← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولما وقفنا للوداع عشيةً وطرفي وقلبي هامع وخفوق بكيت فأضحكت الوشاة شماته كأني سحاب والوشاة بروق وقول ابن نباتة السعدي: ولما وقفنا للوداع عشية ولم يبق إلا شامت وغيور وقفنا فمن باك يكفكف دمعه وملتزم قلباً يكاد يطير وقول بعضهم: لما حدا الحادي بترحالهم هيج اشواقي واشجاني وراح يثني القلب عن غيرهم فهو لهم حاد ولي ثاني وقول الصفدي: لما اعتنقنا لوداع النوى وكدت من حر الجوى أحرق رأيت قلبي سار قدامهم وأدمعي تجري ولا تلحق وقوله أيضاً: تذكرت عيشاً مر حلواً بكم فهل لأيامنا تلك الذواهب واهب؟ وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ولا أنا عن هذي الرغائب غائب سأصبر كرهاً في الهوى غير طائع لعل زماني بالحبايب آيب

стр. 107

وقول ابن نباتة المصري: في كنف الله وفي حفظه مسراك والعود بعزم صريح لو جاز أن تسلك أجفاننا كنا فرشنا كل جفن قريح لكنها بالعبد معتلة وأنت لا تسلك إلا الصحيح وقول الحافظ أبي الحسن علي بن الفضل: عجبت لنفسي بعدهم ما بقاؤها ولم أحظ من لقياهم بمرادي لعمرك ما فارقتهم منذ ودعوا ولكنما فارقت طيب رقادي وقد منعوا مني زيارة طيفهم وكيف يزور الطيف حلف سهاد؟ وأعجب ما في الأمر شوقي إليهم وهم في سوادي ناظري وفؤادي وقوله رحمه الله تعالى: رعى الله أيام المقام بروضة تروح علينا بالسرور وتغتدي كأن السقيق الغض بين بطاحها نجوم عقيق في سماء زبرجد وقول القاضي الرشيد الأسواني:

стр. 108

رحلوا فلا خلت المنازل منهم ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم وسروا وقد كتموا الغداة مسيرهم وضياء نور الشمس ما لا يكتم وتبدلوا أرض العقيق عن الحمى رحلوا وفي قلب المتيم خيموا نزلوا العذيب وإنما هو مهجتي رحلوا وفي قلب المتيم خيموا ما ضرهم لو ودعوا من أودعوا نار الغرام وسلموا من أسلموا هم في الحشا إن أعرقوا أو أينموا أو اشأموا أو أنجدوا أو أتهموا وقول الشاعر أبي طاهر الأصفهاني، المعروف بالوثابي: أشاعوا فقالوا وقفة ووداع وزمت مطايا للرحيل سراع فقلت وداع لا أطيق عيانه كفاني من البين المشت سماع ولم يملك الكتمان قلب ملكته وعند النوى سر الكتوم مذاع وقول أبي المجد قاضي ماردين: رعى الله ربعاً أنتم فيه أهله وجاد عليه هاطل وهتون ولا زال مخضر الجوانب مترع ال؟ حياض وفيه للنعيم فنون لئن الله اللقاء وأينعت غصون التداني فالبعاد يهون وإن حكمت أيدي الزمان بعسرة فكم قضيت للمعسرين ديون وقول آخر:

стр. 109

غبتم فما لي في التبصر مطمع عظم الجوى واشتدت الأشواق لا الدار بعدكم كما كانت ولا ذاك البهاء ولا الإشراق أشتاقكم، وكذا المحب إذا نأى عنه أحبة قلبه يشتاق وقول أبي الحسن الهمداني: ويوم تولت الأظعان عنا وقوض حاضر وأرن بادي مددت إلى الوداع وأخرى حبست بها الحياة على فؤادي وقول ابن الضائغ: قد أودعوا القلب لما ودعوا حرقاً فظل في الليل مثل النجم حيرانا راودته يستعير الصبر بعدهم فقال: إني استعرت اليوم نيرانا وقول الصدر بن الأدمي مكتفيا: يوم توديعي لأحبابي غدا ذكر مي شاغلي عن كل شيء فرنت نحوي وقالت: يا ترى أنت حي في هوانا؟ قلت: مي وقول غيره: ولي فؤاد مذ نأى شخصهم ظل كئيبا مدنفا موجعا ومقلة مهما تذكرتهم تذرف دمعا أربعاً أربعا

стр. 110

وليس لي من حيلة كلما لجت بي الأشواق إلا الدعا أسأل من ألف ما بيننا وقدر الفرقة أن يجمعا وقول الرعيني الغرناطي: محاسن ربع قد محاهن ما جرى من الدمع لما قيل قد رحل الركب تناقض حالي مذ شجاني فراقهم فمن أضلعي نار ومن أدمعي سكب وفي معناه قوله أيضا: وقائلة: ما هذه الدرر التي تساقطها عيناك سمطين سمطين فقلت لها: هذا الذي قد حشا به أبو مضر أذني تساقط من عيني وقول الزمخشري: لم يبكني إلا حديث فراقهم لما أسر به إلى مودعي هو ذلك الدر الذي أودعتهم في مسمعي أجريته من مدمعي وقول الزغاري: قد بعتهم قلبي يوم بينهم بنظرة التوديع وهو يحترق ولم أجد من بعدها لرده وجها وكان الرد لو لم نفترق وقول بعض الأندلسيين: ساروا فودعهم طرفي وأودعهم قلبي فما بعدوا عني ولا قربوا هم الشموس ففي عيني إذا طلعوا في القادمين وفي قلبي إذا غربوا

стр. 111

وقلت أنا مضمنا بديهة: لا كان يوم فراق ساق الشجون إلينا فكم أذل نفوسا يا من يعز علينا وقلت أيضا مضمنا: سلا أحبته من لم يذب كمدا يوم الوداع وإن أجرى الدموع دما يا من يعز علينا أن نفارقهم من بعدكم هدركن الصبر وانهدما وإن نأى الجسم كرها عن منازلكم فالقلب ثاوبها لم يصحب القدما وما نسينا عهودا للهوى كرمت نعم قرعنا عليها سننا ندما وأظلمت بالنوى أرجاء مقصدنا وصار وجدان إلف غيركم عدما وقلت أيضا مضمنا: لم أنس بالشام أنسا شمت بارقه جادت معاهده أنواء نيسان لهفي لعيش قضينا في مشاهدها ما بين حسن من الدنيا وإحسان وقلت كذلك: يا جبرة بانوا وأبقوا حسرة تجري دموعي بعدهم وفق القضا كم قلت إذ ودعتهم والأنس لا ينسى وعهد ودادهم لن يرفضا يا موقف التوديع إن مدامعي فضت وفاضت في ثرى ذاك الفضا وكم تفاءلت بقول الأول، مع علمي بأن على الله المعول:

