← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الإشبيلي الزاهد، وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشّنتمري. وجملة الذي سمعت منهم نحو من أربعمائة شخص وخمسين. وأما الذين أجازوني فعالم كثير جداً من أهل غرناطة ومالقة وسبتة وديار إفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام، وأما ما صنفته فمن ذلك البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم. إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب. كتاب الأسفار المخلص من كتاب الصّفّار شرحاً لكتاب سيبويه. كتاب التجريد لأحكام سيبويه. كتاب التذييل والكميل في شرح التسهيل. كتاب التنخيل المخلص من شرح التسهيل. كتاب التذكرة. كتاب المبدع في التصريف. كتاب الموفور. كتاب التقريب. كتاب التدريب. كتاب غاية الإحسان. كتاب النكت الحسان. كتاب الشذا في مسألة كذا. كتاب الفضل في أحكام الفصل. كتاب اللمحة. كتاب الشذرة. كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء. كتاب عقد اللآلي. كتاب نكت الأمالي. كتاب النافع في قراءة نافع. الأثير في قراءة ابن كثير. المورد الغمر في قراءة أبي عمرو. الروض الباسم في قراءة عاصم. المزن الهامر في قراءة ابن عامر. الرمزة في قراءة حمزة. تقريب النائي في قراءة الكسائي. غاية المطلوب في قراءة يعقوب. قصيدة النير الجلي في قراءة زيد بن علي. الوهاج في اختصار المنهاج. الأنوار الأجلى في اختصار المحلى. الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية. كتاب الإعلام بأركان الإسلام. نثر الزهر ونظم الزهر. قطر الحبيّ في جواب أسئلة الذهبي. فهرست مسموعاتي. نوافث السحر في دمائث الشعر. تحفة النّدس في نحاة الأندلس. الأبيات الوافية في علم القافية. جزء في الحديث. مشيخة ابن أبي المنصور. كتاب الإدراك للسان الأتراك. زهو الملك في نحو الترك. نفحة المسك في سيرة الترك. كتاب الأفعال في لسان الترك. منطق الخرس في

стр. 1262

لسان الفرس. وممّا لم يكمل تصنفه: كتاب مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد. كتاب منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك. نهاية الإغراب في علمي التصريف والإعراب. رجز مجاني الهصر في آداب وتواريخ لأهل العصر. خلاصة التبيان في علمي البديع والبيان. وجز نور الغبش في لسان الحبش. المخبور في لسان اليخمور قاله وكتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان. وأنشدني الشيخ أثير الدين من لفظه لنفسه في صفات الحروف: أنا هاوٍ لمستطيلٍ أعنٍّ كلّما اشتد صارت النفس رخوه أهمس القول وهو يجهر سبّي وإذا ما انخفضت أظهر علوه فتح الوصل ثمّ أطبق هجراً بصفيرٍ والقلب قلقل شجوه لان دهراً ثمّ اغتدى ذا انحرافٍ وفشا السرّ مذ تكررت نحوه وأنشدني أيضاً لنفسه: يقول لي العذول ولم أطعه تسلّ فقد بدا للحبّ لحيه تخيّل أنها شانت حبيبي وعندي أنها زينٌ وحليه وأنشدني لنفسه أيضاً: شوقي لذاك المحيّا الزاهر الزاهي شوقٌ شديدٌ وجسمي الواهن الواهي أسهرت طرفي وولّهت الفؤاد هوىً فالطرف والقلب مني الساهر الساهي نبهت قلبي وتنهى أن أبوح بما يلقاه واشوقه للناهب الناهي بهرت كلّ مليحٍ بالبهاء فما في النّيّرين شبيه الباهرالباهي لهجت بالحبّ لمّا أن لهوت به عن كلّ شيءٍ فويح اللاّهج اللاّهي وأنشدني من لفظه لنفسه:

стр. 1263

راض حبيبي عارضٌ قد بدا يا حسنه من عارضٍ رائض وظنّ قومٌ أنّ قلبي سلا والأصل لا يعتدّ بالعارض وأنشدني من لفظه لنفسه: تعشّقته شيخاً كأنّ مشيبه على وجنتيه ياسمينٌ على ورد أخا العقل يدري ما يراد من الهوى أمنت عليه من رقيبٍ ومن صدّ وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى لسود اللحى ناسٌ وناسٌ إلى المرد ألا إنني لو كنت أصبو لأمردٍ صبوت إلى هيفاء مائسة القدّ وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركاً فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي وأنشدني من لفظه لنفسه: ألا إنّ ألحاظاً بقلبي عوابثاً أظنّ بها هاروت أصبح نافثا إذا رام ذو وجدٍ سلوّاً منعنه وكنّ على دين التصابي بواعثا وقيدن من أضحى عن الحبّ مطلقاً وأسرعن للبلوى بمن كان رائثا بروحي رشاً من آل خاقان راحلٌ وإن كان ما بين الجوانح لابثا غدا واحداً في الحسن للفضل ثانياً وللبدر والشمس المنيرة ثالثا وأنشدني لنفسه، ومن خطه نقلت: أسحرٌ لتلك العين في القلب أم وخز ولينٌ لذاك الجسم في اللمس أم خزّ وأملود ذاك القدّ أم أسمرٌ غدا له أبداً في قلب عاشقه هزّ فتاةٌ كساها الحسن أفخر حلّةٍ فصار عليها من محاسنها طرز وأهدى إليها الغصن لين قوامه فماس كأنّ الغصن خامره العزّ يضوع أديم الأرض من نشر طيبها ويخضرّ من آثار تربتها الجرز وتختال في برد الشباب إذا مضت فينهضها قدٌّ ويقعدها عجز أصابت فؤاد الصبّ منها بنظرةٍ فلا رقيةٌ تجدي المصاب ولا حرز

стр. 1264

وأنشدني إجازةً في مليح أبرص، ومن خطه نقلت: وقالوا الذي قد صرت طوع جماله ونفسك لاقت في هواه نزاعها به وضحٌ تأباه نفس أولي النّهى وأفظع داءٍ ما ينافي طباعها فقلت له لا عيب فيه يشينه ولا علّةٌ فيه يروم دفاعها ولكنّها شمس الضحى حين قابلت محاسنه ألقت عليه شعاعها وأنشدني من لفظه لنفسه في فحّام: وعلّقته مسود عينٍ ووفرةٍ وثوبٍ يعاني صنعة الفحم عن قصد كأنّ خطوط الفحم في وجناته لطاخة مسكٍ في جنيٍّ من الورد وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت: سأل البدر هل تبدّى أخوه قلت يا بدر لن تطيق طلوعا كيف يبدو وأنت يا بدر بادٍ أوبدران يطلعان جميعا وأنشدني من لفظه لنفسه موشحة عارض بها شمس الدين محمد بن التلمساني: عاذلي في الأهيف الأنس لو رآه الآن قد عذرا قمرٌ من سحبه الشّعر ثغرٌ في فيه أم درر حال بين الدرّ واللّعس خمرةٌ من ذاقها سكرا رجّةٌ بالردف أم كسل ريقةٌ بالثغر أم عسل وردةٌ بالخدّ أم خجل كحلٌ بالعين أم كحل يا لها من أعينٍ نعس جلبت للنّاظر السّهرا

стр. 1265

مذ نأى عن مقلتيّ سني ما أذيقا لذّة الوسن طال ما ألقاه من شجن عجباً ضدّان في بدن بفؤادي جذوة القبس وبعيني الماء منفجرا قد أتاني الله بالفرج إذ دنا مني أبو الفرج قمرٌ قد حلّ في المهج كيف لا يخشى من الوهج غيره لو صابه نفسي ظنّه من حرّه شررا نسب العينين لي شركا فانثنى والقلب قد ملكا قمرٌ أضحى له فلكا قال لي يوماً وقد ضحكا أتجي من أرض أندلس نحو مصر تعشق القمرا وأما موشحة ابن التلمساني فهي: قمرٌ يجلو دجى الغلس بهر الأبصار مذ ظهرا آمنٌ من شبهة الكلف ذبت من عينيه بالكلف لم يزل يسعى إلى تكلفي بركاب الدّلّ والصّلف آه لولا أعين الحرس نلت منه الوصل مقتدرا يا أميراً جار مذ وليا كيف لا ترثي لمن بليا فبثغرٍ منك قد جليا قد حلا طعماً وقد حليا وبما أوتيت من كيس جد فما أبقيت مصطبرا

стр. 1266

بد تمٍّ في الجمال سني ولهذا لقّبوه سني قد سباني لذّة الوسن بمحيّاً باهرٍ حسن هو خشفي وهو مفترسي فارو عن أعجوتبي خبرا لك خدٌّ يا أبا لافرج زين بالتّوريد والضّرج وحديثٌ عاطر الأرج كم سبى قلباً بلا حرج لو رآك الغصن لم يمس أو رآك البدر لاستترا يا مذيباً مهجتي كمدا فقت في الحسن البدور مدى يا كحيلاً كحله اعتمدا عجباً أن تبرئ الرمدا وبسقم الناظرين كسي جفنك السحّار وانكسرا وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً: إن كان ليلٌ داجوخاننا الإصباحفنورها الوهّاجيغني عن المصباح سلافةٌ تبدو كالكوكب الأزهر مزاجها شهد وعرفها عنبر وحبّذا الورد منها وإن أسكر قلبي بها قد هاجفما تراني صاحعن ذلك المنهاجوعن هوىً يا صاح وبي رشاً أهيف قد لجّ في بعدي بدر فلا يخسف منه سنا الخدّ بلحظه المرهف يسطو على الأسد كسطوة الحجّاجفي النّاس والسفّاحفما ترى من ناجمن لحظه السفّاح

