وانظر لشمس الأفق طائرةً وقد ... ألقت على صفح الخليج جناحا
فاظفر بصفو الأفق قبل غروبها ... واستنطق وحثّ الراحا
متع جفونك في الحديقة قبل أن ... يكسو الظلام جمالها أمساحا وقلت بمرسيّة:
أقلقه وجده فباحا ... وزاد تبريحه فناحا
ورام يثني الدموع لمّا ... جرت فزادت له جماحا
يا من جفا فارفقن عليه ... مستعبداً لا يرى السراحا
يكابد الموت كلّ حينٍ ... لو أنّه مات لاستراحا
ينزو إذا ما لرياح هبّت ... كأنّه يعشق الرياحا
يسألها عن ربوع حمصٍ ... لمّا نما عرفها وفاحا
كم قد بكى للحمام كيما ... يعيره نحوها جناحا قال: وخرجت مرّة مع أبي إسحاق إبراهيم بن سهر الإسرائيلي (١) إلى مرج الفضة بنهر إشبيلية فتشاركنا في هذا الشعر (٢) :
غيري يميل إلى كلام اللاحي ... ويمدّ راحته لغير الراح
لا سيما والغصن يزهو زهره ... ويميل عطف الشارب المرتاح
وقد استطار القلب ساجع أيكةٍ ... من كلّ ما أشكوه ليس بصاح
стр. 1017
قد بان عنه جناحه عجباً له ... من جانحٍ للعجز حلف جناح
بين الرياض وقد غدا في مأتمٍ ... وتخاله قد ظلّ في أفراح
الغصن يمرح تحته والنهر في ... قصفٍ تزجّيه يد الأرواح
وكأنّما الأنشام فوق جنانه ... أعلام خزٍّ فوق سمر رماح
لا غرو أن قامت عليه أسطرٌ ... لمّا رأته مدرّعاً لكفاح
فإذا تتابع موجه لدفاعه ... مالت عليه فظلّ حلف صياح قال: وقلت بمالقة متشوّقاً إلى الجزيرة الخضراء:
يا نسيماً من نحو تلك النواحي ... كيف بالله نور تلك البطاح
أسقتها الغمام ريّاً فلاحت ... في رداءٍ ومئزرٍ ووشاح
أم جفته فصيّرته هشيماً ... تركته تذروه هوج الرياح
يا زماني بالحاجبيّة إنّي ... لست من سكر ما سقيت بصاحي
آه ممّا لقيت بعدك من هـ ... مّ وشوقٍ وغربةٍ وانتزاح
أين قومٌ ألفتهم فيك لمّا ... قرّب الدهر آذنوا بالرّواح
تركوني أسير وجدٍ وشوقٍ ... ما لقلبي من الجوى من سراح
أسلموني للويل حتى تولوا ... وأصاخوا ظلماً لقول اللّواحي
أعرضوا ثمّ عرّضوني لشوقٍ ... ترك القلب مثخناً بجراح
أسهر الليل لست أغفي لصبحٍ ... أترى النوم ذاهباً بالصباح
قد بدا يظهر النّجوم حليّاً ... وهو من لبسة الصبا في براح
مسبلاً ستره منعّم بالٍ ... وجفوني من سهده في كفاح
أيها الليل لا تؤمّل خلوداً ... عن قريبٍ يمحو ظلامك ماح
ويلوح الصباح مشرق نورٍ ... فيه للمستهام بدء نجاح
إنّ يوم الفراق بدّد شملي ... طائراً ليته بغير جناح
حالك اللّون شبه لونك فاعزب ... عن عياني يا شبه طير انتزاح
стр. 1018
وإذا ما بدا الصباح فما يش ... به إلاّ لون الخدود الملاح وقلت بالجزيرة الخضراء:
قد رفعت راية الصّباح ... تدعو النّدامى للاصطباح
فبادروا للصّبوح إنّي ... قد بعت في غيّه صلاحي
ولا تميلوا عن رشف ثغرٍ ... وسمع شدوٍ وشرب راح
وأنت يا من يروم نصحي ... قد يئس القوم من فلاحي
فلست أصغي إلى نصيحٍ ... ما نهضت بالكؤوس راحي قال: وقلت أمدح ملك إفريقية وأهنئه بقتل ثائر من زناتة يدّعي أنه من نسل يعقوب المنصور:
برّح بي من ليس عنه براح ... ومن رأى قتلي حلالاً مباح
من صرّح الدمع (١) بحبّي له ... وما لقلبي عن هواه سراح
ظبيٌ عدمت الصبح مذ صدّني ... وكيف لا يعدم وهو الصباح
مورّد الخدّ سهيّ اللّمى ... منعّم الرّدف جديب الوشاح
تظنه من قلبه جلمداً ... ومنه للماء يجفني انسياح
لردفه أضعف من صبّه ... ولم أزل من لحظه في كفاح
نشوان من ريقته عربدت ... أجفانه بالمرهفات الصّفاح
فها أنيني خافتٌ مثل ما ... أنا أسيرٌ مثخنٌ بالجراح
يا قاتلي صدّاً أما تستحي ... أن تلزم البخل بأرض السّماح (٢)
من ذا الذي يبخل في تونسٍ ... والملح فيها صار عذباً قراح
وأصبحت أرجاءها جنّةً ... مبيضّة الأبراج خضر البطاح
стр. 1019
لولا ندى يحيى وتدبيره ... ما برحت تغبرّ منها النّواح
لكن يداه سحبٌ كلّما ... حلّت بأرضٍ حلّ فيها النجاح
هذا وقد آمن من حلّها ... وحفّها، من غربة وانتزاح
كم شتّتوا من قبل تأميره ... وحكّمت فيهم عوالي الرماح
يا سائراً يرجو بلوغ المنى ... باكرا ذرا يحيى وقل لا رواح
وحيّه بالمدح فهو الذي ... يهتزّ كالهنديّ حين امتداح
بالشرق والغرب غدا ذكره ... يحثّ من حمدٍ وشكرٍ جناح
ساعده السعد وأضحت له ال ... آمال لا تجري بغير اقتراح
ويسّر الله له ملكه ... من غير أن يشهر فيه السلاح
وكلّ من كان على غيره ... ذا منعةٍ أمسى به مستباح
وكم جموحٍ عندما قام بالأم ... ر رأى القهر فخلّى الجماح
كفٌّ بكفٍّ للنّدى والردى ... بها معانٌ وهي خرسٌ فصاح
حتى لقد أحسب من سعده ... تجري على ما ترتضيه الرياح
قولوا ليعقوب فماذا جنى ... وابن أبي حمزة ماذا استباح
قد أصبحا من فوق جذعين لا ... يؤنسهم غير هبوب الرياح
واسأل عن الداعي والدعيّ الذي ... حاول أمراً كان عنه انضراح
أكان من صيّره والداً ... بزعمه أمّل فيه فلاح
شكراً لسعدٍ لم يدع فرقةً ... قد صيّر الملك كضرب القداح
راموا بلا جاهٍ ولا محتدٍ ... ما حزت بالحقّ فكان افتضاح
زناتةٌ يهنيكم فعلكم ... عاجلكم ثائركم باجتياح
كفّر ما قدّمتم آخرٌ (١) ... والخير لن يبرح للشرّ ماح
عهدي به في موكب الملك ما ... بينكم نشوان من غير راح
стр. 1020
يحسب أنّ الأرض ملكٌ له ... وروحه ملكٌ لسمر الرماح
غدا بعزّ الملك لكنّه ... أهون مملوكٍ على الأرض راح
جاءوا به يمرح في عزّه ... وهم أزالوا عنه ذاك المراح
توقّعوا في القرب منه الردى: ... من صحبة الأجرب يخشى الصّحاح
فأسرعوا نحوك يبغون ما ... عوّدتهم من عطفةٍ والتماح
فغادروه جانياً غدره ... لطائر البين عليه نياح
فالحمد لله على كلّ ما ... سنّى لك السعد برغم اللّواح
مثلك لا ينفد ما شاده (١) ... فلست تأتي الدهر إلاّ صلاح
لا زلت في عزٍّ وفي مكنةٍ ... وفي سرورٍ دائمٍ وانفساح قال: وقلت ببنيونش موضع الفرجة بسبتة:
اشرب على بنيونشٍ ... بين السواني والبطاح
مع فتيةٍ مثل النجو ... م لهم إذا مرّوا جماح
ساقيهم متبذّلٌ ... لا يمنع الماء القراح
كلٌّ يمدّ يمينه ... ما في الذي يأتي جناح
هبّوا عليه كلّما ... هبّت على الروض الرياح
طوع الأماني كلّ ما ... يأتي به فهو اقتراح
عانقته حتّى ترك ... ت بخصره أثر الوشاح وقلت بإشبيلية:
أوجه صبحٍ أم الصّباح ... ولحظها أن ظبى الصّفاح
وثغرها أم نظيم درٍّ ... وريقها أم سلاف راح
وقدّها أم قوام غصنٍ ... وعرفها أم شذا البطاح
стр. 1021
يا حبّذا زورةٌ تأتّت ... منها علىغفلة اللّواح
فلم أصدّق بها سروراً ... وظلت نشوان دون راح
أما منعت السلام دهراً ... ولا رسولٌ سوى الرياح
قالت: ألا فانس ما تقضّى ... فمن يدّع ما مضى استراح
يا حبّذاها وقد تأتّت ... من دون وعدٍ ولا اقتراح
زارت ومن نورها دليلٌ ... والليل قد أسبل الجناح
أخفت سراها فباح نشرٌ ... لها بعرفٍ فشا وفاح