стр. 112

إذا رأيت الوداع فاصبر ولا يهمنك البعاد وانتظر العود عن قريب فإن قلب الوداع عادوا وضاقت بي الرحاب، حين مفارقة أعيان الصحاب، وكاثرت دموعي من بينهم السحاب، وزند التذكر يقدح الأسف فيهيج الانتحاب، وقد تمثلنا إذ ذاك والجوانح في التهاب، وذخائر الصبر ذات انتهاب، بقول بعض من مزق البعد منه الإهاب: ولما نزلنا منزلاً طله الندى أنيقاً وبستاناً من النور حاليا أجد لنا طيب المكان وحسنه منى فتمنينا فكانوا الأمانينا وقد طفت في شرق البلاد وغربها وسيرت خيلي بينها وركابيا فلم أر منها مثل بغداد منزلا ولم أر فيها مثل دجلة واديا ولا مثل أهليهال أرق شمائلا وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا وبقول من تأسف على مغاني التداني، وهو أبو الحجاج الأندلسي الداني: أبى الله إلا أن أفارق منزلا يطالعني وجه المنى فيه سافرا كأن على الأيام حين غشيته يميناً فلم أحلله إلا مسافرا

стр. 113

وتخيلنا أن إقامتنا بدمشق وقاها الله كل صرف، ما كانت إلا خطرة طيف ملم أو لمحة طرف: وقفنا ساعة ثم ارتحلنا وما يغني المشوق وقوف ساعة؟ كأن الشمل لم يك في اجتماع إذا ما شتت البين اجتماعه وطالما عللت النفس بالعود إليها ثم إلى بقاعي، منشداً قول الأديب الشهير بابن الفقاعي: متى عاينت عيناي أعلام حاجر جعلت مواطي العيس فوق محاجري وإن لاح من أرض العواصم بارق رجعت بأحشاء صواد صوادر سقى الله هاتيك المواطن والربى مواطر أجفان هوام هوامر وحيا الحيا من ساكني الحي أوجهاً سفرن بأنوار زواه زواهر بحيث زمان الوصل غصن وروضه أريض بأزهار بواه بواهر وحيث جفون الحاسدين غضيضة رمقن بآماق سواه سواهر ثم حاولت خاطري الكليل، فيما يشفي بعض الغليل، فقال على طريق التضمين، وقد غلب عليه الشوق والتخمين: بأبي من أودعوا مذ ودعوا قلبي الشوق وللعيس ذميل جيرة غر كرام خيرة كل شيء منهم يبدو جميل وعلى الجملة ما لي غيرهم لو أرادوا أن يملوا أو يميلوا ثم قلت وقد سدد التنائي إلي نبله، موطئاً للبيت الثالث كما في الأبيات قبله:

стр. 114

يا دمشقا حياك غيث غزير ووقاك الإله مما يضير حسنك الفرد والبدائع جمع متناه فيه فعز النظير أين أيامنا بظلك والشم؟ ل جميع، والعيش غض نضير ثم أكثرت الالتفات عن اليمين وعن الشمال، وقد شبهت البيداء والشوق ببدل الكل والاشتمال، وتنسمت من نواحي تلك الأرجاء أريج الشمال، وضمنت في المعنى قول بعض من ثنى الحب عطفه وأمال: تنسمت أرواحاً سرت من ديار من بهم كان جمع الشمل لمحة حالم وجاوبت من يلحى على ذاك جاهلاً بقول لبيب بالعواقب عالم وما أنشق الأرواح إلا لأنها تمر على تلك الربى والمعالم وما أحسن قول الآخر: سرت من نواحي الشام لي نسمة الصبا وقد أصبحت حسري من السير ظالعه ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ومن تعب أنفاسها متتابعه وقلت أنا: حمدت وحق الله للشام رحلة أتاحت لعيني اجتلاء محياه وبعد التنائي صرت أرتاح للصبا لأن الصبا تسري بعاطر رياه فلله عهد قد أتاح بجلق سروراً فحياها الإله وحياه واستحضرت عند جد السير، قول صفوان بن إدريس المرسي ذكره الله تعالى بالخير:

стр. 115

أين أيامنا اللواتي تقضت إذا زجرنا للوصل أيمن طير ثم قول غيره ممن حن وأن، وقلق قلبه وما اطمأن: أحن إلى مشاهد أنس إلفي وعهدي من زيارته قريب وكنت أظن قرب العهد يطفي لهيب الشوق فازداد اللهيب وربما تجلدت مغالطاً، متعللاً بقول من كان لإلفه مخالطاً: حضرت فكنت في بصري مقيماً وغبت فكنت في وسط الفؤاد وما شطت بنا دار ولكن نقلت من السواد إلى السواد وقول غيره: وكن كمن شئت من قرب ومن بعد فالقلب يرعاك إن لم يرعك البصر وبقول الوداعي: يا عاذلي في وحدتي بعدهم وأن ربعي ما به من جليس وكيف يشكو وحدة من له دمع حميم وأنين أنيس ثم رددت هذه الطريقة، بقول بعض من لم يبلعه السلو ريقه: لا رعى الله عزمة ضمنت لي سلوة القلب والتصبر عنهم ما وفت غير ساعةً ثم عادت مثل قلبي تقول لا بد منهم وبقول ابن آجروم، في مثل هذا الغرض المروم: يا غائباً كان أنسي رهن طلعته كيف اصطباري وقد كابدت بينهما

стр. 116

دعواي أنك في قلبي يعارضها شوقي إليك، فكيف الجمع بينهما ثم جد بي السير إلى مصر واستمر، فتذكرت قول الصفدي وقد اشتد بالرمل الحر: أقول وحر الرمل قد زاد وقده وما لي إلى شم النسيم سبيل أظن نسيم الجو قد مات وانقضى فعهدي به في الشام وهو عليل وقول ابن الخياط: قصدت مصرا من ربى جلق بهمة تجري بتجريبي فلم أر الطرة حتى جرت دموع عيني بالمريزيب وحين وصلت مصر لم أنس عهد الشام المرعي، وأنشدت قول الشهاب الحنبلي الزرعي: أحبتنا والله مذ غبت عنكم سهادي سميري والمدامع مدرار ووالله ما اخترت الفراق، وإنه برغمي، ولي في ذلك الأمر أعذار إذا شام برق الشام طرفي تتابعت سحائب جفني والفؤاد به نار ألا ليت شعري هل يعودن شملنا جميعا وتحوينا ربوع وأقطار؟

стр. 117

وقول ابن عنين: دمشق بنا شوق إليك مبرح وإن لج واش أو ألح عذول بلاد بها الحصباء درر، وتربها عبير، وأنفاس الرياح شمول تسلسل منها ماؤها وهو مطلق وصح نسيم الروض وهو عليل وقول آخر: نفسي الفداء لأنس كنت أعهده وطيب عيش تقضي كله كرم وجيرة كان لي إلف بوصلهم والأنس أفضل ما بالوصل يغتنم بالشام خلفتهم ثم انصرفت إلى سواهم فاعتراني بعدهم ألم كانوا نعيم فؤادي والحياة له والآن كل وجود بعدهم فإن أنشد لسان الحال، فيما اقتضاه معنى البعد عنها والارتحال: يا غائبا قد كنت أحسب قلبه بسوى دمشق وأهلها لا يعلق إن كان صدك نيل مصر عنهم لا غرو فهو لنا العدو الأزرق أتيت في جوابه، بقول بعض من برح الجوى به: لله دهر جمعنا شمل لذته بالشام أعذب من أمن على فرق مرت لياليه والأيام في خلس كأنما سلبته كف مسترق ما كان أحسنها لولا تنقلها من النعيم إلى ذاك من الحرق رق العذول لحالي بعدها ورثى لي في الجوى والنوى والشجو والأرق