стр. 1267

علل بالمسك قلب رشاً أحور منعّم المسك ذي مبسمٍ أعطر ريّاه كالمسك وريقه كوثر غصنٌ على رجراجطاعت له الأرواحفحبذا الآراجإن هبّت الأرواح مهلاً أبا القاسم على أبي حيّان ما إن له عاصم من لحظك الفتّان وهجرك الدائم قد طال بالهيمان فدمعه أمواجوسرّه قد باحلكنّه ما عاجولا أطاع اللاح يا ربّ ذي بهتان يعذل في الراح وفي هوى غزلان دافعت بالراح وقلت لا سلوان عن ذاك يا لاح سبع الوجوه والتاجهي منية الأفراحفاختر لي يا زجّاجقمصال وزوج أقداح وأنشدني من لفظه لنفسه القصيدة الدالية التي نظمها في مدح النحو والخليل وسيبويه، ثم خرج منها إلى مديح صاحب غرناطة وغيره من أشياخه، وأولها: هو العلم لا كالعلم شيء تراوده لقد فاز باغيه وأنجح قاصده وهي قصيدة جيدة تزيد على مائة بيت. وحكي لي أن الشيخ أثير الدين رحمه الله تعالى ضعف فتوجه إليه جماعة يعودونه، وفيهم شمس الدين ابن دانيال، فأنشدهم الشيخ رحمه الله تعالى القصيدة المذكورة، فلما فرغت قال ابن دانيال: يا جماعة أخبركم أن الشيخ قد عوفي، وما بقي عليه بأس، لأنه لم يبق عنده فضلة، قوموا باسم الله.

стр. 1268

وأنشدني من لفظه لنفسه رحمه الله تعالى قصيدته السينية التي أولها: أهاجك ربعٌ حائل الرسم دارسه كوحي كتابٍ أضعف الخطّ دارسه انتهى نص الصفدي. وما ذكره رحمه الله تعالى في موضع ولادة أبي حيان غير مخالف لما ذكره في الوافي أنه ولد بغرناطة، إلاّ أن قوله بمدينة مطخشارش فيه نظر، لأنه يقتضي أنها مدينة، وليس كذلك، وإنما هي موضع بغرناطة، ولذا قال الرعيني: إن مولد أبي حيان بمطخشارش من غرناطة، ونحوه لابن جماعة، انتهى، وهو صريح في المراد، وصاحب البيت أدرى على أنه يمكن أن يرد كلام الصفدي لذاك، والله تعالى أعلم. وذكر في الوافي أنه تولى تدريس التفسير بالقبة المنصورية، والإقراء بالجامع الأقمر، قال الصفدي: وقال لي: لم أر بعد ابن دقيق العيد أفصح من قراءتك، وكان ذلك حين قرأت عليه المقامات الحريرية بمصر جماعة، انتهى. وما وقع في كلام كثير من أهل المغرب أن أبا حيان توفي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة غير ظاهر، لأن أهل المشرق أعرف بذلك، إذ توفي عندهم، وقد تقدم أنه توفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فعلى كلام أهل المشرق في هذا المعوّل، والله أعلم. وكانت نضار بنت أبي حيان حجت، وسمعت بقراءة العلم البرزالي على بعض الشيوخ، وحدثت بشء من مروياتها، وحضرت على الدمياطي، وسمعت على جماعة، وهي بضم النون وتخفيف الضاد، وأجازها من المغرب أبو جعفر ابن الزبير، وحفظت مقدمة في النحو، ولمّا توفيت عمل والدها فيها كتاباً سمّاه النّضار في المسلاة عن نضار، وكان والدها يثني عليها كثيراً، وكانت تكتب وتقرأ، قال الصفدي: قال لي والدها: إنها خرّجت جزءاً لنفسها وإنها تعرب جيداً، وأظنه قال لي: إنها تنظم الشعر، وكان يقول دائماً: ليت أخاها حيان كان مثلها، وتوفيت رحمها الله تعالى في جمادى الآخرة سنة ٧٣٠

стр. 1269

في حياة والدها، فوجد عليها وجداً عظيماً ولم يثبت وانقطع عند قبرها بالبرقية، ولازمه سنة، ومولدها في جمادى الآخرة سنة٧٠٢، قال الصفدي: وكنت بالرحبة لما توفيت، فكتبت لوالدها بقصيدة أولها: بكينا باللّجين على نضار فسيل الدمع في الخدين جاري فيا لله جاريةٌ تولّت فنبكيها بأدمعنا الجواري وقال الفقيه المحدث أبو عبد الله محمد بن سعيد الرعيني الأندلسي في برنامجه، عند ذكره شيخه أبا حيان زيادةً على ما قدمناه، ما ملخصه: إن أبا حيان قال: سمعت بغرناطة ومالقة وبلش والمرية وبجاية وتونس والإسكندرية ومصر والقاهرة ودمياط والمحلة وطهرمس والجيزة ومنية بني خصيب ودشنا وقنا وقوص وبلبيس وبعيذاب من بلاد السودان وبينبع ومكة شرّفها الله تعالى وجدة وأيلة، ثمّ فصّل من لقيه في كل بلد إلى أن قال: وبمكة أبا اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن عبد الله بن عساكر، إلى أن قال: فهذه نبذة من شيوخي، وجملة من سمعت منه خمسمائة، والمجيزون أكثر من ألف، وعدّ من كتب القراءات التي أخذ تسعة عشر كتاباً، وقال في حق ابن المليحي: إنه أعلى شيوخي في القراءات وإن آخر من روى عنه السبع أبو الجود غياث بن فارس المنذري اللّخمي وإجازته منه سنة ٦٠٤، قال: وقرأت البخاري على جماعة أقدمهم إسناداً فيه أبو العز الحراني قرأته عليه بلفظي إلا بعض كتاب التفسير من قوله تعالى " ويسألونك عن المحيض " إلى قول سبحانه " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " في سورة النور، فسمعته بقراءة غيري، قال: أنبأنا به أبو المعالي أحمد بن يحيى ابن عبيد الله الخازن البيع سماعاً عليه سنة ستمائة ببغداد، أنبأنا أبو الوقت بسنده، وكمل له رحمه الله تعالى جامع الترمذي بين قراءة وسماع على ابن الزبير بغرناطة، وسمعه على محمد بن ترجم، أنبأنا ابن البناء أنبأنا الكروخي بسنده، وقرأ السنن لأبي داود بغرناطة على أبي زيد عبد الرحمن الربعي، عرف بالتونسي، أنبأنا

стр. 1270

به سهل بن مالك، وقرأه بالقاهرة على أبي الفضل عبد الرحيم ابن خطيب المزة عن أبي حفص ابن طبرزد عن أبي بدر الكروخي ومفلح الرومي عن أي بكر ابن ثابت الخطيب أنبأنا أبو عمر الهاشمي أنبأنا اللؤلؤي أنبأنا أبو داود، وقرأ الموطأ على أبي حفص ابن الطباع عن أبي القاسم ابن بقي ابن عبد الحق عن ابن الطلاع بسنده، وهذا أعلى سند يوجد عن يونس بن مغيث في عصره. وسمع أبو حيان الأجزاء الخلعيات والغيلانيات والقطيعيات والنهرانيات والمحامليات والثقفيات وسداسيات الرازي بعلو، قرأها على صفي الدين عبد الوهاب بن الفرات عن أبي الطاهر إسماعيل بن ياسين الجيلي، وهو آخر من حدث عنه، عن أبي عبد الله الرازي سماعاً، وقرأ جزء الأنصاري على أبي بكر ابن الأنماطي بسماعه حضوراً في الرابعة على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزار سنة ٥٣٢، أنبأنا إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي قراءة عليه في رجب سنة ٤٤٥، أنبأنا عبد الله بن إبراهيم بن ماس، أنبأنا أبو مسلم الكشي البصري، أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري؛ وقرأ جميع كتاب سيبويه على البهاء ابن النحاس المشهور بالنحو في مصر والشام، بقراءته على علم الدين أبي محمد القاسم بن أحمد ابن الموفق، بقراءته على التاج أبي اليمن الكندي، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن علي ابن أحمد البغدادي مؤلف كتاب المبهج، أنبأنا أبو الكرم المبارك بن فاخر بن محمد بن يعقوب عرف بابن الدّباس، أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن عمر بن برهان الأسدي، أنبأنا أبو القاسم علي بن عبيد الله الرقيقي، أنبأنا علي بن عيسى بن عبد الله الرماني، أنبأنا أبو بكر ابن السراج، أنبأنا أبو العباس المبرد، أنبأنا أبو عمر الجرمي وأبو عثمان المازني، قالا: أنبأنا أبو الحسن الأخفش، أنبأنا سيبويه، قال الشيخ أبو حيان: ولا أعلم راوياً له بمصر والشام والعراق واليمن والمشرق غيري، ورويته عن الأساتيذ أبوي علي ابن الضائع وابن أبي الأحوص وأبي جعفر اللّبلي عن أبي علي الشلوبين، وسنده مشهور بالمغرب. ووقع لأبي حيان تساعيات كثيرة، وأغرب ما وقع له ثلاثة أحاديث بينه وبين

