مع كوني لست في الحقيقة له بأهل، لما أنا عله من الخطإ والخطل والجهل.
ولقد خاطبت من مصر مفتي الشام صدر الأكابر، وارث المجد كابراً عن كابر، ساحب أذيال الكمال، صاحب الخلال المبلغة الآمال، مولانا شيخ الإسلام الشيخ عبد الرحمن العمادي الحنفي، بكتاب لم يحضرني منه الآن غير بيتين في أوله، وهما:
يا حادي الأظعان نحو الشّام ... بلّغ تحياتي لتلك الخيام (١)
وابدأ بمفتيها العماديّ الرضى ... دام به شمل الهنا (٢) في التئام فأجابني بما نصّه:
إلى أهالي مصر أهدي السّلام ... مبتدئاً بالمقّريّ الهمام
من ضاع نشر العلم من عرفه ... ولم يضع منه الوفا للذّمام أهدي تحف التحية، إلى حضرته العلية، وذاته ذات الفضائل السنية الأحمدية، التي من صحبها لم يزل موصولاً بطرائف الصّلات والعوائد، الأوحديّة الجامعة التي لها منها عليها شواهد (٣) :
وليس لله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد فيا من جذب قلوب أهل عصره إلى مصره (٤) ، وأعجز عن وصف فضله كلّ بليغ ولو وصل إلى النثرة (٥) بنثره، أو إلى الشّعرى بشعره، ومن زرع حبّ حبّه في القلوب فاستوى على سوقه، وكاد كل قلب يذوب بعد بعده من
стр. 1157
حر شوقه، وظهرت شمس فضله منالجانب الغربي فبهرت بالشروق، وأصبح كل صب وهو إلى بهجتها مشوق، زار الشام ثم ما سلّم حتى ودّع، بعد أن فرع بروضها أفنان الفنون فأبدع، وأسهم لكلٍّ من أهلها نصيباً من وداده، فكان أوفرهم سهماً هذا المحب الذي رفع بصحبته سمك عماده، وعلق بمحبته شغاف فؤاده، فإنّه دنا من قلبه فتدلّى، وفاز من حبّه بالسهم المعلّى، أدام الله تعالى لك البقا، وأحسن لنا بك الملتقى، ومنّ علينا منك بنعمة قرب اللقا، آمين بمنّه ويمنه، هذا، وقد وصل من ذلك الخلّ الوفيّ، كتابٌ كريم هو اللطف الخفيّ، بل هو من عزيز مصر القميص اليوسفي، جاء به البشير ذو الفضل السني، الخل العز الأجل التاج المحاسني، مشتملاً على عقود الجواهر، بل النجوم الزواهر، بل الآيات البواهر، تكاد تقطر البلاغة من حواشيه (١) ، ويشهد بالوصول إلى طرفها الأعلى لموشّيه، فليت شعري بأي لسان، أثني على فصوله الحسان، العالية الشان، الغالية الأثمان، التي هي أنفس من قلائد العقيان، وأبدع من مقامات بديع الزمان، فطفقت أرتع من معانيها وفي أمتع رياض، وأقطع بأنّ في منشئها اعتياضاً لهذا العصر عن عياض (٢) :
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدحٍ فلا أرضى لها كلمي ولا سيما فصل التعزية والتسلية، المشتمل على عقد التخلية بل عقود التحلية، لتلميذكم الولد إبراهيم، فإنّه له كرقية السليم، بعد أن كاد يهيم، فجاء ولله درّه في أحسن المحالّ، ووقع الموقع حتى كأن الولد نشط ببركه من عقال:
وإذا الشيء أتى في وقته ... زاد في العين جمالاً لجمال
стр. 1158
فجزاكم الله تعالى عنّا أحسن الجزاء، ثمّ أحسن لكم جميل العزاء، فيمن ذكرتم من كريمتي الأصل والفرع، وأبقى منكم ماكثاً في الأرض من به للناس أعمّ النفع. وأمّا من كان وليي وسميي ومنجدي، الشهيد السعيد المرحوم الشيخ عبد الرحمن المرشدي، فإنّها أصابت منّا منكم والأخوين، فقد عمّت الحرمين، بل طمت الثّقلين، ولقد عدّ مصابه في الإسلام ثلمة، وفقد به في حرم الله تعالى من كان يدعى للملمّة، ولم يبق بعده إلاّ من يدعى إذا يحاس الحيس (١) ، واستحق أن ينشد في حقّه وإن لم يقس به قيس (٢) :
وما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ ... ولكنّه بنيان قومٍ تهدّما فالله تعالى يرفع درجاته في علّيّين، ويبقى وجودكم للإسلام والسلمين، وتلامذتكم الأولاد، يرجون من بركات أدعيتكم أعظم الأمداد، ويهدون أكمل التحيّة، إلى حضرتكم العليّة، ونبلغكم دعاء صاحب السعادة، أدام الله تعالى إسعادكم وإسعاده، ونحن من صحبته الشهية، في رياض فنون أدبية، أبهاها لمعات محاضرة في ذكر شمائلكم الجميلة، تنور المجالس، وأشهاها نسمات محاورة بنشر فضائلكم الجليلة، تعطر المجالس، وسلام جملة الأصحاب من أهل الشام، وعامة الخواص والعام، والدعاء على الدوام - المخلص الداعي عبد الرحمن العمادي، مفتي الحنفية، بدمشق المحمية.
ووردت عليّ مع المكتوب مكاتبات لجماعة من أعيان الشام حفظهم الله تعالى؛ فمنها من الصديق الحميم، الرافل في حلل المجد الصميم، الخطيب، الأديب، سيدي الشيخ المحاسني يحيى، أسمى الله تعالى قدره في الدين والدنيا، كتابان نصّ أولهما: باسمه سبحانه:
стр. 1159
لئن حكّمت أيدي النّوى وتعرّضت ... عوارض بينٍ بيننا وتفرّق
فطرفي إلى رؤياكم متشوّف ... وقلبي إلى لقياكم متشوّق يقبل الأرض الشريفة لا زالت مركزاً لدائرة التهاني، وقطباً لفلك تجري المجرّة في حجرته على الدقائق والثواني، ولا برحت ألسن البلاغة عن تمييز براعة يراعة حامي حماها معربة، وبلابل الآداب على الأغصان في رياض فضله بمثاني الثناء صادحة، وبألحان سجعها مطربة:
أرضٌ بها فلك المعالي دائرٌ ... والشمس تشرق والبدور تحوم
ولها من الزهر المنضّد أنجمٌ ... ولها على أفق السماء نجوم عمّر الله تعالى بالمسرّات محلّها، وعمّ بالخيرات من حلّها، ويبتدئ بسلام يخبر عن صحيح ودّه السالم، ومزيد غرام يؤكد حبّه الذي هو للولاء حازم، وينعت شوقاً يحرك ما سكن صميم الضمير، من صدق حبّ سلم جمعه من التكسير، ويؤكد السلام بتوابع المدح والثناء، ويعرب عن محبة مشيدة البناء، وينهي أن السبب في تسطيرها، والباعث على تحريرها، أشواق أضرم نارها في الفؤاد، ومحبّة لو تجسّمت لملأت البلاد، وأقول:
شوقي لذاتك شوقٌ لا أزال أرى ... أجدّه يا إمام العصر أقدمه
ولي فزٌ كاد ذكر الشوق يحرقه ... لو كان من قال: نارٌ، أحرقت فمه هذا وإن تفضّل المولى بالسؤال عن حال هذا العبد فهو باقٍ على ما تشهد الذات العلية، من صدق المحبّة ورقّ العبودية، ولم يزل يزين أفق المجالس بذكركم، ولا يقتطف عند المحاضرة إلاّ من زهركم، ولم ينس حلاوة العيش في تلك الأوقات التي مضت في خدمتكم المحروسة بعناية الملك المتعال، وليالي الأنس التي قيل فيها، " وكانت بالعراق لنا ليال ":
стр. 1160
واهاً لها من ليالٍ هل تعود كما ... كانت، وأيّ ليالٍ عاد ماضيها
لم أنسها مذ نأت عنّي ببهجتها ... وأيّ أنسٍ من الأيام ينسيها فنسأل الله تعالى أن يمن بالتلاق، ويفصل مانعة الجمع بطيّ شقة الفراق، إن ذلك على الله يسير، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
وبعد، فالمعروض على مسامع سيدي الكريمة، لا زالت من كل سوء سليمة، أنّه وصلنا مكتوبكم الكريم، صحبة العم المحب القديم، فحصل لهذا العبد به جبر عظيم، وأنس جسيم، كما شهد بذلك السميع العليم، فعزمت على ترك الإجابة، لعدم الإجادة، ومتى تبلغ الألفاظ المذمومة ما بلغته الألفاظ المقّريّة وأين يصل صاحب الزّمر كما قيل إلى الدقات الخليلية ولكنّني خشيت من ترك الإجابة توهّم نقض ما أبنيه من رق العبوديّة وصحة الوداد، ومن انقطاع برق شيخي الذي هو لبيت شرفي العمدة والعماد، فلزم من ذلك أن كتبت لجنابه الشريف الجواب، وإن كان خطؤه أكثر من الصواب، وأرسلته قبل ذل بعشرة أيام، ومكتوب هذا العبد صحبته مكتوبان: أحدهما من محبكم شيخ الإسلام المفتي العمادي، والآخر من محبكم أحمد أفندي الشاهيني، وهما وبقية أكابر البلدة وأعيانها يبلغونكم السلام التام، ولا تؤاخذونا في هذا المكتوب فإنّي كتبته عجلاً، ومن جنابكم خجلاً، دام خيركم على الدوام، إلى قيام الساعة وساعة القيام، وحرره يوم الاثنين ١١ من جمادى الثانية سنة ١٠٣٨، الفقير الداعي يحيى المحاسني، انتهى.
