← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

اللّسن، قاله ابن حبيب الحلبي، قال: وهو القائل (١) : من أنت محبوبه من ذا يعيّره ومن صفوت له من ذا يكّدره هيهات عنك ملاح الكون تشغلني والكلّ أعراض حسن أنت جوهره وقال (٢) : اكشف البرقع عن بكر العقار واخل في ليلك مع شمس النهار وانهب العيش ودعه غلطاً ينقضي ما بين هتكٍ واستتار إن تكن شيخ خلاعات الصّبا فالبس الصبوة في خلع العذار وارض بالعار وقل: قد آن لي في هوىخمّار كاسي لبس عاري وقال: حثّوا إلى نجدٍ نياق الهوى فثمّ وادٍ جوّه معشب وانتظروا حتى يلوح الحمى فالعيش فيه طيّبٌ طيّب وتوفّي سنة أربع وثمانين وستمائة، هكذا ذكر ترجمته ابن حبيب، ثم بعد كتبها حصل لي شك: هو هو ممّن ارتحل بنفسه من الأندلس أو ولد بمصر وإنّما ارتحل إليها بعض سلفه والله تعالى أعلم. ٢٠٨ - وكذا ذكر آخر بقوله في سنة سبع وثمانين وستمائة: وفيها توفّي الإمام زكي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز بن يحيى بن علي الإشبيلي المالكي (٣) ، محدث، عالم، زاهد فيما ليس بدائم، كثير الخير،

стр. 1227

جزيل المير، كان حسن المناهج، قاضياً للحوائج، محسناً إلى الصامت والمعرب، مقصداً لمن يرد من الحجاز والمغرب، سمع بمصر ودمشق وحلب، وأفتى ودرّس، مفيداً لذوي الطلب، ولم يبرح يعين بأياديه ويغيث، وهو أول من باشر بظاهرية دمشق مشيخى الحديث، وكانت وفاته بدمشق عن نيّف وسبعين سنة، انتهى. ٢٠٩ - ومنهم الأحق بالسبق والتقدم، بقيّ بن مخلد بن يزيد، أبو عبد الرحمن، القرطبي، الأندلسي، الحافظ، أحد الأعلام، وصاحب التفسير والمسند (١) . أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ومحمد بن عيسى الأعشى، وارتحل إلى المشرق، ولقي الكبار، وسمع بالحجاز مصعباً (٢) الزهري وإبراهيم ابن المنذر وطبقتهما، وبمصر يحيى بن بكير وزهير بن عبّاد وطائفة، وبدمشق إبراهيم الغساني (٣) وصفوان بن صالح وهشام بن عمار وجماعة، وببغداد أحمد بن حنبل وطبقته، بالكوفة يحيى بن عبد الحميد الحماني ومحمد ابن عبد الله بن نمير وأبا بكر ابن أبي شيبة وطائفة، وبالبصرة أصحاب حماد بن زيد، وعني بالأثر عناية عظيمة لا مزيد عليها، وعدد شيوخه مائتان وأربعة وثلاثون رجلاً، وكان إماماً، زاهداً، صوّاماً، صادقاً، كثير التهجد، مجاب الدعوة، قليل المثل، مجتهداً، لا يقلد، بل يفتي بالأثر. ولد في رمضان سنة إحدى ومائتين، وتوفّي في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين.

стр. 1228

قال ابن حزم: أقطع أنّه لم يؤلّف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير محمد ابن جرير ولا غيره، وكان محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس محبّاً للعلوم عارفاً بها. فلمّا دخل بقيّ بن مخلد الأندلس بمصنف ابن أبي شيبة وقرئ عليه أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشعوه، وقام جماعة من العامة عليه، ومنعوه من قراءته، فاستحضره الأمير محمد وإياهم، وتصفح الكتاب جزءاً جزءاً حتى أتى على آخره، ثم قال لخازن كتبه: هذا الكتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا، وقال لبقيّ: انشر علمك، وارو ما عندك، نهاهم أن يتعرضوا له. قال ابن حزم: مسند بقيّ روى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيّف، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه فهو مسند ومصنّف (١) ، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبته وإتقانه واحتفاله في الحديث، وله مصنف في فتاوى الصحابة والتابعين ممّن ذكرهم أربى فيه على مصنّف أبي بكر ابن أبي شيبة وعلى مصنّف عبد الرزّاق وعلى مصنف سعيد بن منصور. ثم ذكر تفسيره فقال: فصارت تصانيف هذا الإمام الفاضل قواعد الإسلام، لا نظير لها، وكان متخيراً لا يقلّد أحداً، وكان جارياً في مضمار البخاري ومسلم والنسائي. وذكر القشيري (٢) أن امرأة جاءته فقالت له: إن ابني قد أسرته الفرنج، وإنّي لا أنام الليل من شوقي إليه، ولي دويرة أريد أن أبيعها لأفتكّه بها، فإن رأيت أن تشير إلى من يأخذها ويسعى في فكاكه، فليس لي ليل ولا نهار، ولا صبر ولا قرار، فقال: نعم، انصرفي حتى ننظر في ذلك إن شاء الله تعالى،

стр. 1229

وأطرق الشيخ وحرك شفتيه يدعو الله، ، لولدها بالخلاص، فذهبت، فما كان غير قليل حتى جاءت وابنها معها فقالت: اسمع خبره يرحمك الله تعالى فقال: كيف كان أمرك فقال: إنّي كنت فيمن يخدم الملك، ونحن في القيود، فبينا أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيد من رجلي، فأقبل عليّ الموكل بي فشتمني، وقال: فككت القيد من رجليك، فقلت: لا والله ولكن سقط ولم أشعر، فجاءوا بالحدّاد فأعاده، وسمّر مسماره وأيّده، ثم قمت، فسقط أيضاً، فسألوا رهبانهم، فقالوا: ألك والدة فقلت: نعم، فقالوا: إنّه قد استجيب دعاؤها له، فأطلقوه، فأطلقوني، وخفروني إلى أن وصلت إلى بلاد الإسلام، فسأله بقيٌّ عن الساعة التي سقط القيد من رجليه فيها، فإذا هي الساعة التي دعا له فيها، رحمه الله تعالى. ٢١٠ - من الراحلين من الأندلس إلى المشرق يوسف بن يحيى بن يوسف الأزدي، المعروف بالمغامي (١) . من أهل قرطبة، وأصله من طليطلة، وهو من ذرية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. سمع من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان، وروى عن عبد الملك بن حبيب مصنفاته، وارتحل إلى مصر، وسمع من يوسف بن يزيد القراطيسي، وعاد إلى الأندلس، وكان فقيهاً، نبيلاً، فصيحاً [بصيراً] (٢) بالعربية، ثم بعد عوده من مصر أقام بقرطبة أعواماً، ثم عاد إلى مصر، وأقام بها، وسمع الناس منه، وعظم أمره بالبلاد الشرقية، ثم إنّه عاد إلى الغرب فتوفّي بالقيروان سنة ثمان وثمانين ومائتين، وبين بمصر الواضحة لابن حبيب، وصنف شيئاً في الرد على الشافعية في عشرة أجزاء، وألف كتاب فضائل مالك رضي الله تعالى عنه. والذي يرتضى أن من قلد إماماً من المجتهدين لا ينبغي له أن يغضّ من

стр. 1230

قد رغيره، وإن كان ولا بد من الانتصار مذهبه وتقوية حجّته فليكن ذلك بحسن أدب مع الأئمة، رضي الله تعالى عنهم، فإنّهم على هدى من ربهم، وقد ضلّ بعض الناس فحمله التعصب لمذهبه على التصريح بما لا يجوز في حق العلماء الذين هم نجوم الملّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد حكى أبو عبد الله الوادي آشي - حسبما رأيته بخطه - أن القاضي عبد الوهاب ابن نصر البغدادي المالكي ألّف كتاباً لنصرة مذهب مالك على غيره من المذاهب في مائة جزء، وسمّاه النصرة لمذهب إمام دار الهجرة، فوقع الكتاب بخطّه بيد بعض قضاة الشافعية بمصر، فغرّقه في النيل، فقضى الله تعالى أن السلطان فرج بن برقوق سافر إلى الشام ومعه القضاة الأربعة وغيرهم من الأعيان لدفع تيمورلنك عن البلاد، فلم يستطع شيئاً، وهزم إلى مصر، وتفرّقت العساكر، وأخذ القضاة والعلماء أسارى ومن جملتهم ذلك القاضي، فبقي في أسرتيمورلنك إلى أن ارتحل عن الشام، فأخذه معه أسيراً إلى أن وصل إلى الفرات، فغرق فيه، أعني القاضي، فرأى بعض الناس أن ذلك بسبب تغريقه الكتاب المذكور، والجزاء من جنس العمل، والله تعالى أعلم. بين أبن خلدون وتيمورلنك وقد نجّى الله تعالى من هذه الورطة قاضي القضاة أبا زيد عبد الرحمن ين خلدون الحضرمي المالكي صاحب كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في تاريخ العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر فإنّه كان من جملة القضاة الحاضرين في الهزيمة، فلمّا أدخلوا على تيمورلنك قال لهم ابن خلدون (١) : قدّموني للكلام تنجوا إن شاء الله تعالى، وإلا فأنتم في أخبر،

