← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الله رفع في سراه مناره وأبان في السبع العلا أنواره فقفت ملائكة السما آثاره واراه جنته هناك وناره فمؤبد ومخلد لمخلد كم ذاد من وجلٍ وجلى ظلمةً وامتن بالرحمى ومتن حرمةً لما دجى أفق الضلالة دهمةً بعث الإله به ليرحم أمةً لولاه كانت بالضلالة ترتدي حاز الشفوف فكل خلق دونه فالغيث يسأل إذ يسيل يمينه والشمس تستهدي الشروق جبينه والله فضله وأظهر دينه ووفى لنا فيه بصدق الموعد نطقي يغادي ذكره ويراوح وبه ينافج مسكةً وينافح تعيي اللسان محامد وممادح طوبى لمن قد عاش وهو يكافح عنه يناضل باللسان وباليد هو صفوة العرب الأولى أحسابهم أسيافهم قرنت بها أسبابهم فهم لباب المجد وهو لبابهم من آل بين لم تزل أنسابهم تنبي لهم عن طيب عنصر مولد شرف النبوة قد رسا في أهلها وسما على الزهر العلا بمحلها ساق السوابق للفخار برسلها نطق الكتاب كما علمت بفضلها وقضى به نص الحديث المسند فوق السماك توطنت وتوطدت وتفردت بالمصطفى وتوحدت فهي الخلاصة صفيت فتجردت من معدن فيه الرسالة قد بدت من عصر آدمنا لعصر محمد

стр. 72

طالوا فلم يبقوا لمجد مصعدا صالوا ففي أيمانهم حتف العدا سالوا فهم لعفاتهم غيث الجدا أهل السقاية والرفادة والندى والكعبة البيت الحرام المقصد المطعمون وقد طوى المري الطوى الناهضون إذا الصريخ لهم نوى العاطفون إذا الطريق بهم ثوى أهل السدانة والحجابة واللوا أهل المقام وزمزم والمسجد المصلحون إذا الجموع تخاذعت المنجحون إذا المساعي دافعت الدافعون إذا الأعادي قارعت المؤثرون إذا السنون تتابعت وفد الحجيج بنيل كل تفقد لا يقرب الخطب الملك منيعهم لا يطرق الكرب المخيف قريعهم والله شرف بالنبي جميعهم من نال رتبتهم وحاز صنيعهم نال الشفوف وحاز معنى السؤدد حلوا من الطود الأشم بمنعةٍ في خير معتصم وأسمى رفعةٍ فهم بمنة في هجعةٍ الله خصصهم بأشرف بقعةٍ محجوبة محفوفةٍ بالأسعد لما أتيت لرامة أصل السرى من بعد قصدي مكةً أم القرى أنشدت جهراً فيه أنثر جوهرا وإليكما يا خير من وطيء الثرى عذراء تزري بالعذارى الخرد

стр. 73

كل الحسان لحسنها قد أدهشا ما مثلها في تربها شادٍ نشا سفرت بعزمٍ ما أجد وأطيشا نشأت بطي القلب وارتوت الحشا زهراء من يرها يهل ويسجد أمتك تشأى في مداها الألسنا وتري إجادتها المجيد المحسنا تغدو ولا تثني العنان عن الثنا وأتتك تمرح كالقضيب إذا انثنى مترنحاً بين الغصون الميد قد أعلمت في المدح ثاقب ذهنها ترجو الحلول لدى قرارة أمنها وعسى إذا غذيت بتربة عدنها يجلو لك الإحسان بارع حسنها والحسن يجلوها وإن لم تنشد مدحي لخير العالمين عقيدتي ومطيتي بل وطيبتي ونشيدتي ونتيجتي وهدى اليقين مفيدتي ولئن مدحت محمداً بقصيدتي فلقد مدحت قصيدتي بمحمد يا خير خلق الله دعوة حائر يشكو إليك صروف دهر جائر والله يعلم في هواك سرائري وهو الذي أرجو لعفو جرائري متوسلاً بجنابك المتأطد لولا حقوق عينت بمغارب بمكثت عندك كي تتاح مآربي ويكون في الزرقاء عذب مشاربي حتى أحلي من ثراك ترائبي وأنال دفناً في بقيع الغرقد وعليك من ربٍ حباك صلاته وسلامه وهباته وصلاته ما أم بابك من هدته فلاته لعلاك حتى زحزحت علاته فأتيح حسن الختم دون تردد

стр. 74

ثم ودعته ﷺ والقلب من فراقه صقيم، ووقعت من البعد عن تلك المعاهد في المقعد المقيم، وأنا أرجو أن يكون شكل منطقي غير عقيم، وأن أحشر في زمرة من سلك الصراط المستقيم: يا شفيع العصاة أنت رجائي كيف يخشى الرجاء عندك خيبه وإذا كنت حاضراً بفؤادي غيبة الجسم عنك ليست بغيبه ليس بالعيش في البلاد انتفاع أطيب العيش ما يكون بطيبه [زيارة بيت المقدس] ثم عدت إلى مصر، وقد زال عني ببركته ﷺ الإصر، وذلك في محرم سنة ١٠٢٩، ثم قصدت زيارة بيت المقدس في شهرة ربيع من هذا العام، وقد شملتني بفضل الله جوائز الإنعام، وتذكرت عند مشاهدة تلك المسالك الصعبة، قول حافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - وهو مما زادني في هذه الزيارة رغبة: إلى البيت المقدس جئت أرجو جنان الخلد نزلاً من كريم قطعنا في مسافته عقاباً وما بعد العقاب سوى النعيم فلما دخلت المسجد الأقصى، وأبصرت بدائعه التي لا تستقصي، بهرني جماله الذي تجلى الله به عليه، وسألت عن محل المعراج الشريف فأرشدت إليه وشاهدت محلاً أم فيه ﷺ الرسل الكرام الهداة، وكان حقي أن أنشد هنالك ما قاله بعض الموقفين وهو مما ينبغي أن تزمزم به الحداة:

стр. 75

إن كنت تسأل أين قد ر محمدٍ بين الأنام فاصخ إلى آياته تظفر بريك في الأوام أكرم بعبد سلمت تقديمه الرسل الكرام في حضرة للقدس وا فاها بعز واحترام صفوا وصلوا خلفه إن الجماعة بالإمام للشهب نور بين والفضل للقمر التمام سلك النبوة باهر وبأحمد ختم النظام هذا الكتاب دلالة تبقى إلى يوم القيام شهدت له من بعد عج؟ زٍ ألسن اللد الخصام خير الورى وأجل آيات له خير الكلام فعليه من رب الورى أزكى صلاةٍ مع سلام وربما يقول من يقف على سرد هذه الأمداح النبوية: إلى متى وهذا الميدان تكل فيه فرسان البديهية والروية؟ فأنشده في الجواب، قول بعض من أم نهج الصواب: لأديمن مديح المصطفى فعل من في الله قوى طمعه فعسى أنعم في الدنيا به وعسى يحشرني الله معه وإذا كان القريض في بعض الأحيان كذباً صراحاً، والموفق من تركه والحالة هذه رغبة عنه وله اطراحا، فخير ما كان حقاً وهو مدح الله ورسوله، وبذلك يحصل للعبد منتهى سوله: ليس كل القريض يقبله السم؟ ع وتصغي لذكره الأفهام إن بعضاً من القريض هراء ليس شيئاً، وبعضه أحكام