وافت فأمسى فمي مداماً ... وساعداي لها وشاح
كأنّما بتّ بين روضٍ ... والغصن والورد والأقاح
فبينما الشمل في انتظامٍ ... إذ سمعت داعي الفلاح
فغادرتني، فقلت: غدراً ... قالت: أما تحذر افتضاح
ولّت وما خلت من صباحٍ ... يبدو على إثره صباح قال: وقلت بتونس:
لا مرحباً بالتين لمّا بدا ... يسحب من ليلٍ عليه الوشاح
ممزّق الجلباب يحكي ضحىً ... هامة زنجيٍّ عليها جراح
وإن تصحّفه فلا حبّذا ... ما قد أتى تصحيفه بانتزاح (١) وقلت بالجزيرة الخضراء، وقد كلّفت ذلك:
غرامي بأقوال العدا كيف ينسخ ... وعهدي وقد أحكمته كيف يفسخ
كلامكم لا يدخل السمع نصحه ... ولكن إذا حرضتم فهو يرسخ
وبي بدر تمٍّ قد ذللت لحسنه ... فمن ذا الذي فيما أتيت يوبّخ
إذا خاصموني في هواه خصمتهم ... ويبغون تنقيصي بذاك فأشمخ
стр. 1022
أرى أنّ لي فضلاً على كلّ عاشقٍ ... فقصّتنا في الدّهر ممّا يؤرّخ
فما بشرٌ مثلٌ له في جماله ... ووجدي به في العشق ليس له أخ وقلت بالإسكندرية، وقد تعذّر عليّ الحجّ عند وصولي إليها سنة تسع وثلاثين وستمائة:
قرب المزار ولا زمانٌ يسعد ... كم ذا أقرّب ما أراه يبعد
وارحمةً لمتيّمٍ ذي غربةٍ ... ومع التغرّب فاته ما يقصد
قد سار من أقصى المغارب قاصداً ... من لذّ فيه مسيره إذ يجهد
فلكم بحارٍ مع قفار جبتها ... تلقى بها الصمصام ذعراً يرعد
كابدتها عرباً وروماً، ليتني ... إذ جزت صعب صراطها لا أطرد
يا سائرين ليثربٍ بلّغتم ... قد عاقني عنها الزمان الأنكد
أعلمتم أن طرت دون محلّها ... سبقاً وها أنا إذ تدانى مقعد
يا عاذلي فيما أكابد قلّ في ... ما أبتغيه صبابةٌ وتسهّد
لم تلق ما لقيته فعذلتني ... لا يعذر المشتاق إلاّ مكمد
لو كنت تعلم ما أروم دنوّه ... ما كنت في هذا الغرام تفنّد
لا طاب عيشي أو أحلّ بطيبةٍ ... أفقٌ به خير الأنام محمّد
صلّى عليه من براه خيرةً ... من خلقه فهو الجميع المفرد
يا ليتني بلّغت لثم ترابه ... فيزاد سعداً من بنعمى يسعد
فهناك لو أعطى مناي محلّةً ... من دونها حلّ السّها والفرقد
عيني شكت رمداً وأنت شفاؤها ... من دائها ذاك الثرى لا الإثمد
يا خير خلق الله مهما غبت عن ... عليا مشاهدها فقلبي يشهد
ما باختيار القلب يترك جسمه ... غير الزمان له بذلك تشهد
يا جنّة الخلد التي قد جئتها ... من دون بابك للجحيم توقّد
صرم التواصل ذبّلٌ وصوارمٌ ... ما للجليد على تقحّمها يد
стр. 1023
فلئن حرمت بلوغ ما أمّلته ... فلديّ ذكرى لا تزال تردّد
فلتنعشوا مني الذّماء بذكره ... ما دمت عن تلك المعالم أبعد
لولاه ما بقيت حياتي ساعةً ... هو لي إذا متّ اشتياقاً مولد
ذكرٌ يليه من الثناء سحائبٌ ... أبداً على مرّ الزمان يجدّد
من ذا الذي نرجوه لليوم الذي ... يقصى الظّماء به ويحمى المورد
يا لهف من وافى هناك وما له ... من حبّه ذخرٌ به يتزود
ما أرتجي عملاً ولكن أرتجي ... ثقتي به ولحسب من يتزود
ما صحّ إيمانٌ خلا من حبّه ... أبلا رياشٍ يستعدّ مهنّد
عن ذكره لا حلت عنه لحظةً ... ومديحه في كلّ حفلٍ أسرد
يا مادحي يبغى ثواباً زائلاً ... فثواب مدحي في الجنان أخلد
لولا رسول الله لم ندر الهدى ... وبه غداً نرجو النّجاة ونسعد
يا رحمةً للعالمين بعثت والدّن ... يا بجنح الكفر ليلٌ أربد
أطلعت صبحاً ساطعاً فهديت لل ... إيمان إلاّ من يحيد ويجحد
لم تخش في مولاك لومة لائمٍ ... حتى أقرّ به الكفور الملحد
ونصرت دين الله غير محاذرٍ ... ودعوت في الأخرى الألى قد أصعدوا
ولقيت من حرب الأعادي شدّةً ... لو كابدوها ساعةً لتبدّدوا
أيّان لا أحدٌ عليهم عاضدٌ ... إلا الإله ولم يخن من يعضد
فحماك بالغار الذي هو من أد ... لّ المعجزات وخاب من يترصّد
ووقاك من سمّ الذراع بلطفه ... كيما يغاظ بك العدى والحسّد
والجذع حنّ إليك والماء انهمى ... ما بين خمسك والصحابة شهّد
والذئب أنطق للذي أضحى به ... يهدى إلى سبل النّجاح ويرشد
وبليلة الإسرا حباك وسمّي ال ... صّديق من أضح لقولك يسعد
وحباك بالخلق العظيم ومعجز ال ... كلم الذي يهدى به إذ يورد
وبعثت بالقرآن غير معارضٍ ... فيه وأمسى من نحاه يعرّد
стр. 1024
فتوالت الأحقاب وهو مبرّأ ... من أن يكون له مثالٌ يوجد
ولكم بليغٍ جال فصل خطابه ... والسّرج في ضوء الغزالة تهمد
زويت لك الأرض التي لا زال ح ... تى الحشر ربّك في ذراها يعبد
ونصرت بالرعب الذي لمّا يزل ... يترى كأن ما عين سخصك تفقد
فمتى تعرّض طاعنٌ أو حاد عن ... حرم الهداية فالحسام مجرّد
يا من تخيّر من ذؤابة هاشمٍ ... نعم الفخار لها ونعم المحتد
لسناك حين بدا بآدم أقبلت ... رعياً لأخراه الملائك تسجد
لم أستطع حصراً لما أعطيته ... فذكرت بعضاً واعتذاري منشد
ماذا أقول إذا وصفت محمّداً ... نفد الكلام ووصفه لا ينفد
فعليك يا خير الخلائق كلّها ... مني التحيّة والسلام السرمد قال: وقلت بإشبيلية:
هل تمنع النّهود ... ما أبدت الخدود
نعم وكم طعينٍ ... بطعنها شهيد
يا ربّة المحيّا ... حفّت به السعود
لم تسكر الحميّا ... بل ريقك البرود
لله يا عذولي ... ما تكتم البرود
ما زلت فيه أفنى ... والوجد مستزيد
يا هل ترى زماناً ... مضى لنا يعود
لدى العروس سقّت ... جنابها العهود (١)
حيث الغصون مالت ... كأنّها قدود
وزهرها نظيمٌ ... كأنّه عقود
стр. 1025
حمامها تغنّي ... أعطافها تميد
وبالنّسيم شقّت ... لنهرها برود
فروعه سيوفٌ ... وسوره بنود
هناك كم دعتني ... إلى الورود رود
فنلت كلّ سؤلٍ ... يفنى به الحسود
قضيت فيه عيشاً ... ما بعده مزيد
أضحي به وأمسي ... مرنّحاً أميد
كأنّني يزيد ... كأنّني الوليد
يجري الزمان طوعي ... بكلّ ما أريد
الخمر ملّكتني ... فالخلق لي عبيد
يحقّ لي إذا ما ... أبصرتها تجود
فها أنا إذا ما ... فقدتها فقيد
يا من يلوم بغياً ... العذل لا يفيد
إذا عدمت كأسي ... فليس لي وجود وقال: وقلت بإشبيلية:
أوما نظرت إلى الحمامة تنشد ... والغصن من طربٍ بها يتأوّد
ونثاره ألقاه جائزة (١) لها ... لمّا يزل بيد النسيم يبدّد
ألقى عليها الطلّ برداً سابغاً ... فثناؤه طول الزمان يردّد
أترى الحمامة من محبٍّ ملخصٍ ... أولى بشكرٍ حين تغمره يد
فلأثنينّ عليك ما أثنى بأع ... لى الغصن حنّان الهديل مغرّد
كم نعمةٍ لي في جنابك كم أكا ... بد جهدها أيّان برّك يجهد
стр. 1026
وقال:
أرى العين منّي تحسد الأذن كلّما ... جرت مدحةٌ للعلم والفضل والمجد
أحقّق أنباءً ولم أر صورةً ... كتحقيقي الأخبار عن جنّة الخلد
فمنّ على عيني بلقياك إنّني ... أخذت لها أمناً بذاك من السّهد قال: وقلت أمدح ابن عمي وأشكره (١) ، على ما أذكره:
آه ممّا تكنّ فيك الجوانح ... ودموعي على نواك سوافح
واشتفاءٌ من العدوّ ببينٍ ... كدّر العيش، أي عيشٍ لنازح
