فتهافتوا بهذا البيت، وراموا إجازته، فقال ابن أبي الإصبع:
فقال دعني لم أزل محنقاً ... على لحاظ الرشإ الأكحل وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال:
قابل جفوناً بجفونٍ، ولا ... تبتذل الأرفع بالأسفل ثم استدعاه (١) سيف الدين ابن سابق إلى مجلس بضفّة النيل مبسوط بالورد، وقد قامت حوله شمامات نرجس، فقال في ذلك:
من فضّل النرجس فهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يأس
أما ترى الورد غدا قاعداً ... وقام في خدمه النرجس ووافق ذلك مماليك الترك وقوفاً في الخدمة، على عادة المشارقة، فطرب الحاضرون.
ولقي بمصر أيدمر التركي والبهاء زهيراً وجمال الدين بن مطروح وابن يغمور وغيرهم، ورحل صحبة كمال الدين بن العديم إلى حلب، فدخل على الناصر صاحب حلب، فأنشده قصيدة أولها:
جد لي بما ألقى الخيال من الكرى ... لا بدّ للضيف الملمّ من القرى فقال كمال الدين: هذا رجل عارف، ورّى بمقصودة من أول كلمة، وهي قصيدة طويلة، فاستجلسه السلطان، وسأله عن بلاده ومقصوده برحلته، وأخبره أنّه جمع كتاباً في الحلى البلادية والعلى العبادية المختصة بالمشرق، وأخبره أنّه سمّاه " المشرق في حلى المشرق " وجمع مثله فسمّاه " المغرب في حلى المغرب " فقال: نعينك بما عندنا من الخزائن، ونوصلك إلى ما ليس
стр. 982
عندنا كخزائن الموصل وبغداد، وتصنف لنا، فخدم على عادتهم، وقال: أمر مولاي بذلك إنعام وتأنيس، ثم قال له السلطان مداعباً: إن شعراءنا ملقبون بأسماء الطيور، وقد اخترت لك لقباً يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر، فإن كنت ترضى به، وإلا لم نعلم به أحداً غيرنا، وهو البلبل، فقال: قد رضي المملوك يا خوند. فتبسّم السلطان، وقال له أيضاً يداعبه: اختر واحدةً من ثلاث: إمّا الضيافة التي ذكرتها أوّل شعرك، وإمّا جائزة القصيدة، وإمّا حق الاسم، فقال: يا خوند المملوك ممّا لا يختنق بعشر لقمٍ لأنّه مغربي أكول فكيف بثلاث فطرب السلطان وقال: هذا مغربي ظريف، ثم أتبعه من الدنانير والخلع الملوكية والتواقيع بالأرزاق ما لا يوصف. ولقي بحضرته عون الدين العجمي، وهو بحر لا تنزفه الدلاء، والشهاب التّلّعفري، والتاج ابن شقير، وابن نجيم الموصلي، والشرف بن سليمان الإربلي، وطائفة من بني الصاحب. ثم تحول إلى دمشق، ودخل الموصل وبغداد، ودخل مجلس السلطان المعظم [ابن الملك الصالح] (١) بدمشق، وحضر مجلس خلوته، وكان ارتحاله إلى بغداد في عقب سنة ثمان وأربعين وستمائة في رحلته الأولى إليها، ثم رحل إلى البصرة ودخل أرّجان، وحج، ثم عاد إلى المغرب، وقد صنّف في رحلته مجموعاً سمّاه ب " النفحة المسكية في الرحلة المكية " وكان نزوله بساحل مدينة إقليبية (٢) من إفريقية في إحدى جمادى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، واتصل بخدمة الأمير أبي عبد الله المستنصر، فنال الدرجة الرفيعة من حظوته.
حدثني شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم أن المستنصر جفاه في آخر عمره وقد أسنّ لجرّاء خدمة مالية أسندها إليه، وقد كان بلا منه قبل جفوةً أعقبها انتشال وعناية، فكتب إليه بنظم من جملته:
стр. 983
لا ترعني بالجفا ثانيةً ... فرقّ له، وعاد إلى حسن النظر إليه، إلى أن توفّي تحت بر وعناية (١) .
مولده بغرناطة ليلة الفطر سنة عشر وستمائة (٢) ، ووفاته بتونس في حدود خمس وثمانين وستمائة، انتهى باختصار.
وذكرت حكاية إجازة بيته في النرجس وإن تقدمت لاتصال الكلام.
قلت: قد كنت وقفت على بعض ديوان شعره التعدد الأسفار، ونقلت منه قوله من قصيدة يهنئ ابن عمّه الرئيس أبا عبد الله ابن الحسين (٣) بقدومه من حركة هوّارة:
أما واجبٌ أن لا يحول وجيب ... وقد بعدت دارٌ وخان حبيب
وليس أليفٌ غير ذكرٍ وحسرةٍ ... ودمعٌ على من لا يرقّ صبيب
وخفق فؤادٍ إن هفا الرق خافقاً ... وشوقٌ كما شاء الهوى ونحيب
ويعذلني من ليس يعرف ما الهوى ... وعذل مشوقٍ في البكاء عجيب (٤)
ألا تعس اللّوام في الحبّ قد عموا ... وصمّوا ودائي ليس منه طبيب
يرومون أن يثني الملام (٥) صبابتي ... وليس إلى داعي الملام أجيب
وفائي إذا ما غبت عنكم مجدّدٌ ... وغيري ذو غدرٍ أوان يغيب
ولو لم يكن مني الوفاء سجيّةً ... لكنت لغير ابن الحسين أنيب
سموأل هذا العصر حاتم جوده ... مهلّبه إن مارسته (٦) حروب
стр. 984
فتىً سيّر (١) الأمداح شرقاً ومغرباً ... أبو دلفٍ من دونه وخصيب
إذا رقم القرطاس قلت ابن مقلة ... وإن نظم الأشعار قلت حبيب
وإن نثر الأسجاع قلت سميّه ... وإن سرد التاريخ قلت عريب
وما أحرز الصّوليّ آدابه التي ... إذا ما تلاها لم يجبه أديب ومنها:
وأمّا إذا ما الحرب أخمد (٢) نارها ... ففيه تلظّى (٣) مارجٌ ولهيب
فكم قارع الأبطال في كلّ وجهةٍ ... نحاها وكم لفّت عليه حروب
وكائن له بالغرب (٤) من موقفٍ له ... حديثٌ إذا يتلى تطير قلوب
بمرّاكشٍ سل عنه تعلم غناءه ... وقد ساءهم (٥) يومٌ هناك عصيب
إذا ما ثنى الرمح الطويل كأنّه ... مديرٌ لغصن الخيزران لعوب
وإن جرّه أبصرت نجماً مجرّراً ... ذؤابته، منه الكماة تذوب
يهيم به ما إن يزال معانقاً ... له راكعاتٍ ما تحوز كعوب
محمد، لا تبد الذي أنت قادرٌ ... عليه، وخف عيناً علاك تصيب
نفوذ سهام العين أودى بمصعبٍ ... وطاح به بعد الشّبوب شبيب
ألا فهنيئاً أن رجعت لتونس ... فأطلعت شمساً والسّفار (٦) غروب
كواكبها تبدو إذا ما تركتها ... وقد جعلت مهما حضرت تغيب
إذا سدت في أرضٍ فغيرك تابعٌ ... علاك، ومهما ساد فهو مريب
стр. 985
ومنها:
كفاني أنّي أستظلّ بظلّكم ... ومن هاب ذاك المجد فهو مهيب
فأصلك أصلي والفروع تباينت ... بعيدٌ على من رامه وقريب
وحسبي فخراً أن أقول محمدٌ ... نسيب عليٍّ جلّ منه نصيب
تركت جميع الأقربين لقصده ... على حين حانت فتنةٌ وخطوب
رأيت به جنّات عدنٍ فلم أبل ... إذا وصلتنا للخلود شعوب
فقبّلت كفّاً لا أعاب بلثمها ... وأيدي الأيادي لثمهنّ وجوب
وكيف وليس الرأس كلرّجل، فرّقت ... شياتٌ لعمري بيننا وضروب
ولو كان قدري مثل قدرك في العلا ... لحقّ بأن يعلو الشباب مشيب
ولولا الذي أسمعت من مكر حاسدٍ ... أتاك بقولٍ وهو فيه كذوب
لما كنت محتاجاً لقولي آنفاً ... تخلّيت من ذنبٍ وجئت أتوب
إذا كنت ذا طوعٍ وشكرٍ وغبطةٍ ... فمن أين لي يا ابن الكرام ذنوب
لقد كنت معتاداً ببشرٍ فما الذي ... تقلّدته حتى يزال قطوب