стр. 76

وأجل الكلام ما كان في مد ح شفيع الورى ﵇ طيب العرف دائم الذكر لا تأ تي الليالي عليه والأيام مثل زهرٍ قد شق عنه كمام أو كمسك قد فض عنه ختام ليس تحصى صفات أحمد بالعد كما لم تحط بها الأوهام ولو أن البحار حبر وما في ال؟ أرض من كل نابت أقلام فطويل المديح فيه قصير وحسام ماضٍ لديه كهام ولسان البليغ للعي ينمي وكذا صيب الفصيح جهام كيف يحصى مديح مولى عليه ال؟ له أثنى وذكره مستدام وله المعجزات والآي تبدو لا يغطي وجوههن لثام فمن المعجزات أن سار ليلاً وجميع الأنام فيه نيام راكباً للبراق حتى أتى القد س وفيه رسل الإله الكرام فاستووا خلفه صفوفاً وقالوا صل يا أحمد فأنت الإمام فعليه من ربه صلوات زاكيات مع صحبه وسلام [عود إلى مصر ثم إلى القدس] ثم رجعت إلى القاهرة، وكررت منها الذهاب إلى البقاع الطاهرة، فدخلت لهذا التاريخ الذي هو عام تسعة وثلاثين وألف مكة خمس مرات، وحصلت لي بالمجاورة فيها المسرات، وأمليت فيها على قصد التبرك دروساً عديدة، والله يجعل أيام العمر بالعود إليها مديدة، ووفدت على طيبة المعظمة ميمماً مناهجها السديدة، سبع مرار، وأطفأت بالعود إليها ما بالأكباد الحرار، واستضأت

стр. 77

بتلك الأنوار، وألفت بحضرته ﷺ بعض ما من الله به علي في ذلك الجوار، وأمليت الحديث النبوي بمرأى منه ﵊ ومسمع، ونلت بذلك وغيره - ولله المنة - ما لك يكن لي فيه مطمح ولا مطمع، ثم أبت إلى مصر مفوضاً لله جميع الأمور، ملازماً خدمة العلم الشريف بالأزهر المعمور، وكان عودي من الحجة الخامسة بصفر سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة، فتحركت همتي أوائل رجب هذه السنة للعود للبيت المقدس، وتجديد العهد بالمحل الذي هو على التقوى مؤسس، فوصلت أواسط رجب، وأقمت فيه نحو خمسة وعشرين يوماً بدا لي فيها بفضل الله وجه الرشد وما احتجب، وألقيت عدة دروس بالأقصى والصخرة المنيفة، وزرت مقام الخليل ومن معه من الأنبياء ذوي المقامات الشريفة، وكنت حقيقاً بأن أنشد قول ابن مطروح، في ذلك المقام الذي فضله معروف وأمره مشروح: خليل الله قد جئنا نرجو شفاعتك التي ليست ترد أنلنا دعوةً واشفع تشفع إلى من لا يخيب لديه قصد وقل يا رب أضياف ووفد لهم بمحمد صلة وعهد أتوا يستغفرونك من ذنوب عظام لا تعد ولا تحد إذا وزنت بيذبل أو شمامٍ رجحن ودونها رضوى واحد ولكن لا يضيق العفو عنهم وكيف يضيق وهو لهم معد وقد سألوا رضاك على لساني إلهي ما أجيب وما أرد فيا مولاهم عطفاً عليهم فهم جمع أتوك وأنت فرد

стр. 78

[الرحلة إلى دمشق] ثم استوعبت أكثر تلك المزارات المباركة كمزار موسى الكليم، على نبينا وعليهم وعلى سائر المرسلين والأنبياء أفضل الصلاة والتسليم، ثم حدث لي منتصف شعبان، عزم على الرحلة إلى المدينة التي ظهر وبان، دمشق الشام، ذات الحسن والبهاء والحياء والاحتشام، والأدواح المتنوعة، والأرواح المتضوعة، حيث المشاهد المكرمة، والمعاهد المحترمة، والغوطة الغناء والحديقة، والمكارم التي يباري فيها المرء شانئه وصديقه، والأظلال الوريفة والأفنان الوريقة، والزهر الذي تخاله مبسماً والندى ريقه، والقضبان الملد، التي تشوق رائيها لجنة الخلد: بحيث الروض وضاح الثنايا أنيق الحسن مصقول الأديم وهي المدينة المستولية على الطباع، المعمورة البقاع، بالفضل والرباع: تزيد على مر الزمان طلاوة دمشق التي راقت بحلو المشارب لها في أقاليم البلاد مشارق منزهة أقمارها عن مغارب ودخلتها أواخر شعبان المذكور، وحمدت الرحلة إليها وجعلها الله من السعي المشكور: وجدت بها ما يملأ العين قرة ويسلي عن الأوطان كل غريب وشاهدت بعض مغانيها الحسنة، ومبانيها المستحسنة: نزلنا بها ننوي المقام ثلاثة فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا ورأينا من محاسنها ما لا يستوفيه من تأنق في الخطاب، وأطال في الوصف

стр. 79

وأطاب، وإن ملأ من البلاغة الوطاب، كما قلت: محاسن الشام أجلى من أن تسام بحد لولا حمى الشرع قلنا ولم نقف عند حد: كأنها معجزات مقرونة بالتحدي فالجامع الجامع للبدائع يبهر الفكر، والغوطة المنوطة بالحسن تسحر الألباب لا سيما إذا حياها النسيم وابتكر: أحب الحمى من أجل من سكن الحمى حديث حديث في الهوى وقديم فلله مرآها الجميل الجليل، وبيوتها التي لم تخرج عن عروض الخليل، ومخبرها الذي هو على فضلها وفضل أهلها أدل دليل، ومنظرها الذي ينقلب البصر عن بهجته وهو كليل: والروض قد راق العيون بحلة قد حاكها بسحابه آذار وعلى غصون الدوح خضر غلائل والزهر في أكمامه أزرار فكم لها من حسن ظاهر وكامن، كما قلت موطئاً للبيت الثامن: أما دمشق فخضرة لعبت بألباب الخلائق هي بهجة الدنيا التي منها بديع الحسن فائق لله منها الصالح؟ ي؟ ة فاخرت بذوي الحقائق والغوطة الغناء حي؟ ؟ ت بالورود وبالشقائق والنهر صاف والنسي؟ م اللدائن للأشواق سائق

стр. 80

والطير بالعيدان أب؟ دت في الغنا أحلى الطرائق ولآلئ الأزهار حل؟ ت جيد غصن فهو رائق ومراود الأمطار قد كحلت بها حدق الحدائق لا زال مغناها مصو نا آمنا كل البوائق وكما قلت مرتجلا أيضا مضمنا الرابع والخامس: دمشق راقت رواءً وبهجةً وغضاره فيها نسيم عليل صح فوافقت بشاره وغوطة كعروسٍ تزهى بأعجب شاره يا حسنها من رياضٍ مثل النضار نضاره كالزهر زهراً وعنها عرف العبير عباره والجامع الفرد منها أعلى الإله مناره وحاصل القول فيها لمن أراد اختصاره تذكيرها من رآها عدناً وحسبي إشاره دامت تفوق سواها إنالةً وإناره وكما ارتجلت فيها أيضاً: قال لي ما تقول في الشام حبر كلما لاح بارق الحسن شامه قلت ماذا أقول في وصف قطرٍ هو في وجنة المحاسن شامه وقلت أيضاً: قال لي صف دمشق مولىً رئيس جمل الله خلقه واحتشامه قلت كل اللسان في وصف قطرٍ هو في وجنة البسيطة شامه