стр. 1231

فقدّموه وعليه زي المغاربة، فلمّا رآه تيمورلنك قال: ما أنت من هذه البلاد وتكلّم معه فخلبه ابن خلدون بلسانه، وكان آية الله الباهرة، ثم قال لتيمورلنك: إنّي ألّفت كتاباً في تاريخ العالم، أو كما قال، ويقال: إن تيمورلنك هو الذي قال له: بلغني أنّك ألفت كتاباً في تاريخ العالم، ثم قال له تيمورلنك: كيف ساغ لك أن تذكرني فيه وتذكر بختنصر مع أنّنا خربنا العالم فقال له ابن خلدون: أفعالكما العظيمة ألحقتكما بالذكر مع ذوي المراتب الجسيمة، أو نحو هذا من العبارات، فأعجبه ذلك، وقيل: إنّه لما أنس بابن خلدون قال له: يا خوند، ما أسفي إلا على كتاب ألفته في التاريخ، وأنفقت فيه أيام عمري، وقد تركته بمصر، وإن عمري الماضي ذهب ضياعاً حيث لم يكن في خدمتك وتحت ظل دولتك، والآن أذهب فآتي بهذا الكتاب وأرجع سريعاً حتى أموت في خدمتك، ونحو هذا من الكلام، فأذن له، فذهب ولم يعد إليه، وقال بعض العلماء: إنّه لم ينج من يد ذلك الجبار أحد من العلماء غير ابن خلدون ورجل آخل، وقد ذكر ذلك ابن عرب شاه في عجائب المقدور وقد طال عهدي به فليراجع، وحكى غير واحد أن تيمورلنك لما أخذ حلب على الوجه المشهور في كتب التاريخ جمع العلماء فقال لهم على عادته في التعنت: قبل منّا ومنكم جماعة، فمن الذي في الجنّة قتلانا أو قتلاكم وكان مراده إبراز سبب لقتلهم، لأنّهم إن قالوا أحد الأمرين هلكوا، فقال بعض العلماء، وأظنّه ابن الشّحنة: دعوني أجبه وإلا هلكتم، فتركوه، فقال له: يا خوند، هذا السؤال أجاب عنه رسول الله ﷺ حين سئل عنه، فغضب تيمورلنك وقال: كيف يمكن أن يجيب عن هذا السؤال رسول الله ﷺ ونحن لم نكن في زمانه أو كلاماً هذا معناه

стр. 1232

فقال العالم المذكور: روينا في الصحيح أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حميّة ويقاتل ليذكر ويرى مكانه، فمن الذي في الجنّة فقال النبيّ ﷺ : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الذي في الجنّة " أو كما قال ﷺ ، فتعجّب تيمورلنك من هذا الجواب المفحم المسكت، وحقّ له أن يتعجّب منه، فإن هذا من الأجوبة التي يقل نظيرها، وفيها المخلص على كل حال بالإنصاف، وقد وفّق الله تعالى هذا العالم لهذا الجواب حتى يتخلّص على يده أولئك الأقوام من الطاغية الجبار العنيد الذي جعل تعالى فتنته في الإسلام وفتنة جنكزخان وأولاده من أعظم الفتن التي وهى بها المسلمون. وذكر بعض العلماء أن ابن خلدون لما أقبل على تيمولنك قال له: دعني أقبّل يدك، فقال: ولم فقال له: لأنّها مفتاح الأقاليم، يشير إلى أنّه فتح خمسة أقاليم، وأصابع يده خمس: فلكل إصبع إقليم، وهذا أيضاً من دهاء ابن خلدون. وقد كدنا نخرج عن المقصود في هذه الترجمة فلنصرف العنان، والله سبحانه المستعان. ٢١١ - ومن الراحلين من الأندلس الإمام الحافظ أبو بكر ابن عطية، رحمه الله تعالى (١) ، قال الفتح: شيخ العلم، وحامل لوائه، وحافظ حديث النبي ﷺ وكوكب سمائه، شرح الله تعالى لحفظه (٢) صدره، وطاول به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب، مياسراً بالمعلّى والرقيب، رحل إلى المشرق لأداء الفرض، لابس بردٍ من العمر الغض، فروى وقيّد،

стр. 1233

ولقي العلماء وأسند، وأبقى تلك المآثر وخلّد، نشأ في بيئةٍ (١) كريمة، وأرومة من الشف غير مرومة، لم يزل فيها على وجه الزمان أعلام علم، وأرباب مجد ضخم، قد قيدت مآثرهم الكتب، وأطلعتهم التواريخ كالشّهب، وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها، ويقيد شوارد المعاني وغرائبها، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصوله وفروعه، وعمر برهةً من شبيبته ربوعه، وبرز فيه تبريز لجواد المستولي على الأمد، وجلّى عن نفسه به كما جلّى الصقال عن النصل الفرد، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلاً، ويقوم على قوّة العارضة دليلاً، فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزّمان، وينبه على التحفظ من الإنسان: كن بذئبٍ صائدٍ مستأنساً وإذا أبصرت إنساناً ففرّ إنّما الإنسان بحرٌ ما له ساحلّ فاحذره إياك الغرر واجعل الناس كشخصٍ واحدٍ ثم كن من ذلك الشخص حذر وله في الزهد: أيّها المطرود من باب الرضى كم يراك الله تلهو معرضا كم إلى كم أنت في جهل الصّبا قد مضى عمر الصّبا وانقرضا قم إذا الليل دجت ظلمته واستلذّ الجفن أن يغتمضا فضع الخدّ على الأرض ونح واقرع السّنّ على ما قد مضى وله في هذا المعنى: قلبي يا قلبي المعنّى كم أنا أدعى فلا أجيب كم أتمادى على ضلالٍ لا أرعوي لا ولا أنيب

стр. 1234

ويلاه من سوء ما دهاني ينوب غيري ولا أتوب وا أسفي كيف برء دائي دائي كما شاءه الطّبيب لو كنت أدنو لكنت أشكو ما أنا من بابه قريب أبعدني منه سوء فعلي وهكذا يبعد المريب ما لي قدرٌ وأيّ قدرٍ لمن أخلّت به الذنوب وله في هذا المعنى أيضاً: لا تجعلن رمضان شهر فكاهةٍ تلهيك فيه من القبيح فنونه واعلم بأنّك لا تنال قبوله حتى تكون تصومه وتصونه وله في مثل ذلك (١) : إذا لم يكن في السمع منّي تصاونٌ وفي بصري غضٌّ وفي مقولي صمت فحظي إذاً من صومي الجوع والظّما وإن قلت إنّي صمت يوماً فما صمت وله في المعنى الأول: جفوت أناساً كنت آلف وصلهم وما في الجفا عند الضرورة من باس بلوت فلم أحمد، وأصبحت آيساً ولا شيء أشفى للنفوس من الياس فلا تعذلوني في انقباضي فإنّني رأيت جميع الشّرّ في خلطة الناس وله يعاتب بعض إخوانه: وكنت أظنّ أنّ جبال رضوى تزول وأنّ ودّك لا يزول ولكنّ الأمور لها اضطرابٌ وأحوال ابن آدم تستحيل فإن يك بيننا وصل جميلٌ وإلاّ فليكن هجرٌ طويل

стр. 1235

وأمّا شعره الذي اقتدحه من مرخ الشباب وعفاره، وكلامه الذي وشحه بمآرب الغزل وأوطاره، فإنّه نسي إلى ما تناساه، وتركه حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه، فممّا وقع من ذلك قوله: كيف السّلوّ ولي حبيبٌ هاجرٌ قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا لمّا درى أنّ الخيال مواصلي جعل السّهاد على الجفون رقيباً وله أيضاً: يا من عهودي لديك ترعى أنا على عهدك الوثيق إن شئت أن تسمعي غرامي من مخبرٍ عالمٍ صدوق فاستخبري قلبك المعنّى يخبرك عن قلبي المشوق انتهى كلام الفتح. وأبو بكر ابن عطية المذكور هو والد الحافظ القاضي أبي محمد عبد الحق ابن عطية صاحب التفسير الشهير، رحم الله تعالى الجميع. ترجمة عبد الحق بن عطية قال في الإحاطة في حقّه ما ملخّصه (١) : [هو] الشيخ الإمام المفسر عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي، فقيه عالم بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب، حسن التقييد، له نظم ونثر ولي قضاء المرية سنة تسع وعشرين وخمسمائة في المحرم، وكان غاية في الذكاء والدهاء والتهمّم بالعلم، سريّ الهمّة في اقتناء الكتب، توخّى الحق، وعدل في الحكم، وأعز الخطّة، روى عن أبيه وأبوي علي الغساني والصدفي وطبقتهما، وألف كتابه

стр. 1236

الوجيز في التفسير فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيّته كلّ مطار، وبرنامجاً ضمّنه مروياته وأسماء شيوخه فحرّر وأجاد. ومن نظمه يندب عهد شبابه (١) : سقياً لعهد شبابٍ ظلت أمرح في ريعانه ولياي العيش أسحار أيام روض الصّبا لم تذو أغصنه ورونق العمر غضٌّ والهوى جار والنفس تركض في تضمير شرّتها طرفاً له في زمان اللهو إحضار عهداً كريماً لبسنا فيه أرديةً كانت عياناً ومحّت فهي آثار مضى وأبقى بقلبي منه نار أسىً كوني سلاماً وبرداً فيه يا نار أبعد أن نعمت نفسي وأصبح في ليل الشباب لصبح الشّيب إسفار وقارعتني اللّيالي فانثنت كسراً عن ضيغمٍ ما له نابٌ وأظفار إلا سلاح خلالٍ أخلصت فلها وفي منهل المجد إيرادٌ وإصدار أصبو إلى روض عيشٍ ورضه خضلٌ أو ينثني بي عن العلياء إقصار إذاً فعطّلت كفّي من شبا قلم آثاره في رياض العلم أزهار مولده سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتوفّي في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ست وأربعين وخمسمائة بلورقة، قصد ميورقة (٢) يتولى قضاءها فصدّ عن دخولها وصرف منها إلى لورقة اعتداء عليه، رحمه الله تعالى، انتهى. وقال الفتح في حقّه ما نصّه (٣) : فتى العمر كهل العلاء، حديث السن قديم السناء، لبس الجلالة برداً ضافياً، وورد ماء الأصالة صافياً، وأوضح للفضل رسماً عافياً، وثنى من ذهنه للأعراض فنناً قصدا، وجعل فهمه شهاباً