стр. 1271

رسول الله، ﷺ ، فيها ثمانية، أخبره المحدث نجيب محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمداني بقراءته عليه والجليلة السلطانية مؤنسة بنت الملك العادل أبي بكر ابن أيوب بن شادي قراءةً عليها وهو يسمع، قالا: أنبأنا أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح في كتابه، أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الجوزدانية، أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ريدة الضبي الأصبهاني، أنبأنا الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطر اللخمي الطبراني، أنبأنا عبيد الله بن رماحس القيسي برمادة الرملة سنة ٢٧٤، أنبأنا أبو عمر زياد بن طارق وقد أتت عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله، ﷺ ، يوم هوازن أتيته فقلت: حس القيسي برمادة الرملة سنة ٢٧٤، أنبأنا أبو عمر زياد بن طارق وقد أتت عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله، ﷺ ، يوم هوازن أتيته فقلت: امنن علينا رسول الله في كرمٍ فإنك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضةٍ قد عاقها قدرٌ مشتّت شملها في دهرها غير أبقت لنا الدهر هتّاناً على حزنٍ علا قلوبهم الغمّاء والغمر إن لم تداركهم نعماء تنشرها يا أرجح الناس حلماً حين يختبر امنن على نسوةٍ قد كنت ترضعها إذ فوك تملؤه من محضها الدرر إذ أنت طفلٌ صغير كنت ترضعها وإذ يريبك ما تأتي وما تذر لا تجعلنّا كمن شالت نعامته واستبق منّا فإنّا معشرٌ زهر إنّا نشكر للنعماء إذ كفرت وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه من أمّهاتك إن العفو مشتهر يا خير من مرحت كنت الجياد به عند الهياج إذا ما استوقد الشرر إنّا نؤمّل عفواً منك تلبسه هذي البرية إذ تعفو وتنتصر فاعف عفا الله عما أنت راهبه يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر فلما سمع، ﷺ ، هذا الشعر قال: " ما كان لي ولبني

стр. 1272

عبد المطلب فهو لكم "، فقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، قال أبو القاسم الطبراني: لا يروى عن زهير إلاّ بهذا الإسناد، وتفرد به عبيد الله بن رماحس، وبالإسناد إلى الطبراني: أنبأنا جعفر بن حميد بن عبد الكريم بن فروخ بن ديزج بن بلال بن سعد بن بلال بن سعد الأنصاري الدمشقي، قال: حدثني جدي لأمي عمر بن أبان بن مفضل بن أبان المدني، قال: أراني أنس بن مالك الوضوء: أخذ ركوة فوضعها عن يساره، وصبّ على يده اليمنى فغسلها ثلاثاً، ثمّ أدار الركوة عن يده اليمنى وصبّ على يساره فغسلها ثلاثاً وثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً وأخذ ماء جديداً لصماخيه فمسح صماخيه، فقلت له: قد مسحت أذنيك، فقال: يا غلام، هل رأيت وفهمت أو أعيد عليك فقلت: قد كفاني، وقد فهمت، قال: فكذا رأيت رسول الله، ﷺ ، يتوضأ، قال الطبراني: ولم يرو عمر بن أبان عن أنس حديثاً غير هذا، وبالإسناد إلى الطبراني: حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد القصاص البصري، أنبأنا بن عبد الله مولى أنس بن مالك، حدثني أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ ، " طوبى لمن رآني وآمن بي، ومن رأى من رآني وآمن بي، ومن رأى من رأى من رآني ". ثمّ قال الرعيني: وتصانيف أبي حيان تزيد على خمسين ما بين طويل وقصير، ثم قال الرعيني: وخرج أبو حيان من الأندلس مفتتح سنة ٦٧٩، واستوطن القاهرة بعد حجه، وأنشد لشيخه أبي الحسن الزّجّاج (١) : رضيت كفافي رتبةً ومعيشةً فلست أسامي موسراً ووجيها ومن جرّ أثوابالزمان طويلةً فلا بدّ يوماً أن سيعثر فيها

стр. 1273

وأنشد بإسناده لموسى بن أبي تليد: حالي مع الدهر في تقلّبه كطائرٍ ضمّ رجله شرك فهمّه في خلاص مهجته ويروم تخليصها فتشتبك ثم أورد الرعيني جملة من نظم الإمام أبي حيان، منها قوله: أريد من الدّنيا ثلاثاً وإنها لغاية مطلوبٍ لمن هو طالب تلاوة قرآنٍ، ونفسٌ عفيفةٌ، وإكثار أعمالٍ عليها أواظب وقوله: أرحت روحي من الإيناس بالنّاس لمّا غنيت عن الأكياس بالياس وصرت في البيت وحدي لا أرى أحداً بنات فكري وكتبي هنّ جلاّسي وقوله: وزهدّدني في جمعي المال أنّه إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا فلا روحه يوماً أراح من العنا ولم يكتسب حمداً ولم يدّخر أجرا وقوله: يظنّ الغمر أنّ الكتب تجدي أخا ذهنٍ لإدراك العلوم وما يدري الجهول بأنّ فيها غوامض حيرت عقل الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيخٍ ضللت عن الصراط المستقيم وتلتبس الأمور عليك حتّى تصير أضلّ من توما الحكيم وله لغز في قيراط زاعماً أنه لا يفك: وما اسمٌ خماسيٌّ إذا ما فككته يصير لنا فعلين أمراً وماضيا

стр. 1274

بعكسٍ وهو كلٌّ وجزءٌ وجمعه بإبدال عينٍ حار فيه التناهيا ومع كونه فرداً وجمعاً فأولٌ وآخره أضحى لشخصٍ معاديا وفي عكسه صوتٌ فتبنيه صيغةً وتبني بمعناه وما أنت بانيا فكم فيه من معنىً خفيٍّ وإنّما عنيت بذكري للذي ليس خافيا ثمّ قال الرعيني: وهو شيخ فاضل، ما رأيت مثله، كثير الضحك والانبساط، بعيد عن الانقباض، جيد الكلام، حسن اللقاء، جميل المؤانسة، فصيح الكلام، طلق اللسان، ذو لمة وافرة، وهمّة فاخرة، له وجه مستدير، وقامته معتدلة التقدير، ليس الطويل ولا بالقصير، انتهى ما لخصته من كلام الرعيني. ولما قدم الأستاذ أبو حيان إلى مصر أوصى أهله بقوله: ينبغي للعاقل أن يعامل كل أحد في الظاهر معاملة الصديق، وفي الباطن معاملة العدو في التحفظ منه والتحرز، وليكن في التحرز من صديقه أشد من التحرز من عدوه، وأن يعتقد أن إحسان شخص إلى آخر وتودده إنما هو لغرض قام له فيه يتعلّق به يبعثه على ذلك لا لذات الشخص، وينبغي أن يترك الإنسان الكلام في ستة أشياء: في ذات الله تعالى، وما يتعلق بصفاته، وما يتعلق بأحوال أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وفي التعرض لما جرى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وفي التعرّض لما جرى بين الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وفي التعرّض لأئمة المذاهب، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم، وفي الطعن على صالحي الأمة نفع الله بهم وعلى أرباب المناصب والرتب من أهل زمانه، وأن لا يقصد أذى أحد من خلق الله إلاّ على حسب الدفع عن نفسه، وأن يعذر الناس في مباحثهم وإدراكاتهم، فإن ذلك على حسب عقولهم، وأن يضبط نفسه عن المراء والاستزراء والاستخفاف بأبناء زمانه، وأن لا يبحث إلا مع من اجتمعت فيه شرائط الديانة والفهم والمزاولة لما يبحث، وأن لا يغضب على من لا يفهم مراده ومن لم يدرك ما يدركه، وأن يلتمس مخرجاً لمن ظاهر

стр. 1275

كلامه الفساد، وأن لا يقدم (١) على تخطئة أحد ببادي الرأي، وأن يترك الخوض في علوم الأوائل، وأن يجعل اشتغاله بعلوم الشريعة، وأن لا ينكر على الفقراء، وليسلم لهم أحوالهم، وينبغي للعاقل أن يلزم نفسه التواضع لعبيد الله ، وأني جعل نصب عينيه أنه عاجز مفتقر، وأن لا يتكبر على أحد، وأن يقلّ من الضحك والمزاح والخوض فيما لا يعنيه، وأن يتظاهر لكلٍّ بما يوافقه فيما لا معصية لله تعالى فيه ولا خرم مروءة، وأن يأخذ نفسه باجتناب ما هو قبيح عند الجمهور، وأن لا يظهر الشكوى لأحد من خلق الله تعالى، وأن لا يعرض بذكر أهله، ولا يجري ذكر حرمه بحضرة جليسه، وأن لا يطلع أحداً على عمل خير يعمله لوجه الله تعالى، وأن يأخذ نفسه بحسن المعاملة من حسن اللفظ وجميل التقاضي، وأن لا يركن إلى أحد إلاّ إلى الله تعالى، وأن يكثر من مطالعة التواريخ فإنها تلقح عقلاً جديداً، والله أعلم. انتهت وصية أبي حيان الجامعة النافعة، وقد نقلتها من خط الشيخ العلامة أبي الطيب ابن علوان التونسي المالكي الشهير بالمصري، وهو ممّن أخذ عن تلامذة الشيخ أبي حيان، رحمه الله تعالى. قلت: وبما في هذه الوصية من نهيه عن الطعن في صالحي الأمة نفع الله تعالى بهم وأمره التسليم لأحوالهم وعدم الإنكار عليهم؛ تعلم أن ما نقله الصفدين عنه فيما تقدم من قوله إن الشيخ أبا مدين إلى آخره كلام فيه نظر، لأن أبا حيان رضي الله تعالى عنه لا ينكر كرامات الأولياء، كيف وقد ذكر رحمه الله تعالى منها كثيراً، فمن ذلك ما حكى عنه تلميذه الرعيني بسنده إلى الفقيه المقرئ الصالح أبي تمام غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونه الخزاعي، حدث أنه زار قبر أبي الحسن ابن جالوت، ولم يكن زاره قبل، فاشتبه عليه فتركه، فسمع النداء من قبر معين: يا غالب أتمشي وما زرتني فزار ذلك القبر، وقعد عنده، ثمّ جاء

