفيد بحسب الظاهر٢ أيضًا: أن المشبه به في المثال المذكور محمول على المشبه، والحمل يقتضي اتحادهما معنى, أي: أن يكون المشبه هو بعينه المشبه به، وليس شيئًا سواه وإلا ما صح الحمل فيهما لامتناع حمل أحد المتباينين على الآخر, بخلاف ما لو ذكرت الأداة لفظًا أو تقديرًا فقيل: محمد كالأسد، أو محمد أسد, على تقدير الكاف, فإنه يفيد أن المشبه غير المشبه به، وهذا يضعف دعوى الاتحاد بينهما. فترك الوجه والأداة إذًا يفيد معنى اتحاد الطرفين من جهتين، كما بينا؛ لهذا كان التشبيه عند تركهما٣ في المرتبة الأولى. والثانية وهي الوسطى: ما ترك فيها ذكر أحدهما -الوجه أو الأداة- كما تقول: محمد كالأسد، أو محمد أسد في الجرأة, وإنما كان التشبيه في هاتين الصورتين في المرتبة الوسطى لاشتماله على معنى اتحاد الطرفين من جهة واحدة أي: من جهة عموم الإلحاق كما في صورة ترك الوجه، أو من جهة

стр. 96

حمل أحد الطرفين على الآخر, كما في صورة ترك الأداة. والثالثة وهي المرتبة الأخيرة: ما ذكر فيها الوجه والأداة جميعًا "عكس الأولى" كما تقول: محمد كالأسد في الجرأة, وإنما كانت هذه المرتبة دنيا المراتب الثلاث؛ لخلو التشبيه فيها عن دعوى الاتحاد التي هي مدار المبالغة فيه. تنبيهان: الأول: أن وصف التشبيه بالعلو، والتوسط، والانحطاط فرع من تحققه, وهو إنما يتحقق بالطرفين: المشبه والمشبه به، فلا بد إذًا من ذكرهما. أما المشبه به؛ فلأنه الأصل المقيس عليه, وأما المشبه فلأنه المقيس, غير أنه يجوز حذف المشبه لفظًا فقط إذا دلت عليه قرينة, كأن يكون بينك وبين مخاطبك مذاكرة في شأن "محمد" مثلًا، فتقول له: ما حال محمد؟ فيقول لك: "أسد" على تقدير "محمد أسد", فتحذف المشبه لدلالة الكلام السابق عليه, لكن لا بد من تقديره في نظم الكلام، وإلا كان استعارة لا تشبيهًا. الثاني: إن إطلاق وصف البليغ على التشبيه الذي حذفت منه الأداة طريقة لبعضهم، وذهب آخرون إلى أن التشبيه البليغ هو ما كان بعيدًا غريبًا, ذكرت الأداة فيه أو لم تذكر كما سبق في تشبيه الهيئات المنتزعة من أمور متعددة لما هو مركوز في الطباع من أن الشيء الذي ينال بعد مشقة, وعناء يكون وقعه في النفس أحلى وألطف، والنفس به أضن وأشغف, حتى قال بعض الأدباء: ما أشبه هذا الضرب من التشبيه بالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلا أن تشقه عنه، أو بالحبيب المتحجب لا يريك وجهه حتى تستأذن، وقديمًا قال الشاعر العربي: وزاده كلفًا في الحب أن منعت ... وحب شيء إلى الإنسان ما منعا