стр. 1237

رصدا، سما إلى رتب الكهول صغيراً، وشنّ كتيبة ذهنه على العلوم مغيراً، فسباها عنى وفصلاً، وحواها فرعاً وأصلاً، وله أدبٌ يسيل رضراضاً، ويستحيل ألفاظاً مبتدعة وأغراضاً. وقال أيضاً فيه (١) : نبعة دوح العلاء، ومحرز ملابس الثناء، فذّ الجلالة، وواحد العصر والأصالة، وقار كما رسا الهضب، وأدب كما اطّرد السّلسل العذب، وشيم تتضاءل لها قطع الرياض، وتبادر الظن به (٢) إلى شريف الأغراض، سابق الأمجاد فاستولى على الأمد بعبابه (٣) ، ولم ينض ثوب شبابه، أدمن التعب في السؤدد جاهداً، فتى تناول الكواكب قاعداً، وما اتكل على أوائله، ولا سكن إلى راحات بكره وأصائله، أثره في كل معرفةٍ علمٌ في رأسه نار، وطوالعه في آفاقها صبح أو منار (٤) ، وقد أثبتّ من نظمه المستبدع ما ينفح عبيراً، ويتضح منيراً، فمن ذلك قوله من قصيدة: وليلةٍ جبت فيها الجزع مرتدياً بالسيف أسحب أذيالاً من الظّلم والنجم حيران في بحر الدجى غرقٌ والبرق في طيلسان الليل كالعلم كأنّما اللّيل زنجيٌّ بكاهله جرحٌ فيثعب أحياناً له بدم انتهى المقصود منه. وهو - أعني أبا بكر - أحد مشايخ عياض، حسبما ألمعت به في أزهار الرياض. ٢١٢ - ومنهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فرح - بالحاء المهملة -

стр. 1238

ابن أحمد بن محمد، الإمام، الحافظ، الزاهد، بقية السلف، اللّخمي، الإشبيليّ، الشافعي (١) ، أسره الإفرنج سنة ست وأربعين وستمائة، وخلص، وقدم مصر سنة بضع وخمسين، وقيل: إنّه تمذهب للشافعي، وتفقّه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام قليلاً، وسمع من شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري الحموي، والمعين أحمد بن زين الدين وإسماعيل بن عزوز والنجيب بن الصيقل وابن علاّق، وبدمشق من ابن عبد الدائم وخلق، وعني بالحديث، وأتقن ألفاظه، وعرف رواته وحفّاظه، وفهم معانيه، وانتقى لبابه ومبانيه. قال الصفدي (٢) : وكان من كبار أئمّة هذا الشان، وممّن يجري فيه وهو طلق اللسان (٣) ، هذا إلى ما فيه من ديانة، وورع وصيانة، وكانت له حلقة اشتغال بكرة بالجامع الأموي يلازمها، ويحوم عليه من الطلب حوائمها، سمع عليه الشيخ شمس الدين الذهبي، واستفاد منه، روى في تصانيفه عنه، وعرضت عليه مشيخة دارالحديث النورية فأباها، ولم يقبل حباها، وكان بزيّ الصوفية، ومعه فقاهة بالشافعية (٤) ، ولم يزل على حاله حتى أحزن الناس ابن فرح، وتقدّم إلى الله وسرح، وشيع الخلق جنازته، وتولّوا وضعه في القبر وحيازته، وتوفّي رحمه الله تعالى تاسع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وستمائة، ومولده سنة خمس وعشرين وستمائة. وله قصيدة غزلية في ألقاب الحديث سمعها منه الدّمياطي واليونيني، وسمع منه البرزالي والمقاتلي والنابلسي وأبو محمد ابن الوليد، ومات بتربة أم

стр. 1239

الصالح بالإسهال. والقصيدة المذكورة هي هذه: غرامي صحيح والرّجا فيك معضل وحزني ودمعي مطلقٌ ومسلسل وصبري عنكم يشهد العقل أنّه ضعيفٌ ومتروك، وذلّي أجمل ولا حسنٌ إلا سماع حديثكم مشافهة يملى عليّ فأنقل وأمري موقوفٌ عليك، وليس لي على أحدٍ إلاّ عليك المعوّل ولو كان مرفوعاً إليك لكنت لي على رغم عذّالي ترقّ وتعدل وعذل عذولي منكرٌ لا أسيغه وزورٌ وتدليسٌ يردّ ويهمل أقضّي زماني فيك متصل الأسى ومنقطعاً عمّا به أتوصّل وها أنا في أكفان هجرك مدرج تكلّفني ما لا أطيق فأحمل وأجريت دمعي بالدماء مدبّجاً وما هو إلا مهجتي تتحلّل فمتّفقٌ سهدي وجفني (١) وعبرتي ... ومفترقٌ صبري وقلبي المبلبل ومؤتلف شجوي ووجدي (٢) ولوعتي ... ومختلف حظّي وما منك آمل خذ الوجد عني مسنداً ومعنعناً فغيري موضوع الهوى يتحيّل وذي نبذٌ من بمبهم الحب فاعتبر وغامضه إن رمت شرحاً أحوّل عزيزٌ بكم ضبٌّ ذليل لغيركم ومشهور أوصاف المحبّ التذلل غريبٌ يقاسي البعد عنك، وما له وحقّ الهوى عن داره متحوّل فرفقاً بمقطوع الوسائل، ما له إليك سبيلٌ لا ولا عنك معدل فلا زلت في عزٍّ منيعٍ ورفعة وما زلت تعلو بالتجنّي فأنزل أورّي بسعدى والرّباب وزينب وأنت الذي تعنى وأنت المؤمّل فخذ أولاً من آخر ثم أولاً من النصف منه فهو فيه مكمّل

стр. 1240

أبرّ إذا أقسمت أنّي بحبّه أهيم وقلبي بالصبابة يشعل وقد ذكرت شرحها في الجزء الثلاثين من تذكرتي، انتهى كلام الصفدي. وظاهر كلامه أنّه ابن فرح - بفتح الراء - والذي تلقيناه عن شيوخنا أنّه بسكون الراء، وقد شرح هذه القصيدة جماعة من أهل المشرق والمغرب يطول تعدادهم، وهي وحدها دالّة على تمكن الرجل، رحمه الله تعالى. ٢١٣ - ومنهم عبد العزيز بن عبد الملك بن نصر، أبو الأصبغ، الأموي، الأندلسي (١) ، سمع بمكّة وبدمشق ومصر وغيرها، وحدّث عن سليمان بن أحمد بن يحيى بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ " إن لكل بني أب عصبةً ينتمون إليها، إلا ولد فاطمة فأنا وليّهما وأنا عصبتهم، وهم عترتي، خلقوا من طينتي، ول للمكذّبين بفضلهم، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله ". وحدث عن أبي العباس أحمد بن محمد البرذعي بسنده إلى عبد الله بن المبارك قال: كنت عند مالك بن أنس وهو يحدثنا، فجاءت عقرب فلدغته ست عشرة مرّة، ومالك يتغير لونه ونتصبر، ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ ، فلمّا فرغ من المجلس وتفرّق الناس عنه قلت له: يا أبا عبد الله، قد رأيت منك عجباً، قال: نعم، أنا صبرت إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ . ولد أبو الأصبغ المذكور بقرطبة وتوفّي ببخارى سنة ٣٦٥. قال الحاكم أبو عبد الله: رأيت أبا الأصبغ في المنام في بستان فيه خضرة ومياه جارية وفرش كثيرة، وكأنّي أقول: إنّها له، فقلت: يا أبا الأصبغ، بماذا وصلت إليه أبالحديث فقال: أي والله، وهو نجوت إلاّ بالحديث قال: ورأيته أيضاً وهو يمشي بزي أحسن ما يكون، فقلت: أنت أبو الأصبغ فقال:

стр. 1241

نعم، قلت: ادع الله تعالى أن يجمعني وإيّاك في الجنّة، فقل: إن أمام الجنّة أهوالاً، ثم رفع يديه وقال: اللهم اجعله معي في الجنّة بعد عمر طويل، انتهى. ٢١٤ - ومنهم القاضي أبو البقاء خالد، البلوي، الأندلسي، رحمه الله تعالى (١) ، وهو خالد بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد، البلوي، ووصفه الشاطبي بأنّه الشيخ الفقيه القاضي الأعدل، انتهى. وهو صاحب الرحلة المسماة: " تاج المفرق في تحلية أهل المشرق " (٢) ، وممّا أنشده رحمه الله تعالى فيها لنفسه: ولقد جرى يوم النّوى دمعي دماً حتى أشاع النّاس أنّك فاني والله إن عاد الزّمان بقربنا لكففت عن ذكر النّوى وكفاني وهذه الرحلة المسماة بتاج المفرق مشحونة بالفوائد والفرائد، وفيه من العلوم والآداب ما لا يتجاوزه الرائد، وقد قال رحمه الله تعالى فيها في ترجمة الولي نجم الدين الحجازي، رضي الله تعالى عنه، ما نصّه (٣) : وذكر لي رضي الله تعالى عنه قال: ممّا وصّى به الجد الأكبر أبو الحجاج يوسف المذكور - يعني سيدي أبا الحجّاج يوسف بن عبد الرحيم الأقصري القطب الغوث رضي الله تعالى عنه، وأعاد علينا من بركاته - خواصّه وأصدقاءه، قال: إذا أدركتكم الضرورة والفاقة فقولوا: حسبي الله، ربي الله يعلم أنّني في ضيق، قال: وذكر لي أيضاً رضي الله تعالى عنه قال: رأى هذا الجد يوسف المذكور النبيّ صلى الله

стр. 1242

عليه وسلّم في النوم، بعد أن سأل الله تعالى ذلك، وقد كان أصابته فاقة، فشكا إلى النبيّ ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : " قل يا برّ (١) يا رحيم، يا برّ يا رحيم، الطف بي في قضائك، ولا تولّ أمري أحداً سواك، حتى ألقاك "، فلمّا قالها أذهب الله تعالى عنه فاقته. قال: وكان رحمه الله تعالى يوصي بها أصحابه وأحبابه، انتهى. ونسب بعضهم القاضي خالداً المذكور إلى انتحال كمال العماد في البرق الشامي، لأن خالداً أكثر في رحلته من الأسجاع التي للعماد، فلذا قال لسان الدين ابن الخطيب فيه: خليليّ إن يقض اجتماعٌ بخالد قولا له قولاً ولن تعدوا الحقّا سرقت العماد الأصبهانيّ برقه وكيف ترى في شاعر سرق الرقا وأظن أن لسان الدين كان منحرفاً عنه، ولذلك قال في كتابه " خطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف " (٢) عندما جرى ذكر قنتورية (٣) وقاضيها خالد المذكور ما صورته: لم يتخلف ولد عن والد، وركب قاضيها ابن أبي خالد، وقد شهرته النزعة الحجازية، ولبس من خشن الحجا زيّه، وأرخى من البياض طيلساناً، وتشبّه بالمشارقة شكلاً ولساناً، والبداوة تسمه على الخرطوم، وطبع الماء والهواء يقوده قود الجمل المخطوم، انتهى. ومن نظم أبي البقاء خالد البلوي المذكور قوله: أتى العيد واعتاد الأحبّة بعضهم ببعض وأحباب المتيّم قد بانوا

стр. 1243

وأضحى وقد ضحّوا بقربانهم وما لديه سوى حمر المدامع قربان وقال في رحلته: إنّه قال هذين البيتين بديهةً بمصلّى تونس في عيد النحر من سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ومن نظمه أيضاً قوله رحمه الله تعالى: ومستنكر شيبي وما ذهب الصّبا ولا جفّ إيناع الشّبيبة من غصني فقلت فراقي للأحبّة مؤذن بشيبي وإن كنت ابن عشرين من سني ومحاسنه - رحمه الله تعالى - كثيرة، وفي الرحلة منها جملة. ٢١٥ - ومنهم برهان الدين أبو إسحاق ابن الحاج إبراهيم، النميري، الغرناطي (١) ، وهو أيضاً مذكور في ترجمة ابن الخطيب بما يغني عن تكرير ذكره هنا، وقال رحمه الله تعالى في رحلته: أخبرني شيخنا - يعني الشيخ الإمام الصالح أبا عبد الله محمد المعروف بخليل التوزري إمام المالكية بالحرم الشريف رضيا له تعالى عنه - قال: اعتكفت بجامع عمرو بن العاص كفّاً لشرّتي عن الناس، خصوصاً أذى الغيبة، نحو خمسين ليلة، أردت أن أدعو لطائفة من أصحابي بمطالب مختلفة، كلٌّ بحسب ظنّي فيه يومئذ، فأدركتني حيرة في التمييز والتخصيص، فألهمت أن قلت بديهة: شهدنا بتقصير ألبابنا فحسن اختيارك أولى بنا وأنت البصير بأعدائنا وأنت البصير بأحبابنا قال: ثم أردفتها بدعاء، وهو: اللهم يا من لا يعلم خيره إلاّ هو، أنت أعلم بأعدائنا وأودّائنا، فافعل بكل منهم ما يناسب حسن اختيارك لنا، حسبما علمته منّا، وكفى بك قديراً، وكفى بك بصيراً،

стр. 1244

وكفى بك لطيفاً، وكفى بك خبيراً، وكفى بك نصيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً كثيراً. وقال ابن الحاج المذكور في الرحلة المذكورة: إذا التقى الرجل بعدوّه وهو على خوف منه فليقرأ هذه الحروف كهيعص، حمعسق وليعقد بكل حرف منها إصبعاً، يبدأ بإبهام يده اليمنى ويختم بإبهام يده اليسرى، فإذا قرب من عدوّه فليقرأ في نفسه سورة الفيل، فإذا وصل إلى قوله ترميهم فليكررها، وكلّما كررها فتح إصبعاً من أصابعه المعقودة تجاه العوّ، فيكررها عشر مرّات، ويفتح جميع أصابعه، فإذا فعل ذلك أمن من شرّه إن شاء الله تعالى، وهو مجرب، انتهى. ومن بديع نظم أبي إسحاق ابن الحاج النميري المذكور قوله: يا ربّ كاس لم يشجّ شمولها فاعجب لها جسماً بغير مزاج لمّا رأينا السحر من أشكالها جملاً نسبناه إلى الزجاج وله فيما أظنّ: له شفة أضاعوا النّشر فيها بلثم حين سدّت ثغر بدر فما أشهى لقلبي ما أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر وهو تضمين حسن. ٢١٦ - ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق إمام النحاة أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان، النّفزي، الأثري، الغرناطي (١) . قال ابن مرزوق الخطيب في حقّه: هو شيخ النحاة بالديار

стр. 1245

المصرية، وشيخ المحدثين بالمدرسة المنصورية، انتهت إليه رئاسه التبريز في علم العربية واللّغة والحديث، سمعت عليه وقرأت، وأنشدني الكثير، وإذا أنشدني شيئاً ولم أقيّده استعاده منّي فلم أحفظه، فأنشدني وكنت أظنّه لنفسه ارتجالاً إلى أنأخبرني أحد أصحابنا عنه أنّه أخبره أنهما لأبي الحسن التّجاني أنشدهما له ببيته بالمدرسة الصالحيّة رحمه الله تعالى: إنّ الذي يروي ولكنّه يحفظ ما يروي ولا يكتب كصخرةٍ تنبع أمواجها تسقي الأراضي وهي لا تشرب قال: ورويت عنه تواليف ابن أبي الأحوص: منها التبيان في أحكام القرآن والمعرب المفهم في شرح مسلم ولم أقف عليه، والوسامة في أحكام القسّامة، والمشرع السلسل في الحديث المسلسل وغير ذلك. وحدثني بسنن أبي داود عن ابن خطيب المزّة عن أبي حفص ابن طبرزدٍ عن أبي البدر الكروخي ومفلح الرومي عن أبي بكر ابن ثابت الخطيب عن أبي عمر الهاشمي عن اللؤلؤي عن أبي داود، وبسنن النسائي عن جماعة عن ابن باقا عن أبي زرعة عن ابن حميد الدّوسي عن أبي نصر الكسار عن ابن السني عن النسائي، وبالموطإ عن أبي جعفر ابن الطباع بسنده. وشكوت إليه يوماً ما يلقاه الغريب من أذاة العداة، فأنشدني لنفسه: عداتي لهم فضلٌ عليّ ومنّةٌ فلا أذهب الرحمن عن الأعاديا هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها وهو نافسوني فاكتسبت المعاليا وأنشدني أيضاً من مداعباته، وله في ذلك النظم الكثير مع طهارته وفضله: علّقته سبجيّ اللّون قادحه ما ابيضّ منه سوى ثغرٍ حكى الدّررا قد صاغه من سواد العين خالقه فكلّ عينٍ إليه تدمن النّظرا

стр. 1246

وأنشدني في جاهل لبس صوفاً وزها فيه: أيا كاسياً من جيّد الصوف نفسه ويا عارياً من كل فضل ومن كيس أتزهى بصوفٍ وهو بالأمس مصبحٌ على نعجةٍ واليوم أمسى على تيس انتهى ما اختصرته من كلام الخطيب ابن مرزوق. وأنشد الرحالة ابن جابر الوادي آشي لأبي حيّان قوله: وقصّر آمالي مآلي إلى الردى وأنّي وإن طال المدى سوف أهلك فصنت بماء الوجه نفساً أليّةً وجادت يميني بالذي كنت أملك ووقفت على أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي، فوجدت فيه ترجمة أبي حيان واسعة فرأيت أن أذكرها بطولها لما فيها من الفوائد، وهي: الشيخ، الإمام، العالم، العلامة، الفريد، الكامل، حجّة العرب، مالك أزمّة الأدب، أثير الدين، أبو حيّان الأندلسي الجيّاني - بالجيم، والياء آخر الحروف مشدّدة، وبعد الألف نون - وكان أمير المؤمنين في النحو، والشمس السافرة شتاء في يوم الصّحو، والمتصرف في هذا العلم فإليه الإثبات والمحو، لو عاصر أئمة البصرة لبصّرهم، أو أهل الكوفة لكف عنهم اتباعهم السواد وحذرهم، نزل منه كتاب سيبويه في وطنه بعد أن كان طريداً، وأصبح به التسهيل بعد تعقيده مفيداً، وجعل سرحة شرحه وجنةً راقت النواظر توريداً، ملأ الزمان تصانيف، وأمال عنق الأيّام بالتواليف، تخرّج به أئمّة في هذا الفنّ، وروّق لهم في عصره منه سلافة الدّن، فلو رآه يونس بن حبيب لكان بغيضاً غير مجيب، أو عيسى بن عمر لأصبح من تقصيره وهو محذّر، أو الخليل لكان بعينه قذاه، أو سيبويه لما تردى من مسألته الزنبورية برداه، أو الكسائي لأعراه حلّة جاهه عند الرشيد وأناسه، أو الفرّاء لفرّ منه ولم يقتسم ولدا المأمون تقديم مداسه، أو اليزيدي لما ظهر نقصه من مكامنه، أو الأخفش