стр. 1276

ابن أبي الحسن المذكور، فسأله عن القبر، فقال: هو الذي قعدت عنده، وغالب هذا وابن جالوت هما من أصحاب الشيخ أبي جعفر بن سيد بونه الخزاعي، وهو من أصحاب الشيخ أبي مدين، انتهى. فكيف ينكر أبو حيان كرامات الصالحين وهو يوصي على من ينهى عن الطعن فيهم، ويحكي كراماتهم، نعم قول الصفدي قبل ذلك الكلام إنه كان ينكر على فقراء الوقت كلامٌ صحيح في الجملة، لكثرة الدعاوى الباطلة ممّن ليس من أهل الصلاح، وأما إنكار الكرامات مطلقاً فمقام أبي حيان يجل عن إنكارها، والله تعالى أعلم. وقد أورد ابن جماعة له من قطعة قوله في أهل عصره: ومن يك يدّعي منهم صلاحاً فزنديقٌ تغلغل في الضلال وأول هذه القطعة: حلبت الدهر أشطره زماناً وأغناني العيان عن السؤال فما أبصرت من خلٍّ وفيٍّ ولا ألفيت مشكور الخلال ذئابٌ في ثيابٍ قد تبدّت لرائيها بأشكال الرجال ومن يك يدّعي منهم صلاحاً فزنديقٌ تغلغل في الضلال ترى الجهّال تتبعه وترضى مشاركةً بأهلٍ أو بمال فينهب مالهم ويصيب منهم نساءهم بمقبوح الفعال وتأخذ حاله زوراً فيرمي عمامته ويهرب في الرمال ويجرون التيوس وراء رجسٍ تقرمط في العقيدة والمقال أي اعتقدوا رأي القرامطة، ومذهبهم مشهور، فلا نطيل به، فظهر بما ذكر أن أبا حيان إنما أنكر على أهل الدعاوى، لا على غيرهم، والله تعالى أعلم. وقد أورد قاضي القضاة ابن جماعة للشيخ أبي حيان من النظيم غير ما قدمنا ذكره قوله:

стр. 1277

أما إنه لولا ثلاثٌ أحبّها تمنّيت أني لا أعدّ من الأحيا فمنها رجائي أن أفوز بتوبةٍ تكفّر لي ذنباً وتنجح لي سعيا ومنهنّ صوني النفس عن كل جاهلٍ لئيمٍ فلا أمشي إلى بابه مشيا ومنهنّ أخذي بالحديث إذا الورى نسوا سنّة المختار واتّبعوا الرأيا أتترك نصّاً للرسول وتقتدي بشخصٍ لقد بدّلت بالرّشد الغيّا وقوله: سال في الخدّ للحبيب عذارٌ وهو لا شكّ سائلٌ مرحوم وسألت التثامه فتجنّى فأنا اليوم سائلٌ محروم وقوله: أمدّعياً علماً ولست بقارئٍ كتاباً على شيخٍ به يسهل الحزن أتزعم أن الذهن يوضح مشكلاً بلا موضح كلا لقد كذب الذهن وإن الذي تبغيه دون معلّمٍ كموقد مصباحٍ وليس له دهن وقوله عداتي - البيتين قال: وأخذ هذا المعنى من قول الطغرائي: من خصّ بالودّ الصّحاب فإنني أحبو بخالص ودّي الأعداء جعلوا التنافس في المعالي ديدني حتى وطئت بأخمصي الجوزاء ونعوا إليّ مثالبي فحذرتها ونفيت عن أخلاقي الأقذاء ولربما انتفع الفتى بعدوّه كالسّمّ أحياناً يكون دواء ومن نظم أبي حيان: يا منضي الطّرف في ميدان لذته وناضي الطّرف بين الراح والرود

стр. 1278

ستشرب الروح راح الوقت كارهةً ويذهب الجسم بين الترب في الدود وله رحمه الله تعالى قصيدة سمّاها بالمورد العذب في معرضة قصيدة كعب وقصيدة في مدح الإمام الشافعي مطلعها: غذيت بعلم النحو إذ درّ لي ثديا وله رحمه الله تعالى من قصيدة في مدح أم ولده حيّان: جننت بها سوداء لونٍ وناظرٍ ويا طالما كان الجنون بسوداء وجدت بها برد النعيم وإن يكن فؤادي منها في جحيمٍ ولأواء وشاهدت معنى الحسن فيها مجسّداً فأعجب لمعنىً صار جوهر أشياء أطاعنةً من قدّه بمثقفٍ أصبت وما أغنى الفتى لبس حصداء لقد طعنت والقلب ساهٍ فمادرى أبالقد منها أم بصعدة سمراء ثمّ غير البيت الأول، وأنشد: جننت بها سوداء شعرٍ وناظرٍ وسمراء لونٍ تزدري كلّ بيضاء وقال يهنئ، قال ابن جماعة: خاطبني به ارتجالاً عند ولادة ابني عمر بعد بنتين: حبيت بريحانتي روضة وبعدهما جاء نجلٌ أغرّ وسمّيته اسم إمامٍ إذا رآه أبو مرّةٍ منه فرّ ولا عجبٌ منك عبد العزيز إذا كان نجلك يسمى عمر تفرّعتما من إمام الهدى وبدر الدجى ورئيس البشر فلا زال يوضح سبل الهدى ولا زلتما تقفوان الأثر

стр. 1279

وقال: لقد زادني بالناس علماً تجاربي ومن جرّب الأيّام مثلي تعلّما وإنّي وتطلابي من الناس راحةً ... لكالمبتغي (١) وسط الجحيم تنعّما سأزهد حتى لا أرى لي صاحباً وأنجد حتى لا ألاقي متهما قال ابن جماعة: وقال في إملاك علي ابن قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي، وكان جميل الصورة، على أختي شقيقتي فاطمة: هنيئاً بتأليفٍ غريبٍ نظامه لقد حار في أوصافه نظم عارف غدت شمس حسن بنت بدرٍ سيادةً تزفّ لبدرٍ نجل شمس معارف سميّان للزهرا البتول وللرضا عليٍّ ونجلا الأكرمين الغطارف فدام عليٌّ عالي الجدّ سيّداً ولا زال في ظلٍّ من العيش وارف وقال يخاطب شيخه ابن النحاس وقد أغب زيارته: أعين حياتي والذي ببقائه بقائي لقد أصبحت نحوك شيّقا أقمت بقلبي غير أنّ لمقلتي برؤيتك الحظّ الذي يذهب الشقا وما كان ظني انك الدهر تاركي ولو أنني أصبحت بين الورى لقا لطائف معنىً في العيان ولم تكن لتدرك إلاّ بالتزاور واللّقا وقال يخاطب قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي، وقد أعيد إلى منصب القضاء، وكان يتطلّع إليه رجل يدعى نجم الدين: ذوو العلم في الدنيا نجومٌ زواهرٌ وإنك فيها الشمس حقّاً بلا لبس إذ لحت أخفى نوركم كلّ نيرٍ ألم تر أن النجم يخفى مع الشمس

стр. 1280

وقال: لم أؤخّر عمّن أحبّ كتابي لقلىً فيه أو لترك هواه غير أني إذا كتبت كتاباً غلب الدّمع مقلتي فمحاه وقال: تذكّري للبلى في قعر مظلمةٍ أصارني زاهداً في المال والرّتب أنّى أسرّ بحالٍ سوف أسلبها عمّا قريبٍ وأبقى رمّى الترب وقال: أتيت وما أدعى وأقبلت سامعاً فوائد مولى سيدٍ مساجدٍ ندب وأحضر جمعاً أنت فيه جماله أشنّف سمعي منك باللؤلؤ الرّطب وقال: لنا غرامٌ شديدٌ في هوى السّود نختارهنّ على بيض الطّلى الغيد لونٌ به أشرقت أبصارنا وحكى في اللون والعرف نفح المسك والعود لا شيء أحسن من آسٍ تركّبه في آبنوسٍ ولا أشفى لمبرود لا تهو بيضاء لون الجصّ واسم إلى سوداء حسناء لون الأعين السود في جيدها غيدٌ، في قدّها ميدٌ في خدّها صيدٌ، من سادةٍ صيد من آل حامٍ حمت قلبي بنار جوىٍ من هجرها وابتلت عين بتسهيد وقال في عكسه: إذا مال الفتى للسّود يوماً فلا رأيٌ لديه ولا رشاد أتهوى خنفساء كأنّ زفتاً كسا جلداً لها وهو السّواد وما السّوداء إلاّ قدر فرنٍ وكانونٍ وفحمٌ أو مداد

стр. 1281

وما البيضاء إلاّ الشمس لاحت تنير العين منها والفؤاد سبيكة فضةٍ حشيت بوردٍ يلذّ السّهد معها والرقاد وبين البيض والسودان فرقٌ لدى عقلٍ به اتضح المراد وجوه المؤمنين بها ابيضاضٌ ووجه الكافرين به اسوداد وقال رحمه الله تعالى: أعاذل ذرني وانفرادي عن الورى فلست أرى فيهم صديقاً مصافيا نداماي كتبٌ أستفيد علومها أحبّاي تغني عن لقائي الأعاديا وآنسها القرآن فهو الذي به نجاتي إذا فكرت أو كنت تاليا لقد جلت في غرب البلاد وشرقها أنقّب عمّن كان لله داعيا فلم أر إلاّ طالباً لرياسةٍ وجمّاع أموالٍ وشيخاً مرئيا قبضت يدي عنهم وآثرت عزلةً عن الناس واستغنيت بالله كافيا قال العز ابن جماعة: وخاطب والدي وقد أبلّ من ضعف أشيع فيه موته مهنئاً: أدام الإله لك العافيه وصيّر دور العدا عافيه إذا لاح من بدركم نوره فكلّ النجوم به خافيه تخذت كلام الإله الدوا فآياته كانت الشافيه تشوّف ناسٌ لمنصبكم ورتبتهم للعلا نافيه فأين العلوم وأين الحلوم وخلقٌ موارده صافيه هم عصبةٌ لا تنال العلا ولو أنها قد سعت حافيه إذا كان خرقٌ تداركته وليست لما مزّقت رافيه فإن عنّ خطبٌ ثبتّ له وآراؤهم عنده هافيه سجاياك لينٌ ورفقٌ بنا وأخلاقهم كلّها جافيه