أإن رفع السلطان سعيي بقدركم (١) ... أحّلأ عن وردٍ لكم وأخيب
فأحسب ذنبي ذنب صحرٍ (٢) ، بدارها ... إلى البرّ عند الخابرين معيب
وحاشاك من جورٍ عليّ، وإنّما ... أخاطب من أصفي (٣) له فيشوب
صحابٌ هم الداء الدفين فليتني ... ولم أدن منهم، للذئاب صحوب
كلامهم شهدٌ ولكنّ فعلهم ... كسمّ له بين الضلوع دبيب
سأرحل عنهم والتجارب لم تدع ... بقلبي لهم شيئاً عليه أثيب
стр. 986
إذا اغترب الإنسان عمّن يسوءه ... فما هو في الإبعاد عنه غريب
فدارك برأبٍ (١) منك ما قد خرقته ... ليحسن منّي مشهدٌ ومغيب
ولا تستمع قول الوشاة فإنّما ... عدوّهم بين الأنام نجيب
فيا ليت أنّي لم أكن متأدّباً ... ولم يك لي أصلٌ هناك رسوب
وكنت كبعض الجاهلين محبباً ... فما أنا للهمّ الملمّ حبيب
وما إن ضربت الدهر زيداً بعمره ... ولم يك لي بين الكرام ضريب
أأشكوك أم أشكو إليك فما عدت ... عداتي حتّى حان منك وثوب
سأشكر ما أولى وأصبر للذي ... توالى، على أنّ العزاء سليب
فدم في سرورٍ ما بقيت فإنّني ... وحقّك مذ دبّ الوشاة كئيب قال: وكان سبب التغير بيني وبين ابن عمي الرئيس المذكور أن ملك إفريقية استوزر لأشغال الموحدين أبا العلاء (٢) إدريس بن علي بن أبي العلاء ابن جامع، فاشتمل عليّ، وأولاني من البرّ ما قيّدني وأمال قلبي إليه، مع تأكيد ما بينه وبين ابن عمي من الصحبة، فلم يزل ينهض بي، ويرفع أمداحي للملك، ويوصّل إليه رسائلي، منبّهاً على ذلك مرشحاً، إلى أن قبض الملك على كاتب عسكره، وكان يقرأ بين يده كتب المظالم، فاحتيج إلى من يخلفه في ذلك، فنبه الوزير عليّ، وارتهن فيّ، مع أنّي كنت من كتّاب الملك، فقلدني قراءة المظالم المذكورة، وسفر لي الوزير عنده في دار الكاتب المؤخّر، فأنعم بها، فوجد الوشاة مكاناً متسعاً للقول، فقالوا وزوّروا من الأقاويل المختلفة ما مال بها حيث مالوا، وظهر منه مخايل التغيير، فجعلت أداريه وأستعطفه، فلم ينفع فيه قليل ولا كثير، إلى أن سعى في تأخير والدي عن الكتب للأمير الأسعد أبي يحيى ابن ملك إفريقية، ثم سعى في تأخيري، فأخّرت عن الكتابة وعن
стр. 987
قراءة (١) المظالم، فانفردت بالكتابة للوزير المذكور، وفوض إليّ جميع أموره، وأولاني من التأنيس ما أنساني تلك الوحشة، ومن العز ما أنقذني من تلك الذلة:
فردّ عليّ العيش بعد ذهابه ... وآنسني بعد انفرادي من الأهل
وقال إذا ما الوبل فاتك فاقتنع ... بما قد تسنّى عندك الآن من طلّ
ووالله ما نعماه طلٌّ وإنّما ... تأدّبه غيثٌ يجود على الكلّ
رآني أظما في الهجيرة ضاحياً ... فرقّ وآواني إلى الماء والظلّ ولم أزل عنده في أسر حال ما لها تكدير إلاّ ما يبلغني من أن ابن عمّي لا يزال يسعى في حقي بما أخشى مغبّته، وخفت أن يطول ذلك، فيسمع منه، ولا ينفع دفاع الوزير المذكور عني، فرغبت له في أن يرفع للملك أنّي راغبٌ في السّراح إلى المشرق برسم الحج:
ومن بلّه الغيث في بطن وادٍ ... وبات فلا يأمننّ السّيولا فلم يسعفني في ذلك، ولامني على تخوّفي، وقلة ثقتي بحمايته، فرفعت له هذه القصيدة:
هل الهجر إلا أن يطول التجنّب ... ويبعد من قد كان منه التقرّب
وتقطع رسلٌ بيننا ورسائلٌ ... ويمنع لقيانا نوىً وتحجّب
ولو أنّني أدري لنفسي زلّةً ... جعلت لكم عذراً ولم أك أعتب
ولكنّكم لمّا مللتم (٢) هجرتم ... وذنّبتم في الحبّ من ليس يذنب
إلى الله أشكو غدركم وملالكم ... وقلباً له ذاك التعذب يعذب
فلو أنّه يجزيكم بفعالكم ... لكان له عنكم مرادٌ ومذهب (٣)
стр. 988
ولكن أبى أن لا يحنّ لغيركم ... وأن لا يرى عنكم مدى الدهر مذهب
فهلاّ رعيتم أنّه في ذراكم ... غريبٌ، وليس الموت إلاّ التغرب
لزمتك لمّا أن رأيتك كاملاً ... جمالاً وإجمالاً وذاك يحبّب
وإنّي لأخشى أن يطول اشتكاؤه ... لمن إن أتى مكراً فليس يثرّب
فلم أسع إلا لارتياحٍ وراحةٍ ... وغيري وقد آواه غيرك يتعب
فأنت الذي آويتني ورحمتني ... وذو الرحم الدنيا لناري يحطب
فما مرّ يومٌ لا يدير مصيبةً ... عليك، وبالتدبير منك يخيّب
وهبه ثبوتاً لا يحيل أما ترى ... مجرّ حبالٍ في الحجارة يرسب
وهبه له سدّاً فكم أنت حاضرٌ ... أحاذر خرقاً منه أن يتسبّبوا
وما إن أرى إلا الفرار مخلّصاً ... وما راغبٌ في الضيم من عنه يرغب
فأنه إلى الأمر العليّ شكيتي ... وأنّ خطوب الدهر نحوي تخطب
ولا تطمعوني في الذي لست نائلاً ... فلا أنا عرقوبٌ ولا أنا أشعب
ألا فلتمنّوا بالسّراح فإنّه ... لراحة من يشقى لديكم وينصب
سلوا الكأس عني إذ تدار فإنّني ... لأتركها همّاً ودمعي أشرب
ولا أسمع الألحان حين تهزني ... ولو كان نوحاً كنت أصغي وأطرب
فديتكم كم ذا أهون بأرضكم ... أهذا جزاءٌ للذي يتغرّب
أبخلٌ عليّ ما سواك يصيخ لي ... فهل لي ممّا كدّر العيش مهرب
تقلّص عنّي كلّ ظلٍّ ولم أجد ... كما كنت ألفي (١) من أودّ وأصحب
أذو طمعٍ في العيش يبقى وحوله ... مدى الدهر أفعى لا تزال (٢) وعقرب
أجزني أنجو (٣) بالفرار فإنّه ... وحقّك من نعماك عندي يحسب
стр. 989
فلا زلت يا خير الكرام مهنّأ ... فعيشي منه الموت أشهى وأطيب
وصانك من قد صنت في حقه دمي ... وغيرك ن ثوب المروءة يسلب ولم يزل الوزير - لا أزال الله عنه رضاه - يحمي جانبي، إلى أن أصابتني فيه العين، فأصابه الحين، فقلت في ذلك:
وطيب نفسي أنّه مات عندما ... تناهى ولم يشمت به كلّ حاسد
ويحكم فيه كلّ من كان حاكماً ... عليه ويعطي الثأر كلّ معاند وقلت أرثيه:
بكت لك حتى الهاطلات السواكب ... وشقّت جيوباً فيك حتّى السحائب
فكيف بمن دافعت عنه ومن به ... أحاطت وقد بوعدت عنه المصائب
ألا فانظروا دمعي فأكثره دمٌ ... ولا تذهبوا عني فإنّي ذاهب
وقولوا لمن قد ظلّ يندب بعده ... وفاؤك لو قامت عليك النوادب (١)
لعمرك ما في الأرض وافٍ بذمّةٍ ... أيصمت إدريس ومثلي يخاطب
دعوتك يا من لا أقوم بشكره ... فهل أنت لي بعد الدعاء مجاوب
أيا سيّداً قد حال بيني وبينه ... ترابٌ حوت ذكراك منه الترائب
لمن أشتكي إن جار بعدك ظالمّ ... عليّ وإن نابت جنابي النّوائب
لمن أرتجي (٢) عند الأمير بمنطقٍ ... تحفّ به حولي المنى والمواهب وهي طويلة، ومنها قبيل الختم:
وقد كنت أختار الترحّل قبل أن ... يصيبك سهمٌ للمنيّة صائب
ولكن قضاء الله من ذا يردّه ... فصبراً فقد يرضى الزمان المغاضب
стр. 990
ومنها، وهو آخرها:
وإنّي لأدري أنّ في الصبر راحةً ... إذا لم تكن فيه عليّ مثالب
وإن لم يؤب من كنت أرجو انتصاره ... عليك فلطف الله نحوي آيب قال رحمه الله تعالى: ولما قدمت مصر والقاهرة أدركتني (١) فيهما وحشة، وأثار لي تذكّر ما كنت أعهد بجزيرة الأندلس من المواضع المبهجة التي قطعت بها العيش غضّاً خصيباً، وصحبت بها الزمان ولبست الشباب قشيباً، فقلت:
هذه مصر فأين المغرب ... مذ نأى عني دموعي تسكب
فارقته النّفس جهلاً إنّما ... يعرف الشيء إذا ما يذهب (٢)
أين حمصٌ أين أيامي بها ... بعدها لم ألق شيئاً يعجب
كم تقضّى لي بها (٣) من لذةٍ ... حيث للنهر خريرٌ مطرب
وحمام الأيك تشدو حولنا ... والمثاني في ذراها تصخب
أيّ عيشٍ قد قطعناه بها ... ذكره من كلّ نعمى أطيب
ولكم بالمرج لي من لذةٍ ... بعدها ما العيش عندي يعذب
والنواعير التي تذكارها ... بالنّوى عن مهجتي لا تسلب
ولكم في شنتبوسٍ من منىً ... قد قضيناه ولا من يعتب
[حيث هاتيك الشراجيب التي ... كم بها من حسن بدر معصب] (٤)
وغناءٌ كلّ ذي فقرٍ له ... سامعٌ غصباً ولا من يغصب
بلدةٌ طابت وربٌّ غافرٌ ... ليتني ما زلت فيها أذنب
стр. 991
أين حسن النيل من نهرٍ بها ... كلّ نغماتٍ لديه تطرب
كم به من زورقٍ قد حلّه ... قمرٌ ساقٍ وعودٌ يضرب
لذة النّاظر والسمع على ... شمّ زهرٍ وكؤوسٍ تشرب
كم ركبناها فلم تجمح بنا ... ولكم من جامحٍ إذ يركب
طوعنا حيث اتجهنا لم نجد ... تعباً منها إذا ما نتعب
قد أثارت عثيراً يشبهه ... نثر سلكٍ فوق بسطٍ ينهب
كلّما رشنا لها أجنحةً ... من قلاعٍ ظلت منها تعجب
كطيورٍ لم تجد ريّاً لها ... فبدا للعين منها مشرب
بل على الخضراء (١) لا أنفكّ من ... زفرةٍ في كلّ حين تلهب
حيث للبحر زئيرٌ حولها ... تبصر الأغصان منه ترهب
كم قطعنا الليل فيها مشرقاً ... بحبيبٍ ومدامٍ يسكب
وكأنّ البحر ثوبٌ أزرقٌ ... فيه للبدر طرازٌ مذهب
وإلى الحور حنيني دائماً ... وعلى شنّيل دمعي صيّب (٢)
حيث سلّ النهر عضباً وانثنت ... فوقه القضب وغنّى الربرب
وتشفّت أعين العشّاق من ... حور عينٍ بالمواضي تحجب
ملعبٌ للهو مذ فارقته ... ما ثناني نحو لهوٍ ملعب
وإلى مالقةٍ يهفو هوىً ... قلب صبٍّ بالنوى لا يقلب
أين أبراجٌ بها قد طالما ... حثّ كأسي في ذراها كوكب
حفّت الأشجار عشقاً حولنا ... تارةً تنأى وطوراً تقرب
جاءت الريح بها ثم انثنت ... أتراها حذرت من ترقب
стр. 992
وعلى مرسيةٍ أبكي دماً ... منزلٌ فيه نعيمٌ معشب
مع شمسٍ طلعت في ناظري ... ثم صارت في فؤادي تغرب
هذه حالي، وأمّا حالتي ... في ذرا مصر ففكر متعب
سمعت أذني محالاً، ليتها ... لم تصدّق ويحها من يكذب
وكذا الشيء إذا غاب انتهوا ... فيها وصفاً كي يميل الغيّب
ها أنا فيها فريدٌ مهملٌ ... وكلامي ولساني معرب
وأرى الألحاظ تنبو عندما ... أكتب الطرس أفيه عقرب
وإذا أحسب في الديوان لم ... يدر كتّابهم ما أحسب
وأنادى مغربيّاً، ليتني ... لم أكن للغرب يوماً أنسب
نسبٌ يشرك فيه خاملٌ ... ونبيهٌ، أين منه المهرب
أتراني ليس لي جدٌّ له ... شهرةٌ أو ليس يدرى لي أب
سوف أثني راجعاً لا غرّني ... بعد ما جرّبت برقٌ خلّب وقال بقرمونة متشوقاً إلى غرناطة (١) :
أغثني إذا غنّى الحمام المطرّب ... بكأسٍ بها وسواس فكري ينهب
ومل ميلةً حتى أعانق أيكةً ... وألثم ثغراً فيه للصّبّ مشرب
ولم أر مرجاناً ودرّاً خلافه ... يطيف به وردٌ من الشهد أعذب
فديتك من غصنٍ تحمّله نقاً ... تطلّع أعلاه صباحٌ وغيهب
وجنّته جنّات عدنٍ وفي لظىً ... فؤادي وما لي من ذنوبٍ تعذب
ويعذلني العذّال فيه وإنّني ... لأعصي عليه من يلوم ويعتب
لقد جهلوا، هل عين حياتي أنثني ... إذا نمّقوا أقوالهم وتألّبوا
يقولون لي قد صار ذكرك مخلقاً ... وأصبح كلٌّ في هواه يؤنّب
стр. 993
وعرضك مبذولٌ، وعقلك تالفٌ ... وجسمك مسلوبٌ، ومالك ينهب
فقلت لهم عرضي وعقلي والعلا ... وفخري لا أرضى بها حين يغضب
جنونٌ أبى أن لا يلين لعازمٍ ... بسحرٍ بآيات الرّقى ليس يذهب
فقالوا ألا قد خان عهدك قلت لم ... يخن من إذا قرّبته يتقرّب
وكم دونه من صارم ومثقّفٍ ... فيا من رأى بدراً بهذين يحجب
على أنّه يستسهل الصعب عندما ... يزور فلا يجدي حمىً وترقّب
وكم حيلةٍ تترى على إثر حالةٍ ... وذو الودّ من يحتال أو يتسبب
على أنّه لو خان عهدي لم أزل ... له راعياً، والرعي للصبّ أوجب
فأين زمانٌ (١) لم يخنّي ساعةً ... به وهو منّي في التنعّم أرغب
ولا فيه من بخلٍ ولا بي قناعةٌ ... كلانا بلذّات التواصل معجب
ويا ربّ يومٍ لا أقوم بشكره ... على أنّني ما زلت أثني وأطنب
على نهر شنّيلٍ وللقضب حولنا ... منابر ما زالت بها الطّير تخطب
وقد قرعت منه سبائك (٢) فضّة ... خلال رياضٍ بالأصيل تذهّب
شربنا عليها قهوةً ذهبيّةً ... غدت تشرب الألباب أيّان تشرب
كأن ياسميناً وسط وردٍ تفتّحت ... أزاهره أيّان في الكأس تسكب
إذا ما شربناها لنيل مسرّةٍ ... تبسّم عن درٍّ لها فتقطّب
أتت دونها الأحقاب حتى تخالها ... سراباً بآفاق الزّجاجة يلعب
نعمنا بها واليوم قد رقّ برده ... إلى أن رأينا الشمس عنّا تغرّب
فقالوا ألا هاتوا السراج فكلّ من ... درى قدر ما في الكأس أقبل يعجب
وقال ألا تدرون ما في كؤوسكم ... فلا كأس إلا وهو في الليل كوكب
كواكب أمست بين شرب ولم نخل ... بأنّ النجوم الزّهر تدنو وتغرب
стр. 994
ظللنا عليها عاكفين وليلنا ... نهارٌ إلى أن صاح بالأيك مطرب
فلم نثن عن دين الصّبوح عناننا ... إلى أن غدا من ليس يعرف يندب
صرعنا فأمسى يحسب السكر قد قضى ... علينا، وذاك السكر أشهى وأعجب
وكم ليلةٍ في إثر يومٍ وعذّلي ... وعذّل من يصغي لقولي خيّب
فيا ليت ما ولّى معادٌ نعيمه ... وأيّ نعيمٍ عند من يتغرّب قال: وقلت بإشبيلية ذاكراً لوادي الطّلح، وهو بشرق إشبيلية ملتف الأشجار، كثير مترنم الأطيار، وكان المعتمد بن عباد كثيراً ما ينتابه مع رميكيّته، وأولي أنسه ومسرته (١) :
سائل بوادي الطّلح ريح الصّبا ... هل سخّرت لي في زمان الصّبا
كانت رسولاً فيه ما بيننا ... لن نأمن الرّسل ولن نكتبا
يا قاتل الله أناساً إذا ... استؤمنوا خانوا، فما أعجبا
هلاّ رعوا أنّا وثقنا بهم ... وما اتخذنا عنهم مذهبا
يا قاتل الله الذي لم يتب ... من غدرهم من بعد ما جرّبا
واليمّ لا يعرف ما طعمه ... إلاّ الذي وافى لأن يشربا
دعني من ذكر الوشاة الألى ... لمّا يزل فكري بهم ملهبا