стр. 1247

لأخفى جملةً من محاسنه، أو أبو عبيدة لما تركه ينصب لشعب الشعوبية، أو أبو عمروٍ لشغله بتحقق اسمه دون التعلّق بعربية، أو السكّري لما راق كلامه في المعاني ولا حلا، أو المازني لما زانه قوله إنّ مصابكم رجلا، او قطرب لما دبّ في العربية ولا درج، أو ثعلب لاستكن بمكره في وكره ولما خرج، أو المبرّد لأصبحت قواه مقترة، أو الزجّاج لأمست قواريره مكسرة، أو ابن الوزان لعدم نقده، أو الثمانيني لما تجاوز حدّه، أو ابن باب العلم أن قياسه ما اطّرد، أو ابن دريدلما بلع ريقه ولا ازدرد، أو ابن قتيبة لأضاع رحله، أو ابن السراج لمشاه إذا رأى وحله، أو ابن الخشاب لأضرم فيه ناراً، ولم يجد معه نوراً، أو ابن الخباز لما سجر له تنوراً، أو ابن القوّاس لما غرق في نزعه، أو ابن يعيش لأوقعه في نزعه، أو ابن خروف لما وجد له مرعىً، أو ابن إياز لما وجد لأوزاره وقعاً، أو ابن الطراوة لم يكن نحوه طريّاً، أو ابن الدباج لكان من حلّته الرائقة عريّاً، وعلى الجملة فكان إمام النحاة في عصره شرقاً وغرباً، وفريد هذا الفن الفذ بعداً وقرباً، وفيه قلت: سلطان علم النحو أستاذنا ال شيخ أثير الدين حبر الأنام فلا تقل زيدٌ وعمروٌ، فما في النحو معه لسواه كلام خدم هذا العلم مدّة تقارب الثمانين، وسلك من غرائبه وغوامضه طرقاً متشعّبة الأفانين، ولم يزل على حاله إلى أن دخل في خبر كان، وتبدّلت حركاته بالإسكان، وتوفّي رحمه الله تعالى بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة في يوم السبت بعد العصر الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وصلّي عليه في الجامع الأموي بدمشق صلاة الغائب في شهر ربيع الآخر، ومولده بمدينة مطخشارش في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وستمائة. وقلت أنا أرثيه رحمه الله تعالى:

стр. 1248

مات أثير الدين شيخ الورى فاستعر البارق واستعبرا ورقّ من جزنٍ نسيم الصّبا واعتلّ في الأسحار لمّا سرى وصادحات الأيك في نوحها رئته في السجع على حرف را يا عين جودي بالدّموع التي يروى بها ما ضمّه من ثرى واجري دماً فالخطب في شأنه قد اقتضى أكثر ممّا جرى مات إمامٌ كان في فنّه يرى إماماً والورى من ورا أمسى منادىً للبلى مفرداً فضمّه القبر على ما ترى يا أسفا كان هدىً ظاهراً فعاد في تربته مضمرا وكان جمع الفضل به برهةً صحّ فمّا أن قضى كسّرا وعرّف الفضل به برهةً والآن لمّا أن مضى نكّرا وكان ممنوعاً من الصرف لا يطرق من وافه خطبٌ عرا لا أفعل التفضيل ما بينه وبين من أعرفه في الورى لا بدلٌ عن نعته بالتّقى ففعله كان له مصدرا لم يدّغم في اللّحد إلا وقدفكّ من الصبر وثيق العرى بكى له زيدٌ وعمروٌ فمن أمثلة النحو وممّن قرا ما أعقد التسهيل من بعده فكم له من عسرةٍ يسّرا وجسّر الناس على خوضه إذ كان في النحو قد استبحرا من بعده قد حال تمييزه وحظّه قد رجع القهقرى شارك من قد ساد في فنّه وكم له فنٌّ به استأثرا دأب بني الآداب أن يغسلوا بدمعهم فيه بقايا الكرى والنحو قد سار الردى نحوه والصرف للتصريف قد غيّرا واللّغة الفصحى غدت بعده يلغى الذي في ضبطها قررا تفسيره البحر المحيط الذي يهدي إلى ورّاده الجوهرا فوائدٌ من فضله جمّةٌ عليه فيها نعقد الخنصرا

стр. 1249

وكان ثبتاً نقله حجّةً مثل ضياء الصبح إن أسفرا ورحله في سنّة المصطفى أصدق من يسمع إن أخبرا له الأسانيد التي قد علت فاستفلت عنها سومي الذّرى ساوى بها الأحفاد أجدادهم فاعجب لماضٍ فاته من طرا وشاعراً في نظمه مفلقاً كم حرّر اللفظ وكم حبّرا لها معانٍ كلّما خطّها تستر ما يرقم في تسترا أفديه من ماضٍ لأمر الردى مستقبلاً من ربّه بالقرى ما بات في أبيض أكفانه إلاّ وأضحى سندساً أخضرا تصافح الحور له راحةً كم تعبت في كلّ ما سطّرا إن مات فالذكر له خالدٌ يحيا به من قبل أن ينشرا جاد ثرىً وافاه غيثٌ إذا مسّاه بالسّقي له بكرا وخصّه من ربّه رحمةٌ تورده في حشره الكوثرا وكان قد قرأ القراءات على الخطيب أبي محمد عبد الحق بن علي بن عبد الله نحواً من عشرين ختمة إفراداً وجمعاً، ثم على الخطيب الحافظ أبي جعفر أحمد الغرناطي المعروف بالطباع بغرناطة، ثم قرأ السبعة إلى آخر سورة الحجر على الخطيب الحافظ أبي علي الحسين بن عبد العيز بن محمد أبي الأحوص بمالقة، ثم إنّه قدم الإسكندريّة، وقرأ القراءات على عبد النصير بن علي بن يحيى المريوطي، ثم قدم مصر فقرأ بها القراءات على أبي الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليحي، وسمع الكثير على الجم الغفير بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية والإسكندرية وديار مصر والحجاز، وحصّل الإجازات من الشام والعراق وغير ذلك، واجتهد فيطلب التحصيل والتقييد والكتابة، ولم أر في أشياخي أكثر اشتغالاً منه، لأنّي لم أره قط إلاّ يسمع أو يشتغل أو يكتب، ولم أره على غير ذلك، وله إقبال على الطلبة الأذكياء، وعنده تعظيم لهم، ونظم ونثر، وله الموشحات

стр. 1250

البديعة، وهو ثبت فيما ينقله، محرّر لما يقوله، عارف باللّغة، ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الناس كلّهم فيهما، لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في حياته، وله اليد الطّولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وحوادثهم، خصوصاً المغاربة، وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترقيق وتفخيم، لأنّهم يجاورون بلاد الإفرنج وأسماؤهم قريبة من لغاتهم، وألقابهم كذلك، وقيّده وحرّره، وسأله شيخنا الذهبي أسئلة فيما يتعلّق بذلك، وأجابه عنها. له التصانيف التي سارت وطارت، وانتشرت وما انتثرت، وقرئت ودريت ونسخت وما فسخت، وأخملت كتب الأقدمين، وألهت المقيمين بمصر والقادمين، وقرأ الناس عليه، وصاروا أئمة وأشياخاً في حياته، وهو الذي جسّر الناس على مصنّفات ابن مالك رحمه الله تعالى، ورغّبهم فيها وفي قراءتها، وشرح لهم غامضها، وخاض بهم لججها، وفتح لهم مقفلها، وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب: هذه نحو الفقهاء، وكان التزم ان لا يقرئ أحداً إلاّ إن كان في كتاب سيبويه أو في التسهيل لابن مالك أو في تصانيفه، ولمّا قدم من بلاده لازم الشيخ بهاء الدين رحمه الله تعالى كثيراًن وأخذ عنه كتب الأدب. وكان شيخاً حسن العمة، مليح الوجه، ظاهر اللون، مشرباً حمرة، منور الشيبة، كبير اللّحية، مسترسل الشعر فيها لم تكن كثة، عبارته فصيحة بلغة الأندلس يعقد حرف القاف قريباً من الكاف، على أنّه لا ينطق بها في القرآن إلا فصيحة، وسمعته يقول: ما في هذه البلاد من يعقد حرف القاف. وكانت له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون كافل الممالك، ينبسط معه، ويبيت عنده في قلعة الجبل، ولما توفيت ابنته نضار طلع إلى السلطان الملك الناصر محمد، وسأل منه ا، يدفنها في بيته داخل القاهرة في البرقية، فأذن له في ذلك، وكان أولاً يرى رأي الظاهرية، ثمّ إنّه تمذهب للشافعي رضي الله تعالى عنه؛ بحث على الشيخ علم الدين العراقي المحرّر للرافعي، ومختصر المنهاج

