← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ومن فوائد الرضيّ الشاطبيّ المذكور ما ذكره أبو حيّان في البحر قال: وهو من غريب ما أنشدنا الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمّد بن علي ابن يوسف الأنصاري الشاطبي لزينب بنت إسحاق النصراني الرّسعني: عديّ وتيم لا أحاول ذكرهم ... بسوء، ولكنّي محبٌّ لهاشم وما يعتريني في عليّ ورهطه ... إذا ذكروا في الله لومة لائم يقولون: ما بال النصارى تحبّهم ... وأهل النّهى من أعربٍ وأعاجم فقلت لهم: إنّي لأحسب حبّهم ... سرى في قلوب الخلق حتى البهائم ومن نظم الرضي المذكور: منغّص العيش لا يأوي إلى دعةٍ ... من كان ذا بلدٍ أو كان ذا ولد والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى بلادٍ ولم يسكن إلى أحد وله: لولا بناتي وسيّئاتي ... لطرت شوقاً إلى الممات لأنني في جوار قومٍ ... بغّضني قربهم حياتي وقرأ عليه أبو حيان كتاب التيسير وأثنى عليه، ولمّا توفّي أنشد ارتجالاً: نعوا لي الرضيّ فقلت لقد ... نعي لي شيخ العلا والأدب فمن للّغات للثّقات ... ومن للنحاة ومن للنسب لقد كان للعلم بحراً فغار ... وإنّ غؤور البحار العجب فقدّس من عالمٍ عاملٍ ... أثار لشجوي لمّا ذهب وتحاكم إلى رضي الدين المذكور الجزّار والسّراج والورّاق أيّهما أشعر، وأرسل إليه الجزار شيئاً، فقال: هذا شعر جزلٌ، من نمط شعر العرب، فبلغ ذلك الورّاق، فأرسل إليه شيئاً فقال: هذا شعر سلس، وآخر الأمر قال:

стр. 1087

ما أحكم بينكما، رحمه الله تعالى. قلت: رأيت بخطّه كتباً كثيرة بمصر وحواشي مفيدة في اللّغة وعلى دواوين العرب، رحمه الله تعالى. ١٧٠ - ومنهم حميد الزاهد، وهو الأديب الفاضل الزاهد أبو بكر حميد ابن أبي محمد عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله، الأنصاري، القرطبي، نزيل مالقة (١) . قال الرضي الشاطبي المذكور قريباً: أنشدني حميدٌ بالقاهرة لأبيه أبي محمد وقد تأخّر شبيه مع علوّ سنّه (٢) : وهل نافعي أن أخطأ الشّيب مفرقي ... وقد شاب أترابي وشاب لداتي إذا كان خطّ الشيب يوجد عينه ... بتربي فمعناه يقوم بذاتي واللّدات: من ولد معه في زمان واحد، انتهى. وفي ذكري أنّه قال هذين البيتين لما قال له القاضي عياض: شبنا ولم تشب. وقال الرضيّ أيضاً: أنشدني حميدٌ لأبيه فيمن يكتب في الورق بالمقص، وهو غريب: وكاتبٍ وشي طرسه حبرٌ ... لم يشها حبره ولا قلمه لكن بمقراضه ينمنمها ... نمنمة الروض جاده رهمه يوجد بالقطع أحرفاً عدمت ... فاعجب لشيء وجوده عدمه والرهم: المطر.

стр. 1088

قال: وتوفّي حميد الزاهد هذا بمصر، قبيل الظهر من يوم الثلاثاء، وصلّي عليه خارج مصر بجامع راشدة بعد صلاة العصر من يوم الثلاثاء المذكور، ودفن بسفح المقطّم بتربة الشيخ الفاضل الزاهد أبي بكر محمد الخزرجي الذي يدق الرصاص، حذاء رجليه، في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ومولده سنة ست وستمائة، انتهى. ١٧١ - ومنهم اليسع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع بن عبد الله الغافقي (١) من أهل بلنسية وأصله من جيّان، وسكن المريّة ثم مالقة، يكنى أبا يحيى، كتب لبعض الأمراء بشرقي الأندلس (٢) ، وله تأليف سمّاه المعرب في أخبار محاسن أهل المغرب، جمعه للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالديار المصرية بعد أن رحل إليها من الأندلس سنة ستين وخمسمائة، وبها توفّي يوم الخميس التاسع عشر من رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. ١٧٢ - ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد التجيبي، يكنى أبا عبد الله، من أهل إشبيلية (٣) ، تجول في بلاد الأندلس طالباً للعلم، ثمّ حج، ولقي الحافظ السّلفي وغيره، واستوطن تلمسان، وبها توفّي في جمادى الأولى سنة عشر وستمائة، وله تواليف كثيرة. ١٧٣ - ومنهم أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك، اللّخمي، الباجي (٤) ،

стр. 1089

من أهل إشبيلية، ولي القضاء بها وأصله من باجة إفريقية، دخل المشرق لأداء الفريضة فحج، وتوفّي بمصر بعدما دخل الشام، في اليوم الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة، ومولده عام أربعة وستين وخمسمائة، وكانت رحلته من المغرب أول يوم من المحرم عام أربعة وثلاثين وستمائة. ١٧٤ - ومنهم وليد بن بكر بن مخلد بن زياد العمري من أهل سرقسطة، يكنى أبا العباس، له كتاب سمّاه " الوجازة في صحة القول بالإجازة " وله رحلة لقي فيها ألف شيخ ومحدث وفقيه، توفّي بالدينور سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، يروي عنه أبو ذر الهروي وعبد الغني الحافظ، وكفاه فخراً بهذين الإمامين العظيمين، رحم الله تعالى الجميع. ١٧٥ - ومنهم عيسى بن سليمان بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الرّعيني الرّندي، يكنى أبا محمد، استوطن مالقة، ورحل إلى المشرق، وحج، ولقي جماعة من العلماء، وقفل إلى المغرب أواخر عام واحد وثلاثين وستمائة، وولي الإمامة بالمسجد الجامع بمالقة، وبها توفّي في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ولقب في المشرق برشيد الدين، وولد في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بقرية من قرى الأندلس يقال لها يلمالتين كورة

стр. 1090

بشتغير، ذكر ذلك ابن المستوفي في تاريخ إربل. ١٧٦ - ومنهم أبو الربيع سليمان بن أحمد، الينيني (١) ، من أهل الأندلس، استوطن المشرق ومدح الملك الكامل، ومن شعره رحمه الله تعالى قوله: لولا تحدّيه بآية سحره ... ما كنت ممتثلاً شريعة أمره رشأ أصدّقه وكاذب وعده ... يبدي لعاشقه أدلّة عذره ظهرت نبوّة حسنه في فترةٍ ... من جفنه وضلالةٍ من شعره ١٧٧ - ومنهم أبو جعفر أحمد بن يحيى الضبي (٢) ، رحل حاجّاً فلقي ببجاية عبد الحق الإشبيلي، وبالإسكندرية أبا الطاهر ابن عوف، ولقي غير واحد في رحلته كالفرنوي (٣) وان بري (٤) وأبي الثناء الحراني وأبي الحسين الحديثي (٥) - وللحديثي أحاديث ساوى بها البخاري ومسلماً - ولقي جماعة ممّن شارك السّلفي في شيوخه. ١٧٨ - ومنهم أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير، الكناني صاحب الرحلة (٦) ، وهو من ولد ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، أندلسي،