стр. 118

وبالجملة فتلك الأيام من مواسم العمر محسوبة، والسعود إلى طوالعها منسوبة: وكانت في دمشق لنا ليالٍ سرقناهن من ريب الزمان جعلناهن تاريخ الليالي وعنوان المسرة والأماني وهي مغاني التهاني التي ما نسيناها، وأماني زماني التي نعمت بطور سيناها عليها وعلى وطني مقصورة، والقلب في المعنى مقيم بهما وإن كان في غيرهما بالصورة، والأشواق إليهما قضاياها موجهة وإن كانت غير محصورة: ولله عهد قد تقضي فإن يعد فإني عن الأيام أعفو واصفح بقلبي من ذكراه ما ليس ينقضي ومن برحاء الشوق ما ليس يبرح إذا مسحت كفي الدموع تستراً بدت زفرة بين الجوانح تقدح على أنها الأيام جد مزاجها ورب مجدٍ في الأذى وهو يمزح وكثيراً ما يلهج اللسان بقول من قال: وما تفضل الأوقات أخرى لذاتها ولكن أوقات الحسان حسان ويردد قول من شوقه متجدد: سقى معهد الأحباب ناقع صيب من المزن عن مغناه ليس يريم وإن لم أكن من ساكنيه فإنه يحل به خل علي كريم وينشد من يلوم، قول في حشاه وله وفي قلبه كلوم: ثد أصبح آخر الهوى أوله فالعاذل في هواك ما لي وله بالله عليك خل ما أوله وارحم دنفاً لدى حشاه وله

стр. 119

[شروعه في التصنيف بمصر] وقد امتد بنا الكلام، وربما يجعله اللاحي ذريعة لزيادة الملام، فلنرجع إلى ما كان بصدده، من إجابة المولى الشاهيني، أمده الله سبحانه بمدده، فأقول، مستمداً من واهب العقول: إني شرعت بعد الاستقرار بمصر في المطلوب، وكتبت منه نبذة تستحسنها من المحبين الأسماع والقلوب، وسلكت في ترتيبه أحسن أسلوب، وعرضت في سوقه كل نفيس غريب من الغرب إلى الشرق مجلوب، تستحسن الأبصار ما عليه احتوى، وتعرف الأفكار أنه غير مجتوى، ثم وقف بي مركب العزم عن التمام واستوى، فأخرته تأخير الغريم، لدين الكريم، وصدتني أعراض، عن تكميل ما يشتمل عليه من أغراض، واضربت برهة عما له من منحى، لاختلاف أحوال الدهر نفعاً ودفعاً ومنعاً ومنحاً، ومرقت عن هدف الإصابة نبال، وطرقت في سدف لبالي الكتابة أمور لم تكن ببال. [رسالة من ابن شاهين تحثه على المضي في التأليف] فجاءتني من المولى المذكور آنفاً، رسالة دلت على أنه لم يكن عن انتجاز الوعد متجانفاً، فعدت لقضاء الوطر مستقبلاً وللجملة مستأنفاً، وحداني خطابه الجسيم للإتمام وساقني، وراقني كتابه الكريم لهاتيك الأيام وشاقني، وذكرني تلك الليالي التي لم أنسها، وحركني لهاتيك المعاهد التي لم أزل أذكر أنسها: الإلف لا يصبر عن إلفه إلا كما يطرف بالعين وقد صبرنا عنهم مدة ما هكذا شأن المحبين

стр. 120

فيا له من كتاب أعرب عن ود صميم، وذكر بعهد غير ذميم، وود طيب العرف والشميم، يخجل ابن المعتز لبلاغه وابن المعز تميم: ولم تر عيناي من قبله كتاباً حوى بعض ما قد حوى كأن المباسم ميماته ولاماته الصدغ لما التوى وأعينه بعيون الحسان تغازلنا عند ذكر الهوى كتاب ذكرنا بألفاظه عهوداً زكت بالحمى واللوى فكأنه الروض المطرد الأنهار، والدوح المدبج الأزهار: رأينا به روضاً تدبج وشيه إذا جاد من تلك الأيادي غمائم به ألفات كالغصون وقد علا عليها من الهمز المطل حمائم وقد سقيت بأنهار البراعة السلسالة، حدائق حلت بها غانية تلك الرسالة، لتشفي صبها بالزيارة، وتشرف بدونها دياره: زارت الصب في ليال من البع؟ د فلما دنت رأى الصبح يلمح قلدت بالعقيان جيد بيان ليس فيه للفتح من بعد مطمح فشفت النفس من آلامها، وأحيت ميت الهوى مذحيت بعذب كلامها: كلام كالجواهر حين يبدو وكالند المعنبر إذ يفوح له في ظاهر الألفاظ جسم ولكن المعاني فيه روح

стр. 121

فصيرت لي ذلك الكتاب سميراً، ووردت من السرور مشرعاً نميراً، وتمثلت بقول بعض من أخلص في الود ضميراً: يا مفرداً أهدى إلي كتابه جملاً يحار الذهن في أثنائها كالدر أشرق في سموط عقوده والزهر والأنواء غب سمائها فأفادني جذلاً وبالي كاسد وأجار نفسي من جوى برحائها وحسبت أيام الشباب رجعن لي فلبست حلي جمالها وبهائها لا يعدم الإخوان منك محاسنا كل المفاخر قطرة من مائها فأكرم به من كتاب جاء من السري العلي، والماجد الأخ الولي: فضضت ختامه فتبينت لي معانيه عن الخبر الجلي وكان ألذ في عيني وأندى على كبدي من الزهر الجني وضمن صدره ما لم تضمن صدور الغانيات من الحلي وأعرب عن اعتماد متماد، ووداد مزدد، وأطاب حين أطال، وأدى دين الفصاحة دون مطال، واشتمل من فصول العبارة على أحسن من الحدق المراض، وأتى من اصول البراعة ببراهين ابن شاهين التي لا خلف فيها ولا افتراض، وروينا من غيث أنامله الهتون، وروينا عنه مسند أحمد حسن الأسانيد والمتون، وحثنا على العود والرجوع، وكان أجدى من الماء الزلال لذي ظمإ والمشتهى من الطعام لذي سغب وجوع:

стр. 122

وأشهى في القلوب من الأماني، وأحلى في العيون من الهجوع وجلا بنوره ظلام استيحاشي، وحشر إلي أشتات المسرات دون أن يحاشي، ووجدني في مكابدة شغوب، وأشغال أشربت القلب الكسل واللغوب، وحيرت الخواطر، وصيرت سحب الأقلام غير مواطر، فزحزح عني الغموم وسلاني، وأولاني - شكر الله صنيعه - من المسرات ما أولاني: حديثه أو حديث عنه يطربني هذا إذا غاب أو هذا إذا حضرا كلاهما حسن عندي أسر به لكن أحلاهما ما وافق النظرا وقال آخر: لست مستأنساً بشيء إذا غب؟ ت سوى ذكرك الذي لا يغيب أنت دون الجلاس عندي وإن كن؟ ت بعيداً فالأنس منك قريب وضمنت فيه لما ورد مع جملة كتب من تلك الناحية، وأنوار أهلها ذوي الفضائل الشهيرة أظهر من شمس الظهيرة في السماء الصالحية: قلت لما أتت من الشام كتب من أجلاء نورهم يتألق مرحباً مرحباً وأهلا وسهلاً بعيون رأت محاسن جلق وقلت أيضاً: قلت لما وافت من الشام كتب والليالي تتيح قرباً وبعدا مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً بعيون رأت محاسن سعدى

стр. 123

[مقتطفات من رسالة ابن شاهين] وكان من فصول الكتاب الوارد، من المولى الشاهيني الذي اقتنص بفضله كل رشاد، ما نصه: ((ومما استخلص قلبي من يدي ترحي، وجدد سروري ونبه فرحي، حديث الكتاب وما حديث الكتاب، حديث نسخ بحلاوته مرارة العتاب، وأنساني حرارة المصاب، في الأنسال والأعقاب، وقضى به من حق لسان الدين، دينه الذي تبرع به غريم مليء من البلاغة وهو غير مدين، حتى كأني يا سيدي بهذه البشرى، أحرزت سواري كسرى، وكان في مسمعي كل حرف إليها منسوب، قميص يوسف في أجفان يعقوب، وحتى كدت أهجر أهلي وبيتي، واسرج لا ستقبال هذه البشرى أشهى وكميتي، وحتى إنني حاربت نومي وقومي، وعزمت على أن أرحل ناقتي في وقتي ويومي، وإن ذلك التغليس والتهجير، في جنب ما بثرت به لحقير، وإن موقعها لدى هذا العبد الحقير لخطير. وقد كنت سألت شيخي حين ورد دمشق الشام، واشتم منها العرار والبشام، وشرفني فعرفني، وشاهدني فعاهدني، على أن يجري ما دار بيننا لدى المجاورة، من المسامرة والمحاورة، في ديباجة ذلك الكتاب، الذي فتن العقول خبره وسحر الألباب، وما قصدت إلا أن يجري أسمى على قلمه، ويرقم رسمي في مطاوي تحريره ورقمه، ويكون ذكري مختلطاً بذكره، كما أن سري مرتبط في المحبة بسره، فرأيت شيخي لم يتصد في اثناء هذه البشرى، لما يفهمني بالذكرى، لأنتظر النجاح في الأخرى، ولم يساعدني على ذلك الملتمس، وحبس عنان القلم فاحتبس، فانكسرت سورة سروري بفتوري، وتبين لنفسي عن بلوغ ذلك الأمل تخلفي وقصوري)) انتهى. ثم قال بعد كلام لم نذكره لعدم تعلقه بهذا الغرض، ما صورته:

стр. 124

وحسبت أن سيدي وحاشاه، نسي من ليس ينساه، وظننت به الظنون، لأمور تكون أو لا تكون، وهل يكره شيخي أن يهدي الدنيا في طبق؟ ثم الأخرى على ذلك النسق، ولا شك أن خطه هو الروضة الغنا، لا بل جنة المأوى، فطوبى لنفسي إن جنت ثمرته طوبى، ولعمر شيخي إني بذلك لجدير، وإني كنت أملك به الخورنق والسدير)) انتهى ما يتعلق بالمطلوب من ذلك الرقيم، الذي شكل منطقهغير عقيم، سلك الله تعالى بي وبمن وجهه الصراط المستقيم. وأتى في المكتوب بأنواع من البلاغة، مما تركت ذكره هنا لعدم تعلقه بهذا الأمر الخاص الذي ييسر لكارع الأدب مساغه، وختمه بقصيدة نفيسة من نظمه فيها ذلك الوعد، وأشهد أنه قد حاز فيها قصب السبق والمجد، وما قلت إلا بالذي علمت سعد، وهذه صورتها: يا سيداً أفديه بالأكثر من أصغر العالم والأكبرِ ويا وحيداً قل قولي له عطارد أنت مع المشتري ويا مجيداً ليس عندي له إلا مقال المادح المكثرِ أقسمت بالبيت العتيق الذي حجت إليه الناس والمشعرِ ما للعلا والعلم إلا أبو ال؟ عباس شيخي أحمد المقري ذاك الذي آثرني منه بال؟ علم الذي للغير لم يؤثرِ وخصني منه بأشياء لم يفز بها غيري ولم يعثرِ فرحت عبداً ذا وفاء له معترفاً بالرق لا أمتري

стр. 125

فيا أبا العباس يا من غدا أعظم في نفسي من معثري ومن إذا ما غاب عن ناظري كان سمير القلب للمحضر هات أفدني سيدي عن علا ال؟ مولى لسان الدين ذاك السري ذاك الوحيد الفذ في عصره بل أوحد الأدهر والأعصرِ ذاك الذي أخبرني سيدي عنه مزايا بعد لم تحصرِ ذاك الذي العيوق لا يعتلي إلى معاليه ولا يجتري ما قد وعدت العبد في جمعه من خبر عن فضله مسفرِ بخطك الوضاح وهو الذي مخبره يربي على المنظرِ والشيء لا يرجى إذا ما غدا منظره يربي على المخبرِ نقش على طرس بياض كما لاحت عيون الرشإ الأحورِ وأسطر قد سلسلت مثلما لاح عذار الشادن المقمرِ ونزهة الأنفس معنى غدا ما بينها ينساب كالكوثرِ عذب رقيق مثل ظبي غدا يلوح طاوي الكشح أو جؤذرِ آثار أقلامك وهي التي أغنت عن الأبيض والأسمرِ يراعك الجامع راوٍ غدا يروي اللغى عن لفظك الجوهري ينثر مسكاً تارة ناظماً وينظم الجوهر بالعنبرِ هذا ابن شاهين الفتى أحمد عن ذكرك المأنوس لم يفترِ فاجعل له ذكراً كريماً به يزدان مغبوطاً إلى المحشرِ واذكر بويتاتي وكل الذي كتبته نحوك في دفتري أنت جدير بمديحي فكن ذاكر عبد بالوفا أجدرِ وهاكها سيارة أعنقت على جواد كان للبحتري