ونصّ الكتاب الثاني من المذكور أسماه الله باسمه سبحانه: مخلصك الذي محض لك وداده، ومحبك الذي أسلم لمحبتك قياده، بل عبد كالذي لا يروم الخروج عن رقّك، وتلميذك الذي لم يزل مغترفاً من فيض علومك، معترفاً بحقّك، من أسكنك لبّه، وأخلص لك بحبّه، واتخذك من بين الأنام ذخراً نافعاً، وكهفاً مانعاً، ومولى رفيعاً، وشهاباً ساطعاً، وتشبّث بأسباب علومك
стр. 1161
وتمسّك، يهدي إليك سلاماً كأنّما تعطّر مسك ثنائك وتمسّك، واكتسب من لطف طبعك الرقة، واستعار من سنا وجهك حلّة مستحقّة، وتحية لم يكن مناه إلا أن تكون بالمواجهة، والمحاضرة والمشافهة، على أن فؤاده لم يبرح لك سكناً، وأحشاءه لك موطناً، ويبدي دعواتٍ يحقّق الفضل أنّها من القضايا المنتجة، وأن أبواب القبول لها غير مرتجة، مقبّلاً أياديك التي وكفت بوابل جودها، فهذا يرفل في حللها، وهذا يتحلّى بعقودها:
فهي التي تعنو الرّياض لرقمها ... ويغار منها الدّرّ في تنضيدها
ويحار أرباب البيان لنظمها ... فهم بحضرتها كبعض عبيدها متمسكاً من ولائك بوثيق العرى، متمسكاً من ثنائك الذي لا يزال الكون منه معنبرا، متشوقاً للقائك الذي بالمهج يستام وبالنفوس يشترى، متشوفاً إلى ما يرد من أنبائك التي تسرّ خبرا، وتحمد أثرا، أعني بذلك المولى الذي أقام بفناء الفسطاط مخيماً، وانتجع حماه رائد الفضل ميمماً، وشدّت لفضائله الرّحال، ووقفت عندها بل دونها فحول الرجال، وطلعت شموس علومه في سماء القاهرة، فاختفت نجوم فضلائها والأشعة باهرة:
هو الشّمس علماً والجميع كواكبٌ ... إذا ظهرت لم يبد منهم كوكب فهو العالم الذي سرى ذكره في الآفاق، مسير الصّبا جاذب ذيلها النسيم الخفّاق، الذي أطلع شمس التحقيق من أفق بيانه، وأظهر بدر التدقيق من تبيانه، فلهذا عقدت عليه الخناصر بين علماء عصره، وانعطفت إليه الأواصر من فضلاء مصره، فلا يضاهيه في ذلك أحد في زمانه، وينسق ما نسقه من درّه ومرجانه، فهو المعوّل عليه في مشكلات العلوم، معقولها ومنقولها والمنطوق والمفهوم، الذي لم تسمح بمثله الأزمان والعصور، ولم يأت بنظيره تتابع الأعصار
стр. 1162
والدهور، من عجز لسان القلم، عن التصريح باسمه الشريف في هذا الرقم، لا زالت المدارس مشرقة بإلقائه فيها الدروس، ولا برحت البقع عامرة بوجوده بعد الدّروس، ما سطّرت آيات الأشواق في الصحائف والطروس، وأرسلت من تلميذ إلى أستاذ بسبب نسبته إليه فحصل على المطلوب من شرف النفوس، هذا، والذي يبدي لحضرتكم، وينهي لطلعتكم، أن الراقم لهذه الصحيفة، المشرّفة ببعض أوصافكم اللّطيفة، المرسلة لساحة فضائلكم المنيفة، هو تلميذكم من تشرف بدرسكم، وافتخر بإجازتكم، يبدي لكم تلهّفه لنيران أشواقه التي التهبت، وتأسفه على الأيّام السالفة مذهبة في خدمتكم (١) لا ذهبت، وتوجّعه لهذه الأزمان التي استرجعت بالبعد عنه من ذمّته ما وهبت، وتطلعه إلى ما يشنّف به الأسماع من فضائله التي سلبت (٢) العقول وانتهبت، فلم يزل يسأل الرواة عنها، ليلتقط منها، وقد تحقّق أن فرائدها لا يلفي لها نظيراً ولا يدرك لها كنها (٣) ، وكيف لا ومنها يتعلّم الفاضل اللبيب، وإليها يفتقر السعيد ويتودّد حبيب، وعليها يعتمد ابن العميد، ولم تنفكّ راقيةً في درج المزيد، وعبد الحميد عبد الحميد، وعلم شيخي محيط بصدق محبتي وإخلاصها، وشدّة حرصي على تحصيل فوائد مولانا واقتناصها، وأنّني لا أزال ذاكراً لمحاسنه التي ليست في غيره مجموعة، ومتطفّلاً على ثمار أفكاره التي هي لا مقطوعة ولا ممنوعة، وخاطره الشريف على الحقيقة يشهد بذلك، فلا يحتاج هذا العبد إلى بيّنة لدى مولانا الأستاذ المالك، وحقيق على من فارق تلك الأخلاق الغرّ، والشمائل الزّهر، والعشرة المعشوقة، والسجايا الموموقة، والفضائل الموفورة، والمآثر المشهورة، أن يشق جيب الصبر، ويجعل النار حشو الصدر:
стр. 1163
وإنّي لتعروني لذكراك هزّةٌ ... كما انتفض العصفور بلّله القطر (١) ولو ملكت مرادي، لما اخضرّ إلاّ في ذراه مرادي، بل لو دار الفلك على اختياري، لما نضوت إلا عنده ليلي ونهاري:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الزمان
وتحت ضلوعي لوعة لو كتمتها ... لخفت على الأحشاء أن تتضرّما
ولو بحت في كتبي بما في جوانحي ... لأنطقتها ناراً وأبكيتها دما وأنا لا أقترح على الدهر إلاّ لقياه، ولا أقطع حاضر الوقت إلا بذكراه، وما أعد أيامي التي سعدت فيها بلقائه إلا مفتاح السرور، ومطالع السعود والحبور، ولست أعيبها إلا بقلة البقاء، وسرعة الانقضاء، وكذلك عمر السرور قصير، والدهر بتفريق الأحبّة بصير، وربما اهتزّ العود بعد الذبول، وطلع النجم بعد الأفول، وأديل الوصال من الفراق، وعاد العيش المرّ حلو المذاق:
وما أنا من أن يجمع الله شملنا ... كأحسن ما كنّا عليه بآيس فأمّا الآن فلا أزجي الوقت إلا بقلب شديد الاضطراب، وجوانح لا تفيق من التوقد والالتهاب، وكيف لا وحالي حال من ودّع صفو الحية يوم وداعه، وانقطع عنه الأنس ساعة انقطاعه، وطوى الشوق جوانحه على غليل، وحلّ أضلاعه على كمد دخيل، وأغرى بي فلزمني ولزمته، وألف بيني وبين الوجد فألفني وألفته، فلا أسلك للعزاء طريقاً إلاّ وجدته مسدوداً، ولا أقصد للصبر باباً إلا ألفيته مردوداً، ولا أعدّ اليوم بعد فراق سيّدي إلا شهراً، والشهر دون لقائه إلاّ دهراً، ولست بناسٍ أيامنا التي هي تاريخ زماني، وعنوان الأماني، إذ ماء الاجتماع عذب، وغصن الازديار (٢) رطب، وأعين الحواسد راقدة،
стр. 1164
وأسواق صروف الدهر كاسدة، وفما كانت إلاّ لمحة الطرف، ووثبة الطّرف، ولمعة البرق الخاطف، وزورة الخيال الطائف، وما تذكر تلك الأيّام في أكناف فضائله ونضرتها، ورياض علومه في ظلّه وخضرتها، إلاّ أوجب على عينه أن تدمع، وانثنى على كبده خشية أن تصدّع (١) ، ثم لمّا ورد على عبدكم مكتوبكم الكريم، صحبة حضرة العم المحبّ القديم، فكان كالعافية للصبّ السقيم، كما يشهد بذلك السميع العليم، فوقف له منتصبا، وخفّف عنه برؤيته وصبا، وذكر أيام الجمع فهام وجداً وبها صبا، فاستخفّه الإعجاب طربا، وشاهد صدوره فقال: هكذا تكون الرياض، وعاين لطفه فقال: هكذا تكون الصّبا، وقبّل كل حرف منه ووضعه على الراس، وحصل له بعد ترقّبه غاية المجاورة (٢) والاستئناس، فعند ذلك أنشد قول بعض الناس:
ورد الكتاب فكان عند وروده ... عيداً، ولكن هيّج الأشواقا
ألفاته قد عانقت صاداته ... كعناق مشتاق يخاف فراقا
فكأنّما النّونات فيه أهلّة ... وكأنّما صاداته أحداقا
فعسى الإله كما قضى بفراقنا ... يقضي لنا يوماً بأن نتلاقى فجعلته نصب عيني أتسلى به عند استيلاء الشوق على قلبي، وأطفئ بتأمّله نيران وجدي إذا التهبت في صدري، وسررت به سرور من وجد ضالة عمره، وأدرك جميع أمانيه من دهره، وأنست بتصفّحه أنس الرياض بانهلال القطر، والساري بطلوع البدر، والمسافر بتعريس (٣) الفجر، وكيف لا وقد أصبح في وجه الأماني خدّا، بل في خدّها وردا، وصار حسنة من حسنات دهري،
стр. 1165
لا يمحو مرور الأيام موضعها من صدري، وطلعت طوالع السرور وكانت آفلة، واهتزت غصون الفرح وكانت ذابلة، ولا سيّما لما تضمّن من البشارة السّارة بصحّة المولى وسلامته، وحلوله في منازل عزّه وكرامته، وموعده الكريم بعوده إلى دمشق الشام، سقاها صوب الغمام (١) ، مرّة ثانية، ويتم افتخارها على غيرها فلا تزال مفاخرة مباهية، نسأل الله تعالى أن يحقّق ذلك، وأن يسلك بسيدي أحسن المسالك، إنّه سامع الأصوات، ومجيب الدعوات، فإن عودكم يا سيّدي والله مرّة أخرى هو الحياة الشهية، والأمنية التي ترتجي النفس بلوغها قبل المنيّة، وما أنا من الله بآيس من أن يتيح سببا، يعيد المزار مقتربا، والشمل مجتمعا، وحبل البين منقطعا.