стр. 1251

للنووي، وحفظ المنهاج إلاّ يسيراً، وقرأأصول الفقه على أستاذه أبي جعفر ابن الزبير، بحث عليه من الإشارة للباجي، ومن المستصفى للغزالي، وعلى الخطيب أبي الحسن ابن فضيلة، وعلى الشيخ علم الدين العراقي، وعلى الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وعلى الشيخ علاء الدين الباجي، وقرأ أشياء من أصول الدين على شيخه ابن الزبير، وقرأ عليه شيئاً من المنطق، وقرأ أشياء من المنطق على بدر الدين محمد بن سلطان البغدادي، وقرأ عليه شيئاً من الإرشاد للعميدي في الخلاف، ولكنّه برع في النحو، وانتهت إليه الرئاسة والمشيخة فيه، وكان خالياً من الفلسفة والاعتزال والتّجسيم، وكان أولاً يعتقد في الشيخ تقي الدين ابن تيمية وامتدحه بقصيدة، ثم إنّه انحرف عنه لما وقف على كتاب العرش له، قال الفاضل كما الدين الأدفوي: وجرى على مذهب كثير من النحويين في تعصبه للإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه التعصب المتين، قال: حكي لي أنّه قال لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة: إن عليّاً رضي الله تعالى عنه عهد إليه النبيّ ﷺ أن لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، أتراه ما صدق في هذا فقال: صدق، قال فقلت له: فالذين سلّوا السيوف في وجهه يبغضوه أو يحبّونه أو غير ذلك قال: وكان سيّء الظن بالناس كافة، فإذا نقل له عن أحد خبر لا يتكيف به وينثني عنه حتى عمّن هو عنده مجروح، فيقع في ذم من هو بألسنة العالم ممدوح، وبسبب ذلك وقع في نفس جمع كبير منه ألم كثير؛ انتهى. قلت: انا لم أسمع منه في حق أحد من الأحياء والأموات إلا خيراً، وما كنت أنقم عليه شيئاً إلا ما كان يبلغني عنه من الحط على الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، على أنّني أنا ما سمعت في حقه شيئاً، نعم كان لا يثق بهؤلاء الذي يدّعون الصلاح حتى قلت له يوماً: يا سيدي، فكيف تعمل في الشيخ أبي مدين فقال: هو رجل مسلم ديّن، وإلاّ ما كان يطير في الهواء، ولا يصلي الصلوات الخمس في مكة كما يدعي فيه هؤلاء الأغماء.

стр. 1252

وكان فيه - رحمه الله تعالى - خشوع، يبكي إذا سمع القرآن، ويجري دمعه عند سماع الأشعار الغزلية، وقال كمال الدين المذكور: قال لي: إذا قرأت أشعار العشق أميل إليها، وكذلك أشعار الشجاعة تستميلني، وغيرهما، إلا أشعار الكرم ما تؤثر فيّ، انتهى. قلت: كان يفتخر بالبخل، كما يفتخر غيره بالكرم، وكان يقول لي: أوصيك احفظ دارهمك ويقال عنك بخيل، ولا تحتج إلى السفل. وأنشدني من لفظه لنفسه: رجاؤك فلساً قد غدا في حبائلي قنيصاً رجاءٌ للمّتاج من العقم أأتعب في تحصيله وأضيعه إذن كنت معتاضاً من البرء بالسّقم قلت: والذي أراه فيه أنّه طال عمره، وتغرّب، وورد البلاد ولا شيء معه، وتعب حتى حصّل المناصب تعباً كثيراً، وكان قد جرب الناس، وحلب أشطر الدهر ومرت به حوادث، فاستعمل الحزم، وسمعته غير مرّة يقول: يكفي الفقير في مصر أربعة أفلس: يشتري له بائنة بفلسين، وبفلس زبيباً، وبفلس كوز ماء، ويشتري ثاني يوم ليموناً بفلس يأكل به الخبز، وكان يعيب على مشتري الكتب ويقول: الله يرزقك عقلاً تعيش به، أنا أيّ كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف، وإذا أردت من أحد أن يعيرني رداهم ما أجد ذلك، وأنشدني له إجازة: إنّ الدراهم والنّساء كلاهما لا تأمننّ عليها إنسانا ينزعن ذا اللبّ المتين عن التّقى فترى إساءة فعله إحسانا وأنشدني له من أبيات: أتى بشفيع ليس يمكن ردّه دراهم بيضٌ للجروح مراهم تصيّر صعب الأمر أهون ما يرى وتقضي لبانات الفتى وهو نائم

стр. 1253

ومن حزمه قوله: عداتي لهم فضل البيتين وقد مدحه كثير من الشعراء، والكبار الفضلاء، فمنهم القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر بقوله: قد قلت لمّا أن سمعت مباحثاً في الذات قرّرها أجلّ مفيد هذا أبو حيّان قلت صدقتم وبررتم هذا هو التوحيدي وكان قد جاء يوماً إل بيت الشيخ صدر الدين ابن الوكيل فلم يجده، فكتب بالجص على مصراع الباب، فلمّا رأى ابن الوكيل ذلك قال: قالوا أبو حيّان غير مدافعٍ ملك النحاة فقلت بالإجماع اسم الملوك على النقود وإنّني شاهدت كنيته على المصراع ومدحه شرف الدين ابن الوحيد بقصيدة مطولة أولها: إليك أبا حيّان أعملت أينقي وملت إلى حيث الركائب تلتقي دعاني إليك الفضل فانقدت طائعاً ولبّيت أحدوها بلفظي المصدق ومدحه نجم الدين إسحق بن ألمي التركي، وسأله تكملة شرح التسهيل بقصيدة، وأرسلها إليه من دمشق، وأولها: تبدّى فقلنا وجهه فلق الصّبح وكمّله باليمن فيه وبالنّجح وسهّلت تسهي الفوائد محسناً فكن شارحاً صدري بتكملة الشرح ومدحه مجير الدين عمر بن الملطي بقصيدة أولها: يا شيخ أهل الأدب الباهر من ناظمٍ يلفى ومن ناثر

стр. 1254

ومدحه نجم الدين يحيى الإسكندري بقصيدة أولها: ضيفٌ ألمّ بنا من أبرع النّاس لا ناقضٌ عهد أيّامي ولا ناسي عارٍ من الكبر والأدناس ذو شرفٍ لكنّه من سرابيل العلا كاسي ومدحه نجم الدين الطوفي بقصيدتين أول الأولى: أتراه بعد هجرانٍ يصل ويرى في ثوب وصلٍ مبتذل قمرٌ جار على أحلامنا إذ تولاّها بقدٍّ معتدل وأول الثانية: اعذروه فكريمٌ من عذر قمرته ذات وجهٍ كالقمر ومدحه بهاء الدين محمد بن شهار الدين الخيمي بقصيدة أولها (١) : فضضت عن العذب النّمير ختامها وفتّحت عن زهر الرياض كمامها ومدحه جماعة آخرون يطول ذكرهم، وكتبت أنا إليه من الرحبة سنة ٧٢٩: لو كنت أملك من دهري جناحين لطرت لكنّه فيكم جنى حيني وإن سادةً نلت في مصرٍ بهم شرفاً أرقى به شرفاً ينأى عن العين وإن جرى لسما كيوان ذر علاً أحلّني فضلهم فوق السّماكين وليس غير أثير الدين أثّله فشاد ما شاد لي حقّاً بلا مين حبرٌ ولو قلت إنّ الباء رتبتها من قبل صدّقك الأقوام في ذين

стр. 1255

أحيا علوماً أمات الدّهر أكثرها مذ جلّدت خلّدت ما بين دفّين يا واحد العصر ما قولي متّهمٍ ولا أحاشي امرءاً بين الفريقين هذي العلوم بدت من سيبويه كما قالوا وفيك انتهت يا ثاني اثنين فدم لها وبودّي لو أكون فدىً لما ينالك في الأيّام من شين يا سيبويه الورى في الدهر لا عجبٌ إذا الخليل غدا يفديك بالعين يقبّل الأرض وينهي ما هو عليه من الأشواق التي برّحت بألمها، وأجرت الدموع دماً، وهذا الطرس الأحمر يشهد بدمها، وأربت بسحّها على السحائب وأين دوام هذه من ديمها، وفرقت الأوصال على السقم لوجود عدمها: فيا شوق ما أبقى، ويا لي من النوى ويا دمع ماأجرى، ويا قلب ما أصبى وذكر ولاءه الذي تسجع به في الأرض الحمائم، ويسير تحت لوائه مسير الرياح بين الغمائم، وثناءه الذي يتضوع كالزهر بي الكمائم، ويتنسّم تنسّم هامات الرّبى إذا لبست من الربيع ملوّنات العمائم، ويشهد الله على ما قد قلته والله سبحانه نعم الشهيد. فكتب هو الجواب عن ذلك ولكنه عدم مني. وأنشدته يوماً لنفسي: قلت للكاتب الذي ما أراه قطّ إلاّ ونقّط الدمع شكله إن تخطّ الدموع في الخدّ شيئاً ما يسمى فقال خطّ ابن مقله وأنشدني هو من لفظه لنفسه: سبق الدّمع بالمسير المطايا إذ نوى من أحبّ عني نقله وأجاد الخطوط في صفحة الخ د ولم لا يجيد وهو ابن مقله وأنشدني في مليح نوتي: كلفت بنوتيٍّ كأنّ قوامه إذا يثني خوطٌ من البان ناعم

