فلله الحمد إذ حباني بلطفٍ عنده قلّ كلّ شكرٍ وحمد
وافتتح مخاطبته لأخيه الأكبر أي إسحاق إبراهيم بقصيدة أولها (١) :
ذكر اللّوى شوقاً إلى أقماره فقضى أسىً أو كاد من تذكاره
وعلا زفير حريق نار ضلوعه فرمى على وجناته بشراره
يا عاذليه أقصروا فلشدّما (٢) ... أفضى عتابكم إلى إضراره إن لم تعينوه على برجائه لا تنكروا بالله خلع عذاره
ما كان أكتمه لأسرار الهوى لو أنّ جند الصّبر من أنصاره
ما ذنبه والبين قطّع قلبه أسفاً وأذكى النار في أعشاره
بخل اللّوى بالساكنيه وطيفهم وحديثه ونسيمه ومزاره
يا برق خذ دمعي وعرّج باللوى فاسفحه في باناته وعراره
وإذا لقيت بها الذي بإخائه ألقى خطوب الدهر أو بجواره
فاقر السلام عليه قدر محبتي فيه وترفيعي إلى مقداره
والمم بسائر إخوتي وقرابتي من لم أكن لجوارهم بالكاره
ما منهم إلاّ أخٌ أو سيدٌ أبداً أرى دأبي على إكباره
فابثث لذاك الحيّ أنّ أخاهم في حفظ عهدهم على استبصاره
وقال رحمه الله تعالى في غرض كلفه سلطانه القول فيه (٣) :
ألا واصل مواصلة العقار ودع عنك التخلّق بالوقار
стр. 1332
وقم واخلع عذارك في غزالٍ يحقّ لمثله خلع العذار
قضيبٌ مائسٌ من فوق دعصٍ تعمّم بالدجى فوق النّهار
ولاح بخدّه ألفٌ ولامٌ فصار معرّفاً بين الدراري
رماني قاسمٌ والسين صادٌ بأشفارٍ تنوب عن الشّفار
وقد قسمت محاسن وجنتيه على ضدين من ماء ونار
فذاك الماء من دمعي عليه وتلك النار من فرط استعاري
عجبت له أقام بربع قلبي على ما شبّ فيه من الأوار
ألفت الحبّ حتى صار طبعاً فما أحتاج فيه إلى ادّكار
فما لي عن مذاهبه ذهابٌ وهذا فيه أشعاري شعاري
وقال العلامة ابن رشيد في " ملء العيبة " (١) : لما قدمنا المدينة سنة ٦٨٤ كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله ابن أبي القاسم ابن الحكيم، وكان أرمد، فلمّا دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا عن الكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتساباً لتلك الآثار، وإعظاماً لمن حل تلك الديار، فأحسّ بالشفاء، فأنشد لنفسه في وصف الحال قوله:
ولمّا رأينا من ربوع حبيبنا بيثرب أعلاماً أثرن لنا الحبّا
وبالترب منها إذ كحلنا جفوننا شفينا فلا بأساً تخاف ولا كربا
وحين تبدّى للعيون جمالها ومن بعدها عنّا أديلت لنا قربا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً لمن حلّ فيها أن نلمّ به ركبا
نسحّ سجال الدمع في عرصاتها ونلثم من حبٍّ لواطئه التربا
وإنّ بقائي دونه لخسارةٌ ولو أن كفّي تملأ الشرق والغربا
فيا عجبا ممّن يحبّ بزعمه يقيم مع الدعوى ويستعمل الكتبا
стр. 1333
وزلاّت مثلي لا تعدّد كثرةً وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا
انتهى.
وخط الوزير ابن الحكيم في غاية الحسن، وقد رأيته مراراً، وملكت بعض كتبه، ونثره - رحمه الله تعالى - أعلى من شعره كما نبّه عليه لسان الدين في الإحاطة.
ومن نثره في رسالة طويلة كتبها عن سلطانه، ما صورته (١) : وقد تقرر عند الخاص والعام، من أهل الإسلام، واشتهر في آفاق الأقطار، اشتهار الصباح في سواد الظلام، أنّا لم نزل نبذل جهدنا في أن تكون كلمة الله هي العليا، ونسمح في ذلك بالنفوس والأموال رجاء ثواب الله لا لعرض الدنيا، وأنّا ما قصرنا في الاستنفار والاستنصار (٢) ، ولا أقصرنا عن الاعتضاد بكل من أملنا معاملته والاستظهار (٣) ، ولا اكتفينا بمطوّلات الرسائل وبنات الأفكار، حتى اقتحمنا بنفسنا لجج البحار، فسمحنا بالطارف من أموالنا والتّلاد، وأعطينا رجاء نصرة الإسلام موفور الأموال والبلاد، واشترينا بما أنعم الله به علينا ما فرض الله على كافة أهل الإسلام من الجهاد، فلم يكن بين تلبية المدعوّ وزهده، ولا بين قبوله وردّه إلا كما يحسو الطائر ماء الثماد، ويأبى الله أن يكل نصرة الإسلام بهذه الجزيرة إلى سواه، ولا يجعل فيها شيئاً (٤) إلا لمن أخلص لوجهه الكريم علانيته ونجواه، ولمّا أسلم الإسلام بهذه الجزيرة الغريبة إلى مناويه، وبقي المسلمون يتوقّعون حادثاً ساءت ظنونهم لمباديه (٥) ، ألقينا
стр. 1334
إلى الثقة بالله تعالى يد الاستسلام، وشمّرنا عن ساعد الجدّ (١) في جهاد عبدة الأصنام، وأخذنا بمقتضى قوله تعالى: " وأنفقوا في سبيل الله " أخذ الاعتزام، فأمدّنا الله تعالى في ذلك بتوالي البشائر، ونصرنا بألطاف أغنى فيها خلوص الضمائر عن قود العساكر، ونفلنا على أيدي قوّادنا ورجالنا من السّبايا والغنائم ما غدا ذكره في الآفاق كالمثل السائر " وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها " وكيف يحصيها المحصي أو يحصرها الحاصر، وحين أبدت لنا العناية الربانية وجوه الفتح سافرة المحيا، وانتشقنا نسائم النصر (٢) الممنوح عبقة الرّيّا، استخرنا الله تعالى في الغزو بنفسنا (٣) ونعم المستخار، وكتبنا بما قد علمتم (٤) إلى ما قرب من أعمالنا بالحضّ على الجهاد والاستنفار، وحين وافى من خفّ للجهاد من الأجناد والمطّوعين، وغدوا بحكم رغبتهم في الثواب على طاعة الله مجتمعين، خرجنا بهم ونصر الله تعالى أهدى دليل، وعناية الله تعالى بهذه الفئة المفردة من المسلمين تقضي بتقريب البعيد من آمالنا وتكثير القليل، ونحن نسأل الله تعالى أن يحملنا على جادّة الرضى والقبول، وأن يرشدنا إلى طريق تفضي إلى بلوغ الأمنية والمأمول.
وهذه رسالة طويلة سقنا بعضها كالعنوان لسائرها.
ونال ابن الحكيم - رحمه الله تعالى - من الرياسة والتحكّم في الدولة ما صار كالمثل السائر، وخدمته العلماء الأكابر (٥) ، كابن خميس وغيره، وأفاض عليهم سجال خيره، ثم ردت الأيام منه ما وهبت، وانقضت أيامه كأن لم تكن وذهبت، وقتل يوم خلع سلطانه، ومثّل به سنة ٧٠٨، رحمه الله تعالى،
стр. 1335
وانتهب من أمواله وكتبه وتحفه ما لا يعلم قدره إلاّ الله تعالى، أثابه الله تعالى بهذه الشهادة بجاه نبينا محمد ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم.
٢٤٥ - ومن المرتحلين من الأندلس إلى المشرق الحافظ نجيب الدين أبو محمد عبد العزيز ابن الأمير القائد أبي علي الحسن بن عبد العزيز بن هلال، اللخمي، الأندلسي، ولد سنة ٥٧٧ تقريباً، ورحل فسمع بمكّة من زاهر بن رستم، ببغداد من أبي بكر أحمد بن سكينة وابن طبرزد وطائفة، وبواسط من أبي الفتح ابن المنداني، وبأصبهان من عين الشمس الثقفية وجماعة، وبخراسان من المؤيّد الطوسي وأبي روح وأصحاب الفراوي وهذه الطبقة، وخطّه مليح مغربي في غاية الدقة. وكان كثير الأسفار، ديّناً متصوفاً كبير القدر، قال الضياء في حقّه: رفيقنا وصديقنا، توفي بالبصرة عاشر رمضان سنة ٦١٧، ودفن إلى جانب قبر سهل التّستري رضي الله تعالى عنه، وما رأينا من أهل المغرب مثله، قال ابن نقطة: كان ثقة فاضلاً، صاحب حديث وسنّة كريم الأخلاق، وقال مفضل القرشي: كان كثير المروءة غزير الإنسانية، وقال ابن الحاجب: كان كيّس الأخلاق، محبوب الصورة، لين الكلام، كريم النفس، حلو الشمائل، محسناً إلى أهل العلم بماله وجاهه، وقيل: إنّه أوصى بكتبه للشرف المرسي، رحمه الله تعالى.