стр. 97

خاتمة: تقدم: أن المشبه به ينبغي أن يكون أعرف بوجه الشبه من المشبه، أو أتم وأقوى منه فيه حقيقة, إذا عاد الغرض على المشبه، أو ادعاء إذا عاد على المشبه به كما سبق تفصيله. ومتى كان الأمر كذلك جيء بصيغة التشبيه المعروفة؛ إشعارًا بهذا التفاوت, ودلالة على أن أحدهما ناقص. والآخر كامل كما تقول: هذا الشيء كهذا الشيء، أو مثله، أو شبهه، أو يحاكيه، أو يماثله، أو كأنه هو، أو غير ذلك من أنواع صيغة التشبيه الدالة وضعًا على أن بين الشيئين تفاوتًا. فإذا أريد مجرد الجمع بين الشيئين في أمر من غير قصد إلى تمييز أحدهما -سواء وجد تفاوت بينهما أو لا- فالأفضل العدول عن صيغ التشبيه المذكورة إلى التعبير بصيغة التشابه أو ما يماثلها؛ احترازًا عن ترجيح أحد المتساويين الذي هو غير مقصود, كما تقول: تشابه محمد والأسد, وتماثل وجهه والبدر، وتحاكى نواله والغيث, ونحو ذلك من كل فعل لا مفعول له؛ للإشعار بأن ليس بين الطرفين تفاوت. ومنه قول إسحاق الصابي١: تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب فوالله ما أدري: أبالخمر أسبلت ... دموعي أم من عبرتي كنت أشرب٢ خيل للشاعر من شدة ما يعانيه من ألم الجوى، أنه يبكي بدل الدمع دمًا، فشبه دمعه الهاطل على خده بما في كأسه من خمر في الحمرة, غير أنه بالغ في التشبيه فزعم: أن الدمع والخمر تساويا في وجه الشبه، بحيث لا يفضل أحدهما الآخر فيه، حتى أشكل عليه الأمر, فلم يعرف أكان يشرب من دمعه، أو من خمره؛ لهذا عدل عن التعبير بصيغة التشبيه الدالة على التفاوت إلى صيغة التشابه المفيدة لمعنى التساوي الذي أراده. ونظير قول الصابي قول الصاحب: رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر٣ ويجوز في هذه الحالة أيضًا الإتيان بصيغة التشبيه رغم ادعاء التساوي بين الطرفين لغرض ما, كأن يكون أحدهما موضع حديث المتكلم، أو محل اهتمامه،

стр. 98

فيجريه على لسانه أولًا، ويجعله حينئذ مشبهًا, فإذا كان يتحدث مثلًا عن الليل يتألق فيه بياض الصبح، صح أن يشبه ذلك بجواد أدهم ذي غرة, كما في قول الشاعر العربي: والصبح في طرة ليل مسفر ... كأنه غرة مهر أشقر١ وإذا شغف بحب فرسه الدهماء، ذات الغرة البيضاء, جاز أن يشبه ذلك بظلمة الليل ينشق عن وجه الصباح, كقول الشاعر: وجهه صبح ولكن ... سائر الجسم ظلام فالشاعر في كلا الحالين إنما يرمي إلى ما في الطرفين من مجرد ظهور بياض في سواد أكثر منه، من غير قصد إلى قوة أو ضعف. غير أن الأفضل "كما قلنا" هو التعبير بصيغة التشابه؛ لأنها أدل على المراد وأصرح في معنى التساوي بين الطرفين.

стр. 99

الاختلاف في صيغة التشبيه: اختلف الرأي في صيغة التشبيه: أهي من قبيل الحقيقة، أم من قبيل المجاز؟ فالرأي الأول -وهو الراجح- أنها من قبيل الحقيقة؛ ذلك أن كلا من المشبه والمشبه به مستعمل في معناه الذي وضع له, "فمحمد" في نحو: "محمد كالبدر" مستعمل في الذات المعروفة, كما أن "البدر" مستعمل في الجرم المعروف. وقيل: هي من قبيل المجاز؛ لأن المعنى المراد من قولنا: محمد كالبدر, أنه تناهى في الحسن حتى بلغ مستوى البدر فيه، وهذا المعنى غير ما وضع له التركيب؛ إذ إن معناه المفهوم منه وضعًا: أن "محمدًا" قريب في الحسن من البدر، ولم يبلغ فيه مبلغه.