واذكر بوادي الطّلح عهداً لنا ... لله ما أحلى وما أطيبا
بجانب العطف وقد مالت الأغ ... صان والزهر يبثّ الصّبا
والطير مازت بين ألحانها ... وليس إلاّ معجباً مطربا
وخانني من لا أسمّيه من ... شحٍّ أخاف الدهر أن يسلبا
قد أترع الكأس وحيّا بها ... وقلت أهلاً بالمنى مرحبا
أهلاً وسهلاً بالذي شئته ... يا بدر تمٍّ مهدياً كوكبا
стр. 995
لكنني آليت أسقى بها ... أو تودعنها ثغرك الأشنبا
فمجّ لي في الكأس من ثغره ... ما حبّب الشرب وما طيّبا
فقال: ها لثمي نقلاً ولا ... تشمّ إلاّ عرفي الأطيبا
فاقطف بخدي الورد والآس وال ... نسرين لا تحفل بزهر الرّبى
أسعفته غصناً غدا مثمراً ... ومن جناه ميسه قرّبا
قد كنت ذا نهيٍ وذا إمرةٍ ... حتّى تبدّى فحللت الحبا
ولم أصن عرضي في حبّه ... ولم أطع فيه الذي أنّبا
حتى إذا ما قال لي حاسدي ... ترجوه والكوكب أن يغربا
أرسلت من شعري سحراً له ... ييسّر المرغب والمطلبا
وقال عرّفه بأنّي سأح ... تال فما أجتنب المكتبا
فزاد في شوقي له وعده ... ولم أزل مقتعداً مرقبا
أمدّ طرفي ثم أثنيه من ... خوف أخي التنغيص أن يرقبا
أصدّق الوعد وطوراً أرى ... تكذيبه والحرّ لن يكذبا
أتى ومن سخّره بعدما ... أيأس بطئاً كاد أن يغضبا
قبّلت في الترب ولم أستطع ... من حصر اللّقيا سوى مرحبا
هنّأت ربعي إذ غدا هالةً ... وقلت: يا من لم يضع أشعبا
بالله مل معتنقاً لاثماً ... فمال كالغصن ثنته الصّبا
وقال ما ترغب قلت: اتئد ... أدركت إذ كلّمتني المأربا
فقال: لا مرغب عن ذكر ما ... ترغبه، قلت: إذاً مركبا
فكان ما كان، فوالله ما ... ذكرته دهري أو أغلبا قال: وقلت باقتراح الملك الصالح نور الدين صاحب حمص أن أكتب بالذهب على تفاحة عنبر قدمها لابن عمه الملك الصالح ملك الديار المصرية (١) :
стр. 996
أنا لون الشباب والخال أهدي ... ت لمن قد كسا الزمان شبابا
ملك العالمين نجم بين أي ... وب، لا زال في المعالي مهابا
جئت ملأى من الثناء عليه ... من شكور إحسانه والثوابا
لست ممّن له خطابٌ ولكن ... قد كفاني أريج عرفي خطابا قال: ولما أنشد أبو عبد الله ابن الأبّار كاتب ملك إفريقية لنفسه:
لله دولابٌ يدور كأنّه ... فلكٌ ولكن ما ارتقاه كوكب
هامت به الأحداق لمّا نادمت ... منه الحديقة ساقياً لا يشرب
نصبته فوق النهر أيدٍ قدّرت ... ترويحه الأرواح ساعة ينصب
فكأنّه وهو الطليق مقيّدٌ ... وكأنّه وهو الحبيس مسيّب
للماء فيه تصعّدٌ وتحدّرٌ ... كالمزن يستسقي البحار ويسكب حلف أبو عبد الله ابن أبي الحسين ابن عمي أن يصنع في ذلك شيئاً، فقال (١) :
ومحنيّة الأضلاع (٢) تحنو على الثرى ... وتسقي نبات الترب درّ (٣) الترائب
تعدّ (٤) من الأفلاك أنّ مياهها ... نجومٌ لرجم المحل ذات ذوائب
وأعجبها (٥) رقص الغصون ذوابلاً ... فدارت بأمثال السيوف القواضب
وتحسبها والروض: ساقٍ وقينة ... فما برحا ما بين شادٍ وشارب
وما خلتها تشكو بتحنانها الصدى ... ومن فوق (٦) متنيها اطّراد المذانب
стр. 997
فخذ من مجاريها ودهمة لونا ... بياض العطايا في سواد المطالب (١) " ثم كلفت في أن أقول في ذلك، وأنا أعتذر بأن هذين لم يتركا لي ما أقول:
وذات حنينٍ لا تزال مطيفةً ... تئنّ وتبكي بالدموع السواكب
كأنّ أليفاً بان عنها فأصبحت ... بمربعه كالصّبّ بعد الحبائب
إذا ابتسمت فيها الرياض شماتةً ... ترعها بأمثال السيوف القواضب
فكم رقصت أغصانها فرمت لها ... نثاراً كما بدّدت حلي الكواعب
لقد سخطت منها الثغور وأرضت ال ... قدود ولم تحفل بتثريب عائب
شربت على تحنانها ذهبيّةً ... ذخيرة كسرى في العصور الذواهب
فهاجت لي الكأس ادّكار مغاضبٍ ... فحاكيتها وجداً بذاك المغاضب
فلا تدع التبريز في كثرة الهوى ... فلولاي كانت في إحدى العجائب قال: وقلت بغرناطة:
باكر اللهو ومن شاء عتب ... لا يلذّ العيش إلاّ بالطّرب
ما توانى من رأى الزهر زها ... والصّبا تمرح في الرّوض خبب
وشذاه صانه حتّى اغتدى ... بين أيدي الريح غصباً ينتهب
يا نسيماً عطّر الأرجاء، هل ... بعثوا ضمنك ما يشفي الكرب
هم أعلّوه وهم يشفونه ... لا شفاه الله من ذاك الوصب!
خلع الروض عليه زهره ... حين وافى من ذراكم فعل صبّ
فأبى إلا شذاه (٢) فانثنى ... حاملاً من عرفه ما قد غصب
لست ذا نكرٍ لأن يشبهكم ... من بعثتم، غير ذا منه العجب
стр. 998
غالب الأغصان في بدأته ... ثمّ لمّا زاد أعطته الغلب
فبكى الطّلّ عليها رحمةً ... أو بكى من وعظ طيرٍ قد خطب
كلّ هذا قد دعاني للّتي ... ملكت رقّي على مرّ الحقب
قهوةٌ أبسم من عجب لها ... عندما تسم عجباً عن حبب
حاكت الخمر فلما شعشعت ... قلت ما للخمر بالماء التهب
وبدت من كأسها لي فضّةٌ ... ملئت إذ جمدت ذوب الذهب
سقّينها من يدي مشبهها ... بالذي يحويه طرفٌ وشنب
لا جعلت الدهر نقلي غير ما ... لذّ لي من ريق ثغرٍ كالضّرب
لا جعلت الدهر ريحاني سوى ... ما بخدّيه من الورد انتخب
لم أزل أقطع دهري هكذا ... وكذا أقطع منه المرتقب
حبّذا عيشٌ قطعناه لدى ... معطف الخابور ما فيه نصب
مع من لم يدر يوماً ما الجفا ... من أراح الصبّ فيه من تعب
كلّ ما يصدر منه حسنٌ ... لم يذقني في الهوى مرّ الغضب
أيّ عيشٍ سمح الدهر به ... كلّ نعمى ذهبت لمّا ذهب قال: ودخلت بتونس مع أبي العباس الغسّاني (١) حمّاماً، فنظرنا إلى غلمان في نهاية الحسن ونعومة الأبدان، فقلت مخاطباً له:
دخلت حمّاماً وقصدي به ... تنعيم جسمٍ فغدا لي عذاب
وقلت لظىً فاعترضت حوره ... وقلت عدنٌ فنهاني التهاب
وأنت في الفضل إمامٌ فكن ... في الحكم ممن حاز فصل الخطاب فقال:
لا تأمن الحمّام في فعله ... فليس ما يأتيه عندي صواب
стр. 999
فما أرى أخدع منه ولا ... أكذب إلاّ أن يكون السّراب
يبدي لك الغيد كحور الدّمى ... ويلبس الشيخ برود الشّباب
ظنّ به النّار فلا جنّةٌ ... للحسن إلاّ ما حوته الثياب [نقول عن ابن سعيد]
[١ - بناء الهودج بروضة مصر]
ومن فوائده (١) ، أعني ابن سعيد رحمه الله تعالى - في كتابه المحلى بالأشعار " (٢) نقلاً عن القرطي (٣) - قضية بناء الهودج بروضة مصر، وهو من منتزهات الخلفاء الفاطميين العظيمة العجيبة البناء البديعة، وذلك أنه يقال: إن الباني له الخليفة الآمر بأحكام الله (٤) ، للبدوية التي غلب عليه حبها، بجوار البستان المختار، وكان يتردد إليه كثيراً وقتل وهو متوجه إليه، وما زال منتزهاً للخلفاء من بعده.