стр. 1256

مجاذفه في كلّ قلبٍ مجاذبٌ وهزّاته للعاشقين هزائم وأنشدته أنا لنفسي: إنّ نوتيّ مركبٍ نحن فيه هام فيه صبّ الفؤاد جريحه أقلع القلب عن سلّوي لمّا أن بدا ثغره وقد طاب ريحه وأنشدته لنفسي أيضاً: نوتيّنا حسنه بديع وفيه بدر السّماء مغرى ما حكّ برّاً إلاّ وقلنا يا ليت أنّا نحكّ برّا فأعجباه رحمه الله تعالى، وزهزه لهما. وأنشدني هو لنفسه مليح أحدب: تعشّقته أحدباً كيّساً يحاكي نحيباً حنين النّعام إذا كدت أسقط من فوقه تعلّقت من ظهره بالسّنام فأنشدته لنفسي: وأحدبٍ رحت به مغرماً إذ لم تشاهد مثله عيني لا غرو أن هام فؤادي به وخصره ما بين دفّين وأنشدني من لفظه لنفسه في أعمى: ما ضرّ حسن الذي أهواه أنّ سنا كريمتيه بلا شينٍ قد احتجبا قد كانتا زهرتي روضٍ وقد ذوتا لكنّ حسنهما الفتّان ما ذهبا كالسيف قد زال عنه صقله فغدا أنكى وآلم في قلب الذي ضربا وأنشدته لنفسي في ذلك:

стр. 1257

وربٌّ أعمى وجهه روضةٌ تنزّهي فيها كثير الديون وخدّه وردٌ غنينا به عن نرجسٍ ما فتحته العيون وأنشدته أيضاً لنفسي في ذلك: فيا حسن أعمى لم يخف حدّ طرفه محبٌّ غدا سكران فيه وما صحا إذا صاد خلٌّ بات يرعى حدوده غدا آمناً من مقلتيه الجوارحا وكتبت إليه استدعاءً، وهو: المسؤول من إحسان سيدنا الإمام العالم العلاّمة، لسان العرب، ترجمان الأدب، جامع الفضائل، عمدة وسائل السائل، حجّة المقلّدين، زين المقلّدين، قطب المؤملين، أفضل الآخرين، وارث علوم الأولين، صاحب اليد الطولى في كل مكان ضيق، والتصانيف التي تأخذ بمجامع القلب فكل ذي لبٍّ إليها شيّق، والمباحث التي أثارت الأدلة الراحجة من مكامن أماكنها، وقنصت أوابده الجامحة من مواطئ مواطنها، كشّاف معضلات الأوائل، سبّاق غايات قصّر عن شأوها سبحان وائل، فارع هضبات البلاغة في اجتلاء اجتلابها وهي في مرقدها، سالب تيجان الفصاحة في اقتضاء اقتضابها من فوق فرقدها، حتى أبرز كلامه جنانٌ فكلّ جنّانٍ من بعده عن الدخول إليها جبان، وأتى ببراهين وجوه حورها لم يطمثهن إنس قبله ولا جان، وأبدع خمائل نظم ونثر لا تصل إلى أفنان فنونها يد جانٍ، أثير الدين أبي حيان، لا زال ميت العلم يحييه، وهل عجيب ذلك من أبي حيان: حتى ينال بنو العلوم مرامهم ويحلّهم دار المنى بأمان إجازة كاتب هذه الأحرف ما رواه - فسح الله تعالى في مدته - من المسانيد والمصنفات والسنن والمجاميع الحديثية، والتصانيف الأدبية، نظماً ونثراً، إلى غير ذلك من أصناف العلوم على اختلاف أوضاعها، وتباين أجناسها وأنواعها، ممّا تلقاه ببلاد الأندلس وإفريقية والإسكندرية والديار المصرية والبلاد الحجازية

стр. 1258

وغيرها من البلدان، بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة خاصة أو عامة، كيفما تأدى ذلك إليه، وإجازة ما له - أدام الله إفادته - من التصانيف في تفسير القرآن العظيم والعلوم الحديثية والأدبية وغيرها، وما له من نظم ونثرإجازة خاصة، وأن يثبت بخطه تصانيفه إلى حني هذا التاريخ، وأن يجيزه إجازة عامة لما يتجدّد له من بعد ذلك على رأي من يراه ويجوزه، منعماً متفضلاً إن شاء الله تعالى. فكتب الجواب رحمه الله تعالى: أعزك الله، ظننت بإنسان جميلاً فغاليت، وأبديت من الإحسان جزيلاً وما باليت، وصفت منهو القتام يظنه الناس سماء، والسراب يحسبه الظمآن ماء، يا ابن الكرام وأنت أبصر من يشيم، أمع الروض النضير يرعى الهشيم، أما أغنتك فضائلك، وفواضلك، ومعارفك، وعوارفك، عن نغبة من دأماء، وتربة من يهماء، لقد تبلجت المهارق من نور صفحاتك، وتأرجت الأكوان من أريج نفحاتك، ولأنت أعرف من يقصد للدراية، وأنقد من يعتمد عليه في الرواية، لكنك أردت أن تكسو من مطارفك، وتتفضل من تالدك وطارفك، وتجلو الخامل في منصة النباهة، وتنقده من لكن الفهاهة، فتشيد له ذكراً، وتعلي له قدراً، ولم يمكنه إلاّ إسعافك فيما طلبت، وإجابتك إلى ما إليه ندبت، فإن المالك لا يعصى، والمتفضل المحسن لا يقصى، وقد أجزت لك - أيدك الله تعالى - جميع ما رويته عن أشياخي بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وغير ذلك، بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة بمشافهة وكتابة ووجازة، وجميع ما أجيز لي أن أرويه بالشام والعراق وغير ذلك، وجميع ما صنفته واختصرته وجمعته وأنشأته نظماً ونثراً، وجميع ما سألت في هذا الاستدعاء: فمن مروياتي الكتاب العزيز قرأته بقراءة السبعة على جماعة من أعلاهم الشيخ المسند المعمّر فخر الدين أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله المصري ابن المليحي، آخر من روى القرآن بالتلاوة على أبي الجود، والكتب الستة والموطأ ومسند عبد بن حميد ومسند الدراميّ ومسند الشافعي ومسند الطيالسي والمعجم الكبير للطّبراني والمعجم الصغير

стр. 1259

له وسنن الدارقطني وغير ذلك. وأما الأجزاء فكثيرة جدّاً، ومن كتب النحو والآداب فأروي بالقراءة كتاب سيبويه، والإيضاح، والتكملة، والمفصل، وجمل الزجاجي، وغير ذلك، والأشعار الستة والحماسة وديوان حبيب والمتنبي والمعري، وأما شيوخي الذين رويت عنهم بالسماع أو بالقراءة فهم كثير، وأذكر الآن منهم جماعة: فمنهم القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي، والمقرئ أبو جعفر أحمد بن سعيد بن أحمد بن بشير الأنصاري، وإسحاق بن عبد الرحيم ابن محمد بن عبد الملك بن درباس، وأبو بكر ابن عباس بن يحيى بن غريب القوّاس البغدادي، وصفي الدين الحسين بن أبي منصور بن ظافر الخزرجي، وأبو الحسين محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، ووجيه الدين محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأزدي بن الدّهّان، وقطب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن القسطلاني، ورضي الدين محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي اللغوي، ونجيب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمداني، ومكي بن محمد بن أبي القاسم ابن حامد الأصبهاني الصفّار، ومحمد ابن عمر بن محمد بن علي السعدي الضرير ابن الفارض، وزين الدين أبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي، ومحمد بن إبراهيم بن ترجم بن حازم المازني، ومحمد بن الحسين بن الحسن بن إبراهيم الداريّ ابن الخليلي، ومحمد ابن محمد بن عمر العنسي عرف بابن النّنّ، وعبد الله بن محمد بن هارون بن عبد العزيز الطائي القرطبي، وعبد الله بن نصر الله بن أحمد بن رسلان بن فتيان ابن كامل الخزمي، وعبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس التميمي، وعبد الرحمن بن يوسف بن يحيى بن يوسف ابن خطيب المزة، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي المصري السكري، وعبد العزيز بن عبد المنعم بن علي ابن نصر بن الصيقل الحراني، وعبد العزيز بن عبد القادر بن إسماعيل الفيالي