٢٤٦ - ومنهم محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد، أبو بكر ابن العربي الإشبيلي (١) ، حفيد القاضي الحافظ الكبير أبي بكر ابن العربي، قرأ لنافع على قاسم ابن محمد الزقاق صاحب شريح، وحج فسمع من السّلفي وغيره، ثم رحل بعد نيّف وعشرين سنة إلى الشام والعراق، وأخذ عن عبد الوهاب بن سكينة وطبقته، ورجع فأخذوا عنه بقرطبة وإشبيلية، ثم سافر سنة ٦١٢، وتصوّف
стр. 1336
وتعبّد، وتوفّي بالإسكندرية سنة ٦١٧، قاله الذهبي في تاريخه الكبير.
٢٤٧ - ومن المرتحلين من الأندلس يحيى بن عبد العزيز، المعروف بابن الخرّاز، أبو زكريا، القرطبي (١) ، سمع من العتبي وعبد الله بن خالد ونظرائهما من رجال الأندلس، ورحل فسمع بمصر من المزني والربيع بن سليمان المؤذن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ويونس بن عبد الأعلى محمد بن عبد الله ابن ميمون وعبد الغني بن أبي عقيل وغيرهم، وسمع بمكّة من علي بن عبد العزيز، وكانت رحلته ورحلة سعيد بن عثمان الأعناقي وسعيد بن حميد وابن أبي تمام واحدة، وسمع الناس من يحيى المذكور مختصر المزني ورسالة الشافعي وغير ذلك من علم محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وكان يميل في فقهه إلى مذهب الشافعي، وكان مشاوراً مع عبيد الله بن يحيى وأضرابه، وحدث عنه من أهل الأندلس محمد بن قاسم وابن بشر (٢) وابن عبادة وغير واحد، ولم يسمع منه ابنه محمد لصغره، وتوفّي سنة ٢٩٥، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
٢٤٨ - ومنهم الشيخ الإمام العالم العامل الكامل الزاهد الورع، العلامة جمال الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، البكري، الشريشي المالكي، كان من أكابر الصالحين والمتورعين، ومولده سنة ٦٠١ بشريش، وتوفّي برباط الملك الناصر بسفح قاسيون سنة ٦٨٥ في ٢٤ رجب، ودفن قبالة الرباط. وله المصنفات المفيدة، تولّى مشيخة الصخرة بحرم القدس الشريف، وقدم دمشق، وتولى مشيخة الرباط الناصري، فلمّا توفّي قاضي القضاة جمال الدين المالكي ولوه مشيخة المالكية بدمشق، وعرضوا عليه القضاء فلم يقبل، وبقي في المشيخة إلى أن توفّي، رحمه الله تعالى ونفعنا به وبأمثاله، آمين.
стр. 1337
٢٤٩ - ومن الراحلين من الأندلس الفقيه الصالح أبو بكر ابن محمد بن علي بن ياسر، الجيّاني، المحدث الشهير.
ذكره ابن السمعاني وغيره، سافر الكثير، وورد العراق، وطاف في بلاد خراسان، وسكن بلخ، وأكثر من الحديث، وحصّل الأصول، ونسخ بخطّه ما لا يدخل تحت حصر، قال ابن السمعاني: وله أنس ومعرفة بالحديث، لقيته بسمرقند، وكان قد قدمها سنة ٥٤٩ مع جماعة من أهل الحجاز لدين له عليهم، وسمعت منه جزءاً خرّجه من حديث يزيد بن هرون ممّا وقع له عالياً، وجزءاً صغيراً من حديث أبي بكر ابن أبي الدنيا، وأحاديث أبي بكر الشافعي في أحد عشر جزءاً المعروف بالغيلانيات بروايته عن ابن الحصين عن ابن غيلان، وكان مولده بجيّان سنة ٤٩٣ [أو في التي بعدها، الشك منه، ثم لقيته بنسف في أواخر سنة خمسين] (١) ولم أسمع منه شيئاً، ثم قدم علينا في (٢) بخارى في أوائل سنة إحدى وخمسين وسمعت من لفظه جميع كتاب الزهد لهنّاد بن السّري الكوفي بروايته عن أبي القاسم سهل بن إبراهيم المسجدي عن الحاكم أبي عبد الرحمن محمد بن أحمد الشاذياخي عن الحاكم أبي الفضل محمد بن الحسين الحدّادي عن حماد بن أحمد السلمي عن مصنّفه، وأخبرنا الجيّاني بسمرقند، أبأنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين الكاتب ببغداد، أنبأنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزار، أخبرنا (٣) أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، أخبرنا (٤) محمد بن مسلمة، أنبأنا يزيد بن هرون أنبأنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي ﷺ قال: " إذا دخل أهل الجنّة الجنة وأهل النار النار ناداهم منادٍ: يا أهل الجنّة، إن
стр. 1338
لكم عند الله موعداً لم تروه، قالوا: وما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنّة وينجينا من النار قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب من النظر إليه " ثم تلا هذه الآية " للّذين أحسنوا الحسنى وزيادة ".
وقال ابن السمعاني أيضاً: وأخبرنا الجيّاني المذكور بسمرقند، أنبأنا هبة الله بن محمد بن عبد الواحد ببغداد، أنبأنا أبو طالب ابن غيلان، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي، أنبأنا محمد بن حسان، أنبأنا مبارك بن سعيد، قال: أردت سفراً، فقال لي الأعمش: سل ربك أن يرزقك صحابة صالحين، فإن مجاهداً حدّثني قال: خرجت من واسط فسألت ربي أن يرزقني صحابة، ولم أشترط في دعائي، فاستويت أنا وهم في السفينة فإذا هم أصحاب طنابير.
وقال ابن السمعاني أيضاً: أخبرنا أبو بكر الجياني المغربي بسمرقند، سمعت الإمام أبا طالب إبراهيم بن هبة الله ببلخ يقول: قرأت على أبي يعلى محمد بن أحمد العبدي بالبصرة قال: قرأت على شيخنا أبي الحسين ابن يحيى في كتاب العين بإسناده إلى الخليل بن أحمد أنّه أنشد قول الشاعر:
إنّ في بيتنا ثلاث حبالى فوددنا أن قد وضعن جميعا
زوجتي ثمّ هرتي ثمّ شاتي فإذا ما وضعن كنّ ربيعا
زوجتي للخبيص، والهر للفا ر، وشاتي إذا اشتهينا مجيعا
قال أبو يعلى: قال شيخنا بن يحيى: وذكر عن الخليل بن أحمد في العين أن المجيع أكل التمر باللبن، انتهى.
٢٥٠ - ومنهم أبو الخطاب العلاء بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن ابن سعيد بن حزم، الأندلسي، المري، ذكره الحميدي في تاريخه وأثنى
стр. 1339
عليه، وقال (١) : كان من أهل العلم والأدب والذكاء والهمّة العالية [في طلب العلم] (٢) ، وكتب بالأندلس فأكثر، ورحل إلى المشرق فاحتفل في العلم والرواية والجمع.
وذكره الحافظ الخطيب أبو بكر [أحمد بن علي] (٣) بن ثابت البغدادي، وقال: هو من بيت جلالة وعم ورياسة، وأخرج عنه في غير موضع من مصنّفاته، وقدم بغداد ودمشق وحدّث فيهما، ثم عاد إلى المغرب فتوفّي ببلده المريّة ٤٥٤، وحدّث عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري، ويعرف بابن الإفليلي، الأندلسي النحوي وغيره، وكان صدوقاً ثقة، رحمه الله تعالى (٤) .
٢٥١ - ومنهم أبو زكريا يحيى بن قاسم القرطبي (٥) ، الفقيه المالكي أحد الأئمة الزهاد، كان يصوم حتى يخضرّ، توفّي سنة ٢٧٢، وقيل: سنة ٢٧٨، ورحل إلى المشرق، وسمع من عبد الله بن نافع صاحب مالك بن أنس، ومن سحنون بن سعيد، وغيرهما، وكان يفضّله ويصفه بالفضل والعلم، وهو صاحب الشجرة، قال عباس بن أصبغ: كانت في داره شجرة تسجد لسجوده إذا سجد، قاله ابن الفرضي، رحمه الله تعالى، ورضي عنه، ونفعنا به.
٢٥٢ - ومنهم أبو بكر يحيى بن مجاهد بن عوانة، الفزاري، الإلبيري،
стр. 1340
الزاهد (١) ، سكن قرطبة، قال ابن الفرضي: كان منقطع القرين في العبادة، بعيد الاسم في الزهد، حجّ، وعني بعلم القرآن والقراءات والتفسير، وسمع بمصر من الأسيوطي وابن الورد وابن شعبان وغيرهم، وكان له حظ من الفقه والرواية إلا أن العبادة غلبت عليه، وكان العمل أملك به، ولا أعلمه حدّث، توفّي رحمه الله تعالى سنة ست وستين وثلاثمائة، ودفن في مقبرة الرّبض، وصلى عليه القاضي محمد بن إسحاق بن السليم، ثم صلى عليه حيّان مرّة ثانية، رحمه الله تعالى وأفاض علينا من أنوار عنايته آمين.