ثم ليعرض على مسامع سيدي الكريمة، لا زالت من كل سوء سليمة، أنّا أوصلنا مكاتيبكم كما أمرتم لأربابها، لا سيّما مكتوب شيخ الإسلام سيدي عبد الرحمن أفندي المفتي بالشام، ومكتوب المولى الأعظم، والهمام الأفخم، أحمد أفندي الشاهيني، أعزّه الله تعالى فإنّه وقع عنده الموقع العظيم، وحصل له به السرور المقيم، كما يدل على ذلك جوابه الكريم، المحفوف بالتعظيم والتكريم، غير أنّه قد ساءنا ما اتصل بمولانا من نفوذ قضاء الله تعالى الذي يعم، في البنت والأم، فجعل الله تعالى في عمر سيدي البركة، وكان له في السكون والحركة، وماذا عسى أن يذكر لجنابكم في أمر التعزية ويقرّر، ومنكم يستفاد مثله وعنكم (٢) يحرّر، والأستاذ أدرى بصروف الدهر وتفنّنها، وأحوال الزمان وتلوّنها، وأعرف بأنالدنيا دار لها بسكانها مدار، وأن الحياة ثوب مستعار، ونعيم الدنيا وبؤسها ما لواحد منهما فيها قرار، وأن لكل طالع أفولاً، ولكل ناضر ذبولاً، ووراء كل ضياء ظلاماً، ولكل عروة من عرى الدنيا انفصاماً، فهو
стр. 1166
محلّ لأني يقوى في العزاء عزائمه، ويصغر في عينه نوائب الدهر وعظائمه، ويغنيه عن عظة تجد له مقالاً، وتحلّ عن عقله عقالاً، وهو يتلقّى المصائب، بفكر ثاقب، وفهم صائب، وصبر يقصر عنه الطّود الأشم، وعزم ينفلق دونه الصخر الأصم، وحلم يرجح إذا طاشت الأحلام، وقدمٍ تثبت إذا زلّت الأقدام، ومدّ المقال في ضرب الأمثال، إلى جنابكم الشريف نوعٌ من تجاوز حدّ الإجلال، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذه المصيبة خاتمة، ولا يريه بعدها إلاّ دولة قائمة ونعمة دائمة، وأن يحرسه من غير الليل والنّهار، ويجعله وارث الأعمار بجاه نبينا محمد المختار، ﷺ وعلى آله وصحبه الأطهار، بمنّه وكرمه.
ثمّ أبلغ سيدي - أطال الله عمره، وشرح صدره، ونشر بالخير ذكره - السلام التام، المقرون بألف تحيّة وإكرام، من أهل البلدة جميعاً، لا سيّما من مفتيها العمادي، حرس الله ذاته التي هي منهل للصادي والغادي، وأولاده الكرام، المستحقين للإعزاز والإكرام، ومن كبيرها، ومدبّرها ومشيرها، أحمد أفندي الشاهيني، أعزّه الله تعالى بعزّه، وجعله تحت كنفه وحرزه، ومن خطيبها مولانا الشيخ أحمد البهنسي، ونقيب أشرافها مولانا السيد كما الدين، وجميع المحبّين الداعين لذلكم الجناب، والمتمسّكين بتراب تلكم الأعتاب، ومن والوالد والعم، والله يا سيّدي إنّه ناشرٌ لواء الثّناء والمحامد، وداعٍ لذلك الجناب الكاسب للمفاخر والمحامد، وحضرة شيخنا شيخ الإسلام وبركة الشام، مولانا وسيّدنا الشيخ عمر القاري، أبقى الله تعالى وجوده، وضاعف علينا إحسانه وجوده، وأولاده يسلّمون عليكم السلام الوافر، وينهون لكم الشوق المتكاثر، وحرّر في ٢ جمادى الثانية سنة ١٠٣٨، المحبّ الداعي يحيى المحاسني، انتهى.
وكتب إليّ عمّه الفاضل الأسمى ما صورته: باسمه :
стр. 1167
وإنّي لمشتاقٌ إلى وجهك الذي ... تهلّله أهدى السناء إلى البدر
وأخلاقك الغر اللواتي كأنّها ... تساقط أنداء الغمام على الزّهر سيدي الذي عبوديتي إليه مصروفة، ودواعي محبّتي لديه موفورة وعليه موقوفة، علم الله سبحانه أنّني لا أزجيّي أوقاتي إلا بذكراه، ولا أرجّي اليمن من ساعاتي إلا باستنشاق نسيم ريّاه، وأنّني إلى طلعته أشوق من الصادي إلى ماء صدّاء (١) ، ومن كثير عزّة إلى نوء تيماء:
يرنّحني إليك الشوق حتّى ... أميل من اليمين إلى الشّمال
ويأخذني لذكراك اهتزازٌ ... كما نشط الأسير من العقال ولي على صدق هذه الدعوى من نباهة لبّه شاهد معدّل، ومن نزاهة قلبه مزكٍّ غير ملوم ولا معذّل، كيف لا ومطالع البيان مشرقها من أفلاك فهومه، وجواهر التبيان مقذفها من بحار علومه، وهو بحر العلم الذي لا يقتحم بسفن الأفكار، وجبل الحلم الذي رسخ بالهيبة والوقار:
لو اقتسمت أخلاقه الغر لم تجد ... معيباً ولا خلقاً من الناس عائبا وماذا عسى أصف به مولانا وقد عجز عن وصفه لسان كلّ واصف، وحر في بث فضائله أرباب المعارف والعوارف:
فلو نظمت الثّريّا ... والشّعريين قريضا
وكاهل الأرض ضرباً ... وشعب رضوى عروضا
وصفت للدّرّ ضدّاً ... وللهواء نقيضا ولكنّني أقول: الثناء منجح أنّى سلك، والسخيّ جوده بما ملك، وإن لم يكن خمر فخلّ، وإن لم يصبها وابل فطلّ. هذا، وقد أوصلنا مكاتيبكم
стр. 1168
الشريفة لأربابها، فكانت لديهم أكرم قادم، وأشرف منادم، وقد تداولها الأفاضل وشهدوا أنّها من بنات الأفكار، التي لم يكشف عنها لغير سيدي حجب الاستتار، وقد وجدنا كلاًّ منهم ملتهباً بجمرات الشوق، متجاوزاً حدّ الصبابة والتّوق ليس لهم شغل إلاّ ذكر أوصافكم الحميدة، وبثّ ما أبديتموه بدروسكم المفيدة، وما منهم إلا ويرجو بلّ الصدى ونقع الظما برؤية ذلك المحيّا، والتملّي بتلك الطلعة العليا. وإن سأل سيدي عن أخبار دمشق المحروسة، دامت ربوعها المأنوسة، فهي ولله الحمد منتظمة الأحوال، أمنها الله من الشرور والأهوال، ولم يتجدد من الأخبار ما نعلم به ذلكم الجناب، لا زال ملحوظاً بعين عناية ربّ الأرباب، وأنا أسأل الله تعالى أن يصون جوهر تلك الذات من عوارض الحدثان، وأن يحمي تلك الحضرة العلية من طوارق حكم الدوران:
آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ ... حتى أضيف إليها ألف آمينا وهذا دعاء للبرية شامل - العبد الداعي، بجميع البواعث والدواعي، تاج الدين المحاسني، عفا الله تعالى عنه، انتهى.
وبالهامش ما صورته: وكاتب الأحرف العبد الداعي محمد المحاسني يقبّل يدكم الشريفة، ويخصكم بالسلام الوافر، ويبثّ لديكم الشوق المتكاثر، غير أنّه قد نازعته نفسه في ترك المعاتبة، لسيده الذي لم يسعد عبد منه بالكتابة، على أنها مكاتبة تحكم عقد العبوديّة، ولا تخرج رقبته من طوق الرّقّيّة، والمطلوب أن يخصّه سيده وشيخه بدعواته المستطابة، التي لا شكّ أنّها مستجابة، كما هو في سائر أوقاته، وحسبان ساعاته، ودمتم، وحرر في رابع جمادى الثانية سنة ١٠٣٨، انتهى.