стр. 100

مبحث الحقيقة والمجاز مدخل ... المبحث الرابع: في الحقيقة والمجاز تقدم أن قلنا: إن اللفظ المستعمل نوعان: ١- نوع لا يتصرف فيه عند الاستعمال أي تصرف، بل يبقى على أصل وضعه, ويسمى عندهم حقيقة ٢- نوع يتصرف فيه عند الاستعمال، ويسمى عندهم "مجازا". والحقيقة إما أن تكون في إسناد اللفظ إلى غيره، وإما أن تكون في ذات؛ فإن كانت الحقيقة في الإسناد بأن أسند اللفظ إلى ما حقه أن يسند إليه سميت "حقيقة عقلية"١ كإسناد الإنضاج إلى الله في قولك: "أنضج الله الثمر" أو إلى ضميره في نحو: "إن الله منضج الثمر" فلفظ "أنضج" أو "منضج" لم يتصرف فيه بشيء, بل أسند إلى ما حقه أن يسند إليه، وهو الله تعالى في الأول، وضميره في الثاني. وإذًا تكون: الحقيقة العقلية: هي إسناد الفعل, أو ما يدل على معنى الفعل إلى شيء بني الفعل, أو ما يدل على معناه له٢ في اعتقاد المتكلم فيما يفهم من ظاهر حاله. والمراد بالشيء: خصوص الفاعل أو نائب الفاعل, ظاهرًا كان أو ضميرًا. فمثال إسناد الفعل إلى الفاعل ما تقدم من قولك: أنضج الله الثمر, فقد أسند الفعل وهو "أنضج" مبنيا للمعلوم إلى شيء هو "الله تعالى" والفعل على هذه الصورة مبني وموضوع لأن يسند إلى الله تعالى في اعتقاد المتكلم في ظاهر حاله, إذ ظاهر من حاله أنه مؤمن، يسند الأشياء إلى الله سبحانه لأنه لم ينصب قرينه على أنه غير مؤمن، يضيف الأشياء إلى غير الله. ومثال إسناد الفعل إلى نائب الفاعل قولك: "أنضج الثمر" بالبناء للمجهول, فقد أسند الفعل وهو "أنضج" مبنيًّا للمجهول إلى شيء هو "الثمر" والفعل على هذه الصورة مبني لأن يسند إلى "الثمر"؛ لأنه المفعول الواقع عليه الإنضاج. ومثال إسناد ما يدل على معنى الفعل قولك: جاء النابه ذكره، المحمود طبعه، الجميل صنعه "فالنابه" اسم فاعل مسند إلى "ذكره" و"المحمود" اسم مفعول مسند إلى "طبعه" و"الجميل" صفة مشبهة مسندة إلى "صنعه" وكلها دالة على معنى للفعل، ومسندة إلى ما حقها أن تسند إليه.

стр. 101

أقسام الحقيقة العقلية: تنقسم الحقيقة العقلية إلى أربعة أقسام: الأول: ما طابق الواقع والاعتقاد, كقول المؤمن: "أنبت الله الزرع" إذا كان المخاطب يعلم أن المتكلم مؤمن، ينسب الآثار كلها لله، أو كان يجهل حاله, إذ المفهوم من ظاهر حال المتكلم أنه مؤمن، وأن الإسناد إلى ما بني الفعل له في يقينه واعتقاده. الثاني: ما طابق في الواقع فقط, كقول الكافر وهو يخفي حاله عن المخاطب: "شفى الله المريض" فالظاهر من حال المتكلم أنه مؤمن يعتقد ما يقوله, إذ إنه لم ينصب قرينة على أنه كافر، بل ستر حاله وأخفاها. الثالث: ما طابق الاعتقاد فقط, كقول الكافر: "أنبت الغيث الشجر" إذا كان المخاطب يعلم أن المتكلم كافر، يضيف الإنبات إلى الغيث، أو كان يجهل حاله, إذ المفهوم من ظاهر حاله حينئذ أنه كافر يعتقد ما يقول، وأن الإسناد إلى ما بني الفعل له في اعتقاده. الرابع: ما لم يطابق الواقع، ولا الاعتقاد, كقولك كذبًا: "زارني محمد" وأنت وحدك، دون المخاطب تعلم أنه لم يزرك, فالمفهوم من ظاهر حالك حينئذ أنك صادق فيما تقول، وأن الإسناد إلى ما بني الفعل له في اعتقادك. فكل هذه الأقسام الأربعة من قبيل الحقيقة العقلية؛ لأن الفعل أسند في جميعها إلى ما حقه أن يسند إليه عند المتكلم في ظاهر حاله. وإن كانت الحقيقة في ذات اللفظ سميت "حقيقة لغوية" نسبة إلى اللغة, كلفظ "أسد" المستعمل في الحيوان المفترس في قولك: "رأيت أسدًا في غابة" فلفظ "أسد" لم يتصرف فيه بشيء, بل استعمل في معناه الأصلي. وإذًا تكون الحقيقة اللغوية: هي الكلمة المستعملة في المعنى الذي وضعت له١, وهي تسمى بأسماء