يا أتمّ الأنام حسناً أما تح ... سن حتى يتمّ إطراء مادح
يا زمان الوصال عوداً فإنّي ... طوّحت بي لمّا غدرت الطوائح
أين عيش العروس إذ يبطح السك ... ر حبيبي ما بين تلك الأباطح
والأماني تترى ولا أحدٌ ين ... صح إذ لا يصغى إلى قول ناصح
وزمان السرور سمحٌ مطيعٌ ... ورسول الحبيب غادٍ ورائح
ولكم ليلةٍ أتاني بلا طي ... بٍ ولكن يزري بأذكى الروائح
هو ظبيّ فليس يحتاج طيباً ... قد كفاه عرفٌ من المسك فائح
مثل عليا محمدٍ لم تكن كس ... باً وما لا يكون في الطبع فاضح
يا كريماً أتى من الجود ما لا ... كان يدرى فأوجدته المدائح
وعلا كلّ ذي علاءٍ وأضحى ... نحو ما لا يرومه الناس طامح
قد أتاني إحسانك الغمر في إث ... ر سواه فكنت أكمل مادح
فاض بحر النوال منك ولا سا ... حل يبدو ولم أزل فيه سابح
حللٌ مثل ما كسوتك في المد ... ح تميت العدا ومالٌ سابح (٢)
стр. 1027
أورد الورد (١) منطقي كلّ شكرٍ ... حين أضحى طوع البنان مسامح
لون خدّ الحبيب حين كسوه ... حلّة الحسن بالعيون اللّوامح
شفقٌ سال بين عينيه صبحٌ ... حسنه قيّد اللحاظ السوارح
لم أجد فيه من جماحٍ ولك ... نّ ثنائي عليك ما زال جامح
لك يا ابن الحسين ذكرٌ جميلٌ ... صيّر الكلّ نحو بابك جانح
قد هدى نحوك الثناء كما يه ... دي إلى الروض باسمات النوافح
فاعذر الناس إن أتوا لك أفوا ... جاً فكلٌّ بقصد فضلك رابح
ما هدتهم إليك إلاّ الأماني ... لم تحلهم إلا عليك القرائح
قل لذي المفخر الحديث تأخّر ... ليس مهرٌ في شأوه مثل قارح
أيّ أصلٍ وأيّ فرعٍ أقاما ... شرفاً ظلّ للنّجوم يناطح
قد حوت مذحجٌ من الفخر لمّا ... كنت منها ما ليس يحويه شارح
أفق مجدٍ قد زانه منك بدرٌ ... في ظلام الخطوب ما زال لائح
بدر تمٍّ حفّت به هالةٌ ... من بيت مجدٍ علاؤها الدهر واضح
يا سماكاً بمسكه القلم الأع ... لى بدا بين أنجم الملك رامح
رفع الله للكتابة قدراً ... بعدما كابدت توالي الفضائح
يا أعزّ الأنام نفساً وأعلا ... هم محلاًّ لا زال أمرك راجح
أين أعداؤك الذين رعى سي ... فك فيهم فأشبهوا قوم صالح
أفسد الدهر حالهم ليرى حا ... لك رغماً بمن يناويك صالح
دمت في عزّةٍ وسعدٍ مدى الده ... ر ولا زال طائرٌ منك سانح [أبو عبد الله ابن سعيد]
وابن عمه المذكور قال في حقه في المغرب ما ملخّصه (٢) :
стр. 1028
إنّه الرئيس الأعلى، ذو الفضائل الجمة، أبو عبد الله محمد بن الحسين بنأبي الحسين سعيد بن الحسين بن سعيد بن خلف بن سعيد، قال: واجتماع نسبنا مع هذا الرئيس في سعيد بن خلف، وهو الآن قد اشتمل عليه ملك إفريقية اشتمال المقلة على إنسانها، وقدمه في مهماته تقديم الصّعدة لسنانها، وأقام لنفسه مدينة حذاء حضرة تونس، واعتزل فيها بعسكر الأندلس الذي صيّرهم الملك المنصور إلى نظره، وهو كما قال الفتح صاحب القلائد فقد جاء آخرهم، فجدد مفاخرهم، ومن نظمه وقد نزل على من قدم له مشروباً أسود اللون غليظاً وخروباً وزبيباً أسود وزبيباً كثير الغضون جاءت به عجوز في طبق، فقال:
ويوم نزلنا بعبد العزيز ... فلا قدّس الله عبد العزيز
سقانا شراباً كلون الهناء ... ونقّلنا بقرون العنوز
وجاءت عجوزٌ فأهدت لنا ... زبيباً كخيلان خدّ العجوز ونزل السلطان أبو يحيى في بعض حركاته لموضع فيه نهر، وعلى شطّه نورٌ، فقال الرئيس أبو عبد الله ابن الحسين يصفه أو أمر بذلك:
ونهر يرفّ الزهر (١) في جنباته ... ويثني النّسيم قضبه فتأطّر
يسيل كما عنّ الصباح بأفقه ... وإلا كما شيم الحسام المجوهر
عليه ليحيى قبّةٌ، هل سمعتم ... بقرصة شمسٍ حلّ فيها غضنفر
فإن قلت هذي قبّةٌ لعفاتها ... فقل ذلك الوادي الذي سال كوثر وقال أبو عمرو أحمد بن مالك بن سيد أمير اللخمي الشابي في ذلك:
وأرضٍ من الحصباء بيضاء قد جرت ... جداول ماءٍ فوقها تتفجّر
стр. 1029
كما سبحت تبغي الحياة أراقمٌ ... على روضةٍ فيها الأقاح المنوّر
وإلا كما شقّت سبائك فضّةٍ ... بساطاً على حافاته الدّرّ ينثر وقال أبو علي يونس:
انظر إلى منظرٍ يسبيك منظره ... ويزدهيك بإذن الله مخبره
ومعجبٍ معجبٍ لا شيء يشبهه ... خرير ماءٍ نميرٍ ثمّ منهره
كأنّما فرشت بالدّرّ صفحته ... فالماء ينظمه طوراً وينثره
كأنّ خلجانه قدّت على قدرٍ ... بمائها قسمٌ يجري مفجّره
أحلّ سيدنا الميمون قبّته ... بحوزه فغدا يزدان جعفره رجع إلى ما كنا فيه من أخبار الرئيس ابن الحسين، فنقول: رأيت بالمغرب آخر كتاب " روح السحر " من نسخة ملوكية كتبت له أبياتاً علق بحفظي منها الآن ما نصه:
تمّ روح السحر نسخاً فأتى ... مصحباً باليمن والفخر البعيد
لأبي عبد الإله المرتقي ... في ذرا المجد الرئيس ابن سعيد ولم أحفظ تمام الأبيات.
وقال أبو الحسن علي بن سعيد: كتبت إليه من أبيات بحضرة تونس وقد نقل إليه تعض الحساد ما أوجب تغيّره:
ومن بعد هذا قد أتيت بزلّةٍ ... أما حسنٌ أن لا تضيق بها صدرا
وعلمك حسبي بالأمور فإنّني ... عهدتك تدري سرّ أمري والجهرا
وقد أصلح الله الأمور بسعيكم ... ونيتكم صلحاً على البشر والبشرى
ولم يبق لي إلاّ رضاك فإن به ... كتبت ولو حرفاً أطبت لي العمرا
فبقّيت كهفاً للجميع وموئلاً ... ولا زلت ما دام الزمان لنا سترا
стр. 1030
فكتب إلي هذه الأبيات، وكان متمرضاً، وبعث إلي بما يذكر:
أكفّ الصّبا حفّت جنى زهر الربى ... سؤالك عن نضوٍ يسامي بك الزّهرا
بعثت بمثل الزهر في مثل صفحةٍ ... لذلك ما قلّدتها الشّذر والدّرّا
معانٍ لها أعنو وأعنى بها فكم ... وقفت عليها العين والسمع والفكرا
فلو عرضت للبحر لن يلفظ الدّرّا ... ولو عارضت هاروت لم ينفث السحرا
أب حسن هنئت ما قد منحته ... ضروباً من الآداب تحلي بها الدهرا
ودونك بحراً من ودادي تلاطمت ... به زاخرات المدّ لا يعرف الجزرا
فإن خطرت في جانبٍ منك هفوةٌ ... فلا تحسبن أنّي أضيق بها صدرا
يزلّ الجواد عندما يبلغ المدى ... ويعثر بالرّمث النسيم إذا أسرى
فدع ذا وخذها شائباتٍ قرونها ... عروباً لعوباً جائزاً حكمها بكرا
ولو غادرت أوصافها متردّماً ... لشنّفت من أشعرها أذن الشّعرى
ألا فاحجبنها عن صديقٍ معمّمٍ ... فإنّ قصارى الغمر أن يبكي العمرا
ومن كان ذا حجرٍ ونبلٍ ورقّةٍ ... فلا يخلون إلاّ على الخمرة الحمرا
قرنت بها صفراء لم تعرف الهوى ... ولا ألفت وصلاً ولا عرفت هجرا
ولا ضمّخت تضخ العبير وإن غدت ... تؤخّره لوناً وتفضحه نشرا
فإن خلتها بنت الظليم أظلّها ... فقد فرش الإذخرّ من تحتها تبرا
لها نسبٌ بين الثريّا أو الثرى ... وسل برباها المزن والغصن النضرا
فشرباً دهاقاً وانتشاقاً ولا ترم ... عن البيت فتراً أو تقيم به شهرا وله في الخشكلان (١) :
هو الأهلّة لكن ... تدعونه خشكلانا
فإن تفاءلت صحّف ... تجد: حبيبك لانا انتهى باختصار.