стр. 81

وقلت أيضاً؟: وإذا وصفت محاسن الدنيا فلا تبدأ بغير دمشق فيها أولا بلد إذا أرسلت طرفك نحوه لم تلق إلا جنةً أو جدولا ذا وصف بعض صفاته وهي التي تعيي البليغ وإن جاد وطولا والغاية في هذا الباب، من الوصف لبعض محاسنها الفاتنة الألباب، قول أبي الوحش سبع بن خلف الأسدي يصف أرضها المشرقة، ورياضها المورقة، ونسيمها العليل، وزهرها الندي البليل: سقى دمشق الشام غيث ممرع من مستهل ديمةً دفاقها مدينة ليس يضاهي حسنها في سائر الدنيا ولا آفاقها تود زوراء العراق أنها تعزى إليها لا إلى عراقها فأرضها مثل السماء بهجةً وزهرها كالزهر في إشراقها نسيم ريا روضها متى سرى فك أخا الهموم من وثاقها قد ربع الربيع في ربوعها وسيقت الدنيا إلى أسواقها لا تسأم العيون والأنوف من رؤيتها يوماً ولا انتشاقها

стр. 82

وقول شمس الدين الأسدي الطيبي: إذا ذكرت بقاع الأرض يوماً فقل سقياً لجلق ثم رعيا وقل في وصفها لا في سواها: بها ما شئت من دين ودنيا وكأن لسان الدين ذا الوزارتين بن الخطيب، عناها بقوله المصيب: بلد تحف به الرياض كأنه وجه جميل والرياض عذاره وكأنما واديه معصم غادةٍ ومن الجسور المحكمات سواره وكنت قبل رحلتي إليها، والوفادة عليها، كثيراً ما أسمع عن أهلها زاد الله في ارتقائهم، ما يشوقني إلى رؤيتها ولقائهم، وينشقني على البعد أريج الأدب الفائق من تلقائهم، حتى لقيت بمكة المعظمة، أوحد كبرائها الذين فرائدهم بلبة الدهر منظمة؛ عين الأعيان، وصدر أرباب التفسير بها والبيان؛ صاحب القلم الذي طبق الكلى والمفاصل، والفتاوي التي حكمها بين الحق والباطل فاصل، والتآليف التي وصفها بالإجادة من باب تحصيل الحاصل؛ وارث العلم عن غير كلالة؛ ذو الحسب المشرق بدره في سماء الجلالة؛ صاحب المعارف التي زانت خلاله، وساحب أذيال العوارف التي أبانت على فضله دلالة، مفتي السلطان في تلكم الأوطان، على مذهب الإمام النعمان، مولانا الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ افسلام عماد الدين، لا زال سالكاً سبيل المهتدين؛ فكان جمل الله عصراً وأواناً، لقضية هذا القياس عنواناً، فلما حللت بدارهم، ورايت ما أذهلني من سبقهم للفضل وبدارهم، صدق الخبر الخبر، وتمثلت

стр. 83

فيهم بقول بعض من غبر: ألمت بنا أوصافهم فامتلا الفضا عبيراً وأضحى نوره متألقا وقد كان هذا من سماع حديثهم بلاغاً فصح النقل إذ حصل اللقا وقابلوني اسماهم الله بالاحتفال والاحتفاء، وعرفني بديع برهم فن الاكتفاء: غمرتني المكارم الغر منهم وتوالت على منها فنون شرط إحسانهم تحقق عندي ليت شعري الجزاء كيف يكون وقابلوني بالقبول مغضين عن جهلي: وما زال بي إحسانهم وجميلهم وبرهم حتى حسبتهم أهلي بل الأولى أن أتمثل فيهم بما هو أبلغ من هذا المقول في آل المهلب، وهو قول بعض من نزل بقومٍ برق غير خلب، في زمن به تقلب: ولما نزلنا في ظلال بيوتهم أمنا ونلنا الخصب في زمن محل ولو لم يزد إحسانهم وجميلهم على البر من أهلي حسبتهم أهلي لا سيما المولى الذي أمدحه تحلي أجياد الطروس العاطلة، وسماحه يخجل أنواء الغيوث الهاطلة، صدر الأكابر الأعاظم، الحائز قصب السبق في ميدان الإجادة بشهادة كل ناثر وناظم، الصديق الذي بوده أغتبط

стр. 84

والصدوق الذي بأسباب عهده أرتبط، الأوحد الذي ضربت البراعة رواقها بنادية، والماجد الذي لم يزل بديع البلاغة من كثبٍ يناديه، السري الحائز من الخلال ما أبان تفضيله، اللوذعي الذي لم تزل أوصافه تحكم له بالسؤدد وتقتضي له، والحق أبلج لا يحتاج إلى زيادة براهين، الأجل المولى أحمد أفندي بن شاهين، لا زالت العزة مقيمة بواديه، ولا برحت حضرته جامعةً لبواطن الفخر وبواديه، والسعد يراوح مقامه ويغاديه، والمجد يترنم بذكره حاديه، فكم له أسماه الله ولغيره من أعيان دمشق لدي من أياد، يعجز عن الإبانة عنها لو أراد وصفها قس إياد، ولو تعرضت لأسمائهم وحلاهم، أدام الله تعالى سعودهم وعلاهم، لضاق عن ذلك هذا النطاق، وكان من شبه التكليف بما لا يطاق، فليت شعري بأي اسلوب، أؤدي بعض حقهم المطلوب؟ أن بأي لسان، أثني على مزاياهم الحسان؟ وما عسى أن أقول في قوم نسقوا الفضائل ولاء، وتعاطوا أكواب المحامد ولاء؟ وسحبوا من المجد مطارف وملاء، وحازوا المكارم، وبذوا الموادد والمصارم، سؤدداً وعلاء: فما رياض زهر الربيع إذا بدت في وشيها البديع ضاحكة عن شنب الأقاح عند سفور طلعة الصباح غنى بها مطوق الحمام وصافحتها راحة الغمام وباكرتها نسمة من الصبا فاصبحت كأنها عهد الصبا نضارة ورونقاً وبهجه تفدى بكل ناظرٍ ومهجه

стр. 85

أطيب من ثناها عبيرا بين الورى، واسأل به خبيرا دامت معاليهم على طول الزمن يروى حديث الفضل عنها عن حسن وثابت وقرةٍ وسعد وأسعفوا بنيل كل وعد فهم الذين نوهوا بقدري الخامل، وظنوا مع نقصي أن بحر معرفتي وافر كامل، حسبما اقتضاه طبعهم العالي: فلو شريت بعمري ساعةً ذهبت عن عيشتي معهم ما كان بالغالي فمتعين حقهم لا يترك، وحبهم لا يخالط بغيره ولا يشرك، وإن أط لت الوصف فالغاية في ذلك لا تدرك: يزداد في مسمعي ترداد ذكرهم طيباً ويحسن في عيني مكرره وإذا كان المديح الصادق لا يزيدهم رفعة قدر، فهم كما قال الأعرابي الذي ضلت ناقته في مدح البدر، والبليغ وذو الحصر في ذلك سيان، والحق أبلج، والباطل لجلج، وليس الخبر كالعيان: هب الروض لا يثني على الغيث نشره أتحسبه تخفى مآثره الحسنى وقد تذكرت بلادي النائبه، بذلك المرأى الشامي الذي يبهر رائيه، فما شئت من أنهار ذات انسجام، أترع بها من جريال الأنس جام، وأزهار متوجة للأدواح، مروحة للنفوس بعاطر الأرواح، وحدائق تعشي أنوارها الأحداق، وعيانها للخبر عنها مصداق وأي مصداق:

стр. 86

فهي التي ضحك البهار صباحها وبكت عشيتها عيون النرجس واخضر جانب نهرها فكأنه سيف يسل وغمده من سندس وجنان، أفنانها في الحسن ذوات افتنان: صافحتها الرياح فاعتنق السر وومالت طواله للقصار لائذ بعضه ببعضٍ كقومٍ في عتاب مكررٍ واعتذر وبطاح راق سناها، وكمل حسنها وتناهى، كما قلت مضمناً في ذلك المنحنى، لقول بعض من نال في البلاغة مناً ومنحا: دمشق لا يقاس بها سواها ويمتنع القياس مع النصوص حلاها راقت الأبصار حسناً على حكم العموم أو الخصوص بساط زمردٍ نثرت عليه من الياقوت ألوان الفصوص ولله در القائل، في وصف تلك الفضائل: إن تكن جنة الخلود بأرض فدمشق، ولا يكون سواها أو تكن في السماء فهي عليها قد أمدت هواءها وهواها بلد طيب ورب غفور فاغتنمها عشيةً أو ضحاها وعند رؤيتي لتلك الأقطار، الجليلة الأوصاف العظيمة الأخطار، فتاءلت بالعود إلى أوطان لي بها أوطار، إذ التشابه بينهما قريب في الأنهار والأزهار، ذات العرف المعطار، وزادت هذه بالتقديس الذي همعت عليها منه الأمطار، وتمثلت بقول الأصفهاني، وإن غيرت يسيراً منه لما أسفرت وجوه التهاني:

стр. 87

لما وردت الصالحي؟ ة حيث مجتمع الرفاق وشممت من أرض الشآ م نسيم أنفاس العراق أيقنت لي ولمن أح؟ ب بجمع شمل واتفاقِ وضحكت من فرح اللقاء كما بكيت من الفراقِ لم يبق لي إلا تج؟ شم أزمن السفر البواقي حتى يطول حديثنا بصفات ما كنا نلاقي وكنت قبل حلولي بالبقاع الشامية مولعاً بالوطن لا سواء، فصار القلب بعد ذلك مقسماً بهواه: ولي بالحمى أهل وبالشعب جيرة وفي حاجر خل وفي المنحنى صحب تقسم ذا القلب المتيم بينهم سألتكم بالله هل ينقسم القلب فيا لك من صب مراع للذمام، منقاد لشوقه بزمام، يخيل له أنه سمع صوت قيان، بقول الأول: إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً وبالشام أخرى كيف يلتقيان وفردٍ تعددت جموعه، ووشت، بما أكنت ضلوعه، دموعه، فأنشد وقد تحير، ما بدل فيه من عظم ما به وغير: كتمت شأن الهوى يوم النوى فوشى بسره من جفوني أي نمامِ كانت ليالي بيضاً في دنوهم فلا تسل بعدهم عن حال أيامي ضنيت وجداً بهم والناس تحسب بي سقماً فأبهم حالي عند لوامي وليس أصل ضني جسمي النحيل سوى فرط اشتياقي لأهل الغرب والشام

стр. 88

وحصل التحير، حيث لم يمكن الجمع ولا الخلو عند التخير، كما قال ابن دقيق العيد، في مثل هذا الغرض البعيد: إذا كنت في نجد وطيب نعيمه تذكرت أهلي باللوى فمحمرِ وإن كنت فيهم زدت شوقاً ولوعةً إلى ساكني نجدٍ وعيل تصبري فقد طال ما بين الفريقين موقفي فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري وبالجملة فالاعتراف بالحق فريضة، ومحاسن الشام وأهله طويلة عريضة، ورياضه بالمفاخر والكمالات أريضة، وهو مقر الأولياء والأنبياء، ولا يجهل فضله إلا الأغمار الأغبياء، الذين قلوبهم مريضة: أني يرى الشمس خفاش يلاحظها والشمس تبهر أبصار الخفافيشِ ولله در من قال في مثل هذا من الأرضياء: وهبني قلت إن الصبح ليل أيعمى العالمون عن الضياء وقال آخر فيمن عن الحق ينفر: إذا لم يكن للمرء عين بصيرة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر وحسب الفاضل اللبيب، أن يروي قول البدر بن حبيب:

стр. 89

عرج إذا مشت برق الشآم وحي أهل الحي واقر السلام وانزل بإقليم جزيل الحيا بارك فيه الله رب الأنام العز والنصر لديه، وما لعروة الإسلام عنه انفصام من أولياء الله كم قد حوى ركناً بمرآه بطيب المقام وهو مقر الأنبياء الألى والأصفياء الأتقياء الكرام كم من شهيد في حماه وكم من عالم فردٍ وكم من إمام ولذلك اعتنت الجهابذة بتخليد أخباره في الدواوين، وابتنت الأساتذة بيوت افتخاره المنيفة الأواوين، وتناقلت أنباءه البديعة ألسن الراوين، وهامت بأماكنه المريعة هداة الشريعة فضلاً عن الشعراء الغاوين، ومع ذلك فهم في التعبير عن عجائبه غير متساوين، أولا يرى أنهم يأتون من مقولهم، على قدر رأيهم وعقولهم، ولم يبلغ جمع منهم ما كانوا له ناوين: على قدرك الصهباء توليك نشوةً بها سيء أعداء وسر صحاب ولو أنها تعطيك منها بقدرها لضاقت بك الأكوان وهي رحاب [ابن شاهين يقترح على المؤلف تأليف كتاب عن لسان الدين] وكنا في خلال الإقامة بدمشق المحوطة، وأثناء التأمل في محاسن الجامع والمنازل والقصور، كثيراً ما ننظم في سلك المذاكرة درر الأخبار الملقوطة، ونفيأ من ظلال التبيان مع أولئك الأعيان في مجالس مغبوطة، نتجاذب فيها أهداب الآداب، ونشرب من سلسال الاسترسال ونتهادى لباب الألباب، ونمد بساط الانبساط ونسدل أطناب الإطناب، ونقضي أوطار الأقطار، ونستدعي أعلام الأعلام، فينجر بنا الكلام والحديث شجون، وبالتفنن يبلغ المستفيدون ما يرجون، إلى ذكر البلاد الأندلسية، ووصف