стр. 102

تختلف باختلاف الواضع. فإن كان الواضع من أرباب اللغة الفصحاء, سميت "حقيقة لغوية" فقط, كلفظ "الأسد" المستعمل في المعنى الذي وضعه له أهل اللغة "وهو الحيوان المفترس". وإن كان الواضع من أهل الشرع, سميت "حقيقة لغوية شرعية" كلفظ "الصلاة" المستعمل في المعنى الذي وضعه له أهل اللغة الشرعيون "وهو الأفعال والأقوال الخاصة". وإن كان الواضع طائفة خاصة "كالنحاة" مثلًا, سميت "حقيقة لغوية اصطلاحية, أو عرفية خاصة" كالفاعل المستعمل في المعنى الذي وضعه له علماء اللغة النحاة, وهو الاسم المرفوع بعد فعل مبني للمعلوم أو شبهه. وإن كان الواضع غير طائفة بعينها, سميت "حقيقة لغوية عرفية عامة" كلفظ "دابة" المستعمل في المعنى الذي تواضع عليه الناس وتعارفوه, وهو ذات الأربع من الدواب كالحمار, والفرس. تمرين: ١- عرف الحقيقة العقلية، واذكر لها مثالين من عندك؛ أحدهما لإسناد الفعل، والآخر لإسناد ما هو بمعناه, وبين هل إسناد "منبت" إلى "الله" في قول المؤمن: الله منبت الزرع, من قبيل الحقيقة العقلية؟ وَجِّه ما تقول. ٢- اذكر أقسام الحقيقة العقلية, ومثل لكل قسم مع الإيضاح التام. ٣- بين ما طابق الواقع والاعتقاد، وما طابق أحدهما، وما لم يطابق واحدًا منهما فيما يأتي: ١- قال كافر: قوس ظهري الزمان، وشيبتني الهموم والأحزان، لمن يعلم أنه كافر أو لمن يجهل حاله. ٢- قال مؤمن: أذوى الله الزهر, لمن يعلم أنه مؤمن، أو لمن يجهل حاله. ٣- قال كافر: أشاب الله لمتي، لمن يخفى عنه حاله.

стр. 103

٤- قال رجل وهو يكذب: لقيني أخوك اليوم, لمن لا يعلم أنه كاذب. ٥- بين فيما يأتي نوع الحقيقة: ١- "الزكاة" لمقدار من المال يعطى للفقير. ٢- "المفعول" لاسم منصوب بعد فعل. ٣- "الطائر" لذي المنقار من ذوات الجناح. ٤- الدابة لكل ما يدبّ على وجه الأرض. ٥- "الفاعل" لمن وقع منه الفعل. ٦- "الخبر" الركن الثاني من الإسناد الخبري. والمجاز: إما أن يكون في إسناد اللفظ إلى غيره، وإما أن يكون في ذات اللفظ؛ فإن كان المجاز في الإسناد بأن أسند اللفظ إلى غير ما حقه أن يسند إليه سمي مجازًا عقليًّا١ أو "إسنادًا مجازيًّا" كإسناد "أنضج" في المثال المتقدم إلى "الربيع" في قول المؤمن لمخاطب يعلم إيمانه: أنضج الربيع الثمر, والأصل: أنضج الله الثمر وقت الربيع "فالله" هو المسند إليه الحقيقي "لأنضج" وقد تصرف في "أنضج" بإسناده إلى غير ما حقه أن يسند إليه وهو "الربيع" فالربيع إذًا مسند إليه مجازي. ومثل الفعل في ذلك الوصف في نحو قولك: "الربيع منضج٢ الثمر, ولا بد لذلك من علاقة بين المسند إليه الحقيقي والمجازي، كما لا بد من قرينة دالة على التجوز كما سيأتي بيانه. وإذًا يكون:

стр. 104

المجاز العقلي: إسناد الفعل, أو ما يدل على معنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه لعلاقة، مع قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له أي: على حقيقته. وذلك كإسناد الفعل المبني للفاعل إلى المفعول في قولك: رضيت عيشته, فقولك: "رضيت" فعل مبني للفاعل وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي الذي هو صاحب العيشة، فيقال مثلًا: رضي محمد عيشته, لكنه أسند إلى المفعول الذي هو "العيشة" إسنادًا مجازيًّا؛ للمشابهة بين "العيشة" و"محمد" في تعلق الفعل بهما. فتعلقه "بمحمد" من حيث صدوره منه، وتعلقه "بالعيشة" من حيث وقوعه عليها "فالعيشة" حينئذ مسند إليه مجازي. ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ فقد أسند فيه اسم الفاعل إلى ضمير "العيشة" إسنادا مجازيا, من إسناد ما هو بمعنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه. وكإسناد الفعل المبني للمجهول إلى الفاعل في قولك: "غمر السيل" فقولك: "غمر" فعل مبني للمجهول، وكان حقه أن يسند إلى المفعول الحقيقي الذي هو "الوادي" فيقال: غمر الوادي, لكنه أسند إلى الفاعل الذي هو "السيل" إسنادًا مجازيًّا للمشابهة بين "السيل والوادي" في تعلق الفعل بهما، أما تعلقه "بالوادي" فمن حيث وقوعه عليه، وأما تعلقه "بالسيل" فمن حيث صدوره منه، فالسيل حينئذ مسند إليه مجازي. ومنه قولهم: "سيل مفعم" بفتح العين, بالبناء للمجهول بمعنى "مغمور" فقد أسند فيه اسم المفعول إلى ضمير "السيل" إسنادًا مجازيًّا من إسناد ما هو بمعنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه. وكإسناد الفعل إلى المصدر في قولك: "جد جده" وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي الذي هو "الإنسان" فيقال: جد الإنسان جدا, لكنه أسند إلى المصدر إسنادًا مجازيًّا للمشابهة بين المصدر والفاعل الحقيقي في تعلق الفعل بهما، فتعلقه بالمصدر من حيث إنه جزء مفهومه، وتعلقه بالفاعل الحقيقي من حيث صدوره منه، فالمصدر إذًا مسند إليه مجازي. وكإسناد الفعل إلى ظرف الزمان في قولك: "صام نهاره" برفع "نهاره" على الفاعلية، وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي، فيقال: صام محمد في نهاره, لكنه أسند إلى الطرف الذي هو "النهار" إسنادًا مجازيًّا؛ للمشابهة بين "محمد والظرف" في تعلق الفعل بهما، فتعلقه "بمحمد" من حيث صدوره منه وتعلقه "بالنهار" من حيث وقوعه فيه. فالظرف حينئذ مسند إليه مجازي, ومنه قولهم: نهاره صائم، وليله قائم فقد أسند فيهما اسم الفاعل إلى ضمير الظرف وهو "النهار" في المثال الأول