стр. 1091

شاطبي، بلنسي، مولده ليلة السبت عاشر ربيع الأول سنة أربعين وخمسمائة ببلنسية، وقيل في مولده غير ذلك، وسمع من أبيه بشاطبة ومن أبي عبد الله الأصيلي وأبي الحسن ابن أبي العيشي، وأخذ عنه القراءات، وعني بالأدب فبلغ الغاية فيه، وتقدم في صناعة القريض والكتابة. ومن شعره قوله، وقد دخل إلى بغداد فاقتطع غصناً نضيراً من أحد بساتينها فذوى في يده: لا تغترب عن وطنٍ ... واذكر تصاريف النّوى أما ترى الغصن إذا ... ما فارق الأصل ذوى وقال رحمه الله تعالى يخاطب الصدر الخجندي (١) : يا من حواه الدين في عصره ... صدراً يحلّ العلم منه فؤاد ماذا يرى سيّدنا المرتضى ... في زائرٍ يخطب منه الوداد لا يبتغي منه سوى أحرفٍ ... يعتدّها أشرف ذخر يفاد ترسمها أنمله مثل ما ... نمّق زهر الروض كفّ العهاد في رقعةٍ كالصبح أهدى لها ... يد المعالي مسك ليل المداد إجازةً يورثنيها العلا ... جائزةً تبقى وتفنى البلاد يستصحب الشكر خديماً لها ... والشكر للأمجاد أسنى عتاد فأجابه الصدر الخجندي: لك الله من خاطبٍ خلّتي ... ومن قابسٍ يجتدي سقط زندي أجزت له ما أجازوه لي ... وما حدّثوه وما صحّ عندي وكاتب هذي السّطور الّتي ... تراهنّ عبد اللطيف الخجندي

стр. 1092

١٧٩ - ورافق ابن جبير في هذه الرحلة أبو جعفر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن القضاعي، وأصله من أندة من بلنسية (١) ، رحل معه فأدّيا الفريضة، وسمعا بدمشق من أبي الطاهر الخشوعي، وأجاز لهما أبو محمد ابن أبي عصرون وأبو محمد القاسم بن عساكر وغيرهما، ودخلا بغداد وتجولا مدّة، ثمّ قفلا جميعاً إلى المغرب، فسمع منهما به بعض ما كان عندهما. وكان أبو جعفر هذا متحقّقاً بعلم الطب، وله فيه تقييد مفيد، مع المشاركة الكاملة في فنون العلم. وكتب عن السيد أبي سعيد ابن عبد المؤمن، وجدّه لأمّه القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية. وتوفّي أبو جعفر هذا بمرّاكش سنة ثمان، أو تسع وتسعين وخمسمائة، ولم يبلغ الخمسين في سنه، رحمه الله تعالى. رجع إلى ابن جبير قال لسان الدين في حقّه: إنّه من علماء الأندلس بالفقه والحديث والمشاركة في الآداب، وله الرحلة المشهورة، واشتهرت في السلطان الناصر صلاح الدين ابن أيوب له قصيدتان: إحداهما أولها (٢) : أطلّت على أفقك الزّاهر ... سعودٌ من الفلك الدائر ومنها: رفعت مغارم مكس الحجاز ... بإنعامك الشامل الغامر وأمّنت أكناف تلك البلاد ... فهان السبيل على العابر وسحب أياديك فيّاضةٌ ... على واردٍ وعلى صادر فكم لك بالشرق من حامدٍ ... وكم لك بالغرب من شاكر

стр. 1093

والأخرى منها في الشكوى من ابن شكر الذي كان أخذ المكس من الناس في الحجاز (١) : وما نال الحجاز بكم صلاحاً ... وقد نالته مصرٌ والشآم ومن شعره: أخلاّء هذا الزّمان الخؤون ... توالت عليهم حروف العلل قضيت التعجّب من بابهم ... فصرت أطالع باب البدل وقوله (٢) : غريبٌ تذكّر أوطانه ... فهيّج بالذكر أشجانه يحلّ عرى صبره بالأسى (٣) ... ويعقد بالنجم أجفانه وقال رحمه الله تعالى، لمّا رأى البيت الحرام زاده الله شرفاً: بدت لي أعلام بيت الهدى ... بمكّة والنور بادٍ عليه فأحرمت شوقاً له بالهوى ... وأهديت قلبي هديّاً إليه وقوله يخاطب من أهدى إليه موزاً (٤) : يا مهدي الموز تبقى ... وميمه لك فاء وزايه عن قريب ... لمن يعاديك تاء

стр. 1094

وقال رحمه الله تعالى: قد ظهرت في عصرنا فرقةٌ ... ظهورها شؤمٌ على العصر لا تقتدي في الدين إلا بما ... سنّ ابن سينا وأبو نصر وقال: يا وحشة الإسلام من فرقةٍ ... شاغلةٍ أنفسها بالسّفه قد نبذت دين الهدى خلفها ... وادّعت الحكمة والفلسفه وقال: ضلّت بأفعالها الشنيعه ... طائفةٌ عن هدى الشّريعه ليست ترى فاعلاً حكيماً ... يفعل شيئاً سوى الطبيعه كان انفصاله، رحمه الله تعالى، من غرناطة بقصد الرحلة المشرقية أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال سنة ٥٧٨، ووصل الإسكندريّة يوم السبت التاسع والعشرين من ذي القعدة الحرام من السنة، فكانت إقامته على متن البحر من الأندلس إلى الإسكندرية ثلاثين يوماً، ونزل البر الإسكندراني في الحادي والثلاثين، وحجّ، رحمه الله تعالى، وتجوّل في البلاد ودخلا لشام والعراق والجزيرة وغيرها، وكان، رحمه الله تعالى، كما قال ابن الرقيق: من أعلام العلاء العارفين بالله، كتب في أول أمره عن السيد أبي سعيد ابن عبد المؤمن صاحب غرناطة، فاستدعاه لأن يكتب عنه كتاباً وهو على شرابه، فمدّ يده إليه بكأس، فأظهر الانقباض، وقال: يا سيدي ما شربها قط، فقال: والله لتشربنّ منها سبعاً، فلمّا رأى العزيمة شرب سبع أكؤس، فملأ له السيد الكأس من دنانير سبع مرات وصبّ ذلك في حجره، فحمله إلى منزله وأضمر أن يجعل كفرة شربه الحج بتلك الدنانير، ثم رغب إلى السيد، وأعلمه أنّه حلف

стр. 1095

بأيمان لا خروج له عنها أنّه يحج في تلك السنة، فأسعفه، وباع ملكاً له تزود به، وأنفق تلك الدنانيرفي سبيل البر. ومن شعره في جارية تركها بغرناطة (١) : طول اغترابٍ وبرح شوقٍ ... لا صبر والله لي عليه إليك أشكو الذي ألاقي ... يا خير من يشتكى إليه ولي بغرناطةٍ حبيبٌ ... قد غلق الرهن في يديه ودّعته وهو في دلالٍ (٢) ... يظهر لي بعض ما لديه فلو ترى طلّ نرجسيه ... ينهلّ في ورد وجنتيه (٣) أبصرت درّاً على عقيقٍ ... من دمعه فوق صفحتيه (٤) وله رحلة مشهورة بأيدي الناس. ولمّا وصل بغداد تذكر بلده، فقال: سقى الله باب الطاق صوب غمامة ... وردّ إلى الأوطان كلّ غريب وقال في رحلته في حق دمشق (٥) : جنّة المشرق، ومطلع حسنه المونق المشرق، هي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها، قد تحلّت بأزاهير الرياحين، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين، وحلّت من موضع (٦) الحسن بمكان مكين، وتزينت في منصّتها أجمل تزيين، وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمّه منها إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين، ظلّ ظليل، وماء