٢٥٣ - ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم، الصدفي، الإشبيلي (٢) ، الأديب البارع، له نظم حسن، وموشّحات رائقة، قرأ على الأستاذ الشلوبين وغيره، ومدح الملوك، ورحل من الأندلس فقدم ديار مصر، ومدح بها بعض من كان يوصف بالكرم، فوصله بنزر يسير، فكرّ راجعاً إلى المغرب، فتوفّي ببرقة، رحمه الله تعالى، وكان من النجباء في النحو وغيره.
ومن نظمه من قصيدة:
ما بي موارد أمسٍ (٣) بل مصادره ... اللّحظ أوّله واللّحد آخره أرسلت طرفي مرتاداً فطلّ دمي روضٌ من الحسن مطلولٌ أزاهره
رعيت في خصبه لحظي فأعقبني جدباً بجسمي ما يرويه هامره
وبي وإن لم أكن بالذكر أشهره فالوصف فيه لفقد المثل شاهره
وهي طويلة، وأثنى عليه أثير الدين أبو حيّان، وأورد جملة من محاسن كلامه وبدائع نظامه، رحم الله تعالى الجميع.
стр. 1341
٢٥٤ - ومنهم أبو يحيى زكريا بن خطاب، الكلبي، التّطيلي (١) ، رحل سنة ٢٩٣، فسمع بمكّة كتاب النسب للزبير بن بكار من الجرجاني الذي حدث له عن علي بن عبد العزيز بن الجمحي عن الزبير، وروى موطأ مالك ابن أنس رواية أبي مصعب أحمد بن عبد الملك الزهر ي عن إبراهيم بن سعيد الحذّاء، وسمع بها من إبراهيم بن عيسى الشيباني والقزاز في آخرين، وقدم الأندلس فكان الناس يرحلون إليه إلى تطيلة للسماع منه، واستقدمه المستنصر الحكم وهو وليّ عهد فسمع منه أكثر مروياته، وسمع منه جماعة من أهل قرطبة، وكان ثقة مأموناً، ولي قضاء بلده تطيلة إحدى مدائن الأندلس بعد عمر بن يوسف ابن الإمام.
٢٥٥ - ومنهم سعد الخير بن محمد بن سعد، أبو الحسن، الأنصاري، البلنسي، المحدّث (٢) ، رحل إلى أن دخل الصين، ولذا كان يكتب البلنسي الصيني، وركب البحار، وقاسى المشاق، وتفقه ببغداد على أبي حامد الغزالي، وسمع بها أبا عبد الله النّعّال وطراداً وغيرهما، وبأصبهان أبا سعد المطرز، وسكنها وتزوّج بها وولدت له فاطمة بها، ثم سكن بغداد، وروى عنه ابن عساكر وابن السمعاني وأبو موسى المديني وأبو اليمن الكندي وأبو الفرج ابن الجوزي وابنته فاطمة بنت سعد الخير في آخرين، وتأدب على أبي زكريا التبريزي، وتوفّي في المحرم سنة ٥٤١، رحمه الله تعالى، ببغداد، وصلى عليه الغزنوي، والشيخ الواعظ بجامع القصر، وكان وصيّه، وحضر جنازته قاضي القضاة الزينبي والأعيان، ودفن إلى جانب عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين بوصية منه.
стр. 1342
٢٥٦ - ومنهم أبو عثمان سعيد بن نصر بن عمر بن خلفون، الإستجي (١) ، سمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ وابن أبي دليم وغيرهما، ورحل فسمع بمكّة من ابن الأعرابي، وببغداد من أبي علي الصفار وجماعة، وبها مات.
٢٥٧ - ومنهم أبو عثمان سعيد الأعناقي، ويقال: العناقي، القرطبي (٢) ، كان ورعاً زاهداً عالماً بالحديث بصيراً بعلله، سمع من محمد بن وضاح وصحبه ومن يحيى بن إبراهيم بن مزين ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهم، ورحل فلقي جماعة من أصحاب الحديث منهم نصر بن مرزوق كتب عنه مسند أسد بن موسى وغير ذلك من كتبه، ويونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والحارث بن مسكين في آخرين، وحدث عنه أحمد بن خالد وابن أيمن ومحمد ابن قاسم وابن أبي زيد في عدد كثير، ومولده سنة ٢٣٣، وتوفّي سنة ٣٠٥ بصفر.
والأعناقي: نسبة إلى موضع يقال له أعناق وعناق.
٢٥٨ - ومنهم أبو المطرف عبد الرحمن بن خلف، التجييبي، الإقليشي (٣) ، روى عن أبي عثمان سعيد بن سالم المجريطي وأبي ميمونة دراس بن إسماعيل فقيه فاس، ورحل حاجّاً سنة ٣٤٩، فسمع بمكّة من أبي بكر الآجري وأبي حفص الجمحي، وبمصر من أبي إسحاق ابن شعبان، وروى عنه كتاب الزاهي جميعه وقد قرئ عليه جميعه، وحمل عنه، ومولده سنة ٣٠٣ (٤) ، رحمه الله تعالى.
стр. 1343
٢٥٩ - ومنهم أبو الأصبع عبد العزيز بن علي، المعروف بابن الطحان، الإشبيلي المقرئ (١) ، ولد بإشبيلية سنة ٤٩٨، ورحل فدخل مصر والشام وحلبا، توفّي بحلب بعد سنة ٥٥٩، وله كتاب نظام الأداء في الوقف والابتداء، ومقدمة في مخارج الحروف، ومقدمة في أصول القراءات، وكتاب الدعاء، وكان من القراء المجوّدين الموصوفين بالإتقان ومعرفة وجوه القراءات، وسمع الحديث على شريح بن محمد بن أحمد بن شريح الرعيني خطيب إشبيلية وأبي بكر يحيى بن سعادة القرطبي.
وله شعر حسن منه قوله:
دع الدّنيا لعاشقها سيصبح من رشائقها
وعاد النفس مصطبراً ونكّب عن خلائقها
هلاك المرء أن يضحي مجدّاً في علائقها
وذو التقوى يذلّلها فيسلم من بوائقها
وأخذ القراءات ببلده عن أبي العباس ابن عيشون وشريح بن محمد، وروى عنهما وعن أبي عبد الله ابن عبد الرزّاق الكلبي، وروى مصنّف النسائي عن أبي مروان ابن مسرّة، وتصدّى للإقراء، ثم انتقل إلى فاس، وحج ودخل العراق، وقرأ بواسط القراءات وأقرأها أيضاً، ودخل الشام واشتهر ذكره، وجلّ قدره، وروى عنه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي الحافظ، وعلي بن يونس، قال بعضهم: سمعت غير واحد يقول: ليس بالغرب أعلم بالقراءات من ابن الطحان، قرأ عليه الأثير أبو الحسن محمد بن أبي العلاء وأبو طالب ابن عبد السميع وغيرهما، رحم الله تعالى الجميع.
стр. 1344
٢٦٠ - ومنهم أبو الأصبغ عبد العزيز بن خلف، المعافري (١) ، قدم مصر سنة ٥٠٢، وولد سنة ٤٤٨، وحدث بالموطإ عن سليمان بن أبي القاسم، أنبأنا أبو عمر ابن عبد البر، أنبأنا سعيد بن نصر، عن قاسم بن أصبغ عن محمد ابن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة، رضي الله تعالى عنه.
٢٦١ - ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن عبد الله بن ثعلبة، السعدي، الشاطبي (٢) ، قدم مصر ودمشق طالب علم، وسمع أبا الحسن ابن أبي الحديد وأبا منصور العكبري وغيرهما، وصنف (٣) غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلاّم على حروف المعجم، وسمعه عليه أبو محمد الأكفاني، وتوفّي بأرض حوران من أعمال دمشق في رمضان سنة ٤٦٥، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
٢٦٢ - ومنهم الحكيم الطبيب أبو الفضل محمد عبد المنعم، الغساني، الجلياني (٤) ، وهو عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن أحمد بن خضر بن مالك بن حسان، ولد بقرية جليانة من أعمال غرناطة سابع المحرم سنة ٥٣١، وقدم إلى القاهرة، وسار إلى دمشق فسكنها مدّة، ثم سافر إلى بغداد فدخلها سنة ٦٠١، ونزل بالمدرسة النظامية، وكتب الناس عنه كثيراً من نظمه، وكان أديباً فاضلاً، له شعر مليح المعاني أكثره في الحكم والإلهيات وآداب النفوس والرياضيات، وكان طبيباً حاذقاً، وله رياضات ومعرفة بعلم الباطن، وله كلام مليح على طريق القوم، وكان مليح السّمت، حسن الأخلاق، لطيفاً، حاضر الجواب،
стр. 1345
ومات بدمشق سنة ٦٠٢، وكان يقال له: حكيم الزمان، وأراد القاضي الفاضل أن يغضّ منه فقال له بحضرة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب: كم بين جليانة وغرناطة فقال: مثل ما بين بيسان وبيت المقدس.