وكتب سيدي التاج المذكور لي ضمن رسالة من بعض الأصحاب ما وصورته:
يا فاضل العصر يا من ... للشّرق والغرب شرّف
стр. 1169
يا أحمد الناس طرّاً ... في كلّ ما يتصرّف
يهدي إليك محبٌّ ... دموعه تتذرّف
شوقاً وودّاً قديماً ... منكّراً يتعرّف ولنختم مخاطبات أهل دمشق لي بما كتبه لي أوحد الموالي الكبراء، السري، عين الأعيان، صدر أرباب البلاغة والبيان، مولانا أحمد الشاهيني السابق الذكر في هذا التأليف مرات، ضاعف الله تعالى لديه أنواع المبرات والمسرات، آمين، ليكون مسكاً للختام، إذ محاسنه ليس بها خفاء ولا لها انكتام، ونصّ محل الحاجة منه هو الفياض:
" يا سيداً أحرز خصل العلا ... بالبأس والرأي السّديد الشّديد
ومن على أهل النّهى قد علا ... بطبعه السامي المجيد المجيد
ومن يزين الدهر منه حلى ... قولٍ نظيمٍ كالفريد النّضيد
ومن صدا فكري منه جلا ... نظمٌ له القلب عميد حميد
ومن له من يوم قالوا " بلى " (١) ... في مهجتي حبٌّ جديدٌ مزيد
ومن غدا بين جميع الملا ... بالعلم والحلم الوحيد الفريد
أفديك بالنفس مع الأهل لا ... بالمال، والمال عتيدٌ عديد أقسم بالله الذي علت كلمته، وعمّت رحمته، وسحرت القلوب والعقول رأفته ومحبته، وجعل الأرواح جنوداً مجنّدة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، أنّني أشوق إلى تقبيل أقدام شيخي من الظمآن للماء، ومن الساري لطلعة ذكاء، وليس تقبيل الأقدام، ممّا يدفع عن المشوق الأوام، وقد كانت الحال هذه وليس بيني وبينه حاجز إلا الجدار، إذ كان حفظه الله تعالى جار الدار، فكيف الآن بالغرام وهو حفظه الله تعالى بمصر وأنا بالشام،
стр. 1170
وليس غيبة مولانا الأستاذ عنّا، إلا غيبة العافية عن الجسم المضنى، بل غيبة الروح، عن الجسد البالي المطروح، ولا العيشة بعد فراقه، وهجر أحبابه ورفاقه، إلاّ - كما قال بديع الزمان - عيشة الحوت في البر، والثلج في الحر، وليس الشوق إليه بشوق، وإنّما هو العظم الكسير، والنزع العسير، والسم يسري ويسير، وليس الصبر عنه بصبر، وإنّما هو الصاب والمصاب، والكبد في يد القصاب، والنفس رهينة الأوصاب، والحين الحائن وأين يصاب، ولا أعرف كيف أصف شرف الوقت الذي ورد فيه كتاب شيخي بخطّه، مزيناً بضبطه، بلى، قد كان شرف عطارد، حتى اجتمع من أنواع البلاغة عندي كل شارد، وأمّا خطه فكما قال الصاحب بن عبّاد: أهذا خط قابوس، أم جناح الطاووس أو كما قال أبو الطّيب:
من خطّه في كل قلبٍ شهوةٌ ... حتى كأنّ مداده الأهواء وأنا أقول ما هو أبدع وأبرع، وفي هذا الباب أنفع وأجمع: بل هو خط الأمان من الزمان، والبراءة من طوارق الحدثان، والحرز الحريز، والكلام الحر الإبريز، والجوهر النفيس العزيز، وأما الكتاب نفسه فقد حسدني عليه إخواني، واستبشر به أهلي وخلاّني، وكان تقبيلي لأماليه، أكثر من نظري فيه، شوقاً إلى تقبيل يد وشّته وحشّته، واعتياداً للثم أنامل جسّته ومسّته، وأمّا اليراعة، فلا شكّ أنها ينبوع البراعة، حتى جرى من سحر البلاغة منها ما جرى:
فجاء الكتاب كسحر العيون ... بما راح يسبي عقول الورى وينادي بإحراز خصل سحر البيان من الثريا إلى الثرى، ولم أر كتاباً قبل تكون محاسنه متداخلة مترادفة، ولطائفه وبدائعه متضاعفة متراصفة وذلك لأنّه سرد من غرر درره الأحاسن، وورد على يد رأس أحبابنا تاج بني محاسن:
أولئك قومٌ أحرزوا الحسن كلّه ... فما منهم إلاّ فتى فاق في الحسن
стр. 1171
وكما قلت فيهم أيضاً:
فبنو المحاسن بيننا ... كبني المنجّم في النجابه
فهم القرابة إن عدم ... ت من الأنام هوى القرابه
فيهم محاسن جمّةٌ ... منها الخطابة والكتابه ثمّ لم يكتف سيدي وشيخي بما أنعم به، وأحسن بكتبه، من كتابه المزين بخطه، المبين بضبطه، المسمى بين أهل الوفاء، بكتاب الأصفياء، حتى أضاف إليه كتاب الشفاء، في بديع الاكتفاء، كأنّه لم يرض طبعه الشريف المفرد المستثنى، إلا أن تكون حسناته لدى أحبابه مثنى مثنى، حتى كأن مراده بتضيف هذا الإكرام والإحسان، تعجيز العبد عن أداء خدمة الحمد بحصر البيان وعقد اللسان، إذ لست ذا لسانين، حتى أؤدّي شكر إحسانين، وغاية البليغ في هذا المضمار الخطير، أن يعترف بالقصور ويلتزم بالتقصير.
ومن فصول هذا الكتاب ما نصّه: ومن باب إدخال السرور على سيدي وشيخي وبركتي خبر المدرسة الداخلية التي تصدى لها ذلك المولى العظيم، والسيد الحكيم، وصدر الموالي، ورونق الأيام والليالي، سيدي وسندي، وعمادي ومعتمدي، الفهامة شيخي أفندي، المعروف بالعلامة، حفظه الله، ووقاه، وأبقاه، الذي صدق عليه وعليّ قول الأول:
ولي صديقٌ ما مسّني عدمٌ ... مذ وقعت عينه على عدمي
أغنى وأقنى فما يكلّفني ... تقبيل كفٍّ له ولا قدم
قام بأمري لمّا قعدت به ... ونمت عن حاجتي ولم ينم وقول الثاني:
صديقٌ لي له أدب ... صداقة مثله نسب
رعى لي فوق ما يرعى ... وأوجب فوق ما يجب
стр. 1172
فلو نقدت خلائقه ... لبهرج عنده الذهب ولعمري إنّه كذلك قد تصدّى لحاجتي فقضاها، ولحجّتي فأمضاها، ولم يكن لي في الروم سواه وسواها، وما أصنع بالروم، إذا تخلف عني ما أروم، أبى الله إلاّ أن ينفعني ذلك الحرّ الكريمبنهيه وأمره، وأن يكون بياني وبناني مرتبطين بحمده وشكره، وهذه حاجة في نفسي قضيتها، وأمنية رضيت بها وأرضيتها، ولله الحمد.
ولست أحصي، ولا أستقصي، يا سيدي ومولاي، شوق أخيكم سيدي ومولاي المفتي العمادي، حفظه الله تعالى وإياكم، وقد بلغ به شوقه وغرامه، وتعطّشه وأوامه، أن أفرد لجانب مولانا كتاباً، يستجلب مفخراً وجواباً، إذ الشام كما رأيتم عبارة عن وجوده الشريف والسلام، وكذلك أولاده الكرام، تلامذتكم يقبّلون الأقدام. وأما محبكم وصديقكم الشيخ البركة شيخ الإسلام مولانا عمر القاري فقد بلغته سلام سيدي، فكان جوابه الدعاء والثناء، مع العزيمة عليّ بأن أبالغ لجانبكم الكريم في تأدية سلامه، وتبليغ ما يتضمنه من المحبّة الخالصة فصيح كلامه. وأما الكريميّان ولدكم محمد أفندي وأخوه سيدي أكمل الدين، فهما لتقبيل أقدامكم من المستعدين. وكذلك لا أحصي ما هما عليه من الدعاء والثناء لجنابكم الكريم العالي، تلميذاكم بل عبداكم ولدنا الشيخ يحيى ابن سيدي أبي الصفاء، وولدنا الشيخ محمد ابن سيدي تاج الدين المحاسنيان. وأما عبداكم وتلميذاكم ولداي الشيخان الداعيان الأخوان الشيخ عبد السلام والقاضي نعمان، فليس لهما وظيفة إلا الدعاء والثناء، في كل صبح ومساء، لأن كلاًّ منهما خليفتي، والاشتغال بالدعاء لسيدي وظيفتي، ولا يقنعان بتقبيل اليدين الكريمتين، ولا بد من تقبيل القدمين المباركتين. وبعد، فلا ينقضي عجبي من بلاغة كتابكم الشريف الوارد لجناب أخيكم المفتي العمادي حفظكم الله تعالى وإيّاه، ولا كان من يشناك ويشناه، وعجبه به أعظم وأكبر
стр. 1173
إذ هو - حفظه الله تعالى - بفهم كلام سيدي أحقّ وأجدر، فلا عدمنا تلك الأنفاس الملكية والفلكية، من كل منكما إذ هي والله البغية والأمنية، كما قلت:
ليس فخري ولا اعتدادي بدهرٍ ... غير دهر أراكما من بنيه اللهم أختم هذا الكلام، للقبول التام، بالصلاة على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
ومن فصول هذا الكتاب ما صورته: أطال الله يا سيدي بقاءك، ولا كان من يكره لقاءك، ورعاك بعين عنايته ووقاك، وأدامك وأبقاك، وضمن لك جزاء الصبر، وعوّضك عن مصابك الخير والأجر، ولقد كنت عزمت على أن أجعل في مصاب سيدي بأمّه، متّعه الله بعمره وعلمه، ودفع عنه سورة همّه وغمّه، قصيدة تكون مرثية، تتضمن تعزية وتسلية، فنظرت في مرثية أبي الطيب المتنبي لأمه، واكتفيت بنظمها ونثرها، وعقدها وحلها، وانتخبت قوله منها:
لك الله من مفجوعة بحبيبها ... قتيلة شوقٍ غير مكسبها وصما ومنها:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد ... لكان أباك الضخم كونك لي أمّا
لئن لذّ يوم الشامتين بيومها ... لقد ولدت مني لآنفهم رغما فقلت: هذه حال مولانا الراغم لأنوف الأعدا، المجدّد لأسلافه حمداً ومجدا، القاتل بشوقه لا خطأ ولا عمدا، ثم إنّي لما رأيت قوله في مرثية أخت سيف الدولة:
إن يكن صبر ذي الرزيّة فضلا ... تكن الأفضل الأعزّ الأجلاّ
أنت يا فوق أن تعزّى عن الأح ... باب فوق الذي عزّيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزّا ... ك قال الذي له قلت قبلا
стр. 1174
قد بلوت الخطوب حلواً ومرّاً ... وسلكت الأيام حزناً وسهلا
وقتلت الزّمان علماً فما يغ ... رب قولاً وما يجدّد فعلا قلت: هذه والله حلى مولانا الأستاذ الذي عرف للزمان فعله، وفهم قوله، قد استعارها أبو الطّيب وحلّى بها مخدومه سيف الدولة، وكيف أستطيع إرشاد شيخي لطريق الصبر، وأذكّره بالثواب والأجر، وكيف وأنا الذي استقيت من ديمه، واهتديت إلى سبيل المعروف بشيمه، وسلكت جادة البراعة بهداية ألفاظه، وارتقيت إلى سماء البلاغة برعاية ألحاظه، وهل يكون التلميذ معلماً، وهل يرشد الفرخ قشعماً، وكيف يعضد الشبل الأسد، وهو ضعيف المنّة والمدد، ومن يعلّم الثغر الابتسام، والصدر الالتزام، ويختبر الحسام، وهو مجرب صمصام، وهل تفتقر الشمس في الهداية إلى مصباح وهل يحتاج البدر في سراه إلى دلالة الصباح ذلك مثل شيخي ومثل من يرشده إلى فلاح أو نجاح، وإنّما نأخذ عنه ما ورد في ذلك من الكتاب والسنّة، ونحذو حذوه في الطريق الموصّلة إلى الجنة، ثم لما وصلت في هذه القصيدة إلى قول أبي الطّيّب:
إنّ خير الدموع عيناً لدمعٌ ... بعثته رعايةٌ فاستهلاّ رأيته قد أبدع فيه كل الإبداع، ونظم ما يكاد يجري الدمع من طريق السماع، فقلت: إنّا لله، وأكثرت الاسترجاع، وقلت في نفسي: إن ذلك الدمع الذي بعثته رعاية الحقوق، هو دمع شيخي الذي حمى الله قلبه الشفوق من العقوق، للمصيبة في الأم، التي حزنها يغم، ومصابها يعم، وكيف لا يعمنا مصابها، وقد كمل للمصيبة كفاها الله بموتها نصابها، هذا مع الفقد السليلة الجليلة، والكريمة الخليلة، وأي دمع لم تبعثه تلك الرعاية وأي نفس لا تتمنى أن تكون لسيدنا من كل ما يكره وقاية وأي كبد قاسية، لم تكن لأحبابها مواسية وأنّى يتسنّى، للعبد المعنّى، تسلية شيخه وهو الصبور الشكور، العارف بالأمور، العالم بتصاريف الدهور وما ظننت أن بناني، يساعدني على تحرير
стр. 1175
بياني، لتعزية شيخي، حفظه الله تعالى في أصله وفرعه، وضرعه وزرعه، وفرعه ونبته، وأمه وبنته، أما الوالدة الماجدة فإنّي إن أمسكت عن بيان كرم أصلها، يسمو بها كرم فرعها ونسلها، فرحم الله تعالى سلفها، وأبقى خلفها، ولا حرم سيدي ثمرة رضاها، ورضي عنها وأرضاها؛ وأمّا المخدّرة الصغيرة، فالمصيبة فيها كبيرة، إذ العمومة مقّرية، والخؤولة وفائية، فهي ذات النّجارين، وحائزة الفخارين، كأنّ سيدي - أعزّه الله تعالى - لم يرض لها كفواً ومهراً، فاختار القبر أن يكون له صهراً، وخطبة الحمام لا يمكن ردها، وسطوة الأيام لا يستطاع صدها، كما قال أبو الطّيب المتنبي أيضاً:
خطبةٌ للحمام ليس لها ر ... دّ وإن كانت المسمّاة ثكلا
وإذا لم تجد من النّاي كفؤاً ... ذات خدرٍ أرادت الموت بعلا أسأل الله تعالى أن تكون هذه الخطبة قافية الخطوب، وهذا النّدب المبرّح آخر الندوب، وأن يعوض سيدي عن حبيبه المبرقع المقنّع، حبيباً معمّماً تتحرى النجابة منه المصنع، وأن يبدله عن ذات الخمار والخضاب، بمن يصول بالحراب، ويسطو باليراع ويشتغل بالكتاب:
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التّذكير فخرٌ للهلال اللهم يا أرحم الراحمين، إنّي أتوسّل إليك بنبيّك محمّد ﷺ وآله الطيّبين الطاهرين، أن تأخذ بيد عبدك شيخي المقّريّ في كل وقت وحين، آمين.