стр. 1096

سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بنجتلى صقيل، وتناديهم هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل، قد سئمت أرضها كثرة الما، حتى اشتاقت إلى الظّما، فتكاد تناديك بها الصّمّ الصلاب، " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " قد أحدقت بها البساتين إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر، وامتدّت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكلّ موقع لحظة بجهاتها الأربع نظرته اليانعة قيد النظر، ولله صدق القائلين فيها: إن كانت الجنّة في الأرض فدمشق لا شكّ فيها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها. قال العلامة ابن جابر الوادي آشي، بعد ذكره وصف ابن جبير لدمشق، ما نصّه: ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد وتوّق الأنفس للتطلّع على صورتها بما أفاد، هذا ولم تكن له بها إقامة، فيعرب عنها بحقيقة علامة، وما وصف ذهبيّات أصيلها وقد حان من الشمس غروب، ولا أزمان فصولها المتنوعات، ولا أوقات سرورها المهنئات، ولقد أنصف من قال: ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، انتهى. رجع إلى كلام ابن جبير فنقول: ثمّ ذكر في وصف الجامع (١) أنّه من أشهر جوامع الإسلام حسناً، وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين، وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه، ومن عجيب شأنه أنّه لا تنسج به العنكبوت، ولا تدخله، ولا تلمّ به الطير المعروفة بالخطاف. ثمّ مدّ النّفس في وصفه الجامع وما به من العجائب، ثمّ قال بعد عدة أوراق ما نصه (٢) : وعن يمين الخارج من باب

стр. 1097

جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفرٍ، وفتحت أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار، دبرت تدبيراً هندسيّاً، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازيين يمدّان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعةٍ بتدبير عجيب تتخيّله الأوهام سحراً، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصّفر، لا يزال كذلك عند انقضاء كل ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلّها وتنقضي الساعات، ثم تعود إلى حالها الأول، ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبر ذلك كلّه منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمّ الزجاجة ضوء المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاعها فلاحت للأبصار دائرة محمرّة، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتمحرّ الدوائر كلّها، وقد وكّل بها في الغرفة متفقّد لحالها، دربٌ بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصرف السنج إلى موضعها، وهي التي تسميها الناس المنجانة، انتهى المقصود منه. قلت: كل ما ذكر رحمه الله تعالى في وصف دمشق الشام وأهلها فهو في نفس الأمر يسير، ومن ذا يروم عدّ محاسنها التي إذا رجع البصر فيها انقلب وهو حسير، وقد أطنب الناس فيها، وما بقي أكثر ممّا ذكروه، وقد دخلتها أواخر شعبان من سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة، وأقمت بها إلى أوائل شوّال من السنة، وارتحلت عنها إلى مصر وقد تركت القلب فيها رهناً، وملك هواها

стр. 1098

مني فكراً وذهناً، فكأنّها بلدي التي بها ربيت، وقراري الذي لي به أهل وبيت، لأن أهلها عاملوني بما ليس [لي] بشكره يدان، وها أنا إلى هذا التاريخ لا أرتاح لغيرها من البلدان، ولا يشوقني ذكر أرض بابل ولا بغدان، فالله يعطّر منها بالعافية الأردان. [أشعار في وصف دمشق] وقد عنّ لي أن أذكر جملة ممّا قيل فيها من الأمداح الرائقة، وأسرد ما خاطبني به أهلها من القصائد الفائقة، فأقول: قال البدر بن حبيب (١) : يمّم دمشق ومل إلى غربيّها ... والمح محاسن حسن جامع يلبغا من قال من حسدٍ رأيت نظيره ... بين الجوامع في البلاد فقد لغا وقال ﵀: لله ما أحلى محاسن جلّقٍ ... وجهاتها اللآتي تروق وتعذب بيزيد ربوتها الفرات وجنكها ... يا صاح كم كنّا نخوض ونلعب وقال في كتاب شنف السامع بوصف الجامع " (٢) : لله ما أجمل وصف جلّقٍ ... وما حوى جامعها المنفرد

стр. 1099

قد أطرب الناس بصوت صيته ... وكيف لا يطرب وهو معبد وقال في ذكر باب الجامع المعروف بالزيادة (١) : يا راغباً في غير جامع جلّقٍ ... هل يستوي الممنوع والممنوح أقصر عناك وفي غلّوك لا تزد ... إنّ الزيادة بابها مفتوح وقال في منارته المعروفة بالعروس (٢) : معبد الشام يجمع الناس طرّاً ... وإليه شوقاً تميل النفوس كيف لا يجمع الورى وهو بيتٌ ... فيه تجلى على الدوام العروس ومنه في ذكر بانيه الوليد: تالله ما كان الوليد عابثاً ... في صرفه المال وبذل جهده لكنّه أحرز ملك معبدٍ ... لا ينبغي لأحدٍ من بعده ومن أبيات في آخره: بجامع جلّقٍ ربّ الزعامه ... أقم تلق العناية والكرامه ويمم نحوه في كلّ وقتٍ ... وصلّ به تصل دار الإقامه مصلّى فيه للرحمن سرُّ ... ومثوىً للقبول به علامه محلٌّ كمّل الباري حلاه ... وبيتٌ أبدع الباني نظامه دمشقٌ لم تزل للشام وجهاً ... ومسجدها لوجه الشام شامه وبين معابد الآفاق طرّاً ... له أمر الإمارة والإمامه أدام الله بهجته وأبقى ... محاسنه إلى يوم القيامه

стр. 1100

ولم أقف على كل هذا الكتاب المذكور، بل على بعضه فقط. ومن قصيدة القاضي المهذّب بن الزبير (١) : بالله يا ريح الشّما ... ل إذا اشتملت الرّند (٢) بردا وحملت من عرف (٣) الخزا ... مى ما اغتدى للنّد ندّا ونسجت ما بين الغصو ... ن إذا عتنقن (٤) هوىً وودّا وهززت عند الصبح من ... أعطافها قدّاً فقدّا ونثرت فوق الماء من ... أجيادها للزهر عقدا فملأت صفحة وجهه ... حتّى اكتسى آساً ووردا وكأنّما ألقيت في ... هـ منهما صدغاً وخدّا مرّي على بردى عسا ... هـ يزيد في مسراك بردا نهرٌ كنصل السيف تك ... سر متنه الأزهار عمدا صقلته أنفاس النّسي ... م بمرهنّ فليس يصدا ومنها: أحبابنا ما بالكم ... فينا من الأعداء أعدى وحياة حبّكم وحر ... مة وصلكم ما خنت عهدا

стр. 1101

وقال الكمال الشّريشي (١) : يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر ... فإن قلبي بنار الشوق يستعر بعدت عنكم فلا والله بعدكم ... ما لذّ للعين لا نومٌ ولا سهر إذا تذكرت أوقاتاً نأت ومضت ... بقربكم كادت الأحشاء تنفطر كأنّني لم أكن بالنيربين (٢) ضحى ... والغيم يبكي ومنه يضحك الزهر (٣) والورق تنشد والأغصان راقصةٌ ... والدّوح يطرب بالتصفيق والنهر والسفح أين عشيّاتي التي ذهبت (٤) ... لي فيه فهي لعمري عندي العمر سقاك بالسفح (٥) سفح الدمع منهمراً (٦) ... وقلّ ذاك له إن أعوز المطر وحكى ابن سعيد وغيره أن غرناطة تسمى دمشق الأندلس لسكنى أهل دمشق الشام بها عند دخولهم الأندلس، وقد شبهوها بها لمّا رأوها كثيرة المياه والأشجار، وقد أطلّ عليها جبل الثلج، وفي ذلك يقول ابن جبير صاحب الرحلة: يا دمشق الغرب هاتي ... ك لقد زدت عليها تحتك الأنهار تجري ... وهي تنصبّ إليها قال ابن سعيد: أشار ابن جبير إلى أن غرناطة في مكانٍ مشرف وغوطتها