وقد أكثر الناس في حديث البدوية وابن ميّاح من بني عمها، وما يتعلق بذلك من ذكر الآمر، حتى صارت رواياتهم ي هذا الشأن كحديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك، والاختصار منه أن يقال: إن الآمر قد كان بلي بعشق الجواري العربيات، وصارت له عيون في البوادي، فبلغه أن بالصعيد جارية من أكمل العرب وأظرفهم، شاعرة جميلة، فيقال: إنه تزيا بزي بداة
стр. 1000
الأعراب، وكان يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها، وبات هنالك، وتحيل حتى عاينها هناك، فما ملك صبره، ورجع إلى مقر ملكه، وأرسل إلى أهلها يخطبها، وتزوجها، فلما وصلت إليه صعب عليها مفارقة ما اعتادت، وأحبت أن تسرّح طرفها في الفضاء، ولا تنقبض نفسها تحت حيطان المدينة، فبنى لها البناء المشهور، في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج، وكان غريب الشكل على شط النيل، وبقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربّيت معه، يعرف بابن ميّاح، فكتبت إليه من قصر الآمر:
يا ابن ميّاحٍ إليك المشتكى ... مالكٌ من بعدكم قد ملكا
كنت في حيي طليقاً آمراً ... نائلاً ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصرٍ موصدٍ ... لا أرى إلاّ حبيساً (١) ممسكا
كم تثنينا كأغصان اللوى ... حيث لا نخشى علينا دركا (٢) فأجابها بقوله:
بنت عمّي والتي غذّيتها ... بالهوى حتى علا واحتنكا (٣)
بحت بالشكوى وعندي ضعفها ... لو غدا ينفع منّا المشتكى
مالك (٤) الأمر إليه يشتكى ... هالكٌ، وهو الذي قد أهلكا قال: وللناس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطول.
وكان من عرب طيء في عصر الآمر طراد بن مهلهل، فقال وقد بلغته هذه الأبيات:
стр. 1001
ألا بلّغوا الآمر المصطفى ... مقال طرادٍ ونعم المقال
قطعت الأليفين عن ألفةٍ ... بها سمر الحيّ حول الرحال
كذا كان آباؤك الأكرمون ... سألت فقل لي جواب السؤال فقال الخليفة الآمر لما بلغته الأبيات: جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله، فطلب في أحياء العرب فلم يوجد، فقيل: ما أخسر صفقة طراد، باع عدة أبيات بثلاثة أبيات.
[٢ - مكين الدولة ابن حديد]
وكان بالإسكندرية (١) مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد ابن الحسن بن حديد، له مروءة عظيمة، ويحتذي أفعال البرامكة، وللشعراء فيه أمداح كثيرة، ومدحه ظافر الحداد وأمية أبو الصّلت وغيرهما، وكان له بستان يتفرّج فيه، به جرن كبير من رخام، وهو قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره، وكان يجد في نفسه برؤيته (٢) زيادة على أهل التنعم والمباهاة في عصره، فوشي به للبدوية محبوبة الآمر، فسألت الآمر في حمل الجرن إليها، فأرسل إلى ابن حديد في إحضار الجرن، فلم يجد بدّاً من حمله من البستان، فلما صار إلى الآمر أمر بعمله في الهودج [وتركيبه هنالك] (٣) ، فقلق ابن حديد، وصارت في قلبه حزازة (٤) من أخذ الجرن، فأخذ يخدم البدوية وجميع من يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحد في الكثرة، حتى قالت البدوية: هذا الرجل أخجلنا بكثرة تحفه، ولم يكلفنا قط أمراً نقدر عليه عند
стр. 1002
الخليفة مولانا، فلمّا قيل له عنها هذا القول قال: ما لي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها وطول حياتها في عزّ غير ردّ السّقيّة التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمتهم (١) تردّ إلى مكانها، فتعجبت من ذلك، وردتها عليه، فقيل له: قد حصلت في حد أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب (٢) ، فنزلت همتك إلى قطعة حجر، فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلغها الله تعالى أملها.
وكان هذا المكين متولي قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر، وبلغ من علو همته وعظيم مروءته أن سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون ابن البطائحي لما قلده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأضاف إليها الأعمال البحرية، ووصل إلى الثغر - وصف له الطبيب دهن الشمع بحضرة القاضي المذكور، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن الشمع، فما كان أكثر من مسافة الطريق إلاّ وقد أحضر حقّاً مختوماً، فكّ عنه فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مراق (٣) بلور فيه ثلاثة بيت كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر: بيت دهن ممسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بعنبر طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته، فعندما أحضره الرسول تعجب المؤتمن والحاضرون من علو همته، فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه، وكان جواب المؤتمن: وقد قبلته منك لا لحاجة إليه، ولا نظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها، وذكر أن قيمة هذا المداف وما عليه خمسمائة دينار.
فانظر، رحمك الله تعالى، إلى من يكون دهن الشمع عنده في إناء قيمته خمسمائة دينار، ودهن الشمع لا يكاد أكثر الناس يحتاج إليه، فماذا تكون ثيابه
стр. 1003
وحلى نسائه وفرش داره وغير ذلك من التجملات وهذا إنما هو حال قاضي الإسكندرية ومن قاضي الإسكندرية بالنسبة إلى أعيان الدولة بالحضرة! وما نسبة أعيان الدولة وإن عظمت أحوالهم إلى أمر الخلافة وأبّهتها إلا يسير حقير.
وما زال الخليفة الآمر يتردد إلى الهودج المذكور إلى أن ركب يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة ٥٢٤ يريد الهودج، وقد كمن له عدة من النزارية (١) على رأس الجسر من ناحية الروضة، فوثبوا عليه وأثخنوه بالجراحة، وحمل في العشاري (٢) إلى اللؤلؤة (٣) ، فمات بها، وقيل: قبل أن يصل إليه، وقد خرب هذا الهودج، وجهل مكانه من الروضة، ولله عاقبة الأمور، نقل ذلك كلّه الحافظ المقريزي (٤) ، رحمه الله تعالى.
[٣ - الشهاب التلعفري]
قال النور ابن سعيد، ومن خطه نقلت: لما نزلنا بتلّعفر حين خرجنا من سنجار إلى الموصل سألت أحد شيوخنا عن والد شهاب الدين التّلّعفري، فقال: أنا أدركته، وكان كثير التجول، وأنشدني لنفسه في عيد أدركه في غير بلده:
يبتهج الناس إذا عيّدوا ... وعند سرّائهم أكمد
لأنّني أبصر أحبابهم ... ومقلتي محبوبها تفقد
стр. 1004
قال: وخرج ابنه الشهاب أجول منه شخصاً وشعراً، وصدق فيما قاله، وأنشد ابن سعيد للشهاب التلعفري (١) :
لك ثغرٌ كلؤلؤٍ في عقيقٍ ... ورضابٌ كالشّهد أو كالرّحيق
وجفونٌ لم يمتشق سيفها إ ... لاّ لمغرّى بقدّك الممشوق
تهت عجباً بكلّ فنّ من الحس ... ن جليلٍ وكلّ معنى دقيق
وتفردت بالجمال الذي خ ... لاّك مستوحشاً بغير رفيق
باللحاظ التي بها لم تزل تر ... شق قلبي وبالفوام الرّشيق
لا تغر بالغوير إذ تتثنّى ... فيه أعطاف كلّ غصن وريق
واثن محمرّ ورد خدّيك واستر ... هـ وإلاّ ينشقّ قلب الشقيق قال ابن سعيد: وحظي الشهاب التلعفري بمنادمة الملوك، وكونهم يقدمونه، ويقبلون على شعره، وعهدي به لا ينشد أحدٌ قبله في مجلس الملك الناصر، على كثرة الشعراء، وكثرة من يعتني بهم، ولما جمعت للملك الناصر كتاب ملوك الشعر جعلت ملك شعر الشهاب البيت الرابع من المقطوعة المتقدمة، فإنّه كان كثيراً ما ينشده وينوه به. والتشفي من ذكر الشهاب ومحاسن شعره له مكان بكتاب الغرة الطالعة في فضلاء المائة السابعة وهو الآن عند الملك المنصور صاحب حماة قد علت سنّه، وما فارقه غرامه ودنّه، انتهى.