стр. 105

و"الليل" في المثال الثاني إسنادًا مجازيًّا, من إسناد ما هو بمعنى الفاعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه. وكإسناد الفعل إلى ظرف المكان في قولك: جرى النهر برفع "النهر" على الفاعلية، وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي الذي هو "الماء" فيقال: جرى الماء في النهر, لكنه أسند إلى الظرف الذي هو "النهر" أي: مجرى الماء إسنادًا مجازيًّا للمشابهة بين "النهر والماء" في تعلق الفعل بهما، فتعلقه بالماء من حيث صدوره منه، وتعلقه بالنهر من حيث وقوعه فيه, فالظرف حينئذ مسند إليه مجازي. ومنه قولهم: نهر جارٍ, فقد أسند فيه اسم الفاعل إلى ضمير الظرف وهو "النهر" إسنادًا مجازيًّا من إسناد ما هو بمعنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه. وكإسناد الفعل إلى السبب في قولك: "بنى الأمير القصر" وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي الذي هو "العملة" إذ هم البانون حقيقة، فيقال: بنى العملة القصر بأمر الأمير, لكنه أسند إلى السبب الباعث الذي هو "الأمير" إسنادًا مجازيًّا للمشابهة بين "الأمير والعملة" في تعلق الفعل بهما, فتعلقه "بالأمير" من حيث إنه سبب في البناء, وتعلقه "بالعملة" من حيث صدوره منهم, فالأمير إذًا مسند إليه مجازي، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ فقد أسند فيه الفعل إلى ضمير ﴿هَامَانُ﴾ إسنادًا مجازيًّا من إسناد الفعل إلى السبب وهكذا. ومما تقدم تعلم أن: علاقة المجاز العقلي: هي مشابهة المسند إليه المجازي للمسند إليه الحقيقي في تعلق الفعل بكل منهما, وإن اختلفت جهة التعلق كما عرفت مما سردناه عليك من الأمثلة. وقرينة المجاز العقلي: هي الأمر الصارف عن أن يكون الإسناد على حقيقته؛ لأن المتبادر إلى الفهم عند انتفاء القرينة هو الحقيقة, بمعنى أن ظاهر الكلام بغض النظر عن القرينة يفيد أن الفعل, أو ما في معناه مسند إلى ما حقه أن يسند إليه.

стр. 106

والقرينة نوعان: لفظية، ومعنوية: فاللفظية: هي لفظ يذكر في الكلام يصرفه عن حقيقته، وبدل على التجوز في الإسناد كما تقول: "هزم الأمير خصمه وهو في قصره" فهو "كما ترى" إسناد الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه؛ لأن الأمير لم يفعل شيئًا, والذي سوغ إسناد الهزيمة إليه أنه سبب فيها, والقرينة الدالة على هذا التجوز قولك: "وهو في قصره" إذ دل على أن الهازم غير الأمير. والمعنوية: شيء خارج عن اللفظ، يصرف الكلام عن حقيقته، ويدل على التجوز في الإسناد، وذلك أحد أمرين: الأول: أن يكون قيام المسند بالمسند إليه مستحيلًا عقلًا، أو عادة. فمثال المستحيل عقلًا قولهم: "محبتك جاءت بي إليك" فإسناد المجيء إلى ضمير المحبة مجاز عقلي أسند فيه الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه، والذي سوغ هذا الإسناد أن المحبة سبب في المجيء, وقرينة المجاز استحالة قيام المجيء بالمحبة عقلًا. والمراد بالمستحيل عقلًا: ما كان مستحيلًا بالضرورة، وهو ما لو خلا العقل ونفسه لعده محالًا على البديهة كما في المثال المذكور. ومثله قولك: أقدمني بلدك, حق لي عليك. فالقرينة على التجوز في الإسناد استحالة قيام الإقدام بالحق عقلًا. ومثال المستحيل عادة قولهم: هزم القائد الجيش, فإسناد هزيمة الجيش إلى القائد مجاز عقلي, قرينته استحالة أن يهزم القائد الجيش وحده في العادة، وإن أمكن ذلك عقلًا. الثاني: أن يكون الكلام صادرًا عن الموحد كأن يقول المؤمن: قوست ظهري أحداث الزمان، وأشابت رأسي نوائبه، فهذان الإسنادان من قبيل المجاز العقلي, أسند فيهما الفعلان إلى غير ما حقهما أن يسندا إليه بناء على أن أحداث الزمان ونوائبه سبب في التقويس والإشابة، وقرينة التجوز فيهما صدور هذا القول من مؤمن يرى أن الله تعالى مصدر الأفعال كلها. وليس هذا مما استحالته عقلية حتى يكون داخلًا في الأمر الأول؛ إذ لم يجمع ذوو العقول على استحالة مثل هذا بدليل أن كثيرًا من العلماء ذهبوا إليه, وقالوا به, واحتجنا في الرد عليهم إلى الدليل. فالقرينة في هذين الأمرين معنوية؛ إذ لم يكن في الكلام لفظ صريح يدل على التجوز في الإسناد. وإن كان المجاز في ذات اللفظ بأن نقل من معناه الموضوع له إلى معنى آخر, فإما أن يكون هذا اللفظ مفردًا, أو مركبًا.