стр. 1102

تحتها تجري فيها الأنهار، ودمشق في وهدة تنصبّ إليها الأنهار، وقد قال الله تعالى في وصف الجنّة " تجري من تحتها الأنهار " انتهى. وقال الشيخ الصفدي في تذكرته: أنشدني المولى الفاضل البارع شمس الدين محمد بن يوسف بن عبد الله الخياط بقلعة الجبل من الديار المصرية حرسها الله تعالى لنفسه في شعبان المكرم سنة ٧٣٢ (١) : قصدت مصراً من ربى جلّقٍ ... بهمّةٍ تجري بتجريبي فلم أر الطّرّة حتى جرت ... دموع عيني بالمزيريب (٢) وأنشدني لنفسه أيضاً: خلّفت بالشام حبيبي وقد ... يمّمت مصراً لعناً طارق والأرض قد طالت فلا تبعدي ... بالله يا مصر على العاشق (٣) وأنشدني لنفسه أيضاً: يا أهل مصر أنتم للعلا ... كواكب الإحسان والفضل لو لم تكونوا لي سعوداً لما ... وافيتكم أضرب في الرمل وذكرته برمّته لحسن مغزاه. وقال الشيخ مجد الدين محمد بن أحمد المعروف بابن الظّهير الحنفي الإربلي (٤) :

стр. 1103

لعلّ سنا برق الحمى يتألّق ... على النأي أو طيفاً لأسماء يطرق فلا نارها تبدو لمرتقبٍ ولا ... عود الأمانيّ الكواذب تصدق لعلّ الرياح تدني لنازحٍ ... من الشام عرفاً كاللطيمة يعبق ديارٌ قضينا العيش فيها منعّماً ... وأيامنا تحنو علينا وتشفق سحبنا بها برد الشباب وشربنا ... لدينا كما شئنا لذيذٌ مروّق (١) مواطن منها السهم سهمي وظلّه ... تخبّ مطايا اللهو فيه وتعنق (٢) كلا (٣) جانبيه معلمٌ متجعدٌ ... من الماء في أطلاله يتدفّق إذا الشمس حلّت متنه فهو مذهبٌ ... وإن حجبتها دوحه فهو أزرق وإن فرج الأوراق جادت بنورها ... فرقمٌ أجادته الأكفّ منمّق يطلّ عليه قاسيون كأنّه ... غمامٌ معلّى أن نعامٌ معلّق تسافر عنه الشمس قبل غروبها ... وترجف إجلالاً له حين تشرق وتصفرّ من قبل الأصيل كأنّها ... محبٌّ من البين المشتّت مشفق وفي النّيرب الميمون (٤) للّبّ سالبٌ ... من المنظر الزاهي وللطرف مومق (٥) بدائع من صنع القديم ومحدثٌ ... تأنّق فيها المحدث المتأنّق رياض كموشيّ البرود يشقّها (٦) ... جداوله، فالنّور بالماء يشرق فمن نرجسٍ يخشى فراق فريقه ... ترى الدمع في أجفانه يترقرق

стр. 1104

ومن كلّ ريحانٍ مقيمٍ وزائرٍ ... يصافح ريّاه الرياض (١) فتعبق كأن قدود السّرو فيه موائساً ... قدود عذارى ميلها مترفق إذا ما تدلّت للشّقائق صدّها ... عيونٌ من النّور المفتّح ترمق وقصرٌ يكلّ الطرف عنه كأنّه ... إلى النّسر نسرٌ في السّماء معلّق وكم جدولٍ جارٍ يطارد جدولاً ... وكم جوسقٍ عالٍ يوازيه جوسق وكم بركةٍ فيها تضاحك بركةً ... وكم قسطلٍ للماء فيه تدفّق (٢) وكم منزلٍ يعشي العيون كأنّما ... تألّق فيها بارقٌ يتألّق وفي الربوة الفيحاء (٣) للقلب جاذبٌ ... وللهمّ مسلاةٌ وللعين مرمق عروسٌ جلاها الدهر فوق منصّةٍ ... من الدهر والأبصار ترمي وترمق فهام بها الوادي ففاضت عيونه ... فكلّ قرارٍ منه بالدمع يشرق تكفّل من دون الجداول شربها ... يزيد يصفّيه لها ويروّق وقال أبو تمام في دمشق (٤) : لولا حدائقها وأنّي لا أرى ... عرشاً هناك ظننتها بلقيسا وأرى الزّمان غدا عليك بوجهه ... جذلان بسّاماً وكان عبوسا قد بوركت تلك البطون وقد سمت ... تلك الظهور وقدّست تقديسا وقال البحتري (٥) : أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها ... وقد وفى لك مطريها بما وعدا

стр. 1105

إذا أردت ملأت العين من بلدٍ ... مستحسنٍ وزمانٍ يشبه البلدا تمشي السّحاب على أجبالها فرقاً ... ويصبح النّور في صحرائها بددا فلست تبصر إلاّ واكفاً خضلاً ... أو يانعاً خضراً أو طائراً غردا كأنّما القيظ ولّى بعد جيئته ... أو الربيع دنا من بعد ما بعدا وفي دمشق يقول بعضهم: برزت دمشق لزائري أوطانها ... من كلّ ناحيةٍ بوجهٍ أزهر لو أن إنساناً تعمّد أن يرى ... مغنىً خلا من نزهةٍ لم يقدر وقال القيراطي في قصيدته التي أولها (١) : للصّبّ بعدك حالة لا تعجب ... لله ليلٌ كالنّهار قطعته ... بالوصل لا أخشى به ما يرهب وركبت منه إلى التصابي أدهماً ... من قبل أن يبدو لصبح أشهب أيام لا ماء الخدود يشوبه ... كدر العذار ولا عذاري أشيب كم في مجال اللهو لي من جولةٍ ... أضحت ترقّص بالسماع وتطرب وأقمت للندماء سوق خلاعةٍ ... تجبى المجون إليّ فيه وتجلب وذكرت في مغنى دمشقٍ معشراً ... أمّ الزمان بمثلهم لا تنجب لا يسأل القصّاد عن ناديهم ... لكن يدلّهم الثناء الطّيب قومٌ بحسن صفاتهم وفعالهم ... قد جاء يعتذر الزمان المذنب

стр. 1106

يا من لحرّان الفؤاد وطرفه ... بدمشق أدمعه غدت تتحلب أشتاق في وادي دمشق معهداً ... كلّ الجمال إلى حماه ينسب ما فيه إلا روضةٌ أو جوسقٌ ... أو جدولٌ أو بلبلٌ أو ربرب وكأنّ ذاك النهر فيه معصمٌ ... بيد النسيم منقّشٌ ومكتّب وإذا تكسر ماؤه أبصرته ... في الحال بين رياضه يتشعّب وشدت على العيدان ورقٌ أطربت ... بغنائها من غاب عنه المطرب فالورق تنشد والنسيم مشبّبٌ ... والنهر يسقي والحدائق تشرب وضياعها ضاع النسيم بها فكم ... أضحى له من بين روضٍ مطلب وحلت بقلبي من عساكر جنّةٍ ... فيها لأرباب الخلاعة ملعب ولكم رقصت على السماع بجنكها ... وغدا بربوتها اللسان يشبّب فمتى أزور معالماً أبوابها ... بسماحها كتب السّماح تبوّب وقال الصّفي الحلّي عند نزوله بدمشق مسمطاً لقصيدة السموأل بالحماسة (١) : قبيحٌ بمن ضاقت عن الرّزق أرضه ... وطول الفلا رحبٌ لديه وعرضه ... ولم يبل سربال الدجى فيه ركضه ... إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل إذا المرء لم يحجب عن العين نومها ... ويغل من النفس النفيسة سومها ... أضيع ولم تأمن معاليه لمها ... وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثّناء سبيل