стр. 1005
[٤ - العادل بن أيوب]
ولما أجرى ابن سعيد في بعض مصنفاته ذكر الملك العادل بن أيوب (١) قال ما نصّه: وكان من أعظم السلاطين دهاء وحزماً، وكان يضرب به المثل في إفساد القلوب على أعدائه وإصلاحها له، ويحكى أنه بشّره شخص بأن أميراً من أمراء الأفضل ابن صلاح الدين فسد عليه، فأعطاه مالاً جزيلاً، وأرسل مستخفياً إلى المذكور يزيده بصيرة في الانحراف عن الأفضل، ويعده بما يفسد الصالح فكيف الفاسد، قال: وكان يمنع حتى يوصف بالبخل، ويجود في مواضع الجود حتى يوصف بالسّماح، وكان صلاح الدين - وهو السلطان - يأخذ برأيه، وقدّم له أحد المصنفين كتاباً مصوراً في مكايد الحروب ومنازلة المدن، وهو حينئذ على عكّا محاصراً للفرنج، فقال له: ما نحتاج إلى هذا الكتاب ومعنا أخونا أبو بكر، وكان كثير المداراة والحزم، ومن حكاياته في ذلك أن أحد الأشياخ من خواصّه قال له يوماً، وهو على سماطه يأكل: يا خوند، ما وفيت معي ولا رعيت سابق خدمتي، وكلمه بدالّة السن وقدم الصحبة قبل الملك، فقال لمماليكه، انظروا سوطه، فجسّوا الكمران؛ وقال: خذوا الصرة التي فيه، فوجدوا صرّة، فقال: افتحوها، ففتحوها فإذا فيها ذرور، فقال العادل: كل من هذا الذرور، فتوقف، وعلم أنه مطّلع على أنه سم، فقال: كيف نسبتني إلى قلة الوفاء، وأنا منذ سنين أعلم أنك تريد أن تسمني بهذا السم، وقد جعل لك الملك الفلاني على ذلك عشرة آلاف دينار، فلا أنا أمكنتك من نفسي، ولا أشعرتك، لئلا يكون في ذلك ما لا خفاء به، وتركتك على
стр. 1006
حالك، وأنا مع هذا لا أغير عليك نعمة، ثم قال: ردوا سمه إلى كمرانه، لا أبقى الله تعالى عليه إن قدر وأبقى علي، فجعل يقبّل الأرض ويقول: هكذا والله كان، وأنا تائب لله تعالى، ثم إن الشيخ جدّد توبة، واستأنف أدباً آخر وخدمة أخرى، وكانت هذه الفعلة إحدى عجائب العادل.
قال: وكان كثير المصانعات حتى إنّه يصوغ الحلي الذي يصلح لنساء الفرنج ويوجّه في الخفية إليهنّ، حتى يمسك أزواجهنّ عن الحركة، وله في ذلك مع ملوك الإسلام ما يطول ذكره.
ولما خرج ابن أخيه المعز إسماعيل بن طغتكين (١) باليمن، وخطب لنفسه بالخلافة، وكتب له أن يبايعه وخطب له في بلاده، كان في الجماعة من أشار إلى النظر في توديه عسكر له في البر والبحر، وإنفاق الأموال قبل أن يتفاقم أمره، فضحك وقال: من يكون عقله هذا العقل لا يحوج خصمه إلى كبير مؤونة، أنا أعرف كيف أفسد عليه حاله في بلاده، فضلاً عن أن يتطرق (٢) فساده لبلادي، ثم إنه وجّه في السر لأصحاب دولته بالوعد والوعيد وقال لهم: أنتم تعلمون بعقولكم أن هذا لا يسوغ لي، فكيف يسوغ له وقد أدخل نفسه في أمر لا يخرج منه إلا بهلاكه، فاحذروا أن تهلكوا معه، واتعظوا بالآية " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار " وما لهذا عقل يدبر به نفسه، فكيف عن تدبير خاصته إليكم " ولتعلمنّ نبأه بعد حينٍ " فعندما وعت أسماعهم هذا وتدبروه بعقولهم قبضوا عليه وقتلوه، وعادت البلاد للعادل، وقال للمشيرين عليه في أول الأمر بتجهيز العسكر: قد كفينا المؤونة بأيسر شيء من المال، ولو حاولناه بما أشرتم به لم تقم خزائن ملكنا بالبلوغ إلى غايته.
стр. 1007
وكان - على ما بلغه من عظمة السلطان، واتساع الممالك - يحكي ما جرى له في زمان خلوّه من ذلك، ويحب الاستماع لنوادر أنذال العالم، واشتهر في خدمته مساخر أشهرهم خضير صاحب البستان المشهور عند الربوة بغوطة دمشق، ومن نوادره الحارّة معه أنه سمعه يوماً وهو يقول في وضوئه: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، ولا تحاسبني حساباً عسيراً، فقال له: يا خوند على أي شيء يحاسبك حساباً عسيراً إذا قال لك: أين أموال الخلق التي أخذتها فقل له: تراها بأمانتها في الكرك، وكان قد صنع بهذا المعقل الحسرات، سميت بذلك لأن من رآها، يتحسر إذا نظرها، ولا يستطيع على شيء منها بحيلة، وهي خوابٍ مفروغةٍ من ذهب وفضة تركت بمرأى من الناظري ليشتهر ذلك في الآفاق.
وقال العادل مرة، وقد جرى ذكر البرامكة وأمثالهم ممّن ذكر في كتاب المستجاد في حكايات الأجواد: إنما هذا كذب مختلق من الورّاقين ومن المؤرخين، يقصدون بذلك أن يحركوا همم الملوك والأكابر للسخاء وتبذير الأموال، فقال خضير: يا خوند، ولأي شيء لا يكذبون عليك
قال ابن سعيد: من وقف على حكايات أبي العيناء مع عبيد الله بن سليمان يجد مثل هذه الحكاية.
قال ابن سعيد: ووجدت الشهاب القوصي قد ذكر السلطان العادل في كتاب " [تاج] المعاجم " (١) وابتدأ الكتاب المذكور بمحاسنه والثناء عليه وخرّج عنه الحديث النبوي عن الحافظ السّلفي، وتمثّل فيه عند وفاته (٢) :
стр. 1008
ألام على بكائي خير ملكٍ ... قلّ له بكائي بالنّجيع
به كان الشباب جميع عمري ... ودهري كله زمن الربيع
ففرّق بيننا زمنٌ خؤون ... له شغف بتفريق الجميع قال ابن سعيد: ودفن العادل بالمدرسة العادلية بدمشق، وكان أنشأها للشافعية، وهي في نهاية الحسن، وبها خزانة كتب، فيها تاريخ ابن عساكر، وذيّل هذا التاريخ واختصره أبو شامة، سمعت عليه منه هنالك ما تيسر أيام إقامتي بدمشق.
وأولاد العادل ملوك البلاد في صدر هذه المائة السابعة، منهم الكامل والمعظم والأشرف، وهؤلاء الثلاثة شهروا بالفضل وحب الفضلاء وقول الشعراء، انتهى.
[٥ - المرذغاني]
وقال ابن سعيد، في ترجمة الرئيس صفي الدين أحمد بن سعد المرذغاني (١) ، وهو من بيت وزارة ورئاسة بدمشق: إن من شعره قوله:
كيف طابت نفوسكم بفراقي ... وفراق الأحباب ومرّ المذاق
لو علمتم بلوعتي وصبابا ... تي ووجدي وزفرتي واحتراقي
لرثيتم للمستهام المعنّى ... ووفيتم بالعهد والميثاق قال ابن سعيد: وقفت على ذكر هذا الرئيس في كتاب تاج المعاجم ووجدت صاحبه الشهاب القوصي قد قال: أخبرني بدمشق أنه قد كان عزم على السفر منها إلى مصر، لأمر ضاق به صدره، فهتف به هاتف في النوم، وأنشده:
стр. 1009
يا أحمد اقنع بالذي أعطيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلّها
ودع التكاثر في الغنى لمعاشر ... أضحوا على جمع الدراهم ولّها
واعلم بأنّ الله ﷻ ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلّها فانثنى عزمه عن الحركة، ثم بلغ ما أمّله دون سفر.
[٦ - دفتر خوان الدمشقي]
وقال ابن سعيد، في ترجمة المنتجب أحمد بن عبد الكريم الدمشق المعروف بدفتر خوان (١) ، وهو الذي يقرأ الدفاتر بين أيدي الملوك والأكابر (٢) : إنّه كان يقرأ الدفاتر بين يدي العادل بن أيوب، وكان يكتب له بالأشعار في المواسم والفصول، فينال من خيره، وكتب له مرّة وقد أظل الشتاء في دمشق فقال:
مولاي جاء الشتاء ... والكيس منها خلاء
لا زال يجري بما تر ... تضي علاك القضاء
وكلّ كافٍ إليه ... يحتاج فيه التواء (٣) فقال له العادل: هذا الضمير الذي في البيت الأول على ماذا يعود قال: بحسب مكارم السلطان، إن شئت على الدراهم، وإن شئت على الدنانير! فضحك وقال: هت كيسك، فأخرج له كيساً يسع قدر مائة دينار، فملأه
стр. 1010
له، وقال: أظنّه كان معدّاً عندك، فقال: مثل السلطان من يكون جوده مظنوناً.