стр. 1282

تصلي على سبعةٍ منهم وثامنهم نفسه طافيه يقيمون في تربهم همّداً وتسفي على قبرهم سافيه فلا زلت في صحّةٍ دائماً تجرّ ذيول السنى ضافيه ويوردك الله عين الحياة فتحيا بها مائةً وافيه فإن زاد عشراً فذاك المنى وعشرون أيضاً هي الكافيه وهذه القوافي أتت كمّلاً فلم تبق لي بعدها قافيه وقال رحمه الله تعالى أيضاً: خلق الإنسان فيكبد بوجود الأهل والولد كلّ عضوٍ فيه نافعه غير عضوٍ ضرّ للأبد منتجٌ ذلاًّ وفقد غنىً وفراخاً جمّة العدد من يمت منهم يذقه أسىً أو يعش ألقاه في نكد عاش في أمنٍ فتىً عزبٌ مستريح الفكر والجسد وقال رحمه الله تعالى أيضاً: جنّ غيري بعارضٍ فترجّى أهله أن يفيق عمّا قريب وفؤادي بعارضين مصابٌ فهو داءٌ أعيا دواء الطبيب وقال: سعت حيّةٌ من شعره نحو صدغه وما انفصلت من خدّه، إنّ ذا عجب وأعجب من ذا أنّ سلسال ريقه برودٌ ولكن شبّ في قلبي اللهب وقال: طالع تواريخ من في الدهر قد وجدوا تجد خطوباً تسلّي عنك ما تجد تجد أكابرهم قد جرّعوا غصصاً من الرزايا بها كم فتّتت كبد

стр. 1283

عزلٌ ونهبٌ وضربٌ بالسياط وحب سٌ ثمّ قتلٌ وتشريدٌ لمن ولدوا وغن وقيت بحمد الله شرّتهم فتحمد الله فالعقبى لمن حمدوا وقال رحمه الله تعالى يمدح البخاري وكتابه الصحيح: أسامع أخبار الرسول لك البشرى لقد سدت في الدنيا وقد فزت في الأخرى تشنّف آذاناً بعقد جواهرٍ تودّ الغواني لو تقلّده النحرا جواهر كم حلّت نفوساً نفيسةً فحلّت بها صدراً وحلّت بها قدرا هل الدين إلاّ ما روته أكابرٌ لنا نقلوا الأخبار عن طيبٍ خبرا وأدّوا أحاديث الرسول مصونةً عن الزّيف والتصحيف فاستوجبوا الشكرا وإنّ البخاريّ الإمام لجامعٌ بجامعه منها اليواقيت والدرّا على مفرق الإسلام تاجٌ مرصعٌ أضاء به شمساً ونار به بدرا وبحر علومٍ يلفظ الدرّ لا الحصا فأنفس بها درّاً وأعظم به بحرا تصاينفه نورٌ ونورٌ لناظر فقد أشرقت زهراً وقد أينعت زهرا نحا سنّة المختار ينظم شتّها يلخّصها جمعاً ويخلصها تبرا وكم بذل النفس المصونة جاهداً فجاز لها بحراً وجاب لها برّا فطوراً عراقياً وطوراً يمانياً وطوراً حجازياً وطوراً أتى مصرا إلى أن حوى منها الصحيح صحيفةً فوافى كتاباً قد غدا الآية الكبرى كتابٌ له من شرع أحمد شرعةٌ مطهّرةٌ تعلو السماكين والنسرا قلت: وتتصل روايتي عن الإمام أبي حيّان من طرق عديدة: منها عن عمي وليّ الله العارف به شيخ الإسلام مفتي الأنام الخطيب الإمام ملحق الأحفاد بالأجداد سيدي سعيد بن أحمد المقّري التّلمساني، عن شيخه العالم أي عبد الله التّنسي، عن والده حافظ عصره سيدي محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التّنسي ثمّ التّلمساني الأموي، عن عالم الدنيا أبي عبد الله ان مرزوق، عن جده الرئيس الخطيب سيدي أبي عبد الله محمد بن مرزوق، عن الأثير أبي حيان بكل مروياته:

стр. 1284

فمنها أن أبا حيان قال: حدثنا ابن أبي الأحوص عن قاضي الجماعة أبي القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن ابن أحمد بن بقّي بن مخلد بن يزيد القرطبي عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه الإمام بقّي بن مخلد عن ابي بكر المقدمي عن عمر بن علي وعبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو أن النبي، ﷺ ، مر بمجلسين أحدهما يدعون الله ويدعون إليه، والآخر يتعلمون العلم ويعلمونه، فقال: " كل المجلسين خير، وأحدهما أفضل من الآخر، أما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وأما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأنا بعثت معلماً "، ثم جلس معهم. قال أبو حيان: قلت: لا أعرف حديثاً اجتمعت فيه رواية الأبناء عن الآباء بعدد ما اجتمع في هذا إلاّ ما أخبرنابه أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن بن مامة بقراءتي عليه، أنبأنا أبو المعالي الأبرموي أنبأنا أبو بكر ابن عبد محمد بن سابور القلانسي، أنبأنا أبو المبارك عبد العزيز بن محمد بن مصور الشيرازي، أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، قال: سمعت أبي أبا الفرج عبد الوهاب يقول: سمعت أبي أبا الحسن عبد العزيز يقول: سمعت أبي أبا بكر الحارث يقول: سمعت أبي أسداً يقول: سمعت أبي الليث يقول: سمعت أبي سليمان يقول: سمعت أبي الأسود يقول: سمعت أبي سفيان يقول: سمعت أي يزيد يقول: سمعت أبي أكيمة يقول: سمعت أبي الهشيم يقول: سمعت أبي عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: " ما اجتمع قوم على ذكر إلاّ حفّتهم الملائكة وعمتهم الرحمة "، انتهى. قلت: قال الحافظ ابن حجر في فوائده: ما اجتمع حديث فيه من عدد الآباء أكثر من هذا، انتهى. ورأيت بخط بعض الحفاظ على قول أبي أكيمة ما صورته: صوابه أكينة

стр. 1285

انتهى، فليحرر. ومنها أنّ أبا حيان قال: أنبأنا الأستاذ أبو جعفر الزبير صاحب الصلة، أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الأزدي، أنبأنا عبد الله محمد ابن حسن بن عطية، ح قال أبو حيان: وأنبأنا الأصولي أبو الحسين ابن القاضي أبي عامر ابن ربيع الأشعري، عن أبي الحسن الغافقي، قال: أنبأنا عياض، ح وكتب لنا الخطيب أبو الحجاج يوسف بن أبي ركانة، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن عبد الودود بن سمحون عن عبد الله بن عطية قال هو وعياض: أنبأنا القاضي أبو بكر ابن العربي، أنبأنا أبو محمد هبة الله الأكفاني، أنبأنا الحافظ عبد العزيز الكناني الدمشقي، أنبأنا أبو عصمت نوح ابن الفرغاني، قال: سمعت أبا المظفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن قتٍّ الخزرجي وأبا بكر محمد بن عيسى البخاري قالا: سمعنا أبا ذر عمّار بن محمد بن مخلد التميمي يقول: سمعت أبا المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاري يقول: لما عزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن يزيد الهمداني عن قضاء الري ورد بخارى سنة ٣١٨ لجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل البلعمي، فنزل في جزارنا، فحملني معلمي أبو إسحاق بن إبراهيم الختلي إليه فقال له: أسألك أن تحدث هذا الصبي ما سمعته من مشايخك فقال: ما لي سماع، فقال: وكيف وأنت فقيه فما هذا قال: لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي إلى طلب الحديث ورواية الأخبار وسماعها، فقصدت محمد بن إسماعيل البخاري ببخارى صاحب التاريخ والمنظور إليه في علم الحديث، وأعلمته مرادي، وسألته الإقبال على ذلك، فقال لي: يا بني، لا تدخل في أمر إلاّ بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره، فقلت: عرّفني - رحمك الله تعالى - حدود ما قصدتك له، ومقادير ما سألتك عنه، فقال لي: اعلم أن الرجال لا يصير محدّثاً كاملاً في حديثه إلاّ بعد أن يكتب أربعاً في أربع كأربع مثل أربع في أربع عند أربع بأربع على أربع عن أربع لأربع، وكل هذه الرباعيات لا تتم إلاّ بأربع مع أربع، فإذا تمت له كلها