стр. 107

المجاز المفرد: هو الكلمة المستعملة في غير المعنى الذي وضعت له العلاقة بين المعنى الأول, والثاني مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول١. والعلاقة فيه: هي المناسبة٢ بين المعنى الموضوع له باللفظ، والمعنى المقصود. وقرينته: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلًا على أنه أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له، مثال ذلك لفظ "الأسد" المستعمل في الرجل الجريء في قولك: رأيت أسدًا على فرس, وكلفظ "النبات" المستعمل في الماء في قولك: أمطرت السماء نباتًا, فكل من لفظي "الأسد والنبات" مجاز مفرد؛ لأنه كلمة مستعملة في غير المعنى الموضوع له, والعلاقة بين المعنيين "في الأول" مشابهة الرجل للأسد في الجرأة، "وفي الثاني" سببية الماء للنبات, والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قولك في المثال الأول: "على فرس" إذ ليس ذلك من شأن الحيوان المفترس، والقرينة في الثاني قولك: "أمطرت" إذ إن النبات لا يمطر. تقسيم المجاز المفرد: ينقسم المجاز المفرد باعتبار العلاقة إلى قسمين: استعارة، ومجاز مرسل, ولكل منهما مبحث خاص سيأتي فيما بعد. فإن كانت العلاقة بين المعنيين المشابهة سمي اللفظ "استعارة" كما في لفظ "الأسد" المستعار للجريء في المثال الأول, وإن كانت العلاقة بينهما غير المشابهة سمي اللفظ "مجازًا مرسلًا" كما في لفظ "النبات" المستعمل في "الماء" في المثال الثاني، وإليك بيان القسم الأول.

стр. 108

الاستعارة مدخل ... الاستعارة: هي الكلمة المستعملة في غير المعنى الذي وضعت له لعلاقة المشابهة, مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له كقولك: رأيت قمرًا يتكلم. وطريقة إجرائها: أن يقال في هذا المثال وأشباهه: شبه الوجه الصبوح بالقمر في الإشراق ثم تنوسي التشبيه، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، وداخل في جنسه، ثم استعير لفظ المشبه به وهو "القمر" للمشبه وأطلق عليه كأنه موضوع له, باعتباره أحد أفراد القمر. وهكذا يقال في كل استعارة، أي: في كل كلمة استعملت في غير ما وضعت له لعلاقة المشابهة. أركانها: هي كما يؤخذ من التعريف ثلاثة: "المستعار منه" وهو ذات المشبه به، و"المستعار له" وهو "ذات المشبه" و"المستعار" وهو اللفظ الموضوع في الأصل للمشبه به. فإذا قيل: "رأيت أسدًا يرمي" فقد شبه الرجل الجريء بالأسد -على ما سبق- ثم استعير اسم المشبه به للمشبه. فالمعنى المشبه به وهو "الحيوان المفترس" مستعار منه؛ لأن اللفظ الموضوع له وهو "أسد" أخذ منه وأعطي لغيره، فهو كالإنسان يستعار منه ثوبه لغيره, والمعنى المشبه وهو "ذات الرجل الجريء" مستعار له؛ لأن اللفظ الذي لغيره أعطي له فهو كالإنسان يستعار له الثوب من صاحبه, ولفظ "أسد" مستعار؛ لأنه أتي به من صاحبه، واستعير لغيره كاللباس المستعار من صاحبه للابسه, وثلاثتها هي أركان الاستعارة، والدعائم التي تقوم عليها١.