ومن فصول هذا الكتاب ما صورته: ولما وصلني سيدي بهديته التي أحسن بها من كتاب الاكتفاء، داخل طبعي الصفاء، ونشطت إلى نظم بيتين فيهما التزام عجيب لم أر مثله، وهو أن يكون اللّفظ المكتفى به معنى اللّفظ المكتفى منه، فإن الاحتفاء والاحتفال بمعنى الاعتناء، كما أفاده شيخي، فيكون على
стр. 1176
هذا الاكتفاء وعدمه على حدّ سواء، إذ لو قطع النظر عن لفظ الاحتفال لأغنى عنه لفظ الاحتفاء، مع تسمية النوع فيهما، وهما:
إنّ احتفال المرء لا ... أحبّه إلا مع الاكتفا
مبالغات الناس مذمومةٌ ... فاسلك سبيل القصد في الاحتفا ولقد انقطع الثلج أيام الخريف، وكانت الحاجة إليه شديدة بعد غيبة سيدي حفظه الله تعالى عن دمشق، فتذكرت شغف شيخي به، فزاد على فقده غرامي، وفاض عليه تعطّشي وأوامي، فجعلت في ذلك عدّة مقاطيع، وأحببت عرضها على سيدي: أولها:
ثلج يا ثلج يا عظيم الصفات ... أنت عندي من أعظم الحسنات
ما بياضٌ بدا بوجهك إلاّ ... كبياضٍ بدا بوجه الحياة ثانيها:
قد قلت لمّا ضلّ عنّي رشدي ... وما رأيت الثّلج يوماً عندي
لا تقطع اللهمّ عن ذا العبد ... أعظم أسباب الثّنا والحمد ثالثها:
ثلج يا ثلج أنت ماء الحياة ... ضلّ من قال ضرّ ذاك لهاتي
ما بياضٌ بدا بوجهك إلاّ ... كبياضٍ قد لاح في المرآة
قد رأى الناس وجههم في المرايا ... وأنا فيك شمت وجه حياتي وما عللت سيدي هذا التعليل، إلاّ لأشوقه إلى نسيم دمشق الذي خلّفه سيدي حفظه الله عليلاً وهو على الصحة غير عليل، ولم يشف أعزّه الله تعالى منه الغليل، ولسيدي الدعاء بطول البقاء والارتقاء، وهذه أبيات أحدثها العبد في وصف القهوة، طالباً من سيّده أن يغفر خطأه فيها وسهوه:
стр. 1177
قهوةٍ كالعنبر السّحيق ... سوداء مثل مقلة المعشوق
أتت كمسكٍ فائحٍ فتيق ... شبّهتها في الطعم بالرّحيق
تدني الصديق من هوى الصديق ... وتربط الودّ مع الرفيق فلا عدمت مزجها بريقي ... وما زلت ألهج بما أفادنيه شيخي من أماليه، وأتصفح الدهر الذي جمعته عنه من أسافله إلى أعاليه، وأستشكل على الأحباب والأصحاب في أثناء المسامرة، ما أفادنيه سيدي من تسمية المرحوم القاضي التنوخي كتابه نشوار المحاضرة حتى ظفرت بأصلها في القاموس في مادة نشر، فإذا هي عربية محضة، فإنّه قال: ونشورت الدابة نشواراً: أبقت من علفها، ولقد تعجبت من بلاغة هذه التسمية وعذوبتها، وحسن المجاز فيها مع سلاستها وسهولتها، وأحببت عرضها على شيخي حفظه الله تعالى ليفرح لي بين تلامذته كما فرح طبعي به حفظه الله تعالى بين أساتذته، وليعلم أنّي لم أنس ما أفادنيه في خلال المحاورة، أيام المؤانسة والمجاورة، فوالله إنّه سميري، في ضميري، وكليمي، مابين عظمي وأديمي:
يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
الطرس طما وما مضت قصتنا ... لا ذنب لنا حديثنا لذّ فطال وحرر يوم السبت المبارك غرّة جمادى الآخرة من شهور سنة ثمان وثلاثين بعد الألف، أحسن الله ختامها بحرمة محمد وآله الطيّبين الطاهرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى والنصير، والحمد لله وحده، عبده الفقير الحقيرالمشتاق، المذنب المقصر لسيده عن اللحاق، الذي لم يبرح عن العهد المتين، أحمد الشامي بن شاهين، انتهى.
ولو تتبعت ما له حفظه الله تعالى من النظم والنثر، اللذين غلب فيهما بلغاء
стр. 1178
أهل العصر، بالشام ومصر، وغيرهما من الأقطار، لا زال مقامه مقضيّ الأوطار، لاستوعبت الأسفار، وفي الإشارات ما يغني عن الكلم، وقد تقدم في خطبة هذا التصنيف، ذكر شيء من نظمه ونثره وأنّه هو السبب الداعي إلى جمع هذا التأليف، والله سبحانه يديم جنابه السريّ الشريف، ويبوّئه من العزّ الظلّ الوريف، فلقد أولى من الحقوق ما لا نؤدّي بعضه فضلاً عن كلّه، وناهيك بما جلبناه من كلامه دليلاً على شرفه وفضله.
ورسالته هذه إلي كانت جواباً عن مكتوب كتبته إليه من جملته:
يا من له طائر صيتٍ علا ... في الجوّ فاصطاد الشريد الشديد
يا نجل شاهين البديع الحلى ... تملّ بالعزّ الطويل المديد
وفز بخصل السّبق بين الملا ... وسر بنهجٍ للمعالي سديد
ورد مع الأحباب عذباً حلا ... منتظماً من الأماني البديد
وارفل على طول المدى في ملا ... مسرّةٍ راقت وعزٍّ جديد
والوالد المحروس بالله، لا ... بعدّة الخلق ولا العديد ومن نثرها: " سيدي الذي في الأجياد من عوارفه أطواق، وفي البلاد من معارفه ما تشهد به الفطرة السليمة والأذواق، وتشتدّ إلى مجده المطنب الذي لا يحطّ له رواقٌ الأشواق، وتعمر بفائده وفرائده من الآداب الأسواق، وتنقطع دون نداه السحب السواكب، وتقصر عن مداه في السّمو الكواكب، والله سبحانه له واق، المولى الذي ألقت إليه البلاغة أفلاذها، واتخذت البراعة طاعته عصمتها وملاذها، إذ بذّ أفرادها وأفذاذها، وأمطرت سماء أفكاره، على كل محبّ أو كاره، طائر في جو أو مستقر في أوكاره، صيّبها ورذاذها، وفاخرت دمشق بعلاه وحلاه أقطار البسيطة وبغذاذها ".
ومنها: " أبقاه الله تعالى وحقيقة وعوده ينمقها النجاز، وحقيقة سعوده لا يطرقها المجاز ".
стр. 1179
ومنها: فأنت الذي نفّست عني مخنّقا، وأصفيت مشربي وكان مرنّقا، وكاثرت بما به آثرت، وما استأثرت - رمل النقا، فلو رآك المأمون ابن الرشيد، لعلم أنّك المتمنّى ببيتي الغناء الذي غني به والنشيد:
وإنّي لمشتاق إلى قرب صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت لديه
عذيري من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لي، ولا إن كنت طوع يديه ولم يقل: أعطني هذا الصديق وخذ مني الخلافة، وأنا أقول: قد ظفرنا به بحمد الله ولم أجد أحداً في دهره وافق الغرض فلم نر خلافه.
ومنها: فهذه يا ابن شاهين أياديك البيض، تفرخ لك الشكر وتبيض، فلا دليل على ولائي، كإملائي، ولا شاهد لما في أحنائي، كثنائي، ولا حجّة على ودادي، كتكراري ذكرك وتردادي.
وهي طويلة، لا يحضرني الآن منها سوى ما ذكرته.