стр. 1286

هان عليه أربع، وابتلي بأربع، فإذا صبر على ذلك أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع وأثابه في الآخرة بأربع، قلت له: فسّر - رحمك الله تعالى - ما ذكرت من أحوال هذه الرباعيات من قلب صافٍ بشرحٍ كافٍ وبيان شاف طلباً للأجر الواف، فقال: نعم، أما الأربع التي تحتاج إلى كتبها فهي أخبار الرسول، ﷺ ، وشرائعه، والصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ومقاديرهم، والتابعين وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم، مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمانهم، كالتحميد مع الخطب، والدعاء مع التوسّل، والبسملة مع السورة، والتكبير مع الصلوات، مثل المسندات والمرسلات، والموقوفات والمقطوعات، وفي صغره وفي إدراكه، وفي شبابه وفي كهولته، عند فراغه وعند شغله، وعند فقره وعند غناه، بالجبال والبحار، والبلدان والبراري، على الأحجار والأخزاف، والجلود والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق، عمّن هو فوقه وعمّن هو مثله وعمّن هو دونه، وعن كتاب أبيه يتيقّن أنه بخط أبيه دون غيره، لوجه الله تعالى طلباً لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله، ، منها، ونشرها بين طالبيها ومحبيها، والتأليف في إحياء ذكره بعده، ثمّ لا تتم له هذه الأشياء إلاّ بأربع، هي من كسب العبد، أعني معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو، مع أربع هي من إعطاء الله تعالى، أعني القدرة والصحة والحرص والحفظ، فإذا صحت له هذه الأشياء كلّها هان عليه أربع: الأهل، والولد، والمال، والوطن، وابتلي بأربع: بشماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء، فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله جل وعلا في الدنيا بأربع: بعز القناعة، وبهيبة النفس، وبلذّة العلم، وبحياة الأبد، وأثابه في الآخرة بأربع: الشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظل العرش حيث لا ظل إلاّ ظله، وبسقي من أراد من حوض نبيه، ﷺ ، بجوار النبيين في أعلى علّيين في الجنة، فقد أعلمتك يا بني بمجملات جميع ما سمعت من مشايخي متفرقاً في هذا الباب، فأقبل الآن إلى ما قصدتني له أو دع، فهالني

стр. 1287

قوله، فسكتّ متفكراً، وأطرقت متأدباً، فلما رأى ذلك مني قال: وإن لم تطق حمل هذه المشاق كلها فعليك بالفقه، يمكنك تعلمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ لا تحتاج إلى بعد الأسفار، ووطء الديار، وركوب البحار، وهو ذا ثمرة الحديث، وليس ثواب الفقه دون ثواب المحدّث في الآخرة، ولا عزّه بأقلّ من عز المحدث، فلما سمعت ذلك نقض عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه متقدماً، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من علمه بتوفيق الله تعالى ومنته، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه لذا الصبي يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خيرٌ للصبي من ألف حديث يجده عند غيرك، انتهى. وركوب البحار، وهو ذا ثمرة الحديث، وليس ثواب الفقه دون ثواب المحدّث في الآخرة، ولا عزّه بأقلّ من عز المحدث، فلما سمعت ذلك نقض عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه متقدماً، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من علمه بتوفيق الله تعالى ومنته، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه لذا الصبي يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خيرٌ للصبي من ألف حديث يجده عند غيرك، انتهى. وجاء أبو حيان إلى ابن تيميّة والمجلس غاصٌّ فقال يمدحه ارتجالاً: لمّا أتينا تقيّ الدين لاح لنا داعٍ إلى الله فردٌ ما له وزر على محيّاه من سيما الألى صحبوا خير البريّة نورٌ دونه القمر حبرٌ تسربل منه دهره حبراً بحرٌ تقاذف من أمواجه الدّرر قام ابن تيميّةٍ في نصر شرعتنا مقام سيد تيمٍ إذ عصت مضر فأظهر الحقّ إذ آثاره درست وأخمد الشرّ إّ طارت له الشرر كنا نحدّث عن حبرٍ يجيء فها أنت الإمام الذي قد كان ينتظر ثمّ انحرف أبو حيان فيما بعد عن ابن تيمية، ومات وهو على انحرافه، ولذلك أسباب: منها أنه قال له يوماً: كذا قال سيبويه، فقال: يكذب سيبويه، فانحرف عنه، رحم الله تعالى الجميع. وحضرا لشيخ أبو حيان مع ابن بنت الأعز في الروضة فكتب إلى أبي حيان ووجّهه مع بعض غلمانه: حيّيت أثير الدين شيخ الأدبا أقضي له حقّاً كما قد وجبا حييت فتىً يطاق آسٍ نضرٍ كالقدّ بدا ملئت منه طربا

стр. 1288

قال: فأنشدته: أهدى لنا غصناً من ناضر الآس أقضى القضاة حليف الجود والباس لمّا رأى سقمي أهداه مع رشإ حلو التثني فكان الشافي الآسي ولما أنشد الشيخ أبو حيان قول نور الدين القصري في روضة مصر: ذات وجهين فيهما قسم الحس ن فأضحت بها القلوب تهيم ذا يلي مصر فهو مصرٌ وهذا يتولّى وسيم فهو وسيم قد أعادت التصابي صباها وأبادت فيها الغموم الغيوم زاد فيها بيتاً، وهو: فبلجّ البحار يسبح نونٌ وبفجّ القفار يسفح ريم قال أبو حيان: وكنت ماشياً بين القصرين مع ابن النحاس، فعبر علينا صبي يدعى بجمال، وكان مصارعاً، فقال البهاء: لينظم كل منا فيه، ثمّ قال: مصارعٌ تصرع الآساد شمرته تيهاً فكلّ مليحٍ دونه سمج لما غدا راجحاً في الحسن قلت لهم عن حسنه حدثوا عنه ولا حرج فنظمت أنا: سباني جمالٌ من مليحٍ مصارعٍ عليه دليلٌ للملاحة واضح لئن عزّ منه المثل فالكلّ دونه وإن خفّ منه الخصر فالرّدف راجح وسمع العزازي نظمنا فقال، وأنشدنيه: هل حكمٌ ينصفني في هوى مصارعٍ يصرع أسد الشرى مذ فرّ عنّي الصبر فيحبّه حكى عليه مدمعي ما جرى

стр. 1289

أباح قتلي في الهوى عامداً وقال كم لي عاشق في الورى رميته في أسر حبّي ومن أجفان عينيه أخذت الكرى وقال لسان الدين في الإحاطة: كان أثير الدين أبو حيان نسيج وحده في ثقوب الذهن، وصحة الإدراك، والاضطلاع بعلم العربية والتفسير وطريق الرواية، إمام النحاة في زمانه غير مدافع، نشأ في بلده غرناطة مشاراً إليه في التبريز بميدان الإدراك، وتغبير السوابق في مضمار التحصيل، ونالته نبوة لحق بسببها بالمشرق، واستقر بمصر، فنال بها ما شاء من عز وشهرة وتأثلٍ وافر وحظوة، وأضحى لمن حل بساحته من المغاربة ملجأ وعدّة، وكان شديد البسط مهيباً جهوريّاً، مع الدّعابة والغزل وطرح اتّسمّت، شاعراً، مكثراً، مليح الحديث، لا يمل وإن أطال، وأسنّ جدّاً فانتفع به، قال لي بعض أصحابنا: دخلت عليه وهو يتوضأ، وقد استقر على إحدى رجليه لغسل الأخرى كما تفعل البرك والإوز، فقال لي: لو كنت اليوم جار شلّير ما تركني لهذا العمل في هذا السن، ثمّ قال لي بعد كلام حدثنا عنه الجملة الكثيرة من أصحابنا كالحاج أبي يزيد خالد بن عيسى والمقري الخطيب أبي جعفر الشّقوري والشريف أبي عبد الله ابن راجح وشيخنا الخطيب أبي عبد الله ابن مرزوق قال: حدّثنا شيخنا أبو حيان في الجملة سنة ٧٣٥ بالمدرسة الصالحية بين القصرين بمنزله، حدّثنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير سماعاً من لفظه وكتبه من خطه بغرناطة، عن الكاتب أبي إسحاق ابن عامر الهمداني الطّوسي - بفتح الطاء - حدّثنا أبو عبد الله ابن محمد العنسي القرطبي، وهو آخر من حدّث عنه، أنبأنا عبد الله محمد الحافظ الجيّاني، أنبأنا حكم بن محمد، أنبأنا أبو بكر ابن المهندس، أنبأنا عبد الله بن محمد، أنبأنا طالوت بن عباد بن نصال بن جعفر، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول " اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة، إذا حدّث أحدكم فر يكذب، وإذا ائتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف

стр. 1290

غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم ". ثمّ قال ابن الخطيب: إن أبا حيان حملته حدّة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبي جعفر الطباع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه ابن الزبير الوحشة، فنال منه، وتصدّى للتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته، فرفع أمره للسلطان، فامتعض له، ونفذ الأمر بتنكيله، فاختفى، ثمّ أجاز البحر مختفياً، ولحق بالمشرق يلتفت خلفه. ثمّ قال: وشعره كثير يتصف بالإجادة وضدها، فمن مطوّلاته قوله: تعذلاه فما ذو الحبّ معذول العقل مختبلٌ والقلب متبول هزّت له أسمراً من خوط قامتها فما انثنى الصبّ إلا وهو مقتول جملة فصّل الحسن البديع لها فكم لها جملٌ منه تفصيل فالنحر مرمرةٌ، والنشر عنبرةٌ، والثغر جوهرةٌ، والريق معسول والطرف ذو غنج، والعرف ذو أرجِ، والخصر مختطفٌ، والمتن مجدول هيفاء ينطق في الخصر الوشاح لها درماء تخرس في الساق الخلاخيل من اللواتي غذاهنّ النعيم فما يشقين، آباؤها الصّيد البهاليل إلى أن قال: وقوله: نورٌ بخدّك أم توقّج نار وضنىً بجفنك أم فتور عقار وشذاً بريقك أن تأرّج مسكةٍ وسناً بثغرك أم شعاع دراري جمعت معاني الحسن فيك فقد غدت قيد القلوب وفتنة الأبصار متصاونٌ خفراً إذا ناطقته أغضى حياءً في سكون وقار فيوجهه زهرات روضٍ تجتلى من نرجسٍ مع وردةٍ وبهار خاف اقتطاف الورد من وجناتها فأدار من آسٍ سياج عذار وتسلّلت نمل العذار بخدّه ليردن شهدة ريقه المعطار وبخدّه نارٌ حمته وردها فوقفن بين الورد والإصدار