стр. 126

طرف كريم سابق صافن مطهم ذي أدب أوفرِ ورثته منه ولكنما من شاعر وافى إلى أشعرِ ما للفتى الطائي شوط امريء يصطاد نسر الجو بالمنسرِ واسلم لعبد لا يرى سيداً سوى الذي في ثوبك الأطهرِ في كرم العنصر فرداً غدا طبعك فاشكر كرم العنصرِ ما حن مشتاق أخو صبوة إلى خليل في الهوى مفكرِ انتهت. [تهمم المؤلف لاستئناف التصنيف] فلما وصلني هذا الخطاب، الذي ملأ من الفصاحة الوطاب، وحلا في عيني وقلبي وطاب، تحركت دواعي الوجد، لذلك المجد، الذي ولعت به لولع ابن الدمينة بصبا نجد، وأثار من الهيام والأوار، ما يزيد على ما حصل للفرزدق لما فارق النوار، وتضاعف الشوق إلى تلك الأنجاد والأغوار، منشداً قول الأول: ((لعل أبي المغوار)) ، وتذكرت والذكرى شجون وأطوار، تلك الأضواء وزالأنوار، المشرقة بقطر أزهر بالمحاسن، وجرى نهره غير آسن، فلم يذم فيه الجوار: وإن اصطباري عن معاهد جلق غريب فما أجفى الفراق وأجفاني سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربها كحلت بها من شدة الشوق أجفاني وحصل التصميم، على التكميل للتأليف والتتميم، رعياً لهذا الولي الحميم

стр. 127

أفاض الله تعالى عليه غيث البر العميمي، وأبقى ظل عزه ممدوداً، وخلى سؤدده مودودا، وأناله من الخيرات ما ليس محصوراً ولا معدوداً، وجمعني وإياه، وأطلع لي بشر محياه، وأنشقني عرف اجتماعه ورياه، وكيف لا أستديم أمد بقياه، وأعتقد البشائر في لقياه، وأسقى غروس الود بسقياه، وهو الصدر الذي أصفى لي الوداد، والركن الذي لي بثبوته اعتداد: فعليه من مصفي هواه تحية كالمسك لما فض عنه ختام تترى بساحته السنية ما دعت فوق الغصون هديلهن حمام ودامت فضائله ظاهرة كالشمس، محروسة بالسبع المثاني معوذة بالخمس: ولا انفك ما يرجوه اقرب من غدٍ ولا زال ما يخشاه أبعد من أمس وبقي من العناية في حرم أمين، آمين. ولما حصل لي كمال الاغتباط، بما دل على صحة حال الارتباط، نشرت بساط الانبساط، وحدثت لي قوة النشاط، وانقشعت عني سحائب الكسل وانجابت، وناديت فكرتي فلبت مع ضعفها وأجابت، فاقتدحت من القريحة زنداً كان شحاحاً، وجمعت من مقيداتي حساناً وصحاحاً، وكنت كتبت شطره، وملأت بما تيسر هامشه وسطره، ورقمت من أنباء لسان الدين ابن الخطيب حللا لا تخلق جدتها الأعصر، وسلكت من التعريف به ﵀ مهامه تكل فيها واسعات الخطا وتقصر. فحدث لي بعد ذلك عزم على زيادة الأندلس ذكر الأندلس جملة ومن كان يعضد بها الإسلام وينصر، وبعض مفاخرها الباسقة، ومآثر أهلها المتناسقة، لأن كل ذلك لا يستوفيه القلم ولا يحصر، وجئت

стр. 128

من النظم والنثر بنبذة توضح للطالب سبله، وتظهر علمه ونبله، وتترع محاسنه من راح المذاكرة وإناءه، حتى يرى إيثار هذا المصنف وإدناءه، وكنت في المغرب وظلال الشباب ضافية، وسماء الأفكار من قزع الأكدار صافية، معتنياً بالفحص عن أنباء الأندلس، وأخبار أهلها التي تنشرح لها الصدور والأنفس، وما لهم من السبق في ميدان العلوم، والتقدم في جهاد العدو الظلوم، ومحاسن بلادهم، ومواطن جدالهم وجلادهم، حتى اقتنيت منها ذخائر يرغب فيها الأفاضل الأخاير، وانتقيت جواهر، فرائدها للعقول بواهر، واقتطفت أزاهر، أنجمها في أفق المحاضرة زواهر، وحصلت فوائد بواطن وظواهر، طالما كانت أعين الألباء لنيلها سواهر، وجمعت من ذلك كلما عالية، لو خاطب بها الداعي صم الجلامد لا نبجس حجرها، وحكماً غالية، لو عامل بها الأيام ربح متجرها، واسجاعاً تهتز لها الأعطاف، ومواعظ يعمل بمقتضاها من حفت به الألطاف، وقوافي موفورة القوادم والخوافي، يثني عليها من سلم من الغباوة والصمم، ويعترف ببراعتها من لا يعتريه اللمم، وطالما أعرض الجاهل الغمر بوجهه عن مثلها واشاح، وأنصت لهما الحبر إنصات السوار لجرس الحلي ونغم الوشاح، وفرح إن ظفر بشيء منها فرح الصائد بالقنيص، والساري العاري ذي البطن الخميص، بالزاد والقميص وتركت الجميع بالمغرب، ولم أستصحب معي منه ما يبين عن المقصود ويعرب، إلا نزراً يسيراً علق بحفظي، وحليت بجواهره جيد لفظي، وبعض أوراق سعد في جواب السؤال بها حظي، ولو حضرني الآن ما خلفته، مما جمعت في ذلك الغرض وألفته، لقرت به عيون وسرت ألباب، إذ هو والله الغاية في هذا الباب، ولكن المرء ابن وقته وساعته، وكل ينفق على قدر وسعه

стр. 129

واستطاعته، وعذر مثل باد، للمصنفين من العباد، إن قصرت فيما تبصرت، أو تخلفت في الذي تكلفت، أو أضعت تحرير ما وضعت، والتقمت ثدي التقصير ورضعت، أو أطعت داعي التواني فتأخرت عمن سبق وانقطعت، (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) ، ومن كانت بضاعته مزجاة، فهو عن الإنصاف بمنجاة، إذ أتى بالمقدور، وتبرأ من الدعوى في الورود والصدور، وعين الرضا عن كل عيب كليلة، والسلامة من الملامة متعذرة أو قليلة، وقد قال إمامنا مالك صاحب المناقب الجليلة: ((كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر)) ﷺ أزكى صلاة وأتم سلام وشفى بجاهه من الآلام قلوبنا العليلة، وجلعنا ممن كان اتباع سنته رائدة ودليله، آمين. والحمد لله الذي يسر لي هذا القدر، مع ضيق الصدر، وقلة بضاعتي، وكثرة إضاعتي، فإن حمده ﷻ تتضوع به المطالب طيباً، وتقتضي ببركته المآرب فيرقى صاحبها على منبر القبول خطيباً، وتعذب به المشارب فتنبت في أرض القرطاس، من زاكي الغراس، ما يروق منظراً نضيراً ويورق غصناً رطيباً، وقد أتيت من المقال، بما يقر إن شاء الله تعالى عين وامق ويرغم أنف قال، وإن كنت ممن هو في ثوب العي رافل، وعن نسبته للقصور غير غافل، وممن جعل هدفاً وصير مكان الدرر صدفاً، إذ لسان الدين بن الخطيب إمام هذه الفنون، المحقق لذوي الآمال الظنون، المستخرج من بحار البلاغة المكنون، وله اليد الطولي في العلوم على اختلاف أجناسها، والألفاظ الرائقة التي تزيح وحشة الأنفس بإيناسها:

стр. 130

ناهيك من فرد أغر ممدح رحب الذرا حر الكلام محسد بهر النام رياسة وسياسة وجلالة في المنتمي والقعدد وأتى بكل بديعة في نوعها لم تخترع وغريبة لم تعهد ما شئت من شعر أرق من الصبا وكتابه أزهى من الزهر الندي وبديع قرطاس توشح متنه بمنمنم من رقمه ومنجد بهج كأن الحسن حل أديمه فكساه ريعان الشباب الأغيد وكأنما سال العذار عليه أو خطته أيدي الغانيات بإثمد يختال بين موصل ومفصل مطرز ومنظم ومنضد كالبرد في توشيعه، والسلك في ترصيعه، والوشي نمق باليد قد قيد الأبصار والأفكار من ألفاظه بمثقف ومقيد ما فيه مغرز إصبع إلا وفي؟ هـ نتيجة لمفرع ومولد ولكل جزء حكمة أو ملحة أو بدعة لمرسل ومقصد أوليس مثلي قاصراً عن وصفه والحق نور واضح للمهتدي وكما قلت وقد عجزت عن أداء الواجب وحاولت المسنون، وفضل الله سبحانه على من يشاء من عباده ليس بممنوع ولا ممنون: ليت شعري أي العبارات توفي واجب أبن الخطيب مما أروم وأنا عاجز عن البعض منها لقصوري وما العيي ملوم وهو يدعي لسان دين وناهي؟ ك افتخاراً به تتم الرسوم فبأي الحلى أحلي علا من نال فضلاً روته عرب وروم وعلى الفرض ما الذي أنتحى من؟ هـ لدى الوصف أن يخص العموم ألحفظ قد ارتوى من معين لصواب عليه كل يحوم

стр. 131

أم لفهم يستخرج الدر غوصاً من بحارٍ يخشى بها من العوم أم لفكر مؤلف في فنون عدة ما به تداوى الكلوم أم لنظم كأنه جوهر السل؟ ك غلا قدره على من يسوم تتباهى به الصدور حلياً وتروق العيون منه نجوم أم لنثر وافى بسحر بيان فهو كالروح والمعاني جسوم وأظلته للبديع سماء تتلالا في جانبيها العلوم فاستزادت منه النفوس رشاداً واستزانت منه النهى والحلوم أمن لخط منمنم فاق حسناً مثل وشيٍ تلوح منه الرقوم أو كزهر في بهجة ورواء وأريج به تزاج الغموم والغصون الأقلام، والطرس روض ناضر، والمداد غيث سجوم تلك ست أعجزن وصفي فإني بسواها مما يجل أقوم ولم يكن جمعي - عليه الله - هذا التأليف لرفد أستهديه، أو عرض نائل أستجديه، بل لحق ود أؤديه، ودين وعد أقدمه وأبديه، ووقوف عند حد لا يجوز تعديه، وتلبية داع أحييه وأفديه: إن من يرجو نوالا وندى من بني الدنيا لذو حظ غبين فلقد كان على غير الهدى من يسومهم برب العالمين ويرجي منهم الرزق فهل خالق الكل فقير أو ضنين أنخلي قصد رب مالك ونرى للخلق جهلاً قاصدين ما لنا من مخلص نأتي به غير جاه المصطفى الهادي الأمين سيد الخلق العماد المرتجى للملمات شفيع المذنبين فعليه صلوات تنتحي حضرةً حل بها في كل حين

стр. 132

والرضى من بعد عن أربعة هم بحق أمراء المؤمنين فيميناً إن من يهواهم ليكونن من أصحاب اليمين وسط جنات تحييه بها آنسات قاصرات الطرف عين بقوارير لجين شربه وأباريسق وكأس من معين والذي شرفهم يمنحنا حبهم والكون معهم أجمعين فدونك أيها الناظر في هذا الكتاب، المتجافي عن مذهب النقد والعتاب، كلمات سوانح، اختلست مع اشتعال الجوانح، وتضاد الأمور الموانع والموانح، وألفاظ بوارح اقتضت بين أشغال الجوارح، وطرفاً أسمت الطرف في مرعاها وكانت هملاً غير سوارح، وتحفاً يحصل بها لناظره الإمتاع، ولا يعدها من سقط المتاع المبتاع، ويلهج بها المرتاح ويستأنس المستوحش المرتاع. [منهج الكتاب] وبعد أن خمنت تمام هذا التصنيف، وأمعنت النظر فيما يحصل به التقريط لسامعه والتشنيف، قسمته قسمين، وكل منهما مستقل بالمطلوب فيصح أن يسميا باسمين: القسم الأول - فيما يتعلق بالأندلس من الأخبار المترعة الأكواب، والأنباء المنتحية صوب الصواب، الرافلة من الإفادة في سوابغ الأثواب، وفيه بحسب القصد والاقتصار، وتحري التوسط في بعض المواضع دون الاختصار، ثمانية من الأبواب:

стр. 133

الباب الأول: في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها، واعتدال مزاجها ووفور خيرها وكمالها واستوائها، واشتمالها على كثير من المحاسن واحتوائها، وكرم نباتها الذي سقته سماء البركات من جنباتها بنافع أنوائها، وذكر بعض مآثرها المجلوة الصور، وتعداد كثير مما لها من البلدان والكور، المستمدة من أضوائها. الباب الثاني: في إلقاء بلد الأندلس للمسلمين بالقياد، وفتحها على يد موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد، وصيرورتها ميداناً لسبق الجياد، ومحط رحال الارتياء والارتياد، وما يتبع ذلك من خبر حصل بازديانه ازدياد، ونبإ وصل إليه اعتيام وتقرر بمثله اعتياد. الباب الثالث: في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد، والقهر للعدو في الرواح والغدو والتحرك للهدو البالغ غاية الآماد، وإعمال أهلها للجهاد، بالجد والاجتهاد، في الجبال والوهاد، بالأسنة المشرعة والسيوف المستلة من الأغماد. الباب الرابع: في ذكر قرطبة التي كانت الخلافة بمصرها للأعداء قاهرة، وجامعها الأموي ذي البدائع الباهية الباهرة، والإلماع بحضرتي الملك: الزهراء الناصرية والعامرية الزاهرة، ووصف جملة من متنزهات تلك الأقطار ومصانعها ذات المحاسن الباطنة والظاهرة، وما يجر إليه شجون الحديث من أمور تقتضي بحسن إيرادها القرائح الوقادة والأفكار الماهرة. الباب الخامس: في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق

стр. 134

الذاكية العرار والبشام، ومدح جماعة من أولئك الأعلام، ذوي الألباب الراجحة والأحلام، لشامة وجنة الأرض دمشق الشام، وما اقتضته المناسبة من كلام أعيانها وأرباب بيانها ذوي السؤدد والاحتشام، ومخاطباتهم للمؤلف الفقير حين حلها عام سبعة وثلاثين وألف وشاهد برق فضلها المبين وشام. الباب السادس: في ذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق، المهتدين في قصدهم إليها بنور الهداية المضيء المشرق، والأكابر الذين حلوا منها بحلولهم فيها الجيد والمفرق، وافتخروا برؤية قطرها المونق على المشئم والمعرق. الباب السابع: في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم في اكتساب المعارف والمعالي والمعالي ما عز أو هان، وحوزهم في ميدان البراعة من قصب السبق خصل الرهان، وجملة من أجوبتهم الدالة على لوذعيتهم، وأوصافهم المؤذنة بألمعيتهم، وغير ذلك من أحوالهم التي لها على فضلهم أوضح برهان. الباب الثامن: في ذكر تغلب العدو الكافر علىالجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها، وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره، واستعماله في أمرها حيل فكره، حتى استولى - دمره الله - عليها، ومحا منها التوحيد واسمه، وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه، وقرر مذهب التثليب والرأي الخبيث لديها، واستغاثة من بها بالنظم والنثر، أهل ذلك العصر، من سائر الأقطار، حين تعذرت بحصارها، مع قلة حماتها وأنصارها، المآرب والأوطار، وجاءها الأعداء من خلفها ومن بين يديها، أعاد

стр. 135

الله تعالى إليها كلمة الإسلام، وأقام فيها شريعة سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها، آمين. ولم أخل باباً في هذا القسم من كلام لسان الدين بن الخطيب وإن قل، مع أن القسم الثاني بذلك كما ستقف عليه قد استقل، وهذا آخر ما تعلق بالقسم الأول، وعلى الله سبحانه المتكل والمعول. القسم الثاني - في التعريف بلسان الدين بن الخطيب، وذكر أنبائه التي يروق سماعها ويتأرج نفحها ويطيب، وما يناسبها من أحوال العلماء الأفراد، والأعلام الذي اقتضى ذكرهم شجون الكلام والاستطراد، وفيه أيضاً من الأبواب ثمانية، موصلة إلى جنات أدب قطوفها دانية، وكل غصن منها رطيب: الباب الأول: في أولية لسان الدين وذكر أسلافه، الذين ورث عنهم المجد وارتضع در أخلافه، وما يناسب ذ١لك مما لا يذهب المنصف إلى خلافه. الباب الثاني: في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له ثم قلبه له ظهر المجن على عادته، في مصافاته، ومنافاته، وارتكابه، في شباكه، وما لقي من إحن الحاسد، ذي المذهب الفاسد، ومحن الكايد المستأسد وآفاته، وذكر قصوره وأمواله، وغير ذلك من أحواله، في تقلباته عندما قابله الزمان بأهواله، في بدئه وإعادته إلى وفاته. الباب الثالث: في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتصل

стр. 136

بذلك من الأخبار الشافعية للعلة، والمواعظ المنجية من الأهواء المضلة، والمناسبات الواضحة البراهين والأدلة. الباب الرابع: في مخاطبات الملوك والأكابر الموجهة إلى حضرته العلية، وثناء غير واحد من أهل عصره عليه، وصرف القاصدين وجوه التأمل إليه، واجتلائهم أنوار رياسته الجلية. الباب الخامس: في إيراد جملة من نثره الذي عبق أريج البلاغة من نفحاته، ونظمه الذي تألق نور البراعة من لمحاته وصفحاته، وما يتصل به من بعض أزجاله وموشحاته، ومناسبات رائقة من فنون الأدب ومصطلحاته. الباب السادس: في مصنفاته في الفنون، ومؤلفاته المحققة للواقف عليها الآمال والظنون، وما كمل منها أو اخترمته دون إتمامه المنون. الباب السابع: في ذكر بعض تلامذته الآخذين عنه، المستدلين به على المنهاج، المتلقين أنواع العلوم منه، والمقتبسين أنوار الفهوم من سراجه الوهاج. الباب الثامن: في ذكر أولاده الرافلين في حلل الجلالة، المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله، الوارثين العلم والحلم والرياسة والمجد عن غير كلالة، ووصيته لهم الجامعة لآداب الدين والدنيا، المشتملة على النصائح الكافية، والحكم الشافية، من كل مرض بلا ثنيا، المنقذة من أنواع الضلالة، وما يتبع ذلك من المناسبات القوية، والأمداح النبوية، التي لها على حسن الختام أظهر دلالة.

стр. 137

وقد كنت أولاً سميته ب؟ ((عرف الطيب، في التعريف بالوزير ابن الخطيب)) ، ثم وسمته حين ألحقت أخبار الأندلس به ب؟ ((نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب)) . وله بالشام تعلق من وجوه عديدة، هادية متأملها إلى الطرق السديدة: أولها: أن الداعي لتأليفه أهل الشام - أبقى الله مآثرهم وجعلها على مر الزمان مديدة. ثانيها: أن الفاتحين للأندلس هم أهل الشام ذوو الشوكة الحديدة. ثالثها: أن غالب أهل الأندلس من عرب الشام الذين اتخذوا بالأندلس وطناً مستأنفاً وحضرة جديدة. ورابعها: أن غرناطة نزل بها أهل دمشق، وسموها باسمها لشبهها بها في القصر والنهر، والدوح والزهر، والغوطة الفيحاء، وهذه مناسبة قوية العرى شديدة. [خاتمة المقدمة] هذا، وإني أسأل ممن وقف عليه، أن ينظر بعين الإغضاء إليه، كما أطلب ممن كان السبب في تصنيفه، والداعي إلى تأليفه وترصيفه، استناداً لركن الثقة، واعتماداً على الود والمقة، أن يصفح عما فيه من قصور ويسمح، ويلاحظه بعين الرضى الكليلة ويلمح، إذ ركبت شكل منطقه والأشجان غالبة، وقضية الغربة، موجبة للكربة، ولبعض الآمال سالبه، وهو - وإن لم يوف

стр. 138

بكل الغرض - يخلو من فائدة، وقد يستدل على الجوهر بالعرض، فإن أديت المفترض وذاك المرام الذي أرتضيه، ويوجب الود ويقتضيه: وإلا فحسبي أن بذلت به جهدي وأنفقت من وجدي على قدر ما عندي وقد توهمت أني لم أسبق إلى مثله في بابه، إذ لم اقف له على نظير أتعلق بأسبابه، ورجوت أن يكون هدية مستملحة مستعذبة، وطرفة مقبولة مستغربة: هديتي تقصر عن همتي وهمتي أكثر من مالي وخالص الود ومحض الإخا أكثر ما يهديه أمثالي وأوردت فيه من نظم وإنشاء، ما يكفي المقتصر عليه إن شاء، ومن أخبار ملوك ورؤساء، وطبقات من أحسن أو اساء، ما فيه للمتأمل، وادكار للراحل المتحمل، وزينة للذاكر المتجمل، وتنكيت على أهل البطر، وتبكيت لمن خرج من دنياه ولم يقض من الطاعة الوطر: أرى أولاد آدم أبطرتهم حظوظهم من الدنيا الدنيه فلم بطروا وأولهم مني إذا نسبوا وآخرهم منيه وفيه إيقاظ لمثلي من سنة الغفلة، وحث على عدم الاغترار بالمهلة، وتنبيه للابس برد الشباب القشيب، أنه لا بد من حادث الموت قبل أو بعد المشيب: لله در الشيب من واعظ وناصح منهاجه واضح كل امرئ يعجبه شأنه وحادث الدهر له فاضح