ومن شعره قوله:
خبرت بني عصري على البسط والقبض وكاشفتهم كشف الطبائع بالنبض
فأنتج لي فيهم قياسي تخلّياً عن الكلّ إذ هم آفة الوقت والعرض
ألازم كسر البيت خلواً، وإن يكن خروجٌ ففرداً ملصق الطّرف بالأرض
أرى الشخص من بعدٍ فأغضي تغافلاً كمشدوه بالٍ في مهمته يمضي
ويحسبني في غفلةٍ وفراستي على الفور من لمحي بما قد نوى تقضي
أجانبهم سلماً ليسلم جانبي وليس لحقدٍ في النفوس ولا بغض
تخلّيت عن قومي ولو كان ممكني تخلّيت عن بعضي ليسلم لي بعضي
وقال:
قالوا نراك عن الأكابر تعرض وسواك زوّارٌ لهم متعرّض
قلت الزيارة للزمان إضاعةٌ وإذا مضى زمنٌ فما يتعوّض
إن كان لي يوماً إليهم حاجةٌ فبقدر ما ضمن القضاء تقيّض
وقال:
حاول مفازك قبل أن يتحوّلا فالحال آخرها كحالك أولا
إنّ المنيّ من المنيّة لفظه لتدلّ في أصل البناء على البلى
وسماه بعضهم عبد المنعم، وذكره العماد في الخريدة وقال: هو صاحب البديع البعيد، والتوشيح والترشيح، والترصيع والتصريع، والتجنيس والتطبيق، والتوفيق والتلفيق، والتقريب والتقرير، والتعريف والتعريب، وهو مقيم
стр. 1346
بدمشق، وقد أتى العسكر المنصور الناصري سنة ٥٨٦ بظاهر ثغر عكا، وكتب إلى السلطان صلاح الدين وقد جرح فرسه:
أيا ملكاً أفنى العداة حسامه ومنتجعاً أقنى العفاة ابتسامه
لقاؤك يوماً في الزمان سعادةٌ فكيف بثاوٍ في حماك حمامه
وعبدك شاكٍ دينه وهو شاكرٌ نداك الذي يغني الغمام غمامه
ولي فرسٌ أصماه سهمٌ فردّه أثافيّ ربعٍ بالثلاث قيامه
تعمر فيه بالجراحة ساحة وعطّل منه سرجه ولجامه
أتينا لما عوّدتنا من مكارمٍ يلوذ بها الراجي فيشفى غرامه
فرحماك غوثٌ لا يغيب نصيره ونعماك غيثٌ لا يغبّ انسجامه
وله رحمه الله تعالى غير هذا، وترجمته واسعة.
٢٦٣ - ومنهم الأستاذ أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد القدوس القرطبي، مؤلف المفتاح في القراءات، ومقرئ أهل قرطبة (١) ، رحل وقرأ القراءات على أبي علي الأهوازي، وبحرّان على أبي القاسم الرّيدي، وبمصر على أبي العباس ابن نفيس، وبمكّة على أبي العباس الكازريني، وسمع بدمشق من أبي الحسن ابن السمسار، وكان عجباً في تحرير القراءات ومعرفة فنونها، وكانت الرحلة إليه في وقته، ولد سنة ٤٠٣، ومات في ذي القعدة سنة ٤٦١ (٢) ، قرأ عليه أبو القاسم خلف ابن النحاس وجماعة، رحمه الله تعالى.
٢٦٤ - ومنهم عبيد الله، وقيل عبد الله، بغير تصغير، ابن المظفر بن عبد الله بن محمد، أبو الحكم، الباهلي، الأندلسي (٣) ، ولد بالمرية سنة ٤٨٦،
стр. 1347
وحج سنة ٥١٦ وحج أيضاً سنة ٥١٨، ودخل دمشق وقرأ بصعيد مصر وبالإسكندرية، ثم مضى إلى العراق، وأقام ببغداد يعلم الصبيان وخدم السلطان محمود بن ملك شاه سنة ٥٢١، وأنشأ له معسكره مارستاناً ينقل على أربعين جملاً، فكان طبيبه، ثم عاد إلى دمشق ومات بها سنة ٥٤٩، ودفن بباب الفراديس، وكان ذا معرفة بالأدب والطب والهندسة، وله ديوان شعر سمّاه نهج الوضاعة لأولي الخلاعة ذكر فيه جملة شعراء كانوا بمدينة دمشق كطالب الصوري ونصر الهيتي وغيرهما كعرقلة، وفيه نزهات أدبية، ومفاكهات غريبة، ممزوج جدّها بسخفها، وهزلها بظرفها، ورثى فيه أنواعاً من الدواب وأنواعاً من الأثاث وخلقاً من المغنين والأطراف، وشرح هذه الديوان ابنه الحكيم الفاضل أبو المجد محمد بن أبي الحكم الملقب بأفضل الدولة، وكان كثير الهزل والمداعبة، دائم اللهو والمطايبة، وكان إذا أتاه الغلام وما به شيء فيحس نبضه ثم يقول له: تصلح لك الهريسة، وكان أعور فقال فيه عرقلة:
لنا طبيبٌ شاعرٌ أعورٌ أراحنا من طبّه الله
ما عاد في صبحة يومٍ فتىً إلا وفي باقيه رثّاه
وله أيضاً يرثيه:
يا عين سحيّ بدمعٍ ساكبٍ ودم ... على الحكيم الذي يكنى (١) أبا الحكم قد كان لا رحم الرحمن شيبته ولا سقى قبره من صيّب الدّيم
شيخاً يرى الصلوات الخمس نافلةً ويستحلّ دم الحجاج في الحرم
ومن كنايات أبي الحكم المستحسنة قوله:
ألم ترني أكابد فيك وجدي وأحمل منك ما لا يستطاع
стр. 1348
إذا ما أنجم الجوّ استقلّت ومال الدلو وارتفع الذراع
ومن شعره قوله:
محاسن العالم قد جمّعت في حسنه المستكمل البارع
وليس لله بسمتنكرٍ أن يجمع العالم في الجامع
٢٦٥ - ومنهم أبو الربيع سليمان بن إبراهيم بن صافي، الغرناطي، القيساني، وقيسانة من عمل غرناطة، الفقيه المالكي، ولد سنة ٥٦٤، وقدم القاهرة وناب في الحسبة، وله شعر حسن، توفي بالقاهرة سنة ٦٣٤، رحمه الله تعالى.
٢٦٦ - ومنهم طالوت بن عبد الجبار، المعافري، الأندلسي (١) ، دخل مصر، وحج ولقي إمامنا مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه، وعاد إلى قرطبة، وكان ممّن خرج على الحكم بن هشام بن عبد الرحمن من أهل ربض شقندة يريد خلعه وإقامة أخيه المنذر، وزحفوا إلى قصره بقرطبة، فحاربهم، وقتلهم، وفرّ من بقي منهم، فاستتر الفقيه طالوت عاماً عند يهودي، ثم ترامى على صديقه أبي البسّام الكاتب ليأخذ له أماناً من الحكم، فوشى به إلى الحكم، وأحضره إليه فعنفه ووبّخه، فقال له: كيف يحل لي أن أخرج إليك وقد سمعت مالك بن أنس يقول: سلطان جائرٌ مدةً خير من فتنة ساعة فقال: ألله تعالى لقد سمعت هذا من مالك فقال طالوت، اللهم إنّي قد سمعته، فقال: انصرف إلى منزلك وأنت آمن، ثم سأله: أين استتر فقال: عند يهودي مدة عام، ثم إنّي قصدت هذا الوزير فغدر بي، وغضب الحكم على أبي البسّام وعزله عن وزارته، وكتب عهداً أن لا يخدمه أبداً، فرؤي أبو البسّام بعد ذلك في فاقة وذل، فقيل: استجيبت فيه دعوة الفقيه طالوت، رحمه
стр. 1349
الله تعالى.
٢٦٧ - ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد، ضياء الدين ونظامه، ابن خروف الأديب، القيسي، القرطبي، والقيذافي، الشاعر (١) ، قدم إلى مصر، ثم سار إلى حلب ومات بها متردياً في جب حنطة سنة ٦٠٢، وقيل: في التي بعدها، وقيل: سنة خمس وستمائة، وله شرح كتاب سيبويه، وحمله إلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار (٢) ، وله شرح جمل الزجاجي، وكتبٌ في الفرائض وردٌّ على أبي زيد السهيلي، وغير ذلك (٣) ، ومدح الأفضل ابن السلطان صلاح الدين ومدح الظاهر ابن الناصر أيضاً.