стр. 1291

كم ذا أداري فيهواه محبّتي ولقد وشى بي فيه فرط أواري وقال ابن رشيد: حدثنا أبو حيان قال: حدثنا التاجر أبو عبد الله التبرجوني بمدينة عيذاب من بلاد السودان، وبرجونة قرية من قرى دار السلام، قال: كنت بجامع لولم من بلاد الهند ومعنا رجل مغربي اسمه يونس، فقال لي: اذكر لنا شيئاً، فقلت له: قال علي، رضي الله تعالى عنه: إذا وضع الإحسان في الكريم أثمر خيراً، وإذا وضع في اللئيم أثمر شرّاً، كالغيث يقع في الأصداف فيثمر الدر، ويقع في فيم الأفاعي فيثمر السم، فما راعنا إلاّ يونس المغربي قد أنشد لنفسه: صنائع المعروف إن أودعت عند كريمٍ زكّت النّعما وإن تكن عند لئيمٍ غدت مكفورةً موجبةً إثما كالغيث في الأصداف درٌّ، وفي فم الأفاعي يثمر السّمّا قال أبو حيان: فلما سمعت هذه الأبيات نظمت معناها في بيتين، وهما: إذا وضع الإحسان في الخبّ لم يفد سوى كفره، والحرّ يجزي به شكرا كغيثٍ سقى أفعى فجاءت بسمّها وصاحب أصدافاً فأثمرت الدّرّا قال أبو حيان: وأنشدنا الأمير بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن سيف الدولة أبي المعالي ابن رمّاح الهمداني لنفسه بالقاهرة: فلا تعجب لحسن المدح منّي صفتك أظهرت حكم البوادي وقد تبدي لك المرآة شخصاً ويسمعك الصدى ما قد تنادي وبعد كتبي ما نقله ابن رشيد عن أبي حيان رأيت لبعضهم أن أبا حيان هذا الذي ذكره ابن رشيد ليس هو أبا حيان النحوي الأندلسي، وإنما هو شخص

стр. 1292

آخر، وفيه عندي نظر لا يخفى، والذي أعتقده ولا أرتاب فيه أنه أبو حيان النحوي. وقال ابن رشيد: وأنشدني أبو حيان لنفسه: إذا غاب عن عيني أقول سلوته وإن لاح حال اللون فاضطرب القلب يهيّجني عيناه والمبسم الذي به المسك منظومٌ به اللؤلؤ الرطب وقال الشريف ابن راجح: رايت أن ما وضعه الشيخ أبو حيان في تقدّم لسان الأتراك تضييع لعمره، وقلت: نفائس الأعمار أنفقتها أنا وأمثالي على غير شي شيوخ سوءٍ ليس يرضى بما ترضى به من المخازي صبي ومن نظم أبي حيان قوله: إنّ علماً تعبت فيه زماني باذلاً فيه طارفي وتلادي لجديرٌ بأن يكون عزيزاً ومصوناً إلاّ على الأجواد وقوله: وما لك والإتعاب نفساً شريفةً وتكليفها في الدهر ما ليس يعذب أرحها فعن قربٍ تلاقي حمامها فتنعم في دار البقا أو تعذّب واستشكل هذان البيتان بأن ظاهرهما خلاف الشرع، وأجيب بأن مراده أمر الرزق، لا أمر التكليف. وأفاد غير واحد أن سبب رحلة الشيخ أبي حيان عن الأندلس أنه نشأ شر بينه وبين شيخه أحمد بن علي بن الطباع فألف أبو حيان كتاباً سمّاه الإلماع في إفساد إجازة ابن الطباع فرفع ابن الطباع أمره للأمير محمد بن نصر المدعو بالفقيه، وكان أبو حيان كثير الاعتراض عليه أيام قراءته عليه، فنشأ شر عن

стр. 1293

ذلك، وذكر أبو حيان أنه لم يقم بفاس إلاّ ثلاثة أيام، وأدرك فيها أبا القاسم الزياتي، وخرج أبو حيان من الأندلس سنة تسع وسبعين وستمائة. وكان جماعة من أعلام الأندلس رحلوا منها، فلما وصلوا إلى العدوة أقاموا بها، ولم يذهبوا إلى البلاد الشرقية: ٢١٧ - منهم الشيخ النحوي الناظم الناثر أبو الحسن حازم بن محمد القرطاجني (١) ، وهو القائل يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله صاحب تونس (٢) : أمن بارقٍ أورى بجنح الدّجى سقطا تذكرت منحلّ الأجارع فالسّقطا وبان ولكن لم يبن عنك ذكره وشطّ ولكن طيفه عنك ما شطّا حبيب لو أن البدر جاراه في مدىً من الحسن لاستدنى مدى البدر واستبطا إذا انتجعت مرعاً خصيباً ركابه غدا لحظ عيني يشتكي الجدب والقحطا لقد أسرعت عني المطيّ بشادنٍ تسرّع في قتل النفوس وما أبطا ظننت الفلا دار ابن ذي يزنٍ بها وخلت المحاريب الهوادج والغبطا فكم دميةٍ للحسن فيها وصورةٍ تروق وتمثالٍ من الحسن قد خطا حمائل لاحت كالخمائل بهجةً سقيط الحيا فيهنّ لا يسأم السقطا توسّد غزلان الأوانس والمها به لوشي والديباج لا السّدر والأرطى ولم يسب قلبي غير أبهرها سناً وأطولها جيداً وأخفقها قرطا أيا أربّة الأحداج سيري فتعلمي ... وما بك جهلٌ، أنّ سهمك ما أخطا

стр. 1294

قفي تستبيني ما بعينيك من ضنىً كجسمي وعنوان الهوى فيه مختطّا فلم أر أعدى منك لحظاً وناظراً لقلبي ولا أعدى عليه ولا أسطى سقى الله عيشاً قد سقانا من الهوى كؤوساً بمعسول اللّمى خلطت خلطا وكم جنّةٍ قد ردت في ظلّ كافرٍ فلم أجز ما أولاه كفراً ولا غمطا وكم ليلةٍ قاسيتها نابغيةٍّ إلى أن بدت شيباً ذوائبها شمطا وبتّ أظنّ الشّهب مثلي لها هوىً وأغبطها في طول ألفتها غبطا على أنها مثلي عزيزة مطلبٍ ومن ذا الذي ما شاء من دهره يعطى كأنّ الثريّا كاعبٌ أزمعت نوىً وأمّت بأقصى الغرب منزلةً شحطا كأنّ نجوم الهقعة الزّهر هودجٌ لها عن ذرا الحرف المناخة قد حطّا كأنّ رشاء الدلو رشوة خاطبٍ لها جعل الأشراط في مهرها شرطا كأنّ السّها قد دقّ من فرط شوقه إليها كما قد دقّق الكاتب النّقطا كأنّ سهيلاً إذ تناءت وأنجدت غدا يائساً منها فأتهم وانحطّا كأنذ خفوق القلب قلب متيّمٍ تعدّى عليه الدّهر في البين واشتطّا كأنّ كلا النسرين قد ريع إذ رأى هلال الدّجى يهوي له مخلباً سلطا كأنّ الذي ضمّ القوادم منهما هوى واقعاً للأرض أو قص أو قطّا كأنّ أخاه رام فوتاً أمامه فلم يعج أن مدّ الجناح وأن مطّا كأنّ بياض الصبح معصم غادةٍ جنت يدها أزهار زهر الدجى لقطا كأنّ ضياء الشمس وجه إمامنا إذا ازداد بشراً في الوغى وإذا أعطى محمدٌ الهادي الي أنطق الورى ثناءً بما أسدى إليهم وما أنطى إمامٌ غدا شمس المعالي وبدرها وقد أصبحت زهر النجوم له رهطا جميل المحيّا مجملٌ طيب ذكره يعاطى سروراً كالحميّا ويستعطى إذا ما الزمان الجعد أبدى تجهّماً (١) ... أرانا الحياء الطّلق والخلق السّبطا

стр. 1295

كلا أبوي حفصٍ نماه إلى العلا فأصبح عن مرقاته النجم منحطّا بسيماه تدري أنّ كعباً جدوده وإن هو لم يذكر رزاحاً ولا قرطا إذا قبض الروع الوجوه فوجهه يزيد، لكون النصر نصلاً، له بسطا به تترك الأبطال صرعى لدى الوغى كأن قد سقوا من خمر بابل إسفنطا تراه إذا يعطي الرغائب باسماً له جذلٌ يربي على جذل المعطى وكم عنقٍ قد قلّدت بنواله ... فريداً وقد كانت قلادتها لطّا (١) متى ما تقس جود الكرام بجوده ... فبالبحر قايست الوقيعة والوقطا (٢) يشفّ له عن كلّ غيبٍ حجابه ... فتحسبه دون المحجّب ما لطّا (٣) تطيع الليالي أمره في عصاته ... وتردي أعاديه أساودها نشطا (٤) وتمضي عليهم سيفه وسنانه فتبري الكلاى طعناً وتفري الطّلى قطّا فكيف ترجّت غرةً منه فرقةٌ غدا عزّها ذلاًّ ورفعتها هبطا وكم بالنّهى والحلم غطّى عليهم إلى أن جنوا ذنباً على العلم قد غطّى فأمطاهم دهم الحديد وطالما أنالهم دهم الجياد وما أمطى ورم لهم هدياً ولكنهم أبوا بغيّهم إلاّ الضلالة والخبطا وكان لهم يبغي المثوبة والرضى ولكن أبوا إلاّ العقوبة والسّخطا ولو قوبلت بالشكر منه مآربٌ ... لما اعتاض منها أهلها (٥) الأثل والخمطا هو الناصر المنصور والملك الذي أعاد شباب الدهر من بعد ما اشمطّا أصاخت له الأيّام سمعاً وطاعةً وأحكمت الدنيا له عهدها ربطا فلا بدّ من أن يملك الأرض كلّها وأن تملأ الدّنيا إيالته قسطا