وكتب إليه مرّة وقد أملق (١) :
انظر إليّ بعين جودك مرّةً ... فلعلّ محروم المطالب يرزق
طير الرجاء على علاك (٢) محلق ... وأظنّه سيعود وهو مخلق فأعطاه جملة دنانير، وقال له: اشتر بهذه ما تخلّق به طير رجائك، انتهى.
[٧ - الزناطي وابن الربيب]
وأنشد ابن سعيد رحمه الله تعالى لبعض المغربة، وهو أبو الحسن علي بن مروان الزناطي (٣) الكاتب:
أنس أخي الفضل كتابٌ أنيق ... أو صاحبٌ يعنى بودٍّ وثيق
فإن تعره دون رهن به ... تخسره أو تخسر وداد الصديق
وربّما تخسر هذا وذا ... فاسمع رعاك الله نصح الشفيق قال: وأجابه المخاطب بهذه الأبيات، وهو ابن الرّبيب (٤) ، بنثر نصّه:
стр. 1011
مثلك يفيد تجربة قد نفق عليها عمر، وضل عن فوائدها غرّ غمر، وقد أنفذت رهناً لا يسمح بإخراجه من اليد إلا ليدك، فتفضل بتوجيه الجزء الأول، فأنا أعلم أنّه عندك مثل ولدك، قل: فوجهه ومعه بطاقة صغيرة فيها: يا أخي، إن عرّضت بولدي فكذلك كن مع والدي وقد توارثنا العقوق كابراً عن كابر، فكن شاكراً فإنّي صابر.
ثم قال ابن سعيد: وتفاقم أمر ولده فقيّده بقيد حديد وقال فيه:
لي ولدٌ يا ليته ... لم يك عندي يخلق
يجهد في كل الذي ... يرغم وهو يعشق
وإن أكن قيّدته ... دمعي عليه مطلق وذكر ابن سعيد أن الكاتب أبا الحسن المذكور كان كثيراً ما يستعير الكتب، فإذا طلبت منه فكأنّها ما كانت، فذكر لبعض أصحابه - وهو ابن الربيب المؤرخ - أن عنده نسخة جليلة من تاريخ عريب (١) الذي لخص فيه تاريخ الطبري واستدرك عليه ما هو من شرطه وذيل ما حدث بعده، فأرسل إليه في استعارتها، فكتب إليه: يا أخي، سدّد الله آراءك، وجعل عقلك أمامك لا وراءك، ما يلزمني من كونك مضيّعاً أن أكون كذلك، والنسخة التي رمت إعارتها هي مؤنسي إذا أوحشني الناس، وكاتم سرّي إذا خانوني، فما أعيرها إلا بشيء أعلم أنك تتأذّى بفقده إذا فقد جزء من النسخة، وأنا الذي أقول:
стр. 1012
أنس أخي الفضل كتاب أنيق ... إلى آخره.
وأنشد للكاتب أبي الحسن المذكور:
إنّ ذاك العذار قام بعذري ... وفشا فيه للعواذل سرّي
ما رأينا من قبل ذلك مسكاً ... صاغ منه الإله هالة بدر
أيّ آسٍ من حول جنّة وردٍ ... ليس منه آسٍ مدى الدهر يبري ولما اشتد مرضه بين تلمسان وفاس قال هذه الأبيات، وأوصى أن تكتب على قبره:
ألا رحم الله حيّاً دعا ... لميتٍ قضى بالفلا نحبه
تمرّ السّوافي على قبره ... فتهدي لأحبابه تربه
وليس له عملٌ يرتجى ... ولكنّه يرتجي ربّه رجع إلى نظم ابن سعيد المترجم به، فنقول:
وقال لما سار المعظم من حصن كيفا، وآل أمره إلى الملك، ثم القتل والهلك (١) :
ليت المعظم لم يسر من حصنه ... يوماً ولا وافى إلى أملاكه
إن العناصر (٢) إذ رأته مكمّلاً ... حسدته فاجتمعت على إهلاكه ومما نقلته من ديوانه الذي رتبه على حروف المعجم قوله، رحمه الله تعالى - وقلت بالقاهرة على لسان من كلّفني ذلك:
شرف الدين أبن لي ما السبب ... في انقلاب الدهر لي عند الغضب
стр. 1013
فلتدم غضبان أظفر بالمنى ... ليس لي في غير هذا من أرب
إنّما ظهرك عندي قبلةٌ ... ووضوئي الدهر من ذاك الشّنب وأستغفر الله من قول الكذب، قال: وقلت بإشبيلية:
قد جاء نصر الله والفتح ... والصبح لمّا رضيت صبح
فهنّئوني بارتجاع المنى ... لولا الرّضى ما برح البرح
يا أورقاً يا غصناً يا نقاً ... يا ظبيةً بالليل يا صبح
يصحو جميع الناس من سكرهم ... ولست من سكركم أصحو
بلغت فيه غايةً لم يبن ... غايتها التفسير والشرح
ونصح العذّال، من لي بأن ... يعذلني عن غيّك النصح وقلت بإشبيلية:
وضح الصبح فأين القدح ... يعرف اللذات من يصطبح
ما ترى الليل كطرفٍ أدهمٍ ... وضياء الفجر فيه وضح
والثرى دبّجه درّ النّدى ... وعلى الأغصان منه وشح
ومدير الراح لم يعد المنى ... كلّ ما يأتي به مقترح
في بطاح المرج قد نادمني ... رشأٌ من سكره ينبطح
جعل المسواك ستراً للمنى ... فكأن قبّل فاه قزح
كلّما شئت الذي قد شاءه ... فحنى لي كاسه أفتتح
ما أبالي أن رآني كاشحٌ ... أم رآني من لديه نصح
هكذا العيش ودع عيش الذي ... خاف من نقدٍ إذا يفتضح وقلت بشريش:
طاب الشّراب لمعشرٍ ... سلبوا المروءة فاستراحوا
стр. 1014
لا يعرفون تستّراً ... السكر عندهم مباح
متهتكون لدى المنى ... وفسادهم فيها صلاح
ساقيهم متبذّلٌ ... هل يمنع الماء القراح
غصنٌ يميل به الصّبا ... ردّته طوع الراح راح
طوع الأماني، كلّ ما ... يأتي به فهو اقتراح
ما إن نبالي إن بدا ... أن لا يلوح لنا الصباح
ما زلت أرشف ثغره ... وعليه من عضدي وشاح
والقلب يهفو طائراً (١) ... ولعاً ولا يخشى افتضاح
ولو أنّنا نخشاه كا ... ن لنا من الظّلما جناح
لكنّنا في عصبةٍ ... ما في تهتّكهم جناح
لا ينكرون سوى ثقي ... لٍ لا يميل به مزاح
أفنى الذي قد جمّعو ... هـ الكأس والحدق الملاح وقلت بأركش:
قم هاتها لاح الصباح ... ما العيش إلا الإصطباح
مع فتيةٍ ما دأبهم ... إلاّ المروءة والسّماح
جرّبتهم فوجدتهم ... ما للمنى عنهم براح
يثنيهم نحو الصّبا ... نقر المثاني والمراح
ما نادموا شخصاً فكا ... ن لهم بخدمته استراح
بل يعرفون مكانه ... فله إذا شاء اقتراح
هم يتعبون وضيفهم ... ما دام عندهم يراح
ما إن يملّون النزي ... ل وبالرضى منه السراح
стр. 1015
يدعونه بأجلّ ما ... يدعى به الحرّ الصّراح
حتى إذا ما بان كدّ ... ر عيشهم منه انتزاح
فعلى مثالهم يبا ... ح لي المدامع والنواح
كرهاً فقدتهم فما ... لي بعد بعدهم ارتياح
لله شوقي إن هفت ... من نحو أرضهم الرياح
فهناك قلبي طائرٌ ... لهم ومن شوقي جناح قال: وقلت بمدينة ابن السليم (١) في وصف كلب صيد أسود في عنقه بياض:
وأدهم دون حليٍ ظلّ حالي ... كأن ليلاً يقلّده صباح
يطير وما له ريش ولكن ... متى يهفو فأربعه جناح
تكلّ الطير مهما نازعته ... وتحسده إذا مرق الرياح
له الألحاظ مهما جاء سلكٌ ... ومهما سار فهي له وشاح قال: وقلت بنيل مصر:
يا نيل مصرٍ أين حمص ونهرها ... حيث المناظر أنجمٌ تلتاح
في كلّ شطٍّ للنّواظر مسرحٌ ... تدعو إليه منازحٌ وبطاح
وإذا سبحت فلست أسبح خائفاً ... ما فيه تيّارٌ ولا تمساح قال: وقلت وقد حضرت مع إخوان لي بموضعٍ يعرف بالسلطانية على نهر إشبيلية وقد مالت الشمس للغروب:
رقّ الأصيل فواصل الأقداحا ... واشرب إلى وقت الصباح صباحا
стр. 1016