ولنقتصر من مكاتبات أعيان العصر من أهل دمشق المحروسة على هذا النحو المقدار، ونسأل الله تعالى أن يحفظهم جميعاً في الإيراد والإصدار.
[رسائل من المغرب ترد للمؤلف]
وفي تاريخ ورود هذه المكاتيب الشامية السابقة عليّ، اتفق ورود كتب من المغرب، وجّهها جماعة من أعيانه إليّ.
فمن ذلك كتاب كتبه لي الأستاذ المجوّد الأديب الفهامة معلم الملوك سيدي الشيخ محمد بن يوسف المراكشي التامليّ (١) نصّه: " الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد تتوالى، من المحب المخلص المشتاق، إلى السيد الذي
стр. 1180
وقع على محبته الاتفاق، وطلعت شموس معارفه في غاية الإشراق، وصار له في ميدان الكمال حسن الاستباق، الصدر الكامل، والعالم العامل، الفقيه الذي تهتدي الفقهاء بعلمه وعمله، البليغ الذي تقتدي البلغاء ببراعة قلمه، ناشر ألوية المعارف، ومسدي أنواع العوارف، العلامة إمام العصر، بجميع أدوات الحصر، سيدي أحمد بن محمد المقّري قدّس الله السلف، كما بارك في الخلف، سلامٌ من النسيم أرقّ، وألطف من الزهر إذا عبق.
وبعد، فإن أخباركم دائماً ترد علينا، وتصل إلينا، بما يسر الخاطر، ويقرّ الناظر، مع كل وارد وصادر، والعبد يحمد الله تعالى على ذلك، ويدعو الله بالاجتماع معكم هنالك:
ويرحم الله عبدا قال آمينا ... كتبته إليكم أيّها السيد من الحضرة المراكشية مع كثرة أشواق، لا تسعها أوراق، كتبكم الله سبحانه فيمن عنده، كما جعلكم ممّن أخلص في موالاة الحق قصده، وودّي إليكم غضّ الحدائق، مستجلٍ في مطلع الوفاء بمنظر رائق، لا يحيله عن مركز الثبوت عائق، وحقيق بمودة ارتبطت في الحق وللحق معاهدها (١) ، وأسست على المحبة في الله قواعدها، أن يزيد عقدها على مر الأيام شدة، وعهدها وإن شط المزار جدّه، وأن تدّر للأخرى عدّة، وإنّي ويعلم الله تعالى لممّن يعتقد بمحبتكم وموالاتكم عملاً صالحاً يقرب من الله تعالى ويزلف إليه، ويعتمدهما (٢) وزراً يعوّل في الآخرة يوم لا ظل إلاّ ظلّه عليه، فإنّكم واليتم فأخلصتم في الولا، وعرفتم الله تعالى فقمتم بحقوق الصحبة على الولا، معرضين في تلكم الأخوّة عن غرض الدنيا وعرضها، موفين
стр. 1181
بشروط (١) نقلها ومفترضها، إلى أن قضى الله تعالى بافتراقنا، وحقوقكم المتأكدة دين علينا، والأيام تمطل بقضائها عنا، وتوجّه الملام إلينا، فآونةً أقف فأقرع السنّ على التقصير ندماً، وآونة أستنيم إلى فضلكم فأتقدم قدماً، وفي أثناء هذا لا يخطر بالبال حق لكم سابق، إلا وقد كر عليه منكم آخر له لاحق، حتى وقفت موقف العجز، وضاقت عليّ العبارة عن حقيقة مقامكم في النفس فكدت لا أتكلم إلا بالرمز، إجلالاً لحقكم الرفيع، وإشفاقاً من التقصير المضيع، وقد كنت كتبت - أعزّكم الله تعالى - إليكم قبل هذا بكتب أربعة أو خمسة فيها عجالة قصائد كالعصائد، كالثريد من الكلام ككلامكم (٢) السلس الكثير الفوائد، فعذراً ممّن كان أخرس من سمكة، وأشد تخبّطاً من طائر في شبكة، فما عرفت أوصل شيء من ذلك، أن حصل في أيدي المعاطب والمهالك وما رأيت غير رجل من صعاليك الحجاج التقيت به يوماً بالحضرة المراكشية، فقال لي: الشيخ الإمام المقّريّ يسأل عنك، وقد أرسل معي كتاباً إليك، فوقع في البحر مع جملة ما وقع، فقلت له: لا غرابة في ذلك فقد رجع إلى أصله، ومن ظلمة البحار تستخرج الدرر، وقد جاءني كتاب من بعض الأخلاء الصديقين وهو الحاج الصالح السيد أبو بكر من مكة المكرمة شرّفها الله تعالى، وذكر لي فيه أنّه متعه الله تعالى بلقائكم، وأخبرني بسؤالكم عني كثيراً، وإلى الآن يا نعم السيد إنما عرّفته بما كتبته لسيادتكم تعريف تذكّر لا تعريف منّة، فأنصفونا في الحكم عليكم في عدم الجواب بما ألفته الأدباء شريعة وسنّة، وبالجملة ففؤادي لمجدكم صحيح لا سقيم، واعتدادي بودكم منتج غير عقيم، والله تعالى يجعل الحب في ذاته الكريمة، ويقضي عن الأحبّة دين المحبّة فيوفي كل غريم غريمه، ويصلكم إن شاء الله تعالى هذا المرقوم،
стр. 1182
وبه سؤال منظوم، لتتفضلوا بالجواب عنه بعد حمد الله، والصلاة والسّلام على مولانا رسول الله، ﷺ :
إلى المقّريّ الحبر صدر الأئمة ... من المخلص الوداد أزكى تحيّة
فذلك يا صدر الصّدور عجالة ... لسمح بالجواب عمّا أكنّت
فتى قد رأى عند العذارى فتية ... محرّمة عند الزوال فحلّت
وعادت حراماً عند عصرٍ فعندما ... عشاءٌ أتى عادت حلالاً تجلّت
وفي صبح ثاني اليوم عادت محرّماً ... وزالت زوالاً منه في غير مرية
وفي ظهره حلّت فطابت قريرةً ... وفي عصره محرّماً قد تبدّت
وعند العشاء بالضّرورة حلّلت ... وذلك بعد غرم مالٍ كفدية
وفي صبحه عادت حراماً ترى به ... بروق سيوفٍ لامعاتٍ بسنّة
وكان يضيق حسرةً تأسّفاً ... وحلّت له وقت العشاء وتمّت
وعن أمةٍ أيضاً يموت سريّها ... قد أولدها في ملكه بعد وطأة
وعادت لمملوك السريّ حليلةً ... بعقد نكاحٍ بعد من غير شبهة
فجاءت ببنت، هل لها من تزوّج ... بنجل السريّ بيّنوا لي قصتي
فإن السيوري مانعٌ من تزوّج ... له بابنةٍ منها بتلك القضيّة
وما الفرق بينها وبين التي أتى ... بها ابن أبي زيد بأوضح حجّة
وعن مشترٍ مملوكةً غير محرمٍ ... ومسلمة شراً صحيحاً بشرعة
وليس بملكه له وطؤها يرى ... جوازاً على التأبيد تأخير جلّة (١)
وما طالقٌ من عدّةٍ خرجت ولا ... يجوز على التأبيد في خير ملّة
نكاحٌ لها من واحدٍ ومطلّق ... لها غير معصوم ترى ي الشّريعة
وتمّت بحمد الله مبديةً لكم ... سلاماً كما أبدته في صدر طلعة
стр. 1183
وتقرير السؤال الثاني: أمة أولدها سيّدها فصارت حرّة، فمات عنها السيد، ثمّ تزوّجها عبد سيدها، فأتت ببنت، أما لولد سيدها أن يتزوّج هذه البنت فإن الرجل له أن يتزوّج بنت زوجة أبيه من رجل غيره، وهذه سريّة أبيه، فإن الإمام السيوري يمنع هذه المسألة، وما الفرق بينهما وتصلكم أيضاً إن شاء الله تعالى عجالة رجزية، في مآثركم السنية، ضمنتها أشطاراً من الألفية، فتفضّلوا بالإغضاء، وحسن الدعاء، أن يجمع الله شملنا بكم في تلك الأماكن المشرّفة، ثم المأمول من سيّدنا ومولانا أن يتفضّل علينا بكتاب طبقات القراء للإمام الحافظ الداني، إذ ليس عندنا منه نسخة، وأما تأليفكم الكثير الفوائد المسمّى بأزهار الرياض في أخبار عياض، وما يناسبها ممّا يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض، فقد انتشر بهذه الأقطار المرّاكشية، وانتسخت منه نسخ عديدة من نسخة المرحوم سيدي أحمد بن عبد العزيز بن الولي سيدي أبي عمر، وكسا الله سبحانه تأليفكم المذكور جلباب القبول، فما رآه أحد إلاّ نسخه، وعندي النسخة التي كتبها بخطّه السيد أحمد المذكور بخط حسن، وعلى هامشها في بعض الأماكن خطكم الرائق، وبعض التنبيهات من كلامكم الفائق، وأعلمونا بتأليفكم الذي سميتموه قطف المهتصر من أفنان المختصر (١) " هل خرج من المبيضة أم لا ووددنا لو اتصلنا منه بنسخة، وقد اشتاق فقهاء هذا الإقليم إليه غاية كالفقيه قاضي القضاة محبكم سيدي عيسى وغيره من أخلاء خليل، في كل محفل جليل، إلى أن قال: وأنا أتمثّل بكلام مولانا عليٍّ كرّم الله وجهه حيث يقول، تبرّكاً به:
رضيت بما قسم الله لي ... وفوّضت أمري إلى خالقي
كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي
стр. 1184
ولي حفظكم الله تعالى تخميس على البيتين، وذلك أنّه نزلت بي شدة لا يمكن الخلاص منها عادة، فما فرغت من تخميسهما إلا وجاء الفرج في الحين، ونصّه:
إذا أزمة نزلت قبلي ... وضقت وضاقت بها حيلي ... تذكرت بيت الإمام علي ...
رضيت بما قسم الله لي ... وفوّضت أمري إلى خالقي لأنّ الإله اللطيف قضى ... على خلقه حكمه المرتضى ... فسلّم وقل قول من فوّضا ...
" كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي " فعذراً - أعزّكم الله سبحانه ونفع إخائكم - عن إغباب المراسلة بالمكاتبة عذراً، وصبراً على بعد اللّقاء صبراً، فإن يقدر في هذه الدار نلنا فيها ما نتمنى، وإلاّ فلن نعدم بفضل الله جزاء الحسنى، ولقاء لا يبيد ولا يفنى، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، إيقاناً بالوعد وتحقيقاً، فمن أوجب له محبته، أدخله جنّته، وأحضره مأدبته، وكمّل له أمنيته، جعلنا الله من المتحابين في جلاله، بكرمه وإفضاله، وكتبه محبكم ومعظمكم، الواصل حبل ودّه بودكم، والمشرّف لعهدكم، المنوّه بفخركم ومجدكم، العبد الفقير الحقير، المشفق على نفسه من التقصير والذنب الكبير، محمد بن يوسف التاملي، غفر الله ذنبه، وستر عيبه، وجبر قلبه، وجمعه بمن أحبّه، بالنبيّ ﷺ ، في عاشوراء المحرم فاتح سنة ثمانٍ وثلاثين وألف، انتهى.
وصحبة هذا المكتوب ورقة نصّها: بسم الله الرّحمن الرحيم، وصلّى الله
стр. 1185
على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم (١) .
لله درّ العالم الجيّاني ... كأنّما ينظر بالعيان
للمقّريّ العالم المفضال ... منظّراً بأحسن المثال
وعالمٌ بأنّني من بعده ... أشير في نظامنا لقصده
وها أنا بالله أستعين ... مضمّناً وربّنا المعين
بالشطر من ألفية ابن مالك ... أيّدنا الله لنسج ذلك
قال محمّد عبيد المالك ... وسالك الأحسن من مسالك
نشير بالتّضمين للنحرير ... المقّريّ الفاضل الشّهير
ذاك الإمام ذو العلاء والهمم ... " كعلم الأشخاص لفظاً وهو عم "
فلن ترى في علمه مثيلا ... " مستوجباً ثنائي الجميلا "
ومدحه عندي لازمٌ أتى ... " في النظم والنثر الصّحيح مثبتا "
أوصاف سيدي بهذا الرجز ... " تقرّب الأقصى بلفظٍ موجز "
فهو الذي له المعاني تعتزي ... " وتبسط البذل بوعد منجز "
رتبته فوق العلا يا من فهم ... " كلامنا لقظٌ مفيد كاستقم "
وكم أفاد دهره من تحف ... " مبدي تأوّلٍ بلا تكلّف "
لقد رقى على المقام الطاهر (٢) ... " كطاهر القلب جميل الظاهر "
وفضله للطّالبين وجدا ... " على الذي في رفعه قد عهدا "
قد حصّل العلم وحرّر السير ... " وما بإلاّ أو بإنّما انحصر "
في كلّ فنّ ماهرٍ صفه ولا ... " يكون إلاّ غاية الذي تلا "
سيرته جرت (٣) على نهج الهدى ... " ولا يلي اختياراً أبدا "
стр. 1186
وعلمه وفضله لا ينكر ... " ممّا به عنه مبيناً يخبر "
يقول دائماً بصدر انشرح ... اعرف بنا فإنّنا نلنا المنح
يقول مرحباً لقاصديه من (١) ... " يصل إلينا يستعن بنا يعن "
صدّق مقالتي وكن متّبعا ... " ولم يكن تصريفه ممتنعا "
وانهض إليه فهو بالمشاهده ... " الخبر الجزء المتمّ الفائده "
والزم جنابه وإيّاك الملل ... " إن يستطل وصل وإن لم يستطل "
واقصد جنابه ترى مآثره ... " والله يقضي بهباتٍ وافره "
وانسب له فإنّه ابن معطي ... " ويقتضي رضىً بغير سخط "
واجعله نصب العين والقلب ولا ... " تعدل به فهو يضاهي المثلا "
قد طالما أقاد علم مالك ... " أحمد ربي الله خير مالك "
وحاسد له ومبغضٌ زمن ... " وهالك وميّت به قمن "
وليس يشفى مبغضٌ له أعلّ ... " عيناً وفي مثل هراوة جعل "
يقول عبد ربّه محمّد ... " في نحو خير القول إنّي أحمد "
وهو بدهره عظيم الأمل ... " مروّع القلب قليل الحيل "
فادع له وسادة قد حضروا ... " وافعل أوافق نغتبط إذ تشكر "
واجبره بالدّعا عساه يغتنم ... " فجره وفتح عينه التزم "
أنشدت فيكم ذا وقال قائل ... " في نحو نعم ما يقول الفاضل "
أدعو لكم بالستر في كل زمن ... " لكونه بمضمر الرفع اقترن "
مآثر لكم كثيرة سوى ... " ما مرّ فاقبل منه ما عدلٌ روى "
قد انتهى تعريف ذا المعرّف ... " وذو تمام ما برفعٍ يكتفي "
لأنتم تاج الأئمة الأول ... " وما بجمعه عنيت قد كمل "
فالله يبقيكم لدينا وكفى ... " مصليّاً على الرسول المصطفى "
стр. 1187
تترى عليه دائماً منعطفا ... وآله المستكملين الشّرفا ومن ذلك ما كتبه لي بعض الأصحاب ممّن كان يقرأ علي بالمغرب (١) ، وصورته: سيدنا وسيد أهل الإسلام، حامل راية علوم الأمّة الأحمدية، على صاحبها الصلاة والسلام، آية الله في المعاني والمعالي، وحسنة الأيام والليالي، وواسطة عقود الجوهر واللآلي، إمام مذهب مالك والأشعري والبخاري، والواقدي والخليل، العلاّمة القدوة السيد الكبير الشهير الجليل، ذو الأخلاق العذبة المذاق، والشمائل المفصحة عن طيب الأصول والأعراق، كبير زمانه دون منازع، وعالم أوانه من غير منكر ولا مدافع، شيخا ومعلمنا ومفيدنا وحبيب قلوبنا مولانا شيخ الشيوخ أبو العباس أحمد بن محمد المقّريّ المغربي التلمساني نزيل فاس ثم الديار المصرية، حفظه الله تعالى في مواطن استقراره، ورفع درجته بإشادة فخاره على مناره، عن شوق يودّ له الكاتب أن لو كان في طي كتابه، وتوقٍ إلى مشاهدتكم هو الغية في بابه، بعد إهداء السلام المحفوف بأنواع التحيّات والكرامات والبركات، الدائم ما دامت في الوجود السكنات والحركات، لمقامكم الأكبر، ومحفلكم الأشهر، ومن تعلّق بأذيالكم أو كان مستمطراً لنوالكم، أو صبّت عليه شآبيب أفضالكم، من أهل ومحب وصاحب وخديم، هذا وإنّه ينهي إلى الوداد القديم، وأن أهل المغرب الأدنى والأقصى حاضرة وبادية، كلّهم يتفكّهون بل يتقوتون بذكركم، ويشتاقون لرؤية وجهكم، ويتلذذون بطيب أخباركم، وإن كان المغرب الآن في تفاقم أحوال، وتراكم أهوال، في الغاية مدائن وبوادي، لا سيما مدينة فاس فإنّها في شر عظيم، وأميره مولاي عبد الملك مات في السنة السابعة والثلاثين بل في ذي الحجّة
стр. 1188
قبلها؛ وفي المحرم من سنة سبع وثلاثين، توفّي ملك المغرب السلطان أبو المعالي زيدان (١) وبويع من بعده ابنه مولاي عبد الملك، وتقاتل مع أخويه الأميرين الوليد وأحمد وهزمهما، وإلى الله عاقبة الأمور، وأهل داركم بفاس بخير وعافية، ونعم ضافية، سوى ما أدركهم من طول الغيبة، نسأل الله تعالى أن يملأ بقدومكم العيبة، ومحبكم الأكبر، ووليكم الأصغر، سيد أهل المغرب اليوم وشيخ الطريقة، والكرامات سيدي محمد بن أبي بكرالدلائي (٢) ، ويحييكم (٣) ويعظم قدركم، ولسان لكم ذاكر ناشر شاكر، وهو على خير، وقد اجتمعت عليّ من بركتكم في مدينة سلا جماعة من طلاب العلم وفتح الله تعالى علي بتآليف عديدة منها كفاية الطالب النبيل في حل ألفاظ مختصر خليل ومنها شرحٌ على المنهج المنتخب للزّقاق في قواعد مالك، ومنظومة في أكثر من ألف بيت في السّير والشمائل، ومنها في رجال البخاري ولا كنسخ (٤) الكلاباذي، ومنها خطب، وغير ذلك، والكل من بركتكم، ونسبته إليكم في صحيفتكم،
стр. 1189
والسلام من ولدكم المقر بفضلكم تراب نعالكم على بن عبد الواحد الأنصاري، لطف الله تعالى به، وحامله كبير كبراء قومه ممّن يحبكم ويعرفكم، وما تفعلوا معه من خير فلن تكفروه، والسلام، انتهى.