وشعره جيد، فمنه قوله في كأس (٤) :
أنا جسمٌ للحميّا والحميّا لي روح
بين أهل الظرف أغدو كلّ يومٍ وأروح
стр. 1350
وقال (١) في صبي حبس:
أقاضي المسلمين حكمت حكماً غدا وجه الزّمان به عبوسا
حبست على الدراهم ذا جمالٍ ولم تسجنه إذ سلب النّفوسا
وقال:
ما أعجب النيل ما أحلى شمائله في ضفّتيه من الأشجار أدواح
من جنة الخلد فيّاضٌ على ترعٍ تهبّ فيها هبوب الريح أرواح
ليست زيادته ماءّ كما زعموا وإنّما هي أرزاقٌ وأرباح
والقيذافي: بقاف، ثم ياء آخر الحروف، بعدها ذال معجمة، ثم ألف وفاء. وله رسالة كتب بها إلى بهاء الدين بن شداد بحلب يطلب منه فروة، وهي:
بهاء الدين والدّنيا ونور المجد والحسب
طلبت مخافة الأنوا ... ء من جدواك (٢) جلد أبي وفضلك عالم أني خروف بارع الأدب
حلبت الدهر أشطره وفي حلبٍ صفا حلبي
ذو الحسب الباهر، والنسب الزاهر، يسحب ذيول سير السيراء، ويحبّ النحاة من أجل الفرّاء (٣) ، ويمن على الخروف النبيه، بجلد أبيه، قاني الصباغ، قريب عهد (٤) بالدباغ، ما ضلّ طالب قرظه ولا ضاع، بل ذاع ثناء صانعه وضاع، إذا طهر إهابه، يخافه البرد ويهابه، أثيث خمائل الصوف، يهزأ
стр. 1351
بكل هوجاء عصوف، ما في اللباس له ضريب، إذا نزل الجليد والضريب، ولا في الثياب له نظير إذا عري من ورقه الغصن النّضير، والمولى يبعثه فرجيّ النوع، أرجيّ الضوع، يكون تارة لحافاً وتارة برداً، وهو في الحالين يحيي حرّاً ويميت برداً، لا كطيلسان ابن حرب، ولا كجلد عمرو الممزق بالضرب، إن عزاه السواد إلى حام فحام، أو نماه البياض إلى سام فسام، كأنّه من جلد جمل الحرباء، الذي يرعى القمر والنجم، لا من جلد السّخلة الجرباء، التي ترعى الشجر والنجم، لا زال مهديه سعيداً، ينجز للأخيار وعداً وللأشرار وعيداً، بالمنّة والطّول، والقوّة والحول.
٢٦٨ - ومنهم مالك بن مالك، من أهل جيان، رحل حاجّاً فأدى الفريضة، وسكن حلب، ولقي عبد الكريم بن عمران، وأنشد له قوله:
يا ربّ خذ بيدي مما دفعت له فلست منه على وردٍ ولا صدر
الأمر ما أنت رائيه وعالمه وقد عتبت ولا عتبٌ على القدر
من يكشف السوء إلاّ أنت بارئنا ومن يزيل بصفوٍ حالة الكدر
٢٦٩ - ومنهم أبو علي ابن خميس، وهو منصور بن خميس بن محمد بن إبراهيم اللخمي من أهل المرية (١) . سمع من أبي عبد الله البوني (٢) وابن صالح، وأخذ عنهما القراءات، وروى أيضاً عن الحافظ القاضي أبي بكر ابن العربي، وأبوي القاسم ابن رضا (٣) وابن ورد وأبي محمد الرشاطي وأبي الحجّاج القضاعي وأبي محمد عبد الحق ابن عطية وأبي عمرو الخضر بن عبد الرحمن وأبي القاسم عبد الرحمن (٤) بن محمد الخزرجي وغيرهم، ورحل حاجّاً فنزل الإسكندرية،
стр. 1352
وسمع منه أبو عبد الله بن عطية الداني سنة ٥٩٦، وحدث عنه بالإجازة أبو العباس العزفي وغيره.
٢٧٠ - ومنهم منصور بن لبّ بن عيسى، الأنصاري (١) ، من أهل المريّة، يكنى أبا علي، أخذ القراءات ببلده عن ابن خميس المذكور قبله، ورحل بعده، فنزل الإسكندريّة، وأجازه أبو الطاهر السّلفي في صغره (٢) ، وقد أخذ عنه فيما ذكر بعضهم، ومولده سنة ٥٧١، رحمه الله تعالى.
٢٧١ - ومنهم مفرج بن حماد بن الحسين بن مفرج، المعافري (٣) ، من أهل قرطبة، وهو جد ابن مفرج صاحب كتاب الاحتفال بعلم الرجال، صحب المذكور محمد بن وضاح في رحلته الثانية، وشاركه في كثير من رجاله، وصدر عن المشرق معه، فاجتهد في العبادة، وانتبذ عن الناس، ثم كرّ راجعاً إلى مكّة عند موت ابن وضاح، فنزلها واستوطنها إلى أن مات (٤) ، فقبره هنالك.
وقال في حقّه أبو عمر عفيف: إنّه كان من الصالحين، رحل فحجّ وجاور بمكّة نحو عشرين سنة إلى أن مات بها، رحمه الله تعالى.
٢٧٢ - ومنهم محب بن الحسين (٥) ، من أهل الثغر الشرقي، كانت له رحلة حج فيها، وسمع بالقيروان من أبي عبد الله ابن سفيان الكتاب الهادي في القراءات من تأليفه، وكان رجلاً صالحاً، حدث عنه أبو عبد الله محمد بن عبد
стр. 1353
الملك التجيبي من شيوخ أبي مروان ابن الصيقل.
٢٧٣ - ومنهم مساعد بن أحمد بن مساعد، الأصبحي (١) ، من أهل أوريولة، يكنى أبا عبد الرحمن، ويعرف بابن زعوقة، روى عن ابن أبي تليد وابن جحدر، والحافظين أبي علي الصدفي وأبي بكر ابن العربي، وكتب إليه أبو بكر ابن غالب بن عطية، ورحل حاجّاً في سنة أربع وتسعين وأربعمائة، فأدى الفريضة سنة خمس بعدها، ولقي بمكّة أبا عبد الله الطبري، فسمع منه صحيح مسلم، مشتركاً في السماع مع أبي محمد ابن أبي جعفر الفقيه، ولقي أبا محمد ابن العرجاء وأبي بكر ابن الوليد الطرطوشي وأصحاب الإمام أبي حامد الغزالي وأبا عبد الله المازري وجماعة سواهم ساوى بلقائهم مشيخته، وانصرف إلى بلده فسمع منه الناس، وأخذوا عنه لعلو روايته، وكان من أهل المعرفة والصلاح والورع، وممن حدث عنه من الجلّة أبو القاسم ابن بشكوال، وأبو الحجاج الثغري الغرناطي، وأبو محمد عبد المنعم بن الفرس وغيرهم، وأغفله ابن بشكوال فلم يذكره في الصلة مع كونه روى عنه، وقال تلميذه أبو الحجاج الثغري الغرناطي: أخبرني أبو سليمان ابن حوط الله وغيره عنه، قال: أخبرني الحاج أبو عبد الرحمن ابن مساعد رضي الله تعالى عنه: أنّه لقي بالمشرق امرأة تعرف بصباح عند باب الصفا، وكان يقرأ عليها بعض التفاسير، فجاء بيت شعر شاهد، فسألت: هل له صاحب فسألوا الشيخ أبا محمد ابن العرجاء، فقال الشيخ: لا أذكر له صاحباً، فأنشدت:
طلعت شمس من أحبّك ليلاً واستضاءت فما لها من مغيب
إنّ شمس النّهار تغرب باللي ل وشمس القلوب دون غروب
ولد في صفر سنة ٤٦٨، وتوفّي بأوريولة سنة ٥٤٥، قاله ابن سفيان.
стр. 1354
٢٧٤ - ومنهم أبو حبيب نصر بن القاسم (١) . قال ابن الأبار: أظنّه من أهل غرناطة، وله رحلة حج فيها، وسمع من أبي الطاهر السّلفي، وحدث عنه عن ابن فتح بمسند الجوهري، انتهى.
٢٧٥ - ومنهم النعمان بن النعمان، المعافري (٢) ، من أهل ميورقة منسوب إلى جده، رحل حاجّاً فأدى الفريضة وجاور بمكّة ثم قفل إلى بلده، واعتزل الناس، وكان يشار إليه بإجابة الدعوة، وتوفّي سنة ٦١٦رحمه الله تعالى ونفعنا به.
٢٧٦ - ومنهم نعم الخلف بن عبد الله بن أبي ثور، الحضرمي (٣) ، من أهل طرطوشة أو ناحيتها، رحل إلى المشرق، وأدى الفريضة، ولقي بمكة أبا عبد الله الأصبهاني، فسمع منه سنة ٤٢٢، حدث عنه ابنه القاسم بن نعم الخلف بيسير.
٢٧٧ - ومنهم نابت بن المفرج بن يوسف، الخثعمي (٤) ، أصله من بلنسية، وسكن مصر يكنى أبا الزهر، قال السّلفي: قدم مصر بعد خروجي منها، وتفقّه على مذهب الشافعي، وتأدب، وقال الشعر الفائق، وكتب إليّ بشيء من شعره، ومات في رجب سنة ٥٤٥بمصر.
٢٧٨ - ومنهم ضمام بن عبد الله الأندلسي (٥) ، رحل إلى المشرق،
стр. 1355
ودخل بغداد، وهو ممّن يروي عن عبد السلام بن مسلمة (١) الأندلسي. وممّن روى عن ضمام أبو الفرج أحمد بن القاسم الخشاب البغدادي من شيوخ الدارقطني، قال ابن الأبار: هكذا وقع في نسخة عتيقة من تأليف الدارقطني في الرواة عن مالك في باب مسلمة منه ضمام - بالضاد المعجمة - وهكذا ثبت في رواية أبي زكريا ابن مالك بن عائذ عن الدارقطني، وقال فيه غيره: همّام بن عبد الله - بالهاء وتشديد الميم - وفي حرف الهاء أثبته أبو الوليد ابن الفرضي من تاريخه (٢) ، والأول عندي أصح، والله تعالى أعلم، انتهى.