стр. 1031
وحظي المذكور جدّاً عند السلطان ملك إفريقية أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، ولما مات السلطان المذكور، وحدثت فتنة بموته واختلاف، ثم استقرت الدولة لابنه الشهير الكبير القدر أبي عبد الله المستنصر ممدوح حازم بالمقصورة، وقاتل ابن الأبار القضاعي (١) - سخط على الرئيس ابن الحسين المذكور، وقبض على دياره وأمواله، وصيره كالمحبوس، فكتب إليه رقعة يطلب الاجتماع به في مصلحة للدولة، فأحضره، وسأله فأخبره بأن أباه صنع داراً عظيمة تحت الأرض، وأودع فيها من أنواع المال والسلاح ما جعله عدّة وذخيرة لسلطانه، ولم يترك على وجه الأرض من له علم بهذا الموضع الذي أودعه نفائس أمواله غيري، وأوصاني أنّه إذا انتقل إلى جوار ربه، إذ توقع أن تقع فتنة بين أقاربه، أنّه إذا انقضت سنة واستقر الأمر لأحد من ولدي أو من يتيقن أنّه يصلح لأمور المسلمين، فأطلعه على هذه الذخائر، فربما فنيت الأموال بالفتنة، فلا يجد القائم بالأمر ما يصلح به الدولة إذا تفرغ للتدبير والسياسة، ففرح السلطان، وبادر إلى تلك الدار، فرأى ما ملأ عينه، وسرّ قبله، وخرج الرئيس ابن الحسين والخيل تجنب أمامه، وبدر الأموال بين يديه، وأعاده إلى أحسن أحواله، وجعله وزيراً لديه، كما كان أبوه مفوضاً أموره إليه، وقال السلطان: إن من أوجب شكر الله عليّ أن أفتتح المال بأن أؤدي منه للرعيّة الذين نهبت دورهم واحترقت في الفتنة التي كانت بيني وبين أقاربي ما خسروه، وأمر بالنداء فيهم، وأحضرهم وكلّ من حلف على شيء قبضه وانصرف.
[ذكر المستنصر الحفصي]
وكان السلطان المستنصر المذكور في بعض متصيداته، فكتب لأبي عبد الله
стр. 1032
الرئيس المذكور يأمره بإحضار الأجناد لأخذ أرزاقهم بقوله:
ليحضر كلّ ليثٍ ذي منال ... زكا فرعاً لإسداء النّوال
غداً يوم الخميس فما شغلنا ... بأسد الوحش عن أسد الرجال وحكي أن السلطان المذكور عرض مرة أجناده، وقيل: بل سلّم عليه الموحدون يوم عيد بتونس، وفيهم شاب مليح وسيم اسم جده النعمان، فسأله السلطان عن اسمه، وأعجبه حسنه، فخجل واحمر وجهه، وازداد حسناً، فقال السلطان هذا المصراع:
كلّمته فكلمت صفحة خدّه ... وسأل من الحاضرين الإجازة، فلم يأتوا بشيء، فقال السلطان مجيزاً شطره:
فتفتّحت فيها شقائق جدّه ... وهذا من البدائع مع ما فيه من التورية والتجنيس.
وممّا نسبه له أبو حيان بسنده إليه:
ما لي عليك سوى الدّموع معين ... إن كنت تغدر في الهوى وتخون
من منجدي غير الدموع وإنّها ... لمغثيةٌ مهما استغاث حزين
الله يعلم أن ما حمّلتني ... صعبٌ ولكن في رضاك يهون وكان للسلطان المذكور سعد يضرب به المثل، حتى إنّه كتب له صاحب مكّة البيعة من إنشاء ابن سبعين المتصوف، كما ذكر ذلك ابن خلدون في تاريخه الكبير، وسرد نصّها، وهي من الغرائب.
ومن سعده أن الفرنسيس الذي كان أسر بمصر وجعل في دار ابن لقمان والطواشي صبيح يحرسه لما سرّح جاء من أمم النصرانية لبلاد المسلمين بما لم يجتمع قط مثله، حتى قيل: إنّهم كانوا ألف ألف، فكتب إليه أهل مصر من
стр. 1033
نظم ابن مطروح القصيدة المشهورة التي منها:
قل للفرنسيس إذا جئته ... مقالةً من ذي لسانٍ فصيح إلى أن قال:
دار ابن لقمان على حالها ... ومصر مصرٌ والطواشي صبيح والقصيدة مشهورة فلذلك لم أسردها، فصرف الفرنسيس جيوشه إلى تونس، فكتب إليه بعض أدباء دولة المستنصر:
أفرنسيس، تونسٌ أخت مصرٍ ... فتأهب لما إليه تصير
لك فيها دار ابن لقمان قبرٌ ... وطواشيك منكرٌ ونكير فقضى الله أنّه مات في حركته لتونس، وغنم المستنصر غنيمة ما سمع بمثلها قط، ويقال: إنّه دس إليه سيفاً مسموماً من سلّه أثر فيه سمّه، وقلده رسولاً إليه بعد أن جعل عليه من الجواهر النفيسة ما لم ير مثله عند غيره، وقال للرسول: إن الفرنسيس رجل كثير الطمع، ولولا ذلك ما عاود بلاد المسلمين بعد أسره، وإنّه سيرى السيف، ويكثر النظر إليه، فإذا رأيته فعل ذلك فانزعه من عنقك وقبّله، وقل له: هذا هدية مني إليك، لأن من آدابنا مع ملوكنا أن كل ما وقع نظر الملك عليه وعاود النظر إليه بالقصد فلا بد أن يكون له، ويحرم علينا أن نمسكه، لأن ما أحبه المولى على العبيد حرام، وتكراره النظر إليه دليل على حبّه له، ففرح النصراني بذلك، وأسرع الرسول العود إلى سلطانه، فسلّ النصرانيّ السيف، فتمكّن فيه السم بالنظر، فمات في الحين، وفرّج الله تعالى عن المسلمين.