стр. 90

رياضها السندسية، التي هي بالحسن منوطة، وقضاياها الموجهة التي لا يستوفيها المنطق مع أنتها ضرورية وممكنة ومشروطة، والفطر السليمة، والأفهام المستقيمة، بتسليم براهينها قاضية لا سيما إن كانت بالإنصاف مربوطة، فصرت أورد من بدائع بلغائها ما يجري على لساني، من الفيض الرحماني، وأسرد من كلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب السلماني، صب الله عليه شآبيب رحماه وبلغه من رضوانه الأماني، ما تثيره المناسبة وتقتضيه، وتميل إليه الطباع السليمة وترتضيه، من النظم الجزل، في الجد والهزل، والإنشاء، الذي يدهش به ذاكرة الألباب إن شاء، وتصرفه في فنون البلاغة حالي الولاية والعزل، إذ هو - أعني لسان الدين - فارس النظم والنثر في ذلك العصر، والمنفرد بالسبق في تلك الميادين بأداة الحصر، وكيف لا ونظمه لم تستول على مثله أيدي الهصر، ونثره تزري صورته بالخريدة ودمية القصر. فلما تكرر ذلك غيره مرة على أسماعهم، لهجوا به دون غيره حتى صار كأنه كلمة إجماعهم، وعلق بقلوبهم، وأضحى منتهى مطلوبهم، ومية آمالهم وأطماعهم، وصاروا يقطفون بيد الرغبة فنونه، ويعترفون ببراعته ويستحسنونه، ويستنشقون من أزهاره كل ذاك، فطلب مني المولى أحمد الشاهيني إذ ذاك، وهو الماجد المذكور، ذو السعي المشكور، أن أتصدى للتعريف بلسان الدين في مصنف يعرب عن بعض أحواله وأنبائه، وبدائعه وصنائعه ووقائعه مع ملوك عصره وعلمائه وأدبائه، ومفاخره التي قلد بها جيد الزمان ولبته، ومآثره التي ارج بها مسرى الشمال وهبته، وبعض ما له من النثار والنظام، والمؤلفات الكبار العظام، الرائقة للأبصار، الفائقة على كلام كثير من أهل الأمصار، السائرة مسير القمر والشمس، المعقودة

стр. 91

عليها الخناصر بل الخمس، كيما يكون ذلك لهذه الأغراض مشيعاً ويخلع على مطالعه بهذه البلاد المشرقية من أغراضه البديعة ومنازعه وشيعا. [اعتذار المؤلف عن تلبيته للمطلب] فأجبته أسمى الله قدره الكبير، وأدام عرف فضائله المزري بالعنبر والعبير، بأن هذا الغرض غير سهل، ولست علم الله له بأهل، من جهات عديدة، أولها قصوري عن تحمل تلك الأعباء الشديدة، إذ لا يوفي بهذا الغرض إلا الماهر بطرق المعارف السديدة، وثانها عدم تيسر الكتب المستعان بها على هذا المرام لأني خلفتها بالمغرب، وأكثرها في المشرق كعنقاء مغرب، وثالثها شغل الخاطر باشجان الغربة، الجالبة للفكر غالب الكربة، وتقسم البال، بين شغل عائق وبلبال، وأني يطيق، سلوك هذا المضيق، من اكتحلت جفونه بالسهاد، ونبت جنوبه عن المهاد، وسدد نحوه الأسف سهمه، وشغل باله ووهمه، وبث في قلبه تبريحاً، وعناء لم يجد منه إلا أن يلطف الله تسريحاً، فما شام بارقة أمل إلا في النادر، ولا ورود منهل صفاء إلا وكدره مكر غادر، وقد كثر الجفاء، وبرح بلا شك الخفاء، واستوخمت الموارد والمصادر، والقلب مكلوم، واللب غير ملوم، إذا كان على تلفيق ما يليق غير قادر، ولا مؤنس إلا شاكي دهر بلسان صريح، أو باكي قاصمة ظهرٍ بجفنٍ قريح، أو مناضل في معترك العجز طريح، أو فاضل دفن من الخمول في ضريح، إذ رمته سهام الأوهام الصوائب، وعضت منه إبهام

стр. 92

الإبهام بنابها النوى والنوائب، فقلوبه من تقلبات أحواله ذوائب، وكم شابت من أمثاله بصروف الدهر وأهواله ذوائب: على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب وأدمع أحجارها، تسلط فجارها، فكم من عدو منهم في ثياب صديق، وحسود لنظره إلى نعم الله على عباده تحديق، لا تخدعه المداراة، ولا تردعه المماراة، يتتبع العثرات، ويقنع بألم البثرات، ويتبسم، وقلبه من الغل يتقسم، ويتودد، ومكايده تتجدد فتتعدد: لا ترم من مماذق الود خيراً فبعيد من السراب الشراب رونق كالحباب يعلو على الماء ولكن تحت الحباب الحباب عظمت في النفاق ألسنة القو م وفي الألسن العذاب العذاب والصديق الصدوق في هذا الزمن قليل، وقد ألف بعض العلماء " شفاء الغليل، في ذم الصاحب والخليل ". وهو غير محمول على الإطلاق، وإن قال به بعض من رهنه من أبناء عصره ذو إغلاق: أبناء دهرك فالقهم مثل العدا بسلاحكا لا تغرر بتبسمٍ فالسيف يقتل ضاحكا وداء الحسد أعيا الأول والآخر، وقد عظم الأمر في هذا الأوان وكثر المزري والساخر، مع أن أسواق الدفاتر كاسدة، وأمزجة المحابر فاسدة:

стр. 93

والدهر دهر الجاهل؟ ن وأمر أهل العلم فاتر لا سوق أكسد فيه من سوق المحابر والدفاتر فالمنسوب للعلم في هذا الزمن زمن، وهو بأن ينشد قول الأول قمن: لأي وميض بارقةٍ أشيم ومرعى الفضل عندهم هشيم وليت شعري علام يحسد من أبدل الاغتراب شارته، وأضعف الاضطراب إشارته، وأهل بالدموع أنواءه، وقلل أضواءه، وقلل أضواءه، وكثر علله وادواءه، وغير عند التأمل رواءه، وثنى عن المأمول عنانه، وأرهف بالخمول سنانه، حتى قدح سنانه، حتى قدح الذكر حنانه، وملأ الفكر جأشه وجنانه، فهو في ميدان النزوح مستبق، ومن راحة التعب مصطبح ومغتبق: له أنه المشتاق في كل ساعةٍ تمر وما للثاكلات من الحزن ومن مرسلات الدمع واقعة الأسى ومن عاديات البين قارعة السن تثير الذكرى منه كوامن الشجون، وتدير عليه جام الهيام ولو كان بين الصفا والحجون: وتحت ضلوع المستهام كآبه يخاف على الأحشاء منها التفطرا ولو أن أحشاء تبوح بما حوت لتمتئن الأرض كتباً وأسطرا وشتان ما بين الاقتراب والاغتراب، والسكون في الركون والنبو عنها والاضطراب، فذاك تسهل غالباً فيه الأغراض والمآرب، وهذا تتعفر فيه المقاصد وتتكدر المشارب:

стр. 94

وما أنا عن تحصيل دنيا بعاجز ولكن أرى تحصيلها بالدنية وإن طاوعتني رقة الحال مرة أبت فعلها أخلاق نفس أبية وكما قلت، عندما صرت إلى الاغتراب وألت: تركت رسوم عزي في بلادي وصرت بمصر منسبي الرسوم ورضت النفس بالتجريد زهداً وقلت لها عن العلياء صومي مخافة أن أرى بالحرص ممن يكون زمانه أحد الخصوم وكما قال بعض الأكابر، من أهل الزمان الغابر: لا عار إن عطلت يداي من الغنى كم سابق في الخيل غير محجل صان اللثيم، وصنت وجههي، ماله دوني، فلم يبذل ولم أتبذل أبكي لهم ضافني متأوباً إن الدموع قرى الهموم النزل لا تنكرو شيباً ألم بمفرقي عجلاً كأن سناه سلة منصل فلقد دفعت إلى الهموم تنوبني منها ثلاث شدائد جمعن لي أسف على ماضي الزمان، وحيرة في الحال منه، ووحشة المستقبل ما إن وصلت إلى زمان آخر إلا بكيت على الزمان الأول لله عهد بالحمى لم أنسه أيام أعصي في الصبابة عذلي ويرحم الله ابن الإسكندري، إذ قال في معنى التمني المصدري:

стр. 95

لعل زماني بالعذيب يعود فيقرب قرب أو يصد صدود وأبصر كثباناً وهز روادفٍ عليهن أغصان وهن قدود وأقطف ورد الخد وهو مضرج وأجنى أقاح الثغر وهو برود وأدني ذراعي للعناق ذريعة فتنهى عن الإفراط فيه نهود ويسري إلي البدر وهو ممنع ويغدو إلي الظبي وهو شرود ونكرع في شكوى الفراق كأننا فوارط هيم راقهن ورود واكبر مقدار الهوى عن كبيرةٍ وأحمي عفاني دونه وأذود وفرق ما بين الجوهر والعرض، والصحة البينة والمرض، والدرر والحصى، والحسام والعصا. والرجوع إلى التفويض للأقدار، في أمور هذه الدار، الكثيرة الأكدار، هو المطلوب، والمرجو من الله سبحانه جبر القلوب: يا رب نفس همومي واكشف كروبي جميعا فقد رجوت كريماً وقد جعوت سميعا [إصرار ابن شاهين على رأيه] ولم يجعل لي المذكور - حفظه الله - فسحة ولا مندوحة، بعد هذه الأعذار المحمودة في الصدق الممدوحة، ولسان حالي وقالي، يثبتان عجزي عن أداء هذا الحق بشهادة من هو واد وقالي، إذ من كان بصفة، غير متمكنة مما تكون به متصفة، واتسم بنعوت مختلفة، وارتسم في غير ذوي الأحوال المؤتلفة، كيف يحير في التصنيف جواباً، أو يتنحى من التأليف صواباً؟ ومن جفنه هام هامل، وقصوره عام شامل، كيف يقبض بالأنامل، على ماء البحر الوافر الكامل؟ ومن لبس من العي ملاه، لا يعبر عمن طبق مفاصل

стр. 96

الكلام وكلاه، وقصرت ألسن البلغاء عن علاه، وزانت صدور الدواوين حلاه، وجمع خلالاً حسناً، وكان للدين لساناً، وزاحمت مفاخره بالمناكب الكواكب، وازدانت بمرآه النوادي والمواكب، ونفحات الأزهار من آدابه، ونسمات الأسحار عطر أذياله وأهدابه، والسحر من كتابته، والسحر من كنايته، وروح النسيم من تعريضه، والنثرة من نثره، والشعري من شعره وقريضه، وحلل المجد لباسه، وأنواره العلم اقتباسه: له ذهن يغوص ببحر علم فيأتي منه بالدرر النظيم معانيه الرياض، لأجل هذا سرت ألفاظه مثل النسيم ومباهيه النجوم، ومضاهيه الغيث السجوم، إلى آباء يحسدهم البدر والشمس، وإباء لو كان للمشرفي لما تحيفه لمس، وشرف لا مدعي ولا منتحل، وهمة لو نالها البدر لا ستخذى له زحل، وبراعة أرهفت سنان قلمه، ويراعه سارت أمراؤها تحت علمه، فكم فتح بفكره أقفالها، ووسم بذهنه الثاقب أغفالها، وسبك معانيها في قالب قلبه إبريزاً، ورقم بيان لسانه برود إحسانه بلفظه البديع تطريزاً، فرفع في ميدان الإجادة لواؤه، وأتيح من أنهار البراعة العذبة إرواؤه، ونال سبقاً وتبريزاً: وما زمن الشباب وأنت تجري مع الأحباب في لهو وطيب ووصل من حبيب بعد هجرٍ بأحلى من كلام ابن الخطيب فقصائده أرخصت جواهر البحور، المنظومة قلائد للبات والنحور، من حسان العقائل الحور:

стр. 97

معان وألفاظ تنظم منهما عقود لآل في نحور الشمائل وزهر كلامٍ كالحدائق نسجه غنينا به عن حسن زهر الخمائل وكلماته غدت للإبداع إقليداً، وجمعت طريفاً من البلاغة وتليداً: كسون عبيداً ثياب العبيد وأضحى لبيد لديها بليداً ومقطعاته ألذ في الأسماع، من مطرب السماع، وأبهى في الأحداق والنواظر، من الحدائق ذوات الأغصان الملد النواضر، يعترف بفضلها من انتحل الإنصاف ديناً، وانتحل الأوصاف فاختار العدل منها خديناً: رقيقات المقاطع محكمات لو آن الشعر يلبس لارتدينا ورسائله كنقط العروس اللائحة في البياض، أو كوشي الربيع أو قطع الرياض، برزت أغصانها الحالية وتبرجت، وتضوعت أفنانها العالية وتأرجت، وقد ألبسها القطر زهراً، وفجر خلالها نهراً، فأخذت زخرفها وازينت، ولاحت محاسنها غير محتجبة وتبينت، فبهرت من لها قابل، أستغفر الله لا بل: هي الحديقة إلا أن صيبها صوب النهى وجناها زهرة الكلم وقوافيه، ريشت بها قوادم الإتقان وخوافيه، نبال مجاريها تستدثر الحصر، وباع مباريها يستشعر القصر: خطها روضة، وألفاظها الأز هار يضحكن، والمعاني ثمار تبدي لمبصرها وتري، ما قال أبو عبادة البحتري: وكلام كأنه الزهر النا ضر في رونق الربيع الجديد

стр. 98

مشرق في جوانب السمع ما يخ؟ لقه عوده على المستعيد ومعان لو فصلتها القوافي هجنت ما لجرول من نشيد حزن مستعمل الكلام اختياراً وتجنبن ظلمة التعقيد بل هي أجل مما وصف عند التحقيق، وإمعان النظر الصحيح والتدقيق: أين زهر الرياض وهو إذا ما طال عهداً بالغيث عاد هشيمها من قواف كأنها الأنجم الزه؟ ر سناها زان الظلام البهيما وناهيك بمن أطلعته العلوم على جلائلها ودقائقها، وارته الفنون ما شاء من يانعات حدائقها، وحيته الحكم الرياضية بأزاهرها وشقائقها، وأرضعته الوزارة من ثديها، وحلت به الإمارة صدر نديها، وجعلته المرجوع إليه في تمييز جيد الأمور ورديها، فغرس في أرض الرياسة من نخل السياسة ووديها، وأعلى علم العدل وأغمد سيف الانتقام، ودفع تنين الفتنة الذي فغر فاه للالتقام، إذ ذاك قريب، في وطن الأندلس الغريب، باختلال الحال، وتوالي الإمحال، والتجري على قتل الملوك، والتحري لقطع الطرق ومنع السلوك، حيث أهواءئ المارقين ذات افتراق، وضلوع الصادقين في قلق واحتراق، وأيدي الإحن باطشة، وسيوف المحن إلى الدماء عاطشة، وعرش الحماية مثلول، وصارم الكفاية مفلول، ونطاق الرعاية محلول، ودم الوقاية مطلول، وجيب النصيحة مملول، والتنور السلطاني بنار اختلاف الكلمة ملتهب، والعدو ينتهز الفرصة ويسلب الأنفس والأموال وينتهب