٢٧٩ - ومنهم ضرغام بن عروة بن حجاج، بن أبي فريعة (٣) ، واسمه زيد، مولى عبد الرحمن بن معاوية والداخل معه إلى الأندلس، من أهل لبلة، له رحلة إلى المشرق، وكان فقيهاً، ذكره الرازي.
٢٨٠ - ومنهم عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر، المعافري (٤) ، من أهل قرطبة، وأصله من الجزيرة الخضراء، وهو والد المنصور ابن أبي عامر ويكنى أبا حفص، سمع الحديث، وكتبه عن محمد بن عمر ابن لبابة وأحمد بن خالد ومحمد بن فطيس وغيرهم، ورحل إلى المشرق فأدى الفريضة، وكان من أهل الخير والدين والصلاح والزهد والقعود عن السلطان، وأثنى عليه الراوية أبو محمد الباجي وقال: كان لي خير صديق أنتفع به وينتفع بي، وأقابل معه كتبه وكتبي، ومات منصرفه ومن حجّه، ودفن بمدينة طرابلس المغرب، وقيل: بموضع يقال له رقّادة، وكان رجلاً عالماً صالحاً، وقال بعضهم: إنّه توفي في آخر خلافة عبد الرحمن الناصر.
стр. 1356
٢٨١ - ومنهم أبو محمد بن عبد الله بن حمود، الزبيدي، الإشبيلي، ابن عم أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي اللغوي (١) ، كان من مشاهير أصحاب أبي علي البغدادي، ورحل إلى المشرق فلم يعد إلى الأندلس، ولازم السيرافي في بغداد إلى أن توفّي، فلازمه بعده صاحبه أبا علي الفارسي ببغداد والعراق، وحيثما جال، واتبعه إلى فارس، وحكى أبو الفتوح الجرجاني (٢) أن أبا علي البغدادي غلّس لصلاة الصبح في المسجد، فقام إليه أبو محمد الزبيدي من مذود كان لدابته خارج الدار قد بات فيه أو أدلج (٣) إليه ليكون أول وارد عليه، فارتاع منه، وقال: ويحك من تكون قال: أنا عبد الله الأندلسي، فقال له: إلى كم تتبعني والله إن على وجه الأرض أنحى منك. وكان من كبار النحاة وأهل المعرفة التامة والشعر، وجمع شرحاً لكتاب سيبويه، ويقال: إنّه توفّى ببغداد سنة ٣٧٢.
٢٨٢ - ومنهم عبد الله بن رشيق، القرطبي (٤) ، رحل من الأندلس، فأوطن القيروان، واختص بأبي عمران الفاسي، وتفقّه به، وكان أديباً شاعراً عفيفاً خيّراً، وفي شيخه أبي عمران أكثر شعره، ورحل حاجّاً فأدى الفريضة، وتوفّي في انصرافه بمصر سنة ٤١٩، وأنشد له ابن رشيق في الأنموذج قوله رحمه الله تعالى:
خير أعمالك الرضى بالمقادير والقضا
стр. 1357
بينما المرء ناضرٌ قيل: قد مات وانقضى
وقوله:
سأقطع حبلي من حبالك جاهداً وأهجر هجراً لا يجرّ لنا عرضا
وقد يعرض الإنسان عمن يودّه ويلقى ببشرٍ من يسرّ له البغضا
قال في الأنموذج: وأراد الحج فناله وجع فمات بمصر بعد اشتهاره فيها بالعلم والجلالة، وقد بلغ عمره نحو الأربعين سنة، رحمه الله تعالى، وهو مخالف لما قدمناه من أنّه أدى الفريضة، وقد ذكر ابن الأبار العبارتين، والله تعالى أعلم.
٢٨٣ - ومنهم أبو بكر اليابري، ويكنى أيضاً أبا محمد، وهو عبد الله ابن طلحة بن محمد بن عبد الله (١) ، أصله من يابرة، ونزل هو إشبيلية، وروى عن أبي الوليد الباجي وعن جماعة بغرب الأندلس منهم أبو بكر ابن أيوب وأبو الحزم ابن عليم وأبو عبد الله ابن مزاحم البطليوسيّون وغيرهم، وكان ذا معرفة بالنحو والأصول والفقه وحفظ التفسير والقيام عليه، وحلّق به مدّة بإشبيلية وغيرها، وهو كان الغالب عليه مع القصص فيسرد منه جملاً على العامة، وكان متكلماً، وله ردّ على أبي محمد ابن حزم، وكان أحد الأئمّة بجامع العدبّس، ورحل إلى المشرق، فروى عن أبي بكر محمد بن زيدون بن علي كتابه المؤلف في الحديث المعروف بالزيدوني، وألف كتاباً في شرح صدر رسالة ابن أبي زيد، وبيّن ما فيها من العقائد، وله مجموعة في الأصول والفقه منها كتاب سمّاه المدخل إلى كتاب آخر سمّاه سيف الإسلام على مذهب مالك الإمام ألّفه للأمير علي بن تميم بن المعز الصنهاجي صاحب المهدية، وذكر
стр. 1358
في فصل الحج منه أنّه رحل إلى المهدية سنة ٥١٤، واستوطن مصر مدة، ثم رحل إلى مكّة، وبها توفّي رحمه الله تعالى؛ وروى عنه أبو المظفر الشيباني وأبو محمد العثماني وأبو الحجاج يوسف بن محمد القيرواني وأبو عمرو عثمان ابن فرج العبدري وأبو محمد ابن صدقة المنكبي وأبو عبد الله ابن يعيش البلنسي وغيرهم، وكان سماع أبي الحجّاج منه موطأ مالك سنة ٥١٦، رحم الله تعالى الجميع.
٢٨٤ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن مرزوق، اليحصبي، الأندلسي (١) ، رحل حاجّاً فسمع منه بالإسكندرية أبو الطاهر السّلفي كتاب طبقات الأمم لأبي القاسم صاعد بن أحمد الطليطلي، وحدّث به عنه عن ابن برّال عن صاعد.
٢٨٥ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد، الصريحي، المرسي، ويعرف بابن مطحنة (٢) ، روى عن أبي بكر ابن الفرضي النحوي، وتأدب به، ورحل إلى المشرق، ولقي أبا محمد العثماني وغيره، وحج، وقعد لتعليم الاداب، وممن أخذ عنه أبو عبد الله محمد بن عبد السلام وأبو عبد الله المكناسي وغيرهما، وأنشد رحمه الله تعالى قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن البيّاسي (٣) بالإسكندريّة لنفسه:
يمدّ الدهر من أجلي وعمري كما أنّي أمدّ من المداد
لنا خطّان مختلفان جدّاً كما اختلف الموالي والمعادي
فأكتب بالسواد على بياضٍ ويكتب بالبياض على السواد
стр. 1359
وهذا نظير قول الآخر:
ولي خطٌّ وللأيام خطٌّ وبينهما مخالفة المداد
فأكتبه سواداً في بياضٍ وتكتبه بياضاً في سواد
وبعضهم ينسب الأبيات الثلاثة السابقة للسّلفي الحافظ، فالله تعالى أعلم.
٢٨٦ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن عيسى، الشّلبي (١) ، سمع من الصدفي وغيره، وكان من أهل الحفظ للحديث ورجاله والعلم بالأصول والفروع ومسائل الخلاف وعلم العربيّة والهيئة مع الخير والدين والزهد، وامتحن بالأمراء في قضاء بلده بعد أن تقلده نحو تسعة أعوام لإقامته الحق وإظهاره العدل حتى أدى ذلك إلى اعتقاله بقصر إشبيلية، ثم سرّح فرحل حاجّاً إلى المشرق، ودخل المهدية فلقي بها المازري، وأقام في صحبته نحو ثلاث سنين، ثم انتقل إلى مصر، وحج سنة ٥٢٧، وأقام بمكّة مجاوراً، وحج ثانية سنة ٥٢٨، ولقي بمكّة أبا بكر عتيق بن عبد الرحمن الأوريولي في هذه السنة، فحمل عنه، ودخل العراق وخراسان، وأقام بها أعواماً، وطار ذكره في هذه البلاد، وعظم شأنه في العلم والدين، وكان من بيت شرف وجاه في بلده عريض مع سعة الحال والمال، وتوفّي بهراة سنة ٥٥١، وقيل: إن وفاته سنة ٥٤٨، وذكره العماد في الخريدة والسمعاني في الذيل، وأنشد له:
تلوّنت الأيّام لي بصروفها فكنت على لونٍ من الصبر واحد
فإن أقبلت أدبرت عنها وإن نأت فأهون بمفقودٍ لأكرم فاقد
وولد سنة ٤٨٤ بشلب، رحمه الله تعالى.
٢٨٧ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن موسى، الأزدي، المرسي، ويعرف
стр. 1360
بابن برطله (١) ، سمع من صهره القاضي الشهيد أبي علي الصدفي، ورحل حاجّاً سنة ٥١٠، فأدى الفريضة، وسمع من الطرطوشي والأنماطي والسّلفي وغيرهم، وانصرف إلى مرسية بلده، وكان حسن السّمت خاشعاً مخبتاً خيّراً متواضعاً نبيهاً نزهاً سالم الباطن، وحكى عن شيخه أبي عبد الله الرازي عن أبيه أنّه أخبره أن قاضي البرلس، وكان رجلاً صالحاً، خرج ذات ليلة إلى النّيل فتوضأ وأسبغ وضوءه، ثم قام فقرن قدميه وصلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فسمع قائلاً يقول:
لولا أناسٌ لهم سردٌ يصومونا وآخرون لهم وردٌ يقومونا
لزلزلت أرضكم من تحتكم سحراً لأنّكم قوم سوء لا تبالونا
قال: فتجوّزت في صلاتي، وأدرت طرفي فما رأيت شخصاً ولا سمعت حسّاً، فعلمت أن ذلك زاجر من الله تعالى.