وانظر لشمس الأفق طائرةً وقد ... ألقت على صفح الخليج جناحا
فاظفر بصفو الأفق قبل غروبها ... واستنطق وحثّ الراحا
متع جفونك في الحديقة قبل أن ... يكسو الظلام جمالها أمساحا وقلت بمرسيّة:
أقلقه وجده فباحا ... وزاد تبريحه فناحا
ورام يثني الدموع لمّا ... جرت فزادت له جماحا
يا من جفا فارفقن عليه ... مستعبداً لا يرى السراحا
يكابد الموت كلّ حينٍ ... لو أنّه مات لاستراحا
ينزو إذا ما لرياح هبّت ... كأنّه يعشق الرياحا
يسألها عن ربوع حمصٍ ... لمّا نما عرفها وفاحا
كم قد بكى للحمام كيما ... يعيره نحوها جناحا قال: وخرجت مرّة مع أبي إسحاق إبراهيم بن سهر الإسرائيلي (١) إلى مرج الفضة بنهر إشبيلية فتشاركنا في هذا الشعر (٢) :
غيري يميل إلى كلام اللاحي ... ويمدّ راحته لغير الراح
لا سيما والغصن يزهو زهره ... ويميل عطف الشارب المرتاح
وقد استطار القلب ساجع أيكةٍ ... من كلّ ما أشكوه ليس بصاح
стр. 1017
قد بان عنه جناحه عجباً له ... من جانحٍ للعجز حلف جناح
بين الرياض وقد غدا في مأتمٍ ... وتخاله قد ظلّ في أفراح
الغصن يمرح تحته والنهر في ... قصفٍ تزجّيه يد الأرواح
وكأنّما الأنشام فوق جنانه ... أعلام خزٍّ فوق سمر رماح
لا غرو أن قامت عليه أسطرٌ ... لمّا رأته مدرّعاً لكفاح
فإذا تتابع موجه لدفاعه ... مالت عليه فظلّ حلف صياح قال: وقلت بمالقة متشوّقاً إلى الجزيرة الخضراء:
يا نسيماً من نحو تلك النواحي ... كيف بالله نور تلك البطاح
أسقتها الغمام ريّاً فلاحت ... في رداءٍ ومئزرٍ ووشاح
أم جفته فصيّرته هشيماً ... تركته تذروه هوج الرياح
يا زماني بالحاجبيّة إنّي ... لست من سكر ما سقيت بصاحي
آه ممّا لقيت بعدك من هـ ... مّ وشوقٍ وغربةٍ وانتزاح
أين قومٌ ألفتهم فيك لمّا ... قرّب الدهر آذنوا بالرّواح
تركوني أسير وجدٍ وشوقٍ ... ما لقلبي من الجوى من سراح
أسلموني للويل حتى تولوا ... وأصاخوا ظلماً لقول اللّواحي
أعرضوا ثمّ عرّضوني لشوقٍ ... ترك القلب مثخناً بجراح
أسهر الليل لست أغفي لصبحٍ ... أترى النوم ذاهباً بالصباح
قد بدا يظهر النّجوم حليّاً ... وهو من لبسة الصبا في براح
مسبلاً ستره منعّم بالٍ ... وجفوني من سهده في كفاح
أيها الليل لا تؤمّل خلوداً ... عن قريبٍ يمحو ظلامك ماح
ويلوح الصباح مشرق نورٍ ... فيه للمستهام بدء نجاح
إنّ يوم الفراق بدّد شملي ... طائراً ليته بغير جناح
حالك اللّون شبه لونك فاعزب ... عن عياني يا شبه طير انتزاح
стр. 1018
وإذا ما بدا الصباح فما يش ... به إلاّ لون الخدود الملاح وقلت بالجزيرة الخضراء:
قد رفعت راية الصّباح ... تدعو النّدامى للاصطباح
فبادروا للصّبوح إنّي ... قد بعت في غيّه صلاحي
ولا تميلوا عن رشف ثغرٍ ... وسمع شدوٍ وشرب راح
وأنت يا من يروم نصحي ... قد يئس القوم من فلاحي
فلست أصغي إلى نصيحٍ ... ما نهضت بالكؤوس راحي قال: وقلت أمدح ملك إفريقية وأهنئه بقتل ثائر من زناتة يدّعي أنه من نسل يعقوب المنصور:
برّح بي من ليس عنه براح ... ومن رأى قتلي حلالاً مباح
من صرّح الدمع (١) بحبّي له ... وما لقلبي عن هواه سراح
ظبيٌ عدمت الصبح مذ صدّني ... وكيف لا يعدم وهو الصباح
مورّد الخدّ سهيّ اللّمى ... منعّم الرّدف جديب الوشاح
تظنه من قلبه جلمداً ... ومنه للماء يجفني انسياح
لردفه أضعف من صبّه ... ولم أزل من لحظه في كفاح
نشوان من ريقته عربدت ... أجفانه بالمرهفات الصّفاح
فها أنيني خافتٌ مثل ما ... أنا أسيرٌ مثخنٌ بالجراح
يا قاتلي صدّاً أما تستحي ... أن تلزم البخل بأرض السّماح (٢)
من ذا الذي يبخل في تونسٍ ... والملح فيها صار عذباً قراح
وأصبحت أرجاءها جنّةً ... مبيضّة الأبراج خضر البطاح
стр. 1019
لولا ندى يحيى وتدبيره ... ما برحت تغبرّ منها النّواح
لكن يداه سحبٌ كلّما ... حلّت بأرضٍ حلّ فيها النجاح
هذا وقد آمن من حلّها ... وحفّها، من غربة وانتزاح
كم شتّتوا من قبل تأميره ... وحكّمت فيهم عوالي الرماح
يا سائراً يرجو بلوغ المنى ... باكرا ذرا يحيى وقل لا رواح
وحيّه بالمدح فهو الذي ... يهتزّ كالهنديّ حين امتداح
بالشرق والغرب غدا ذكره ... يحثّ من حمدٍ وشكرٍ جناح
ساعده السعد وأضحت له ال ... آمال لا تجري بغير اقتراح
ويسّر الله له ملكه ... من غير أن يشهر فيه السلاح
وكلّ من كان على غيره ... ذا منعةٍ أمسى به مستباح
وكم جموحٍ عندما قام بالأم ... ر رأى القهر فخلّى الجماح
كفٌّ بكفٍّ للنّدى والردى ... بها معانٌ وهي خرسٌ فصاح
حتى لقد أحسب من سعده ... تجري على ما ترتضيه الرياح
قولوا ليعقوب فماذا جنى ... وابن أبي حمزة ماذا استباح
قد أصبحا من فوق جذعين لا ... يؤنسهم غير هبوب الرياح
واسأل عن الداعي والدعيّ الذي ... حاول أمراً كان عنه انضراح
أكان من صيّره والداً ... بزعمه أمّل فيه فلاح
شكراً لسعدٍ لم يدع فرقةً ... قد صيّر الملك كضرب القداح
راموا بلا جاهٍ ولا محتدٍ ... ما حزت بالحقّ فكان افتضاح
زناتةٌ يهنيكم فعلكم ... عاجلكم ثائركم باجتياح
كفّر ما قدّمتم آخرٌ (١) ... والخير لن يبرح للشرّ ماح
عهدي به في موكب الملك ما ... بينكم نشوان من غير راح
стр. 1020
يحسب أنّ الأرض ملكٌ له ... وروحه ملكٌ لسمر الرماح
غدا بعزّ الملك لكنّه ... أهون مملوكٍ على الأرض راح
جاءوا به يمرح في عزّه ... وهم أزالوا عنه ذاك المراح
توقّعوا في القرب منه الردى: ... من صحبة الأجرب يخشى الصّحاح
فأسرعوا نحوك يبغون ما ... عوّدتهم من عطفةٍ والتماح
فغادروه جانياً غدره ... لطائر البين عليه نياح
فالحمد لله على كلّ ما ... سنّى لك السعد برغم اللّواح
مثلك لا ينفد ما شاده (١) ... فلست تأتي الدهر إلاّ صلاح
لا زلت في عزٍّ وفي مكنةٍ ... وفي سرورٍ دائمٍ وانفساح قال: وقلت ببنيونش موضع الفرجة بسبتة:
اشرب على بنيونشٍ ... بين السواني والبطاح
مع فتيةٍ مثل النجو ... م لهم إذا مرّوا جماح
ساقيهم متبذّلٌ ... لا يمنع الماء القراح
كلٌّ يمدّ يمينه ... ما في الذي يأتي جناح
هبّوا عليه كلّما ... هبّت على الروض الرياح
طوع الأماني كلّ ما ... يأتي به فهو اقتراح
عانقته حتّى ترك ... ت بخصره أثر الوشاح وقلت بإشبيلية:
أوجه صبحٍ أم الصّباح ... ولحظها أن ظبى الصّفاح
وثغرها أم نظيم درٍّ ... وريقها أم سلاف راح
وقدّها أم قوام غصنٍ ... وعرفها أم شذا البطاح