стр. 99

وليس له في غير قطع شأفه المسلمين ابتغاء، وإن عقد المهادنة في بعض الأحيان فهو يسر حسوا في ارتغاء، وكلاب الباطل في دماء أهل الحق والغة، ولله سبحانهع وتعالى في خلقه إرادة نافذة وحكمة بالغة، فرقع لسان الدين ثوب الأندلس ورفاه، وأرغم ﵀ الكفر الذي فغر فاه، وشمر عن ساعد اجتهاده، وحض باللسان وباليد على دفاعه وجهاده، حتى لاحت للنصر بوارق، وأمنت بالحزم الطوارئ والطوارق، ثم ضرب الدهر ضربانه، وأحرق الحاصد بنار أحقاده أنظر بان، وأظهر ما في قلبه على لسان الدين وأبان، وتقرب الوشاة، وهم ممن كانوا يخدمه ويغشاه، إلى سلطانه الذي كان عزة أوطانه الذي كان يأمنه ولا يخشاه، حتى فسد عليه ضميره، وتكدر - ومن يسمع يخل - نميره، فأحس بظاهر التغير، وصار في الباطن من أهل التحير، وأجال قداح آرائه، وألتفت إلى جهة العدو من ورائه، ففر مشمراً عن ذيله، في لمة من خيله، إلى أسد العريم، سلطان بن مرين وكان إذ ذاك بتلمسان، وهو من أهل العلم والعدل والإحسان، فاهتز لمقدمه، ولقيه بخاصته وخدمه، وأكرم مثواه، وجعله صاحب نجواه، ثم أدرك السلطان الحمام، وكسف بدره وقت التمام، فرجع لسان الدين إلى فاس، واستنشق بها أطيب الأنفاس، وكثر بعد ذلك الأهوال، وتغيرت بسببه بين رؤساء العدوة والأندلس الأحوال، فما نجى من مكر العدا ولا سلم، وآل أمره من الأختيال وما نفع الاحتيال إلى ما علم، على يد بعض أعداءه، الذين كانوا يتربصون الدوائر لإرداءه، فأصبح كأمس الذاهب، وصارت أمواله وضياعه عرضةً للناهب، وغص بذلك من كان من أودائه، وأخذ الله ثاره، من بعض من حبك عليه المكر وأثاره، وتسبب بهلاكه، حتى انتثر الجواهر أسلاكه، ومات بدائه. فالعيون إلى هذا الوقت على لسان الدين باكية، ونفوس

стр. 100

الأكابر وغيرهم مما فعل به شاكية والألسنة والأقلام بمقاماته بالإسلام حاكية. فمن كان بهذه السمات وأكثر منها موصوفاً، لا يقدر مثلي على تحبير التعبير عنه ويخشى أن تكون فكرته كخرقاء نقظة قطناً أو صوفاً. [أعتزام المقري إجابة ابن شاهين إلى مطلبه] ثم أني لما تكرر علي في هذا الغرض الإلحاح، ولم تقبل أعذاري التي زندها شحاح، عزمت على الإجابة لما للمذكور علي من الحقوق، وكيف أقابل بره حفظه الله بالعقوق، وهو الذي يروي من أحاديث الفضل الحسان والصحاح، فوعدته بالشروع في المطلب عند الوصول إلى القاهرة المعزية، وأزمعت السير عن دمشق المعروفة المزية، وألبسني السفر منها من الخلع زيه، ورحلنا عن تلك الأرجاء المتألفة، والقلوب بها وبمن فيها متعلقة: حللنا دياراً للغرام سرت بها إلينا صبا نجدٍ بطيب نسيم وبان ردي الأشجار لما تجاذبت أكف المنى فيها رداء نعيم فما أنشبتنا العيسش أن قذفت بنا إلى فرقة والعهد غير قديم فإن نك ودعنا الديار وأهلها فما عهد نجدٍ عندنا بذميم

стр. 101

[وداع الشام] فخرج معنا - أسماه الله - مع جملة من الأعيان إلى داريا، المضاهية لدارين في رياها وحبذا ريا، فألفيناها: ريا من الأنداء طي؟ بة لها القدر الجليل تهدي لنا أرجاؤها أرجاً من الزهر البليل وبها الغصون تمايلت ميل الخليل على الخليل ووصلنا عند الظهيرة، وسرحنا العيون في بدائعها الشهيرة: منزل كالربيع حلت عليه حاليات السحاب عقد النطاق يمتع العين من طرائق حسنٍ تتجافى بها عن الإطراق وقلنا بها، لما نزلنا بجنابها: وبتنا والسرور لنا نديم وماء عيونه الصافي مدام يسايره النسيم إذا تغنت حمائمه ويسيقه الغمام فيا لك من ليلة أربت في طيب النفح، على ليلة الشريف الرضي بالسفح: ونحن في روضة مفوفة قد وشيت بالغمائم الوكف نغفي على زهرها فيوقظنا وهناً هدير الحمائم الهتف

стр. 102

ودوحها من نداه في وشحٍ ومن لآلي الأزهار في شنف والغصن من فوقه حمامته كأنها همزة على ألف وما أقرب قول الوزير ابن عمار، من وصف ذلك المضمار، الجامع للأقمار: يا ليلة بتنا بها في ظل أكناف النعيم من فوق أكمام الريا ض وتحت أذيال النسيم وناهيك بمحل قرب من دمشق الغراء، فخلعت عليه حلل الحبور والسراء، وأمدته بضيائها، وأودعته برق حياها وماء حيائها، فصار ناضر الدوحات، عاطر الغدوات والورحات، مونق الأنفاس والنفحات، مشرق السرة والصفحات، هذا والقلوب من الفراق في فلق، ولسان الحال ينشد: وبي علاقة وجد ليس يعلمها إلا الذي خلق الإنسان من علق ويحث على انتهاز فرصة اللقاء إذ هي غنيمة، ويذكر بقول من قال وأكف الدهر موقظة ومنيمة: تمتع بالرقاد على شمال فسوف يطول نومك باليمين ومتع من يحبك باجتماع فأنت من الفراق على يقين ثم حضر بعد تلك الليلة موقف الوداع، والكل ما بين واجم وباك وداع، فتمثلت بقول من قلبه لفراق الأحباب في انصداع: ودعتهم ودموعي على الخدود غزار فاستكثروا دمع عيني لما استقلوا وساروا

стр. 103

وقول آخر: يا وحشة من جيرة مذ نأوا علو قدري في الهوى انحطا حكت دموعي البحر من بعدهم لما رأت منزلهم شطا وحق لي أن أتمثل في ذلك بقول العزيزي: لا تسلني عما جناه الفراق حملتني يداه ما لا يطاق أين صبري أم كيف أملك دمعي والمطايا بالظاعنين تساق قف معي نندب الطلول فهذي سنة قبل سنها العشاق وأعد لي ذكر الغوير فكم ما ل بعطفي نسيمه الخفاق في سبيل الغرام ما فعلت بال؟ عاشقين القدود والأحداق يوم ولت طلائع الصبر منا ثم شنت غاراتها الأشواق وبقول غيره: كنا جميعاً والدار تجمعنا مثل حروف الجميع ملتصقه واليوم صار الوداع يجعلنا مثل حروف الوداع مفترقه وقول آخر: حين هم الحبيب بالتوديع عيروني أني سفحت دموعي لم يذوقوا طعن الفراق ولا ما أحرقت لوعة الأسى من ضلوعي