стр. 109

ما لا بد منه لتحقيقها: يتبين مما تقدم في طريقة إجرائها أن لا بد لتحقيقها من أمور أربعة: ١- أن يتناسى التشبيه، ويجعل كأن لم يكن، ويدعى حينئذ أن المشبه فرد من أفراد المشبه به١ مبالغة في اتصاف المشبه بوجه الشبه, غير أن التشبيه الذي يجب تناسيه فيها هو الذي بنيت عليه الاستعارة, وإذًا فلا مانع من أن تقول: "رأيت أسدًا يتكلم مثل الفيل في الضخامة" فالذي بنيت عليه الاستعارة هو تشبيه الرجل بالأسد في الجرأة, وهذا هو الذي يجب تناسيه فيها, فتشبيهه بعد ذلك بالفيل لا يضر بالاستعارة لعدم بنائها عليه. ٢- ألا يذكر وجه الشبه، ولا أداته لا لفظًا ولا تقديرًا, فإن ذكرا، أو ذكر أحدهما كان الكلام تشبيهًا، لا استعارة كما تقول: محمد كأبي العلاء في شعره، أو محمد كأبي العلاء، أو محمد أبو العلاء في شعره. ٣- ألا يجمع فيها بين الطرفين أصلًا، أو يجمع بينهما على وجه لا يدل على التشبيه. فمثال الأول قولك: لقيت بحرًا يعظ الناس، وقولك: أظفار المنية نشبت بفلان, ففي الأول: شبه الواعظ بالبحر في الإفاضة، ثم استُعير لفظ المشبه به للمشبه فالمذكور هو لفظ المشبه به فقط، وهو لفظ بحر، وفي الثاني: شبهت المنية بالأسد في الاغتيال، ثم استعير تقديرًا لفظ "الأسد" للمنية, ثم حذف ورمز له بشيء من لوازمه وهو "الأظفار" على ما سيأتي, فالمذكور هو لفظ المشبه لا غير وهو "المنية". ومثال الثاني وهو ما جمع فيه بين الطرفين على وجه لا ينبئ عن التشبيه, قول الشاعر: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر٢ فلفظ "القمر" في الشطر الثاني من البيت استعارة؛ لأنه منقول من معناه الأصلي إلى "الإنسان الجميل" وقد جمع فيها بين الطرفين؛ المشبه وهو الضمير في "أزراره" والمشبه به وهو "القمر" ولكن على وجه لا يدل على التشبيه؛ لأن سياق الكلام إنما

стр. 110

هو لإثبات فعل واقع على القمر لا لإثبات التشبيه؛ إذ هو مكنون في النفس، لا يدرك إلا بتأمل ونظر. فإذا جمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه، ويدل عليه بألا يصح المعنى إلا بمراعاة التشبيه, كان الكلام تشبيهًا لا استعارة وذلك إذا كان المشبه به خبرًا عن المشبه، أو في حكم الخبر عنه كأن يقع حالًا منه، أو صفة له. فمثال ما إذا كان خبرًا قولك: "خالد بن الوليد أسد" فقد جمع فيه بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه؛ لأن سياق الكلام "ظاهرًا" إنما هو لإثبات معنى "الأسد" لخالد، وهو يمتنع عن الحقيقة، فيحمل على أنه لإثبات شبه معنى الأسد لخالد، فيكون الإتيان "بالأسد" لإثبات هذا الشبه, ولأن حمل الأسد على "خالد" يقتضي اتحاد المحمول والمحمول عليه في المعنى ليصح الحمل, واتحادهما ممتنع لتباين المفهومين, فتعين الحمل على التشبيه بتقدير أداته فهلذين السببين كان جديرًا أن يسمى تشبيهًا، لا استعارة. ومثال ما في حكم الخبر قولك: كَرَّ خالد على الأعداء أسدًا، ومررت برجل أسد, جمع فيهما بين الطرفين على وجه يدل على التشبيه للسببين المتقدمين, فكان الكلام فيهما تشبيهًا. ٤- أن يكون المشبه به كليًّا حقيقة، أو تأويلًا، حتى يتأتى ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، واعتباره فردًا من أفراده. فالكلي الحقيقي كاسم الجنس في مثل "الأسد" فإن معناه كلي، يصدق على كثيرين, فيصح حينئذ جعله استعارة للرجل الجريء، باعتباره داخلا في جنس الأسد ادعاء، وفردًا من أفراده. والكلي التأويلي كعلم الشخص الذي اشتهر بوصف, بحيث إذا أطلق ذلك العلم فهم منه ذلك الوصف, وصار العلم كأنه موضوع للذات المستلزمة لذلك الوصف "كحاتم" علمًا على الطائي المعروف١, فإنه اشتهر بالجود وذاع صيته فيه حتى صار إذا أطلق لفظ "حاتم" فهم منه
следующие страницы →