стр. 1296

ويغزو في آفاق أندلس العدا بجيش تخطّ الأرض ذبّله خطّا وكلّ جوادٍ خفّ سنبكه فما ... يمسّ الثرى إلاّ مخالسةً فرطا (١) يؤمّ بها الأعداء ملكٌ أمامه من الرّعب جيشٌ يسع السير إن أبطا ويرمي جبال الفتح من شطّ سبتةٍ بها فتوافي سبّقاً ذلك الشطّا بحيث التقى بالخضر موسى، وطارقٌ وموسى به رحلاً لغزو العدا حطّا وسعيك ينسي ذكر سعيهما به ويوسع سعي المشركين به حبطا ويوقع في الأعداء أعظم وقعةٍ بها تملأ الأسماع طير الملا لغطا تجاوب سحم الطير فيه وشهبها كما راطن الزنج النبيط أو القبطا وتنكر فيها الجوّ والأرض أعينٌ ترى الجوّ ناراً والصعيد دماً عبطا فتخضب منهم من أشابت بخوفها نصولٌ ترى منها بفود الدّجى وخطا ويحسم أدواء العدا كلّ صارمٍ (٢) ... حسامٍ إذا لاقى الطّلى حدّه قطّا وكلّ كميٍّ كلما خطّ صفحةً بسيفٍ غدا بالرمح ينقط ما خطّا شجاع إذا التفّ الرماحان مثل ما ... تقلقل (٣) في أسنان مشطٍ يدٌ مشطا إذا ما رجت منه أعاديه غرّةً رأت دون ما ترجو القتادة والخرطا فيجدع آناف العداة بسيفه ... وينشقها بالرمح ريح الردى سعطا (٤) يبيد الأعادي سطوةً ومكيدةً فيحكي الأسود الغلب والأذؤب المعطا سرى في طلاب المعلوات فلم يزل يمدّ يداً مبسوطةً وندى بسطا ولو نازعت يمناه جذباً شماله لبوساً من الماذيّ لانعقّ وانعطّا يصول بخطّيٍّ لكلّ مرشّةٍ به أثرٌ يعزوه للحية الرّقطا قناً (٥) تبصر الآكام فرعاً كواسياً ... بهنّ وقد أبصرن عاريةً مرطا

стр. 1297

إذا نسبت للخطّ أو لردينةٍ نسبن إلى العلينا ردينة والخطّا كماةٌ حماةٌ ما يزال إلى الوغى حنينٌ لهم ما حنّ نضوٌ وما أطّا عليهم نسيح السابغات كأنها جلودٌ عن الحيّات قد كشطت كشطا إذا لمعٌ للشمس لاحت عليهم رأيت صلالاً ألبست حللاً رقطا ترجرج كالزاروق (١) ليناً ومثله ... ترى نقطةً من بعد ما طرحت خطّا جيوش إذا غطى البلاد عبابها وأمواجها غطّت نفوس العدا غطّا فكم قد حكت في حصر حصن ومعقلّ ... وشاحاً على خصرٍ فآسفنه (٢) ضغطا وخيل كأمثال النّعام تخالها لإفراط لوك اللّجم تبغي لها سرطا تخيّلها فتخاً إذا ارتفعت وإن سبحن بماء خلتها خفّةً بطّا فينعقّ منها مرط كلّ عجاجةٍ موازع لا يسأمن مرّاً ولا مرطا وكم خالطت سمر الرماح وأوردت مياهاً غدت حمر الدماء لها خلطا يجمّونها ليل السّرى فإذا دعوا نزال امتطوا منهنّ أشرف ما يمطى فكم جنبوها خلف معتادة السّرى عوارف لم تسمع لها أذنٌ نحطا وقد وسمت أعناقهن أزمّةٌ ... بطول السّرى حتى تظن لها علطا (٣) إذا أوقدت ناراً بقذف الحصا حكت وبحر الدجى طامٍ سفيناً رمت نفطا وألقحتهم (٤) عقم المنى عن حيالها ... فما ولدت عقماً ولا نتجت سقطا وصيرهم (٥) في عقلةٍ سارح العدا ... وسرحتم الآمال من عقلها نشطا ومن كان يشكو سطوة الدهر قد غدا بعدلك لا يعدى عليه ولا يسطى

стр. 1298

ففي كلّ حالٍ تؤثر القسط جارياً على السنن التّقوى وتجتنب القسطا فبوركت سبطاً جدّه عمر الرضى وبورك من جدٍّ غدوت له سبطا تلوت الإمام العدل (١) يحيى فلم تزل ... تزيد أمور الخلق من بعده ضبطا فزتم وضوحاً بعده واستقامةً وتوطئةً نهج السبيل الذي وطّا وما كان أبقى غايةً غير أنه حبيت بما لم يحب خلقٌ ولم يعطا إذا درر الأملاك (٢) في الفخر نظّمت ... على نسقٍ عقداً فدولتك الوسطى وله أيضاً (٣) فيه: في كلّ أفقٍ من كل صباح دجاكم نورٌ جلا خيط الظلام بخيطه راقت محاسن مجدكم فبهرن ما كسيته من حبر المديح وريطه وله - رحمه الله تعالى - عدة تآليف، وولد سنة ٦٠٨، وتوفي ليلة السبت ٢٤ رمضان سنة أربع وثمانين وستمائة بتونس، وممّن أخذ عنه الحافظ ابن رشيد الفهري، وذكره في رحلته وأثنى عليه، كما أثنى عليه العبدري في رحلته، فقال: حازم، وما أدراك ما حازم، وقد عرّفت به في أزهار الرياض ممّا يغني عن الإعادة، وكان هو والحافظ أبو عبد الله ابن الأبار فرسي رهان، غير أن ابن الأبار كان أكثر منه رواية. ٢١٨ - وهو الإمام الحافظ الكاتب الناظم الناثر المؤلف الراوية أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر ابن عبد الله بن أبي بكر، القضاعي، الأندلسي، البلنسي (٤) ، كتب ببلنسية عن السيد أبي عبد الله ابن السيد أبي حفص ابن أمير

стр. 1299

المؤمنين عبد المؤمن بن علي، ثم عن ابنه السيد أبي زيد، ثم كتب عن الأمير ابن مردنيش، ولما نازل الطاغية بلنسية بعثه الأمير زيان بن مردنيش مع وفد أهل بلنسية بالبيعة للسلطان أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص وفي ضمن ذلك استصرخه لدفع عادية العدو، فأنشد السلطان قصيدته السينية التي مطلعها: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إنّ السبيل إلى منجاتها درسا وقد ذكرناها في غير هذا الموضع، ثم لما كان من أمر بلنسية ما كان رجع بأهله إلى تونس غبطة بإقبال السلطان عليه، فنزل منه بخير مكان، ورشّحه لكتب علامته في صدور مكاتباته، فكتبها مدة، ثم أراد السلطان صرفها لأبي العباس الغساني لكونه يحسن كتابتها، فكتبها مدة بالخط المشرقي، وكان آثر عند السلطان من المغربي، فسخط ابن الأبار أنفةً من إيثار غيره عليه، وافتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه، لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه، وأن يبقى موضع العلامة منه لكاتبها، فجاهر بالرد، ووضعا استبداداً وأنفة، وعوتب على ذلك، فاستشاط غضباً، ورمى بالقلم، وأنشد متمثلاً: اطلب العزّ في لظىً وذر الذ لّ ولو كان في جنان الخلود فنمي ذلك إلى السلطان، فأمر بلزومه بيته، ثم استعتب السلطان بتأليفٍ رفعه إليه عد فيه من عوتب من الكتّاب، وأعتبه، وسماه إعتاب الكتّاب، واستشفع فيه بابنه المستنصر، فغفر السلطان له، وأقال عثرته، وأعاده إلى الكتابة، ولما توفي السلطان رفعه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضور مجلسه، ثم حصلت له أمور معه كان آخرها أنه تقبض عليه، وبعث إلى داره، فرفعت إليه كتبه أجمع، وألفى أثناءها، فيما زعموا، رقعةً بأبيات أولها:

стр. 1300

طغى بتونس خلفٌ سمّوه ظلماً خليفه فاستشاط السلطان لها، وأمر بامتحانه، ثمّ بقتله، فقتل قعصاً بالرماح وسط محرّم سنة ٦٥٨، ثمّ أحرق شلوه، سيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه، وكان مولده ببلنسية سنة ٥٩٥. وقال في حقه ابن سعيد في " المغرب " ما ملخصه (١) : حامل راية الإحسان، المشار إليه في هذا الأوان، ومن شعره قوله يصف الياسمين (٢) : حديقة ياسمينٍ لا تهيم بغيرها الحدق إذا جفن الغمام بكى تبسّم ثغرها اليقق فأطراف الأهلّة سا ل في أثنائها الشّفق وكتب إلى الوزير أبي عبد الله ابن أبي الحسين ابن سعيد يستدعي منه منثوراً (٣) : لك الخير أتحفني بخيريّ روضةٍ لأنفاسه عند الهجوم هبوب أليس أديب الروض يجعل ليله نهاراً فيذكو تحته ويطيب ويطوى مع الإصباح منشور نشره كما بان عن ربع المحبّ حبيب أهيم به عن نسبةٍ أدبيّةٍ ولا غرو أن يهوى الأديب أديب وقوله في الخسوف (٤) : نظرت إلى البدر عند الخسوف وقد شين منظره الأزين كما سفرت صفحةٌ للحبي ب يحجبها برقعٌ أدكن
следующие страницы →