رجع إلى أخبار أبي الحسن علي بن سعيد:
قال ابن العديم في تاريخ حلب: أنشدني شرف الدين أبو العباس أحمد بن
стр. 1034
يوسف التيفاشي (١) بالقاهرة في أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي يشير إلى كتاب أبي الحسن الذي جمعه من محاسن المغرب وسمّاه " المغرب ":
سعد الغرب وازدهى الشرق عجباً ... وابتهاجاً بمغرب ابن سعيد
طلعت شمسه من الغرب تجلى ... فأقامت قيامة التّقييد
لم يدع للمؤرخين مقالاً ... لا ولا للرّواة بيت نشيد
إن تلاه على الحمام تغنّت ... ما على ذا في حسنه من مزيد وأنشدني أبو العباس التيفاشي لنفسه فيه:
يا طيّب الأصل والفرع الزكيّ كما ... يبدو جنى ثمرٍ من أطيب الشّجر
ومن خلائقه مثل النّسيم إذا ... يهفو على الزّهر حول النهر في السّحر
ومن محيّاه والله الشّهيد إذا ... يبدو إلى بصري أبهى من القمر
أثقلت ظهري ببرٍّ لا أقوم به ... لو كنت أتلوه قرآناً مع السّور
أهديت لي الغرب مجموعاً بعالمه ... في قاب قوسين بين السمع والبصر
كأنني الآن قد شاهدت أجمعه ... بكلّ من فيه من بدوٍ ومن حضر
نعم ولاقيت أهل الفضل كلّهم ... في مدّتي هذه والأعصر الأخر
إن كنت لم أرهم في الصدر من عمري ... فقد رددت عليّ الصدر من عمري
وكنت لي واحداً فيهم جميعهم ... ما يعجز الله جمع الخلق في بشر
جزيت أفضل ما يجزى به بشرٌ ... مفيد عمرٍ جديد الفضل مبتكر
стр. 1035
ومن نظم أبي الحسن ابن سعيد قوله:
وعشيّةٍ بلغت بنا أيدي النّوى ... منها محاسن جامعاتٍ للنّخب
فحدائقٌ ما بينهنّ جداولٌ ... وبلابلٌ فوق الغصون لها طرب
والنّخل أمثال العرائس لبسها ... خزٌّ وحليتها قلائد من ذهب ومن نظمه رحمه الله تعالى في حلب قوله:
حادي العيس كم تنيخ المطايا ... سق فروحي من بعدهم في سياق
حلبٌ إنها مقرّ غرامي ... ومرامي وقبلة الأشواق
لا خلا جوسقٌ وبطياس والسع ... داء من كلّ وابلٍ غيداق
كم بها مرتعٌ لطرفٍ وقلبٍ ... فيه يسقى المنى بكأسٍ دهاق
وتغنّي طيوره لارتياحٍ ... وتثنّى غصونه للعناق
وعلّو الشهباء حيث استدارت ... أنجم الأفق حولها كالنطاق وقوله أيضاً في حماة:
حمى الله من شطّي حماة مناظراً ... وقفت عليها السمع والفكر والطّرفا
تغنّي حمامٌ أو تميل خمائلٌ ... وتزهى مبانٍ تمنح الواصف الوصفا
يلومون أن أعصي التّصوّن والنّهى ... بها وأطيع الكأس واللهو والقصفا
إذا كان فيها النهر عاصٍ فكيف لا ... أحاكيه عصياناً وأشربها صرفا
وأشدو لدى تلك النواعير شدوها ... وأغلبها رقصاً وأشبهها غرفا
تئنّ وتذري دمعها فكأنّها ... تهيم بمرآها وتسألها العطفا وقوله في وداع ابن عمه وكتب بهما إليه:
وداعٌ كما ودّعت فصل ربيع ... يفضّ ضلوعي أو يفيض دموعي
لئن قيل في بعضٍ يفارق بعضه ... فإنّي قد فارقت منك جميعي
стр. 1036
قال: فأرسل إليّ إحساناً، واعتذر ولسان الحال ينشد عنه:
أحبّك في البتول وفي أبيها ... ولكنّي أحبّك من بعيد وقوله، وقد أفلت المركب الذي كان فيه من العدو:
أنظر إلى مركبنا منقذاً ... من العدا من بعد إحراز
أفلت منهم فغدا طائراً ... كطائرٍ أفلت من بازي وقال رحمه الله تعالى لما خرج من حدود إفريقية:
رفيقي جاوزنا مواطنٍ ... صحبنا بها الأيّام طلقاً محيّاها
وما إن تركناها لجهلٍ بقدرها ... ولكن ثنت عنّا أعنّة سقياها
فسرنا نحثّ السّير عنها لغيرها ... إلى أن يمنّ الله يوماً بلقياها وكان وصوله بالإسكندرية في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وقال رحمه الله تعالى: أخذت مع والدي يوماً في اختلاف (١) مذاهب الناس، وأنهم لا يسلمون لأحد في اختياره، فقال: متى أردت أن يسلم لك أحد في هذا التأليف - أعني المغرب - ولا تعترض أتبعت (٢) نفسك باطلاً، وطلبت غاية لا تدرك، وأنا أضرب لك مثلاً: يحكى أن رجلاً من عقلاء الناس كان له ولد، فقال له يوماً: يا أبي، ما للناس ينتقدون عليك أشياء وأنت عاقل ولو سعيت في مجانبتها سلمت من نقدهم، فقال: يا بني، إنّك غرٌّ لم تجرّب الأمور، وإن رضى الناس غايةٌ لا تدرك، وأنا أوقفك على حقيقة ذلك، وكان عنده حمار، فقال له: اركب هذا الحمار وأنا أتبعك ماشياً، فبينما هما كذلك إذ قال رجل:
стр. 1037
أنظر، ما أقلّ هذا الغلام بأدب، يركب ويمشي أبوه، وانظر ما أشد تخلّف والده لكونه يتركه لهذا، فقال له: انزل أركب أنا وامش أنت خلفي، فقال شخص آخر: انظر هذا الشخص، ما أقلّه بشفقة، ركب وترك ابنه يمشي، فقال له: اركب معي، فقال شخص: أشقاهما الله تعالى، انظر كيف ركبا على الحمار، وكان في واحد منهما كفاية، فقال له: انزل بنا، وقدّماه وليس عليه راكب، فقال شخص: لا خفّف الله تعالى عنهما، انظر كيف تركا الحمار فارغاً وجعلا يمشيان خلفه، فقال: يا بني، سمعت كلامهم، وعلمت أن أحداً لا يسلم من اعتراض الناس على أي حالة كان، انتهى.
[مقتبسات من خطبة المغرب]
وقال في أثناء خطبة المغرب ما نصه: والحمد لله الذي جعل الأدب أفضل ما اكتسب، وأفضل ما انتخب، إذ هو ذخر لا يخاف كساده، وكنز لا يخشى انتقاصه وإن كثر مرتاده، ولله درّ القائل:
رأيت جميع الكسب يفقده الفتى ... وتبقى له أخلاقه والتّأدّب
إذا حلّ في أرضٍ أقام لنفسه ... بآدابه قدراً به يتكسّب
وأومأ كلٌّ نحوه، ولعلّه ... إلى غير أهلٍ للنباهة ينسب وقال في أثناء الكلام لبعض المغاربة:
فأثبتّ في كلّ المواطن همّةً ... إلى طلب العلم الذي كان مطّرح
وصيّرت من قد كان بالنّظم جاهلاً ... يحاوله كيما تجود لك المدح وقال أيضاً في الخطبة: وبعد، فهذا كتاب راحةٍ قد تعبت في جمعه الأسماع والأبصار والأفكار، وكل عناء سهل إذا أنجح القصد، وقد بدأ فيه من سنة ثلاثين وخمسمائة، ومنتهاه إلى غرة سنة إحدى وأربعين وستمائة، وقال: وأول
стр. 1038
من كان السبب في ابتداء هذا الكتاب جدّ والدي عبد الملك بن سعيد، وهو إذ ذاك صاحب قلعة بني سعيد تحت طاعة علي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين ملك البربر، إلى أن استبدّ بها سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقصده في سنة ثلاثين وخمسمائة حافظ الأندلس أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن الحجاري وصنف له كاب المسهب في غرائب المغرب في نحو ستة أسفار، وابتدأ فيه من فتح الأندلس إلى التاريخ الذي ابتدأه فيه، وهو سنة ثلاثين وخمسمائة، ثمّ ثار في خاطر عبد الملك أن يضيف إليه ما أغفله الحجاري، وتولع بمطالعته ابناه أبو جعفر ومحمد، وأضافا له ما استفاداه، ولم يزل يزيد إلى أن استبدّ به محمد، فاعتنى به أشد اعتناء، ثم استبدّ به والدي - وكان أعلمهم بهذا الشأن، وبلغ من اجتهاده في هذا الكتاب أنني أذكره يوماً وقد نوّه به ابن هودٍ وهو ملك الأندلس وولاّه الجزيرة الخضراء، فأعلمه شخص أن عند أحد المنسوبين إلى بيت نباهة كراريس من شعر شعرائها، وأخبار رؤسائها، الذين تحتوي عليهم دولة بني عبد المؤمن، فأرسل إليه راغباً في استعارتها، فأبى، وقال: عليّ يمين أن لا تخرج عن منزلي، وقال: إن كانت له حاجة يأتي على رأسه، وكان جاهلاً، فلما سمع والدي ضحك وقال: سر معي إليه، فقلت له: ومن يكون هذا حتى نمشي له على هذه الصورة فقال: إني لا أمشي له، ولكن أمشي للفضلاء الذين تضمنت الكراريس أشعارهم وأخبارهم، أتراهم لو كانوا أحياء مجتمعين في موضع أنفت أن أمشي إليهم قلت: لا، قال: فإن الأثر ينوب عن العين، فمشينا إلى منزل الرجل، فوالله ما أنصفنا في اللقاء؛ فلما قضينا منها الغرض صرفها إليه والدي وشكره، وقال: هذه فائدة لم أجدها عند غيرك، فجزاك الله تعالى خيراً، ثم انفصل وقال: ألم تعلم يا بني أنني سررت بهذه الفائدة أكثر من الولاية، وإن هذا والله أوّل السعادة، وعنوان نجاحها.
стр. 1039
[قلعة بني سعيد]
والقلعة التي كان بها بنو سعيد تعرف بهم فيقال لها: قلعة بني سعيد، وكانت تعرف قبل بقلعة أسطلير، وهو عين لها، وقال الملاّحي في تاريخه: إنّها تعرف بقلعة يحصب، قبيلٍ من اليمن نزل بها عند فتح الأندلس، وبها كما مرّ صنّف الحجاري كتاب " المسهب " لصاحبها عبد الملك بن سعيد.
وفي بني سعيد يقول الحجازي:
قومٌ لهم في فخرهم ... شرف الحديث مع القديم
ورثوا الندى والبأس وال ... عليا كريماً عن كريم
من كلّ وضّاحٍ به ... يجلى دجى الّليل البهيم [أولية بني سعيد]
وكان أوّل من دخل الأندلس (١) من ولد عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه عبد الله بن سعد بن عمار، وقد ذكره ابن حيان في مقتبسه، وأخبر أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري صاحب الأندلس آخر دولة بني أمية بالمشرق كتب إليه أن يدافع عبد الرحمن بن معاوية المرواني الداخل للأندلس، وكان إذ ذاك أميراً على اليمانية من جند دمشق، وإنّما ركن إليه في محاربة عبد الرحمن لما بين بني عمار وبين بني أمية من الثأر بسبب قتل عمّار بصفّين على يد عسكر معاوية رضي الله تعالى عنه، وكان عمار من شيعة علي رضي الله تعالى عنهما.