стр. 1260

الصالحي الكتاني، وعبد المعطي بن عبد الكريم بن أبي المكارم ابن منجى الخزرجي، وعلي بن صالح بن أبي علي ابن يحيى بن إسماعيل الحسني البهنسي المجاور، وغازي بن أبي الفضل ابن عبد الوهاب الحلاوي، والفضل بن علي بن نصر بن عبد الله بن الحسين بن رواحة الخزرجي، ويوسف بن إسحاق بن أبي بكر الطبري المكي، واليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، ومؤنسة بنت الملك العادل أبي بكر ابن أيوب بن شادي، وشامية بنت الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد التيمية، وزينب عبد اللطيف بن يوسف ابن محمد بن علي البغدادي. وممّن كتبت عنه من مشاهير الأدباء أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن بن علي بن الفرج المالقي ابن المرحل، وأبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري القرطاجني، وأبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن يحيى بن عبد الله الهذلي التطيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن ذنّون المالقي، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن جبير الجلياني العكي المالقي، وأبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى الأنصاري الجزار، وأبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن تولو القرشي، وأبو حفص بن عمر بن محمد بن أبي علي الحسن المصري الوراق، وأبو الربيع سليمان ابن علي بن عبد الله بن ياسين الكومي التلمساني، وأبو العباس أحمد بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين القاهري، وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن حمّاد بن محسن الصنهاجي البوصيري، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم العزازي. وممّن أخذت عنه من النحاة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخشني الأبّدي، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي ابن الضائع، وأبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن الزبير الثقفي، وأبو جعفر أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف الفهري اللّبلي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر الحلبي ابن النحاس. وممّن لقيته من الظاهرية أبو العباس أحمد بن علي بن خالص الأنصاري

стр. 1261

الإشبيلي الزاهد، وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشّنتمري. وجملة الذي سمعت منهم نحو من أربعمائة شخص وخمسين. وأما الذين أجازوني فعالم كثير جداً من أهل غرناطة ومالقة وسبتة وديار إفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام، وأما ما صنفته فمن ذلك البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم. إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب. كتاب الأسفار المخلص من كتاب الصّفّار شرحاً لكتاب سيبويه. كتاب التجريد لأحكام سيبويه. كتاب التذييل والكميل في شرح التسهيل. كتاب التنخيل المخلص من شرح التسهيل. كتاب التذكرة. كتاب المبدع في التصريف. كتاب الموفور. كتاب التقريب. كتاب التدريب. كتاب غاية الإحسان. كتاب النكت الحسان. كتاب الشذا في مسألة كذا. كتاب الفضل في أحكام الفصل. كتاب اللمحة. كتاب الشذرة. كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء. كتاب عقد اللآلي. كتاب نكت الأمالي. كتاب النافع في قراءة نافع. الأثير في قراءة ابن كثير. المورد الغمر في قراءة أبي عمرو. الروض الباسم في قراءة عاصم. المزن الهامر في قراءة ابن عامر. الرمزة في قراءة حمزة. تقريب النائي في قراءة الكسائي. غاية المطلوب في قراءة يعقوب. قصيدة النير الجلي في قراءة زيد بن علي. الوهاج في اختصار المنهاج. الأنوار الأجلى في اختصار المحلى. الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية. كتاب الإعلام بأركان الإسلام. نثر الزهر ونظم الزهر. قطر الحبيّ في جواب أسئلة الذهبي. فهرست مسموعاتي. نوافث السحر في دمائث الشعر. تحفة النّدس في نحاة الأندلس. الأبيات الوافية في علم القافية. جزء في الحديث. مشيخة ابن أبي المنصور. كتاب الإدراك للسان الأتراك. زهو الملك في نحو الترك. نفحة المسك في سيرة الترك. كتاب الأفعال في لسان الترك. منطق الخرس في

стр. 1262

لسان الفرس. وممّا لم يكمل تصنفه: كتاب مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد. كتاب منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك. نهاية الإغراب في علمي التصريف والإعراب. رجز مجاني الهصر في آداب وتواريخ لأهل العصر. خلاصة التبيان في علمي البديع والبيان. وجز نور الغبش في لسان الحبش. المخبور في لسان اليخمور قاله وكتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان. وأنشدني الشيخ أثير الدين من لفظه لنفسه في صفات الحروف: أنا هاوٍ لمستطيلٍ أعنٍّ كلّما اشتد صارت النفس رخوه أهمس القول وهو يجهر سبّي وإذا ما انخفضت أظهر علوه فتح الوصل ثمّ أطبق هجراً بصفيرٍ والقلب قلقل شجوه لان دهراً ثمّ اغتدى ذا انحرافٍ وفشا السرّ مذ تكررت نحوه وأنشدني أيضاً لنفسه: يقول لي العذول ولم أطعه تسلّ فقد بدا للحبّ لحيه تخيّل أنها شانت حبيبي وعندي أنها زينٌ وحليه وأنشدني لنفسه أيضاً: شوقي لذاك المحيّا الزاهر الزاهي شوقٌ شديدٌ وجسمي الواهن الواهي أسهرت طرفي وولّهت الفؤاد هوىً فالطرف والقلب مني الساهر الساهي نبهت قلبي وتنهى أن أبوح بما يلقاه واشوقه للناهب الناهي بهرت كلّ مليحٍ بالبهاء فما في النّيّرين شبيه الباهرالباهي لهجت بالحبّ لمّا أن لهوت به عن كلّ شيءٍ فويح اللاّهج اللاّهي وأنشدني من لفظه لنفسه:

стр. 1263

راض حبيبي عارضٌ قد بدا يا حسنه من عارضٍ رائض وظنّ قومٌ أنّ قلبي سلا والأصل لا يعتدّ بالعارض وأنشدني من لفظه لنفسه: تعشّقته شيخاً كأنّ مشيبه على وجنتيه ياسمينٌ على ورد أخا العقل يدري ما يراد من الهوى أمنت عليه من رقيبٍ ومن صدّ وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى لسود اللحى ناسٌ وناسٌ إلى المرد ألا إنني لو كنت أصبو لأمردٍ صبوت إلى هيفاء مائسة القدّ وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركاً فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي وأنشدني من لفظه لنفسه: ألا إنّ ألحاظاً بقلبي عوابثاً أظنّ بها هاروت أصبح نافثا إذا رام ذو وجدٍ سلوّاً منعنه وكنّ على دين التصابي بواعثا وقيدن من أضحى عن الحبّ مطلقاً وأسرعن للبلوى بمن كان رائثا بروحي رشاً من آل خاقان راحلٌ وإن كان ما بين الجوانح لابثا غدا واحداً في الحسن للفضل ثانياً وللبدر والشمس المنيرة ثالثا وأنشدني لنفسه، ومن خطه نقلت: أسحرٌ لتلك العين في القلب أم وخز ولينٌ لذاك الجسم في اللمس أم خزّ وأملود ذاك القدّ أم أسمرٌ غدا له أبداً في قلب عاشقه هزّ فتاةٌ كساها الحسن أفخر حلّةٍ فصار عليها من محاسنها طرز وأهدى إليها الغصن لين قوامه فماس كأنّ الغصن خامره العزّ يضوع أديم الأرض من نشر طيبها ويخضرّ من آثار تربتها الجرز وتختال في برد الشباب إذا مضت فينهضها قدٌّ ويقعدها عجز أصابت فؤاد الصبّ منها بنظرةٍ فلا رقيةٌ تجدي المصاب ولا حرز

стр. 1264

وأنشدني إجازةً في مليح أبرص، ومن خطه نقلت: وقالوا الذي قد صرت طوع جماله ونفسك لاقت في هواه نزاعها به وضحٌ تأباه نفس أولي النّهى وأفظع داءٍ ما ينافي طباعها فقلت له لا عيب فيه يشينه ولا علّةٌ فيه يروم دفاعها ولكنّها شمس الضحى حين قابلت محاسنه ألقت عليه شعاعها وأنشدني من لفظه لنفسه في فحّام: وعلّقته مسود عينٍ ووفرةٍ وثوبٍ يعاني صنعة الفحم عن قصد كأنّ خطوط الفحم في وجناته لطاخة مسكٍ في جنيٍّ من الورد وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت: سأل البدر هل تبدّى أخوه قلت يا بدر لن تطيق طلوعا كيف يبدو وأنت يا بدر بادٍ أوبدران يطلعان جميعا وأنشدني من لفظه لنفسه موشحة عارض بها شمس الدين محمد بن التلمساني: عاذلي في الأهيف الأنس لو رآه الآن قد عذرا قمرٌ من سحبه الشّعر ثغرٌ في فيه أم درر حال بين الدرّ واللّعس خمرةٌ من ذاقها سكرا رجّةٌ بالردف أم كسل ريقةٌ بالثغر أم عسل وردةٌ بالخدّ أم خجل كحلٌ بالعين أم كحل يا لها من أعينٍ نعس جلبت للنّاظر السّهرا

стр. 1265

مذ نأى عن مقلتيّ سني ما أذيقا لذّة الوسن طال ما ألقاه من شجن عجباً ضدّان في بدن بفؤادي جذوة القبس وبعيني الماء منفجرا قد أتاني الله بالفرج إذ دنا مني أبو الفرج قمرٌ قد حلّ في المهج كيف لا يخشى من الوهج غيره لو صابه نفسي ظنّه من حرّه شررا نسب العينين لي شركا فانثنى والقلب قد ملكا قمرٌ أضحى له فلكا قال لي يوماً وقد ضحكا أتجي من أرض أندلس نحو مصر تعشق القمرا وأما موشحة ابن التلمساني فهي: قمرٌ يجلو دجى الغلس بهر الأبصار مذ ظهرا آمنٌ من شبهة الكلف ذبت من عينيه بالكلف لم يزل يسعى إلى تكلفي بركاب الدّلّ والصّلف آه لولا أعين الحرس نلت منه الوصل مقتدرا يا أميراً جار مذ وليا كيف لا ترثي لمن بليا فبثغرٍ منك قد جليا قد حلا طعماً وقد حليا وبما أوتيت من كيس جد فما أبقيت مصطبرا
следующие страницы →