ومنها كتاب افاني من علم قسمطينة وصالحها وكبيرها ومفتيها سلالة العلماء الأكابر، ووارث المجد كابراً عن كابر، المؤلف العلاّمة سيدي الشيخ عبد الكريم الفكون (١) حفظه الله، نصّه:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على من أنزل عليه في القرآن " وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ " وآله وصحبه وسلّم أفضل التسليم، من مدنّس الإزار، المتسربل بسرابيل الخطايا والأوزار، الراجي للتنصّل منه رحمة العزيز الغفّار، عبد الله - سبحانه -، عبد الكريم محمد الفكون، أصلح الله بالتقوى حله، وبلّغه من متابعة السنّة النبوية (٢) آماله، إلى الشيخ الشهير، الصدر النحرير، ذي الفهم الثاقب والحفظ الغزير، الأحبّ في الله المؤاخي من أجله سيدي أبي العباس أحمد المقّريّ، أحمد الله عاقبتي وعاقبته، وأسبل على الجميع عافيته، أمّا بعد فإنّي أحمد الله إليك، وأصلّي على نبيه سيدنا محمد، ﷺ ، ولا أريد إلا صالح الدعاء وطلبه منكم، فإنّي أحوج الناس إليه، وأشدهم في ظنّي إلحاحاً عليه، لما تحققت من أحوال نفسي الأمّارة، واستبطنت من دخيلائها المثابرة على حبّ الدنيا الغرّارة، كأنّها عميت عن الأهوال، التي أشابت رؤوس الأطفال، وقطعت أعناق كمّل الرجال، فتراها في لجج هواها خائضة، وفي ميدان شهواتها راكضة، طغت في غيها وما لانت، وجمحت فما انقادت ولا استقامت، فويلي ثمّ ويلي من يومٍ تبرز فيه
стр. 1190
القبائح، وتنشر الفضائح، ومنادي العدل قائم بين العالمين " وإن مثقال حبّةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين " (الأنبياء: ٤٧) فالله أسأل حسن الإلطاف، والستر عمّا ارتكبناه من التعدّ والإسراف، وأن يجعلنا من أهل الحمى العظيم وممّن يحشر تحت لواء خلاصته الكريم، سيدنا ومولانا وشفيعنا النبيّ الرؤوف الرحيم، ولنكفّ من القلم عنانه، لما أرجو من أجله ثواب الله سبحانه، وقد اتصل بيدي جوابكم، أطال الله في العلم (١) بقاءكم، فرأيت من عذوبة ألفاظكم، وبلاغة خطابكم، ما يذهل من العلماء فحولها، وينيلها لدى الجثوّ لسماعه سؤلها ومأمولها، بيد ما فيه من أوصاف من أمره قاصر، وعن الطاعة والاجتهاد فاتر، وأصدق قول فيه عند مخبره ومرآه " أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " (٢) لكن يجازيكم المولى بحسن النيّة، البلوغ في بحبوحة الجنان غاية الأمنية، وقد ذيلتم ذلك بأبيات أنا أقلّ من أن أوصف بمثلها، على أنّي غير قائم بفرضها ونفلها، فالله تعالى يمدّكم بمعونته، ويجعلكم من أهل مناجاته في حضرته، ويسقينا من كاسات القرب ما نتمتّع منه بلذيذ منادمته، وقد ساعد البنان الجنان، في إجابتكم بوزنها وقافيتها، والعذر لي أنّني لست من أهل هذا الشان، والاعتراف بأنّني جبان وأيّ جبان، والكمال لكم في الرضى والقبول، والكريم يغضي عن عورات الأحمق الجهول، وظنّنا حققه الله تعالى أن نجعل على منظومتكم الكلاميّة يعني " إضاءة الدجنّة " (٣) تقييداً، أرجو من الله توفيقاً وتسديداً، بحسب قدري لا على قدركم، وعلى مثل فكري القاصر لا على عظيم فكركم، وإن ساعد الأوان، وقضى بتيسيره ربّ الزمان، فآتي به إن شاء
стр. 1191
الله، الآجل (١) معي، لأنّني بالأشواق، إلى حضرة راكب البراق، ومخترق السبع الطباق، وكنت عازماً على أن أبعث لكم من الأبيات أكثر من الواقع، إلاّ أن الرفقة أعجلت، وصادفتني أيام موت قعيدة البيت، فلم يتيسر عاجلاً إلا ما ذكر وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل:
يا نخبة الدهر في الدرايه ... علماً تعاضده الروايه (٢)
لا زلت بحراً بكلّ فنٍّ ... يروي به الطالبون غايه
لقد تصدّرت في المعالي ... كما تعاليت في العنايه
من فيك تستنظم المعاني ... بلّغت في حسنها النهايه
رقّاك مولاك كلّ مرقىً ... تحوي به القرب والولايه
أعجوبة ما لها نظيرٌ ... في الحفظ والفهم والهدايه
يا أحمد المقّريّ دامت ... بشراك تصحبها الرعايه (٣)
بجاه خير العباد طرّاً ... والآل والصحب والنّقايه
صلّى عليه الإله تترى ... نكفى بها الشّرّ والغوايه وأختم كتابي بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، ﷺ ، وكتب بغاية عجلة، يوم السبت سابع أو ثامن رجب، من عام ثمانية وثلاثين وألف للهجرة على صاحبها الصلاة والسلام؛ انتهى.
والمذكور عالم المغرب الأوسط غير مدافع، وله سلف علماء ذوو شعرة، ولهم في الأدب الباع المديد، غير أن المذكور مائل إلى التصوّف، ونعم ما فعل، تقبّل الله تعالى عملي وعمله، وبلّغ كلاًّ منا أمله؛ ولأشهر أسلافه العلاّمة الشيخ
стр. 1192
حسن بن علي بن عمر الفكون القسمطيني أحد أشياخ العبدري (١) صاحب الرحلة قصيدة مشهورة عند العلماء بالمغرب، وهي من درّ النظام، وحرّ الكلام، وقد ضمّنها ذكر البلاد التي رآها في ارتحاله من قسمطينة إلى مراكش، وأوّلها:
ألا قل للسّريّ ابن السّري ... أبي البدر الجواد الأريحيّ (٢) ومنها:
وكنت أظنّ أنّ الناس طرّاً ... سوى زيدٍ وعمروٍ غير شيّ
فلمّا جئت ميلة (٣) خير دار ... أمالتني بكلّ رشا أبيّ
وكم أورت ظباء بني ورارٍ ... أوار الشّوق بالريق الشّهيّ
وجئت بجايةً فجلت بدوراً ... يضيق بوصفها حرف الرويّ
وفي أرض الجزائر هام قلبي ... بمعسول المراشف كوثريّ
وفي مليانةٍ قد ذبت شوقاً ... بلين العطف والقلب القسيّ
وفي تنسٍ نسيت جميل صبري ... وهمت بكلّ ذي وجه وضيّ
وفي مازونةٍ ما زلت صبّاً ... بوسنان المحاجر لوذعيّ
وفي وهران قد أمسيت رهناً ... بظامي الخصر ذي ردفٍ رويّ
وأبدت لي تلمسانٌ بدوراً ... جلبن الشّوق للقلب الخليّ
стр. 1193
ولمّا جئت وجدة همت وجداً ... بمنخنث المعاطف معنويّ (١)
وحلّ رشا الرباط رشا رباطي ... وتيّمني بطرفٍ بابليّ
وأطلع قطر فاسٍ لي شموساً ... مغاربهنّ في قلب الشّجيّ
وما مكناسة إلاّ كناسٌ ... لأحوى الطرف ذي حسنٍ سنيّ
وإن تسأل عن أرض سلا ففيها ... ظباءٌ كاسراتٌ للكميّ
وفي مراكشٍ يا ويح قلبي ... أتى الوادي فطمّ على القريّ
بدورٌ بل شموسٌ بل صباحٌ ... بهيٌّ في بهيٍّ في بهيٍّ
أبحن مصارع العشّاق لمّا ... سعين به فكم ميتٍ وحيّ
بقامة كلّ أسمر سمهريٍّ ... ومقلة كلّ أبيض مشرفيّ
إذا أنسيتني حسناً فإنّي ... أنسّيهم هوى غيلان ميّ
فها أنا قد تخذت الغرب داراً ... وأدعى اليوم بالمرّاكشيّ
على أنّ اشتياقي نحو زيدٍ ... كشوقك نحو عمروٍ بالسّويّ
تقسّمني الهوى شرقاً وغرباً ... فيا للمشرقيّ المغربيّ
فلي قلبٌ بأرض الشرق عانٍ ... وجسمٌ حلّ بالغرب القصيّ
فهذا بالغدوّ يهيم غرباً ... وذاك يهيم شرقاً بالعشيّ
فلولا الله متّ هوىً وشوقاً ... وكم لله من لطفٍ خفيّ وقد خرجنا بالاستطراد إلى الطول، وذلك منّا استرسال مع جاذب الأدب، فلنمسك العنان، والله المستعان.
وما عددناه من القصائد والمقطوعات في مدح دمشق الشام فهو غيض من فيض، وفي نيتي أن أجمع في ذلك كتاباً حافلاً أسميه " نشق عرف دمشق "
стр. 1194
أو " مشق قلم المدح لدمشق " (١) ولسان حالي الآن ينشد قول بعض الأكابر:
نحن في مصر رهن شوقٍ إليكم ... هل لديكم بالشام شوقٌ إلينا
فعجزنا عن أن ترونا لديكم ... وأبيتم عن أن نراكم لدينا
حفظ الله عهد من حفظ العه ... د ووفّى به كما قد وفينا وقول ابن الصائغ:
وددت لو أنّ عيني ... مكان كتبي إليكم
حتى أراكم وأملي ... أخبار شوقي عليكم رجع إلى ابن جبير رحمه الله تعالى:
ومن شعره قوله:
إيّاك والشّهرة في ملبس ... والبس من الأثواب أسمالها
تواضع الإنسان في نفسه ... أشرف للنّفس وأسمى لها وقال:
تنزّه عن العوراء مهما سمعتها ... صيانة نفسٍ فهو بالحرّ أشبه
إذا أنت جاوبت السّفيه مشاتماً ... فمن يتلقّى الشتم بالشتم أسفه وقال:
أقول وقد حن الوداع وأسلمت ... قلوبٌ إلى حكم الأسى ومدمع:
أيا ربّ أهلي في يديك وديعة ... وما عدمت صوناً لديك الودائع
стр. 1195
وقال أبو عبد الله ابن الحاج المعروف بمدغلّيس (١) صاحب الموشّحات يمدح ابن جبير المذكور:
لأبي الحسين مكارمٌ لو أنّها ... عدّت لما فرغت ليوم المحشر
وله عليّ فضائلٌ قد قصّرت ... عن بعض نعماها عظام الأبحر وقال ابن جبير من قصيدة مطلعها (٢) :
يا وفود الله فزتم بالمنى ... فهنيئاً لكم أهل منى
قد عرفنا عرفاتٍ بعدكم (٣) ... فلهذا برّح الشّوق بنا
نحن في الغرب ويجري ذكركم ... بغروب الدمع يجري هتنا (٤) ومنها:
فيناديه على شحط النّوى ... من لنا يوماً بقلبٍ (٥) ملّنا
سر بنا يا حاديّ الركب (٦) عسى ... أن نلاقي يوم جمعٍ سربنا
ما دعا (٧) داعي النّوى لمّا دعا ... غير صبٍّ شفّه برح العنا
شم لنا البرق إذا لاح (٨) وقل ... جمع الله بجمعٍ شملنا