стр. 1040
[شعر لأبي بكر بن سعيد]
وقال الحجاري: أنشدني أبو بكر محمد بن سعيد صاحب أعمال غرناطة في مدة الملثّمين لنفسه، فيما يليق بجنسه:
إن لم أكن للعلاء أهلاً ... بما تراه فمن يكون
وكلّ ما أبتغيه دوني ... ولي على همّتي ديون
ومن يرم ما يقلّ عنه ... فذاك من فعله جنون
فرعٌ بأفق السماء سامٍ ... وأصله راسخٌ مكين ومن نظمه قوله أيضاً:
الله يعلم أنّي ... أحبّ كسب المعالي
وإنّما أتوانى ... عنها لسوء المآل
تحتاج للكدّ والبذ ... ل واصطناع الرجال
دع كلّ من شاء يسمو ... لها بكلّ احتيال
فحالهم بانعكاس ... فيها وحالي حالي [ترجمة الغساني من المغرب]
ولما ذكر ابن سعيد في " المغرب " (١) ترجمة الكاتب الرئيس المجيد أبي العباس أحمد الغساني كاتب ملك إفريقية قال: بماذا أصفه ولو أن النجوم تصير لي نثراً لما كنت أنصفه، وكفاك أنّي اختبرت الفضلاء من البحر المحيط إلى حضرة القاهرة، فما رأيت أحسن ولا أفضل عشرة منه، ولما فارقته لم
стр. 1041
أشعر إلاّ برسالته قد وافتني بالإسكندرية من تونس، وفيها قصيدة فريدة منها (١) :
إيهٍ أبا الحسن استمع شدوي فقد ... يصغي الحمام إذا الحمام ترنّما ثمّ سرد بعضاً من القصيدة، وستأتي قريباً إن شاء الله تعالى، بزيادة على ما ذكر منها في المغرب.
[إجازته للتيفاشي رواية المغرب]
رجع - وجد بخطّه رحمه الله تعالى آخر الجزء من كتاب المغرب ما نصّه: أجزت الشيخ القاضي الأجلّ أبا الفضل أحمد ابن الشيخ القاضي أبي يعقوب التّيفاشي، أن يروي عني مصنّفي هذا، وهو المغرب في محاسن المغرب ويرويه من شاء ثقة بفهمه، واستنامة إلى علمه، وكذلك أجزت لفتاه النبيه جمال الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن خطلخ الفارسي الأرموي أن يرويه عني، ويرويه من شاء، وكتبه مصنفه علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد في تاريخ الفراغ من نسخ هذا السّفر، انتهى.
[شعر لابن سعيد]
وقال في وسيم من أبناء العجم صحبه في الطريق من حلب إلى بغداد فمات، وكان ظريفاً أديباً (٢) :
لهفي على غصنٍ ذوى ... أفقدته لمّا استوى
ريّان من ماء الصّبا ... ومن المدامع ما ارتوى
стр. 1042
لا تعذلوني إن نطق ... ت الدهر فيه عن الهوى
كم ضلّ صاحبه بسح ... ر اللحظ منه وكم غوى
أنا لا أفيق الدهر في ... هـ من الصبابة والجوى
إنّ الهوى حيّاً ومي ... تاً لا يزال له سوا
كم قد نويت به النّعي ... م فقدّر الله النوى
دار السلام حويت من ... كلّ المحاسن قد حوى
مجموع حسنٍ قد ثوى ... في جنّةٍ وبها ثوى وولد أبو الحسن علي بن موسى يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر رمضان عام عشرة وستمائة، وهو علي بن وموسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر، رضي الله تعالى عنه.
[ترجمة والد ابن سعيد من المغرب]
وقال في المغرب لما عرف بوالده الكاتب الشهير أبي عمران موسى ابن محمد بن عبد الملك بن سعيد، ما محصّله (١) : لولا أنّه والدي لأطنبت في ذكره، ووفيته من الوصف حق قدره، لكن كفاه وصفاً ما أثبتّه له في هذه الترجمة، وما مر له ويمر في أثناء هذا الكتاب، وكون كلّ من اشتغل بهذا التأليف نهراً وهو بحر، واشتهاره في حفظه التاريخ والاعتناء بالآداب في بلاده، بحيث لا يحتاج إلى تنبيه ولا إطناب، وله من النظم والنثر ما تضج الأقلام من كثرته، ويستمد القطر من درّته، وممّا شاهدت من عجائبه أنّه عاش سبعاً
стр. 1043
وستين سنة ولم أره يوماً يخلي مطالعة كتاب أو كتب ما يخلده، حتى إن أّيام الأعياد لا يخليها من ذلك، ولقد دخلت عليه في يوم عيد وهو في جهد عظيم من الكتب، فقلت له: يا سيدي، أفي هذا اليوم لا تستريح فنظر إلي كالمغضب وقال: أظنك لا تفلح أبداً، أترى الراحة في غير هذا والله لا أحسب راحة تبلغ مبلغها، ولوددت أن الله تعالى يضاعف عمري حتى أتم كتاب المغرب على غرضي؛ قال: فأثار ذلك في خاطري أن صرت مثله لا ألتذّ بنعيم غير ما ألتذ به من هذا الشأن، ولولا ذلك ما بلغ هذا التأليف إلى ما تراه. وكان أولع الناس بالتجول في البلدان، ومشاهدة الفضلاء، واستفادة ما يرى وما يسمع، وفي تولّعه بالتقييد والمطالعة للكتب يقول:
يا مفنياً عمره في الكأس والوتر ... وراعياً في الدّجى للأنجم الزّهر
يبكي حبيباً جفاه أو ينادم من ... يهفو لديه كغصنٍ باسم الزّهر
منعّماً بين لذّات بمحّقها ... ولا يخلد من فخرٍ ولا سير
وعاذلاً لي فيما ظلت أكتبه ... يبدي التعجب من صبري ومن فكري
يقول ما لك قد أفنيت عمرك في ... حبرٍ وطرسٍ عن الأغصان والحبر
وظلت تسهر طول الليل في تعبٍ ... ولا تني أمد الأيّام (١) في ضجر
أقصر فإنّي أدرى بالذي طمحت ... لأفقه همّتي واسأل عن الأثر (٢)
واسمع لقول الذي تتلى محاسنه ... من بعد ما صار مثل الترب كالسور
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير انتهى.
وولد أبو عمران موسى بن محمد في الخامس من رجب عام ثلاثة وسبعين
стр. 1044
وخمسمائة، وتوفي بثغر الإسكندرية يوم الاثنين الثامن من شوّال عام أربعين وستمائة.
[محمد بن عبد الملك بن سعيد]
وولد أبوه محمد بن عبد الملك صاحب أعمال غرناطة وأعمال إشبيلية عام أربعة عشر وخمسمائة، وتوفي بشعبان عام تسعة وثمانين وخمسمائة بغرناطة (١) .
وكان محمد بن عبد الملك وزيراً جليلاً، بعيد الصيت، عالي الذكر، رفيع الهمّة، كثير الأموال، وذكره ابن صاحب الصلاة في كتابه " تاريخ الموحّدين " (٢) ونبه على مكانته منهم في الحظوة والأخذ في أمور الناس، وأثنى عليه، وذكره السهيلي في " شرح السيرة الشريفة " (٣) حيث ذكر الكتاب الموجّه من رسول الله ﷺ إلى هرقل وأن محمد بن عبد الملك عاينه عند أذفونش مكرماً مفتخراً به، والقصة مشهورة؛ ومدحه الرصافي بقصيدة أوّلها (٤) :
ذهناً يفيض وخاطراً موقداً ... ماذا عسى يثنى على علم الندى (٥) ولما أنشده قصيدته فيه التي أولها (٦) :
لمحلّك الترفيع والتعظيم ... ولوجهك التقديس والتكريم حلف لا يسمعها، وقال: عليّ إجازتك، ولكن طباعي لا تحمل مثل
стр. 1045
هذا، فقال له الرصافي: ومن مثلك يستحق هذا في الوقت غيرك فقال له: دعني من خداعك، أنا وما أعلمه من قلبي.
وأنشد له في " الطالع السعيد " (١) :
فلا تظهرن ما كان في الصّدر كامناً ... ولا تركبن بالغيظ في مركبٍ وعر
ولا تبحثن فيعذر من جاء تائباً ... فليس كريماً من يباحث في العذر وولي للموحدين أعمالاً كثيرة بمراكش وسلا وإشبيلية وغرناطة، واتصلت ولايته على أعمال غرناطة، وكان من شيوخها وأعيانها، وكتب عليه عقد أن في داره من الحلى وأصنافه ما لا يمكن إلاّ في دار الملك، وأنّه إذا ركب في صلاة الصبح شوش ... (٢) ونباح الكلاب. فأمر المنصور بالقبض عليه وعلى ابن عمّه صاحب أعمال إفريقية أبي الحسين سنة ٥٩٣، ثم رضي عنهما، وأمر محمد بن عبد الملك أن يكتب بخطّه كل ما أخذ له، فصرفه عليه، ولم ينقص منه شيئاً، وغرم له ما فات منه، وهذا ممّا يدل على قوة سعد محمد ابن عبد الملك المذكور ونباهة قدره، وحسبه من الفخر مدح أديب الأندلس وشاعرها أبي عبد الله الرصافي (٣) له، وهو ممّن يمدح الخلفاء في ذلك العصر، رحمه الله تعالى.