وقال ابن برطله رحمه الله تعالى: أنشدني أبو عامر قال: دخلت بعض مراسي الثغر، فوجدت في حجر منقوش هذه الأبيات:
نزلت ولي أملٌ عودةٌ ولكنّني لست أدري متى
ودافعني قدرٌ لم أطق دفاعاً لمكروهه إذ أتى
ومن أمره في يدي غيره سيغلب إن لان وإن عتا
فيا نازلاً بعدنا ههنا نحيّيك إن كنت نعم الفتى
فسألت عن منشدها، فقيل لي: هو أبو بكر ابن أبي درهم الوشقي، وكان قد حج وأراد العودة، فقال هذه الأبيات، ورواها بعضهم رحلت مكان نزلت، وهو أصوب، وأبدل قوله يا نازلاً بيا ساكناً، والخطب سهل
стр. 1361
فيه، وبعض يقول: إن الأبيات وجدت بجامع مصر، والله تعالى أعلم.
٢٨٨ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن خلف بن سعادة، الداني، الأصبحي (١) ، لازم ابن سعد الخير، واحتذى أول أمره مثال خطّه فقاربه، وسمع منه، ثم رحل إلى المشرق فسمع بالإسكندرية من أبي الطاهر ابن عوف والسّلفي وغير واحد، قال التجيبي: كان معنا بالإسكندرية بالعادلية منها، وبقراءته سمعنا صحيح البخاري على السلفي سنة ٥٧٣، قال: وأنشدني لشيخه الأستاذ أبي الحسن علي ابن إبراهيم بن سعد الخير البلنسي:
يا لاحظاً تمثال نعل نبيه قبّل مثال النعل لا متكبرا
والثم له (٢) فلطالما عكفت به ... قدم النبي مروّحاً ومبكرا أولا ترى أن المحبّ مقبّلٌ طللاً وإن لم يلف فيه مخبرا
وقد سبق ابن سعادة أبو عبد الله وهو غير هذا، والله تعالى أعلم.
٢٨٩ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن يوسف، القضاعي، المري (٣) ، سمع من أبي جعفر ابن غزلون صاحب الباجي وغير واحد، ورحل إلى المشرق فسمع بالإسكندرية من السّلفي والرازي، وتجول هنالك، وأخذ عنه أبو الحسن ابن المفضل المقدسي وغير واحد، وقال ابن المفضل: أنشدني المذكور، قال: أنشدني أبو محمد بن صارة:
وكوكبٍ أبصر العفريت مسترقاً للسمع فانقضّ يدني خلفه لهبه
стр. 1362
كفارسٍ حلّ إعصارٌ (١) عمامته ... فجرّها كلّها من خلفه عذبه ٢٩٠ - ومنهم شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن مهاجر، الوادي آشي، الحنفي (٢) ، سكن طرابلس الشام، ثم انتقل إلى حلب، وأقام بها، وصار من العدول المبرزين في العدالة بحلب، ويعرف النحو والعروض، ويشتغل فيهما، وله انتماء إلى قاضي القضاة الناصر ابن العديم، قال الصفدي: رأيته بحلب أيام مقامي بها سنة ٧٢٣ فرأيته حسن التودّد، وأنشدني لنفسه من لفظه:
ما لاح في درعٍ يصول بسيفه والوجه منه يضيء تحت المغفر
إلا حسبت البحر مدّ بجدول والشمس تحت سحائبٍ من عنبر
قال الصفدي: جمع هذا المقطوع بين قول ابن عباد (٣) :
ولمّا اقتحمت الوغى دارعاً وقنّعت وجهك بالمغفر
حسبنا محيّاك شمس الضحى عليها سحابٌ من العنبر
وبين قول أبي بكر الرصافي (٤) :
لو كنت شاهده وقد غشي الوغى يختال في درع الحديد المسبل
لرأيت منه والقضيب بكفّه بحراً يريق دم الكماة بجدول
وقال يمدح الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني وقد توجّه إلى حلب قاضي القضاة:
стр. 1363
يمنٌ ترنّم فوق الأيك طائره وطائرٌ عمّت الدنيا بشائره
وسؤددٌ أصبح الإقبال ممتثلاُ في أمره ما أخوه العزّ آمره
ومنها (١) :
من مخبرٌ عني الشهباء أنّ كما ل الدين قد شيّدت فيه مقاصره
وأنّ تقليده الزاهي وخلعته ال تي تطرّز عطفيها مآثره
بالنفس أفديك من تقليد مجتهدٍ سواه يوجد في الدّنيا مناظره
أنشدت حين أدار البشر كأس طلىً حكت أوائله صفواً أواخره
وقد بدت في بياض الطّرس أسطره سوداً لتبدي ما أهدت محابره
ساقٍ تكوّن من صبحٍ ومن غسقٍ فابيضّ خدّاه واسودّت غدائره
وخلعة قلت إذ لاحت لتزرينا بالروض تطفو على نهر أزاهره
وقد رآها عدوٌّ كان يضمر لي من قبل سوءاً فخانته ضمائره
ورام صبراً فأعيته مطالبه وغيّض الدمع فانهلّت بوادره
بعودة الدولة الغرّاء ثالثةً أمنت منك ونام الليل ساهره
وقال أيضاً:
تسعّر في الوغى نيران حربٍ بأيديهم مهنّدة ذكور
ومن عجبٍ لظى قد سعّرتها جداول قد أقلّتها بدور
وقال ملغزاً في قالب لبن:
ما آكلٌ في فمين يغوط من مخرجين
مغرىً بقبضٍ وبسطٍ وما له من يدين
ويقطع الأرض سعياً من غير ما قدمين
стр. 1364
وخمّس لامية العجم مدحاً في رسول الله ﷺ ، قال الصفدي: ولمّا كنت في حلب كتب إليّ أبياتاً، انتهى.
٢٩١ - ومنهم أبو جعفر أحمد بن صابر، القيسي (١) ، قال أبو حيان: كان المذكور رفيقاً للأستاذ أبي جعفر ابن الزبير شيخنا، وكان كاتباً مترسلاً شاعراً، حسن الخط، على مذهب أهل الظاهر، وكان كاتب أبي سعيد فرج ابن السلطان الغالب بالله بن الأحمر ملك الأندلس، وسبب خروجه من الأندلس أنّه كان يرفع يديه في الصلاة على ما صح في الحديث، فبلغ ذلك السلطان أبا عبد الله، فتوعده بقطع يديه، فضج من ذلك وقال: إن إقليماً تمات فيه سنّة رسول الله ﷺ حتى يتوعّد بقطع اليد من يقيمها لجدير أن يرحل منه، فخرج وقدم ديار مصر، وسمع بها الحديث، وكان فاضلاً نبيلاً، ومن شعره:
أتنكر أن يبيضّ رأسي لحادثٍ من الدهر لا يقوى له الجبل الراسي
وكان شعاراً في الهوى قد لبسته فرأسي أمّيٌّ وقلبي عباسي
قلت: لو قال شيبي لكان الغاية.
وأنشد له بعضهم:
فلا تعجبا ممّن عوى خلف ذي علاً لكلّ عليٍّ في الأنام معاويه
قلت: لا يخفى ما فيه من عدم سلوك الأدب مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين (٢) ، ويرحم الله بعض الأندلسيين حيث قال في رجز كبير:
ومن يكن يقدح في معاويه فذاك كلبٌ من كلابٍ عاوية
стр. 1365
وأنشد أبو حيان للمذكور:
أرى الدهر ساد به الأرذلو ن كالسّيل يطفو عليه الغثا
ومات الكرام وفات المديح فلم يبق للقول إلا الرثا
وأنشد له أيضاً:
لولا ثلاثٌ هنّ والله من أكبر آمالي في الدنيا
حجٌّ لبيت الله أرجو به أن يقبل النيّة والسعيا
والعلم تحصيلاً ونشراً إذا رويت أوسعت الورى ريّا
وأهل ودٍّ أسأل الله أن يمتع بالبقيا إلى اللقيا
ما كنت أخشى الموت أنّى أتى بل لم أكن ألتذّ بالمحيا
وقال أبو حيان في هذه المادة:
أما إنّه لولا ثلاثٌ أحبّها تمنيت أنّي لا أعدّ من الأحيا
فمنها رجائي أن أفوز بتوبةٍ تكفّر لي ذنباً وتنجح لي سعيا
ومنهم صوني النفس عن كلّ جاهل لئيمٍ فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنهن أخذي بالحديث إذا الورى نسوا سنّة المختار واتبعوا الرأيا
أتترك نصّاً للرسول وتقتدي ... بشخص لقد بدّلت بالرشد الغيّا (١) ٢٩٢ - ومنهم الأستاذ أبو القاسم ابن الإمام القاضي أبي الوليد الباجي، سكن سرقسطة وغيرها، وروى عن أبيه معظم علمه، وخلفه بعد وفاته في حلقته وغلب عليه علم الأصول والنظر، وله تآليف تدل على حذقه: منها العقيدة في المذاهب السديدة ورسالة الاستعداد للخلاص من المعاد،
стр. 1366
وكان غاية في الورع، توفّي بجدة بعد منصرفه من الحج سنة ٤٩٣، رحمه الله تعالى.