стр. 1107

رفعنا على هام السّماك محلّنا ... فلا ملكٌ إلاّ تغشّاه ظلّنا ... لقد هاب جيش الأكثرين أقلّنا ... ولا قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شبابٌ تسامى للعلا وكهولُ يوازي الجبال الراسيات وقارنا ... وتبنى على هام المجرّة دارنا ... ويأمن من صرف الزّمان جوارنا ... وما ضرّنا أنّا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل ولمّا حللنا الشام تمّت أموره ... لنا وحبانا ملكه ووزيره ... وبالنّيرب الأعلى الذي عزّ طوره ... لنا جبلٌ يحتل من نجيره ... منيعٌ يردّ الطرف وهو كليل يريك الثريا من خلال شعابه ... وتحدق شهب الأفق حول هضابه ... ويقصر خطو السّحب دون ارتكابه ... رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرعٌ لا ينال طويل وقصرٍ على الشقراء قد فاض نهره ... وفاق على فخر الكواكب فخره ... وقد شاع ما بين البريّة شكره ... هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره ... يعزّ على من رامه ويطول

стр. 1108

إذا ما غضبنا في رضا المجد غضبةً ... لندرك ثأراً أو لنبلغ رتبةً ... نزيد غدة الكرّ في الموت رغبةً ... وإنا لقومٌ لا نرى الموت سبّةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول وكتب الشيخ محب الدين الحموي في ترجمة الشيخ (١) إسماعيل النابلسي شيخ الإسلام من مصر (٢) : لواء التّهاني بالمسرّة يخفق ... وشمس المعالي في سما الفضل تشرق وسعدٌ وإقبالٌ ومجدٌ مخيّمٌ ... وأيّام عزّ بالوفا تتخلّق فيا أيّها المولى الذي جلّ قدره ... ويا أيّها الحبر اللبيب المدقّق أرى الشام مذ فارقتها زال نورها ... وثوب بهاها والنّضارة يخلق إذا غاب عنها غب عنها جمالها ... ونفسٌ بدون الروح لا تتحقّق وإن عدت فيها عاد كمالها ... وصار عليها من بهائك رونق فيا ساكني وادي دمشق مزاركم ... بعيدٌ وباب الوصل دوني مغلّق وليس على هذا النوى لي طاقةٌ ... فهل من قيود البين والبعد أطلق وإني إلى أخباركم متشوّفٌ ... وإني إلى لقياكم متشوّق أودّ إذا هبّ النسيم لنحوكم ... بأنّي في أذياله أتعلّق وأصبو لذكراكم إذا هبّت الصّبا ... لعلّي من أخباركم أتنشق

стр. 1109

ولي أنّةٌ أودت بجسمي ولوعةٌ ... ونار جوىً من حرّها أتفلّق فحنّوا على المضنى الذي ثوب صبره ... إذا مسّه ذيل الهوى يتمزّق غريبٌ بأقصى مصر أضحت دياره ... ولكنّ قلبي بالشآم معلّق وقد نسخ التبريح جسمي فهل إلى ... غبار ثرى أعتاب وصلٍ يحقّق فيا ليت شعري هل أفوز بروضةٍ ... وفيها عيون النرجس الغضّ تحدّق وأنظر واديها وآوي لربوةٍ ... وماءٍ معينٍ حولها يتدفّق ويحلو لي العيش الذي مرّ صفوه ... وهل عائدٌ ذاك النعيم المروّق وأنظر ذاك الجامع الفرد مرّةً ... وفي صحنه تلك الحلاوة تشرق وأصحابنا فيه نجومٌ زواهرٌ ... ونور محيّا وجههم يتألّق فلا برحوا في نعمةٍ وسعادةٍ ... وعزّ ومجدٍ شأوه ليس يلحق وقال ابن عنين (١) : ماذا على طيف الأحبّة لو سرى ... وعليهم لو ساعدوني (٢) بالكرى جنحوا إلى قول الوشاة وأعرضوا ... والله يعلم أنّ ذلك مفترى يا معرضاً عنّي بغير جنايةٍ ... إلا لما نقل العذول (٣) وزوّرا هبني أسأت كما تقول وتفتري ... وأتيت في حبّيك شيئاً منكرا ما بعد بعدك والصدود عقوبةٌ ... يا هاجري ما آن لي أن تغفرا لا تجمعنّ عليّ عتبك والنّوى ... حسب المحبّ عقوبةً أن يهجرا عبء الصدود أخفّ من عبء النّوى ... لو كان لي في الحبّ أن أتخيّرا فسقى دمشق ووادييها والحمى ... متواصل الأرهام (٤) منفصم العرى

стр. 1110

حتى ترى وجه الرياض بعارضٍ ... أحوى وفود الدّوح أزهر نيّرا تلك المنازل لا ملاعب عالجٍ ... ورمال كاظمةٍ ولا وادي القرى أرضٌ إذا مرّت بها ريح الصّبا ... حملت على الأغصان مسكاً أذفرا فارقتها لا عن رضاً وهجرتها ... لا عن قلىً ورحلت لا متخيّرا أسعى لرزقٍ في البلاد مشتّتٍ ... ومن العجائب (١) أن يكون مقتّرا [تعريف بابن عنين] وابن عنين المذكور كان هجّاء، وهو صاحب مقراض الأعراض تجاوز الله تعالى عنه، فمن ذلك قوله (٢) : أرح من نزح ماء البئر يوماً ... فقد أفضى إلى تعبٍ وعيّ مر القاضي بوضع يديه فيه ... وقد أضحى كرأس الدّولعيّ يعني أقرع؛ وسبب قوله البيتين أن المعظّم أمر بنزح ماء بقلعة دمشق، فأعياهم ذلك. ومن هجوه قوله (٣) : شكا شعري إليّ وقال تهجو ... بمثلي عرض ذا الكلب اللئيم فقلت له تسلّ فربّ نجمٍ ... هوى في إثر شيطانٍ رجيم وقال فيمن خرج حاجّاً فسقط عن الهجين فتخلف: إذا ما ذمّ فعل النّوق يوماً ... فإنّي شاكرٌ فعل النياق

стр. 1111

أراد الله بالحجّاج خيراً ... فثبّط عنهم أهل النفاق وقال: وراحلٍ سرت في ركبٍ أودعه ... تبارك الله ما أحلى تلاجينا (١) جئنا إلى بابه لاجين نسأله ... فليتنا عاقنا موتٌ ولا جينا راجين نسأل ميتاً لا حراك به ... مثل النصارى إلى الأصنام لاجينا وقال: وصلت منك رقعةٌ أسأمتني ... صيّرت صبري الجميل قليلا كنهار المصيف حرّاً وكرباً ... وكليل الشتاء برداً وطولا وأول " مقراض الأعراض " قوله: أضالعٌ تنطوي على كرب ... ومقلةٌ مستهلّة الغرب شوقاً إلى ساكني دمشق فلا ... عدت رباها مواطر السّحب مواطنٌ ما دعا توطّنها ... إلا ولبّى نداءها لبّي ثمّ ذكر من الهجو ما تصمّ عنه الآذان. وهو القائل في دمشق: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً ... وظلّك يا مقرى عليّ ظليل وهل أرينّي بعدما شطّت النوى ... ولي في ذرا روضٍ هناك مقيل ومنها: دمشق بنا شوقٌ إليك مبرّحٌ ... وإن لجّ واشٍ أو ألحّ عذول