[عبد الملك بن سعيد]
وولد أبوه عبد الملك بن سعيد عام ستة وتسعين وأربعمائة، وتوفّي بحضرة
стр. 1046
مراكش عام اثنين وستين وخمسمائة. قال الحجاري: لما مات يحيى بن غانية الملثّم ملك الأندلس بحضرة غرناطة، وكان وزيره ومدبر دولته عبد الملك بن سعيد، بادر الفرار لغرناطة عندما سمع بموته إلى قلعته، وثار بها، وطلبه خليفة يحيى بن غانية طلحة (١) بن العنبر، فوجده قد فاته.
وقد قدمنا أن عبد الملك هذا هو السبب في تأليف كتاب المغرب في أخبار المغرب ثم تممه ابنه محمد بن عبد الملك، ثمّ تمّم ما بقي منه ابنه موسى ابن محمد، ثمّ أربى على الكل في إتمامه أبو الحسن علي بن موسى الذي قصدناه بالترجمة في هذا الكتاب، وقد ذكرنا من أحواله جملة كافية.
[وصف ابن سعيد للفسطاط]
ومن فوائد ابن سعيد أبي الحسن ما حكاه عن صاحب كتاب الكمائم وهو (٢) : فأمّا فسطاط مصر فإن مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام وبها بناء (٣) يعرف بالقصر حوله مساكن، وهو الذي عليه نزل عمرو بن العاص، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه، ثم لمّا فتحها قسم المنازل على القبائل، ونسب المدينة إليه، فقيل: فسطاط عمرو، وتداولت عليها بعد ذلك (٤) ولاة مصر، فاتخذوها سرير السلطنة، وتضاعفت عمارتها، فأقبل الناس من كل جانب إليها، وقصروا أمانيهم عليها، إلى أن رسخت بها دولة بني طولون، فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة بالقطائع، وبها كان مسجد بان طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة، وهي مدينة
стр. 1047
مستطيلة يمر النيل مع طولها، وتحطّ في ساحلها المراكب الآتية من شمال النيل وجنوبه بأنواع الفوائد، وبها منتزهات، وهي في الإقليم الثالث، ولا ينزل فيها مطر إلا في النادر، وترابها ينتن (١) الأرجل، وهو قبيح اللون، تستكدر (٢) منه أرجاؤها، ويسوء بسببه هواؤها، ولها أسواق ضخمة إلاّ أنّه ضيّقة، ومبانيها بالقصب والطوب طبقة على طبقة. ومذ بنيت القاهرة ضعفت مدينة الفسطاط، وفرّط في الاعتناء بها بعد الإفراط، وبينهما نحو ميلين، وأنشدت فيها للشريف العقيلي (٣) :
أحنّ إلى الفسطاط شوقاً وإنّني ... لأدعو لها أن لا يحلّ بها القطر
وهل في الحيا من حاجةٍ لجنابها ... وفي كل قطرٍ من جوانبها نهر
تبدّت عروساً والمقطّم تاجها ... ومن نيلها عقدٌ كما انتظم الدّرّ وقال عن كتاب اجار (٤) : والفسطاط هو قصبة مصر، والجبل المقطّم شرقيها، وهو متصل بجبل الزمرد، وقال عن كتاب ابن حوقل (٥) : الفسطاط مدينة حسنة، ينقسم النيل لديها، وهي كبيرة، ومقدارها نحو فرسخ، على غاية العمارة والطيب واللذّة ذات رحاب في محالّها، وأسواق (٦) عظام فيها ضيق
стр. 1048
ومتاجر فخام (١) ، ولها ظاهر أنيق، وبساتين نضرة، ومنتزهات على ممر الأيام خضرة، وفي الفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليها كالكوفة والبصرة، إلاّ أنّها أقلّ من ذلك، وهي سبخة الأرض، غير نقية التربة، وتكون الدار بها سبع طبقات وخمساً وستّاً، وربما يسكن في الدار المائتان من الناس، ومعظم بنيانهم بالطوب، وأسفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان للجمعة، بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط، والآخر على الموقف (٢) بناه ابن طولون، وكان خارج الفسطاط أبينة بناها أحمد بن طولون ميلاً في ميل يسكنها جنده، وتعرف بالقطائع، كما بنى الأغلب خارج القيروان رقّادة، وقد خربتا في وقتنا هذا، وأخلف الله بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة.
قال ابن سعيد (٣) : لما استقررت بالقاهرة تشوّفت (٤) إلى معاينة الفسطاط، فسار معي إليها أحد أصحاب القرية (٥) ، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط جملة عظيمة، لا عهد لي بمثلها في بلد، فركب منها حماراً، وأشار إليّ أن أركب حماراً آخر، فأنفت من ذلك جرياً على عادة ما خلفته من بلاد المغرب، فأخبرني (٦) أنّه غير معيب على أعيان مصر، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والشارة الظاهرة يركبونها، فركبت، وعندما استويت راكباً أشار المكاري إلى الحمار، فطار بي، وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عينيّ، ودنس ثيابي، وعاينت ما كرهته، ولقلة معرفتي بركوب الحمار وشدة عدوه على قانون لم أعهده، وقلة رفق المكاري، وقعت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج، فقلت:
стр. 1049
لقيت بمصر أشدّ البوار ... ركوب الحمار وكحل الغبار
وخلفي مكارٍ يفوق الرياح ... لا يعرف الرفق مهما استطار
أناديه مهلاً فلا يرعوي ... إلى أن سجدت سجود العثار
وقد مدّ فوقي رواق الثرى ... وألحد فيه ضياء النّهار فدفعت إلى المكاري أجرته، وقلت له: إحسانك أن تتركني أمشي على رجليّ، ومشيت إلى أن بلغتها؛ وقدرت الطريق بين الفسطاط والقاهرة وحققته بعد ذلك نحو ميلين، ولمّا أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرة، وتأمّلت أسواراً مثلّمة سوداء وآفاقاً مغبرة، ودخلت من بابها وهو دون غلق يفضي إلى خراب معمور بمبان متشتتة الوضع، غير مستقيمة الشوارع، قد بنيت من الطوب الأدكن والقصب والنخيل طبقة فوق طبقة، وحول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف، ويغض طرف الظريف، فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال، إلى أن صرت في أسواقها الضيقة، فقاسيت من ازدحام الناس فيها لحوائج السوق والرّوايا التي على الجمال ما لا تفي به إلاّ مشاهدته ومقاساته، إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع، فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضده في جامع إشبيلية وجامع مرّاكش، ثم دخلت إليه فعاينت جامعاً كبيراً قديم البناء، غير مزخرف، ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه، وتنبسط فيه، وأبصرت العامة رجالاً ونساء قد جعلوه معبراً بأوطئة أقدامهم يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق، والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك وما سوى ذلك (١) ، والناس يأكلون في عدة أمكنة منه غير محتشمين لجري العادة عندهم بذلك، وعدة صبيان بأواني ماء يطوفون على كل من يأكل، قد جعلوا ما يحصل لهم منه رزقاً، وفضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع، وفي زواياه العنكبوت قد عظم
стр. 1050
نسجه في السقف والأركان والصبيان يلعبون في صحنه، وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامّة (١) ، إلاّ أن مع ذلك على الجامع المذكور من الرونق وحسن القبول وانبساط النفس ما لا تجده في جامع إشبيلية مع زخرفته والبستان الذيفي صحنه، ولقد تأملت ما وجدت فيه من الارتياح والأنس (٢) دون منظر يوجب ذلك، فعلمت ان ذلك سر مودع من وقوف الصحابة رضي الله تعالىعنهم في ساحته عند بنائه، واستحسنت ما أبصرته من حلق المتصدرين لإقراء القرآن والفقه والنحو في عدة أماكن، وسألت عن مواد أرزاقهم فأخبرت أنها من فروض الزكاة وما أشبه ذلك، ثم أخبرت أن اقتضاء ذلك يصعب إلا بالجاه والتعب. ثم انفصلنا من هناك إلى ساحل النيل، فرأيت ساحلاً كدير التربة، غير نظيف ولا متسع الساحة، ولا مستقيم الاستطالة، ولا عليه سور أبيض، إلا أنّه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار النيل، ولئن قلت إنّي لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل فإنّي أقول حقّاًن والنيل هنالك ضيق، لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط، وبحسن سورها المبيض الشامخ حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل. وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدّاً من الفسطاط إلى الجزيرة، وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البر الغربي المعروف ببر الجيزة (٣) جسر آخر من الجزيرة إليه، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب، لأن هذين الجسرين قد احترما لحصولهما في حيز قلعة السلطان، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكباً احتراماً
стр. 1051
لموضع السلطان، وبتنا في ليلة ذلك اليوم بطيارة مرتفعة على جانب النيل، فقلت (١) :
نزلنا من الفسطاط أحسن منزلٍ ... بحيث امتداد النيل قد دار كالعقد
وقد جمعت فيه المراكب سحرةً ... كسرب قطاً أضحى يرفّ على ورد
وأصبح يطفو الموج فيه ويرتمي ... ويطرب أحياناً يلعب بالنرد
حلا ماؤه كالرّيق ممّن أحبّه ... فمدّت عليه حلّةٌ من حلى الخدّ
وقد كان مثل النّهر من قبل مدّه ... فأصبح لمّا زاده المدّ كالورد وقلت هذا لأنّي لم أذق في المياه أحلى من مائه، وإنّه يكون قبل المد الذي يزيد به ويفيض على أقطاره أبيض، فإذا كان عباب النيل صار أحمر، وأنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر (٢) عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط (٣) :
حبّذا الفسطاط من والدة ... جنّبت أولادها دار الجفا
يرد النيل إليها كدراً ... فإذا مازج أهليها صفا
لطفوا فالمزن لا تألفهم ... خجلاً لمّا رأتهم ألطفا ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط، حتى إنهم ألطف من أهل القاهرة، وبينهما نحو ميلين، والحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة واللين في الكلام، وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة برعاية قدر الصحبة وكثرة الممازجة والألفة ما يطول ذكره.