٢٩٣ - ومنهم الإمام الفاضل الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الساحلي الغرناطي (١) . قال العز بن جماعة: قدم علينا من المغرب سنة ٧٢٤، ثمّ رجع إلى المغرب في هذه السنة، وبلغنا أنّه توفّي بمراكش سنة نيّف وأربعين وسبعمائة (٢) ، وأنشد والدي قصيدةً من نظمه امتدحه بها، وأنا أسمع، ومن خطه نقلت، وهي:
قفا مورداً عيناً جرت بعدكم دما أناضي أسفارٍ طوين على ظما
غدون أهلاّتٍ تناقل أنجماً ورحن حنيّات تفوّق أسهما
يجشّمها الحادي الأمرّين حسّراً ويوطئها الحادي الأحرّين هيّما
على منسميها للشقائق منبتٌ وفي فمويها للشقاشق مرتمى
إلى أن قال:
وتعساً لآمالٍ جهامٍ سحابها تزجّى ركاماً ما استهلّ ولا همى
تجاذبها نفسٌ تجيش نفيسةً ومن لم يجد إلا صعيداً تيمّما
فهل ذممٌ يرعاه ليلٌ طويته طواني سرّاً بين جنبيه منهما
أقبّل منه للبروق مباسما وأرشف من بهماء ظلمائه لمى
إلى أن تجلّى من كنانة بدرها فعرّس ركبي في حماه وخيّما
стр. 1367
ثمال اليتامى حيث ليس مظللٌ وكهف الأيامى أيّما عزٌّ مرتمى
ومنها:
فيا كفّه هل أنت أم غيث ديمةٍ أسالت عباباً في ثرى الجود عيلما
ويا سعيه يهنيك أجرٌ ثنى به على معطفي علياه برداً مسهّما
قضى بمنىً أوطار نفسٍ كريمةٍ وروّى صداها حين حلّ بزمزما
وناداه داعي الحق حيّ على الهدى فأسرج طوعاً في رضاه وألجما
فلله ما أهدى وأرشد واهتدى ولله ما أعطى وأوفى وأنعما
ومنها:
أمتّ بآدابٍ وعلمٍ كليهما أقاما لديك الدّعي فرضاً وألزما
وهي طويلة.
٢٩٤ - ومن الراحلين من الأندلس الوليد بن هشام، من ولد المغيرة بن عبد الرحمن الداخل فيما حكى بعض المؤرخين (١) ، خرج من الأندلس على طريقة الفقر والتجرّد، ووصل برقة بركوة لا يملك سواها فعرف بأبي ركوة، وأظهر الزهد والعبادة، واشتغل بتعليم الصبيان وتلقينهم القرآن، وتغيير المنكر، حتى خدع البربر بقوله وفعله، وزعم أن مسلمة بن عبد الملك بشّر بخلافته بما كان عنده من علم الحدثان، وكان يقال عن مسلمة: إنّه أخذ علم الحدثان عن خالد بن يزيد بن معاوية، وأخرج لهم أرجوزة أسنده إلى مسلمة، ومنها في وصفه:
وابن هشامٍ قائمٌ في برقه به ينال عبد شمسٍ حقّه
стр. 1368
يكون في بربرها قيامه وقرّة العرب لها إكرامه
واتفق أن قرة انحرفوا عن الحاكم فمالوا إليه، وحصروا معه مدينة برقة حتى فتحوها، وخطبوا له فيها بالخلافة، وكان قيامه في رجب سنة ٣٩٧، فهزم عسكر باديس الصّنهاجي صاحب إفريقية وعسكر الحاكم بمصر، وأحيا أمره، وخاطبه بطانة الحاكم لكثرة خوفهم من سفك الحاكم الدماء، ورغبوه في الوصول إلى أوسيم، وهو مكان بالجيزة قبالة القاهرة، فلمّا وصل إليها قام بمحاربته الفضل بن صالح القيام المشهور إلى أن هزم أبا ركوة، ثم جاء به إلى القاهرة، فأمر الحاكم أن يطاف به على جمل، ثم قتل صبراً في ١٣ رجب سنة ٣٩٩، ولما حصل في يد الحاكم كتب إليه:
فررت ولم يغن الفرار، ومن يكن مع الله لم يعجزه في الأرض هارب
ووالله ما كان الفرار لحاجةٍ سوى فزعي الموت الذي أنا شارب
وقد قادني جرمي إليك برمّتي كما اجترّ ميتاً في رحى الحرب سالب
وأجمع كلّ الناس أنّك قاتلي فيا ربّ ظنٍّ ربّه فيه كاذب
وما هو إلاّ الانتقام وينتهي وأخذك منه واجباً وهو واجب
ولأبي ركوة المذكور أشعار كثيرة، منها قوله:
بالسّيف يقرب كلّ أمرٍ ينزح فاطلب به إن كنت ممّن يفلح
وله:
على المرء أن يسعى لما فيه نفعه وليس عليه أن يساعده الدهر
وقوله:
إن لم أجلها في ديا ر العدا تملأ وعر الأرض والسّهلا
فلا سمعت الحمد من قاصدٍ يوماً ولا قلت له أهلا
стр. 1369
وله غير ذلك ممّا يطول، وخبره مشهور.
٢٩٥ - ومنهم أبو زكريا الطليطلي، يحيى بن سليمان (١) ، قدم إلى الإسكندرية، ثم رحل إلى الشام واستوطن حلب، وله ديوان شعر أكثر فيه من المديح والهجاء، قال بعض من طالعه: ما رأيته مدح أحداً إلا وهجاه، وله مصنفات في الأدب، ومن نظمه قوله:
أرضٌ سقت غيطانها أعطانها وزهت على كثبانها قضبانها
ومنها:
فتكت بألباب الكماة فسيفها من طرفها وسنانها وسنانها
لم يبق شخصٌ بالبسيطة سالماً إلاّ سبى إنسانه إنسانها
ومنها:
وتصاحبت وتجاوبت أطيارها وتداولت وتناولت ألحانها
وتنسّمت وتبسّمت أيامها وتهلّلت وتكلّلت أزمانها
بمديرها ومنيرها ونميرها ومعيرها حسناً جلاه عيانها
٢٩٦ - ومنهم أبو بكر يحيى بن عبد الله بن محمد، القرطبي، المعروف بالمغيلي (٢) ، سمع من محمد بن عبد الملك بن أيمن وقاسم بن أصبغ وغيرهما، ورحل فسمع من أبي سعيد ابن الأعرابي، وكان بصيراً بالعربية والشعر، ومؤلفاً جيد النظر حسن الاستنباط، حدّث، وتوفّي فجأة في شهر ربيع الأول سنة ٣٦٢، قاله ابن الفرضي.
стр. 1370
٢٩٧ - ومنهم الإمام المحدث أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يحيى ابن سلمة، الأنصاري، الغرناطي، قدم المشرق وتوفّي بمصر سنة ٧٠٣ عن نحو خمسين سنة، بالبيمارستان المنصوري، قال قاضي القضاة عبد العزيز ابن جماعة الكناني في كتابه نزهة الألباب (١) ": أنشدنا المذكور لنفسه بالقاهرة، بعد قدومه من مكّة والمدينة، وقد رام أن يعود إليهما فلم يتيسّر له:
لئن بعدت عنّي ديار الذي أهوى فقلبي على طول التباعد لا يقوى
فحدّث رعاك الله عن عرب رامةٍ فإنّي لهم عبدٌ على السرّ والنجوى
فإن متّ شوقاً في الهوى وصبابةً فيا شرفي إن متّ في حبّ من أهوى
فيا أيّها العذّال كفّوا ملامكم فما عندكم بعض الذي بي من الشكوى
ويا جيرة الحيّ الذي ولهي بهم أما ترحموا صبّاً يحنّ إلى حزوى
ويا أهل ذيّاك الحمى وحياتكم يمين وفيّ صادق القول والدّعوى
ملكتم قيادي فارحموا وترفّقوا فأنتم مرادي لا سعاد ولا علوى
فمالي سواكم سادتي لاعدمتكم فجودوا بوصلٍ أنتم الغاية القصوى
انتهى.
٢٩٨ - ومنهم الفاضل الأديب أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن علي (٢) ، الغرناطي، قال ابن جماعة في الكتاب المسمى قريباً أنشدني المذكور لنفسه، على قبر سيّدنا حمزة رضي الله تعالى عنه:
يا سيّد الشّهداء بعد محمدٍ ورضيع ذي المجد المرفّع أحمد
يا ابن الأعزّة من خلاصة هاشمٍ سرج المعالي والكرام المجدّ
يا أيّها البطل الشّجاع المحتمي دين الإله ببأسه المستأسد
يا نبعة الشرف الأصيل المعتلي يا ذروة الحسب الأثيل الأتلد