стр. 1112

بلادٌ بها الحصباء درٌّ، وتربها ... عبيرٌ، وأنفاس الشّمال شمول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلقٌ ... وصحّ نسيم الروض وهو عليل وقد تقدم التمثيل بهذه الأبيات الثلاثة في خطبة هذا الكتاب. ومن هذه القصيدة: وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأيّ ظهير الدين فيّ جميل من القوم أمّا أحنفٌ فمسفّهٌ ... لديهم، وأمّا حاتمٌ فبخيل فتى المجد أما جاره فممنّعٌ ... عزيزٌ، وأمّا ضدّه فذليل وأمّا عطايا كفّه فمباحةٌ ... حلالٌ (١) ، وأمّا ظلّه فظليل وظهير الدين الممدوح هو طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين، وكان ملك اليمن، وأحسن إلى ابن عنين إحساناً كثيراً وافراً، وخرج ابن عنين من اليمن بمال جم، وطغتكين: بضم الطاء المهملة، وبعدها غين معجمة، ثم تاء مثناة من فوقها مكسورة، ثم كاف مكسورة أيضاً، ثم ياء تحتية، ثم نون، وكان يلقب بالملك العزيز، ولذلك قال ابن عنين لما رجع من عنده إلى مصر أيام العزيز عثمان بن صلاح الدين فألزم أرباب الديوان ابن عنين بدفع الزكاة من المتاجر التي وصلت صحبته (٢) : ما كلّ من يتسمّى بالعزيز له ... أهلٌ وما كلّ برقٍ سحبه غدقه بين العزيزين بونٌ في فعالهما ... هذاك يعطي وهذا يأخذ الصّدقه ومن هجو ابن عنين قوله في فقيهين يلقّب أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس (٣) :

стр. 1113

البغل والجاموس في حاليهما ... قد أصبحا مثلاً لكلّ مناظر قعدا (١) عشيّة يومنا فتناظرا ... هذا بقرنيه وذا بالحافر ما أحكما غير الصياح كأنّما ... لقنا جدال المرتضى بن عساكر جلفان ما لهما شبيهٌ ثالثٌ ... إلا رقاعة مذلويه الشاعر لفظٌ طويلٌ تحت معنىً قاصرٍ ... كالعقل في عبد اللطيف الناظر رجع إلى دمشق: وقال العز الموصلي: إليك حياض حمّامات مصرٍ ... ولا تتكثّري عندي بمين حياض الشام أحلى منك ماء ... وأطهر وهي دون القلّتين وهذان البيتان جوابٌ منه عن قول ابن نباتة (٢) : أحواض (٣) حمّام الشآ ... م ألا اسمعي لي كلمتين لا تذكري أحواض مص ... ر فأنت دون القلّتين وأمّا قول النّواجي سامحه الله تعالى: مصر قالت: يا دمشق لا ... تفتخر قطّ باسمها لو رأت قوس روضتي ... منه راحت بسهمها فهو من باب تفضيل الوطن من حبه، ومنه قول الوداعي: روّ بمصرٍ وبسكّانها ... شوقي وجدّد عهدي الخالي

стр. 1114

وازور لنا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسّال فهو مرادي لا " يزيدٌ " ولا ... ثور وإن رقّا ورقّا لي ومن ذلك النمط قول الشهاب الحجازي: قالوا دمشقٌ قد زهت لزهرها ... فامض وشاهد جوزها لوزها فقلت لا أبدل بلدتي بها ... ولست أرضى زهرها ولو زها (١) وقول الآخر: قد قال وادي جلّقٍ للنيل إذ ... كسروه أعين جبهتي لك ترفع فأجاب بحر النيل لمّا أن طغى ... عندي مقابل كلّ عينٍ إصبع وقد تذكرت هنا قول بعضهم: ماذا يفيد المعنّى ... من الأذى المتتابع بمصر ذات الأيادي ... ونيلها ذي الأصابع وقد شاع الخلاف قديماً وحديثاً في المفاضلة بين مصر والشام، وقد قال بعضهم: في حلبٍ وشامنا ... ومصر طال اللّغط فقلت قول منصفٍ ... خر الأمور الوسط

стр. 1115

[شعر في ذم دمشق] وأمّا قول بعضهم: تجنّب دمشق ولا تأتها ... وإن راقك الجامع الجامع فسوق الفسوق بها قائمٌ ... وفجر الفجور بها طالع فلا يلتفت إليه، ولا يعوّل عليه، إذ هو مجرّد دعوى خالية عن الدليل، وهي من نزعات بعض الهجائين الذين يعمدون إلى تقبيح الحسن الجميل [الجليل] : وما زالت الأشراف تهجى وتمدح ... ولا يقابل ألف مثنٍ عدل بفاسق يقدح: وفي تعبٍ من يحسد الشمس نورها ... ويأمل أن يأتي لها بضريب وأخفّ من هذا قول بعض الأندلسيين، وهو الكاتب أبو بكر محمد بن قاسم: دمشقٌ جنّة الدّنيا حقيقاً ... ولكن ليس تصلح للغريب بها قومٌ لهم عددٌ ومجدٌ ... وصحبتهم تؤول إلى الحروب ترى أنهارهم ذات ابتسامٍ ... وأوجههم تولّع بالقطوب أقمت بدارهم ستّين يوماً ... فلم أظفر بها بفتىً أديب والجواب واحد، ولا يضر الحقّ الثابت إنكار الجاحد، وأخفّ من الجميع قول العارف بالله تعالى سيّدي عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنه: جلّقٌ جنّة من تاه وباهى ... ورباها أربي لولا وباها قال غالٍ: بردى كوثرها ... قلت: غالٍ برداها برداها

стр. 1116

وطني مصر وفيها وطري ... ولنفسي مشتهاها مشتهاها ولعيني غيرها إن سكنت ... يا خليليّ سلاها ما سلاها وأخفّ منه قول ابن عبد الظاهر: لا تلوموا دمشق إن جئتموها ... فهي قد أوضحت لكم ما لديها إنّها في الوجوه تضحك بالزّه ... ر لمن جاء في الربيع إليها وتراها بالثلج تبصق في لح ... ية من مرّ في الشتاء عليها وقول ابن نباتة وهو بالشام يتشوّق إلى المقياس والنيل (١) : أرقٌ له بالشام نيل مدامعٍ ... يجريه ذكر منازل المقياس سقياً لمصر منازلاً معمورةً ... بنجوم أفقٍ أو ظباء كناس وطني سهرت له وشابت لمّتي ... ونعم على عيني هواه وراسي من لي به والحال ليس بآيسٍ ... كدرس وعطف الدهر ليس بقاسي والطرف يستجلي غزالاً آنساً ... بالنيل لم يعتد على باناس رجع إلى مدح دمشق: وقال الناصر داود بن المعظم عيسى (٢) : إذا عاينت عيناي أعلام جلّقٍ ... وبان من القصر المشيد قبابه تيقّنت أنّ البين قد بان والنوى ... نأى شخصه والعيش عاد شبابه

стр. 1117

وقوله أيضاً رحمه الله تعالى: يا راكباً من أعالي الشّام يجذبه ... إلى العراقين إدلاجٌ وإسحار حدّثتني عن ربوعٍ طالما قضيت ... للنفس فيها لباناتٌ وأوطار لدى رياضٍ سقاها المزن ديمته ... وزانها زهرٌ غضٌّ ونوّار شحّ الندى أن يسقّيها مجاجته ... فجادها مفعم الشؤبوب مدرار بكت عليها الغوادي وهي ضاحكةٌ ... وراحت الريح فيها وهي معطار يا حسنها حين زانتها جواسقها ... وأينعت في أعالي الدوح أثمار فهي السماء اخضراراً في جوانبها ... كواكبٌ زهرٌ تبدو وأقمار حدّثتني وأنا الظامي إلى نبإٍ ... لا فضّ فوك فمنّي الريّ تمتار فهو الزلال الذي طابت مشاربه ... وفارقته عثاءاتٌ وأكدار كرّر على نازحٍ شطّ المزار به ... حديثك العذب لا شطّت بك الدار وعلّل النفس عنهم بالحديث بهم ... إنّ الحديث عن الأحباب أسمار وهذا الملك الناصر له ترجمة كبيرة، وهو ممّن أدركته الحرفة الأدبية، ومنع حقّه بالحمية والعصبية، وأنكرت حقوقه، وأظهر عقوقه، حتى قضى نحبه، ولقي ربّه. وقال سيف الدين المشد رحمه الله تعالى (١) : بشرى لأهل الهوى عاشوا به سعدا ... وإن يموتوا فهم من جملة الشهدا