وأمّا ما يرد (٤) على الفسطاط من متاجر البحر الإسكندراني والبحر الحجازي
стр. 1052
فإنّه فوق ما يوصف، وبها مجمع ذلك، لا بالقاهرة، ومنها يجهز إلى القاهرة وسائر البلاد.
وبالفسطاط مطابخ السكر والصابون ومعظم ما يجري هذا المجرى، لأن القاهرة بنيت للاختصاص بالجند، كما أن جميع زيّ الجند بالقاهرة أعظم منه بالفسطاط، وكذلك ما ينسج ويصاغ وسائر ما يعمل من الأشياء الرفيعة السلطاينة، والخراب في الفسطاط كثير، والقاهرة أجدّ وأعمر وأكثر زحمة، باعتبار انتقال (١) السلطان إليها، لمجاورتها للجزيرة الصالحية، وكثير من الجند قد انتقل إليها للقرب من الخدمة، وبنى على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر، انتهى.
قال المقريزي (٢) : يعين ابن سعيد ما بني على شفة مصر من جهة النيل، انتهى.
وقال ابن سعيد المذكور في المغرب من حلى المغرب ما ملخّصه: الروضة أمام الفسطاط فيما بينها وبين مناظر الجيزة، وبها مقياس النيل، وكانت متنزهاً لأهل مصر، فاختارها الملك الصالح ابن الملك الكامل سريراً لسلطنته، وبنى فيها قلعة مسورة بسور ساطع اللون محكم البناء عالي السّمك لم تر عيني أحسن منه، وفي هذه الجزيرة كان الهودج الذي بناه الخليفة الآمر لزوجته البدوية التي هام في حبها، والمختاربستان الإخشيد وقصره، وله ذكر في شعر تميم بن المعز وغيره، ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار، منها قول أبي الفتح ابن قادوس الدمياطي:
أرى سرج الجزيرة من بعيدٍ ... كأحداق تغازل في المغازل
كأنّ مجرّة الجوزاء خطّت ... وأثبتت المنازل في المنازل
стр. 1053
قال: وكنت أبيت بعض الليالي بالفسطاط، فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل مع سور هذه الجزيرة الدريّ اللون، ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة، وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همّة بانيها، وهو من أعظم السلاطين في البناء، وأبصرت بهذه الجزيرة إيواناً لجلوسه لم تر عيني مثاله، ولا يقدّر ما أنفق عليه، وفيه من صحائف الذهب والرخام الآبنوسي والكافوريّ والمجزّع ما يذهل الأفكار، ويستوقف الأبصار، ويفضل عما أحاط به السور أرض طويلة في بعضها حاضر (١) حصر فيه أصناف الوحوش التي يتفرج عليها السلطان، وبعدها مروج تنقطع فيها مياه النيل فتنظر فيها أحسن منظر، قال: وقد تفرجت كثيراً في طرف (٢) هذه الجزيرة ممّا يلي أثر الفسطاط فقطعت به عشيات مذهبات، لم تزل لأحزان الغربة مذهبات، وإذا زاد النيل فصل برها عن بر الفسطاط من جهة خليج القاهرة، ويبقى موضع الجسر تكون فيه المراكب، انتهى.
وأورد الصفدي في تذكرته لابن سعيد المذكور في هذه الجزيرة:
انظر إلى سور الجزيرة في الدّجى ... والبدر يلثم منه ثغراً أشنبا
تتضاحك الأنوار في جنباته ... فتريك فوق النيل أمراً معجبا
بينا تراه مفضّضاً في جانبٍ ... أبصرت منه في سواه مذهبا
لله مرأى ما رآه ناظري ... إلاّ خلعت له المقام تطربا [وصف القاهرة]
وقال في " المغرب " نقلاً عن بعضهم ما صورته (٣) : وأما مدينة القاهرة، فهي الحالية الباهرة، التي تفنن فيها الفاطميون وأبدعوا في بنائها، واتخذوها
стр. 1054
قطباً لخلافتهم ومركزاً لأرجائها، فنسي الفسطاط، وزهد فيه بعد الاغتباط، وسميت القاهرة لأنها تقهر من شذ عنها ورام مخالفة أميرها، انتهى. قال ابن سعيد: هذه المدينة اسمه أعظم منها، وكان ينبغي أن تكون في ترتيبها ومبانيها على خلاف ما عاينته، لأنها مدينة بناها المعز أعظم خلفاء العبيديين، وكان سلطانه قد عم جميع طول المغرب من أوّل الديار المصرية إلى البحر المحيط.
سارت مسير الشمس في كلّ بلدةٍ ... وهبّت هبوب الريح في البرّ والبحر ولا سيّما قد عاين مباني أبيه المنصور في المدينة المنصورية إلى جانب القيروان وعاين المهدية مدينة جدّة عبيد الله المهدي، لكن الهمّة السلطانية ظاهرة على قصور الخلفاء بالقاهرة، وهي ناطقة إلى الآن بألسن الآثار، ولله در القائل:
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدها فبألسن البنيان
إنّ البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدلّ على عظيم الشان وتهمم من بعده الخلفاء المصريون في الزيادة في تلك القصور، وقد عاينت فيها إيواناً يقولون إنّه بني قدر إيوان كسرى الذي بالمدائن، وكان يجلس فيها خلفاؤهم ولهم على الخليج الذي بين الفسطاط والقاهرة مبانٍ عظيمة جليلة الآثار، وأبصرت في قصورهم حيطاناً عليها طاقات عديدة من الكلس والجبس ذكر لي أنهم كانوا يجدّدون تبييضها في كل سنة، والمكان المعروف بالقاهرة ببين القصرين هو من الترتيب السلطاني، لأن هناك ساحة متّسعة للعسكر والمتفرّجين ما بين القصرين، ولو كانت القاهرة كلّها كذلك كانت عظيمة القدر كاملة الهمّة السلطانية، ولكن ذلك أمد قليل، ثم تسير منه إلى أمد ضيق، وتمرّ في ممر كدر حرج بين الدكاكين، إذا ازدحمت فيه الخيل مع الرجالة كان ممّا تضيق به الصدور، وتسخن منه العيون، ولقد عاينت يوماً وزير الدولة وبين يديه الأمراء، وهو في موكب جليل، وقد لقي في طريقه عجلة بقر تحمل
стр. 1055
حجارة، وقد سدت جميع الطرق بين يدي الدكاكين، ووقف الوزير وعظم الازدحام وكان في موضع طباخين، والدخان في وجه الوزير، وعلى ثيابه، وقد كاد يهلك المشاة، وكدت أهلك في جملتهم. وأكثر دروب القاهرة ضيقة مظلمة كثيرة التراب والأزبال، والمباني عليها من قصب وطين مرتفعة قد ضيّقت مسلك الهواء والضوء بينها، ولم أر في جيمع بلاد المغرب أسوأ منها حالاً في ذلك، ولقد كن إذا مشيت فيها يضيق صدري، وتدركني وحشة عظيمة، حتى أخرج إلى بين القصرين.
ومن عيوب القاهرة أنها في أرض النيل الأعظم ويموت الإنسان فيها عطشاً لبعدها عن مجرى النيل، لئلا يصادرها ويأكل ديارها، وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السور إلى موضع يعرف بالمقس، وجوّها لا يبرح كدراً بما تنثره الأرض من التراب الأسود، وقد قلت فيها حين أكثر عليّ رفاقي من الحض على العود فيها:
يقولون سافة إلى القاهرة ... وما لي بها راحةٌ ظاهره
زحامٌ وضيقٌ وكربٌ وما ... تثير بها أرجلٌ سائره وعندما يقبل المسافر عليها يرى سوراً أسود كدراً، وجوّاً مغبرّاً، فتنقبض نفسه، ويفرّ أنسه، وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة أرض الطبالة، ولا سيّما ارض القرط والكتان، وقلت:
سقى الله أرضاً كلما زرت روضها ... كساها وحلاّها بزينته القرط
تجلّت عروساً والمياه عقودها ... وفي كل قطر من جوانبها قرط وفيها خليج لا يزال يضعف بين حضرتها حتى يصير كما قال الرصافي:
ما زالت الأمحال تأخذه ... حتى غدا كذؤابة النّجم