стр. 139

فكم باك على عصر الشبياب، وشاك لفراق عهد الصبا والأحباب، أنساه طارق الزمان سليمي والرباب: مضى عصر الشباب كلمح برق وعصر الشيب بالأكدار شيبا وما أعددت قبل الموت زاداً ليوم يجعل الولدان شيبا وما أحسن قول بعض الأعلام: مضى ما مضى من حلو عيش ومره كأم لم يكن إلا كأضغاث أحلام وقول من أرشد سفيها: إنما هذه الحياة متاع فالمجهول الجهول من يصطفيها ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها وفي معناه لغيره: دنياك شيئان فانظر ما ذانك الشيئان ما فات منها فحلم وما بقي فأماني وما أحكم قول ابن حطان، مع وقوعه من البدعة في أشطان: يأسف المرء على ما فاته من لبنات إذا لم يقضها وتراه ضاحكاً مستبشراً بالتي أمضى كأن لم يمضها إنها عندي كأحلام الكرى لقريب بعضها من بعضها ولغيره: والله لو كانت الدنيا بأجمعها تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا ما كان من حق حر أن يذل لها فكيف وهي متاع يضمحل غدا

стр. 140

ولآخر: لا حظ في الدنيا لمستبصر يلمحها بالفكرة الباصره إن كدرت مشربه ملها وإن صفت كدرت الآخرة ويعجبني قول الوزير ابن المغربي: إني أبثك من حدي؟ ثي والحديث له شجون فارقت موضع مرقدي ليلاً ففارقني السكون قل لي فأول ليلة للقبر كيف ترى أكون وقول ماميه: تأمل في الوجود بعين فكر تر الدنيا الدنية كالخيال ومن فيها جميعاً سوف بفنى ويبقة وجه ربك ذو الجلال وقول بعض العارفين: استعدي يا نفس للموت واسعي لنجاة فالحازم المستعد قد تبينت أنه ليس للحي خلود وما من الموت بد إنما أنت مستعيره ما سو ف تردين والعواري ترد أنت تسهين والحوادث لا تس؟ هو وتلهين والمنايا تجد

стр. 141

أي ملك في الأرض أو أي حظ ... لامرئ حظه من الأرض لحد لا ترجي البقاء في معدن المو ... ت ودارٍ حتوفها لك ورد كيف يرجو امرؤ لذاذة أيا ... م عليه الأنفاس فيها تعد وأسأل من مبلغ السائلين ما يرجون: أن يصفح عن زلاتي ويسامحني فيما أوردت في هذا الكتاب من الهزل والمجون، الذي جرت المناسبة إليه (١) والحديث شجون، وما القصد منه إلا ترويح قلوب الذين يسوقون عيس الأسمار ويزجون، وفيما أوردت من المواعظ والنصائح، وحكايات الأولياء الذين طيب زهر مناقبهم فائح، والتوسل بمحاسن الأمداح النبوية أن يستر بفضله سبحانه القبائح، ويرينا وجه القبول بلا اكتتام، ويمنحنا الزلفى وحسن الختام: ومن يتوسل بالنبي محمد ... شفيع البرايا السند الأسنى فذاك جدير أن يكفر ذنبه ... ويمنح نيل القصد والختم بالحسنى وهذا أوان الشروع، في الأصول من هذا الكتاب والفروع، وعلى الله سبحانه أعتمد، ومن معونته أستمد.

стр. 142

القسم الأول فيما يتعلق بالأندلس من الأخبار المترعة والأكواب، والأنباء المنتحية صوب الصواب، الرافلة من الإفادة في سوابغ الأثواب، وفيه - بحسب القصد والاختصار، وتحري التوسط في بعض المواضع دون الاختصار - ثمانية من الأبواب

стр. 143

فراغ

стр. 144

الباب الأول في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيراتها واستوائها، واشتمالها على كثيرٍ من المحاسن واحتوائها، وكرم بقعتها التي سقتها سماء البركات بنافع أنوائها، وذكر بعض مآثرها المجلوّة الصور، وتعداد كثيرٍ مما لها من البلدان والكور، المستمدة من أضوائها فأقول: محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره، وأنّى تجارى وهي الحائزة قصب السّبق، في أقطار الغرب والشرق. [مقدمات عامة في مزايا الأندلس] قال ابن سعيدٍ: إنّما سميت بأندلس بن طوبالٍ (١) بن يافثٍ بن نوحٍ، لأنّه نزلها، كما أن أخاه سبت بن يافثٍ نزل العدوة المقابلة لها، وإليه تنسب سبتة. قال: وأهل الأندلس يحافظون على قوام اللسان العربي، لأنّهم إمّا عربٌ أو متعربون، انتهى. وقال ابن غالبٍ (٢) : إنّه أندلس بن يافثٍ، والله تعالى أعلم. وقال الوزير لسان الدين بن الخطيب - رحمه الله تعالى - في بعض كلامٍ له

стр. 145

أجرى فيه ذكر البلاد الأندلسية، أعادها الله تعالى للإسلام ببركة المصطفى عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، ما نصّه: خصّ الله تعالى بلاد الأندلس من الرّيع وغدق السّقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وصحّة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وقبول (١) الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدّن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار ممّا سواها، انتهى. قال أبو عامرٍ السالمي (٢) ، في كتابه المسمى " بدرر القلائد وغرر الفوائد ": الأندلس من الإقليم الشامي، وهو خير الأقاليم، وأعدلها هواءً وتراباً، وأعذبها ماءً وأطيبها هواءً وحيواناً ونباتاً، وهو أوسط الأقاليم، وخير الأمور أوسطها، انتهى. قال أبو عبيدٍ البكري (٣) : الأندلس شاميةٌ في طيبها وهوائها، يمانيةٌ في اعتدالها واستوائها، هنديةٌ في عطرها وذكائها، أهوازيةٌ في عظم جبايتها، صينيةٌ في جواهر معادنها، عدنيةٌ في منافع سواحلها، فيها آثارٌ عظيمةٌ لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة، وكان من ملوكهم الذين أثّروا الآثار بالأندلس هرقلس، وله الأثر في الصنم بجزيرة قادس وصنم جلّيقية، والأثر في مدينة طرّكونة الذي لا نظير له.
следующие страницы →