стр. 1118

شعارهم رقّة الشكوى ومذهبهم ... أنّ الضلالة فيهم في الغرام هدى عيونهم في ظلام الليل ساهرةٌ ... عبرى وأنفاسهم تحت الدّجى صعدا تجرّعوا كأس خمر الحبّ مترعةً ... ظلّوا سكارى وظنّوا غيّهم رشدا وعاسل القدّ معسولٍ مقبّله ... كالغصن لما انثنى والبدر حين بدا رقيم عارضه كهفٌ لعاشقه ... يأوي إليه فكم في حبّه شهدا نادمته وثغور البرق باسمةٌ ... والغيث ينزل منحلاًّ ومنعقدا كأنّ جلّق حيّا الله ساكنها ... أهدت إلى الغور من أزهارها مددا فاسترسل الجود منهلاًّ " يزيد " على ... ثورا ويعقد محلول الندى بردا وقال أيضاً: فؤادي إلى بانات جلّق مائل ... ودمعي على أنهارها يتحدّر يرنّحني لوز ابن كلاّب مزهراً ... وتهتزّني أغصانه وهو مثمر وإنّي إلى زهر السفرجل شيّقٌ ... إذا ما بدا مثل الدراهم ينثر غياضٌ يفيض الماء في عرصاتها ... فتزهو جمالاً عند ذاك وتزهر ترى بردى فيها يجول كأنّه ... وحصباءه سيفٌ صقيلٌ مجوهر وبي أحورٌ لاح العذار بخدّه ... يسامح قلبي في هواه ويعذر يحاورني فيه على الصبر صاحبي ... وكيف أطيق الصبر والطرف أحور إذا اشتقت وادي النيربين لمحته ... فانظر معناه به وهو أنضر حوى الشرف الأعلى من الحسن خدّه ... على أنّ ميدان العوارض أخضر وما أحسن قوله رحمه الله تعالى: وادٍ به أهل الحبيب نزول ... حيّا معاهده الحيا والنّيل وادٍ يفوح المسك من جنباته ... ويصحّ فيه للنسيم عليل يشتاقه ويودٌ لثم ترابه ... شوقاً ولكن ما إليه سبيل

стр. 1119

متقلقل الأحشاء ملوب الكرى ... طلق الدموع فؤاده متبول يصبوا إلى الأثلات من وادي الغضى ... وحينّ إن خطرت هناك شمول قالوا تبدّل، قلت يا أهل الهوى ... والنّاس فيهم عاذرٌ وجهول هل بعد قطع الأربعين مسافةٌ ... للعمر فيها يحسن التبديل ولقد هفا بي في دمشق مهفهفٌ ... يسبي العقول رضابه المعسول يهتزّ إن مرّ النّسيم بقدّه ... ويميل بي نحو الصّبا فأميل أبدى لنا برداً تبسّم ثغره ... وإذا انثنى فقوامه المجدول لزم التسلسل مدمعي وعذاره ... فانظر إلى المهجات كيف تسيل وسقمت من سقم الجفون لأنّها ... هي علّةٌ وفؤادي المعلول لا تعجبوا إن راعني بذوائبٍ ... فالليل هولٌ والمحبّ ذليل ما صحّ لي أنّ الذؤابة حيّةٌ ... حتى سعت في الأرض وهي تجول وقال ناظر الجيش عون الدين بن العجمي (١) : يا سائقاً يقطع البيداء معتسفاً ... بضامرٍ لم يكن في سيره واني إن جزت بالشام شم تلك البروق ولا ... تعدل بلغت المنى عن ديرمرّان واقصد أعالي قلاليه فإنّ بها ... ما تشتهي النفس من حورٍ وولدان من كلّ بيضاء هيفاء القوام إذا ... ماست فواخجل (٢) المرّان والبان وكلّ أسمر قد دان الجمال له ... وكمّل الحسن في فرط إحسان ورب صدغٍ بدا في خدّ مرسله ... في فترةٍ فتنت من سحر أجفان

стр. 1120

فليت ريقته وردي ووجنته ... وردي ومن صدغه آسي وريحاني وعج على دير متّى ثمّ حيّ به ال ... ربّان بطرس فالربّان ربّاني فهمت منه إشاراتٍ فهمت بها ... وصنت منشورها في طيّ كتمان واعبر بدير حنينا وانتهز فرص ال ... لذّات ما بين قسيسٍ ومطران واستجل راحاً بها تحيا النفوس إذا ... دارت براح شماميسٍ ورهبان حمراء صفراء بعد المزج كم قذفت ... بشهبها من همومي كلّ شيطان كم رحت في الليل أسقيها وأشربها ... حتى انقضت ونديمي غير ندمان سألت توماس عمّن كان عاصرها ... أجاب رمزاً ولم يسمح بتبيان وقال: أخبرني شمعون ينقله ... عن ابن مريم عن موسى بن عمران بأنّها سفرت بالطّور مشرقةً ... أنوارها فكنوا عنها بنيران وهي المدام التي كان معتّقةً ... من عهد هرمس من قبل ابن كنعان وهي التي عبدتها فارسٌ فكنى ... عنها بشمس الضحى في قومه ماني سكرت منها فلا صحوٌ وجدت بها ... على الندامى وليس الشحّ من شاني وسوف أمنحها أهلاً وأنشده ... ما قيل فيها بترجيعٍ وألحان حتى تميل لها أعطافه طرباً ... وينثني الكون من أوصاف نشوان وهذه وإن لم تكن في دمشق على الخصوص فلا تخرج عمّا نحن بصدده، والأعمال بالنيات، وديباجة هذه القصيدة على نسج طائفة من الصوفية، وممن حاك هذه البرود الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى، قيل: إنّه الشيخ شعبان النحوي. وقال بعضهم: شوقي يزيد وقلب الصّب ما بردا ... وبان يأسي من المعشوق حين غدا

стр. 1121

ومدمعي قنواتٌ، والعذول حكى ... ثورا، يلوم الفتى في عشقه حسدا على مغنّية بالجنك جاوبها ... شبّابةٌ كم بها من عاشقٍ سهدا فالبدر جبهتها، والردف ربوتها، ... وخلّها مات في خلخالها كمدا ولنذكر نبذة مما خوطبت به من علماء الشام وأدبائه حفظ الله تعالى كمالهم، وبلغ آمالهم. فمن ذلك قول شيخ الإسلام، مفتي الإنام، سيدي الشيخ عبد الرحمن العمادي الحنفي (١) حفظه الله تعالى، وكتبه لي بخطّه: شمس الهدى (٢) أطلعها المغرب ... وطار عنقاء بها مغرب فأشرقت في الشام أنوارها ... وليتها في الدهر لا تغرب (٣) أعني الإمام العالم المقّري ... أحمد يكتب أن يخطب شهاب علمٍ وثاقبٌ فضله ... ينظم عقداً وهو لا يثقب فرع علومٍ بالهدى مثمرٌ ... وروض فضلٍ بالندى معشب قد ارتدى ثوب علا وامتطى ... غارب مجدٍ فزها المركب درسٌ غريبٌ كلّ يومٍ له ... يملى ولكن حفظه أغرب محاضراتٌ مسكرٌ لفظها (٤) ... بكأس سمعٍ راحها تشرب رياض آدابٍ سقاها الحيا ... ففاح مسكاً نشرها الأطيب فضائلٌ عمّت وطمّت فقد ... قصّر فيها كلّ من يطنب قلوبنا قد جذبت نحوه ... والحبّ من عادته يجذب إن بعدت عن غربه شرقنا ... فالفضل فينا نسبٌ أقرب