стр. 104

كيف لا أسفح الدموع على رب؟ ع حوى خير ساكن وجموع هبك أني كتمت حالي أتخفى زفرات المتيم المصدوع إنما يعرف الغرام بمن لا ح عليه الغرام بين الربوع وقول من قال: أقول له عند توديعه وكل بعبرته مبلس لئن قعدت عنك أجسادنا لقد سافرت معك الأنفس وقول الصابي: ولما حضرت لتوديعه وطرف النوى نحونا أشوس عكست له بيت شعر مضى يليق به الحال إذ يعكس لئن سافرت عنك أجسادنا لقد قعدت معك الأنفس وقول المهذب بن أسعد الموصلي: دعني وما شاء التفرق والأسى واقصد بلومك من يطيعك أو يعي لا قلب لي فأعي الملام فإنني أودعته بالأمس عند مودعي هل يعلم المتحملون لنجعة أن المنازل أخصبت من أدمعي كم غادروا حرضاً وكم لوداعهم بين الجوانح من غرام مودعِ والسقم آية ما أجن من الجوى والدمع بينة على ما أدعي

стр. 105

وقول الكمال التنوخي: كم ليلة قد بتها أرعى السها جزعاً لفرقتهم بمقلة أرمد قضيتها ما بين نوم نافر وزفير مهجور وقلب مكمد لم أنس أيام السرور وطيبها بين السدير وبين برقة ثهمد والروض قد أبدى بدائع نوره من أزرق ومفضض ومورد والماء يبدو كالصوارم ساريا فيعيده مر الصبا كالمبرد والطير بين مسجع ومرجع ومغرد ومعدد ومردد وقول القاضي بهاء الدين السنجاري: أحبابنا ما لي على بعد المدى جلد ومن بعد النوى يتجلد لله أوقات الوصال ومنظر نضر وغصن الوصل غض أملد أني يطيق أخو الهدى كتمانه والخد بالدمع المصون مخدد ما بعد مفترق الركاب تصبر عمن أحب فهل خليل يسعد؟ يا سعد ساعد بالبكاء أخا هوى يوم الوداع بكى عليه الحسد وقول ابن الأثير: لم أنس ليلة ودعوا صباً وساروا بالحمول والدمع من فرط الأسى يجري فيعثر بالذيول وقول الأرجاني:

стр. 106

ولما وقفنا للوداع عشيةً وطرفي وقلبي هامع وخفوق بكيت فأضحكت الوشاة شماته كأني سحاب والوشاة بروق وقول ابن نباتة السعدي: ولما وقفنا للوداع عشية ولم يبق إلا شامت وغيور وقفنا فمن باك يكفكف دمعه وملتزم قلباً يكاد يطير وقول بعضهم: لما حدا الحادي بترحالهم هيج اشواقي واشجاني وراح يثني القلب عن غيرهم فهو لهم حاد ولي ثاني وقول الصفدي: لما اعتنقنا لوداع النوى وكدت من حر الجوى أحرق رأيت قلبي سار قدامهم وأدمعي تجري ولا تلحق وقوله أيضاً: تذكرت عيشاً مر حلواً بكم فهل لأيامنا تلك الذواهب واهب؟ وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ولا أنا عن هذي الرغائب غائب سأصبر كرهاً في الهوى غير طائع لعل زماني بالحبايب آيب

стр. 107

وقول ابن نباتة المصري: في كنف الله وفي حفظه مسراك والعود بعزم صريح لو جاز أن تسلك أجفاننا كنا فرشنا كل جفن قريح لكنها بالعبد معتلة وأنت لا تسلك إلا الصحيح وقول الحافظ أبي الحسن علي بن الفضل: عجبت لنفسي بعدهم ما بقاؤها ولم أحظ من لقياهم بمرادي لعمرك ما فارقتهم منذ ودعوا ولكنما فارقت طيب رقادي وقد منعوا مني زيارة طيفهم وكيف يزور الطيف حلف سهاد؟ وأعجب ما في الأمر شوقي إليهم وهم في سوادي ناظري وفؤادي وقوله رحمه الله تعالى: رعى الله أيام المقام بروضة تروح علينا بالسرور وتغتدي كأن السقيق الغض بين بطاحها نجوم عقيق في سماء زبرجد وقول القاضي الرشيد الأسواني:

стр. 108

رحلوا فلا خلت المنازل منهم ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم وسروا وقد كتموا الغداة مسيرهم وضياء نور الشمس ما لا يكتم وتبدلوا أرض العقيق عن الحمى رحلوا وفي قلب المتيم خيموا نزلوا العذيب وإنما هو مهجتي رحلوا وفي قلب المتيم خيموا ما ضرهم لو ودعوا من أودعوا نار الغرام وسلموا من أسلموا هم في الحشا إن أعرقوا أو أينموا أو اشأموا أو أنجدوا أو أتهموا وقول الشاعر أبي طاهر الأصفهاني، المعروف بالوثابي: أشاعوا فقالوا وقفة ووداع وزمت مطايا للرحيل سراع فقلت وداع لا أطيق عيانه كفاني من البين المشت سماع ولم يملك الكتمان قلب ملكته وعند النوى سر الكتوم مذاع وقول أبي المجد قاضي ماردين: رعى الله ربعاً أنتم فيه أهله وجاد عليه هاطل وهتون ولا زال مخضر الجوانب مترع ال؟ حياض وفيه للنعيم فنون لئن الله اللقاء وأينعت غصون التداني فالبعاد يهون وإن حكمت أيدي الزمان بعسرة فكم قضيت للمعسرين ديون وقول آخر:

стр. 109

غبتم فما لي في التبصر مطمع عظم الجوى واشتدت الأشواق لا الدار بعدكم كما كانت ولا ذاك البهاء ولا الإشراق أشتاقكم، وكذا المحب إذا نأى عنه أحبة قلبه يشتاق وقول أبي الحسن الهمداني: ويوم تولت الأظعان عنا وقوض حاضر وأرن بادي مددت إلى الوداع وأخرى حبست بها الحياة على فؤادي وقول ابن الضائغ: قد أودعوا القلب لما ودعوا حرقاً فظل في الليل مثل النجم حيرانا راودته يستعير الصبر بعدهم فقال: إني استعرت اليوم نيرانا وقول الصدر بن الأدمي مكتفيا: يوم توديعي لأحبابي غدا ذكر مي شاغلي عن كل شيء فرنت نحوي وقالت: يا ترى أنت حي في هوانا؟ قلت: مي وقول غيره: ولي فؤاد مذ نأى شخصهم ظل كئيبا مدنفا موجعا ومقلة مهما تذكرتهم تذرف دمعا أربعاً أربعا

стр. 110

وليس لي من حيلة كلما لجت بي الأشواق إلا الدعا أسأل من ألف ما بيننا وقدر الفرقة أن يجمعا وقول الرعيني الغرناطي: محاسن ربع قد محاهن ما جرى من الدمع لما قيل قد رحل الركب تناقض حالي مذ شجاني فراقهم فمن أضلعي نار ومن أدمعي سكب وفي معناه قوله أيضا: وقائلة: ما هذه الدرر التي تساقطها عيناك سمطين سمطين فقلت لها: هذا الذي قد حشا به أبو مضر أذني تساقط من عيني وقول الزمخشري: لم يبكني إلا حديث فراقهم لما أسر به إلى مودعي هو ذلك الدر الذي أودعتهم في مسمعي أجريته من مدمعي وقول الزغاري: قد بعتهم قلبي يوم بينهم بنظرة التوديع وهو يحترق ولم أجد من بعدها لرده وجها وكان الرد لو لم نفترق وقول بعض الأندلسيين: ساروا فودعهم طرفي وأودعهم قلبي فما بعدوا عني ولا قربوا هم الشموس ففي عيني إذا طلعوا في القادمين وفي قلبي إذا غربوا
следующие страницы →