стр. 1122

كم طلبت تشريفه (١) شامنا ... بشرى لها فليهنها المطلب قد سبقت لي معه صحبةٌ ... في حرمٍ يؤمن من يرهب أخوّةٌ في الله من زمزمٍ ... رضاعها طاب لها المشرب أنهلني ثمّ وداداً فلي ... بالشام منه عللٌ أعذب أهديت ذا النظم امتثالاً له ... وقد هجرت الشعر مذ أحقب نشّط قلبي لطفه فانثنى ... والقلب في أهل الهوى قلّب ضاء دجى العلم به للورى ... ما نار في جنح الدجى كوكب تحيّة الفقير الداعي، عبد الرحمن العمادي، انتهى. فأجبته بما نصّه: ما تبر راحً كأسها مذهب ... ما للنّهى عن حسنها مذهب تستدفع الأكدار من صفوها ... وتنهل الأفراح أو تنهب تسعى بها هيفاء من ثغرها ... أو شعرها النّور أو الغيهب فتّانة الأعطاف نفّاثةٌ ... سحراً بألباب الورى يلعب في روضةٍ قد كلّلت بالنّدى ... والزهر رأس الغصن إذ يعصب برودها بالنّور قد نمنمت ... كالوشي من صنعاء بل أعجب والماء يجري تحت جنّانها ... والنّار من نارنجها تلهب والظّلّ ضافٍ والنّسيم انبرى ... والجوّ ذاكي العرف مستعذب والطير للعشّاق بالعود قد ... غنّت فهاجت شوق من يطرب أبهى ولا أبهج في منظرٍ ... من نظم من تقديمه الأصوب مفتي دمشق الشام صدر الورى ... من في العلا تمّ به المطلب علاّمة الدهر ولا مريةٌ ... ملجأ الفضل ولا مهرب

стр. 1123

لله ما امتاز به من حلىً ... بغير منّ الله لا تكسب أبدى بها الرحمن في عبده ... مظاهر المنح التي تحسب جودٌ بلا منٍّ وعلمٌ بلا ... دعوى به التحقيق يستجلب وبيت مجدٍ مسندٌ ركنه ... إلى عمادٍ الدين إذ ينسب فبرقه الشاميّ من شامه ... نال مراماً والسّوى خلّب وما عسى أبديه في مدحه ... أو وصف أبناء له أنجبوا تسابقوا للمجد حتى حووا ... سبقاً لما في مثله يرغب أعيذهم بالله من شرّ ما ... يخشى من الأغيار أو يرهب وأسأل الله لهم عزّةً ... بادية الأضواء لا تحجب ولمّا حللت دمشق المحروسة، وطلبت موضعاً للسكنى يكون قريباً من الجامع الأموي الذي يعجز البليغ وصفه وإن ملأ طروسه، أرسل إلي أديب الشام فرد الموالي المدرسين ساحب أذيال الفخار (١) المولى أحمد الشاهيني (٢) حفظه الله تعالى بمفتاح المدرسة الجقمقية، وكتب لي معه ما نصّه (٣) : كنف المقّريّ شيخي (٤) مقرّي ... وإليه من الزمان مفرّي كنفٌ مثل صدره في اتّساعٍ ... وعلومٍ كالدّرّ (٥) في ضمن بحر أيّ بدرٍ قد أطلع الغرب منه ... ملأ الشرق نوره أيّ بدر أحمدٌ سيدي وشيخي وذخري ... وسميّي وفوق ذاك وفخري (٦)

стр. 1124

لو بغير الأقدام يسعى مشوقٌ ... جئته زائراً على وجه شكري العبد الحقير السمتعين، المخلص أحمد بن شاهين، انتهى. فأجبته بقولي (١) : أيّ نظمٍ في حسنه حار فكري ... وتحلّى بدرّه صدر ذكري طائر الصّيت لابن شاهين ينمى ... من بروض الندى له خير وكر أحمد الممتطين ذروة مجدٍ ... لعوانٍ من المعالي وبكر حلّ مفتاح فضله باب وصلٍ ... من معان تعريفه دون نكر يا بديع الزمان دم في ازديانٍ ... بالعلا وازدياد تجنيس شكر وكتب إليّ لما وقف علىكتابي فتح المتعال في مدح النعال بما نصّه: لكاتبه الحقير أحمد بن شاهين الشامي في تقريظ تأليف سيّدي ومولاي وقبلتي ومعتقدي شيخ الدّنيا والدين، وبركة الإسلام والمسلمين، حفظ الله تعالى وجوده آمين: أأحمد، فخراً يا ابن شاهين سامياً ... بأحمد ذاك المقّري المسدّد بمن راح خدّاماً لنعل محمدٍ ... وناهيك في العليا بأرفع سؤدد فإن أنا أخدم نعله فلطالما ... غدا خادماً نعل النبيّ الممجّد بتأليفه في وصف نعلٍ تكرّمت ... كتاباً حوى إجلال كلّ موحّد ويكفيك فخراً يا ابن شاهين أن ترى ... خدوماً لخدّامٍ لنعل محمّد فقلت له طوبى بخدمة أحمدٍ ... فقال كذا طوبى بخدمة أحمد فلا زال يرقى للمعالي مكرّماً ... وينتعل العيّوق في رغم فرقد فأجبته بقولي:

стр. 1125

أأحمد وصفٍ بالعوارف يرتدي ... وأشرف مولى للمعارف يهتدي نجومك إذ أنت الخليل توقّدت ... فأنّى أجاريها بنحو المبرّد أتاني نظامٌ منك حيّر فكرتي ... على أنّه أعلى مرامي ومقصدي فأنت ابن شاهين الذي طار صيته ... بجوّ (١) العلا والضدّ ضلّ بفرقد فبرّك موصولٌ وشانيك منكرٌ ... وقدرك مرفوعٌ على رغم حسّد وعند حديث الفضل أسند عالياً ... بشامٍ فهم يروون مسند أحمد فوجهك عن بشرٍ ويمناك عن عطاً ... وفكرك يروي في الهدى عن مسدّد فلا زلت ترقى أوج سعدٍ ورفعةٍ ... ودمت بتوفيقٍ وعزٍّ مخلّد ولما خاطبته بقولي: يصيد ابن شاهينٍ بجوّ بلاغةٍ ... سوانح في وكر البدائع تفرخ وما كان ديك الجنّ مدرك نيلها ... إذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ ولو جاد فكر البحتري بمثلها ... لكان على الطّائي بالأنف يشمخ ولو أنّ نظم ابن الحسين أتيحها ... لفاز بسبقٍ حكمه ليس ينسخ فلا زال ملحوظاً بعين عنايةٍ ... وكتب التّهاني عن علاه تؤرخ أجابني بما نصّه: أأنفاس عيسى ما بروعي ينفخ ... أم الطرس أضحى بالعبير يضمّخ وهذي قوافٍ أم هي الشمس إنّني ... أراها على الجوزاء بالأنف تشمخ بلى هي نصٌّ من ودادك محكمٌ ... تزول الرواسي وهي لم تك تنسخ أتتني بمدحٍ مخجلٍ فكأنّها ... لفرط حيائي قد أتتني توبّخ وهل أنا إلاّ خادمٌ نعل سيّدي ... وبيني وبين المدح في الحقّ برزخ
следующие страницы →